← Акыда

Акыда · id 8594

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية

شمس الدين الأفغاني

Полный текст (1 553 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

٨ -٩- وقد سبق قريباً كلام الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) وتبعه الشيخ المظفري: أن القبورية باستغاثتهم بالأموات عند الكربات - يعبدونهم من حيث لا يشعرون، وإن هم يقولون: لا نعبدهم. ١٠ - وقال العلامة الخجندي (١٣٧٩هـ) محققاً أن محاولة تغيير الحقائق والمسميات والمصطلحات - بتغيير أسمائها - مكيدة من مكائد الشيطان التي أدخل بسببها الشرك على القبورية في قوالب شتى مزينة، وأسماء مزخرفة: (نحن نعلم بالضرورة: أن النبي ﷺ لم يشرع لأحد أن يدعو أحداً من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم - بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت، ونحو ذلك، بل نعلم يقيناً أنه نهى عن هذه الأمور كلها، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله ﷺ ، وأن من أعظم مكائد الشيطان على بني آدم قديماً وحديثاً - إدخال الشرك فيهم في قالب تعظيم الصالحين، وتوقيرهم، بتغيير اسمه بالتوسل والتشفع، ونحوه، فالمشرك مشرك، شاء أم أبى،

стр. 1332

والزنى زنى، وإن سمي جماعاً، والخمر خمر وإن سمي شراباً، وكل معبود من دون الله - فهو جبت وطاغوت، ويدخل فيه رءوس الضلال، والكهان، وسدنة الأوثان، إلى عباد القبور، وغيرهم - بما يكذبون من الحكايات المضلة للجهال، الموهمة أن المقبور يقضي حاجة من توجه إليه وقصده - فيوقعهم في الشرك الأكبر وتوابعه * نعوذ بالله منه وطابعه *) . ١١ - وقال ﵀ أيضاً، محققاً أن الحقائق والمسميات - لا تتغير بتغير الأسماء، مع تحقيق أن ((نداء الأموات)) عبادة: (اعلم: أن كثيراً من الناس يسمون أنفسهم: ((موحدين)) ، وهم يفعلون مثل ما يفعل جميع المشركين: من دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، والنذر لهم، ولكنهم لا يسمون أعمالهم هذه: ((عبادة)) ، فيفسدون في اللغة، كما يفسدون في الدين، وقد يسمونها: ((توسلاً)) ، و ((شفاعة)) ، ولا يسمون من يدعونهم من دون الله أو مع الله: ((شركاء)) ، ولكنهم لا يأبون أن يسموهم: ((أولياء)) ، و ((شفعاء)) ، وإنما الحساب والجزاء على الحقائق، لا على الأسماء،

стр. 1333

ولو لم يكن منهم إلا دعاء غير الله، ونداؤه - لقضاء الحاجات * وتفريج الكربات * - لكفى ذلك عبادة له، وشركاً بالله ، وقال النبي ﷺ : (( «الدعاء مخ العبادة» )) ، رواه أبو داود، والترمذي، وهذا يفيد حصر العبادة الحقيقية في الدعاء، ومن تأمل تعبير الكتاب العزيز عن ((العبادة)) بـ ((الدعاء)) - في أكثر الآيات الواردة في ذلك - يعلم كما يعلم من اختبر أحوال البشر في عباداتهم: أن ((الدعاء)) هو: ((العبادة)) الحقيقية الفطرية - التي يثيرها الاعتقاد الراسخ من أعماق النفس، ولا سيما عند الشدة، وأما ما عدا الدعاء من العبادات في جميع الأديان - فكله أو جله، تعليمي تكليفي، يفعل بالتكليف، والقدوة، وقد يكون في الغالب خالياً عن الشعور - الذي به يكون القول، أو العمل: ((عبادة)) ، وهو الشعور بالسلطة الغيبية - التي هي وراء الأسباب العادية، أما ترى إلى حافظ الأدعية الراتبة - يحرك بها لسانه - وقلبه مشغول بشيء آخر،

стр. 1334

وإنما العبادة جد العبادة: في الدعاء - الذي يفيض على اللسان من سويداء القلب، وقرارة النفس، وهذا الدعاء الخالص - الذي يغشاه جلال الإخلاص) . [ولذا نقول: إنه هو العبادة ومخها ولبها] . قلت: لقد تبين للقراء الكرام بعد اطلاعهم على تحقيقات علماء الحنفية وجهودهم وأجوبتهم عن شبهات القبورية - التي تشبثوا بها لدعم وثنيتهم، وجواز استغاثتهم بالأموات * عند الكربات لدفع المضرات وجلب الخيرات *. أن القبورية لا يمكن لهم الآن أن يخوفوا أحداً من أهل التوحيد بشبهاتهم التي هي أوهن من بيت العنكبوت * الذي لا قرار له، ولا له شيء من الثبوت * وتبين أن شبهاتهم كصرير باب * أو كطنين ذباب *. فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضيرني؟ وستعلم القبورية أيضاً أن علماء الحنفية قد حاسبوهم حساباًَ شديداً، حيث كشفوا الأستار عن أسرارهم، وبينوا أكاذيبهم وتلبيساتهم، وحققوا أنهم في استغاثاتهم بالأموات وثنية على دين الوثنية الأولى، وبهذه المناسبة أتمثل بالبيت الآتي: ستعلم ليلى أي دين تدينت ... وأي غريم في التقاضي غريمها وستعرف القبورية أن أهل التوحيد الذين ينبزونهم بالوهابية ليسوا وحدهم، رادين على القبورية.

стр. 1335

فلست وحيداً يا ابن حمقاء فانتبه ... ورائي جنودي كالسيول تدفق وبعد ما عرفنا بطلان أهم شبهات القبورية في باب الاستغاثة - ننتقل إلى الباب الآتي في التوسل، لأن توسل القبورية في الحقيقة استغاثة بغير الله، وبذلك يستوفى الرد على القبورية في الاستغاثة بالأموات عند الكربات، فنقول وبربنا الرحمن المستعان نستعين *وعليه التكلان وبه نستغيث إذ هو المعين *: *****

стр. 1336

الباب التاسع في جهود علماء الحنفية في إبطال شبهات القبورية في التوسلات الشركية والبدعية وفيه فصول ثلاثة: - الفصل الأول: في تعريف التوسل والوسيلة لغة واصطلاحاً شرعياً عند علماء الحنفية وعند القبورية. - الفصل الثاني: في جهود علماء الحنفية في بيان أنواع التوسل، الشرعية منها والقبورية، وإبطال التوسلات القبورية، الشركية منها والبدعية. - الفصل الثالث: في جهود علماء الحنفية في إبطال شبهات القبورية في توسلاتهم الشركية والبدعية.

стр. 1337

الفصل الأول في تعريف التوسل والوسيلة لغة واصطلاحاً شرعياً عند علماء الحنفية وعند القبورية. وفيه مطالب ثلاثة: - المطلب الأول: في تعريف التوسل والوسيلة لغة. - المطلب الثاني: في بيان التوسل والوسيلة في اصطلاح الشرع عند علماء الحنفية. - المطلب الثالث: في بيان التوسل والوسيلة في اصطلاح القبورية وأنواع التوسل عندهم.

стр. 1338

المطلب الأول في تعريف التوسل والوسيلة لغة لقد ذكرت بعض جهود علماء الحنفية في المباحث السابقة في إبطال عقيدة القبورية في الاستغاثة بغير الله تعالى. وحققت على لسان علماء الحنفية: أن القبورية باستغاثتهم بالأموات مرتكبون للشرك برب البريات. بل واقعون في أم لعدة أنواع من الشرك بخالق الكائنات، وأنهم أشد وأشنع وأبشع شركاً من الوثنية الأولى في باب الاستغاثات. وأنهم أشد خوفاً ورجاء وأكثر خشوعاًَ وخضوعاً وأعظم عبادة للأموات منهم لخالق الأرضين والسماوات في المساجد والأسحار من الأوقات. وبهذه التحقيقات والمقارنة التي قام بها علماء الحنفية تحقق أن القبورية فرقة مشركة وثنية. ولما كان توسل القبورية من جنس استغاثتهم بالأموات، ناسب الكلام عليه عقب باب الاستغاثة. لذا عقدت له في هذا الباب. ويقتضي وضع هذا الباب أن يكون مشتملاً على فصول ثلاثة. أما الفصل الأول ففيه مطالب ثلاثة:

стр. 1339

أتولى فيها الكلام على التوسل لغة، واصطلاحاً، وأميز بين أنواع التوسل الشرعي، وبين أنواع التوسل الشركي البدعي. وأذكر بعض جهود علماء الحنفية في إبطال التوسل القبوري. كما أذكر بعض جهودهم في إبطال شبهات المتوسلين بالأموات. فأقول وبربي أستغيث وأستعين، إذ هو المستغاث المغيث، المستعان المعين: أ- التوسل لغة: ((التوسل)) تفعل من مادة ((وس ل)) وله معان ثلاثة: الأول: التقرب إلى الشيء بشيء: بعمل، أو كتاب، أو قرابة، أو سبب آخر. فالتوسل: هو التقرب إلى شيء بوسيلة أيا كانت. وبلفظ آخر: التوسل: هو ابتغاء الوسيلة ليتقرب بها إلى شخص آخر، للحصول على مطلوبه منه بسببها. الثاني: الشفاعة: يقال: شفعت: إذا كنت متوسلاً له. الثالث: السرقة: يقال: أخذ فلان إبل فلان توسلاً: أي سرقة خفية.

стр. 1340

قلت: يمكن أن يرجع المعنيان: الثاني والثالث إلى الأول، لأن الشفاعة أيضاً وصول إلى المطلوب بسبب، وأخذ فلان إبل فلان توسلاً أيضاً، حصول لهذا المطلوب بنوع من السبب الخفي. الحاصل: أن ((التوسل)) مصدر من باب ((التفعل)) . وباب ((التفعل)) له عدة معان، منها ((الاتخاذ)) ، نحو ((توسد الحجر)) فمعنى ((التوسل)) اتخاذ الوسيلة إلى الشخص لحصول المطلوب منه. ب- ((الوسيلة)) لغة: إذا كان التوسل: هو اتخاذ الوسيلة، وابتغاؤها، فما معنى الوسيلة؟ . والجواب أن الوسيلة لها عدة معان أذكر بعضها: ١ - التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من ((الوصيلة)) لتضمنها لمعنى الرغبة. ٢ - كل ما يتوصل به إلى الشيء وما يتقرب به إلى الآخر.

стр. 1341

٣ - القربة. ٤ - الرغبة. ٥ - الحاجة. قلت: من شواهد هذا المعنى للوسيلة قول عنترة بن شداد: إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي

стр. 1342

فقد استشهد به السيوطي (١١١هـ) وغيره لكون الوسيلة بمعنى الحاجة. ولكن جعله الإمام ابن جرير الطبري (٣١٠هـ) وغيره شاهداً لكون الوسيلة بمعنى القربة. واضطرب صنيع بعض الفضلاء فذكره شاهداً للمعنيين: (الحاجة والقربة) . قلت: لا يصلح هذا البيت شاهداً لكون الوسيلة بمعنى ((القربة)) لأن الشاعر يقصد (مخاطباً زوجه منكراً على إنكار زوجه على اهتمامه بمهره) : أنه دائماً يهتم بتربية مهره ليكون مستعداً لدفع هجوم أعدائه، لأنهم إن أسروه استخفوا به، ويمشي على أقدامه، وإن أسروها يكرموها ويركبوها، لأن لهم حاجة ماسة إليها وهي أيضاً ستكتحل لهم وتتخضب لتتزين لهم، بحكم الأنوثة، كما يدل على كل ذلك قصيدته التي منها هذا البيت. ٦ - المحبة. ٧ - الطلب.

стр. 1343

٨ - المسألة. قلت: ((المسألة)) و ((الطلب)) و ((الحاجة)) بمعنى واحد. ٩ - القربى. ١٠ - الوصلة. قلت: يمكن رجوع ((القربى)) إلى ((القربة)) وكذا ((الوصلة)) . ١١ - المنزلة عند الملك. ١٢ - الدرجة. قلت: هذا المعنى أعم من الذي قبله. ١٣ - الذريعة والسبب. قلت: يمكن رجوع هذا المعنى إلى الأول. ١٤ - وكيل الرجل. وغيرها من معاني الوسيلة. أقول: يظهر من كلام أهل اللغة: أن ((الوسيلة)) قد يراد بها المعنى الاسمي، نحو:

стр. 1344

((الحاجة)) ، و ((المنزلة)) ، و ((القرابة)) ، و ((الوكيل)) ، و ((كل ما يتوسل به إلى المقصود)) . وقد يراد بها المعنى المصدري، نحو: ((المحبة)) ، و ((الرغبة)) ، و ((الطلب)) ، ونحو ذلك. هذه كانت عدة معان لغوية للوسيلة، ذكرتها عن علماء الحنفية وغيرهم، وبعد هذا أنتقل إلى معنى التوسل والوسيلة الاصطلاحي الشرعي عند علماء الحنفية. *****

стр. 1345

المطلب الثاني في بيان التوسل والوسيلة في اصطلاح الشرع عند علماء الحنفية لقد سبق أن ذكرت معاني التوسل والوسيلة اللغوية عن علماء الحنفية وغيرهم. وفي هذا المطلب أذكر معنى التوسل والوسيلة الاصطلاحي الشرعي عند علماء الحنفية. فأقول وبالله التوفيق: لقد صرح علماء الحنفية بأن الوسيلة في شرع الله تعالى هي القربة إلى الله ، وما يتقرب به إلى الله . أقول: ((القربة)) إلى الله معنى مصدري للوسيلة. و ((ما يتقرب به إلى الله سبحانه)) معناها الأسمى. والمناسبة بين المعنى اللغوي، وبين المعنى الاصطلاحي للوسيلة - أن المعنى اللغوي أعم مطلقاً، وأن المعنى الاصطلاحي أخص مطلقاً، فيكون معناها الاصطلاحي فرداً من أفراد معناها اللغوي، وإذا ثبت

стр. 1346

أن ((الوسيلة)) الشرعية إنما هي: ((القربة)) أو ((ما يتقرب به)) ، ولكن لا مطلقاً؛ بل إلى الله جل وعلا - فيكون معنى ((التوسل)) اتخاذ ((القربة)) ، و ((ابتغاؤها)) ، و ((اتخاذ)) ((ما يتقرب به)) و ((ابتغاؤه)) ، ولكن لا مطلقاً، بل إلى الله . ثم المراد من ((القربة)) إلى الله تعالى، واتخاذ ((القربة)) وابتغاؤها، ليس مطلقاً أيضاً. بل المراد من ((القربة)) إلى الله ، واتخاذ ((القربة)) وابتغائها إليه جل وعلا - ((القربة)) و ((ابتغاؤها)) إليه سبحانه بما يرضيه، وذلك لا يمكن إلا بطاعته: من امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وذلك بفعل الطاعات، وترك السيئات، فهذا مسمى ((الوسيلة)) ومصداقها. فالتوسل الاصطلاحي الشرعي - هو التقرب إلى الله بفعل الطاعات، وترك المنكرات. هذا هو حاصل كلام علماء الحنفية في تعريف التوسل والوسيلة في اصطلاح الشرع، وبيان مسماها ومصداقها. ****

стр. 1347

المطلب الثالث في بيان التوسل والوسيلة في اصطلاح القبورية وأنواع التوسل عندهم لقد ذكرت خلاصة مذهب علماء الحنفية في تعريف التوسل والوسيلة في شرع الله تعالى. وبيان مصداقهما، ومسماهما: أن ((الوسيلة)) هي القربة إلى الله بما يرضيه، وأن ((التوسل)) هو التقرب إلى الله جل وعلا بما يرضاه، وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. ولكن القبورية شذوا فأدخلوا في مفهوم ((الوسيلة)) و ((التوكل)) الاستغاثة بالأموات، لرفع الكربات وجلب الخيرات، وقد سبق أن ذكرت عقيدة القبورية في الاستغاثة والتوسل بالأموات على وجه التفصيل، فلا حاجة إلى الإعادة. ولكن أذكر ما لا بد من ذكره ههنا لعرض مذهب القبورية في التوسل بالأموات، في عدة من الفقرات والكلمات، فأقول وبربي أستعين وأستغيث، إذ هو المعين وهو المغيث:

стр. 1348

١ - قول عامة القبورية: إن الاستغاثة والتوسل شيء واحد، قالوا: (واعلم أن الاستغاثة هي طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث منه، فلا فرق بين أن يعبر بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التجوه أو التوجه، لأنهما من الجاه، والوجاهة، ومعناه: علو القدر والمنزلة، وقد يتوسل بصاحب الجاه إلى من هو أعلى منه.......) . ٢ -قول القبورية: إن ((الباء)) في ((المستغاث به)) ، و ((المتوسل به)) للاستغاثة، فالتوسل عندهم نوع من الاستغاثة والاستعانة. قال السبكي (٧٥٦هـ) وتبعه آخرون من خلطائه القبورية: (وأما الاستغاثة: فهي طلب الغوث، وتارة يطلب الغوث من خالقه، وهو الله وحده.....، وتارة يطلب ممن يصح إسناده إليه على سبيل الكسب، ومن هذا النوع الاستغاثة بالنبي ﷺ ، وفي هذين القسمين تعدى الفعل تارة بنفسه ... ، وتارة بحروف الجر...... فيصح أن يقال: استغثت النبي ﷺ ، واستغثت بالنبي ﷺ بمعنى واحد، وهو طلب الغوث منه بالدعاء ونحوه - على النوعين السابقين في التوسل، من غير فرق، وذلك في حياته، وبعد مماته ... فصار لفظ الاستغاثة بالنبي ﷺ له معنيان: أحدهما: أن يكون مستغاثاً. والثاني: أن يكون مستغاً به، ويكون الباء للاستعانة.

стр. 1349

فقد ظهر إطلاق ((الاستغاثة)) ، و ((التوسل)) جميعاً....) . ٣ - أحوال جواز التوسل عند القبورية. لقد سبق أن القبورية يجوزون التوسل بمعنى الاستغاثة والاستعانة بغير الله تعالى: من الأنبياء والأولياء الأحياء والأموات. ٤ - بل سبق أنهم يرجحون التوسل بمعنى الاستغاثة بالأموات، على التوسل بمعنى الاستغاثة والاستعانة بالأحياء. ٥ - أنواع التوسل عند القبورية: الأول: أن يدعوا الله تعالى بذات الميت، أو ببركته، أو بحرمته، أو بحقه، أو بجاهه، ونحو ذلك؛ نحو: اللهم إني أسألك بوليك فلان. الثاني: أن يطلب من الميت الشفاعة عند الله في قضاء حاجته، بأن يقول للميت: يا فلان! ادع الله لي: أن يرد علي بصري. الثالث: أن يطلب من الميت حاجته نفسه، ونحو ذلك بأن يقول للميت: يا فلان! رد علي بصري، واقض حاجتي، واشف مريضي، ونحو ذلك. ٦ - ألفاظ التوسل عند القبورية: لقد سبق أن القبورية يجوزون التوسل والاستغاثة بالأموات، بأنواع من الألفاظ والكلمات وشتى التعبيرات. فقالوا: يجوز بلفظ الاستغاثة، والتوسل، والتشفع، والتجوه،

стр. 1350

والتوجه. فهذه خمس كلمات. الكلمة السادسة: أن يقول: بفلان؛ فقد قال السبكي (٧٥٦هـ) : (يسأل الله تعالى به ... ) . الكلمة السابعة: أن يقول: بذات فلان. الكلمة الثامنة: التوسل ببركة فلان؛ فقد صرح به السبكي (٧٥٦هـ) وغيره. الكلمة التاسعة: التوسل بحرمة فلان. الكلمة العاشرة: التوسل بشرف فلان. الكلمة الحادية عشرة: التوسل بقرب فلان. الكلمة الثانية عشرة: التوسل بحق فلان.

стр. 1351

إلى غيرها من ألفاظ التوسل عند القبورية. الكلمة الثالثة عشرة: التوسل بوجه فلان. الكلمة الرابعة عشرة: التوسل بروحانية فلان. إلى غيرها من ألفاظ التوسل البدعي القبورية. ٧ - الحاصل: أن القبورية قد أدخلوا في مفهوم التوسل الاستغاثة بالأموات، التي ليست بشرك فحسب، بل أم لعدة أنواع من الإشراك بخالق الأرض والسماوات. وحرفوا دين الله أشنع التحريفات بأبشع التبديلات، وغيروا المصطلحات الشرعية بما هو عين الوثنيات، وفسروا بتوسلاتهم البدعية نصوص الكتاب والسنة، وادعوا إجماع السلف والخلف، فافتروا على أئمة الأمة، بل تقولو على الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين. قال السبكي (٧٥٦هـ) وتبعه خلطاؤه القبورية إلى يومنا هذا: (اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي ﷺ إلى ربه . وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين، المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين، وسير السلف الصالحين، والعلماء والعوام من المسلمين، ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان، ولا سمع به في زمن من الأزمان.

стр. 1352

حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار. وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار. وحسبك أن إنكار ابن تيمية للاستغاثة والتوكل، قول لم يقله عالم قبله، وصار بين أهل الإسلام مثله....) . وقال البروسوي القبوري الحنفي، الإسلامبولي

стр. 1353

الجلوتي الاتحادي الصوفي، (١١٢٧هـ) ، أو (١١٣٧هـ) في تفسير الوسيلة ومسماها: (الوسيلة علماء الحقيقة، ومشايخ الطريقة) . قلت: هذه كانت عقيدة القبورية في التوسل والوسيلة وأنواعها، الشركية والبدعية. وبعد هذا أنتقل إلى الفصل الثاني؛ لنعرف أنواع التوسل الشرعية، وأنواعه القبورية عند علماء الحنفية *. كما نعرف جهودهم في إبطال توسلات القبورية، الشركية منها والقبورية *. * والله المغيث والمستعان * وهو المعين وعليه التكلان * ****

стр. 1354

الفصل الثاني في جهود علماء الحنفية في بيان أنواع التوسل، الشرعية منها والقبورية وإبطال التوسلات القبورية، الشركية منها والبدعية وفيه مطالب ثلاثة: - المطلب الأول: في بيان أنواع التوسل الشرعي عند علماء الحنفية. - المطلب الثاني: في بيان أنواع التوسل القبوري الشركي والبدعي عند علماء الحنفية. - المطلب الثالث: في إبطال علماء الحنفية لتوسلات القبورية، الشركية منها والبدعية.

стр. 1355

المطلب الأول في أنواع التوسل الشرعي عند علماء الحنفية لقد سبق أن ذكرت معنى التوسل لغة، ومعناه الاصطلاحي عند علماء الحنفية، ومعناه عند القبورية. كما ذكرت أنواع التوسل وكلماته عند القبورية، وفي هذا الفصل سأذكر جهود علماء الحنفية في بيان أنواع التوسل الشرعي، وأنواع التوسل الشركي والبدعي وإبطال توسلات القبورية. أنواع التوسل الشرعي عند علماء الحنفية: لقد حقق علماء الحنفية أن حقيقة التوسل الشرعي ومصداقها: هو التقرب إلى الله تعالى بفعل الطاعات، وترك السيئات، قال العلامة نقيب أحمد الرباطي الملقب بجامع المعقول والمنقول عند الحنفية المعاصرة: (اعلم أن حقيقة الوسيلة الشرعية، ومصداقها - أعني ما يكون ذريعة للوصول إلى الله تعالى والفوز بالنعم، والأمن من النقم - إنما هي اتباع أوامره والاجتناب عن نواهيه بعد الإيمان به واعتقاد أن له سلطة غيبية، وله الحكم وبيده الأمر، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.

стр. 1356

فحقيقة التوسل الشرعي ليست إلا عبادة الله وحده والأعمال الصالحة، فالتوحيد الاعتقادي والعملي هو حقيقة الوسيلة إلى الله تعالى، وخلاصة ذلك لبه، ولله - هو اتباع سنة سيد المرسلين [ ﷺ ] ) . وقال حفظه الله: (وقال الراغب: حقيقة الوسيلة إلى الله تعالى مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، تفسير المنار ٦\٣٩٦، والتفسير الماجدي ٢٥١ ... ) . قلت: إذا ثبت أن حقيقة التوسل إلى الله تعالى عند علماء الحنفية هي التقرب إليه جل وعلا بفعل الطاعات وترك السيئات؛ فأقول: إن التوسل الشرعي إلى الله تعالى عند علماء الحنفية على عدة أنواع لا تخرج عن التوسل بالطاعات:

стр. 1357

الأول: التوسل بالطاعات مطلقاً. قلت: هو أن يقول: اللهم إن كنت فعلت هذا لرضاك - فارحمني وأجب مسألتي، واشفني، واكشف كربتي واقض حاجتي، ونحو ذلك. الثاني والثالث: التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا. قلت هو: أن يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، وغيرها من الأسماء الحسنى. أو يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، وأسألك برحمتك وإحسانك وقدرتك، ونحوها من صفات الله العلي. قلت: لقد سبق أن ذكرت تلك المقالة الحنفية المشهورة المستفيضة القاطعة للوثنية المؤيدة للحنفية، وهي مقالة الإمام أبي حنيفة وغيره من كبار أئمة الحنفية: (لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به) . وقد سبق تفسير هذه المقالة بأن المراد: هو التوسل بأسمائه الحسنى وصفاته العليا. الرابع: التوسل بالفقر والحاجة.

стр. 1358

قلت: ذلك أن يقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] . أو يقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك. أو يقال: اللهم أنت الغني، ونحن الفقراء، فأنزل علينا الغيث. أو يقال: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. أو يقال: اللهم أنت رب المستضعفين، ومغيث المضطرين. أو يدعو ربه ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] . أو يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] . ونحو ذلك من إظهار الفقر والحاجة والتذلل إلى الله . الخامس: التوسل بالاعتراف بالذنب. قلت: ذلك أن يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] . أو يقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . أو يقول: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] . السادس: التوسل بذكر وعد الله جل وعلا.

стр. 1359

كأن يقول: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] . السابع: التوسل بدعاء الحي الحاضر. (هو أن يطلب من أحد حي (حاضر) أن يسأل الله تعالى كشف كربته عنه، ودفع حاجته، وأمثلته كثيرة من القرآن والحديث، أذكر ههنا نبذة منها: قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] ....) . قلت: هذه أهم أنواع التوسل الشرعي عند الحنفية وأشهرها. وإذا عرفنا أنواع التوسل الشرعي عند علماء الحنفية - ننتقل إلى المطلب الآتي لنعرف أنواع التوسل الشركي والقبوري عند علماء الحنفية. * والله المستعان * وبه الثقة وعليه التكلان * *****

стр. 1360

المطلب الثاني في بيان التوسل الشركي والبدعي عند علماء الحنفية لقد ذكرت في المطلب السابق أشهر أنواع التوسل الشرعي وأهمها عند علماء الحنفية. وبهذه المناسبة أذكر في هذا المطلب أنواع التوسل الشركي والبدعي عند علماء الحنفية، فأقول وبالله أستعين، إذ هو المغيث وهو المعين: إن أحسن ما رأيته وأجمعه وأدقه من كلام علماء الحنفية في ذكر أنواع التوسل الشركي والبدعي، هو كلام العلامة الرباطي الملقب عند الحنفية المعاصرة بجامع المعقول والمنقول. قال حفظه الله: (إلى هذا كان الكلام في تحقيق التوسل الشرعي، وأما القسم الذي نعبر عنه بالتوسل الغير الشرعي - فحان أن نشرع فيه؛

стр. 1361

فأقول وبالله التوفيق: التوسل الغير الشرعي على أنحاء سبعة؛ حسبما وقع عليه عمل كثير من الناس المفتونين بالقبور والمشاهد: النحو الأول: أن يأتي قبر نبي أو ولي أو غيرهما ممن يحسن عقيدته عليه، فيقول: يا سيدي فلان، اشفني، أو اشف مريضي، أو اكشف كربتي، واقض حاجتي، أو أهلك عدوي، وعليك أن تفعل كذا وكذا، وأنت وكيلي، وأنت كفيلي. وغير ذلك من الألفاظ المختلفة باختلافهم. والثاني: أن يدعو غائباً أو ميتاً من بعيد من غير الإتيان إلى قبره والحضور لديه بهذا النحو من الكلمات. والثالث: أن يأتي القبر، ويقول: يا فلان! ادع الله أن يقضي حاجتي، واشفع لي في حاجتي هذه، فإنك مقبول الشفاعة، لا جائز أن يرد الله شفاعتك. والرابع: أن يدعو غائباًَ أو ميتاً بعيداً عن القبر بهذا النحو من الدعاء.

стр. 1362

الخامس: أن يأتي القبر ويسأل الله وحده معتقداً أن الدعاء عند مزار الولي أقرب إلى الإجابة. السادس: أن يدعو من غير شهود المقابر والمزارات: يا إلهي! اقض حاجتي بحق فلان، وفلان. السابع: أن يقول في دعائه: بوسيلة فلان، أو ببركته، أو بخاطره، أو بطفيله، أو بحرمته، أو بجاهه، وغير ذلك مما يؤدي مراده. فهذه جملة الأسماء التي يسميها عباد القبور بالتوسل - وينكرون أشد النكير على من أنكر عنها، وينسبونه إلى إنكار الوسيلة، وإنكار

стр. 1363

الكرامات، وتوهين الأولياء، وغير ذلك من المطاعن....) . وللشيخ عبد السلام الرستمي أحد كبار علماء الحنفية المعاصرة الرادين على القبورية أيضاً كلام حسن في بيان أنواع التوسل الشركي والبدعي -. الحاصل: أن هذه عدة أنواع التوسل الشركي والبدعي التي يرتكبها القبورية. وأما حكمها عند علماء الحنفية فبيانه في المطلب الآتي:

стр. 1364

المطلب الثالث في إبطال علماء الحنفية توسلات القبورية لقد ذكرت أنواعاً من توسلاتهم الشركية والبدعية بأنحاء من الكلمات وفي عدة من الأوقات. وذكرت في المطلب الثاني من هذا المبحث بيان علماء الحنفية لبعض أنواع التوسلات الشركية والبدعية التي ترتكبها القبورية. وأذكر في هذا المطلب جهود علماء الحنفية في إبطال هذه التوسلات القبوريات ببيان أن بعضها من الوثنيات الفاضحات، وبعضها من البدع الواضحات. فأقول وبربي أستعين وأستغيث، إذ هو المعين المستعان، وهو المستغاث المغيث: لعلماء الحنفية في إبطال توسلات القبورية عدة وجوه، أذكر بعضها: الوجه الأول: قول ستة وثلاثين إماماً من أئمة الحنفية. لقد سبق أن ذكرت مقالة ستة وثلاثين إماماً من أئمة الحنفية، وعلى رأسهم أئمتهم الثلاثة على الإطلاق: أبو حنيفة (١٥٠هـ) ، أبو يوسف (١٨٢هـ) ، ومحمد (١٨٩هـ) ، ثم

стр. 1365

بشر الكندي (٢٣٨هـ) ، وعالم بن العلاء (٢٨٦هـ) ، والحاكم الشهيد (٣٣٤هـ) ، والقدوري (٤٢٨هـ) ، وطاهر البخاري (٥٤٢هـ) ، والمرغيناني (٥٩٣هـ) ، وابن أبي العز (٧٩٢هـ) ، والحلبي (٩٥٦هـ) ، والبركوي (٩٨١هـ) ، والتمرتاشي (١٠٠٤هـ) ، والقاوي (١٠١٤هـ) ، وشيخي زاده (١٠٨٧هـ) ، والحصكفي (١٠٨٨هـ) ، والطوري (١١٣٨هـ) ، وابن عابدين الشامي (١٢٥٢هـ) وغيرهم. مقالتهم: (لا ينبغي لأحد أن يدعو الله تعالى إلا به، والدعاء

стр. 1366

المأذون فيه والمأثور به، ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] ، وكره قوله: بحق رسلك، وأنبيائك، وأوليائك، أو بحق البيت ... ) . وقد سبق أيضاً شرح قولهم: ((إلا به)) بأن المراد: هو التوسل بذاته وأسمائه وصفاته، . أقول: هذه المقالة لهؤلاء الأئمة الحنفية تقطع دابر القبورية المتوسلين بالأموات. وتبطل التوسل بحق فلان، والوجه، والجاه، والطفيل، والخاطر، والحرمة والشرف والبركات. وإذا تبين بطلان التوسل بمثل هذه الكلمات بطل ما هو عين الاستغاثة بالأموات. لأنه إذا لم يجز أن يقول المرء في دعائه: اللهم اشفني بحق فلان أو ببركة فلان أو بحرمة فلان أو بجاه فلان مثلاً - فلا يجوز أن يقول: يا فلان الولي! اشفني وأغنني، واكشف كربتي، ونحو ذلك من نداء الغائبين والأموات - بالطريق الأولى والأحرى. الوجه الثاني: أن غالب توسلات القبورية بالأموات إنما هي استغاثات بهم لدفع المضرات وجلب الخيرات، وقد سبق على لسان علماء الحنفية أن هذا إشراك بخالق الأرض والسماوات. بل تحقق على لسانهم أنه ليس بشرك فحسب بل أم لعدة أنواع الإشراك برب البريات. وأن القبورية أشد شركاً من الوثنية الأولى في باب الاستغاثة بالغائبين

стр. 1367

والأموات. وأنهم أشد خوفاً ورجاء وأكثر خضوعاً وأعظم عبادة للموتى منهم لله في المساجد والأسحار من الأوقات. وقد سقت لتحقيق هذه المطالب ما يقارب مئتي نص من نصوص علماء الحنفية. التي فيها قرة عيون للموحدين، وسخنة أعين للقبوريين الوثنيين. فكل توسل فيه نداء الأموات لدفع المضرات وجلب الخيرات، أو فيه طلب الشفاعة من الموتى لقضاء الحاجات، كأن يقول: يا فلان اشفني، واقض حاجتي، واكشف كربتي. أو يقول: يا فلان: ادع الله تعالى أن يزيل همي ويدفع عني ويغفر حوبتي - كما سبق في الأنواع الأربعة الأول للتوسل القبوري - هو شرك بواح برب البريات، بل هو أم لعدة أنواع من الشرك بخالق الكائنات. قال العلامة الرباطي في بيان الحكم على هذه الأنواع الأربعة، محققاًَ أن هذه الأنواع من التوسل إشراك بالله العظيم: (أما النحو الأول فليس من التوسل المباح في شيء، بل هو كفر بواح وإشراك بالله في التصرف والقدرة والدعاء، يجب استتابة المبتدي به، فإن تاب وإلا يقتل؛ وليس هذا أقل من شرك المشركين الذين أنزل لإصلاحهم القرآن، وبعث لدعوتهم الرسول ﷺ ، بل هو أزيد من شركهم بكثير) .

стр. 1368

ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك. ثم ذكر حكم النوع الثاني، وبين أنه شرك مثل النوع الأول، وأقام البراهين القاطعة والسلاطين القاهرة الساطعة من الكتاب والسنة على ذلك أيضاً. ثم ذكر حكم النوع الثالث، وبين أيضاً أنه شرك بالله وأنه من قبيل شرك الشفاعة. وأنه عين وثنية الوثنيين السابقين والمشركين الأولين الذين كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وأنهم يقربونا إلى الله زلفى. ثم ذكر حكم النوع الرابع، وحقق أنه أيضاً إشراك بالله تعالى مثل النوع الثالث، في أنه شرك وأنه من وثنيات المشركين الأولين في باب الشفاعة الشركية. مع كونه مثل الثالث، إشراكاً بالله في صفتي العلم والسمع أيضاً وللشيخين: العلامة عبد السلام الرستمي والفاضل جوهر الرحمن - وهما من فضلاء الحنفية المعاصرة - تحقيق أنيق في كون هذه الأنواع من التوسل

стр. 1369

شركاً صريحاً، وأنها من وثنيات الوثنية الأولى. الوجه الثالث: بيان حكم التوسل ببركة فلان، وحقه، وجاهه، ووجهه، وخاطره، وطفيله، وحرمته، وشرفه، ونحوها. لقد صرح علماء الحنفية بعدم جواز التوسل الذي يكون من هذا القبيل. وذلك لأمور ثلاثة: الأول: أن الدعاء مخ العبادة ولبها، ولم يرد عن النبي ﷺ ، ولا عن الصحابة والتابعين ولا عن أحد من أئمة هذا الدين جواز ذلك. فهو لا شك أنه بدعة ضلالة في عبادة الله تعالى. الثاني: أن مثل هذا النوع من التوسل من أعظم الذرائع الموصلة إلى الشرك، فيجب سدها والتحذير منها، حماية لحمى التوحيد، وحفظاً لجانبه. الثالث: إن كثيراً من الأئمة قد نهوا عن مثل هذا، ولا سيما أئمة الحنفية، هذه الوجوه الثلاثة هي أهم الوجوه التي ذكروها لبطلان هذه الأنواع من التوسل. وذكروا وجوهاً أخرى أيضاً لا حاجة إلى سردها، وفي هذه كفاية، لمن له دراية، وقدر له الهداية.

стр. 1370

وأما من تعود أن يقول عنزة وإن طارت - فهو من أهل العناد والمكابرة والغواية. وإذا ثبت أن هذه الأنواع من التوسل بدعة بلا ريب، فالتعبد بالبدعة ضلال أيما ضلال، فصاحبه مبتدع ضال والداعية إليه صاحب الإضلال. الوجع الرابع: بيان حكم التوسل ببركة فلان خاصة. لقد صرح بعض فضلاء الحنفية الرادين على القبورية أن قول المتوسل القبوري: اللهم إني أسألك ببركة فلان الولي أن تشفيني أو تكشف كربتي ونحو ذلك - محتمل لأن يكون شركاً بواحاً صراحاً، ومحتمل لأن يكون بدعة على أقل تقدير، فلا يجوز التوسل بمثل هذه الكلمة مطلقاً. قال العلامة عبد السلام الرستمي: (وما يقولون في أدعيتهم توسلاً ببركة فلان - فلا معنى له، ولا يجوز، لأن ذلك المصدر ((البركة)) إما مضاف إلى الفاعل - فالمعنى: المبارك ((بصيغة اسم الفاعل)) هو الفلان
следующие страницы →