Полный текст (1 553 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
ويقول المضطر الواقع في بلية: أغثني، أي فرج عني) .
وقال الإمام ابن معط:
(وتلحق اللام إذا استغثتا ... بمن تناديه إذا دهمتا)
قلت:
لأجل أن ((الغوث)) هو النصر عند الكربة خاصة - قالت الوثنية من الصوفية القبورية:
(الغوث: هو القطب حينما يلجأ إليه، ولا يسمى في غير ذلك الوقت غوثاً) .
ولذلك ترى هؤلاء القبورية الوثنية يسمون آلهتهم الباطلة أغواثاً، لاعتقادهم أنهم يغيثون المضطرين المكروبين المستغيثين بهم.
قلت:
إن من الواقع الملموس والشاهد المحسوس: أن عامة القبورية إنما يدعون الأموات * ويطلبون منهم المدد والنصر عند نزول الملمات ومس الحاجات وحدوث الكربات *.
стр. 1297
ولقد سبق عدة نصوص لعلماء الحنفية على أن القبورية أعظم عبادة وأشد تضرعاً وانكساراً وأكثر خضوعاً وذلاً للأموات * عند الاستغاثة بهم لدفع الكربات * - منهم في المساجد وأوقات الأسحار لخالق الكائنات *.
فكيف يقال: إن الاستغاثة بالأموات لدفع الكربات * - ليست من العبادات؟ !! .
وسبق أيضاً عدة نصوص لعلماء الحنفية:
على أن القبورية في باب الاستغاثة بالأموات - أعظم شركاً من الوثنية الأولى، فكيف يقال: إن الاستغاثة بالأموات لدفع البليات * - ليست من الإشراك بخالق البريات *؟ !! فمن زعم أن الاستغاثة بالأموات عند إلمام الملمات * ليست من العبادات، وليس من الإشراك بخالق البريات * - فهو أجهل من أبي جهل بالله سبحانه، وبحقوقه جل وعلا.
١٧ - ((الدعاء)) :
وأما ((الدعاء)) - فهو مصدر ((دعا)) ((يدعو)) وهو لغة يأتي لعدة معان ذكرها علماء الحنفية:
١) النداء: يقال: دعوت فلاناً وبفلان: ناديته وصحت به.
٢) السؤال: دعوت فلاناً: سألته.
٣) الاستغاثة: دعوت فلاناً: استغثته، والدعاء: الغوث، فالدعاء:
стр. 1298
النداء والاستغاثة.
٤) والطلب: دعوت فلاناً: استدعيته، وطلب جلب النفع ودفع الضر.
٥) الحث على فعل الشيء والدعوة إليه: دعا إليه: طلبه إليه.
٦) السوق: يقال: دعاه: ساقه إلى الأمير.
٧) التسمية: يقال: دعوت الولد زيداً، أو بزيد: إذا سميته بهذا الاسم.
٨) الجعل: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨] : أي جعلوا.
٩) العبادة: يطلق ((الدعاء)) ويراد به ((العبادة)) .
١٠) رفعة القدر، ورفع الذكر.
و ((الدعاء)) في الاصطلاح الشرعي: اسم لجميع العبادة والاستعانة، فالدعاء الاصطلاحي نوعان: دعاء العبادة، ودعاء المسألة.
أما النوع الأول: وهو دعاء العبادة - فمعناه:
(الطلب والمسألة بامتثال الأمر واجتناب النهي) .
وأما النوع الثاني: وهو دعاء المسألة - فمعناه:
стр. 1299
(المسألة، والطلب بالصيغة القولية) .
فالدعاء على هذا: (الرغبة إلى الله تعالى فيما عنده من الخير، والابتهال إليه بالسؤال، ومنه قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] ... ) .
تعريف آخر للدعاء وهو: (استدعاء العبد ربه ﷻ العناية واستمداده إياه) .
تعريف آخر للدعاء وهو: (سؤال الله تعالى والاستعانة به في الشدائد وطلب إنجاح الحوائج وكشف المشكلات - معتقداً بأنه مالك للنفع والضر بلا حاجة إلى سبب) .
قلت:
معنى ((دعاء العبادة)) بعبارة أوضح: هو العبادة نفسها، فيكون ((الدعاء)) و ((العبادة)) اسمين مترادفين لمسمى واحد.
أما ((دعاء المسألة)) فمعناه: النداء والاستمداد والاستنصار والاستغاثة لدفع الضر وجلب النفع، قولاً وسؤالاًَ وطلباًَ باللسان، ثم دعاء المسألة - فوق الأسباب - مخ العبادة، فإذا أردنا من ((الدعاء)) ((دعاء
стр. 1300
العبادة)) - يكون ((الدعاء)) بعينه ((العبادة)) ، وهما شيء واحد؛ كالأسد، والغضنفر، وغيرهما من المترادفات.
وأما إذا أردنا من ((الدعاء)) ((دعاء المسألة)) - فإن كان فيما فوق الأسباب - يكون ((الدعاء)) نوعاً من أنواع العبادة، وفرداً من أفرادها، وجزيئاً من جزيئاتها؛ فيكون دعاء غير الله شركاً في العبادة، بل أمّا للشرك؛ لأن ((العبادة)) أمر كلي شامل لعدة من الجزئيات التي تندرج تحتها، ومن تلك الجزئيات ((دعاء المسألة)) ؛ فيكون ((دعاء المسألة)) خاصاً وأخص من ((العبادة)) التي هي أمر عام وأعم، فتكون النسبة بينهما عموم وخصوص مطلقاً:
стр. 1301
بأن يكون الدعاء أخص مطلقاً، والعبادة أعم مطلقاً.
وأن كل دعاء عبادة ولا عكس.
قلت:
حاصل هذه المباحث اللغوية والاصطلاحية الشرعية التي ذكرها علماء الحنفية - هو إثبات أن دعاء الأموات * ونداءهم عند الكربات * والطلب منهم لإزالة المشكلات * والاستغاثة بهم لجلب المنافع ودفع المضرات * والاستغاثة بهم عند إلمام الملمات * والاستمداد منهم عند نزول الكربات - نوع من أعظم أنواع العبادات؛ فيكون شركاً من أكبر أنواع الإشراك بالله تعالى؛ فبطلت شبهة القبورية، وراحت أدراج الرياح.
الجواب الثاني:
بإثبات ورود لفظ ((الدعاء)) بالمعنيين السابقين.
لقد صرح علماء الحنفية بأن لفظ ((الدعاء)) قد ورد في الكتاب والسنة بمعنى ((السؤال)) تارة، وبمعنى ((العبادة)) أخرى.
стр. 1302
أما ورود الدعاء بمعنى السؤال، والنداء، والطلب، والاستغاثة، من الكتاب:
١ - فكقوله تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]- قد فسر بدعاء المسألة.
٢ - وقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ٤١] .
٣ - وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]- قد فسر بدعاء المسألة، أي الاستغاثة.
فقد قال الإمام ولي الله وغيره من علماء الحنفية مستدلين بهاتين الآيتين:
إن المراد من الدعاء فيهما: هو الاستعانة، لا العبادة؛ لأن المشركين كانوا يستعينون بغير الله في حوائجهم، فرد الله تعالى عليهم وأمرهم أن لا يدعوا إلا إياه.
٤ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] .
٥ - وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] .
٦ - وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] .
стр. 1303
قال العلامة شكري الآلوسي في الاستدلال بهذه الآيات على أن الدعاء فيها دعاء المسألة:
الدعاء في هذه الآيات دعاء المسألة حال الشدة والضرورة، لمناسبة الحال والضرورة، وما زال أهل العلم يستدلون بالآيات التي فيها الأمر بالدعاء، والنهي عن دعاء غيره - على المنع من مسألة المخلوق ودعائه بما لا يقدر عليه إلا الله، وكتبهم مشحونة بذلك.
٧ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] .. فالدعاء ههنا: النداء والاستغاثة. أي دعاء المسألة.
وقد ساق بعض علماء الحنفية عدة آيات غير ما ذكر لتحقيق أن ((الدعاء)) هو السؤال والنداء والاستغاثة لدفع الكربات * والاستمداد والاستنصار والطلب لجلب الخيرات *.
وأن الدعاء بهذا المعنى نوع من أنواع العبادة، بل من أعظم أنواعها وأجلها، وأن دعاء الأموات لدفع الكربات وجلب الخيرات من أعظم أنواع الشرك وأكبرها:
٩ - كقوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦] .
стр. 1304
١٠ - وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٤] .
١١ - وقوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] .
١٢ - وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] .
١٣ - وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] .
١٤ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨] .
١٥ - وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] .
١٦ -١٧- وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ ) [فاطر: ١٣-١٤] .
١٨ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤] .
١٩ -٢٠- وقوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٢-٧٣] .
٢١ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] .
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن ((الدعاء)) نداء، وطلب،
стр. 1305
واستغاثة عند الكربات * وأنه من أعظم أنواع العبادات وأجلها، وأن نداء الأموات من أكبر الشركيات *.
والمقصود: أن أهل العلم يستدلون بهذه الآيات التي فيها الأمر بدعاء الله وحده، والنهي عن دعاء غيره سبحانه - على المنع من سؤال المخلوق ما لا يقدر عليه؛ فكيف يصح زعم القبورية: أن المراد من ((الدعاء)) في هذه الآيات - هو الدعاء، بمعنى العبادة التي هي الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، لا الدعاء بمعنى السؤال، والطلب، والاستعانة، والاستغاثة.........؟
وأما ورود ((الدعاء)) بمعنى السؤال، والطلب في السنة:
فكقول الله فيما يرويه ﵊: (( «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه» ....)) .
وأما ما ورد في الكتاب والسنة من احتمال لفظ ((الدعاء)) للمعنيين: ((العبادة)) ، و ((الاستعانة)) .
١ - فكقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .
فالدعاء في هذه الآية يحتمل المعنيين:
الأول: ((العبادة)) : فمعنى ((ادعوني)) : (اعبدوني وأطيعوا أمري) .
стр. 1306
ومعنى ((أستجب لكم)) : (أثبكم) .
والثاني: ((السؤال والطلب)) : فيكون معنى ((ادعوني)) : (استغيثوني إذا نزل بكم ضر) و (سلوني) .
ومعنى ((أستجب لكم)) : (أعطكم) .
٢ - وكقوله ﷺ : (( «الدعاء هو العبادة» )) .
فقد فسر هذا الحديث بكلا النوعين من الدعاء: ((العبادة)) ، و ((السؤال)) .
الحاصل:
أنه قد تبين من تحقيق علماء الحنفية في ضوء الكتاب والسنة:
أن ((الدعاء)) يرد بمعنى ((العبادة)) - وهذا نزر قليل جداً، وحينئذ تكون ((الاستغاثة)) نوعاً من أنواع الدعاء الذي هو بمعنى ((العبادة)) .
ويرد بمعنى ((النداء، والطلب، والسؤال، والاستغاثة، والاستعانة)) وهذا الاستعمال أكثر في القرآن والسنة، وأغلب وأظهر وأصرح * وأقرب وأوفر وأوضح *.
وحينئذ يكون ((الدعاء)) نوعاً من أنواع العبادة، بل من أفضل أنواعها وأجلها * ومخها ولبها *.
стр. 1307
فمن دعا الأموات وناداهم واستغاث بهم عند الكربات * فقد عبد غير الله تعالى بأعظم أنواع العبادات * وأشرك أكبر أنواع الشرك بخالق الكائنات *.
الجواب الثالث:
أن ((الدعاء)) ، و ((العبادة)) بينهما تلازم، فأحدهما يستلزم الآخر، قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) :
(والمقصود هنا: أن دعاء الله - قد يكون ((دعاء عبادة)) لله، يثاب العبد عليه في الآخرة، مع ما يحصل له في الدنيا.
وقد يكون ((دعاء مسألة)) تقضى به حاجته، ثم قد يثاب عليه إذا كان مما يحبه الله، وقد لا يحصل له إلا تلك الحاجة، وقد يكون سبباً لضرر دينه، فيعاقب على ما ضيعه من حقوق الله تعالى) .
وقال ﵀: (فإن ابتغاء الوسيلة إليه - هو طلب ما يتوسل - أي يتوصل ويتقرب به إليه ، سواء كان على وجه العبادة، والطاعة، وامتثال الأمر [واجتناب النهي، وهذا هو الدعاء بمعنى العبادة] .
أو كان على وجه السؤال له [ ] ، والاستعاذة به رغبة في جلب المنافع ودفع المضار [وهذا هو الدعاء بمعنى السؤال، والنداء، والطلب] .
стр. 1308
ولفظ ((الدعاء)) في القرآن [وكذا في السنة] يتناول هذا وهذا:
((الدعاء)) بمعنى ((العبادة)) ، و ((الدعاء)) بمعنى ((المسألة)) ، وإن كان كل منهما يستلزم الآخر، لكن العبد قد تنزل به النازلة، فيكون مقصوده طلب حاجاته، وتفريج كرباته، فيسعى في ذلك بالسؤال، والتضرع - وإن كان ذلك من العبادة، والطاعة.... ثم الدعاء، والتضرع يفتح له من أبواب الإيمان بالله ومعرفته، ومحبته، والتنعم بذكره ودعائه - ما يكون أحب إليه وأعظم قدراً عنده من تلك الحاجة التي أهمته.... وقد يفعل العبد ابتداءً ما أمر به لأجل العبادة لله، والطاعة له، ولما عنده من محبة، وإنابة إليه، وخشية، وامتثال أمره - وإن كان ذلك يتضمن حصول الرزق، والنصر، والعافية) .
وقال ﵀: (إنهما متلازمان، فكل عابد سائل، وكل سائل عابد.... ولفظ الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، سميت به لتضمنها معنى الدعاء: دعاء العبادة والمسألة....) .
الجواب الرابع:
أن علماء الحنفية قد حققوا بالكتاب والسنة:
стр. 1309
أن ((الدعاء)) بمعنى النداء، والطلب، والسؤال، والاستمداد، والاستعانة، والاستغاثة فيما فوق الأسباب - من أعظم أنواع العبادة، وأجلها * ومخها، ولبها *.
أ- أما الكتاب:
١ - فقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .
وقد سبق كلام علماء الحنفية - آنفاً - في تفسير هذه الآية على أحد الوجهين:
أن معناها: استغيثوني إذا نزل بكم الضر واسألوني، أعطكم وأغثكم.
ومعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ (عن دعائي) .
قلت:
لقد صرح كثير من علماء الحنفية في تفسير هذه الآية: بأن إطلاق ((العبادة)) على ((الدعاء)) - * لأجل أن ((الدعاء)) مخ العبادة ولبها * ومن أعظم أنواعها، وأجل أفرادها *.
قال الإمام محمود الآلوسي (١٢٧٠هـ) وغيره من علماء الحنفية،
стр. 1310
واللفظ للأول:
(وجوز أن يكون المعنى: ((اسألوني أعطكم)) - وهو المروي عن السدي.
فمعنى قوله تعالى: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ -: (يستكبرون عن دعائي) ، لأن الدعاء نوع من العبادة، ومن أفضل أنواعها، بل روى ابن المنذر، والحاكم وصححه، عن ابن عباس أنه قال: (( «أفضل العبادة الدعاء» )) ، وقرأ الآية، والتوعد على الاستكبار عنه؛ لأن ذلك عادة المترفين المسرفين، وإنما المؤمن يتضرع إلى الله تعالى في كل تقلباته، وفي إيقاع ((العبادة)) صلة الاستكبار - ما يؤذن بأن ((الدعاء)) باب من أبواب الخضوع؛ لأن ((العبادة)) خضوع، ولأن المراد بالعبادة ((الدعاء)) ، والاستكبار إنما يكون عن شيء إذا أتي به لم يكن مستكبراً....
وهذا الوجه [أي جعل الدعاء بمعنى السؤال، وجعل العبادة ههنا بمعنى الدعاء]- أظهر بحسب اللفظ، وأنسب إلى السياق؛ لأنه لما جعل المجادلة في آيات الله تعالى من الكبر -
стр. 1311
جعل ((الدعاء)) وتسليم آياته من الخضوع؛ لأن الداعي له تعالى، الملتجئ إليه لا يجادل في آياته ... ) .
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥-٦] .
لقد استدل بهذه الآية الكريمة كثير من علماء الحنفية، منهم الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) ، والشيخ محمد المظفري - على أن الاستغاثة بالأموات شرك؛ لأنها عبادة لغير الله تعالى، بدليل قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ؛ وأن القبورية قد عبدوا الأموات بسبب استغاثتهم بهم عند الملمات من حيث لا يشعرون.
ب- وأما السنة:
١ - فقوله ﷺ : (( «الدعاء هو العبادة» )) ، ثم قرأ الآية؛
стр. 1312
فقد استدل بهذا الحديث جمع من علماء الحنفية على أن ((الدعاء)) - بمعنى النداء والاستعانة، والاستمداد، والاستغاثة - من أعظم أنواع العبادة وأجلها وأفضلها ومخها ولبها.
وفيما يلي بعض نصوص علماء الحنفية لتحقيق هذا المطلوب:
قال العلامة القاري (١٠١٤هـ) في شرح هذا الحديث، وكثير غيره من علماء الحنفية، واللفظ له:
(( ( «الدعاء هو العبادة» )) أي هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة، لدلالته على الإقبال على الله * والإعراض عما سواه *؛ بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه * قائماً بوجوب العبودية * معترفاً بحق الربوبية * عالماً بنعمة الإيجاد * طالباً لمدد الإمداد * على وفق المراد * وتوفيق الإسعاد *، ((ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ؛ قيل: استدل بالآية على أن ((الدعاء)) ((عبادة)) ؛ لأنه مأمور به، والمأمور به عبادة، وقال القاضي:
стр. 1313
استشهد بالآية لدلالتها على أن المقصود يترتب عليه ترتب الجزاء على الشرط، والمسبب على السبب، ويكون أتم العبادات، ويقرب من هذا قوله: (( «مخ العبادة» )) .
أي خالصها.
وقال الراغب: ((العبودية إظهار التذلل، ولا عبادة أفضل منه، لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى)) .
وقال الطيبي ﵀: ((يمكن أن تحمل ((العبادة)) على المعنى اللغوي:
стр. 1314
وهو غاية التذلل والافتقار والاستكانة، وما شرعت ((العبادة)) إلا للخضوع للباري، وإظهار الافتقار إليه، وينصر هذا التأويل ما بعد الآية المتلوة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ؛ حيث عبر عن عدم الافتقار والتذلل بالاستكبار، ووضع: ﴿عِبَادَتِي﴾ موضع: (دعائي) ، وجعل جزاء ذلك الاستكبار الهوان والصغار)) .
قال ميرك:
أتي بضمير الفصل، والخبر المعرف باللام؛ ليدل على الحصر في أن ((العبادة)) ليست غير ((الدعاء)) مبالغة،
стр. 1315
ومعناه: ((الدعاء)) معظم ((العبادة)) ، كما قال النبي ﷺ : (( «الحج عرفة» )) . أي معظم أركان الحج الوقوف بعرفة، أو المعنى: أن ((الدعاء)) هو ((العبادة)) سواء استجيب أو لم يستجب؛ لأنه إظهار العبد العجز والاحتياج من نفسه، والاعتراف بأن الله تعالى قادر على إجابته، كريم لا بخل له ولا فقر ولا احتياج له إلى شيء، حتى يدخر لنفسه ويمنعه عن عباده، وهذه الأشياء هي العبادة، بل مخها....
٢- وقوله ﷺ : (( «الدعاء مخ العبادة» )) .
стр. 1316
لقد استدل كثير من علماء الحنفية بهذا الحديث على أهمية الدعاء بمعنى النداء والطلب والاستعانة والاستغاثة، وأنه مخ العبادة ولبها، وأنه من أهم أنواع العبادة:
وفيما يلي بعض نصوص علماء الحنفية في شرح هذا الحديث لتحقيق هذا المطلوب:
١ - قال الحكيم الترمذي (٣٢٠هـ) :
стр. 1317
(الأصل السابع والعشرون والمائة في بيان أن الدعاء لم صار مخ العبادة ... إنما صار مخاً لها، لأنه تبري من الحول والقوة، واعتراف بأن الأشياء كلها له، وتسليم إليه، إن كان رزق، أو عافية، أو نوال، أو دفع عقاب، فمنه، إذا سأله فقد تبرأ من الاقتدار، والتملك، والحول، والقوة، والدعاء سؤال حاجة وافتقار، فإنما يظهر على القلب، ثم على اللسان، فما على القلب يسمى عبودة، وما على اللسان عبادة) .
٢ -٤- وقال العلامة القاري (١٠١٤هـ) ، والشيخ عبد الحق الدهلوي (١٠٥٢هـ) ، والغورغوشتوي (١٣٨٨هـ) واللفظ للأول:
(الدعاء مخ العبادة: أي لبها، والمقصود بالذات من وجودها، قيل: مخ الشيء خالصه، وما يقوم به كمخ الدماغ الذي هو نقيه، ومخ العين ومخ العظم شحمهما، والمعنى: أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء،
стр. 1318
كما أن الإنسان لا يقوم إلا بالمخ) .
٥ - وقال الإمام الفتني الملقب عند الحنفية بملك المحدثين (٩٨٦هـ) :
(الدعاء مخ العبادة، لأنه امتثال أمر الله بقوله: ﴿ادْعُونِي﴾ [غافر:٦٠] ، ولأنه إذا رأى نجاح الأمور من الله قطع أمله عما سواه، ودعاه لحاجته وحده، وهذا أصل العبادة، ولأن الغرض من العبادة الثواب عليها، وهو المطلوب بالدعاء) .
٦ - وقال الإمام ولي الله الدهلوي الملقب عند الحنفية بحجة الله على العالمين، وحجة الهند (١١٧٦هـ) :
(ومنها الدعاء، فإنه يفتح باباً عظيماً من المحاضرة، ويجعل الانقياد التام والاحتياج إلى رب العالمين في جميع الحالات بين عينيه، وهو قوله ﷺ : (( «الدعاء مخ العبادة» )) ....) .
٧ - وللعلامة شكري الآلوسي كلام مهم في شرح هذا الحديث وتحقيق أن الدعاء لب العبادة، ومن أجل أنواع العبادة، وأن الدعاء إيمان، أي من أعظم أعمال الإيمان.
стр. 1319
٨ - وللشيخ فضل الله الجيلاني الحنفي (١٩٧٩م) كلام نحو هذا.
٣ - وقوله ﷺ : (( «أشرف العبادة الدعاء» )) .
قال الشيخ فضل الله الجيلاني الحنفي (١٩٧٩م) في شرح هذا الحديث:
(أشرف العبادة: أي الأمور التي يظهر فيها المرء عبوديته وكونه عبد
стр. 1320
الله - فمن أشرفها الدعاء، أي ليس الدعاء إلا إظهار المرء فاقته والاستكانة إلى ربه.... إذ الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله، والاستكانة له، ولذا جعل جزاء الاستكبار الصغار والهوان...... وإذا اعتبرنا العبادات الشرعية سوى الدعاء - وجدنا الشارع قد شرع الدعاء في كل منها بما يوافق ذلك القصد، فصار الدعاء عبارة عن الأمرين: السؤال باللسان، والقصد بالجنان؛ لأن الدعاء باللسان إنما هو ترجمة لذلك القصد، فإذا صح هذا: فإننا إذا أفرزنا الدعاء من العبادة - وهو القصد القلبي، وترجمته اللسانية - لم يبق من العبادة إلا صورتها، ولا شك أن القصد القلبي مع الترجمة عنه - أكرم على الله تعالى وأشرف من صورة العبادة مجردة عن ذلك، ولهذا صح أن (( «الدعاء مخ العبادة» )) .
وهو معنى: أن الدعاء هو العبادة، على وزان قوله [ ﷺ ] : (( «الحج عرفة» )) ... ) .
الحاصل:
أن علماء الحنفية قد حققوا في ضوء نصوص الكتاب والسنة أن نداء الأموات عند الملمات * والاستغاثة بهم من أعظم العبادات * وأن هؤلاء
стр. 1321
القبورية بسبب استغاثتهم بالأموات عند البليات * قد عبدوهم وأشركوهم بخالق الأرضين والسماوات *.
ولذلك قال الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) ، والشيخ محمد المظفري، بعد ذكر عدة آيات كريمات، منها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ.... وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥-٦] :
لقد تبين أن هذا النوع من الدعاء في الحقيقة نوع من أنواع العبادة، لأن الله تعالى قد بين أن هؤلاء المدعوين سيكفرون بعبادة هؤلاء الداعين، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .
وقول النبي ﷺ : (( «الدعاء هو العبادة» )) ، وقوله ﷺ : (( «الدعاء مخ العبادة» )) ، فثبت أن دعاء هؤلاء القبورية ونداءهم الأولياء عند الكربات * واستغاثتهم بهم عند الملمات * أو زيارة قبورهم للاستعانة بهم - هو في الحقيقة عبادة من هؤلاء القبورية لهؤلاء الأولياء، وإن هم يزعمون أنهم يذهبون لزيارة قبورهم، ولا يعبدونهم، فهم قد عبدوهم وهم لا يشعرون.
قلت:
المقصود أنه قد ثبت بالكتاب والسنة ونصوص علماء الحنفية أن الدعاء والاستغاثة من أعظم أنواع العبادة ومخها ولبها،
стр. 1322
وأن القبورية باستغاثتهم بالأموات عند الكربات والملمات * قد عبدوا غير الله، وأشركوا بخالق البريات * فبطل زعمهم: أن الدعاء ليس من العبادات.
الجواب الخامس:
أن علماء الحنفية حققوا: أن المشركين السابقين قد كانت عبادتهم لآلهتهم الباطلة - هي هذا الالتجاء إليهم، من الدعاء والنداء عند الملمات * والاستعانة بهم والاستغاثة عند الكربات * وأن إشراكهم بالله هو استغاثتهم بغير الله عند البليات * وأن القبورية في ذلك على طريقة الوثنية الأولى، فكيف يصح زعمهم أن الدعاء ليس من العبادة؟ .
وفيما يلي بعض نصوص علماء الحنفية لتحقيق هذا المطلوب، وبالله التوفيق:
١ -٢- قال العلامتان: نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، وشكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، بعد تحقيق أن المشركين لم يشركوا بالله في الخالقية، والرازقية، والربوبية، واللفظ للأول:
(فكان جل أحوال المشركين مع آلهتهم - التوكل عليهم، والالتجاء إليهم بشفاعتهم.... ومن تأمل بعين الاستبصار في الشفاعة المنفية أولاً - علم أن المقصود بنفي الشفاعة نفي الشرك: وهو أن لا يعبد إلا الله، والدعاء عبادة كما ورد، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] ؛ فلا يسأل غيره، ولا يتوكل على غيره لا في شفاعة، ولا في
стр. 1323
غيرها.... فالشفاعة التي نفاها القرآن مطلقاً ... ما كان فيها شرك، وتلك منفية مطلقاً، والشفاعة المثبتة ما يكون بعد الإذن يوم القيامة، ولا تكون الشفاعة إلا لمن ارتضى....
إذا تبين هذا - فالمشركون قد كانت عبادتهم لآلهتهم هذا الالتجاء والرجاء والدعاء لأجل الشفاعة، معتقدين أنها المقربة لهم، فبسبب هذا الاعتقاد والالتجاء - أريقت دماؤهم، واستبيحت أموالهم...... فهذا الالتجاء بطلب الشفاعة ورجائها - عبادة لا تصلح إلا له ، وإنها من صرف حقوقه، ومن الشرك.
فإن قلت:
((إن المشركين كانوا يعبدونهم ونحن لا نعبدهم)) .
فالجواب:
أن عبادتهم هي هذا الالتجاء الذي أنت فيه، وكما أنك تدعو النبي ﷺ ....... وتدعو غيره ملتجئاً إليهم بطلب الشفاعة منهم - كذلك الأولون كانوا يدعون صالحين أنبياء ومرسلين * طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين * كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ، فبهذا الالتجاء والتوكل على هذه الشفاعة والرجاء -
стр. 1324
أشركوا) .
٣ -٤- وقالا أيضاً، واللفظ للثاني:
(ولئن قلت: ((إن النبي ﷺ مأذون له فيها)) .
فالجواب:
أنه ﷺ الآن موعود بالشفاعة، ووعد الله حق، لكنها مشروطة بيوم القيامة، وأنها بعد إذن الله ورضاه عن المشفوع فيه، فلا تطلب منه الآن - ولو كانت تطلب منه الآن - لجاز لنا أن نطلبها أيضاً ممن وردت الشفاعة لهم، كالقرآن، والملائكة، والأفراط، والحجر الأسود، والصالحين - ولجاز لنا أن ندعوهم، ونلتجئ إليهم، ونرجوهم بهذه الشفاعة؛ إذ لا فرق بين الجميع في الثبوت والإذن - فنصير إذن والمشركين الأولين في طريق واحد، وحال واحد، ولم نفترق إلا بالأسماء الظاهرة، وقول كلمة التوحيد من غير عمل بما فيها ولا اعتقاد لحقيقتها، ولا يقدم على ذلك من له أدنى مسكة من عقل، أو فكرة فيما صح من النقل.
стр. 1325
ومن نظر بعين الإنصاف * وتجنب سبيل الاعتساف * ونظر إلى ما كان عليه الأولون، وعرف كيف كان شركهم؟ وبماذا أرسل الله لهم النبي ﷺ ؟ وما هو التوحيد؟ وما معنى الإله والتأليه؟ وتبصر في العبادات وأنواعها - تحقق له: أن هذا الالتجاء والتوكل والرجاء، بمثل طلب الشفاعة - هو الذي حورب من أجله الأولون * وأرسل لأجل قمعه المرسلون * وبذلك نطق الكتاب * وبينه لنا خير من أوتي الحكمة وفصل الخطاب * سيما إذا استغيث بهم لدفع الشدائد والملمات * مما لا يقدر على دفعه ورفعه إلا خالق الأرض والسماوات * وقد كان المشركون الأولون إذا وقعوا في شدة - ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ، ومن فعل ذلك بحالتي الشدة والرخاء * بل في قسمي المنع والعطاء * - فقد جاوز حده * واستحق أن يكون سيف الرسالة غمده * قال سبحانه:
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤] .
إذا علمت هذا -
стр. 1326
ظهر لك قول العراقي [ابن جرجيس] :
((إن هذه الآية واردة في الأصنام)) الخ.
فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما نبه عليه الأصوليون، وإلا لتعطلت جميع المسائل، وكذا قوله [ابن جرجيس] : ((فهي رد على الكفار لا على المسلمين)) الخ.
فإنا قد ذكرنا: أنه لا فرق بين الفعلين * ولا تغاير بين الصنيعين * فما يستوجبه أحدهما يستوجبه الآخر؛ فإنه سبحانه إذا ذم فعلاً ورتب عليه حكماً - لا يختص به فرد دون فرد، ولا شخص دون شخص) .
٥ - وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) محققاً أن عبادة المشركين لآلهتهم - هي هذا الدعاء والالتجاء والنداء والاستغاثة:
(فالجواب عن هذه العبارة الركيكة، والكلام السخيف: قد سبق غير مرة، وذلك أن يقال: إن غالب عبدة الأصنام - لم تكن عبادتهم لها سوى ما ذكره العراقي، كما يدل على ذلك قوله سبحانه:
стр. 1327
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، وغير ذلك من الآيات، فطلب ما لا يقدر عليه أحد إلا الله سبحانه، والنداء في الشدائد، والالتجاء، ونحوه من أي مخلوق كان - هو عين عبادة الأصنام * من غير فرق عند ذوي البصائر، والأفهام * والتفرقة بينهما من غير فارق * ومن فرق فهو زائغ مارق*) .
تنبيه: للعلامة الخجندي كلام - يأتي نصه - يصلح أن يكون جواباً سادساً، وهو وجه عقلي وجيه.
الشبهة العشرون:
شبهة التسمية:
تزعم القبورية أن المشركين السابقين كانوا يسمون آلهتهم أرباباً، ويسمون معاملتهم معهم عبادة، بخلافنا نحن، فنحن لا نسمي الأولياء أرباباً، ولا نسمي معاملتنا معهم عبادة، بل نتوسل بهم، ونستغيث بهم، وهذا ليس بعبادة.
وفي ذلك قال ابن جرجيس (١٢٩٩هـ) :
(أولاً: أن المشركين الكفار اتخذوا من دون الله أولياء أي أرباباً....
ثانياً: أن الكفار يقولون: نعبدهم.
وأما التوسل، والنداء، فليس من العبادة عند جميع المسلمين، لا
стр. 1328
لغة، ولا شرعاً، ولا عرفاً) .
ومثله كلام لجميل صدقي الزهاوي العراقي (١٣٥٤هـ) .
والجواب: أن الحقائق لا تتغير بتغيير الأسماء، فالعبرة للحقائق الثابتة الواقعة، لا للأسماء، فالخمر خمر وإن غير اسمها، والزنى زنى وإن غير اسمه باسم مزخرف.
وفيما يلي بعض نصوص علماء الحنفية لإبطال هذه الشبهة:
١ - قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) بعد نقله قول ابن جرجيس العراقي (١٢٩٩هـ) السابق:
(وأما قول العراقي:........ فقد أراد به التفرقة بين الفريقين:
أعني هو وأضرابه المغالين في خلص عباد الله، والمشركين.
стр. 1329
وحاصل ما فرق به:
أن المشركين كانوا يسمون أولياءهم أرباباً، وهؤلاء لا يسمونهم بهذا الاسم.
وأن معاملتهم مع أوليائهم كانوا يسمونها عبادة، وهؤلاء لا يسمون استغاثتهم بالصالحين وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله منهم، ونداءهم في الملمات، ودفع الشدائد، والالتجاء إليهم، والنذر لهم، والحلف بهم - لا يسمون ذلك عبادة...... وهذا كله باطل، قاده إليه سوء فهمه، واتباعه لهواه، وبدعته، فإنه قد سبق أن الرب وضع للمعبود، كما وضع للمالك، والمربي، والخالق، وكذا لا يلزم أن لا يكون العمل عبادة إلا بالتسمية، فمن سجد لآخر - فقد اتخذه ربا وعبده، وإن لم يسم سجوده عبادة والمسجود له رباً، كما أسلفنا ذلك.
وقد مر أيضاً مراراً عديدة: أن من العبادة طلب ما لا يقدر عليه إلا الله، ونحو ذلك من خصائص الألوهية، والعبادة ليست منحصرة في الركوع والسجود) .
٢ - وقال ﵀ محققاً أن العبرة بالمسميات لا بالتسمية:
(وأما قوله:...... -
فمما يضحك الثكلى، بل لا تجد له معنى ولا محصلاً، وكأن مراده: أن الأفعال الشركية لا تكون شركاً - ما لم يسمها فاعلها عبادة،
стр. 1330
فيلزم أن لا يكون السجود مثلاً لغير الله تعالى شركاً - ما لم يسمه الساجد عبادة، (( ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ )) .
وقد صرح العلماء بأن المسميات ليست تابعة للأسماء، فالذهب مثلاً ذهب وإن سميناه رصاصاً، أو لم نسمه باسم) .
٣ - وقال ﵀ أيضاً، مبيناً أن لا عبرة للأسماء، وإنما العبرة للحقائق والمسميات:
(قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ؛ فسجل على من أمر بدعاء الصالحين والاستعانة بهم - بالجهالة، سواء سمى ذلك توسلاً وتشفعاً واستنصاراً أو كرامة، أو لم يسمه) .
٤ - وقال الإمام محمد البركوي (٩٨١هـ) مبيناً أن العبرة للحقائق والمسميات، مبطلاً شبهات القبورية في الأسامي:
(فالمعرض عن التوحيد مشرك وكافر، شاء أم أبى. والمعرض عن السنة مبتدع ضال، شاء أم أبى) .
٥ - وقريب منه كلام للإمام أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) .
٦ -٧- والشيخين: سبحان بخش الهندي، وإبراهيم السورتي.
стр. 1331
٨ -٩- وقد سبق قريباً كلام الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) وتبعه الشيخ المظفري:
أن القبورية باستغاثتهم بالأموات عند الكربات - يعبدونهم من حيث لا يشعرون، وإن هم يقولون: لا نعبدهم.
١٠ - وقال العلامة الخجندي (١٣٧٩هـ) محققاً أن محاولة تغيير الحقائق والمسميات والمصطلحات - بتغيير أسمائها - مكيدة من مكائد الشيطان التي أدخل بسببها الشرك على القبورية في قوالب شتى مزينة، وأسماء مزخرفة:
(نحن نعلم بالضرورة: أن النبي ﷺ لم يشرع لأحد أن يدعو أحداً من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم - بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت، ونحو ذلك، بل نعلم يقيناً أنه نهى عن هذه الأمور كلها، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله ﷺ ، وأن من أعظم مكائد الشيطان على بني آدم قديماً وحديثاً - إدخال الشرك فيهم في قالب تعظيم الصالحين، وتوقيرهم، بتغيير اسمه بالتوسل والتشفع، ونحوه، فالمشرك مشرك، شاء أم أبى،
стр. 1332
والزنى زنى، وإن سمي جماعاً، والخمر خمر وإن سمي شراباً، وكل معبود من دون الله - فهو جبت وطاغوت، ويدخل فيه رءوس الضلال، والكهان، وسدنة الأوثان، إلى عباد القبور، وغيرهم - بما يكذبون من الحكايات المضلة للجهال، الموهمة أن المقبور يقضي حاجة من توجه إليه وقصده - فيوقعهم في الشرك الأكبر وتوابعه * نعوذ بالله منه وطابعه *) .
١١ - وقال ﵀ أيضاً، محققاً أن الحقائق والمسميات - لا تتغير بتغير الأسماء، مع تحقيق أن ((نداء الأموات)) عبادة:
(اعلم: أن كثيراً من الناس يسمون أنفسهم: ((موحدين)) ، وهم يفعلون مثل ما يفعل جميع المشركين:
من دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، والنذر لهم، ولكنهم لا يسمون أعمالهم هذه: ((عبادة)) ، فيفسدون في اللغة، كما يفسدون في الدين، وقد يسمونها: ((توسلاً)) ، و ((شفاعة)) ، ولا يسمون من يدعونهم من دون الله أو مع الله: ((شركاء)) ، ولكنهم لا يأبون أن يسموهم: ((أولياء)) ، و ((شفعاء)) ، وإنما الحساب والجزاء على الحقائق، لا على الأسماء،
стр. 1333
ولو لم يكن منهم إلا دعاء غير الله، ونداؤه - لقضاء الحاجات * وتفريج الكربات * - لكفى ذلك عبادة له، وشركاً بالله ، وقال النبي ﷺ : (( «الدعاء مخ العبادة» )) ، رواه أبو داود، والترمذي، وهذا يفيد حصر العبادة الحقيقية في الدعاء، ومن تأمل تعبير الكتاب العزيز عن ((العبادة)) بـ ((الدعاء)) - في أكثر الآيات الواردة في ذلك - يعلم كما يعلم من اختبر أحوال البشر في عباداتهم: أن ((الدعاء)) هو: ((العبادة)) الحقيقية الفطرية - التي يثيرها الاعتقاد الراسخ من أعماق النفس، ولا سيما عند الشدة، وأما ما عدا الدعاء من العبادات في جميع الأديان - فكله أو جله، تعليمي تكليفي، يفعل بالتكليف، والقدوة، وقد يكون في الغالب خالياً عن الشعور - الذي به يكون القول، أو العمل: ((عبادة)) ، وهو الشعور بالسلطة الغيبية - التي هي وراء الأسباب العادية، أما ترى إلى حافظ الأدعية الراتبة - يحرك بها لسانه - وقلبه مشغول بشيء آخر،
стр. 1334
وإنما العبادة جد العبادة: في الدعاء - الذي يفيض على اللسان من سويداء القلب، وقرارة النفس، وهذا الدعاء الخالص - الذي يغشاه جلال الإخلاص) . [ولذا نقول: إنه هو العبادة ومخها ولبها] .
قلت:
لقد تبين للقراء الكرام بعد اطلاعهم على تحقيقات علماء الحنفية وجهودهم وأجوبتهم عن شبهات القبورية - التي تشبثوا بها لدعم وثنيتهم، وجواز استغاثتهم بالأموات * عند الكربات لدفع المضرات وجلب الخيرات *.
أن القبورية لا يمكن لهم الآن أن يخوفوا أحداً من أهل التوحيد بشبهاتهم التي هي أوهن من بيت العنكبوت * الذي لا قرار له، ولا له شيء من الثبوت * وتبين أن شبهاتهم كصرير باب * أو كطنين ذباب *.
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضيرني؟
وستعلم القبورية أيضاً أن علماء الحنفية قد حاسبوهم حساباًَ شديداً، حيث كشفوا الأستار عن أسرارهم، وبينوا أكاذيبهم وتلبيساتهم، وحققوا أنهم في استغاثاتهم بالأموات وثنية على دين الوثنية الأولى، وبهذه المناسبة أتمثل بالبيت الآتي:
ستعلم ليلى أي دين تدينت ... وأي غريم في التقاضي غريمها
وستعرف القبورية أن أهل التوحيد الذين ينبزونهم بالوهابية ليسوا وحدهم، رادين على القبورية.
стр. 1335
فلست وحيداً يا ابن حمقاء فانتبه ... ورائي جنودي كالسيول تدفق
وبعد ما عرفنا بطلان أهم شبهات القبورية في باب الاستغاثة - ننتقل إلى الباب الآتي في التوسل، لأن توسل القبورية في الحقيقة استغاثة بغير الله، وبذلك يستوفى الرد على القبورية في الاستغاثة بالأموات عند الكربات، فنقول وبربنا الرحمن المستعان نستعين *وعليه التكلان وبه نستغيث إذ هو المعين *:
*****
следующие страницы →