Полный текст (1 553 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
شاكلته ليس شركًا في الألوهية، ولا عبادة لغير الله بناء على زعمهم: أنهم مصدقون بالرسول ﷺ وما جاء به من عند الله تعالى.
فيقال له: لا يفيد ذلك الزعم الكاذب مع إظهار الأعمال الشركية الدالة على عقيدة الشرك، وما يصادم ما جاء به الرسول ﷺ ؛ وذلك كمن يقول: إني مصدق بما ذكر. ثم شد الزنار. وإن تصلف هذا العراقي وادعى: أن أفعال إخوانه عبدة القبور لا تشبه أفعال المشركين؛ فتلك عبادة، وأفعال إخوانه ليست عبادة!؟ يقال له: إنك لم تفهم معنى العبادة....) .
وقال ﵀ رادا على ابن جرجيس حصره للعبادة في عدة أمور مبينًا جهله للعبادة:
(والجواب أن كلامه هذا نشأ عن جهل باللغة والشرع، وما جاءت به الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم ... ؛ وهذا الغبي لم يعرف من أفراد العبادة غير الركوع والسجود والذبح والتقرب؛ مع أن دعاء المسألة من أفضل أنواعها وأجلها ... ) .
١١ - وقال الشيخ الرستمي بعد أن ذكر تعريف العبادة وأنواعها وأمثلة لها مبينًا جهل القبورية بحقيقة العبادة - محققًا أن تعريف القبورية للعبادة أمر ذهني لا حقيقة له في الخارج؛ لأنه لا يصدق على شيء من أفراد
стр. 282
العبادة:
(فالأسف كل الأسف على حال من يسجد للقبور ويركع ويعين في الأنعام والحرث نذرًا لأهل القبور حصة معينة، ويقطع مسافة طويلة لزيارة القبر كالحج؛ مع أنه يقول في صلاته: ((إياك نعبد)) ؛ فما بال هؤلاء الجهلة!؟ ؛ أي معنى للعبادة عندهم؟!؟ ؛ هل للعبادة مصداق عندهم في الخارج أم لا؟!؟ . فهذا حال من لم يعرف حق الله وحق العباد ولم يميز بينها....) .
١٢ - وقد حقق جمع من علماء الحنفية الذين لهم علم بتاريخ الوثنية وعقائد المشركين السابقين، وصرحوا: أن عبادة المشركين لآلهتهم لم تكن باعتقاد الخالقية والرازقية والمالكية والربوبية والقدرة الذاتية والاستقلال بالنفع والضر والتصرف في الكون. وإنما كانت عبادتهم لآلهتهم بندائهم عند الكربات * والاستغاثة بهم عند إلمام الملمات والبليات * والتوجه إليهم بالنذور ونحوها لدفع المضرات وجلب الخيرات * والتوسل بهم والتشفع بهم إلى خالق البريات * لاعتقادهم أنهم عباد صالحون معظمون ذوو مكانة عند رب الكائنات *.
الحاصل:
لقد حصل لنا من نصوص علماء الحنفية التي ذكرتها في الرد على
стр. 283
تعريف القبورية للعبادة أحد عشر أمرًا:
الأول: جهل القبورية بحقيقة الشرك.
الثاني: جهلهم بتاريخ الوثنية وعقائد المشركين.
الثالث: جهلهم بحقيقة التوحيد.
الرابع: جهلهم بحقيقة العبادة.
الخامس: بطلان تعريفهم للعبادة، وأنه تعريف مزيف فاسد، غير جامع لكثير من أنواع العبادة؛ بل غير صادق على شيء من العبادة.
السادس: أن تعريفهم للعبادة لا يشمل عبادة المشركين لآلهتهم.
السابع: حصرهم للعبادة في بعض الأعمال الظاهرة والباطنة.
الثامن: أنه يلزم من تعريفهم للعبادة: أن يكون المشركون غير مشركين.
التاسع: أنه يلزم من تعريفهم للعبادة: أن المشركين غير عابدين لغير الله.
العاشر: ارتكاب القبورية أنواعًا من الشرك الأكبر وعبادتهم للقبور وأهلها بأنواع من العبادة تحت ستار التوسل والتشفع والولاية والكرامة وتعظيم الأولياء.
الحادي عشر: رميهم أئمة السنة وأعلام هذه الأمة بدائهم من الجهل بحقيقة التوحيد والعبادة والشرك؛ وعدم الإلمام بتاريخ الوثنية، وعدم معرفة عقائد المشركين.
وبهذه المناسبة أحب أن أنشد فيهم ما قيل:
فحسبكم هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه ينضح
وأقول بالنسبة إلى جهلهم المطبق المحيط بهم ورميهم أئمة الهدى
стр. 284
بأدوائهم:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
وبعد أن عرفنا بطلان تعريف القبورية للعبادة، ننتقل إلى تحقيق تعريف العبادة لغة واصطلاحًا عند علماء الحنفية.
***
стр. 285
المطلب الثاني
في تعريف العبادة لغة
لعلماء اللغة من الحنفية كلام طويل في معنى ((العبادة)) لغة، حاصلها ما يلي:
((العبادة)) من مادة ((ع ب د)) . وهذه المادة إذا كانت على وزن ((نصر ينصر)) ، فلها خمسة معان:
(١) الخضوع.
(٢) الذلة.
(٣) الطاعة.
(٤) المملوكية.
(٥) التنسك.
وأما إذا كانت من باب ((فرح يفرح)) ، فلها ستة معان:
(١) الغضب والكراهة والأنفة.
(٢) الندامة والملامة.
(٣) الحرص.
(٤) الإنكار.
(٥) القوة.
стр. 286
(٦) البقاء.
فهذا أحد عشر معنى لمادة ((ع ب د)) من الناحية اللغوية. وإليكم توثيقها:
١ - ٢ - أما المعنيان: الأول، والثاني: فقد قال الزمخشري (٥٣٨هـ) :
(وطريق وبعير معبد: مذلل، وتقول: لا يجعلني كالبعير المعبد، والأسير المعبد) .
وقال: (العبادة: أقصى غاية الخضوع والتذلل) .
وقال أبو بكر الرازي (٦٦٦هـ) :
(وأصل العبودية: الخضوع والذل، والتعبيد: التذلل؛ يقال: طريق معبد. والتعبيد أيضًا: الاستعباد، وهو اتخاذ الشخص عبدًا، وكذا الاعتباد....، وكذا الإعباد، والتعبد أيضًا؛ يقال: تعبده: أي اتخذه عبدًا) .
وقال الزبيدي (١٢٠٥هـ) :
(......، أصل العبودية: الذل والخضوع....؛ يقال: بعير معبد: أي مذلل، وطريق معبد: أي مسلوك مذلل.....؛ والمعبد: البعير المهنوء بالقطران؛ قال طرفة:
стр. 287
إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد
... ) .
٣ - وأما المعنى الثالث - وهو الطاعة -: فقد ذكره كثير من الحنفية.
٤ - وأما المعنى الرابع - وهو المملوكية -: فقد قال الزمخشري (٥٣٨هـ) :
(أعبدني فلان: ملكنيه) .
وقال أبو بكر الرازي (٦٦٦هـ) :
(والعبد المملوك خلاف الحر) .
وقال الزبيدي (١٢٠٥هـ) :
(أعبدني فلان فلانًا: أي ملكني إياه....) .
٥ - وأما المعنى الخامس - وهو التعبد -: فقد قال الزمخشري (٥٣٨هـ) ، والرازي (٦٦٦هـ) ، واللفظ للأول:
(وتعبد فلان: تنسك) .
وقال الزبيدي (١٢٠٥هـ) :
стр. 288
(وتعبد: تنسك. وقعد في متعبده: أي موضع نسكه) .
٦ - وأما المعنى السادس - وهو الغضب والكراهة والأنفة -: فقد قال الزمخشري (٥٣٨هـ) :
(وعبد في أنفه ((عبدة)) : أي أنفة شديدة) .
وقال: (و ((عبد)) ، وأبد، ورمد، وعمد، وضمد، كلها بمعنى ((غضب)) ) .
وقال الرازي (٦٦٦هـ) ، والزبيدي (١٢٠٥هـ) ، واللفظ للأول:
(و ((عبد)) من باب ((طرب)) : أي غضب وأنف، والاسم العبدة؛ قال الفرزدق:
وأعبد أن أهجو كليبًا بدارم ... ...)
وعلى هذا المعنى فسر قوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] .
أي: فأنا أول الآنفين المستنكفين من أن يكون له ولد.
стр. 289
٧ - ١١ - وأما المعاني: السابع إلى الحادي عشر: وهي: الندامة، والملامة، والحرص، والإنكار، والقوة، والبقاء: فقد ذكرها الزبيدي (١٢٠٥هـ) ، وغيره.
ولمادة (ع ب د) معان أخرى أيضًا؛ قال الصاغاني (٦٥٠هـ) :
العبد: نبات طيب الرائحة، تكلف به الإبل؛ لأنه ملبنة مسمنة.
والمعبدة: العبيد؛ كالمشيخة: جمع الشيخ. والمسيفة: جمع السيف.
والعبدة: صلاءة الطيب.
والعبد، ككتف: جرب لا ينفعه دواء.
والعبادية: الإكام.
وأم عبيد: الفلاة.
والعبيد: ابن الفلاة.
هذه معاني مادة ((ع ب د)) من الناحية اللغوية.
وأما معنى ((العبادة)) اصطلاحًا شرعيا فأذكرها عن الحنفية في المطلب الآتي إن شاء الله تعالى.
****
стр. 290
المطلب الثالث
في تعريف العبادة اصطلاحا وشرعًا عند علماء الحنفية
لقد ذكر علماء الحنفية عدة تعريفات للعبادة؛ وكلها صحيحة جامعة مانعة.
وهي ترد على تعريف القبورية للعبادة ردا باتا.
وأذكر من تلك التعريفات ما يلي:
التعريف الأول: هو أن العبادة: (فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيمًا لربه) .
التعريف الثاني: هو أن العبادة: (فعل ما يرضي الرب) .
قلت: المناسبة بين هذين التعريفين وبين المعاني اللغوية للعبادة:
هي الذل والخضوع والتنسك.
التعريف الثالث: هو أن العبادة: (تعظيم يقصد به الزلفى من الله تعالى والنجاة في الدار الآخرة) .
التعريف الرابع: هو أن العبادة: (نهاية التذلل لنهاية تعظيم الغير
стр. 291
بالاختيار) .
قلت: المناسبة بين هذين التعريفين وبين المعاني اللغوية للعبادة واضحة.
التعريف الخامس: هو أن العبادة: (عبارة عن الاعتقاد والشعور بأن للمعبود سلطة غيبية في العلم والتصرف فوق الأسباب، يقدر بها على النفع والضر؛ فكل دعاء وثناء وتعظيم ينشأ من هذا الاعتقاد: فهو عبادة) .
وقد أثنى الحنفية على هذا التعريف بأنه جامع لأنواع من العبادة؛ قال الشيخ الرستمي:
(وما أحسن ما قيل.....) ، ثم ذكر هذا التعريف ثم قال:
(وهذا التعريف جامع لجميع أفراد العبادات: من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والذكر، والنذر، والثناء، والدعاء، والعبادات: القولية، والبدنية، والمالية جميعًا؛ فكل من يعبد عبادة،
стр. 292
ويعتقد أن للمعبود علي. علمًا بجميع الحالات، وتصرفًا في كل حال. فإن كان يعبد الله - فهو عبادة الله، وإن كان يعبد لغير الله بهذا الاعتقاد - فهو شرك، وعبادة غير الله تعالى) .
التعريف السادس: هو أن العبادة: (ما أمر به شرعًا من غير اقتضاء عقلي، ولا اطراد عرفي) .
التعريف السابع: هو أن العبادة: (فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ ابتغاء وجه الله والآخرة) .
قلت: وجه المناسبة بين هذين التعريفين وبين معاني العبادة اللغوية: الطاعة والتنسك.
قال العلامة محمود شكري الآلوسي (١٣٤٢) هـ قبل أن يذكر هذين التعريفين، مبينًا جهالة القبورية للعبادة، مبطلًا حصرهم لها:
(والجواب أن يقال: إن كلامه [ابن جرجيس] هذا نشأ عن جهل
стр. 293
باللغة والشرع وما جاءت به الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين....) .
ثم ذكر هذين التعريفين وتعريفًا آخر، ثم قال:
(فدخل في هذه التعاريف والحدود جميع أنواع العبادات، فلا يقصد بها غير الله ولا تصرف لسواه. وهذا الغبي لم يعرف من أفرادها غير الركوع والسجود والذبح والتقرب؛ مع أن دعاء المسألة من أفضل أنواعها وأجلها) .
التعريف الثامن: هو أن العبادة: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ كالتوحيد؛ فإنه عبادة في نفسه، والصلاة، والزكاة، والحج، وصيام رمضان، والوضوء، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والدعاء، والذكر، والقراءة، وحب الله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، والاستغاثة به، وغير ذلك مما رضيه وأحبه، فأمر به، وتعبد الناس به) .
قلت: هذا التعريف أحسن التعريفات كلها لفظًا ومعنى، وأشملها جمعًا ومنعًا، وأدقها طردًا وعكسًا، وأوضحها كلا وجزءًا، وهو من كلام شيخ الإسلام.
التعريف التاسع: هو أن العبادة: (ضرب من الخضوع بالغ حد
стр. 294
النهاية، ناشئ عن استشعار القلوب عظمة المعبود) .
التعريف العاشر: هو أن العبادة: (عبارة عما يجمع كمال المحبة، والخضوع، والخوف، والرجاء، والطاعة) .
قلت: هذا التعريف فيه ميزة لا توجد في غيره من التعريفات، وهي اشتماله على أركان العبادة.
التعريف الحادي عشر: هو أن العبادة: (فعل ما يرضى به الرب) .
التعريف الثاني عشر: هو أن العبادة: غاية حب العابد للمعبود، مع ذل العابد لمعبوده.
أقول: إن هذه التعريفات التي ذكرتها عن الحنفية للعبادة حجة قاطعة على بطلان تعريف القبورية للعبادة، وأن القبورية في اشتراط القيود التي ذكروها في مفهوم العبادة؛ كالاستقلال بالنفع والضر، والربوبية، ونفوذ المشيئة، ونحوها على باطل محض.
стр. 295
وأن تعريفهم للعبادة غير جامع لأفرادها؛ بل غير صادق على شيء من العبادة؛ فهو تعريف مزيف ذاهب أدراج الرياح؛ بل قضي عليه فصار كأمس الدابر؛ وأن تعريفات الحنفية للعبادة كلها صحيحة في نفسها، وبعضها أولى وأوضح من بعضها؛ وأنها جامعة لأفراد العبادة، ومانعة عن دخول غيرها فيها.
وتبين من هذه التعريفات: أن القبورية بنذورهم وتوجههم إلى الأموات، واستغاثتهم بهم عند الملمات - عباد القبور وأهلها مرتكبون للشركيات *.
وبذلك جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا.
ألم تر أن الحق تلقاه أبلجا ... وأنك تلقى باطل القول لجلجا
وبعد أن عرفنا تعريف العبادة ننتقل إلى معرفة أركانها وأنواعها وشروط صحتها في المبحث الآتي عند علماء الحنفية، وبالله التوفيق.
*****
стр. 296
المبحث الثالث
في أركان العبادة وأنواعها وشروط صحتها عند علماء الحنفية وردهم على القبورية في ذلك كله
وفيه مطالب ثلاثة:
- المطلب الأول: في أركان العبادة عند علماء الحنفية .
- المطلب الثاني: في أنواع العبادة عند علماء الحنفية.
- المطلب الثالث: في شروط صحة العبادة عند علماء الحنفية.
стр. 297
المطلب الأول
في أركان العبادة
لقد تبين من تعريفات علماء الحنفية للعبادة: أنها لا تتحقق إلا إذا تحققت أركانها.
وقد تبين أيضًا من تلك التعريفات أركان العبادة.
وتلك الأركان ثمانية، وهي:
(١) غاية الذل والخضوع للمعبود.
(٢) نهاية التعظيم للمعبود.
(٣) كمال المحبة للمعبود.
(٤) رضا المعبود.
(٥) الطاعة المطلقة للمعبود.
(٦) الخوف الكامل من المعبود.
(٧) الرجاء التام من المعبود.
(٨) اعتقاد أن للمعبود سلطة غيبية على العابد.
وقد صرح علماء الحنفية: أن هذه الأركان للعبادة إذا لم تتحقق لا تتحقق العبادة:
فالذل والتعظيم والمحبة والخوف والرجاء، إذا كانت تحت الأسباب
стр. 298
العادية لا تدخل من باب العبادة؛ كحب الوالدين مثلًا حبا طبيعيًا؛ والخوف من الحاكم خوفًا طبيعيًا مثلًا، ورجاء الناس بعضهم من بعض تحت الأسباب، ونحو ذلك ليس من العبادة في شيء.
ثم الأركان الثلاثة منها أم الأركان، وهي:
(١) الحب.
(٢) والرجاء.
(٣) والخوف.
ومن هذه الثلاثة تلتئم العبادة؛ فإن تحققت هذه الثلاثة تحققت العبادة، وإلا فلا:
فالحب وحده ليس عبادة؛ لجواز أن يكون الشخص محبوبًا، ولا يكون معبودًا؛ لفقدان الخوف والرجاء، أو أحدهما: كالولد؛ فإنه محبوب وليس بمعبود.
وكذا الخوف وحده ليس عبادة؛ لجواز أن يكون الشخص يخاف منه، ولا يكون معبودًا؛ لعدم تحقق المحبة والرجاء، أو أحدهما؛ كالحاكم مثلًا.
إلا إذا وصل أحد هذه الأركان إلى درجة تليق بالله، كالحب مثلًا يكون عبادة إذا وصل إلى درجة حب الله لقوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
الحاصل: أنه لا تتحقق العبادة ما لم تجتمع هذه الأركان الثلاثة.
وقد جمع الله تعالى هذه الأركان الثلاثة في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾
стр. 299
[الإسراء: ٥٧] .
فقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ : إشارة إلى ركنية ((المحبة)) .
وقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ : دليل على ركنية ((الرجاء)) .
وقوله تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ : دليل على ركنية ((الخوف)) .
فباجتماع هذه الأركان الثلاثة تتحقق ((العبادة)) .
فإن لم تتحقق هذه الأركان الثلاثة مجتمعة لم تتحقق ((العبادة)) أصلًا.
ولهذا فسر العلماء من الحنفية ((الإله)) بالمعبود؛ فالإله هو الذي يأله القلوب بكمال الحب، والتعظيم، والإجلال، والإكرام، والخوف، والرجاء.
قلت:
هذه الأركان الثلاثة هي الأمهات، وأما بقية الأركان فداخلة فيها.
وقد صرح علماء الحنفية بعد تعريفهم للعبادة وذكر أركانها بأن القبورية في استغاثتهم بالأموات * وندائهم عند إلمام الكربات * وقولهم: يا علي، يا حسين، يا خواجة، يا غوث، يا مرشد، يا شيخ، ومثل ذلك عند نزول الملمات * ورجائهم وخوفهم من الأولياء الأموات * والطواف حول قبورهم لإنجاح الحاجات *
كل ذلك عبادات من أعظم أنواع العبادات * فهم بعبادتهم هذه للأموات * أهل إشراك برب البريات *.
стр. 300
تنبيه مهم:
لقد تبين من نصوص علماء الحنفية أن الرجاء والخوف من أركان العبادة، فدل هذا على أن الصوفية الذين يقولون: ((لا مقصود إلا الله)) ، ويزعمون أنهم لا يعبدون الله رجاء الجنة وخوفًا من النار على ضلال مبين، وأنهم لم يعبدوا الله تعالى لخلو أعمالهم من الخوف والرجاء.
قلت:
هذه كانت أركان العبادة، ذكرتها عن علماء الحنفية، وبعد أن عرفناها ننتقل إلى معرفة أنواع العبادة عند علماء الحنفية * والله المستعان على القبورية *.
*****
стр. 301
المطلب الثاني
في أنواع العبادة
لقد تبين من تعريفات علماء الحنفية للعبادة: أن العبادة أمر شامل لجميع الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة الإسلامية؛ غير محصورة في بعض الأقوال والأفعال، كما قال القبورية؛ فإنهم قد حصروا العبادة في بعض ذلك، كما سبق نقل مقالتهم.
وتبين أيضًا من أركان العبادة التي ذكرتها عن الحنفية: أن العبادة غير محصورة في بعض الأمور.
ولذا صرح علماء الحنفية ردا على القبورية وإبطالًا لحصرهم: بأن العبادة غير محصورة في بعض الأقوال والأفعال: من الركوع والسجود والصلاة والزكاة ونحوها كما زعم القبورية.
وقد صرح العلامة محمود شكري الآلوسي بأن حديث جبريل في بيان أركان الإسلام والإيمان لا يدل على حصر العبادة في بعض الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فلا مستند للقبورية في هذا الحديث على حصر
стр. 302
العبادة.
الحاصل: أن الحنفية قالوا: إن العبادة لها جزئيات كثيرة غير محصورة في بعض الأمور.
ولكنها تندرج تحت أنواع ثلاثة:
الأول: العبادة القولية.
الثاني: العبادة البدنية.
الثالث: العبادة المالية.
قلت: وقد تكون العبادة مركبة من هذه الأنواع الثلاثة؛ كالحج.
وهناك نوع رابع أيضًا: وهو العبادة الاعتقادية.
وأقول: إن هذه الأنواع الثلاثة تحتها أنواع كثيرة من العبادات ذكرها علماء الحنفية.
أذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
١ - دعاء المسألة: وهو من أفضل العبادة وأجلها، ومخها، بل هو العبادة.
فاستغاثة القبورية عند إلمام الملمات بالأموات إشراك برب البريات * إذ هو عبادة لغير الله سبحانه وعبادة غير الله من أعظم الشركيات *.
стр. 303
٢ - ١٣ - قال العلامة محمود شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) مبينًا جهل القبورية بالعبادة، ذاكرًا بعض أنواعها:
(وبعضهم أحذق من هذا العراقي وأمثاله الذين لم يفهموا من العبادة سوى الركوع والسجود، ولم يجدوا في معلومهم سواه. فأين الحب، والخضوع، والتوكل، والإنابة، والخوف، والرجاء، والرغب، والرهب، والطاعة، والتقوى، ونحو ذلك من أنواع العبادة الباطنية والظاهرة؛ فكل هذا عند العراقي يصرف لغير الله، ولا يكون عبادة؛ لأن العبادة ما فسرها هو به فقط؛ بل عبارته في عدة مواضع تفهم: أن السجود لا يحرم إلا على من زعم الاستقلال. وقد رأينا كثيرًا من المشركين، ولم نر مثل هذا الرجل في جهله ومجازفته وبلادته) .
١٤ - ٣١ - وقال ﵀ وتبعه الشيخ الرستمي - كاشفًا عن جهل القبورية بالعبادة مبينًا بعض أنواع العبادة الأخرى:
(وإن تصلف هذا العراقي وادعى أن أعمال إخوانه عبدة القبور لا تشبه أفعال المشركين؛ فتلك عبادة وأفعال إخوانه ليست بعبادة؟!؟ ؛ يقال له: إنك لم تفهم معنى العبادة؛ وهي على ما سبق: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه؛ من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة: كالتوحيد؛ فإنه عبادة في نفسه، والصلاة، والزكاة، والحج، وصيام رمضان، والوضوء، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والدعاء، والذكر، والقراءة، وحب الله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضى بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من
стр. 304
عذابه، والاستغاثة به؛ وغير ذلك مما رضيه وأحبه، فأمر به وتعبد الناس به) .
٣٢ - ٣٨ - وقال العلامة محمود شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، والشيخ الرستمي، واللفظ للثاني:
(وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ (١٢٠٦هـ) :
((أنواع العبادة التي أمر الله بها: مثل الإسلام، والإيمان، والإحسان، ومنه الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، [والاستعانة] ، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله تعالى بها كلها لله تعالى)) كشف الشبهات ص٥) .
٣٩ - ٤٦ - ونقل الشيخ الرستمي عن الإمام ابن القيم ﵀ (٧٥١هـ) قوله في أنواع العبادة التي هي من حقوق الله التي لا يجوز صرفها لغيره سبحانه:
الرب رب والرسول فعبده ... حقا وليس لنا إله ثان
لله حق لا يكون لغيره ... ولعبده حق هما حقان
لا تجعلوا الحقين حقا واحدا ... من غير تمييز ولا فرقان
فالحج للرحمن دون رسوله ... وكذا الصلاة وذبح ذا القربان
стр. 305
وكذا السجود ونذرنا ويميننا ... وكذا متاب العبد من عصيان
وكذا التوكل والإنابة والتقى ... وكذا الرجاء وخشية الرحمن
وكذا العبادة واستغاثتنا به ... إياك نعبد ذان توحيدان
وعليهما قام الوجود بأسره ... دنيا وأخرى حبذا الركنان
وكذلك التسبيح والتكبير وال ... تهليل حق إلهنا الديان
لكنما التعزير والتوقير حق ... ق للرسول بمقتضى القرآن
والحب والإيمان والتصديق لا ... يختص بل حقان مشتركان
هذي تفاصيل الحقوق ثلاثة ... لا تجهلوها يا أولي العدوان
فالأسف كل الأسف على حال من يسجد للقبور ويركع، ويعين في الأنعام والحرث نذرًا لأهل القبور حصة معينة، ويقطع مسافة طويلة لزيارة قبر؛ كالحج، ومع أنه يقول في صلاته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . فما بال هؤلاء الجهلة؟! أي معنى للعبادة عندهم؟! هل للعبادة مصداق عندهم في الخارج أم لا؟!؟ فهذا حال من لم يعرف حق الله وحق العباد، ولم يميز بينها....) .
٤٧ - ٤٩ - وقال - مبينًا بعض أنواع العبادة، محققًا أن القبورية يعبدون الأموات بكثير من أنواع العبادة:
(فثبت أن مقصود نزول القرآن دعوة العباد إلى عبادة الله وحده والرد على الذين أشركوا مع الله في العبادات؛ من السجدة لغير الله، والحج،
стр. 306
والنذر لغير الله، وغير ذلك من العبادات. وقد دخل في هذا الباب كثير من الناس في هذا الزمان؛ فمنهم من يصلي لغير الله تعالى، وأجزاء الصلاة من الركوع والسجود والقيام والقعود يفعلونها لغير الله تعالى أيضًا، من الأولياء أحياء وأمواتا) .
٥٠ - وقال: (العبادة - في الشرع - عبارة عما يجمع كمال المحبة، والخضوع، والخوف؛ فاستكمال هذه الثلاثة لله تعالى فيكون عابده تعالى، وموحدًا.
ومن أحب مع غير الله مثل حبه تعالى، أو خضع لغير الله مثل الخضوع له تعالى، أو خاف من غير الله كالخوف منه تعالى، فقد أشرك معه تعالى غيره في العبادة؛ فمن يذبح أولاده في محبة الأولياء، ويجعلونهم نذرًا لهم، ويخضعون عند قبورهم ما يخضعون مثله في المساجد لله تعالى؛ كما
стр. 307
لا يخفى ذلك على أحد، أو يخاف من الأولياء فوق الأسباب من وصول الضرر بقطع الأشجار عن أيكتهم، أو بالصيد في أشجارهم، فهو مشرك بالله في العبادة، أعاذنا الله تعالى منه) .
٥١ - ٨٣ - وقد عنون الشاه إسماعيل الدهلوي (١٢٤٦هـ) لأنواع العبادة التي كان قبورية الهند يصرفونها للأموات مبينًا أن كل هذا شرك أكبر، وتبعه الشيخ أبو الحسن الندوي، فقالا واللفظ للثاني:
(أعمال العبادة وشعائرها خاصة بالله تعالى.
والشيء الثالث: أن الله خصص بعض أعمال التعظيم لنفسه، وهي التي تسمى ((عبادة)) : كالسجود، والركوع، والوقوف بخشوع وتواضع، - مثلًا يضع يده اليمنى على اليسرى، أو إنفاق المال
стр. 308
باسم من يعتقد فيه الصلاح أو العظمة، والصوم له، وقصد بيته من أنحاء بعيدة، وشد الرحل إليه بوجه يعرف كل من رآه أنه يؤم بيته حاجا زائرًا، والهتاف باسمه في الطريق كالتلبية، والتجنب عن الرفث والفسوق، والقنص، وصيد الحيوانات، ويمضي بهذه الآداب والقيود، ويطوف بالبيت ويسجد إليه، ويسوق الهدي إليه، وينذر النذور هناك، ويكسو ذلك البيت، كما تكسى الكعبة، والوقوف على عتبته، والإقبال على الدعاء والاستغاثة، والسؤال لتحقيق مطالب الدنيا والآخرة، وبلوغ الأماني، وتقبيل حجر من أحجار هذا البيت، والالتزام بجداره، والتمسك بأستاره، وإنارة السرج والمصابيح حوله تعظيمًا وتعبدًا، والاشتغال بسدانته، والقيام بجميع الأعمال التي يقوم بها السدنة: من كنس، وإنارة، وفرش، وسقاية، وتهيئة أسباب الوضوء والغسل، وشرب ماء بئره تبركًا، وصبه على الجسم، وتوزيعه على الناس، وحمله إلى من لم يحضر، والمشي مدبرًا عند العودة؛ حتى لا يولي البيت دبره، واحترام الغابة التي تحيط به، والتأدب معها؛ فلا يقتل صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلي خلاها، ولا يرعى ماشيته في حماها؛ كل هذه الأعمال علمها رب العالمين عباده، وأفردها لنفسه.
فمن أتى بها لشيخ طريقة، أو نبي، أو جني، أو لقبر محقق، أو
стр. 309
نزور، أو لنصب، أو لمكان عبادة، عكف فيها أحد الصالحين على العبادة، والذكر، والرياضة، أو لبيت، أو لأثر من آثار أحد الصالحين، يتبرك به، أو شعار يعرف به، أو يسجد لتابوت، أو يركع له، أو يصوم باسمه، أو يقف خاشعًا، متواضعًا، واضعًا إحدى يديه على الأخرى، أو يقرب له حيوانًا، أو يؤم بيتًا من هذه البيوت من بعيد، فيشد إليه الرحل، أو يوقد السرج فيه تعظيمًا وتعبدًا، أو يكسوه بكسوة كما تكسى الكعبة، أو يضع على ضريح ستورًا، أو يغرز علمًا أو عودًا باسمه، وإذا رجع رجع على
стр. 310
أعقابه، أو يقبل القبر، أو يحرك المراوح عليه ليذب الذباب، كما يفعله الخدم مع أسيادهم الأحياء، أو ينصب عليه سرادق، أو يقبل عتبته، ويضع اليمنى على اليسرى، ويتضرع إليه، أو يجلس على ضريح سادنًا وقيمًا، ويتأدب مع ما يحيط به من أشجار، وآجام، وأعشاب؛ فلا يتعرض لها بإهانة، أو إزالة؛ إلى غير ذلك من الأعمال، والالتزامات، - فقد تحقق عليه الشرك؛ ويسمى ((إشراكًا في العبادة)) ؛ سواء اعتقد: أن هذه الأشياء تستحق بنفسها، وأنها جديرة بذلك، أو اعتقد أن رضا الله في تعظيم هذه الأشياء، وأن الله يفرج الكرب ببركة هذا التعظيم) .
٨٤ - ١٠٣ - وقال ﵀ أيضًا بعدما ذكر عدة أنواع من العبادة مبطلًا عقائد القبورية حاكمًا عليهم بالشرك محققًا أنهم يصرفون كثيرًا من أنواع العبادة للقبور وأهلها؛ وتبعه الشيخ أبو الحسن علي الندوي، واللفظ للثاني:
(....، فمن أتى بذلك للأنبياء، والأولياء، والأئمة، والشهداء، والعفاريت، والجنيات: مثلًا ينذر لها إذا ألمت به كربة، أو نزلت به ضائقة، أو ينادي بأسمائها عند ملمة، أو نازلة، أو يفتح عمله بأسمائها، وإذا رزق ولدًا نذر لها نذورًا، أو سمى أولاده بعبد النبي، أو ((إمام بخش)) [هبة الإمام] ، أو ((بير بخش)) [هبة المرشد] ، ويخصص جزءا من الحبوب
стр. 311
أو الثمرات لها، ويقدم لها مما أخرجته الأرض من زرع وأثمار، ثم يستعمله في أغراضه، ويخصص من المال، وقطعان الأنعام أموالًا ودواب، ثم يتأدب معها، فلا يصرفها، ولا يزجرها عن العلف والتبن، ولا يضربها بعصا أو حجر، أدبًا وتعظيمًا، ويتمسك بالعادات القديمة، والأعراف الشائعة في الأكل والشرب، واللباس، ويتقيد بها كما يتقيد بأحكام الشريعة؛ فيحرم طعامًا، ولباسًا لأناس، ويحلهما لأناس، ويحظرهما على طبقة كالذكور والإناث، ويبيحهما لأخرى، فيقول: إن الطعام الفلاني لا يقربه الرجال. وإن الطعام الفلاني لا تقربه الجواري؛ ولا تقربه المرأة التي تزوجت بزوج ثان، وإن ((الخبيص)) الذي يعد باسم الشيخ عبد الحق، لا يأكله من يستعمل النارجيلة، وينسب ما يحدث من خير وشر، وما ينتاب من بؤس ورخاء إلى هؤلاء المشايخ والأولياء؛ فيقول: إن فلانًا أدركته
стр. 312
لعنة فلان؛ فجن، وفلان طرده فلان؛ فافتقر، وفلان أنعم عليه فلان؛ فساعده الحظ، وحالفه الإقبال، وأصابت الناس المجاعة بنوء كذا، ونوء كذا، وفلان بدأ عمله بيوم كذا، وفي ساعة كذا، فلم يوفق، ولم يتم، أو يقول: إن شاء الله ورسوله - كان كذا، أو يقول: إن شاء شيخي - وقع كذا، أو يضفي على من يعظمه أسماء وصفات تختص بالله، وهي من نعوت العظمة والكبرياء، والغنى عن الخلق، والقدرة المطلقة، والجود الذي لا نهاية له، أو القهر والجبروت؛ مثل المعبود، وأغنى الأغنياء، وإله الآلهة، ومالك الملك، وملك الملوك، أو يحلف بالنبي ﷺ ، أو بعلي ﵁، أو بأحد أولاده الذين يسميهم الشيعة: الأئمة الاثني عشر، أو بشيخ، أو بقبره. كل ذلك يتحقق منه الشرك؛ ويسمى ((الإشراك في العبادة)) ، أن يعظم غير الله في الأعمال التي اعتادها تعظيمًا لا يليق إلا بالله) .
١٠٤ - ١٠٧ - وقال رحمه الله تعالى أيضًا مبينًا أن القبورية يرتكبون أنواعًا من الشرك الأكبر، بصرف أنواع كثيرة من العبادات للقبور وأهلها، وتبعه الشيخ الندوي المذكور، واللفظ للثاني:
(اعلم أن الشرك قد شاع في الناس في هذا الزمان وانتشر....، ومن المشاهد اليوم أن كثيرًا من الناس يستعينون بالمشايخ، والأنبياء، والأئمة، والشهداء، والملائكة، والجنيات، عند الشدائد، فينادونها، ويصرخون بأسمائها، ويسألون منها الحاجات وتحقيق المطالب، وينذرون لها،
стр. 313
ويقربون لها قرابين تسعفهم، وتقضي مآربهم، وقد ينسبون إليها أبناءهم؛ طمعًا في رد البلاء ... ، ويرسل بعض الناس ضفيرة في رأسه باسم ولي من الأولياء وبعضهم يقلد ابنه قلادة باسم شيخ أو ولي، وبعضهم يكسو ولده لباسًا، وبعضهم يصفد ابنه بقيد في الرجل باسم أحد المشايخ والأولياء، وبعضهم يذبح حيوانًا بأسمائهم، وبعضهم يستغيث بهم عند الشدة، وبعضهم يحلف في حديثه بأسمائهم ... والحاصل: أنه ما سلك عباد الأوثان في الهند طريقًا مع آلهتهم إلا وسلكه الأدعياء من المسلمين مع الأنبياء والأولياء والأئمة والشهداء والملائكة والجنيات؛ واتبعوا سنن جيرانهم من المشركين؛ شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وحذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل، فما أجرأهم على الله، وما أبعد الشقة بين الاسم والمسمى، والحقيقة والدعوى.
قلت:
الحاصل أنه قد تبين من نصوص هؤلاء العلماء من الحنفية التي ذكرتها في المطالب السابقة أمور ستة:
الأول: أن العبادة غير محصورة في بعض الأعمال والأقوال، بل هي شاملة لجميع أنواعها وأفرادها. وبذلك يبطل زعم القبورية في حصرها في بعض الأعمال والأقوال.
الثاني: أن علماء الحنفية قد ذكروا عدة أنواع من العبادة، وقد ذكرت عنهم من خلال نصوصهم فوق المائة، على سبيل المثال لا الحصر. ومن أهم تلك الأنواع التي ذكروها: الدعاء، والاستغاثة، والاستعانة، والنذور، ونحوها.
стр. 314
الثالث: أنه قد صرح علماء الحنفية: أن القبورية باستغاثتهم بالأموات عند الملمات * ونذورهم للقبور وأهلها عند الكربات * مرتكبون للشرك الأكبر، وعبادة القبور بأنواع من العبادات *
الرابع: أن الشرك موجود في القبورية، وأنهم أهل الشرك، وأنه لا فرق بينهم وبين الوثنية إلا بالاسم فقط.
الخامس: أن الرجاء والخوف داخلان في مفهوم العبادة. فدل هذا على ضلال الصوفية الذين يقولون: ((لا مقصود إلا الله)) . ويقولون: إن الذين يعبدون الله رجاء الجنة وخوفًا من النار، فهم كالأجير يطلب الأجرة. وقد تقدم الرد عليهم بكلام الحنفية.
والحقيقة أن هؤلاء الصوفية الذين يقولون: نحن نعبد الله بالحب فقط لا خوفًا منه ولا رجاء منه ولا طمعًا في الجنة ولا مخافة من النار، هم من الزنادقة الملاحدة الحلولية الاتحادية.
السادس: أن كل ما يصرف القبورية للقبور وأهلها من العبادات لا يخلو من المحبة والرجاء والخوف؛ فالقبورية يعبدون القبور وأهلها، وأنهم أشركوا بالله، والله المستعان ...
وبعد أن عرفنا العبادة، وعرفنا أركانها، وعرفنا بعض أنواعها ننتقل إلى المطلب الآتي لنعرف شروط صحة العبادة وقبولها عند الله جل وعلا، في ضوء نصوص علماء الحنفية، وبالله التوفيق وإليه مآب.
стр. 315
المطلب الثالث
في صحة شروط العبادة
لقد تحدثت في المباحث والمطالب السابقة عن تعريف العبادة، وأركانها، وأنواعها عند علماء الحنفية، وأتحدث في هذا المطلب عن شروط صحة العبادة عند علماء الحنفية، كل ذلك ردا على القبورية عباد القبور وأهلها.
فأقول وبالله التوفيق، وعليه توكلي وإليه إنابتي:
لقد ذكر علماء الحنفية لصحة العبادة وقبولها عند الله ثلاثة شروط:
الأول: التوحيد الخالص من الشرك.
والثاني: الإخلاص لله : أي النية الصحيحة الخالصة من النفاق، والرياء.
والثالث: موافقة سنة رسول الله ﷺ وخلوص العبادة من البدعة.
وقد أشير إلى هذه الشروط الثلاثة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] .
فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ يدل على اشتراط الشرط الأول، وهو التوحيد الخالص من الشرك.
стр. 316
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ يدل على اشتراط الشرط الثاني، وهو الإخلاص في العبادة، وخلوصها من النفاق والرياء والسمعة.
وقوله تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ يدل على اشتراط الشرط الثالث وهو موافقة العبادة للسنة، وخلوصها عن البدعة.
قلت: أما الشرط الأول - وهو التوحيد الخالص من الشرك - فلا حاجة إلى الإطالة في تحقيقه؛ فقد سبق أن التوحيد له ركنان: النفي والإثبات؛ فمن لم يكفر بالطاغوت، ولم يبرأ من الشرك، فتوحيده باطل فاسد، وأعماله كلها - حتى إقراره بـ ((لا إله إلا الله)) - وغير ذلك من العبادات حابطة.
قال العلامة محمود شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) في بيان أن إقرار القبوية بـ ((لا إله إلا الله)) ، وتصديقهم برسول الله ﷺ ونحو ذلك من العبادات، لا يجديهم ولا ينفعهم:
(فيقال له: لا يفيد ذلك الزعم مع إظهار الأعمال الشركية الدالة على عقيدة الشرك وما يصادم ما جاء به الرسول ﷺ ؛ وذلك كمن يقول: إني مصدق بما ذكر، ثم شد الزنار) .
وأما الشرطان: الثاني، والثالث: وهما الإخلاص، وموافقة السنة:
стр. 317
فقد ذكر كثير من علماء الحنفية أنهما شرطان لصحة العبادة وقبولها. وإليكم بعض نصوصهم.
(١) قال الإمام فضيل بن عياض ﵀ (١٨٧هـ) :
(العمل الحسن هو أخلصه، وأصوبه. قالوا: يا أبا علي! ما أخلصه، وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل؛ حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة) .
وذكر علماء الحنفية أن هذين الشرطين لتحقيق كلمة التوحيد.
(٢) (٣) قال العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ؛ والعلامة الخجندي (١٣٧٩) هـ، واللفظ للأول:
(وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان: ألا نعبد إلا الله. وألا نعبد إلا بما شرع. وهذان الأصلان - هما تحقيق شهادة: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ ؛ كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] .
قال الفضيل: أخلصه، وأصوبه. وقال ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] ؛ ولذا قال الفقهاء: والعبادات مبناها على التوقيف) .
стр. 318
(٤) قال شيخ القرآن الفنجفيري (١٤٠٧هـ) :
(قال أبو محمد عبد الوهاب الثقفي: لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان صوابًا. ومن صوابها إلا ما كان خالصًا. ومن خالصها إلا ما وافق السنة) .
(٥) وقد ذكر علماء الحنفية أن هذين الشرطين يدل على اشتراطهما لصحة العبادة وقبولها عند الله جل وعلا قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ... [البقرة: ١١٢] .
قال شيخ القرآن المذكور في تفسير هذه الآية:
(قال ابن كثير في تفسيره: وقال سعيد بن جبير:
﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ : أخلص.
﴿وَجْهَهُ﴾ : قال: دينه،
стр. 319
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ : أي اتبع فيه الرسول ﷺ ؛ فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما: أن يكون خالصًا لله وحده.
والآخر: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة. فمتى كان خالصًا، ولم يكن صوابًا لم يتقبل. ولهذا قال رسول الله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» . رواه مسلم من حديث عائشة رح. فعمل الرهبان ومن شابههم - وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله - فإنه لا يتقبل منهم ذلك إلا متابعًا للرسول ﷺ .
قلت:
وتمام نص كلام الحافظ ابن كثير (٧٧٤هـ) ﵀:
(المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وفي أمثالهم قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] ، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٢-٥] ، ... وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة
стр. 320
الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله، فهو أيضًا مردود على فاعله.
وهذا حال المرائين والمنافقين؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٤٢] ، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٤-٦] . ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] ، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ .....) .
(٦) ونقل الشيخ الرستمي لتحقيق هذين الشرطين للعبادة قول الإمام ابن القيم ﵀ (٧٥١هـ) :
وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القطبان
ومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان
قلت: وتمام كلام ابن القيم - وفيه تحقيق الشرط الآخر -:
فقيام دين الله بالإخلاص وال ... إحسان إنهما له أصلان
لم ينج من غضب الإله وناره ... إلا الذي قامت به الأصلان
والناس بعد فمشرك بإلهه ... أو ذو ابتداع أو له الوصفان
(٧) قلت: اشتراط متابعة السنة في العبادة يسميه علماء الحنفية:
следующие страницы →