← Акыда

Акыда · id 8594

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية

شمس الدين الأفغاني

Полный текст (1 553 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

مكان، وأما هؤلاء الاتحادية - فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية، وكان السلف والأئمة أعلم بالإسلام وبحقائقه، فكانوا يعرفون سر أقوال هؤلاء الملاحدة وينفرون منها؛ ولذا قال بعضهم: (متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئاً، ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء، وذلك أن المتكلمين من الجهمية المعطلة ينفون صفات الله تعالى ويصفونه بصفات العدم [بل بصفات الممتنع] ؛ فيقولون: إن الله ليس بكذا، وليس بكذا: [أي إن الله لا فوق العرش، ولا تحت العالم، ولا اليمين، ولا الشمال، ولا الخلف، ولا الأمام] ؛ [فهؤلاء المتكلمون لا يعبدون شيئاً موجوداً، بل يعبدون معدوماً ممتنعاً] ، أما الصوفية الاتحادية الملاحدة - فهم يزعمون أن الله هو كل شيء، وكل شيء هو الله، فيعبدون جميع المخلوقات والكائنات بما فيها الشمس، والقمر، والبشر، والأوثان، فيجمعون كل شرك يرتكبه أصناف المشركين في العالم كله، وقد يجمع الرجل بين إلحاد المتكلمين وبين اتحاد هؤلاء الصوفية في آن واحد، فينفي صفات الله تعالى معطلاً لها واصفاً ربه بصفات المعدوم

стр. 1262

والممتنع على طريقة المتكلمين المعطلة نفاة الصفات، فيعبد المعدوم بل الممتنع، ومع ذلك يرى في الوقت نفسه: أن الله هو كل شيء، وكل شيء هو الله، على طريقة الصوفية الاتحادية الملاحدة، فيعبد كل شيء، وهكذا يتناقض فيجمع بين النقيضين. فإذا قيل له: لم تجمع بين، النقيضين إلى هذا الحد؟ أين ذلك النفي من هذا الإثبات؟ قال في الجواب: ذلك وجدي، وهذا ذوقي! ! . فيقال لهذا الضال: كل ذوق ووجد لا يطابق الاعتقاد - فأحدهما أو كلاهما باطل. وهؤلاء الملاحدة لو سلكوا طريق الأنبياء والمرسلين الذين أمروا بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله، واتبعوا طريق أئمة السنة * سلف هذه الأمة * - لسلكوا طريق الهدى ووجدوا برد اليقين * وقرة العين *؛ فإن الرسل جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل؛ بخلاف المعطلة فإنهم جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل. ٢ - وقال رحمه الله تعالى: وهؤلاء الزنادقة الملاحدة الاتحادية - مع هذا الكفر البواح والاتحاد الصراح - يوهمون الناس أنهم مشائخ الإسلام، وأئمة الهدى - الذين جعل الله لهم لسان صدق في الأمة،

стр. 1263

أمثال سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد. ٣ - وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : ومن أشنع كفر هؤلاء الملاحدة زعمهم أن الولي أفضل من النبي، ويقولون في ذلك: (مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي) ولذا يقول بعضهم: أنا أحتاج إلى محمد في علم الظاهر دون الباطن، لأنه بعث بعلم الظاهر دون الباطن، وهذا القائل كافر، أكفر وأشر من اليهود والنصارى، وكفر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى ومشركي العرب. ٤ - وقال رحمه الله تعالى: وهؤلاء الملاحدة المدعون ولاية الله تعالى من أشنع كفرياتهم: أن جبريل كان خيالاً في نفس النبي [ ﷺ ] ، ويزعمون أنهم أعلم من الأنبياء، مع أن جبريل ﵇ قد وصفه الله تعالى بأنه روح القدس، ووصفه بصفات يتبين منها: أنه من أعظم مخلوقات الله تعالى الأحياء العقلاء، وأنه جوهر قائم لا خيال كما يزعم هؤلاء الملاحدة.

стр. 1264

٥ - وقال رحمه الله تعالى: إن حقيقة أمر هؤلاء الملاحدة الوجودية الاتحادية - جحد الخالق، فإنهم جعلوا وجود المخلوق هو وجود الخالق، وحقيقة قول هؤلاء الزنادقة - قول فرعون الذي عطل الصانع، لكن هؤلاء الملاحدة أضل من فرعون؛ لأنهم زعموا أن فرعون هو الله، بل جعلوا عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله؛ بل قال هؤلاء الملاحدة المحرفين تحريف القرامطة: إن السحرة لما عرفوا صدق قول فرعون، وعلموا أنه ربهم الأعلى - قالوا لفرعون: صدقت ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] . ٦ - وقال رحمه الله تعالى: ثم هؤلاء أنكروا حقيقة اليوم الآخر: فجعلوا أهل النار يتنعمون كما يتنعم أهل الجنة، فصاروا كافرين بالله واليوم الآخر وبملائكته وكتبه ورسله، مع دعواهم أنهم خلاصة الخاصة من أهل الله، وأنهم أفضل من الأنبياء، مع أنهم أعظم الناس ولاية للشيطان، فقد قيض الله تعالى لهم شياطين، تخاطبهم وتتمثل لهم، فيظنون أنها ملائكة، وأنها من كرامات الأولياء، ومن هذه الأرواح الشيطانية -

стр. 1265

ذلك الروح الذي يزعم ابن عربي صاحب الفتوحات: أنه ألقى إليه ذلك الكتاب ((الفتوحات)) ؛ مع أن هذه كلها من الأحوال الشيطانية، وهم كانوا بها مناقضين للرسل صلوات الله عليهم. ٧ - وقال رحمه الله تعالى: ومن أشنع نماذج كفرهم الذي ارتكبوه بسبب القول بوحدة الوجود أنهم: (يقولون بأن النصارى إنما كفروا - لما خصصوا المسيح بأنه هو الله، ولو عمموا - لما كفروا، وكذلك يقولون في عباد الأصنام: إنما أخطئوا - لما اعتقدوا بعض المظاهر دون بعض، فلو عبدوا الجميع - لما أخطئوا عندهم. وهذا مع ما فيه من الكفر العظيم - فيه ما يلزمهم دائماً من التناقض، لأنه يقال لهم: فمن المخطئ؟) . ٨ - وقال رحمه الله تعالى: ومن كفرياتهم الإلحادية، وهذيانهم الاتحادي الذي وصلوا بسببه إلى غاية التنقص بالله ، ووصفهم له سبحانه، ورميهم له جل وعلا بجميع الأفعال القبيحة

стр. 1266

التي توجد في المخلوقات: من الكفر، والشرك، والزنى، واللواط، والكذب، والخيانة، والغش، والسرقة، وكل ما يتصور من القبائح، وبعكس ذلك يصفون المخلوق بجميع الصفات الكمالية لرب العالمين؛ وفي ذلك يقول العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) كاشفاً الأستار عن أسرار هؤلاء الملاحدة الكفرة الزنادقة: (يقولون: إن الرب هو الموصوف بجميع النقائص التي يوصف بها المخلوق، ويقولون: إن المخلوقات توصف بجميع الكمالات التي يوصف بها الخالق.... وهم مع هذا الكفر لا يندفع عنهم التناقض؛ فإنه من المعلوم بالحس والعقل: أن هذا ليس هو ذلك) . ٩ - ثم هؤلاء الملاحدة الزنادقة الحلولية الاتحادية * الوجودية القبورية الوثنية * - مع تلك الكفريات، وهذه الزندقة التي ذكرت بعض أمثلتها الوثنيات * - يزعمون أنهم أولياء الله تعالى، وأنهم أصحاب الكرامات * - وأنهم خلاصة الخاصة من أهل الله تعالى؛ بل يزعمون أنهم أفضل من الأنبياء، وأعلم منهم.

стр. 1267

١٠ - وقال الشيخ أبو الحسن علي الندوي الحنفي في بيان كفريات هؤلاء الملاحدة الزنادقة من الصوفية الاتحادية، أمثال ابن عربي (٦٣٨هـ) ، مبيناً عقيدة وحدة الوجود لهؤلاء الملاحدة عامة، ولا سيما ملاحدة الصوفية في الهند خاصة: (وقد كانت هذه الصبغة الوجودية في القرن العاشر.... هي السائدة في الهند؛ حتى كان الشعراء المتذوقون لهذه المعاني [العقائد الوجودية] يتغنون بهذه العقيدة، ويساوون بين الكفر والإيمان؛ بل قد يتعدون حدود ذلك إلى ترجيح الكفر على الإيمان، وكان الناس يرددون أبياتاً معناها: الكفر والإيمان قرينان، فمن لم يتمتع بالكفر لم يتمتع بالإيمان. ثم قيل في بعض الكتب شرحاً لهذا البيت، وإيضاحاً لمعناه: ((ثبت من ذلك أن الإسلام في الكفر، والكفر في الإسلام؛ يعني: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ٢٧] ؛ فالمراد بالليل هو الكفر، والمراد بالنهار هو الإسلام)) ....) .

стр. 1268

قلت: الحاصل: أن هذه الشبهة في الحقيقة من أعظم كفر هؤلاء الملاحدة الاتحادية * الصوفية، الحلولية، الزنادقة، الإلحادية، وقلدهم هؤلاء القبورية الوثنية * وقد عرفت بعض أمثلة كفرهم وإلحادهم وزندقتهم، وارتدادهم الصريح عن دين الإسلام * وخروجهم على النقل والعقل والحس وإجماع الأنام، ولا سيما الأئمة الأعلام *. ومن تلك الطامات هذه الشبهة التي تشبث بها القبورية * بدون أن يعرفوا حقيقة هؤلاء الاتحادية * تمهيداً لجواز الاستغاثة بالأموات * عند إلمام الملمات *. تعالى الله عما يشركون * وسبحانه عما يصفون *. هذا هو الجواب الأول، وأما الجواب الثاني فهو ما يلي: الجواب الثاني: أن هؤلاء القبورية الذين تشبثوا بهذا الحديث بعد تحريفهم له تحريفاً معنوياً * - قرمطياً حلولياً اتحادياً وثنياً * - هم مقلدون لهؤلاء الزنادقة الحلولية * الملاحدة الاتحادية * الذين ذكرت أمثلة كفرهم ونماذج زندقتهم في الجواب الأول: ١ - قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) في تحقيق هذا الجواب: (والنبهاني الضليل * ليس من أولئك القبيل *

стр. 1269

بل خسته مشهورة * ودناءته مذكورة * مع ما ضم إلى ذلك الضلال من العقائد الفاسدة في الإله عز اسمه، حيث أنه ممن قلد القائلين بالحلول والاتحاد، والغلو في النبي ﷺ ؛ حتى اعتقد فيه أنه موجود في كل زمان ومكان، والإغراء على دعاء غير الله , والالتجاء إلى ما سواه، وكل ذلك من متفرعات القول بوحدة الوجود؛ فإن القائلين بها لم يخطئوا عبدة الأصنام في عبادتهم، وكل كلام الله تعالى ينطبق على كلام غيره، فعندهم: أن ما تكلم به الإنسان نظماً ونثراً - فهو كلامه، وعليه قول الشيخ محيي الدين [ابن عربي الاتحادي الإلحادي] : ((وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه)) فلا شك أن روح النبهاني الخبيثة من جنود هذه الأرواح، وقد تعانقت مع أرواح الغلاة فائتلفت * وتناكرت مع أرواح الأصفياء الطاهرة القدسية فاختلفت *. ..... أفلا يستحي من هذا حاله؟ * ووصفه، أو اعتقاده، وجهله وضلاله * أن يخاصم أهل الحق، وفرسان العلم، وأئمة الإسلام، وبحور الفضل، وورثة الأنبياء، وهو ليس من قبيل هؤلاء الرجال * بل ولا ممن يعد في صف النعال *. وقد حمله شيطانه على إلقاء نفسه في هذه المهالك * وقاده إلى هذه المعارك *.

стр. 1270

وما أحسن ما قال القائل: ولقد أقول لمن تحرش بالهوى ... عرضت نفسك للبلا فاستهدف) ٢ - وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) مبيناً أن من تشبث النبهاني بقوله في الاستغاثة بالأموات عند الكربات: من الشعراء - هم من الحلولية أو الاتحادية * القبورية الوثنية * وأن القول بالحلول والاتحاد هو الذي سوغ له ولهم ذلك الشرك. (الوجه السابع: أن الشعراء الذين أورد النبهاني من شعرهم في الاستدلال على جواز الاستغاثة بغير الله والاحتجاج على مشروعية دعاء من سواه سبحانه - بل كل من كان على هذا المنهج من الغلاة - فهو إما من القائلين بالحلول والاتحاد، وهو الذي يسوغ له ذلك الدعاء والالتجاء؛ إذ الكل واحد؛ وعلى ذلك قول قائلهم: ((وتلتذ إن مرت على جسدي يدي ... لأني في التحقيق لست سواه)) وقال آخر: ((الرب عبد والعبد رب ... يا ليت شعري من المكلف)) وعندهم الوجود واحد؛ ولذلك قال من قال: ((سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها)) ؛ فإذا كان الله عين كل شيء [عند هذا الملحد]-

стр. 1271

فله أن يعبد كل شيء، إذ هي عين الحق. . . . والمقصود: أن من يذهب مذهب الغلاة في أهل القبور - فريقان:. الفريق الأول: من يقول بالاتحاد والحلول؛ إذ لا فرق حينئذ بين الخالق والمخلوق، ولا بين التراب ورب الأرباب، ومنهم النبهاني الزائغ؛ على ما أشعر كلامه واعتقاده في النبي ﷺ ؛ مع ما هو عليه من المسلك، وقد ذكرنا ذلك في أول الكتاب، ومثله كثير ممن أورد شعره. الفريق الثاني: الجهال بحقائق الدين ودقائقه، وهم أكثر من نقل النبهاني شعره؛ فهم لا يعلمون ما في كلامهم من المحاذير، ولو نبهوا عليها لانتبهوا؛ وهم في شعرهم وما قالوه في النبي ﷺ من الغلو - ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ، وقد رأينا من يعمل في قبور الأصفياء ما يعمل من المنكرات والأعمال التي لم تشرع - كلهم من العوام، وإن كانوا في زي العلماء الأعلام؛ فبطل جميع ما استشهد به من الشعر والحمد لله) . الجوابان: الثالث والرابع: ما قاله الإمام محمود الآلوسي (١٢٧٠ هـ) ، وتبعه في ذلك حفيده

стр. 1272

العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، والشيخ الرستمي: (وقال بعض.... الصوفية: ((إن الاستغاثة بالأولياء محظورة إلا من عارف يميز بين الحدوث والقدم، فيستغيث بالولي لا من حيث نفسه؛ بل من حيث ظهور الحق فيه، فإن ذلك غير محظور؛ لأنه استغاثة بالحق حينئذ)) . وأنا أقول: إذا كان الأمر كذلك، فما الداعي للعدول عن الاستغاثة بالحق من أول الأمر؟ . وأيضاً إذا ساغت الاستغاثة بالولي من هذه الحيثية - فلتسغ الصلاة والصوم وسائر أنواع العبادة له - من تلك الحيثية أيضاً، ولعل القائل بذلك قائل بهذا! بل قد رأيت لبعضهم ما يكون هذا القول بالنسبة إليه تسبيح! ولا يكاد يجري قلمي أو يفتح فمي بذكره! . فالطريق المأمون عند كل رشيد قصر الاستغاثة والاستعانة على الله ، فهو سبحانه الحي القادر العالم بمصالح عباده؛ فإياك والانتظام في سلك الذين يرجون النفع من غيره تعالى) .

стр. 1273

قلت: هذا النص مشتمل على جوابين: حاصل الجواب الأول: أنكم أيها القبورية الحلولية في قولكم الكفري هذا - قد طولتم الطريق على أنفسكم؛ فإنكم تزعمون جواز الاستغاثة بالولي من حيث ظهور الحق تعالى فيه، وأن المقصود هو الاستغاثة بالله تعالى لا بالولي؛ فهلا تستغيثون بالله تعالى مباشرة من أول الوهلة، ولم تطولون الطريق إلى الله على أنفسكم؟ . فمثلكم - مع كفركم الحلولي - كمن يمسك أذنه اليمنى من جانب الأذن اليسرى من قفاه. وقد قيل في أمثالكم من الحمقى ما قيل * مع كونكم من أهل الضلال والتضليل *: (أرى الأمر يفضي إلى آخر ... يصير آخره أولا) ولله در القائل الذي قال في أمثالكم السفهاء * أهل السفسطة والقرمطة مجانين العقلاء *: (أقام يعمل أياماً رويته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء) وأنتم أيها القبورية الحلولية في زعمكم هذا - كالماتريدية، والأشعرية، ونحوهم من الجهمية المعطلة المحرفة الذين يحرفون صفة ((الاستواء)) إلى ((الاستيلاء)) ؛ ثم يقولون: المراد من ((الاستيلاء)) ما هو اللائق بالله ؛

стр. 1274

فهلا قالوا ذلك في ((الاستواء)) - قبل تعطيلهم وتحريفهم - من أول الوهلة؟ ؟ . ولذلك نرى الإمام محمود الآلوسي (١٢٧٠هـ) يقول مبيناً حماقتهم وتناقضهم وجهدهم الخاسر: (وأنت تعلم أن المشهور من مذهب السلف في مثل ذلك تفويض المراد منه [أي الكيف لا المعنى] إلى الله تعالى؛ فهم يقولون: استوى على العرش على الوجه الذي عناه سبحانه.... وأن تفسير ((الاستواء)) بـ ((الاستيلاء)) - تفسير مرذول؛ إذ القائل به لا يسعه أن يقول: ((كاستيلائنا)) ؛ بل لابد أن يقول: هو ((استيلاء)) لائق به ، فليقل من أول الأمر: هو ((استواء)) لائق به جل وعلا) . قلت: هذا إذا صدقناكم أنكم في استغاثتكم بالولي تقصدون الله مع أن هذا حلول بواح وإلحاد صراح؛ وإلا فالأمر أدهى وأمر وأعظم * والبلية أشد وألهم وأعم *. هذا هو حاصل الجواب الأول، وهو الثالث بالنسبة إلى ما تقدم. وحاصل الجواب الثاني: أنكم أيها القبورية إذا جوزتم الاستغاثة بالولي من حيث إن الله تعالى قد حل فيه - فعليكم أن تجوزوا للولي الصلاة والصوم والزكاة وغيرها من العبادات من هذه الحيثية أيضاً؛ واعبدوا الأولياء بجميع العبادات * كما تعبدونهم بالاستغاثة بهم عند

стр. 1275

الملمات * - بحجة أن الله تعالى قد حل فيهم، وإذا لم تعبدوا الأولياء بالصلاة والصوم والزكاة ونحوها من العبادات * فأحرى وأولى أن لا تستغيثوا بالأولياء عند الكربات * لأن الاستغاثة عند الكربات - مخ العبادات ولبها. وهذا هو الجواب الرابع بالنسبة إلى ما تقدم. الجواب الخامس: ما قاله العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، مبيناً مفاسد هذه الشبهة وعواقبها الوخيمة، كاشفاً عن تحريفهم القرمطي الوثني لهذا الحديث، محققاً أن هؤلاء الزنادقة يقولون بتعدد الآلهة: ١ - (ومن العجيب أن كثيراً من الغلاة [في] أهل القبور الذين يندبون الصالحين ويستغيثون بهم ويستمدون منهم في السراء والضراء * والشدة والرخاء * - يعتقدون أن مدعويهم يسمعون الأصوات * سواء في ذلك من قرب ومن كان في أبعد الجهات *، وإذا توجهت إلى أحدهم سهام الطعن - يقول: ألم تسمع قوله ﷺ : (( «ما زال عبدي يتقرب إلي.... كنت سمعه الذي يسمع به» ....)) الحديث، وقد حمله بعض أهل الزيغ على ما يدعونه: من أن العبد إذا لزم العبادة الظاهرة والباطنة - حتى يصفى من الكدورات -

стр. 1276

أنه يصير في معنى الحق - تعالى الله عن ذلك -..... [أي أن الولي صار مثل الله في السمع والبصر والعلم والقدرة والإعطاء والمنع] . وقد تكلمت مع بعضهم يوماً حيث استمد بأحد شيوخه الذين أماتهم الله تعالى منذ مئين من السنين؛ فزعم أنه يحضر روحه، فينال الاستفاضة منه، فقلت له: بينك وبين مدعوك هذا عدة فراسخ وأميال، وربما كان مثلك في مائة بلدة وأكثر، وكلهم استمدوا من هذا الشيخ في آن واحد! فهل يسمعهم ويحضر عندهم؟ ..... قال: نعم. فقلت: قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١، والمائدة: ٧٧] . قال: هذا ليس من الغلو - وذكر الحديث السابق - قال: فإذا كان الله سمع المقربين - لا يستغرب مثل ذلك؛ فإن الله لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. قلت: فإذن تعددت الآلهة - تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً - حيث لم يبق فرق عند هؤلاء الزنادقة - بين الله سبحانه وبين من يدعون أنه كان يتقرب بالنوافل....) . ٢ - وقال ﵀ أيضاًَ، كاشفاً عن كفريات النبهاني (١٣٥٠هـ) ،

стр. 1277

وسلفه السبكي (٧٥٦هـ) ، وغيره من غلاة القبورية قديماً وحديثاً؛ مبطلاً شبهتهم في تحريف هذا الحديث تحريفاًَ وثنياً حلولياً؛ محققاً أن هذا يتضمن الكفر البواح الصراح من القول بتعدد الآلهة: (الوجه السابع: أن النبي ﷺ ، يعلم - عند النبهاني وأسلافه - ما كان وما يكون، بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فما فائدة إعلامه بما أعلمه به السبكي [٧٥٦هـ] ؟ : ((من أنه رجل شافعي المذهب، أشعري العقيدة! إلى آخر ما هذى....)) ؛ وهذا الذي ذكرناه - من أن الغلاة يعتقدون في النبي ﷺ ما ذكرناه - هو مما لم يمكنهم إنكاره؛ كيف والنبهاني - على ما أسلفنا - يقول: إن النبي ﷺ موجود في كل مكان * وكل زمان * وقد تكلمت يوماً مع أحد الغلاة الرفاعية الزنادقة ومشركيهم - إذا استغاث بالرفاعي (٥٧٨هـ) قبل الشروع في ذكرهم - فقلت له: هل يسمع الآن نداءك الرفاعي - وهو في قبره في أم عبيدة ويمدك؟ قال: نعم.

стр. 1278

قلت: فإذا اتفق مثلك في بلاد كثيرة ومواضع متعددة ألوف مؤلفة، وإن كانوا في أقطار شاسعة -[وكلهم ينادونه لدفع الضر مثلاً] فهل يسمعهم أحمد الرفاعي ويمدهم ويغيثهم؟؟ قال: نعم. قلت: هذا هو الغلو الذي نهى الله عنه في كتابه الكريم. قال: ليس هذا من الغلو، بل هو مقتفى الدين؛ ألم تسمع حديث الأولياء..... (( «كنت سمعه الذي يسمع به» ... )) الحديث؟ فظن هذا الغبي الجاهل أن معناه ما يعتقده إخوانه أهل الزيغ والإلحاد: من أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة والباطنة - حتى يصفى من الكدورات - يصير في معنى الحق - تعالى الله عن ذلك.... والمقصود: أن الغلاة يعتقدون أن الولي يعلم كما يعلم الله، ويبصر كما يبصر الله، ويسمع كما يسمع الله! فكيف بالنبي ﷺ وهو سيد الأولياء والأصفياء؟ فلا بد أنهم يعتقدون [فيه ﷺ ] فوق اعتقادهم في الولي.... إن السبكي أخطأ فيما فعله وأبان به جهله وغيه وضلاله، هذا حال السبكي الذي أعده النبهاني المسكين سلاحاً في ميدان الطعن بشيخ الإسلام [٧٢٨هـ] وجرحه،

стр. 1279

والحمد لله الذي جعل أعداء أهل الحق في كل عصر وزمان - من أجهل الناس وأضلهم وأغواهم.... ومن العجائب أن السبكي - مع هذه..... - قد جعله ابن حجر المكي [٧٩٤هـ] من المجتهدين الاجتهاد المطلق.... وأنه إمام التحقيق والتدقيق، وأنه ليس له نظير ولا قريب في كل فن.... فإذا جرى ذكر تقي الدين ابن تيمية وأصحابه من أهل الحديث الحفاظ المتقنين - شتمهم بكل ما خطر له ... فانظر إلى هذا التعصب وعدم الإنصاف؛ وهذا أحد الأسباب التي أوجبت انحطاط الإسلام إلى ما نرى، وأعظمها تطاول السفهاء، وإناطة الأمر إلى غير أهله، وعنده يترقب الخراب العام. وابن السبكي [٧٧١هـ] الذي جرى مجرى أبيه [في مناصرة القبوريات]- لم يدع منقبة من مناقب الأولين والآخرين إلا وأثبتها لوالده!! ظناً منه أن الحقائق تخفى، وما درى هذا المسكين أن الأمر كما قيل: ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم

стр. 1280

وفي المثل السائر: ((كل فتاة بأبيها معجبة)) . والمقصود: أن قدح السبكي بمثل شيخ الإسلام - كصرير باب * وطنين ذباب * ولولا التقى لقلنا: لا يضر السحاب * نبح الكلاب*) . الجواب السادس: استئصال هذه الشبهة باجتثاث جذورها بإبطال تحريفهم لهذا الحديث، وبيان معناه الصحيح: ١ - قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) مبيناً عدة معان لهذا الحديث: والجواب من وجوه: الأول: أن معناه: كنت سمعه وبصره في إيثاره لأمري وطاعتي. والثاني: أن معناه: أنه لا يسمع إلا ما يرضيني ولا يرى إلا ما أمرته به. والثالث: أن معناه: أني أعجل له مقاصده. والرابع: أن معناه: كنت له في النصرة كسمعه وبصره ويده على عدوه. والخامس: أنه على حذف المضاف والتقدير: كنت حافظ سمعه وبصره، بمعنى: أنه لا يسمع ولا يبصر إلا ما يحل له. والسادس: أن السمع مصدر بمعنى المسموع، كالأمل بمعنى المأمول. والمعنى: أنه لا يسمع إلا ذكري، ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي،

стр. 1281

ولا يمد يده إلا فيما يرضيني. والسابع: أن هذه عبارة عن ساعة إجابة دعائه. أي أن الله تعالى يقضي حوائجه السمعية والبصرية واللمسية. الحاصل: أن هذا الحديث كناية عن نصرة الله تعالى لعبده المطيع له، وتأييده وإعانته. ولهذا وقع في رواية: (( «فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي» )) . والمحصول: أنه لا دلالة في هذا الحديث على ما زعمته الاتحادية [* القبورية الوثنية الحلولية *] ولا متمسك لهم فيه بوجه من الوجوه، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ومن أعظم الحجج الساطعة، والبراهين القاطعة لدابر هؤلاء الاتحادية قوله ﷺ في آخر هذا الحديث: (( «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» )) فإنه صريح في الرد على هؤلاء الاتحادية [* الزنادقة الحلولية القبورية الوثنية*] ؛ فكما أن آخر هذا الحديث وما قدمناه في المعنى الصحيح يرد على الاتحادية، كذلك يرد على ابن جرجيس [إمام قبورية البغداية * المسائل لهؤلاء الوثنية الاتحادية *] ، وكذلك النصوص القطعية دالة على أن لا يدعى غير الله تعالى فيما هو من خصائصه سبحانه. ٢ -٧- قلت: هكذا فسر هذا الحديث كثير من علماء الحنفية؛

стр. 1282

وردوا على الملاحدة الحلولية والزنادقة الاتحادية * الذين هم أشنع أنواع القبورية الوثنية * - تحريفهم الاتحادي والحلولي لهذا الحديث. قلت: المقصود: أن هذه الشبهة باطلة فاسدة؛ وهي من كفريات الملاحدة الاتحادية، والزنادقة الوجودية، والوثنية الحلولية. الشبهة التاسعة عشرة: أن دعاء الأموات عند الكربات * ليس من العبادات * فليس من الشركيات * لقد سبق أن القبورية قد انحرفت عن الجادة الصحيحة في مفهوم العبادة، فحصرت العبادة في عدة الأعمال الظاهرة الإسلامية من الصلاة

стр. 1283

والزكاة والصوم والحج ونحوها، وبعض الأعمال القلبية من اعتقاد الربوبية. بناء على ذلك أخرجوا الدعاء والاستغاثة من مفهوم العبادة؛ فقالوا: إن الدعاء والاستغاثة بالأولياء * ونداءهم وطلب المدد منهم عند البلاء * - ليست هذه الأمور من العبادة في شيء، ولا من الشرك بالله ؛ لأن العبادة لا تتحقق إلا إذا اعتقد في غير الله القدرة الذاتية، والاستقلال بالنفع والضر، والربوبية، ونفوذ المشيئة لا محالة، وإذا كان الأمر كذلك - فمن استغاث بالأولياء ودعاهم لدفع الضر وجلب النفع، وطلب منهم المدد فهو لم يعبد غير الله، وإذا لم يعبد غير الله تعالى - لم يشرك به سبحانه أحداً من خلقه؛ إذن لا حرج على المضطر المكروب أن يستغيث بأولياء الله تعالى عند الكربات. ولقد سقت كثيراً من نصوص القبورية في مبحث العبادة في الباب الأول. ولكن يحسن للبرهنة على ذلك أن نسوق بعض نصوص القبورية الآخرين في صدد تقريرهم لهذه الشبهة: ١ - قال ابن جرجيس أحد أئمة القبورية العراقية (١٢٩٩هـ) : إن أعداء الله الخوارج الوهابية ترويجاً لبدعته، وحرصاً على تكفير

стр. 1284

المسلمين بنوا قواعد مذهبهم على أن نداء أهل القبور والتشفع بهم إلى الله - عبادة، وهو خطأ محض؛ لأن النبي ﷺ علمنا العبادة،وهي الدين كما في حديث جبريل، من الشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والإيمان بالله، والملائكة، وكتبه، ورسله، والقدر، والعبادة عبارة عن هذه الأشياء، وهي الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، ولا يتصور أن أحداً يؤمن بالله - يفعل شيئاً من هذه لأحد غير الله، ولم يقل أحد: إن النداء والتوسل عبادة، ولا أخبرنا الرسول ﷺ بذلك. ٢ - وقال: (وأما التوسل، والنداء، فليس من العبادة عند جميع المسلمين، لا لغة، ولا شرعاً، ولا عرفاً) . ٣ - وقال هذا الملبس ابن جرجيس أيضاً: (إن الدعاء الذي ذكره الله عن الكفار والمشركين - معناه: ((العبادة)) التي هي السجود والركوع والذبح والتقرب إلى ذواتهم على أنهم أرباب وآلهة، ولم يكن هذا في المسلمين ولله الحمد ممن يتوسل بالصالحين ويناديهم

стр. 1285

والنداء لأهل القبور والغائبين يسمى دعاء في اللغة، ولكن ليس هو ((دعاء العبادة)) ، ولو كان مطلق النداء والطلب يكون ((دعاء عبادة)) - لزم أن جميع من ينادي أحداً حياً أو ميتاً، ويطلب منه شيئاً - يكون مشركاً، عابداً للمنادى والمطلوب، ولا قائل بذلك لا عاقل ولا مجنون) . ٤ - ومثله كلام للقضاعي (١٣٧٦هـ) ، هكذا ترى القبورية يعمدون إلى جميع تلك الآيات الناهية عن دعاء غير الله فيحرفونها بتأويلها الباطل * القبوري الفاسد العاطل *: وهو أن المراد بالدعاء في تلك الآيات - هو العبادة بمعنى الصلاة والزكاة والركوع والسجود والذبح، على اعتقاد الربوبية لغير الله تعالى، وليس المراد من الدعاء في تلك الآيات - نداء الأموات وطلب الغوث منهم عند الملمات * والاستغاثة بهم عند الكربات *؛ فإن ذلك ليس من العبادة في شيء، وليس فيه أي محذور. والقبورية بناء على تعريفهم للعبادة تعريفاً غير جامع لجزئياتها وقصرها على بعض أفرادها - لإخراج دعاء الأموات عند الكربات * والاستغاثة بهم لدفع

стр. 1286

الملمات * - صرحوا بإبطال تعريف أئمة السنة وعلماء هذه الأمة للعبادة؛ فقد قالت القبورية في تعريف شيخ الإسلام للعبادة: (وقوله [أي شيخ الإسلام] : ((العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة)) - هراء، ليس بتعريف للعبادة) . الحاصل: أنه قد تبين من نصوص القبورية: أنهم قد حصروا ((العبادة)) على بعض أفرادها بتعريفهم الباطل للعبادة، الذي هو غير جامع لأفرادها، وأن تعريف أئمة السنة وأعلام الأمة للعبادة ولا سيما ما قاله شيخ الإسلام - باطل عندهم وهراء؛ كل ذلك لإخراج دعاء الأموات عند الكربات * والاستغاثة بهم لدفع الملمات *. هذا هو كان تقرير هذه الشبهة، والآن أنتقل إلى الجواب عنها وإبطالها بنصوص علماء الحنفية، فأقول، والله المستعان * وعليه التكلان: إبطال هذه الشبهة: لقد تصدى كثير من علماء الحنفية للرد على شبهة القبورية هذه، كما تصدوا لغيرها من شبهاتهم، فقد كشفوا تدليسهم عن تلبيسهم للحق بالباطل بعدة أجوبة، أذكر

стр. 1287

منها: خمسة: الجواب الأول: بذكر معاني ((العبادة)) و ((النداء)) و ((السؤال)) ، و ((الشفاعة)) و (الاستشفاع)) و ((النصر)) و ((الاستنصار)) و ((المدد)) و ((الاستمداد)) و ((العون)) و ((الاستعانة)) و ((الغوث)) و ((الاستغاثة)) و ((الدعاء)) ، وتحقيق أن دعاء الأموات عند الكربات، والاستغاثة بهم عند الملمات من أعظم أنواع العبادات. فأقول وبالله التوفيق * وبيده أزمة التحقيق *: ١ - العبادة: أما ((العبادة)) فقد تقدم في ضوء علماء الحنفية معنياها اللغوي، والاصطلاحي الشرعي، وأن الحق والصواب عند علماء الحنفية في تعريف العبادة - هو: أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، مع مراعاة غاية الخضوع وغاية الذل، وأن هذا التعريف للعبادة هو التعريف الصحيح طرداً وعكساً، جامع لجميع أفرادها، مانع عن دخول غيرها فيها.

стр. 1288

وأن تعريف القبورية للعبادة تعريف باطل مزيف، غير جامع لأفرادها، لخروج كثير من أنواع العبادات عن هذا التعريف، كالحب، والخضوع، والتوكل، والإنابة، والخوف، والرجاء، والطاعة، والدعاء، فكل هذا يصرف لغير الله بحجة أنها ليست من العبادة. وفيه قصر العام على بعض أفراده، وهو باطل بدون دليل مخصص؛ إذ لابد في التعريف الصحيح من أن يكون جامعاً مانعاً. وبناء على هذا يدخل ((الدعاء)) ، ونداء الأموات، والاستغاثة بهم في تعريف العبادة، بل ذلك من أعظم أنواع العبادة وأجلها. ٢ - النداء: وأما النداء: (فهو إحضار الغائب، وتنبيه الحاضر، وتوجيه المعرض، وتفريغ المشغول، وتهييج الفارغ، وهو في الصناعة: تصويتك بمن تريد إقباله عليك لتخاطبه ... والنداء: رفع الصوت وظهوره، وقد يقال للصوت المجرد ...

стр. 1289

والنداء للاستحضار ... ) وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : (إن النداء - هو: رفع الصوت بالدعاء، أو الأمر، والنهي، ويقابله النجى الذي هو المسارة وخفض الصوت، هذا بإجماع أهل اللغة ... ، وسمي هذا النداء دعاء......) . قلت: ويظهر من هذا التعريف للنداء - أن النداء أعم من الاستنصار، والاستمداد، والاستعانة، والاستغاثة، لأن النداء قد يكون لمجرد الإقبال والمحبة، ولا يقصد به طلب العون والغوث، غير أن المنادي إذا قصد بندائه إقبال المنادى وإرضاءه معتقداً أنه يسمع ويعلم فوق الأسباب العادية - فقد أشرك بالله تعالى في صفة السمع والعلم. وأما إذا قصد مع ذلك طلب ما لا يقدر به إلا الله - فهو إشراك بالله تعالى بالطريق الأولى. كما سبق تحقيقه في ضوء نصوص علماء الحنفية. ٣ -٤- السؤال، والطلب: أما السؤال: فهو طلب الأدنى من الأعلى. وأما الطلب: فهو عام فيما تسأله من غيرك ومن نفسك.

стр. 1290

والسؤال: لا يقال إلا فيما تطلبه من غيرك. قلت: تقدم تحقيق علماء الحنفية في أن من طلب من غير الله تعالى ما لا يقدر عليه إلا الله - فقد أشرك بالله تعالى. أما من طلب من غير الله ما يقدر عليه فهذا خارج عن الموضوع، ومنعه جنون، والخلط بين المسألتين تلبيس للحق بالباطل، كما تفعله القبورية. ٥ -٦- الشفاعة، والاستشفاع: وأما الشفاعة: (فهي سؤال فعل الخير، وترك الضر عن الغير لأجل الغير على سبيل الضراعة، ولا تستعمل لغة إلا بضم الناجي إلى نفسه من هو خائف من سطوة الغير) . وأما الاستشفاع: فهو استفعال: وهو طلب الشفاعة، يقال: (أشفعه إلى فلان: سأله أن يشفع له إليه) . قلت: بناء على هذا - من طلب من الحي الغائب أو الميت أن يشفع له عند الله في جلب النفع أو دفع الضر -

стр. 1291

على اعتقاد أنه يسمع ويعلم بحاله - فقد وقع في الشرك الذي وقع فيه الوثنية الأولى؛ فإن أصل إشراكهم بالله - هو هذا الاستشفاع كما حققه علماء الحنفية. ٧ -٨- النصر، والاستنصار: فأما النصر (فهو أخص من المعونة، لاختصاصه بدفع الضر) . والاستنصار: استفعال، وهو طلب النصر من الغير، يقال: (استنصره على عدوه: سأله أن ينصره عليه) . قلت: لقد سبق في ضوء نصوص علماء الحنفية أن الشرك، منه طلب النصر والمعونة من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. أما طلب النصر من الشخص فيما يقدر عليه لا شك في جوازه، ولا يمنعه أحد، بل يعد منعه جنوناً؛ ولكن لا يجوز أن يجعل ما هو المباح دليلاً على ما هو الشرك، لأن هذا تلبيس للحق بالباطل، وخروج عن الموضوع، ووضع الأدلة في غير موضعها؛ لأن النوع الأول [وهو طلب النصر من الغائب أو الميت] شرك بالله تعالى؛ لأن الغائب وكذا الميت لا يسمعان نداء المكروب، ولا يعلمان

стр. 1292

بحاله، ولا يقدران على نصره. قال الإمام الآلوسي ﵀ (١٢٧٠هـ) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ ... لَا يَسْمَعُوا﴾ ... ) [الأعراف: ١٩٧-١٩٨] : ( ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي تعبدونهم، أو تدعونهم من دونه للاستعانة بهم..... ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ في أمر من الأمور ... ﴿لَا يَسْمَعُوا﴾ أي دعاءكم، فضلاً عن المساعدة والإمداد) . أما النوع الثاني - وهو طلب النصر من الحي تحت الأسباب العادية - جائز لا محذور فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] ؛ قال الإمام النسفي (٧١٠هـ) : (أي إن وقع بينهم وبين الكفار قتال وطلبوا منكم المعونة فواجب عليكم أن تنصروهم على الكافرين) . ٩ -١١- المدد، والإمداد، والاستمداد: وأما المدد فهو: (ما يمد به الشيء، أي يزاد ويكثر، ومنه: أمد الجيش بمدد: إذا أرسل إليه زيادة) . وأما ((الإمداد)) : فهو الإعطاء، والإعانة.

стр. 1293

وأكثر ما يستعمل ((الإمداد)) في الخير بخلاف ((المد)) . وأما ((الاستمداد)) : فهو استفعال، وهو طلب المدد. قلت: التفصيل في الاستمداد كالتفصيل في الاستنصار والدعاء والطلب، فيجوز الاستمداد من الحي الحاضر تحت الأسباب، وأما الاستمداد من الغائب أو الميت - فهو إشراك بالله تعالى - على ما سبق مفصلاً محققاً بنصوص علماء الحنفية؛ فلا يجوز الخلط بين المسألتين، لأنه تلبيس للحق بالباطل. ١٢ -١٤- ((العون)) ، و ((المعونة)) ، و ((الاستعانة)) : وأما ((العون)) : فهو المعين والظهير على الأمر. وأما ((المعونة)) : فهي: الإعانة. وأما ((الاستعانة)) : فهي استفعال، معناه: طلب المعونة وطلب الإعانة. ولقد صرح علماء الحنفية بأن الاستعانة من غير الله تعالى على

стр. 1294

نوعين: الأول: الاستعانة من الحي الحاضر فيما تحت الأسباب العادية، فهذا لا حرج فيه. والثاني: الاستعانة من الغائب أو الميت، فهذا إشراك بالله تعالى؛ إذ هذا النوع من الاستعانة من أعلى أنواع العبادة؛ ولكن القبورية يلبسون الحق بالباطل؛ فيستدلون بالمباح منها على الشرك منها. ١٥ -١٦- ((الغوث)) ، و ((الاستغاثة)) : وأما ((الغوث)) : (فهو النصر والعون) . وأما ((الاستغاثة)) فاستفعال: وهي (طلب الغوث والنصر) . وقال العلامتان: نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، وشكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : (اعلم أن الاستغاثة بشيء: طلب الإغاثة منه، كما أن الاستعانة بشيء طلب الإعانة منه، فإذا كانت بنداء من المستغيث للمستغاث - كان ذلك سؤالاً منه، وظاهر أن ذلك ليس توسلاً إلى غيره) .

стр. 1295

قلت: يظهر من موارد لفظة ((الاستغاثة)) : أنها أخص من الاستمداد، والاستنصار، والاستعانة؛ لأن ((الاستغاثة)) تكون عند مس الحاجات * ونزول الملمات * وحدوث الكربات * فالنصر، والمدد، والعون الذي يطلبه المضطر والمكروب عند الكربة والشدة - هو الغوث، وفعل ذلك المضطر وطلب ذلك المكروب يسمى ((استغاثة)) ، يظهر ذلك من كلام أهل اللغة من الحنفية؛ فقد قال الزبيدي (١٢٠٥هـ) ، والمفسر الآلوسي (١٢٧٠هـ) ، واللفظ للأول: (ويقال: استغثت فلاناً............. قال شيخنا: قالوا: الاستغاثة: طلب الغوث، وهو التخليص من الشدة والنقمة، والعون على الفكاك من الشدة، ولم يتعد في القرآن إلا بنفسه كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] . وقد يتعدى بالحرف كقول الشاعر: حتى استغاث بما لا رشاء له ... من الأباطح في حافاته البرك

стр. 1296

ويقول المضطر الواقع في بلية: أغثني، أي فرج عني) . وقال الإمام ابن معط: (وتلحق اللام إذا استغثتا ... بمن تناديه إذا دهمتا) قلت: لأجل أن ((الغوث)) هو النصر عند الكربة خاصة - قالت الوثنية من الصوفية القبورية: (الغوث: هو القطب حينما يلجأ إليه، ولا يسمى في غير ذلك الوقت غوثاً) . ولذلك ترى هؤلاء القبورية الوثنية يسمون آلهتهم الباطلة أغواثاً، لاعتقادهم أنهم يغيثون المضطرين المكروبين المستغيثين بهم. قلت: إن من الواقع الملموس والشاهد المحسوس: أن عامة القبورية إنما يدعون الأموات * ويطلبون منهم المدد والنصر عند نزول الملمات ومس الحاجات وحدوث الكربات *.

стр. 1297

ولقد سبق عدة نصوص لعلماء الحنفية على أن القبورية أعظم عبادة وأشد تضرعاً وانكساراً وأكثر خضوعاً وذلاً للأموات * عند الاستغاثة بهم لدفع الكربات * - منهم في المساجد وأوقات الأسحار لخالق الكائنات *. فكيف يقال: إن الاستغاثة بالأموات لدفع الكربات * - ليست من العبادات؟ !! . وسبق أيضاً عدة نصوص لعلماء الحنفية: على أن القبورية في باب الاستغاثة بالأموات - أعظم شركاً من الوثنية الأولى، فكيف يقال: إن الاستغاثة بالأموات لدفع البليات * - ليست من الإشراك بخالق البريات *؟ !! فمن زعم أن الاستغاثة بالأموات عند إلمام الملمات * ليست من العبادات، وليس من الإشراك بخالق البريات * - فهو أجهل من أبي جهل بالله سبحانه، وبحقوقه جل وعلا. ١٧ - ((الدعاء)) : وأما ((الدعاء)) - فهو مصدر ((دعا)) ((يدعو)) وهو لغة يأتي لعدة معان ذكرها علماء الحنفية: ١) النداء: يقال: دعوت فلاناً وبفلان: ناديته وصحت به. ٢) السؤال: دعوت فلاناً: سألته. ٣) الاستغاثة: دعوت فلاناً: استغثته، والدعاء: الغوث، فالدعاء:

стр. 1298

النداء والاستغاثة. ٤) والطلب: دعوت فلاناً: استدعيته، وطلب جلب النفع ودفع الضر. ٥) الحث على فعل الشيء والدعوة إليه: دعا إليه: طلبه إليه. ٦) السوق: يقال: دعاه: ساقه إلى الأمير. ٧) التسمية: يقال: دعوت الولد زيداً، أو بزيد: إذا سميته بهذا الاسم. ٨) الجعل: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨] : أي جعلوا. ٩) العبادة: يطلق ((الدعاء)) ويراد به ((العبادة)) . ١٠) رفعة القدر، ورفع الذكر. و ((الدعاء)) في الاصطلاح الشرعي: اسم لجميع العبادة والاستعانة، فالدعاء الاصطلاحي نوعان: دعاء العبادة، ودعاء المسألة. أما النوع الأول: وهو دعاء العبادة - فمعناه: (الطلب والمسألة بامتثال الأمر واجتناب النهي) . وأما النوع الثاني: وهو دعاء المسألة - فمعناه:

стр. 1299

(المسألة، والطلب بالصيغة القولية) . فالدعاء على هذا: (الرغبة إلى الله تعالى فيما عنده من الخير، والابتهال إليه بالسؤال، ومنه قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] ... ) . تعريف آخر للدعاء وهو: (استدعاء العبد ربه ﷻ العناية واستمداده إياه) . تعريف آخر للدعاء وهو: (سؤال الله تعالى والاستعانة به في الشدائد وطلب إنجاح الحوائج وكشف المشكلات - معتقداً بأنه مالك للنفع والضر بلا حاجة إلى سبب) . قلت: معنى ((دعاء العبادة)) بعبارة أوضح: هو العبادة نفسها، فيكون ((الدعاء)) و ((العبادة)) اسمين مترادفين لمسمى واحد. أما ((دعاء المسألة)) فمعناه: النداء والاستمداد والاستنصار والاستغاثة لدفع الضر وجلب النفع، قولاً وسؤالاًَ وطلباًَ باللسان، ثم دعاء المسألة - فوق الأسباب - مخ العبادة، فإذا أردنا من ((الدعاء)) ((دعاء

стр. 1300

العبادة)) - يكون ((الدعاء)) بعينه ((العبادة)) ، وهما شيء واحد؛ كالأسد، والغضنفر، وغيرهما من المترادفات. وأما إذا أردنا من ((الدعاء)) ((دعاء المسألة)) - فإن كان فيما فوق الأسباب - يكون ((الدعاء)) نوعاً من أنواع العبادة، وفرداً من أفرادها، وجزيئاً من جزيئاتها؛ فيكون دعاء غير الله شركاً في العبادة، بل أمّا للشرك؛ لأن ((العبادة)) أمر كلي شامل لعدة من الجزئيات التي تندرج تحتها، ومن تلك الجزئيات ((دعاء المسألة)) ؛ فيكون ((دعاء المسألة)) خاصاً وأخص من ((العبادة)) التي هي أمر عام وأعم، فتكون النسبة بينهما عموم وخصوص مطلقاً:
следующие страницы →