Полный текст (1 553 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
المأذون فيه والمأثور به، ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] ، وكره قوله: بحق رسلك، وأنبيائك، وأوليائك، أو بحق البيت ... ) .
وقد سبق أيضاً شرح قولهم: ((إلا به)) بأن المراد: هو التوسل بذاته وأسمائه وصفاته، .
أقول: هذه المقالة لهؤلاء الأئمة الحنفية تقطع دابر القبورية المتوسلين بالأموات. وتبطل التوسل بحق فلان، والوجه، والجاه، والطفيل، والخاطر، والحرمة والشرف والبركات.
وإذا تبين بطلان التوسل بمثل هذه الكلمات بطل ما هو عين الاستغاثة بالأموات. لأنه إذا لم يجز أن يقول المرء في دعائه: اللهم اشفني بحق فلان أو ببركة فلان أو بحرمة فلان أو بجاه فلان مثلاً - فلا يجوز أن يقول: يا فلان الولي! اشفني وأغنني، واكشف كربتي، ونحو ذلك من نداء الغائبين والأموات - بالطريق الأولى والأحرى.
الوجه الثاني: أن غالب توسلات القبورية بالأموات إنما هي استغاثات بهم لدفع المضرات وجلب الخيرات، وقد سبق على لسان علماء الحنفية أن هذا إشراك بخالق الأرض والسماوات.
بل تحقق على لسانهم أنه ليس بشرك فحسب بل أم لعدة أنواع الإشراك برب البريات.
وأن القبورية أشد شركاً من الوثنية الأولى في باب الاستغاثة بالغائبين
стр. 1367
والأموات.
وأنهم أشد خوفاً ورجاء وأكثر خضوعاً وأعظم عبادة للموتى منهم لله في المساجد والأسحار من الأوقات.
وقد سقت لتحقيق هذه المطالب ما يقارب مئتي نص من نصوص علماء الحنفية. التي فيها قرة عيون للموحدين، وسخنة أعين للقبوريين الوثنيين.
فكل توسل فيه نداء الأموات لدفع المضرات وجلب الخيرات، أو فيه طلب الشفاعة من الموتى لقضاء الحاجات، كأن يقول: يا فلان اشفني، واقض حاجتي، واكشف كربتي. أو يقول: يا فلان: ادع الله تعالى أن يزيل همي ويدفع عني ويغفر حوبتي - كما سبق في الأنواع الأربعة الأول للتوسل القبوري - هو شرك بواح برب البريات، بل هو أم لعدة أنواع من الشرك بخالق الكائنات.
قال العلامة الرباطي في بيان الحكم على هذه الأنواع الأربعة، محققاًَ أن هذه الأنواع من التوسل إشراك بالله العظيم: (أما النحو الأول فليس من التوسل المباح في شيء، بل هو كفر بواح وإشراك بالله في التصرف والقدرة والدعاء، يجب استتابة المبتدي به، فإن تاب وإلا يقتل؛ وليس هذا أقل من شرك المشركين الذين أنزل لإصلاحهم القرآن، وبعث لدعوتهم الرسول ﷺ ، بل هو أزيد من شركهم بكثير) .
стр. 1368
ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك.
ثم ذكر حكم النوع الثاني، وبين أنه شرك مثل النوع الأول، وأقام البراهين القاطعة والسلاطين القاهرة الساطعة من الكتاب والسنة على ذلك أيضاً.
ثم ذكر حكم النوع الثالث، وبين أيضاً أنه شرك بالله وأنه من قبيل شرك الشفاعة.
وأنه عين وثنية الوثنيين السابقين والمشركين الأولين الذين كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وأنهم يقربونا إلى الله زلفى.
ثم ذكر حكم النوع الرابع، وحقق أنه أيضاً إشراك بالله تعالى مثل النوع الثالث، في أنه شرك وأنه من وثنيات المشركين الأولين في باب الشفاعة الشركية. مع كونه مثل الثالث، إشراكاً بالله في صفتي العلم والسمع أيضاً
وللشيخين: العلامة عبد السلام الرستمي والفاضل جوهر الرحمن - وهما من فضلاء الحنفية المعاصرة - تحقيق أنيق في كون هذه الأنواع من التوسل
стр. 1369
شركاً صريحاً، وأنها من وثنيات الوثنية الأولى.
الوجه الثالث: بيان حكم التوسل ببركة فلان، وحقه، وجاهه، ووجهه، وخاطره، وطفيله، وحرمته، وشرفه، ونحوها.
لقد صرح علماء الحنفية بعدم جواز التوسل الذي يكون من هذا القبيل.
وذلك لأمور ثلاثة:
الأول: أن الدعاء مخ العبادة ولبها، ولم يرد عن النبي ﷺ ، ولا عن الصحابة والتابعين ولا عن أحد من أئمة هذا الدين جواز ذلك. فهو لا شك أنه بدعة ضلالة في عبادة الله تعالى.
الثاني: أن مثل هذا النوع من التوسل من أعظم الذرائع الموصلة إلى الشرك، فيجب سدها والتحذير منها، حماية لحمى التوحيد، وحفظاً لجانبه.
الثالث: إن كثيراً من الأئمة قد نهوا عن مثل هذا، ولا سيما أئمة الحنفية، هذه الوجوه الثلاثة هي أهم الوجوه التي ذكروها لبطلان هذه الأنواع من التوسل. وذكروا وجوهاً أخرى أيضاً لا حاجة إلى سردها، وفي هذه كفاية، لمن له دراية، وقدر له الهداية.
стр. 1370
وأما من تعود أن يقول عنزة وإن طارت - فهو من أهل العناد والمكابرة والغواية.
وإذا ثبت أن هذه الأنواع من التوسل بدعة بلا ريب، فالتعبد بالبدعة ضلال أيما ضلال، فصاحبه مبتدع ضال والداعية إليه صاحب الإضلال.
الوجع الرابع: بيان حكم التوسل ببركة فلان خاصة.
لقد صرح بعض فضلاء الحنفية الرادين على القبورية أن قول المتوسل القبوري: اللهم إني أسألك ببركة فلان الولي أن تشفيني أو تكشف كربتي ونحو ذلك - محتمل لأن يكون شركاً بواحاً صراحاً، ومحتمل لأن يكون بدعة على أقل تقدير، فلا يجوز التوسل بمثل هذه الكلمة مطلقاً.
قال العلامة عبد السلام الرستمي:
(وما يقولون في أدعيتهم توسلاً ببركة فلان - فلا معنى له، ولا يجوز، لأن ذلك المصدر ((البركة)) إما مضاف إلى الفاعل - فالمعنى: المبارك ((بصيغة اسم الفاعل)) هو الفلان
стр. 1371
فهذا شرك، كما ثبت قبل، وإما مضاف إلى المفعول - فالمعنى: المبارك ((بصيغة اسم الفاعل)) هو الفلان، فلا معنى لهذا التوسل، كما لا يخفى على من له أدنى مسكة من العلم.
فهذا اللفظ ((البركة)) موهم للشرك، وقد نهانا الله عن الألفاظ الموهمة للشرك بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ الآية [البقرة: ١٠٤] .
وقال في الفتاوى الرشيدية ص ١٤٥: ((إن الألفاظ الموهمة ممنوعة شرعاً، ولذا لا يجوز ما يقولون في ((درود تاج)) ، ((دافع البلاء
стр. 1372
والوباء والقحط والألم)) ، وقال في ((منهاج التأسيس)) : ((إن قولهم ببركة فلان - لا يجوز، لعدم نقله عن السلف في ألفاظ الدعاء، والدعاء عبادة، ومبنى العبادات على النقل الشرعي)) .
وقال الجصاص في قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾
стр. 1373
الآية [البقرة: ٥٩] .
((يحتج بها فيما ورد من التوقيف في الأذكار والأقوال بأنه غير جائز تغييرها ولا تبديلها [إلى غيرها] إلخ، أحكام القرآن ١\٣٦، شيخ القرآن محمد طاهر.
فيجب على من يدعي الإيمان والتوحيد أن يجتنب من الألفاظ الشركية، ومن الألفاظ الموهمة للشرك لئلا يصير مثل المنافق المتذبذب
стр. 1374
الذي هو في الدرك الأسفل من النار ولن تجد له نصيراً)) .
الوجه الخامس: أن كل ما فيه توجه إلى الأموات، ونداؤهم عند الكربات * - ليس ذلك من التوسل في اللغة بل هو عين الاستغاثة التي هي إشراك برب البريات *.
قال العلامتان: نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) وابن أخيه شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، واللفظ للأول:
(ومن نظر بعين الإنصاف * وتجنب سبيل الاعتساف * ونظر إلى ما كان عليه الأولون، وعرف كيف كان شركهم [وما عليه القبوريون] ، و [عرف أنه] بماذا أرسل إليهم النبي ﷺ ، وكيف التوحيد * وما معنى الإله والتأله؟ وتبصر في العبادات وأنواعها [بفهم رشيد]- تحقق أن هذا الالتجاء * والتوكل والرجاء [والنداء] * بمثل طلب الشفاعة، هو الذي نهى عنه الأولون * وأرسل لأجل قمعه المرسلون * وبذلك نطق الكتاب * وبينه لنا خير من أوتي الحكمة وفصل
стр. 1375
الخطاب * سيما إذا استغيث بهم لدفع الشدائد والملمات ولرفع الكرب والمهمات * مما لا يقدر على دفعه إلا خالق الأرض والسماوات *.
وقد كان الأولون إذا وقعوا في شدة دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إذا هم يشركون * [بخلاف القبورية المتوسلين بالأموات والمستنجدين] * ومن فعل هذا بحالتي الشدة والرخاء * بل في قسمي المنع والعطاء * - فقد غلا وجاوز حده * [واستحق أن يكون سيف الرسالة غمده] *....
إذا علمت هذا، فاعلم: أن الاستغاثة بالشيء طلب الإغاثة والغوث منه؛ كما أن الاستغاثة بشيء طلب الإغاثة منه، فإذا كانت بنداء من المستغيث للمستغاث، كان ذلك سؤالاً منه، وظاهر أن ذلك ليس توسلاًَ به إلى غيره، بل طلب منه؛ إذ جرت العادة أن من توسل بأحد عند غيره - أن يقول لمستغاثه: ((أستغيثك على هذا الأمر بفلان)) ، فيوجه السؤال إليه، ويقصر أمر شكواه عليه، ولا يخاطب المستغاث به، و [لا يناديه ولا يدعوه، بأن]
стр. 1376
يقول له: أرجو منك، وأريد منك، أو أستغيث بك.
[أو يناديه] ، و [يخاطبه، بأن] يقول [له]-: ((إنه [أي إنك] وسيلتي إلى ربي)) - فإن هذا غير معروف [كونه توسلاً في لغة العرب، بل هذا عين الاستغاثة] .
وإن كان [هذا المستغيث سماه توسلاً] كما يقول - فما قدر عظم المتوسل إليه حق قدره وتعظيمه، وقد رجا وتوكل والتجأ إلى غيره، [و] كيف [يصح جعله توسلاً لغة] ؟؟؟ واستعمال العرب يأبى عنه!!!
فإن من يقول: ((صار لي ضيق فاستغثت بصاحب القبر، فحصل لي الفرج)) - يدل دلالة جليلة على أنه قد طلب الغوث منه، ولم يفد كلامه أنه
стр. 1377
توسل به عند غيره.
بل إنما يراد هذا المعنى إذا قال (مخاطباً لله تعالى دون الميت) : (( (اللهم إني) توسلت (إليك بفلان)) ) .
أو (قال) : ((استغثت عند الله تعالى (أي استغثت بالله) بفلان)) ، أو يقول لمستغاثه - وهو الله سبحانه: (اللهم إني) استغثت إليك بفلان.
فيكون حينئذ مدخول الباء متوسلاً به.
ولا يصح إرادة هذا المعنى إذا قلت: ((استغثت بفلان)) ، وتريد التوسل به.
سيما إذا كنت داعيه، وسائله (ومخاطبه ومناديه) ، بل قولك هذا
стр. 1378
نص على أن مدخول الباء مستغاث، وليس بمستغاث به.
والقرائن التي تكشفه:
- من الدعاء له، وقصر الرجاء عليه، (وخطابه له، وطلبه منه) - شهود عدول، ولا محيد عما شهدت به ولا عدول.
فهذه الاستغاثة، وتوجه القلب إلى المسئول بالسؤال والإنابة - محظورة على المسلمين، لم يشرعها لأحد من أمته رسول رب العالمين.
قال الشيخ محمد الأمين السويدي الشافعي:
((ولا يجوز ذلك إلا من جهل آثار الرسالة: ولهذا عمت الاستغاثة بالأموات، عند نزول الكربات، يسألونهم ويفزعون إليهم، فكان ما يفعلونه
стр. 1379
معهم أعظم من عبادتهم واعتقادهم في رب السماوات)) انتهى) .
قلت: الحاصل أن توسل القبورية نوعان:
النوع الأول: ما فيه خطاب ونداء للميت وطلب منه، مثل أن يقول: يا فلان الولي اكشف كربتي واشفني واغفر حوبتي واقض حاجتي ونحوها.
أو يسأله الشفاعة عند الله تعالى لقضاء الحاجة، مثل أن يقول: يا فلان الولي اشفع لي عند الله أن يقضي حاجتي ويكشف كربتي، ونحو ذلك - فهذا كله وأمثاله ليس من التوسل بالميت لغة، بل هو استغاثة بالميت وطلب منه، وهو إشراك صريح بالله تعالى.
بل هو أم لعدة أنواع من الشرك بالله تعالى، كالشرك في علم الغيب، والشرك في التصرف، والشرك في السمع، كما سبق تحقيقه على لسان علماء الحنفية.
النوع الثاني: وهو ما لم يكن فيه خطاب ونداء للميت ولا فيه طلب قضاء الحاجة منه، ولا طلب الشفاعة منه له عند الله لقضاء الحاجة، بل يكون توجيه الكلام إلى الله والاستغاثة به تعالى، والطلب منه، والنداء له تعالى فقط لا للميت:
стр. 1380
كأن يقول: اللهم إني أسألك أن تكشف كربتي وتغفر حوبتي وتقضي حاجتي - بجاه فلان، وحرمة فلان، ووجه فلان، ووسيلة فلان، ونحو ذلك.
فهذا النوع قد يمكن أن يقال فيه: إنه توسل لغة ولكن هل هو جائز شرعاً؟
الجواب: أن هذا النوع من التوسل غير جائز شرعاً، لوجهين:
الأول: أنه بدعة ضلالة في العبادة التي هي مخ العبادات. ألا وهي الدعاء، لأن هذا النوع من التوسل لم يعهد في الكتاب والسنة، ولم يفعله أحد من الصحابة والتابعين ولا إمام من أئمة الأمة.
الثاني: أنه ذريعة كبيرة لفتح باب الشرك بمصراعيه، فيجب سدها حماية لحمى التوحيد، يوضحه النص الآتي:
وهو قول العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) : (إنه (أي التوسل بالذات) مكروه كراهة تحريم، وهذا إذا كان الداعي متوجهاً إلى ربه متوسلاً إليه بغيره، مثل أن يقول: أسألك بجاه فلان عبدك أو بحرمته، أو بحقه.
وأما إذا توجه إلى ذلك الغير - فطلب منه [وليس ذلك من التوسل في شيء] كما يفعله كثير من الجهلة. فهو شرك [بل هو أم لعدة أنواع من الشرك] ، كما تقدم) .
يوضحه الوجه السادس:
الوجه السادس: أن توسلات القبورية ليست من التوسل الشرعي الاصطلاحي الذي اصطلح عليه الكتاب والسنة، والصحابة والتابعون، فإن التوسل في اصطلاح الكتاب والسنة والصحابة والتابعين -
стр. 1381
إنما هو التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، أو التوسل بالأعمال الصالحة، أو التوسل إلى الله تعالى بدعاء شخص حي حاضر، بأن يطلب منه الدعاء والشفاعة، ثم هذا الحي الحاضر يدعو الله تعالى ويتضرع إليه ويشفع عنده بالدعاء.
هذا هو التوسل الشرعي الاصطلاحي المسنون المعروف في لغة القرآن واصطلاحه، ولغة السنة واصطلاحها، ولغة الصحابة والتابعين واصطلاحهم.
فكل ما هو مخالف لهذا التوسل الشرعي المصطلح عليه في الكتاب والسنة واصطلاح السلف الصالح من الصحابة والتابعين - فهو دائر بين أن يكون إشراكاً بالله تعالى - إذا كان من باب الاستغاثة بالغائبين والأموات - وبين أن يكون بدعة ضلالة مكروهاً محرماً، منكراً في القول وزوراً؛ وذريعة إلى الإشراك بالله تعالى.
فلفظ ((التوسل)) فيه إجمال واشتراك بحسب اصطلاح الصحابة ولغة القرآن والسنة، وبحسب اصطلاح القبورية.
فهو في اصطلاح القرآن والسنة، والصحابة والتابعين، وأئمة السنة شيء. وفي اصطلاح القبورية المستغيثين بالأموات شيء آخر.
وما بين هذين الشيئين من البعد كما بين السماء والأرض، وكما بين التوحيد والشرك، وكما بين الإسلام والكفر.
ولكن القبورية عمدوا إلى نصوص التوسل الحق المسنون المصطلح عليه في الكتاب والسنة واصطلاح السلف الصالح - فاستدلوا بها على
стр. 1382
إثبات التوسل الباطل الذي - نوع منه: استغاثة بالأموات عند الكربات، وهو إشراك صريح، بل هو أم لعدة أنواع من الإشراك بالله العظيم.
كقول القبوري: يا فلان الولي! أغثني، واكشف كربتي، واقض حاجتي، ونحو ذلك.
أو قول القبوري: يا فلان الولي: ادع الله لي، أو اشفع لي عند الله! أن يكشف كربتي ويقضي حاجتي، ويغفر حوبتي، ومثل ذلك.
ونوع منه: بدعة ضلالة، ومنكر من القول وزور، وباب إلى الشرك بالله تعالى، يجب سده، كقول القبوري: اللهم اكشف كربتي واقض حاجتي بوسيلة فلان، وحرمته، وحقه وجاهه، ونحو ذلك من التوسل الذي لم يفعله أحد من السلف.
هذا هو حاصل كلام علماء الحنفية في هذا الوجه.
وللعلامة نعمان الآلوسي كلام آخر مثله في غاية من التحقيق والإتقان.
قلت: كلام هؤلاء الحنفية في غاية من الإنصاف والدقة والتحقيق، وهو الحقيقة الواقعة التي إنكارها مكابرة وعناد، لا يليق إلا بأهل الإضلال والإفساد والإلحاد، وقد اعترف بها الشاه أنور الكشميري، أحد كبار أئمة
стр. 1383
الديوبندية وأحد مشاهير الحنفية (١٣٥٢هـ) .
وأصل هذا التحقيق من كلام المجاهد المجتهد الهمام، الإمام أبي العباس تقي الدين أحمد بن تيمية، شيخ الإسلام.
وقد ذكر العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) : أن القبورية يذكرون كلاماً مجملاً في التوسل يحتمل ستة أنواع من التوسل، بعضها باطل إما شرك وإما بدعة، وبعضها حق، فيدخلون الباطل في الحق.
الوجه السابع: أن حمل ((الوسيلة)) المصطلح عليها في الكتاب والسنة، واصطلاح السلف الصالح وعلماء السنة وأئمة الأمة، على ((الوسيلة)) المصطلح عليها في اصطلاح القبورية، تحريف لنصوص الكتاب والسنة وتبديل للمصطلحات الشرعية. حتى باعتراف القبورية، ولا سيما الكوثرية.
لقد سبق بغاية من التحقيق، ونهاية من الدقة والتدقيق، على لسان علماء الحنفية، الرادين على عقائد القبورية، أن توسلات القبورية ليست من التوسل المصطلح عليه في لغة الكتاب والسنة، واصطلاح الصحابة والتابعين وأئمة هذه الأمة؛ لأن توسل الصحابة والتابعين عين توحيد رب العالمين، وأما توسلات هؤلاء القبورية، فإما من الأفعال الوثنية وإما من الأعمال البدعية.
الحاصل: أن توسل القبورية وتوسل السلف أمران متضادان لا
стр. 1384
يجتمعان، كالتوحيد والشرك، والإسلام والكفر، والسنة والبدعة، والنور والظلمة، والحق والباطل، فحمل ((الوسيلة)) المصطلح عليها في لغة الكتاب والسنة، وفي اصطلاح الصحابة والتابعين وأئمة هذه الأمة على ((الوسيلة)) المصطلح عليها عند القبورية، تحريف لنصوص الكتاب والسنة وتبديل للمصطلحات الشرعية، ليس إلا، ولا بد منه، ولا خلاص، ولا مفر ولا محيد، ولا محيص، ولات حين مناص.
وهذا باعتراف القبورية، ولا سيما الكوثرية، فقد وضع الكوثري قانوناً كلياً لا استثناء فيه:
وهو أن حمل نصوص الكتاب والسنة على المصطلحات التي اصطلح عليها بعد عهد التنزيل بدهور - زيغ عن منهج الكتاب والسنة، وتنكب عن سبيل السلف الصالح، ومنابذة للغة التخاطب، وفيما يلي أسوق قانون الكوثري بنصه وفصه، ثم أقلبه عليه خاصة، وعلى القبورية، ولا سيما الكوثرية عامة في باب التوسل والوسيلة، فأقول: قال الكوثري (١٣٧١هـ) في الرد على الصوفية الذين يزعمون أن مصطلحاتهم يدل عليها ظاهر الكتاب والسنة، مبيناً أن هذا تحريف للكتاب والسنة وزيغ عن منهجهما، ومنابذة للغة العربية:
(.... وأين التجليات التي اصطلح عليها الاتحادية من تخاطب العرب؟ ومن تفاهم السلف والخلف بهذا اللسان العربي المبين؟ ؟
стр. 1385
حتى يكون حمل النصوص والآثار على التجليات المصطلح عليها فيما بعد عهد التنزيل بدهور - استعمالاًَ لها في حقائقها؟ ؟ .
ومن زعم ذلك - فقد [ارتكب سبع طامات موبقات] :
[الأولى أنه] زاغ عن منهج الكتاب والسنة.
و [الثانية أنه] تنكب سبيل السلف الصالح.
و [الثالثة أنه ناقض] مسلك أئمة أصول الدين.
و [الرابعة لأنه] نابذ لغة التخاطب.
و [الخامسة أنه] هجر طريقة أهل النقد في الجرح والتعديل، والتقويم والتعليل.
و [السادسة أنه] جانب أصفياء الصوفية القائلين بالتوحيد
стр. 1386
الشهودي، بل [ترقى في الإلحاد فارتكب الطامة]
стр. 1387
[السابعة] ، حيث حاد عن فرق هذه الأمة جمعاء، غير الحلولية من طوائف المشبهة) ، انتهى كلام الكوثري.
قلت: أيها المسلم المنصف المنشد لضالة الحق! هذا كان كلام الكوثري أحد أئمة القبورية والجهمية، وشيخ عصبة التعصب من المقلدة الحنفية، وهو كلام حق، صواب وصدق، والكذوب قد يصدق، والأعرج
стр. 1388
قد يسبق، فالكوثري وإن كان أكذب من طغى وسطا، ولكن ههنا نراه أصدق من القطا، ولكن صدقه ههنا ليس له ولا لجماعته القبورية، بل صدقه سيف قطع به دابره ودابر جميع القبورية والجهمية الذين حملوا نصوص الكتاب والسنة، ومصطلحات السلف وأئمة الأمة، على مصطلحاتهم البدعية، وعقائدهم القبورية والجهمية، فالكوثري مع تناقضه الفاضح، واضطرابه الواضح، قد قطع عنقه من قفاه، لئلا يفتح فاه.
فكان كعنز السوء قامت بظلفها إلى مدية تحت التراب تثيرها؛ لأن هذا الكوثري البهات المأبون * الصادق المحق في هذا القانون * - قد ناقض وتناقض.
حيث فسر ((الوسيلة)) المصطلح عليها في لغة الكتاب والسنة، واصطلاح الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة هذه الأمة، بالوسيلة المصطلح عليها عند القبورية الوثنية، فتلاعب بنصوص الكتاب والسنة، ومصطلحات الشرع، في هذه الأمة.
* حيث قال هذا المحرف * المتقول الأفاك المخرف *: (وهم في إنكارهم التوسل محجوجون بالكتاب والسنة والعمل المتوارث [القبوري الوثني] والمعقول، [معقول القبورية الوثنية] ، أما الكتاب، فمنه قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] و ((الوسيلة)) بعمومها تشمل التوسل بالأشخاص، والتوسل بالأعمال، بل المتبادر من ((التوسل)) في
стр. 1389
الشرع، هو هذا [أي التوسل بالأعمال] وذاك [أي التوسل بالأشخاص] رغم تقول كل مفتر أفاك ... ) .
قلت: أخي المسلم! لقد اطلعت على قانون الكوثري إمام الكوثرية، الذي وضعه صارماً لقطع دابره ودابر قومه من القبورية الجهمية.
ثم رأيت أنه عارضه، فتناقض لأنه ناقضه، حيث فسر ((الوسيلة)) المصطلح عليها في الكتاب والسنة، وفي اصطلاح الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة هذه الأمة، بالوسيلة المصطلح عليها عند القبورية، فتلاعب بالنصوص والمصطلحات الشرعية.
فالآن يحق لي بحق أن أقلب قانون الكوثري عليه وعلى قومه. وأقلب عليه حجته، وأحاربه بسلاحه، وأبين تناقضه ليصحو من غفوته وسباته ونومه وغفلته؛ فأقول وبربي أستغيث وأستعين، إذ هو المستغاث المستعان المغيث المعين:
إن القبورية الذين فسروا ((الوسيلة)) المصطلح عليها في لغة الكتاب والسنة وفي اصطلاح الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة هذه الأمة، بالوسيلة المصطلح عليها عند هؤلاء الوثنية. وحملوا نصوص الكتاب والسنة، وأقوال أئمة هذه الأمة - في باب ((الوسيلة)) - على ((الوسيلة)) في اصطلاح هؤلاء القبورية، كما فعل هذا الكوثري وغيره من أئمة هؤلاء الوثنية -
стр. 1390
قد تلاعبوا بنصوص الكتاب والسنة، وحرفوا المصطلحات الشرعية في هذه الأمة، لأننا نقول لهم في ضوء قانون هذا الكوثري:
أين التوسلات التي اصطلح عليها القبورية الوثنية، والصوفية الحلولية الاتحادية وأذيالهم من الخرافية، من تخاطب العرب؟.
وأين مصطلحات هؤلاء الخلف، من تفاهم السلف، وأية مناسبة لها بهذا اللسان العربي المبين، حتى يكون حمل النصوص والآثار السلفية على التوسلات المصطلح عليها عند هؤلاء القبورية، التي ابتدعوها بعد عهد التنزيل بدهور.
- فما المناسبة بين الظلمات والنور؟؟ .
استعمالاً لها في حقائقها، ومن زعم ذلك، كالكوثري المتهالك الهالك، فقد ارتكب سبع طامات، مع ما عنده من موبقات:
الأولى: أنه زاغ عن منهج الكتاب والسنة.
والثانية: أنه تنكب سبيل سلف الأمة.
والثالثة: أنه ناقض مسلك أئمة أصول الدين.
والرابعة: أنه نابذ لغة التخاطب بلسان عربي مبين.
والخامسة: أنه هجر طريقة أهل النقد في الجرح والتعديل، والتقويم والتعديل، للإفساد والتضليل.
стр. 1391
والسادسة: أنه جانب أصفياء أهل السنة القائلين بتوحيد الأنبياء والمرسلين الرادين على القبوريين، بل ترقى في الإلحاد، فارتكب الطامة:
السابعة: حيث حاد من فرق هذه الأمة جمعاء بتلك التحريفات القبورية الوثنية الحمقاء غير الحلولية، من طوائف المشبهة القبورية، والصوفية الاتحادية، والجهمية، والوثنية.
أقول: هذا كان قانون الكوثري، وقد عرفت كيف سلط الله عليه ما وضع بيديه، ووقع في التناقض الواضح والاضطراب الفاضح بما لديه.
وقد قال الكوثري نفسه:
(والتناقض شأن من اصيب في عقله أو دينه) .
قلت: هذا مثال آخر لانتحار الكوثري!.
انظر عافاك الله تعالى وإياي، فقد شهد الكوثري على نفسه ببيانه، واعترف اعترافاً بلسانه وبنانه، أن الكوثري لتناقضه أصيب في عقله أو دينه.
وأما قول الكوثري في كل من قال بالتوسل المصطلح عليه عند السلف: (رغم تقول كل مفتر أفاك) .
فالجواب عنه من وجهين:
الأول: أن الكوثري هو المتقول على الله، المفتري على رسوله ﷺ ، الأفاك على الصحابة والتابعين، لأنه يحمل نصوص التوسل وأقوال
стр. 1392
السلف فيه - على التوسل المصطلح عليه عنده وعند القبورية.
والثاني: أن العلامة محمد أنور شاه الكشميري، إمام الكوثرية والديوبندية (١٣٥٢هـ) - الذي أكبره الكوثري نفسه، وعظم أمره وأجله إجلالاً عظيماً وأقره أبو غدة الكوثري - قد صرح بأن التوسل في اصطلاح السلف وعرفهم ولغتهم - غير التوسل في اصطلاح المتأخرين [أي القبورية] وعرفهم ولغتهم.
فالآن نسأل الكوثري:
هل الشاه أنور الكشميري الذي تجله إجلالاً عظيماً وتكبره إكباراً جليلاً - كان متقولاً؟ مفترياً؟ أفاكا؟ أم الكوثري هو المقول المتقول، المفتري الأفاك؟؟.
حيث استدل بالتوسل الحق المصطلح عليه عند السلف - على التوسل الباطل الشركي البدعي المصطلح عليه عنده وعند القبورية.
هذه كانت بعض الحجج الدامغة والبراهين الباهرة القاهرة التي ذكرها علماء الحنفية لإبطال توسلات القبورية، الشركية منها والبدعية.
وبعد هذا ننتقل إلى المبحث الآتي لنرد على بعض شبهات القبورية
стр. 1393
في التوسل، على لسان علماء الحنفية، لنعرف جهوداً أخرى لهم في إبطال عقائد القبورية.
والله المستعان وعليه التكلان.
****
стр. 1394
الفصل الثالث
في جهود علماء الحنفية في إبطال شبهات القبورية
في توسلاتهم الشركية
لقد سبق أن ذكرت بعض جهود علماء الحنفية في بيان التوسل الشرعي وأنواعه، وبيان التوسل القبوري منه والبدعي، وصوره وأصنافه، وبعض جهودهم في إبطال التوسل القبوري، ولكن لا يتم الرد على الوجه الأكمل إلا بإبطال شبهاتهم، لذا أذكر بعض جهود علماء الحنفية في هذا المبحث لإبطال أهم شبهات القبورية وأشهرها التي تشبثوا بها في باب التوسل القبوري.
فأقول وبربي أستعين، إذ هو المستعان المعين، وبه أستغيث، إذ هو المستغاث المغيث:
لقد تشبثت القبورية لإثبات توسلهم القبوري، الشركي منه والبدعي - بشبهات كثيرة لا يمكن لي أن أسردها كلها ثم أذكر أجوبة علماء الحنفية عنها، لأن هذا يحتاج إلى تأليف مستقل ضخم، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك بعضه أو جله.
لذا أكتفي بذكر ثلاث من شبهاتهم التي هي أقوى الشبهات على الإطلاق، وأشهرها لديهم في باب التوسل، فهي وإن لم تكن جل الشبهات عدداً وكماً، ولكنها جلها كيفاً وقوة ومعنى ووزناً.
стр. 1395
مع كلام علماء الحنفية في الرد عليها والجواب عنها وقلعها وقمع أصحابها.
فأقول وبالله التوفيق، وبيده أزمة التحقيق:
الشبهة الأولى: تشبث القبورية بقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] .
لقد استدل عامة القبورية بهذه الآية الكريمة على إثبات توسلهم القبوري، الشركي منه والبدعي.
فقد قال البروسوي الإسلامبولي الحنفي، الخلوتي الاتحادي، الصوفي (١١٢٧هـ) أو (١١٣٧هـ) مستدلاً بهذه الآية على وثنيته: (الوسيلة علماء الحقيقة، ومشايخ الطريقة) .
وتبعه بعض الديوبندية القبورية من المعاصرين.
بل صرح بعض غلاة القبورية الوثنية - كابن جرجيس الحنفي (١١٩٩هـ) أن المراد من ((الوسيلة)) في هذه الآية - هو التوسل بذوات الصالحين لا غير.
وكثير من هؤلاء القبورية استدلوا بهذه الآية على إثبات التوسل القبوري، الشركي منه والبدعي، زعماً منهم أن لفظ ((الوسيلة)) عام يشمل التوسل بالأعمال ويشمل التوسل بذوات الصالحين.
стр. 1396
وأغرب القضاعي أحد أئمة القبورية (١٣٧٦هـ) في وضع العنوان وتبعه المالكي أحد أئمة القبورية المعاصرة؛ ولكنه سارق كلام الأول، حيث لم يحل عليه لا تصريحاً ولا تلميحاً، فقالا:
(أدلة ما عليه المسلمون من التوسل [والاستغاثة بالأنبياء والصالحين] ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ والوسيلة كل ما جعله الله سبباً في الزلفى عنده، ووصلة إلى قضاء الحوائج منه.
ولفظ الوسيلة عام في الآية كما ترى. فهو شامل للتوسل بالذوات الفاضلة من الأنبياء والصالحين في الحياة وبعد الممات، وبإتيان الأعمال الصالحة على الوجه المأمور به) .
стр. 1397
قلت: وجه انحراف هذا العنوان هو قولهما: (أدلة ما عليه المسلمون من التوسل) فإن فيه تعريضاً بجعل أهل التوحيد غير مسلمين، وأن المسلمين هم هؤلاء القبورية الوثنية فقط؟؟.
وأما الكوثر الكرار، الشاطر الجرار، الشاتم المهذار، فيقول جهاراً دون إسرار:
(وهم (يعني أهل التوحيد) في إنكارهم التوسل محجوجون بالكتاب والسنة، والعمل المتوارث [أي القبوري الوثني] والمعقول [معقول الوثنية] ، أما الكتاب فمنه قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] ، و ((الوسيلة)) بعمومها تشمل التوسل بالأشخاص، والتوسل بالأعمال، بل المتبادر من ((التوسل)) في الشرع - هو هذا (أي التوسل بالأعمال) ، وذلك (أي التوسل بالأشخاص) رغم تقول كل مفتر أفاك ... ) .
قلت: هذا هو استدلال القبورية بهذه الآية على إثبات توسلهم القبوري.
الجواب: لقد أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة القبورية بوجهين، وحاربوهم من جهتين اثنتين.
الوجه الأول: وهو جواب إجمالي يقمع به هذه الشبهة وغيرها من الشبهات أيضاً، وهو: أنه قد تحقق على لسان علماء الحنفية كالشمس في رابعة النهار أن التوسل في لغة الكتاب والسنة، واصطلاح الصحابة والتابعين وأئمة هذه الأمة -
стр. 1398
هو التوسل بأسماء الله وصفاته والأعمال الصالحة، دون التوسل بالأموات والاستغاثة بهم عند الكربات.
وإذا ثبت هذا - فحمل نصوص الكتاب والسنة في التوسل المصطلح عليه في عهد التنزيل على التوسل المصطلح عليه عند القبورية، ليس إلا تحريفاً لتلك النصوص، وتلاعباً بالمصطلحات، وذلك كحمل نصوص الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والوضوء، والنكاح، وغيرها من المصطلحات الشرعية، على مصطلحات أخرى حدثت بعد عهد التنزيل، وهذا ليس تحريفاً فحسب، بل هو قرمطة في النقليات، وسفسطة في العقليات، وقد صرح الكوثري - الذي يرمي أهل التوحيد بقوله: ((رغم كل مفتر أفاك)) - بأن هذا الصنيع زيغ عن منهج الكتاب والسنة، وتنكب لسبيل السلف الصالح، ومسلك أئمة أصول الدين، ومنابذة للغة التخاطب، وهجر لطريقة أهل النقد في الجرح والتعديل، والتقويم والتعليل، وبعد من تخاطب العرب، وتفاهم السلف بهذا اللسان العربي المبين.
وإذا ثبت هذا على لسان الكوثري - فقد ثبت ثبوتاً لا يحتمل النقيض
стр. 1399
أن الكوثري ومن على شاكلته من القبورية - الذين يستدلون بالوسيلة الواردة في الكتاب والسنة وآثار السلف المصطلح عليها عندهم - بأنها أسماء الله وصفاته، والأعمال الصالحة - على الوسيلة القبورية، الشركية منها والبدعية المصطلح عليها عند الكوثري وخلطائه من القبورية - هم متقولون على كتاب الله، ومحرفون لسنة رسول الله ﷺ ، ومفترون على الصحابة والتابعين، وأفاكون على أئمة هذا الدين، وأنهم هم اللعابون بالمصطلحات الشرعيات، وأنهم يقرمطون في النقليات ويسفسطون في العقليات.
وبهذا القدر من التحقيق تبين بطلان هذه الشبهة، وأنه لا حجة للقبورية في هذه الآية على توسلهم القبوري البتة.
فقد قال العلامة الكشميري، محمد أنور، أحد كبار أئمة الديوبندية، والكوثرية (١٣٥٢هـ) الذي أكبره الكوثري والكوثرية، فضلاً عن الديوبندية غاية الإكبار، وأعظموه نهاية الإعظام غلواً وإطراءً:
(وأما قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ - فذلك وإن اقتضى ابتغاء واسطة لكن لا حجة فيه على التوسل المعروف بالأسماء فقط [دون التوسل بدعاء الحي الحاضر] ....) .
стр. 1400
قلت: الآن نسأل الكوثري - القائل: ((رغم تقول كل مفتر أفاك)) -: من هو المتقول المفتري الأفاك؟؟.
هل الكوثري ومن على شاكلته من القبورية؟؟ أم الشاه أنور الكشميري الذي يجلونه ويكبرونه ويعظمونه؟؟.
وفي هذا القدر كفاية لمن له دراية.
الوجه الثاني: أن ((الوسيلة)) في هذه الآية إنما المراد بها فعل الطاعات وترك السيئات، وقد أطبقت على ذلك كلمة المحققين من الحنفية في تفسير هذه الآية، وإليكم أمثلة من نصوص بعضهم إقامة للحجة وإيضاحاً للمحجة:
١ - قال الإمام أبو الليث السمرقندي (٣٧٥هـ) أحد كبار أئمة الحنفية: (أي اطلبوا القربة والفضيلة بالأعمال الصالحة) .
٢ - ٣- وقال الزمخشري الحنفي اللغوي البلاغي (٥٣٨هـ) ، وتبعه الإمام النسفي (٧١٠هـ) مبيناً معنى ((الوسيلة)) لغة، وشرعاً، وأن ((الوسيلة)) الشرعية أخص من ((اللغوية)) : (هي كل ما يتوسل به - أي يتقرب - من قرابة أو صنيعة، أو غير ذلك، فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل
стр. 1401
الطاعات وترك السيئات) .
وهذا بعينه نص كلام الزمخشري، غير أنه قال:
(الوسيلة كل ما يتوسل به ... فاستعيرت ... من فعل الطاعات وترك المعاصي) .
٤ - وقال الإمام أبو السعود العمادي (٩٨٣هـ) : (هي فعيلة بمعنى ما يتوسل به ويتقرب إلى الله تعالى: من فعل الطاعات وترك المعاصي) .
٥ - ٦- وقال الإمام محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) وتبعه ابنه العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) :
стр. 1402
(هي فعيلة بمعنى ما يتوسل به ويتقرب إلى الله : من فعل الطاعات، وترك المعاصي.....
واستدل بعض الناس [من القبورية] بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين، وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد.
والقسم على الله تعالى بهم بأن يقال:
((اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا)) ، ومنهم من يقول للغائب، أو الميت من عباد الله تعالى الصالحين: ((يا فلان! ادع الله تعالى ليرزقني كذا وكذا)) .
ويزعمون: أن ذلك من باب ابتغاء الوسيلة، ويروون عن النبي ﷺ : أنه قال: ((إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور)) أو ((فاستغيثوا بأهل القبور)) .
وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل) .
الشبهة الثانية: تشبث القبورية بتوسل عمر بالعباس ﵄: فعن أنس أن عمر بن الخطاب ﵁: (كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)) قال: فيسقون) .
وقد استدل عامة القبورية بهذا الأثر على إثباتهم للتوسل القبوري، الشركي منه والبدعي، قديماً وحديثاً.
стр. 1403
الجواب: لقد أجاب عن هذه الشبهة علماء الحنفية بعدة وجوه، أذكر منها أربعة:
الوجه الأول: أنه قد سبق محققاً مدققاً على لسان علماء الحنفية أن التوسل المصطلح عليه في الكتاب والسنة، وفي اصطلاح الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الأمة، هو التوسل بأسماء الله الحسنى،
стр. 1404
وصفاته الكمالية العلى، والتوسل بالطاعات، من فعل الحسنات وترك السيئات، حتى اعترف بهذه الحقيقة الشيخ أنور الكشميري (١٣٥٢هـ) أحد كبار أئمة الديوبندية.
والكوثري والكوثرية يعظمه غاية التعظيم ويجله غاية الإجلال، وأما إكبار الديوبندية له وغلوهم فيه غلواً لا نهاية له، فحدث ولا حرج، فقوله حجة على الديوبندية، والكوثري والكوثرية.
وإذا ثبت أن توسل السلف غير توسل القبورية - فقد تبين بطلان حمل توسل عمر بالعباس ﵄ على التوسل المصطلح عليه عند الكوثرية والديوبندية خاصة، والقبورية عامة.
وظهر أن الاستدلال بهذا الأثر وغيره من نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح - على التوسل القبوري الشركي منه والبدعي - هو من قبيل توجيه قول القائل بما لا يرضى به قائله، وقد سبق أن ذكرت قانوناً وضعه الكوثري ببيانه وقاله بلسانه، وكتبه ببنانه.
وهو أن حمل النصوص والآثار على المصطلحات المستحدثة بعد عهد التنزيل بدهور - بعد عن اللسان العربي المبين، وزيغ عن منهج الكتاب والسنة وتنكب لسبيل السلف، ومنابذة للغة التخاطب، وهجر لطريقة أهل النقد.
إلى غير ذلك من المفاسد التي ذكرها الكوثري، فكيف يجوز
стр. 1405
للكوثري وغيره من القبورية بعد وضع هذا القانون وبعد معرفة مذهب السلف في التوسل - أن يستدلوا بنصوص الكتاب والسنة وآثار السلف على التوسل المصطلح عليه عند القبورية، الذي هو دائر بين أن يكون شركاً بواحاً صراحاً. وبين أن يكون بدعة ضلالة ووسيلة إلى الشرك بالله تعالى.
الحاصل: أن استدلال القبورية عامة والكوثرية والديوبندية خاصة بهذا الأثر - على التوسل المصطلح عليه عندهم - باطل ومحال، وتحريف، وتخريف، إذ هو من قبيل القرمطة في النقليات والسفسطة في العقليات، بل الحق الحقيق، والواقع والتحقيق: أن التوسل في هذا الأثر - هو التوسل بدعاء الحي الحاضر.
فاستمع للوجه التالي. وأنصت لتكتسب الدرر العوالي.
الوجه الثاني: أن علماء الحنفية قد صرحوا بأن ((التوسل)) المذكور في هذا الأثر هو التوسل بدعاء الحي الحاضر، فعمر بن الخطاب الخليفة الراشد فقيه الصحابة ﵁، قد توسل بدعاء العباس بن عبد المطلب ﵁، ولم يكن توسل عمر بالعباس ﵄ من قبيل التوسل القبوري الشركي منه والبدعي، فلم يكن هذا التوسل بذات العباس ﵁، ولا بحرمته، ولا بحقه، ولا بجاهه، ولا بوجهه، ولا ببركته.
следующие страницы →