Полный текст (1 553 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
الطاعات وترك السيئات) .
وهذا بعينه نص كلام الزمخشري، غير أنه قال:
(الوسيلة كل ما يتوسل به ... فاستعيرت ... من فعل الطاعات وترك المعاصي) .
٤ - وقال الإمام أبو السعود العمادي (٩٨٣هـ) : (هي فعيلة بمعنى ما يتوسل به ويتقرب إلى الله تعالى: من فعل الطاعات وترك المعاصي) .
٥ - ٦- وقال الإمام محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) وتبعه ابنه العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) :
стр. 1402
(هي فعيلة بمعنى ما يتوسل به ويتقرب إلى الله : من فعل الطاعات، وترك المعاصي.....
واستدل بعض الناس [من القبورية] بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين، وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد.
والقسم على الله تعالى بهم بأن يقال:
((اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا)) ، ومنهم من يقول للغائب، أو الميت من عباد الله تعالى الصالحين: ((يا فلان! ادع الله تعالى ليرزقني كذا وكذا)) .
ويزعمون: أن ذلك من باب ابتغاء الوسيلة، ويروون عن النبي ﷺ : أنه قال: ((إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور)) أو ((فاستغيثوا بأهل القبور)) .
وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل) .
الشبهة الثانية: تشبث القبورية بتوسل عمر بالعباس ﵄: فعن أنس أن عمر بن الخطاب ﵁: (كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)) قال: فيسقون) .
وقد استدل عامة القبورية بهذا الأثر على إثباتهم للتوسل القبوري، الشركي منه والبدعي، قديماً وحديثاً.
стр. 1403
الجواب: لقد أجاب عن هذه الشبهة علماء الحنفية بعدة وجوه، أذكر منها أربعة:
الوجه الأول: أنه قد سبق محققاً مدققاً على لسان علماء الحنفية أن التوسل المصطلح عليه في الكتاب والسنة، وفي اصطلاح الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الأمة، هو التوسل بأسماء الله الحسنى،
стр. 1404
وصفاته الكمالية العلى، والتوسل بالطاعات، من فعل الحسنات وترك السيئات، حتى اعترف بهذه الحقيقة الشيخ أنور الكشميري (١٣٥٢هـ) أحد كبار أئمة الديوبندية.
والكوثري والكوثرية يعظمه غاية التعظيم ويجله غاية الإجلال، وأما إكبار الديوبندية له وغلوهم فيه غلواً لا نهاية له، فحدث ولا حرج، فقوله حجة على الديوبندية، والكوثري والكوثرية.
وإذا ثبت أن توسل السلف غير توسل القبورية - فقد تبين بطلان حمل توسل عمر بالعباس ﵄ على التوسل المصطلح عليه عند الكوثرية والديوبندية خاصة، والقبورية عامة.
وظهر أن الاستدلال بهذا الأثر وغيره من نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح - على التوسل القبوري الشركي منه والبدعي - هو من قبيل توجيه قول القائل بما لا يرضى به قائله، وقد سبق أن ذكرت قانوناً وضعه الكوثري ببيانه وقاله بلسانه، وكتبه ببنانه.
وهو أن حمل النصوص والآثار على المصطلحات المستحدثة بعد عهد التنزيل بدهور - بعد عن اللسان العربي المبين، وزيغ عن منهج الكتاب والسنة وتنكب لسبيل السلف، ومنابذة للغة التخاطب، وهجر لطريقة أهل النقد.
إلى غير ذلك من المفاسد التي ذكرها الكوثري، فكيف يجوز
стр. 1405
للكوثري وغيره من القبورية بعد وضع هذا القانون وبعد معرفة مذهب السلف في التوسل - أن يستدلوا بنصوص الكتاب والسنة وآثار السلف على التوسل المصطلح عليه عند القبورية، الذي هو دائر بين أن يكون شركاً بواحاً صراحاً. وبين أن يكون بدعة ضلالة ووسيلة إلى الشرك بالله تعالى.
الحاصل: أن استدلال القبورية عامة والكوثرية والديوبندية خاصة بهذا الأثر - على التوسل المصطلح عليه عندهم - باطل ومحال، وتحريف، وتخريف، إذ هو من قبيل القرمطة في النقليات والسفسطة في العقليات، بل الحق الحقيق، والواقع والتحقيق: أن التوسل في هذا الأثر - هو التوسل بدعاء الحي الحاضر.
فاستمع للوجه التالي. وأنصت لتكتسب الدرر العوالي.
الوجه الثاني: أن علماء الحنفية قد صرحوا بأن ((التوسل)) المذكور في هذا الأثر هو التوسل بدعاء الحي الحاضر، فعمر بن الخطاب الخليفة الراشد فقيه الصحابة ﵁، قد توسل بدعاء العباس بن عبد المطلب ﵁، ولم يكن توسل عمر بالعباس ﵄ من قبيل التوسل القبوري الشركي منه والبدعي، فلم يكن هذا التوسل بذات العباس ﵁، ولا بحرمته، ولا بحقه، ولا بجاهه، ولا بوجهه، ولا ببركته.
стр. 1406
وإنما هو التوسل بدعائه ﵁، وإليكم بعض نصوص كبار أئمة الحنفية في شرح هذا الأثر وتوسل عمر بالعباس ﵄:
١ - قال الإمام الشاه ولي الله الدهلوي إمام الحنفية في عصره (١١٧٦هـ) : توسل عمر ﵁ بالعباس ﵁، إنما كان بدعائه، ولا شك في جوازه.
٢ - وقال الإمام ابن أبي العز أحد كبار علماء الحنفية (٧٩٢هـ) محققاً أن توسل عمر بالعباس إنما كان بدعائه لا غير: (فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته، وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه [حيث] يطلبون منه أن يدعو لهم، وهم يؤمنون على دعائه، كما في الاستسقاء وغيره، فلما مات ﷺ قال عمر ﵁ لما خرجوا يستسقون -:
стр. 1407
((اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا)) ، معناه: بدعائه هو ربه، وشفاعته، وسؤاله.
[و] ليس المراد: أنا نقسم عليك به، أو نسألك بجاهه عندك.
إذ لو كان ذلك مراداً - لكان جاه النبي ﷺ أعظم وأعظم من جاه العباس [﵁] ... ) .
٣ -٤- وقال الإمام محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) ، وتبعه ابنه العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) واللفظ للوالد:
(إن معنى ((الاستشفاع)) به ﷺ طلب الدعاء منه، وليس معناه: الإقسام به على الله تعالى ... وعلى هذا لا يصلح ((الخبر)) [أي خبر التوسل والاستشفاع] ولا ما قبله [في آية الوسيلة]- دليلاً لمن ادعى جواز الإقسام [والتوسل] بذاته ﷺ حياً وميتاً، وكذا بذات غيره من الأرواح المقدسة مطلقاً، قياساً عليه، ﵊، بجامع الكرامة..
وتساوي حالتي حياته ووفاته ﷺ في هذا الشأن - يحتاج إلى نص، ولعل النص على خلافه؛ ففي صحيح البخاري، عن أنس: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس ﵁، فقال: ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)) ،
стр. 1408
فيسقون؛ فإنه لو كان التوسل به ﵊ بعد انتقاله من هذه الدار - لما [تركوا التوسل به ﷺ ، ولما] عدلوا [عن التوسل به] إلى [التوسل بشخص] غيره [ ﷺ ] بل كانوا يقولون [حتى بعد موته ﷺ ] : ((اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا فاسقنا)) ، وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس - وهم يجدون أدنى مساغ لذلك - فعدوا لهم هذا - مع أنهم السابقون الأولون، وهم أعلم منا بالله تعالى، ورسوله ﷺ و [هم أعرف منا بحقوق الله تعالى ورسوله ﵊] و [هم أدرى منا بكل] ما يشرع [في دين الله] من الدعاء وما لا يشرع.
وهم في وقت ضرورة ومخمصة، [وكانوا] يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق - دليل واضح على أن المشروع [هو] ما سلكوه: [من التوسل بدعاء الحي الحاضر] دون غيره [من توسلات القبورية، الشركية منها والبدعية] ....
стр. 1409
[فلذلك نقول:] إن هذا التوسل [أي توسل عمر بالعباس] ليس من باب الإقسام [على الله تعالى] بل هو من جنس الاستشفاع، وهو أن يطلب من الشخص الدعاء والشفاعة، ويطلب من الله تعالى أن يقبل دعاءه وشفاعته، ويؤيد ذلك أن العباس كان يدعو وهم يؤمنون لدعائه حتى سقوا، وقد ذكر المجد: أن لفظ ((التوسل)) بالشخص، والتوجه إليه وبه - فيه إجمال وإشراك [يختلف المراد منه] بحسب الاصطلاح [السلفي، والقبوري الخلفي] ، فمعناه في لغة الصحابة [رضوان الله عليهم أجمعين] :
أن يطلب منه الدعاء، والشفاعة، فيكون التوسل والتوجه في الحقيقة بدعائه وشفاعته، وذلك مما لا محذور فيه، وأما في لغة كثير من الناس [عبدة القبور]- فمعناه: أن يسأل الله تعالى بذاته، ويقسم به عليه، وهذا هو محل النزاع.
وقد علمت الكلام [والحجج الدالة على خلافه، وعرفت ما] فيه [من المفاسد الشركية والبدعية] ،
стр. 1410
و [تحقق لك أنه قد] جعل من الإقسام الغير المشروع قول القائل: ((اللهم أسألك بجاه فلان)) ، فإنه لم يرد عن أحد من السلف أنه دعا كذلك.......) .
٥ - وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) في شرح هذا الأثر مبيناً أن توسل عمر بالعباس ﵄ إنما كان توسلاً بدعاء العباس ﵁ لا غير: (وقول عمر ﵁: ((إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا)) .
معناه: نتوسل بدعائه وشفاعته وسؤاله [ ﷺ ] و [الآن] نتوسل إليك بدعاء عمه وسؤاله وشفاعته [و] ليس المراد به: أنا نقسم عليك به، وأما ما يجري هذا المجرى مما يفعل بعد موته وفي مغيبه، كما يقول الناس [من القبورية] : أسألك بجاه فلان عندك، و [من هؤلاء القبورية من] يقولون:
стр. 1411
نتوسل إلى الله بأنبيائه، وأوليائه، فإنه لو كان هذا [التوسل القبوري] هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه، كما ذكر عمر ﵁ لفعلوا ذلك بعد موته [ ﷺ ] ، ولم يعدلوا عنه إلى العباس [﵁] ، مع علمهم بأن السؤال به، والإقسام به [ ﷺ على فرض جوازه شرعاً]- أعظم من [التوسل بعمه] العباس [﵁] فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكروه - هو مما يفعل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، فإن الحي يطلب منه ذلك، والميت لا يطلب منه شيء لا دعاء ولا غيره) .
٦ - وله ﵀ كلام مهم آخر في شرح أثر عمر وتوسله بالعباس ﵄، وتحقيق أن هذا التوسل هو التوسل بدعاء الحي الحاضر لا غير.
٧ - وله أيضاً كلام آخر في غاية الدقة والإتقان يقطع دابر القبورية ولا سيما الكوثرية.
٨ - تحقيق الشيخ الشاه محمد أنور الكشميري، الملقب عند الديوبندية والكوثرية بإمام العصر ومحدث العصر (١٣٥٢هـ) ، وهو من كبار أئمة الديوبندية.
والديوبندية قد أطروه إطراءً لا غاية له، وأكبروه إكباراً لا نهاية له.
حيث قالوا في إجلاله وإكباره: إنه بحر البحور، عديم النظير، بقية
стр. 1412
السلف، حجة الخلف، أمة وحده، جمع ميزات كل من الذهبي (٧٤٨هـ) ، وابن حجر (٨٥٢هـ) ، وابن دقيق العيد، والبحتري، وسحبان، وأنه إعجاز الدين، مثل سفيان (١٦١هـ) ، والبخاري (٢٥٦هـ) ، وأحمد (٢٤١هـ) ، والترمذي (٢٧٩هـ) ، والزهري (١٢٤هـ) ، بلا خلاف. إلى غير ذلك من الثناء والمدائح التي كالوها له جزافاً وغلواً، وأما الكوثري نفسه والكوثرية - فهم أيضاً أتوا بالعجائب من الإجلال له وإكباره وإعظامه:
بأن الكشميري ((إمام العصر المحدث الكبير)) و ((الإمام المحدث الكبير)) و ((الإمام الكشميري)) ، ((والعلامة فقيد الإسلام المحدث المحجاج)) ، وأنه ((لم يأت بعد ابن الهمام مثله)) ، إلى آخر تلك المبالغات الديوبندية والكوثرية في هذا الكشميري.
قلت: إنما أطلت هذه الإطالة في ذكر أمثلة إطراء الديوبندية والكوثري والكوثرية لهذا الكشميري وغلوهم فيه تخرصاًَ وجزافاً وتهوراً،
стр. 1413
لأنقل كلامه في توسل عمر بالعباس ﵄، ثم أنقل كلاماًَ للكوثري مناقضاً لكلام الكشميري، ليكون كلام الكشميري قاطعاً لدابر الكوثري خاصة ولدابر الديوبندية والكوثرية عامة، ولسائر القبورية أيضاً.
فأقول وبالله أستعين، إذ هو المستعان المعين: قال العلامة الشاه محمد أنور الكشميري، أحد كبار أئمة الديوبندية والكوثرية (١٣٥٢هـ) ، في شرح هذا الأثر محققاًَ أن توسل عمر بالعباس ﵄ إنما كان توسلاً بدعائه، ولم يكن من قبيل توسل المتأخرين: (قوله: ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ ) - ليس فيه ((التوسل)) المعهود [عند المتأخرين] الذي يكون بالغائب، حتى قد لا يكون به شعور [للمتوسل به] أصلاً، بل فيه [أي أثر عمر هذا] توسل السلف، وهو: أن يقدم [المتوسل] رجلاً ذا وجاهة عند الله تعالى، ويأمره أن يدعو لهم، ثم يحيل عليه في دعائه، كما فعل بعباس ﵁ عم النبي ﷺ ، ولو كان فيه توسل المتأخرين [القبورية]- لما احتاجوا بإذهاب عباس ﵁ معهم، ولكفى لهم التوسل بنبيهم بعد وفاته، (وكفاهم التوسل أيضاً) بالعباس رضي
стр. 1414
الله عنه مع عدم شهوده معهم....) .
٩ - وقال ﵀ أيضاً مبيناً أن توسل السلف غير توسل الخلف:
(واعلم أن التوسل بين السلف - لم يكن كما هو المعهود بيننا [أي الديوبندية خاصة والقبورية عامة] ، فإنهم [أي السلف الصالح] إذا كانوا يريدون أن يتوسلوا بأحد - كانوا يذهبون بمن يتوسلون به أيضاً معهم، ليدعو لهم، ثم يستعينون بالله ويدعونه، ويرجون الإجابة منه ... أما التوسل بأسماء الصالحين كما هو المتعارف في زماننا - بحيث لا يكون للمتوسلين بهم علم بتوسلنا، بل لا تشترط فيه [أي في هذا التوسل القبوري] حياتهم، [فيتوسلون بالأحياء والأموات] أيضاً.
وإنما يتوسل [عند القبورية] بذكر أسمائهم فحسب، زعماً منهم أن لهم وجاهة عند الله وقبولاً، فلا يضيعهم بذكر أسمائهم - فذلك أمر لا أحب أن أقتحم فيه ...
وأما قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] .
فذلك وإن اقتضى ابتغاء واسطة، لكن لا حجة فيه على التوسل
стр. 1415
المعروف، بالأسماء فقط [بطلب الدعاء من المتوسل به] ....) .
١٠ - وقال ﵀ أيضاً مبيناً الفرق بين توسل السلف وبين توسل الخلف:
(قوله: ((إنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون)) قلت: وهذا توسل فعلي [أي بدعاء حي حاضر وفعله، كما هو عند السلف] ، لأنه [أي عمر] كان يقول له بعد ذلك: ((قم يا عباس فاستسق)) ، فكان [العباس يدعو الله تعالى، و] يستسقي لهم، فلم يثبت منه [أي من هذا الأثر من توسل عمر بالعباس] التوسل القولي [القبوري] : أي الاستسقاء بأسماء الصالحين [بمجرد ذكرهم على اللسان] فقط، [بأن يقال: اللهم بوسيلة فلان أو بحرمة فلان أو ببركة فلان أو بحق فلان] بدون شركتهم [، وحضورهم ودعائهم] ....) .
قلت: لقد قرأ القراء الكرام المنصفون المنشدون لضالة الحق هذه النصوص الثلاثة لإمام الديوبندية والكوثرية جميعاً، ألا وهو العلامة أنور الكشميري (١٣٥٢هـ) . وهو يقرر في هذه النصوص أمرين مهمين:
الأول: الفرق بين توسل السلف وبين توسل هؤلاء الخلف القبورية.
الثاني: بطلان استدلال هؤلاء الخلف القبورية بهذه الآية الكريمة وهذا الأثر في توسل عمر بالعباس، محققاً أن هذه الآية وهذا الأثر لا يشملان توسل هؤلاء الخلف القبورية، لأن توسل عمر بالعباس إنما كان بدعاء العباس، لأن العباس كان يدعو لهم وهم كانوا يؤمنون بدعائه،
стр. 1416
بخلاف توسل هؤلاء الخلف القبورية، فإنهم يتوسلون بالشخص من دون أن يدعو لهم، ومن دون أن يحضر ويشترك معهم في التضرع إلى الله.
قلت: هذه كانت خلاصة نصوص العلامة الكشميري، وأن ترى أنها تقطع دابر القبورية عامة، ودابر الديوبندية، ودابر الكوثري والكوثرية خاصة.
تنبيه: بمناسبة هذه النصوص الثلاثة للعلامة الكشميري (١٣٥٢هـ) الذي يجله الكوثري والكوثرية فضلاً عن الديوبندية بالمبالغات التي ذكرت أمثلة منها - لا بد من أن أذكر كلمة في إبطال تلك الكلمات الوقحة التي هذى بها الكوثري بلسانه وسجلها ببنانه حيث قال:
إن قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يشمل التوسل بالأشخاص والتوسل بالأعمال، (رغم تقول كل مفتر أفاك ... ) .
وقال بعد استدلاله بتوسل عمر بالعباس ﵄ على توسل القبوري:
(قول عمر ... نص على توسل الصحابة بالصحابة ... وقصر ذلك على ما قبل وفاته ﷺ تقصير عن هوى، وتحريف لنص الحديث، وتأويل بدون دليل.
ومن حاول إنكار جواز التوسل بالأنبياء بعد موتهم، بعدول عمر إلى العباس في الاستسقاء - قد حاول المحال، ونسب إلى عمر ما لم يخطر
стр. 1417
له على بال، فضلاً عن أن ينطق به؛ فلا يكون هذا إلا محاولة إبطال السنة الصحيحة الصريحة بالرأي) .
قلت: بتحقيق هؤلاء الأعلام من أئمة الحنفية ولا سيما العلامة الكشميري الذي يجله الكوثري ويكبره إكباراً - تبين: أن الكوثري هو المتقول على الله تعالى، وأنه هو المفتري على رسول الله ﷺ ، وأنه هو الأفاك على السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الأمة، وأنه هو المقصر عن هوى، وأنه هو المحرف لأثر توسل عمر بالعباس ﵄، وأنه هو الذي قد حاول المحال، وأنه هو الذي قد نسب إلى عمر ما لم يخطر له على بال، وأن أفاعيله محاولات لإبطال السنة الصحيحة الصريحة بالرأي، وإلا لكان هؤلاء الأعلام من أئمة الحنفية - ولا سيما العلامة الكشميري (١٣٥٢هـ) أحد أئمة الديوبندية والكوثرية - متقولين، مفترين، أفاكين، محرفين للحديث، مبطلين للسنة الصحيحة، محاولين للمحال، ناسبين إلى عمر ما لم يخطر له على بال - بتصريح هذا الكوثري - لكن التالي باطل فالمقدم مثله؛ لأن الكوثري قد وضع بنفسه قانوناً كلياً في عدم جواز حمل النصوص والآثار على المصطلحات المستحدثة بعد عهد التنزيل بدهور، وأن من فعل هذا - فقد زاغ عن منهج الكتاب والسنة، وأنه تنكب سبيل السلف الصالح، مسلك أئمة أصول الدين، وأنه نابذ لغة التخاطب،
стр. 1418
وأنه هجر طريقة أهل النقد، إلى آخر ذلك القانون الكلي الذي وضعه الكوثري بنفسه لقطع دابره ودابر قومه القبوريين.
فالكوثري مع تناقضه الفاضح، واضطرابه الواضح - ممن يأمرون ولا يأتمرون، وعلى الكتاب يتقولون، وعلى السنة يفترون، ولنصوصهما يحرفون.
حيث يحمل نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف على مصطلحات جديدة بدعية قبورية شركية، فهو المتقول المفتري الأفاك الكذاب.
فهل يرعوي عن أباطيله هذا المرتاب؟؟؟.
ويجدر بي أن أتمثل بمناسبة حال الكوثري بأبيات آتية ترثي حاله وحال خلطائه:
ودع سليمى إن تجهزت غادياً ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... فقلت ألما أصح والشيب وازع
فإن تنج منها تنج من ذي ملمة ... وإلا فإني لا أخالك ناجيا
وأكتفي بهذا القدر وأنتقل إلى الجواب الثالث في الوجه الآتي:
﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] .
الوجه الثالث:
لقد سبق في الوجه السابق أن متن هذا الأثر يدل على أن توسل عمر بالعباس ﵄ إنما كان توسلاً بدعائه، وقد ذكر علماء الحنفية عدة من القرائن الموجودة في متن هذا الأثر الدالة على أن هذا التوسل لم يكن إلا بدعاء العباس ﵁، ولم يكن من قبيل توسلات القبورية، وفي هذا الوجه أذكر كلام علماء الحنفية وتحقيقهم بإقامة شاهدي عدل من كلام عمر والعباس أنفسهما - على أن التوسل إنما كان بدعاء العباس رضي
стр. 1419
الله عنه، ولا أكتفي بذلك؛ بل أذكر اعتراف كبار أئمة القبورية وشهادتهم على أن هذا التوسل إنما كان بدعاء العباس، وكفى بذلك إتماماً للحجة وإيضاحاً للمحجة، فيكون الجواب السابق من قبيل ما قيل:
وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد
وهذا معنى قولهم: ((هذه القضايا قياساتها معها)) .
وأما هذا الجواب - فيكون من قبيل ما قيل:
ونديمهم وبهم عرفنا فضله ... والفضل ما شهدت به الأعداء
وما قيل:
ومليحة شهدت لها ضراتها ... والحسن ما شهدت له الضرات
بل هو من قبيل ما قال الله تعالى فيه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ... فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٦-٢٧] .
فأقول وبربي أستعين وأستغيث، إذ هو المستعان المعين، والمستغاث المغيث:
١ - قال الإمام البدر العيني إمام الحنفية في عصره (٨٥٥هـ) في بيان صفة دعاء العباس في الاستسقاء:
(إن العباس قال ذلك اليوم: اللهم إن عندك سحاباً، وإن عندك ماء، فانشر السحاب، ثم أنزل منه الماء، ثم أنزله علينا، واشدد به الأصل، وأحل به الفرع، وأدر به الضرع. اللهم شفعنا إليك عمن لا منطق له من بهائمنا، وأنعامنا.
стр. 1420
اللهم اسقنا سقيا وادعة بالغة طبقاً مجيباً. اللهم إنا نشكو إليك سغب كل ساغب، وعدم كل عادم، وجوع كل جائع، وعري كل عار، وخوف كل خائف ... ) .
٢ - وقال ﵀ أيضاً، ذاكراً دعاء آخر دعا به العباس ﵁، محققاً أن هذا التوسل إنما كان بدعائه:
(فلما صعد عمر، ومعه العباس المنبر - قال عمر ﵁: ((اللهم إنا توجهنا إليك بعم نبيك، وصنو أبيه، فاسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين)) .
ثم قال: ((قل يا أبا الفضل)) ، فقال العباس [﵁] :
اللهم: لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا بالتوبة، فاسقنا الغيث)) .
قال [ابن عباس] : فأرخت السماء شآبيب مثل الجبال، حتى أخضبت الأرض وعاش الناس) .
٣ - وقال العلامة الشاه محمد أنور الكشميري أحد أئمة الديوبندية،
стр. 1421
والكوثرية، والملقب عندهم جميعاً بإمام العصر، ومحدث العصر، مبيناً صفة دعاء العباس ﵁، محققاً أن هذا التوسل إنما كان بدعائه ليس غير:
(وصفة استسقاء العباس ما أخرجه الحافظ رحمه الله تعالى: ((اللهم لم ينزل بلاء إلا بذنب ... )) ا. هـ) .
قلت: هذه كانت أمثلة لشهادة علماء الحنفية لتحقيق أن توسل عمر بالعباس ﵄ إنما كان بدعائه ليس إلا، بدليل أن عمر ﵁ طلب منه الدعاء، وأن العباس ﵁ قد دعا لهم.
وأما شهادة أئمة القبورية وذكرهم طلب عمر الدعاء من العباس وأن العباس قد دعا لهم - فبيان ذلك: أنه ذكر كثير من أئمة القبورية أن عمر طلب من العباس أن يدعو لهم، وأن العباس قد دعا لهم، ثم ذكروا نص دعائه، حتى اعترف بذلك الكوثري، فشهد بما يقطع وتينه.
وهذا من الحجج القاهرة والسلاطين الباهرة على أن توسل عمر بالعباس ﵄ -
стр. 1422
إنما كان بدعائه، فكان العباس ﵁ يدعو لهم، والباقون يؤمنون.
الحاصل: أنه قد ثبت بنصوص هؤلاء الأعلام من الحنفية وشهادة هؤلاء الخصوم القبورية:
أن توسل عمر بالعباس ﵄ إنما كان توسلاً بدعائه، ولم يكن هذا التوسل من قبيل توسلات هؤلاء القبورية.
ألم تر أن الحق تلقاه أبلجا ... وأنك تلقى باطل القول لجلجا
الوجه الرابع: أن هذا الأثر من أقوى السلاطين القاهرة، ومن أعظم البراهين الباهرة، على إبطال توسلات القبورية بجميع أنواعها، الشركية منها والبدعية.
وأنه من أوضح الأدلة القاطعة، وأظهر الحجج الدامغة الساطعة، على إثبات أن توسل عمر بالعباس ﵄ إنما كان بدعائه ليس غير.
قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) :
(والجواب: أن المراد من التوسل - الدعاء لهم، يدل عليه ثبوت دعائه لهم بطلب السقيا، كما جاء في بقية الروايات. وهذا المعنى هو الذي عناه الفقهاء في كتبهم، ومرادهم التوجه إلى الله بدعاء الصالحين بأن يدعوا لهم.
ولو كان التوسل بالذوات - هو المطلوب، والمدلول الذي أقاموا
стр. 1423
عليه الدليل - وهم بمقتضى دليلهم لا يخصون الأحياء بهذا التوسل، ويستحبون التوسل بالذوات الشريفة، ولو بندائهم ودعائهم كما مر تقريره من دليلهم، وأنه على معنى الشفعاء، يدعون لهم. وقالوا: لا مانع من ذلك عقلاً، وشرعاً. فإنهم أحياء في قبورهم - لكان التوسل بالنبي ﷺ في الأمر المهم - وهم عنده بالمدينة - أولى.
ولكان قولهم - كما في رواية البخاري: ((أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون)) -
стр. 1424
عبثاً ضائعاً، بل مخلاً بما يقولون ويدعون، بل هو أقوى الأدلة وأرجحها وأعلاها وأوثقها وأوضحها وأصدقها لما ندعيه.
فإن قول عمر: ((اللهم: إنا إذا أجدبنا توسلنا ... )) إلخ - يدل دلالة ظاهرة على انقطاع ذلك الذي هو الدعاء، بدليل قوله: ((إنا كنا)) .
ولما كان العباس حياً طلبوه منه، فلما مات - فات.
فقصرهم له على الموجودين - ولو كانوا مفضولين - دليل ساطع، وبرهان لامع، على هذا المراد، ولو كان المقصود الذوات
стр. 1425
- كما يقولون - لبقيت هذه التوسلات عندهم على حالها، ولم تتغير ولم تتبدل إلى المفضولين بعد وجود الفاضلين، سيما الأنبياء والمرسلين.
فتأمل في هذا، فإنه أحسن ما في هذه الأوراق، حقيق بأن يضرب عليه رواق الاتفاق.
والله يهديك السبيل، فهو نعم المولى ونعم الوكيل) .
قلت: بهذا القدر أكتفى في قلع هذه الشبهة، فلا حاجة إلى مزيد من الإطالة، وبعد قطع دابر القبورية بهذه الصوارم القواطع - ننتقل إلى الشبهة الثالثة، لنطلع على جواب علماء الحنفية عنها.
الشبهة الثالثة: دعوى القبورية الإجماع على التوسل القبوري.
لقد ادعى السبكي (٧٥٦هـ) وغيره من خلطائه القبورية الإجماع - إجماع هذه الأمة، بل إجماع جميع أهل الأديان - على حسن التوسل والاستغاثة بالأموات عند الكربات، وأنه فعل الأنبياء والمرسلين، ومن سير السلف الصالحين، ولم ينكر ذلك أحد من أهل الأديان، ولا سمع به في زمن من الأزمان
стр. 1426
حتى جاء ابن تيمية فأنكر الاستغاثة والتوسل، وابتدع ما لم يقله عالم قبله، وصار به بين الأنام مثله.
وقال الكوثري، الأفاك المفتري:
(وهم في إنكارهم التوسل محجوجون بالكتاب والسنة والعمل المتوارث، والمعقول ... ، رغم تقول كل مفتر أفاك) .
وقال هذا الكوثري الجهمي الوثني:
(وعلى التوسل بالأنبياء والصالحين أحياء وأمواتاً - جرت الأمة طبقة فطبقة، وقول عمر في الاستسقاء: ((إنا نتوسل إليك بعم نبينا)) - نص على توسل الصحابة بالصحابة.
وفيه إنشاء التوسل بشخص العباس ﵁..، وقصر ذلك على ما قبل وفاته ﵇، تقصير عن هوى، وتحريف للحديث ... ومن حاول إنكار جواز التوسل بالأنبياء بعد موتهم بعدول عمر إلى العباس في الاستسقاء - قد حاول المحال، ونسب إلى عمر ما لم يخطر له على بال، فضلاً عن أن ينطق به.
فلا يكون [يعني إنكار الاستغاثة والتوسل بالأموات] إلا محاولة إبطال السنة الصحيحة الصريحة بالرأي) .
الجواب: لقد أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة الفتاكة الأفاكة
стр. 1427
بوجهين، وحاربوا القبورية من جهتين اثنتين:
الوجه الأول: أنه قد تحقق على لسان علماء الحنفية أن التوسل في اصطلاح السلف الصالح من الصحابة والتابعين - إنما هو التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا، والتوسل بالأعمال الصالحة، والتوسل بدعاء حي حاضر ليس غير، وقد أقام علماء الحنفية على ذلك براهين باهرة، وسلاطين قاهرة.
وساقوا لذلك حججاً قاطعة، وأدلة ناصعة، وثبت بهذا كله أن أهل التوحيد والسنة هم على ما عليه هذه الأمة وليسوا متقولين ولا مفترين، ولا كذابين ولا أفاكين، وأنهم ليسوا مبطلين للسنة، ولا هم خارجين على إجماع هذه الأمة، وأنهم ليسوا مثلة بين الأنام، ولا هم أهل شرك وابتداع كالقبورية الطغام.
وإنما المتقولون والمبطلون للسنة والأفاكون، والمحرفون للكتاب والسنة، والخارجون على إجماع هذه الأمة، وأهل الشرك والابتداع، والمثلة بين الأنام - هم هؤلاء القبورية الدعاة إلى الوثنية في الإسلام.
فإن السلف لم يستغيثوا بالأموات عند الكربات، ولا توسلوا بمجرد الذوات عند إلمام الملمات.
قال الإمام محمود الآلوسي (١٢٧٠هـ) وتبعه ابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) في إبطال هذا الإجماع القبوري الباطل، وذلك في تفسير آية الوسيلة: (واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين ... وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل، وتحقيق الكلام في
стр. 1428
هذا المقام:
أن الاستغاثة بمخلوق وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه، لا شك في جوازه، إن كان المطلوب منه حياً.. وأما إذا كان المطلوب منه ميتاً أو غائباً - فلا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من السلف.. ولم يرد عن أحد من الصحابة ﵃ وهم أحرص الخلق على كل خير - أنه طلب من ميت شيئاً ... وقد شنع التاج السبكي - كما هو عادته - على المجد،
стр. 1429
فقال: ((ويحسن التوسل والاستغاثة بالنبي ﷺ إلى ربه، ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك، وعدل عن الصراط المستقيم، وابتدع ما لم يقله عالم، وصار بين الأنام مثلة)) انتهى.
وأنت تعلم أن الأدعية المأثورة عن أهل البيت الطاهرين وغيرهم من الأئمة - ليس فيها التوسل بالذات المكرمة ﷺ .
ولو فرضنا وجود ما ظاهره ذلك - فمؤول بتقدير مضاف، كما سمعت، أو نحو ذلك، كما تسمع إن شاء الله تعالى. ومن ادعى
стр. 1430
النص فعليه البيان) .
قلت: هذا هو كلام علماء الحنفية في إبطال دعوى هؤلاء القبورية الإجماع على استحسان الاستغاثة بالأموات، والتوسل بهم عند إلمام الملمات لدفع الكربات وجلب الخيرات، وقد عرفت أن أمثال السبكي والكوثري من أئمة القبورية، في دعواهم الإجماع على صحة الاستغاثة بالأموات، وفي قولهم: إن الأمة طبقة فطبقة على ذلك رغم تقول كل مفتر أفاك، وإن منكر الاستغاثة والتوسل بالأموات مبتدع ومثلة بين الأنام - هم في الحقيقة خارجون على إجماع هذه الأمة، مبطلون ومحرفون لنصوص الكتاب والسنة، وأنهم هم المتقولون على الله تعالى، وأنهم هم المفترون على رسول الله ﷺ ، وأنهم هم الأفاكون الكذابون على الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من أئمة هذا الدين.
وأنهم هم أهل الشرك والابتداع في صميم الإسلام، وأنهم هم المثلة بين الأنام، وأن الأمة طبقة فطبقة من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، لم يقل أحد منهم قط بجواز التوسل والاستغاثة بالمقبورين، لكن هؤلاء القبورية المتهورين زعموا أن لا جواب لدعواهم وإن كذبوا.
стр. 1431
فسلط الله عليهم علماء الحنفية فكشفوا عن أسرارهم الأستار وبينوا أكاذيبهم وتلبيساتهم وأظهروا الحق كالشمس في رابعة النهار، وتحدوهم تحدي الفرسان في مضمار الرهان.
فقطعوا دابرهم وصرعوا لهم أميراً ووزيراً، فلم يجدوا لهم مجيراً ولا نصيراً، فانقطعوا منهزمين مكسورين أذلة صاغرين مع كثرتهم نفيراً.
فلم يكن لهم جواب هذا التحدي ولن يمكن لهم ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
ستعلم ليلى أي دين تدينت ... وأي غريم في التقاضي غريمها
والحقيقة أن هؤلاء الأعلام من الحنفية غرماء لهؤلاء القبوريين، وأن هؤلاء القبورية الصرعى لا يمكن لهم قضاء دينهم إلى يوم الدين.
قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
وبعد هذا أنتقل إلى الجواب الثاني في الوجه الآتي:
الوجه الثاني: أن هذا التعامل وهذا الإجماع الذي ذكرهما القبورية ليسا من التعامل والإجماع الشرعيين، حتى يكونا حجة عند النزاع، وذلك لوجوه:
الأول: أن أصحاب هذا التعامل وهذا الإجماع - ليسوا من الصحابة والتابعين ولا من الأئمة المجتهدين، وإنما هم خليط أمشاج من العوام الطغام، والملوك الجهلة، ومن انتموا إلى العلم ولكنهم أجهل خلق الله بتوحيد الأنبياء والمرسلين، كما سيأتي تحقيقه على لسان علماء الحنفية.
والثاني: أن هذا التعامل، وذلك الإجماع ليسا من الحجج
стр. 1432
الشرعية، لأن بناءهما ليس على الكتاب والسنة، بل بناؤهما على العادة المتوارثة المأخوذة عن العوام الطغام طبقة فطبقة، حسب البيئات والتأثيرات الداخلية والخارجية، ولا شك أن العادات المخالفة للشرع - ليست من الحجج الشرعية.
والثالث: أن التعامل، والإجماع لا يكونان من الحجج، إلا عند صلاح الأزمنة التي ينفذ فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد علمت أنها قد تعطلت منذ أزمنة، كما صرح به علماء الحنفية.
قلت: الحاصل: أنه قد تحقق تحقيقاً لا مزيد عليه أن إجماع الصحابة والتابعين والفقهاء المحققين والأئمة المجتهدين - على عدم جواز الاستغاثة والتوسل بالأموات، عند إلمام الملمات لدفع الكربات وجلب الخيرات، فإذا كان في الدنيا إجماع صحيح فهو هذا.
وأما الإجماعات الأخرى: كإجماع الوثنية من أهل الملل والنحل، أو إجماع القبورية من هذه الأمة، أو إجماع الفسقة والفجرة من الناس، أو إجماع أهل البدع، أو إجماع العوام - فهي من أبطل الباطل * وأنها أمر كاسد فاسد عاطل * فإن كان القبورية يعرضون عن أصح الإجماعات، ويتشبثون لدعم وثنيتهم بأبطلها -
стр. 1433
فحينئذ هم ساقطون عن مرتبة الخطاب * إلى إسطبل الدواب *
وذي سفه يواجهني بجهل ... فأكره أن أكون له مجيبا
فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو لطخت وجهك بالمداد
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
فليس شعاع الشمس يخفى لناظر ... أفيقوا عن الإصرار ما بالكم لد
وفي هذا القدر كفاية * لمن رزق الدراية والهداية * والله الهادي إلى سواء السبيل * وهو حسبي ونعم الوكيل *.
стр. 1434
الباب العاشر
في جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية
من النذر لأهل القبور والتبرك على الوجه المحذور
وزيارتهم للقبور والبناء عليها
وفيه فصول ثلاثة:
- الفصل الأول: في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في النذر لأهل القبور والتبرك على الوجه المحذور.
- الفصل الثاني: في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في زيارتهم الشركية والبدعية للقبور.
- الفصل الثالث: في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في البناء على القبور.
стр. 1435
الفصل الأول
في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في النذر لأهل القبور والتبرك على الوجه المحذور
وفيه مبحثان:
- المبحث الأول: في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في النذر لأهل القبور.
المبحث الثاني: في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في التبرك على الوجه المحذور.
стр. 1436
المبحث الأول
في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في النذر لأهل القبور
وفيه مطالب ثلاثة:
- المطلب الأول: في عرض عقيدة القبورية في نذورهم لأهل القبور.
- المطلب الثاني: في إبطال علماء الحنفية عقيدة القبورية في النذر لأهل القبور.
- المطلب الثالث: في إبطال علماء الحنفية لبعض شبه القبورية في النذور لأهل القبور.
стр. 1437
المطلب الأول
في عرض عقيدة القبورية في نذورهم لأهل القبور
من الأمثال الشركية التي وقع فيها القبورية عبادة لغير الله تعالى - النذور لأهل القبور.
وفيما يلي عدة نماذج من أقوال أئمة القبورية في جواز النذور لأهل القبور.
١ - قال القباني (١١٥٧هـ) وهو أحد كبار أئمة القبورية:
(فإن ذبح للكعبة أو للرسل تعظيماً لكونها بيت الله أو لكونهم رسل الله، جاز) .
٢ - وقد بوب السمنودي المنصوري المصري، أحد كبار أئمة القبورية (المتوفى بعد ١٣٢٦هـ) قائلاً:
(الباب التاسع في الكلام على النذر والذبح للأنبياء والصالحين) ثم ذكر ما هو دعوة سافرة إلى الوثنية.
стр. 1438
٣ - وقال الملا جيون الهندي الحنفي * الجهمي الصوفي الخرافي * (١١٣٠هـ) :
(ومن ههنا علم أن البقرة المنذورة للأولياء كما هو الرسم في زماننا، حلال طيب، لأنه لم يذكر اسم غير الله عليها وقت الذبح، وإن كانوا ينذرونها له [أي لغير الله] ....) .
٤ - وقد عقد القضاعي أحد كبار أئمة غلاة القبورية الكوثرية (١٣٧٦هـ) فصلاًَ في الدعوة السافرة إلى الوثنية عامة والنذور للأموات خاصة، فقال:
(فصل في توضيح بطلان القول بأن الذبح للميت والنذر له شرك، وتحقيق أن ذلك [أي النذر للميت] من القرب الواصل نفعها إلى الحي والميت جميعاً) ، ثم طول النفس في الدعوة إلى الوثنية السافرة عامة، وإلى النذر للأموات خاصة، بحجة أن الناذرين لا يعتقدون فيهم الخالقية والرازقية والربوبية، كما طعن على عادته الكوثرية في أهل التوحيد والسنة بكلمات وقحة.
стр. 1439
٥ - وقال محمد الفقي أحد غلاة القبورية الوثنية:
(المبحث الثالث في النذور، النذر للأنبياء والأولياء وغيرهم من القرب التي يدعو إليها الدين) .
هكذا ترى القبورية يعقدون عناوين بارزة للنذور للأموات، دعوة منهم إلى عبادة غير الله تعالى.
الحاصل: أن خلاصة عقيدة القبورية في النذر للأموات ما يلي:
١ - أن النذر للأموات من أعظم القربات، والأعمال الصالحات.
٢ - أن النذر للأموات يجوز ما لم يعتقد الناذر أن الميت خالق ورب.
٣ - أن الذبح يجوز للميت، بشرط أن لا يذكر اسمه على المذبوح عند الذبح.
٤ - أنه يبدو لي أن مقصود القبورية بالنذر للأموات هو الاستغاثة بهم لدفع المضرات وجلب الخيرات.
وهذه خلاصة عقيدة القبورية في النذور للأموات وبعد هذا ننتقل إلى:
стр. 1440
المطلب الثاني
في إبطال علماء الحنفية عقيدة القبورية
في نذورهم لأهل القبور
لقد صرح كثير من العلماء الحنفية في الرد على القبورية بأن النذر لغير الله تعالى حرام، بل هو شرك؛ لأنه نوع من أعظم أنواع العبادة، وعبادة غير الله شرك، ولأنه متضمن أنواعاً أخرى للشرك بالله تعالى، فإن الذي ينذر شيئاً للميت لابد من أن يعتقد فيه عدة عقائد شركية:
١ - أن يعتقد أنه يعلم حال هذا الناذر.
٢ - أن يعتقد أنه يتصرف في الأمور، من شفاء المريض وغناء الفقير، وإغاثة الملهوف ونحو ذلك.
٣ - أنه يسمع نداء الناذر واستغاثته به.
وهذه العقائد كلها شركية وثنية كما سبق تحقيقها على لسان علماء الحنفية في الأبواب السابقة.
وفيما يلي عدة نصوص لعلماء الحنفية دالة على أن النذر لغير الله تعالى حرام، بل إشراك صريح بالله وأنه من أعمال المشركين السابقين:
следующие страницы →