← Акыда

Акыда · id 8594

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية

شمس الدين الأفغاني

Полный текст (1 553 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ يدل على اشتراط الشرط الثاني، وهو الإخلاص في العبادة، وخلوصها من النفاق والرياء والسمعة. وقوله تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ يدل على اشتراط الشرط الثالث وهو موافقة العبادة للسنة، وخلوصها عن البدعة. قلت: أما الشرط الأول - وهو التوحيد الخالص من الشرك - فلا حاجة إلى الإطالة في تحقيقه؛ فقد سبق أن التوحيد له ركنان: النفي والإثبات؛ فمن لم يكفر بالطاغوت، ولم يبرأ من الشرك، فتوحيده باطل فاسد، وأعماله كلها - حتى إقراره بـ ((لا إله إلا الله)) - وغير ذلك من العبادات حابطة. قال العلامة محمود شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) في بيان أن إقرار القبوية بـ ((لا إله إلا الله)) ، وتصديقهم برسول الله ﷺ ونحو ذلك من العبادات، لا يجديهم ولا ينفعهم: (فيقال له: لا يفيد ذلك الزعم مع إظهار الأعمال الشركية الدالة على عقيدة الشرك وما يصادم ما جاء به الرسول ﷺ ؛ وذلك كمن يقول: إني مصدق بما ذكر، ثم شد الزنار) . وأما الشرطان: الثاني، والثالث: وهما الإخلاص، وموافقة السنة:

стр. 317

فقد ذكر كثير من علماء الحنفية أنهما شرطان لصحة العبادة وقبولها. وإليكم بعض نصوصهم. (١) قال الإمام فضيل بن عياض ﵀ (١٨٧هـ) : (العمل الحسن هو أخلصه، وأصوبه. قالوا: يا أبا علي! ما أخلصه، وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل؛ حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة) . وذكر علماء الحنفية أن هذين الشرطين لتحقيق كلمة التوحيد. (٢) (٣) قال العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ؛ والعلامة الخجندي (١٣٧٩) هـ، واللفظ للأول: (وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان: ألا نعبد إلا الله. وألا نعبد إلا بما شرع. وهذان الأصلان - هما تحقيق شهادة: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ ؛ كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] . قال الفضيل: أخلصه، وأصوبه. وقال ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] ؛ ولذا قال الفقهاء: والعبادات مبناها على التوقيف) .

стр. 318

(٤) قال شيخ القرآن الفنجفيري (١٤٠٧هـ) : (قال أبو محمد عبد الوهاب الثقفي: لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان صوابًا. ومن صوابها إلا ما كان خالصًا. ومن خالصها إلا ما وافق السنة) . (٥) وقد ذكر علماء الحنفية أن هذين الشرطين يدل على اشتراطهما لصحة العبادة وقبولها عند الله جل وعلا قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ... [البقرة: ١١٢] . قال شيخ القرآن المذكور في تفسير هذه الآية: (قال ابن كثير في تفسيره: وقال سعيد بن جبير: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ : أخلص. ﴿وَجْهَهُ﴾ : قال: دينه،

стр. 319

﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ : أي اتبع فيه الرسول ﷺ ؛ فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما: أن يكون خالصًا لله وحده. والآخر: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة. فمتى كان خالصًا، ولم يكن صوابًا لم يتقبل. ولهذا قال رسول الله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» . رواه مسلم من حديث عائشة رح. فعمل الرهبان ومن شابههم - وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله - فإنه لا يتقبل منهم ذلك إلا متابعًا للرسول ﷺ . قلت: وتمام نص كلام الحافظ ابن كثير (٧٧٤هـ) ﵀: (المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وفي أمثالهم قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] ، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٢-٥] ، ... وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة

стр. 320

الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله، فهو أيضًا مردود على فاعله. وهذا حال المرائين والمنافقين؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٤٢] ، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٤-٦] . ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] ، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ .....) . (٦) ونقل الشيخ الرستمي لتحقيق هذين الشرطين للعبادة قول الإمام ابن القيم ﵀ (٧٥١هـ) : وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القطبان ومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان قلت: وتمام كلام ابن القيم - وفيه تحقيق الشرط الآخر -: فقيام دين الله بالإخلاص وال ... إحسان إنهما له أصلان لم ينج من غضب الإله وناره ... إلا الذي قامت به الأصلان والناس بعد فمشرك بإلهه ... أو ذو ابتداع أو له الوصفان (٧) قلت: اشتراط متابعة السنة في العبادة يسميه علماء الحنفية:

стр. 321

((توحيد المتابعة)) ، ويسميه الإمام ابن القيم (٧٥١هـ) ﵀: ((توحيد الطريق)) . وهذا برهان ساطع على أهمية هذا الشرط لصحة العبادة عند الحنفية. وهذا حجة باهرة قاهرة على أن من أخل بتوحيد المتابعة، وتوحيد الطريق في عبادته لله فقد نقض توحيده وأبطله لفوات شرط صحته. (٨) قال الشيخ الرستمي - بالنسبة إلى توفر هذين الشرطين في العبادة وعدم توفرهما -: (ثم اعلم: أن تحقق العبادة على أصلين عظيمين: الإخلاص للمعبود. ومتابعة الرسول ﷺ . ولذا انقسم الناس إلى أربعة أقسام: (١) أهل الإخلاص والمتابعة؛ وهم أهل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ . (٢) ومن لا إخلاص له ولا متابعة؛ وهم أهل الرياء مع كونهم أهل البدع؛ فهم أهل الغضب والضلال. (٣) ومن هو مخلص في أعماله؛ لكنها على غير المتابعة؛ كجهال العباد، وكل من تعبد الله بغير أمره، واعتقده قربة. (٤) ومن كان عمله على المتابعة لغير الله؛ كالعبادة والجهاد

стр. 322

والعلم ومثلها الدنيا والرياء والسمعة) . قلت: أصل هذا الكلام للإمام ابن القيم ﵀ (٧٥١هـ) ؛ فله كلام فصيح بليغ متين رصين في بيان هؤلاء الأصناف الأربعة بالنسبة إلى هذين الشرطين للعبادة. قلت: لقد تبين من كلام الحنفية: أن هاهنا سبعة أصناف من الناس بالنسبة إلى العبادة وأركانها وشروطها: ١ - من عبد الله تعالى بالحب والرجاء والخوف والإخلاص ومتابعة السنة فهو موحد سني. ٢ - من عبد غير الله تعالى فهو مشرك. ٣ - من عبد الله بالحب وحده، لا رجاء الجنة ولا خوفًا من النار كالصوفية القائلين: ((لا مقصود إلا الله)) فهو زنديق. ٤ - ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ.

стр. 323

٥ - ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري خارجي. ٦ - ومن عبد الله بدون الإخلاص فهو منافق، مراء. ٧ - ومن عبد الله بدون اتباع السنة فهو مبتدع راهب ضال. وبعد أن عرفنا أهم ما يتعلق بالتوحيد من تعريفه، وأنواعه، وأركانه، وأهميته، وشروط صحته، وكون توحيد العبادة هو الغاية، والعبادة وأنواعها وأركانها وشروط صحتها، في هذا الباب - بحمد الله وتوفيقه - ننتقل إلى الباب الثالث لنعرف أهم ما يتعلق بالشرك وأنواعه إن شاء الله تعالى. *****

стр. 324

الباب الثالث في جهود علماء الحنفية في تعريف الشرك وأنواعه وتطوره، ومصدر عبادة القبور، ونشأة القبورية وانتشارهم، وتحقيق أن الشرك موجود في القبورية من هذه الأمة، وردهم على القبورية في ذلك كله. وفيه فصول ثلاثة: - الفصل الأول: في تعريف الشرك وأنواعه ومصدره وتطوره، ونشأة القبورية وتطورهم وانتشارهم، عند علماء الحنفية وردهم على القبورية في ذلك كله. - الفصل الثاني: في جهود علماء الحنفية في تحقيق أن الشرك موجود في القبورية من هذه الأمة، والمقارنة بين القبورية وبين الوثنية الأولى، وردهم على القبورية في ذلك كله. الفصل الثالث: في جهود علماء الحنفية في إبطال شبه القبورية التي تشبثوا بها لتبرير إشراكهم وعبادتهم للقبور وأهلها.

стр. 325

الفصل الأول في جهود علماء الحنفية في تعريف الشرك وأنواعه ومصدر عبادة القبور وتطور القبورية، وانتشارهم، وردهم على القبورية في ذلك كله وفيه مباحث ثلاثة: - المبحث الأول: في تعريف الشرك عند علماء الحنفية وردهم على القبورية في ذلك كله. - المبحث الثاني: في بيان أنواع الشرك عند علماء الحنفية وردهم على القبورية. - المبحث الثالث: في جهود علماء الحنفية في بيان مصدر الشرك بعبادة القبور، وتطور القبورية، وتحقيقهم أن القبورية عبدة الأوثان.

стр. 326

المبحث الأول في تعريف الشرك عند علماء الحنفية وردهم على القبورية في ذلك وفيه مطالب ثلاثة: - المطلب الأول: في عرض عقيدة القبورية في تعريفهم للشرك. - المطلب الثاني: في تعريف الشرك عند علماء الحنفية. - المطلب الثالث: في جهود علماء الحنفية في إبطال تعريف الشرك عند القبورية.

стр. 327

المطلب الأول في عرض عقيدة القبورية في تعريفهم للشرك لقد انحرفت القبورية عن الصراط المستقيم في مفهوم الشرك كما انحرفت في مفهوم التوحيد، والعبادة، ولا سيما توحيد الألوهية كما سبق تفصيله؛ فالقبورية بناء على تعريفهم للتوحيد وللعبادة عرفوا الشرك بتعريف غيروا وبدلوا به حقيقة الشرك؛ فزعموا: أن الشرك: عبارة عن أن يجعل العبد مع الله أحدًا - شريكًا في الربوبية والخلق والتدبير والإيجاد، والإحياء والإماتة، واعتقاد الاستقلال فيه بالنفع والضر بنفسه وبذاته ونفوذ المشيئة له لا محالة وتأثيره في الكائنات من تلقاء نفسه بدون حاجته إلى الله تعالى؛ فكل معاملة مع غير الله إذا لم تكن مقرونة بهذا الاعتقاد - فليس من العبادة، ولا من شرك؛ ولو كان سجودًا، واستغاثة، ونذرًا، وذبحًا، وغيرها، وليس في المسلمين المؤمنين الموحدين المستغيثين بالأولياء - من يعتقد في الأولياء ذلك الاعتقاد. هذه هي خلاصة عقيدة القبورية في تعريف الشرك؛

стр. 328

وبذلك قد برروا ما يرتكبونه من الإشراك الأكبر الأعظم وعبادة القبور وأهلها بأنواع من العبادات، من النذور لهم عند إلمام الملمات * والاستغاثة عند الكربات *. وهذا التعريف ظاهر البطلان لأنه لا وجود للشرك أصلًا على هذا التعريف كما ستقف عليه في رد علماء الحنفية عليهم إن شاء الله. *****

стр. 329

المطلب الثاني في تعريف علماء الحنفية للشرك لقد عرف علماء الحنفية ((الشرك)) لغة واصطلاحًا: أما لغة: فذكروا أن ((الشرك)) بمعنى: الحصة والنصيب، وكون أحد الشيئين فأكثر خليطًا مع آخر في أمر ما حسيا كان أو معنى. والشرك جمعه أشراك كشبر وأشبار. و ((الإشراك)) إفعال: وهو جعل الشيء خليطًا مع آخر في حصة ونصيب. وأما اصطلاحًا: فالشرك عند علماء الحنفية - له عدة تعريفات: التعريف الأول: هو ما قاله الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) ﵀: هو الاعتقاد في الصالحين أنهم شفعاء عند الله،

стр. 330

واتخاذهم وسيلة إلى الله ، وعبادتهم على هذا الأساس وهذا أصل شرك العرب؛ فإنهم لم يعتقدوا في الأصنام أنها مشاركة لله في الخلق والتدبير فإنهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية لله . قلت: لقد ذكرت عدة نصوص لعلماء الحنفية تثبت هذا. كما سيأتي نصوص أخرى لهم فلا حاجة إلى سردها هاهنا. وأقول: هذا التعريف يدل على أن القبورية مرتكبون للشرك الأكبر. التعريف الثاني: ما قاله الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) ﵀: (حقيقة الشرك: أن يعتقد إنسان في بعض المعظمين من الناس أن الآثار العجيبة - أي الكرامات وكثرة العبادة ونحوها - الصادرة منه إنما صدرت لكونه متصفًا بصفة من صفات الكمال: مما لم يعهد في جنس الإنسان؛ بل يختص بالواجب جل مجده، لا يوجد في غيره - إلا أن يخلع هو خلعة الألوهية على غيره ... ؛ ونحو ذلك مما يظنه هذا المعتقد من أنواع الخرافات؛ كما ورد: أن المشركين كانوا يلبون بهذه التلبية: ((لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك)) .

стр. 331

فيتذلل عنده أقصى التذلل ويعامل معه معاملة العبادة مع الله تعالى) . قلت: هذا التعريف لا يختلف عن الأول؛ وحاصله: أن الشرك: اعتقاد الإنسان في معظم: أن الله تعالى خلع عليه خلعة يستحق بها أن يعامل معاملة الله تعالى من أقصى التذلل له؛ وأقول: إن استدلال الإمام ولي الله في صدد تعريفه للشرك بتلبية المشركين - يدل على أن الشاه ولي الله ﵀ يرى: أن شرك المشركين لم يكن لاعتقادهم في آلهتهم: أنها مالكة خالقة أربابًا للكون، بل كانوا يعتقدون أن آلهتهم مملوكة لله وأن الله هو المالك الخالق المدبر للكون؛ وإنما شركهم: زعمهم أن هؤلاء معظمون مقربون عند الله فهم شفعاؤهم عنده واسطة بينهم وبين الله، وعلى هذا الأساس كانوا يعبدونهم بأنواع من العبادات. التعريف الثالث: وهو أيضًا قاله الإمام ولي الدهلوي (١١٧٦هـ) : (الشرك أن يثبت لغير الله شيئًا من صفاته المختصة به: كالتصرف في العالم بالإرادة التي يعبر عنها بكن فيكون؛ أو العلم الذاتي من غير اكتساب بالحواس ... ) ؛ ثم قال ﵀:

стр. 332

(وإن كنت متوقفًا في تصوير حال المشركين وعقائدهم وأعمالهم - فانظر إلى حال العوام والجهلة من أهل الزمان؛ خصوصًا من سكن منهم بأطراف دار الإسلام؛ كيف يظنون بالولاية؟ وماذا يخيل إليهم منها ... ؛ ويذهبون إلى القبور والآثار، ويرتكبون أنواعًا من الشرك ... ) . قلت: هذا التعريف من أوضح التعاريف للشرك عند الحنفية، وهو نص صريح على أن القبورية أهل شرك؛ فإن هذا الإمام قد مثل للشرك وأهله بالقبورية وما يرتكبون عند زيارة القبور: من النذور والاستغاثة بالأموات عند إلمام الملمات. التعريف الرابع: ما قاله الإمام الشاه عبد القادر الدهلوي (١٢٣٠هـ) : الشرك هو: أن يعتقد في غير الله صفة من صفات الله تعالى، كالعلم بكل شيء، أو فعل كل شيء؛ أو أن بيد فلان خيرًا وشرا، أو يصرف لغير الله من التعظيم ما لا يليق إلا لله تعالى كالسجدة وطلب الحاجة، أو اعتقاد أن فلانًا له الاختيار أي التصرف.

стр. 333

قلت: هذا التعريف للشرك دليل قاطع على أن ما يرتكبه القبورية من أنواع الاعتقاد في الأموات الذين ينذرون لهم ويستغيثون بهم في الملمات، واعتقادهم علم الغيب والتصرف في الكون فيهم - هم عين الشرك الأكبر، وأنهم أهل الشرك. التعريف الخامس: ما قاله الإمام محمد إسماعيل الدهلوي (١٢٤٦هـ) ، وتبعه أبو الحسن الندوي واللفظ للثاني: (اعلم أن الشرك لا يتوقف على أن يعدل الإنسان أحدًا بالله ويساوي بينهما بلا فرق؛ بل حقيقة الشرك: أن يأتي الإنسان بخلال وأعمال خصها الله بذاته العلية وجعلها شعارًا للعبودية - لأحد من الناس؛ كالسجود لأحد، والذبح باسمه، والنذر له، والاستغاثة به في الشدة واعتقاد أنه حاضر وناظر في كل مكان؛ وإثبات التصرف - في الكون - له، كل ذلك يثبت به الشرك ويصبح الإنسان به مشركًا ... ) . قلت: هذا التعريف لا يحتاج إلى تعليق وفيه عبرة للقبورية!؟! التعريف السادس: ما قاله العلامة السهسواني (١٣٢٦هـ) : (إن الشرك: هو دعاء غير الله في الأشياء التي تخص به سبحانه أو اعتقاد القدرة لغير الله فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء

стр. 334

مما لا يتقرب به إلا إليه) ؛ وقال: (الشرك: هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه) ؛ ثم قال مبرهنًا عليه: (وقد علم كل عالم أن عبادة الكفارة للأصنام - لم تكن إلا بتعظيمها، واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة، والتقريب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم؛ وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور [وأهلها] ....) ؛ ثم ذكر ﵀ أن القبورية أشد خوفًا وعبادة للأموات منهم لله تعالى. قلت: سيأتي مفصلًا أن القبورية أشد إشراكًا من الوثنية الأولى وأعظم عبادة للأموات منهم لخالق البريات. أقول: هذه كانت عدة تعريفات للشرك عند علماء الحنفية، ذكرتها لتكون ردا على تعريف القبورية للشرك؛ فأنت رأيت أن علماء الحنفية لم يشترطوا في تعريفاتهم للشرك تلك القيود التي اشترطها القبورية في تعريف الشرك: من قيد ((الاستقلال بالنفع والضر)) وقيد ((الربوبية)) . وقيد ((بنفسه وبذاته)) وقيد ((من دون الحاجة إلى الغير)) . وقيد ((الخالقية والإحياء والإماتة)) وقيد ((نفوذ المشيئة لا محالة)) ونحوها من القيود الباطلة؛

стр. 335

ثم رأيت تصريح علماء الحنفية في صدد تعريفاتهم للشرك: أن القبورية مرتكبون للشرك الأكبر بعبادتهم للقبور وأهلها من تقديم النذور والاستغاثة بهم عند الكربات *، وغيرها من أنواع العبادات *. *****

стр. 336

المطلب الثالث في جهود علماء الحنفية في إبطال تعريف القبورية للشرك لقد سبق أن عرضت عقيدة القبورية في تعريف الشرك، فقد رأيت أخي المسلم: أن القبورية قد عرفوا الشرك بحيث يبرر لهم جميع ما يرتكبونه من الشرك الأكبر وعبادة غير الله - تحت ستار الوسيلة والواسطة والشفاعة والولاية والكرامة؛ ولكن علماء الحنفية قد ردوا عليهم وأبطلوا تعريفهم للشرك؛ وذلك من وجوه: الوجه الأول: أن علماء الحنفية قد عرفوا الشرك بعدة تعريفات كما ذكرت أمثلة منها أمام القراء الكرام وليس في هذه التعريفات شيء من تلك القيود الفاسدة التي ذكرتها القبورية في تعريفهم للشرك؛ كقيد ((الاستقلال بالنفع والضر)) ، وقيد ((الربوبية)) ، وقيد ((بنفسه وبذاته)) ، وقيد ((نفوذ المشيئة لا محالة)) ، وقيد ((الخالقية والإماتة والإحياء)) ونحوها، فدل ذلك على أن الشرك يتحقق بدون هذه القيود؛ فذكر هذه القيود كلا أو بعضًا يفسد حقيقة الشرك ويغير مفهومه ويحرف معناه، وهذا دليل على أن تعريف القبورية للشرك -

стр. 337

تعريف مزيف باطل فاسد *، عاطل كاسد *، وليس إلا محاولة فاشلة لتبرير الإشراك بالله وجواز عبادة غير الله . الوجه الثاني: أن علماء الحنفية قد صرحوا - كما ظهر في تعريفاتهم للشرك - بأن الشرك يتحقق بعبادة غير الله سبحانه على سبيل الاستشفاع، واعتقاد التصرف في الكون لغير الله جل وعلا، واعتقاد علم الغيب في غير الله تعالى، سواء اعتقد ذلك في غير الله على سبيل الاستقلال أم على سبيل الإعطاء من عند الله سبحانه. قلت: فهذا كله يدل على إبطال تعريف القبورية للشرك وأنه تعريف باطل فاسد. الوجه الثالث: أن الحنفية قد صرحوا بأن القبورية هم أهل الشرك وهم عباد القبور وأهلها سواء اعترفوا بذلك أم لا، وسواء سموا شركهم تعظيمًا أو محبة أو تقديرًا، أم سموه بأسماء أخرى، فهم في الشرك على طريقة الوثنية الأولى: قال الإمام إسماعيل الدهلوي (١٢٤٦هـ) وتبعه الشيخ أبو الحسن الندوي، واللفظ للثاني: (اعلم أن الشرك قد شاع في الناس في هذا الزمان وانتشر ... ؛

стр. 338

والحاصل: أنه ما سلك عباد الأوثان في الهند طريقًا مع آلهتهم - إلا وسلكه الأدعياء من المسلمين مع الأنبياء والأولياء ... ، وتبعوا سنن جيرانهم من المشركين شبرًا بشبر وذراعًا بذراع وحذو القذة بالقذة والنعل بالنعل ... ؛ فإذا عارضهم معارض وقال لهم: أنتم تدعون الإيمان، وتباشرون أعمال الشرك ... ؟!؟ ، قالوا: نحن لا نأتي بشيء من الشرك؛ إنما نبدي ما نعتقده في الأنبياء والأولياء من الحب والتقدير، أما إذا عدلناهم بالله واعتقدنا: أنهم والله جل وعلا بمنزلة سواء - كان ذلك شركًا، ولكننا لا نقول بذلك، بل نعتقد بالعكس: أنهم خلق الله وعبيده؛ أما ما نعتقد فيهم من القدرة، والتصرف في العالم - فهما مما أكرمهم الله وخصهم به، فلا يتصرفون في العالم إلا بإذن منه ورضاه؛ فما كان نداؤنا لهم واستعانتنا بهم إلا نداء الله واستعانة به، ولهم عند الله دالة ومكانة ليست لغيرهم، قد أطلق أيديهم في ملكه، وحكمهم في خلقه؛ يفعلون ما يشاءون، وينقضون ويبرمون، وهم شفعاؤنا عند الله، ووكلاؤنا عنده - فمن حظي عندهم ووقع عندهم بمكان - كانت له حظوة ومنزلة عند الله ... ؛

стр. 339

إلى غير ذلك من التأويلات الكاسدة والحجج الفاسدة ... ؛ وإن كانوا عولوا على كلام الله ورسوله ( ﷺ ) ، وعنوا بتحقيقه - عرفوا أنها نفس التأويلات والحجج التي كان كفار العرب يتمسكون بها في عصر النبي ﷺ ويحاجونه بها، ولم يقبلها الله منهم، بل كذبهم فيها؛ فقال في سورة يونس: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] ... وقد تبين من هذه الآية: أن من عبد أحدًا من الخلق اعتقادًا بأنه شفيعه - كان مشركًا بالله ... ، وقد وضح من ذلك: أن من اتخذ وليًا من دون الله - وإن كان ذلك على أساس: أن عبادته تقربه عند الله - كان مشركًا بالله كاذبًا، كافرًا بنعمة الله ... ؛ وكذلك تبين: أن الكفار الذين كانوا في عصر النبي ﷺ لم يكونوا يعدلون آلهتهم بالله ... ؛ بل كانوا يقرون بأنهم مخلوقون وعبيد ... ؛ فما كان كفرهم، وشركهم إلا نداؤهم لآلهتهم والنذور التي كانوا ينذرون لها....؛

стр. 340

واتخاذهم لهم شفعاء ووكلاء؛ فمن عامل أحدًا بما عامل به الكفار آلهتهم - وإن كان يقر بأنه مخلوق وعبد - كان هو وأبو جهل في الشرك بمنزلة سواء....؛ فاعلم: أن الشرك لا يتوقف على أن يعدل الإنسان أحدًا بالله ويساوي بينهما بلا فرق، بل حقيقة الشرك: أن يأتي الإنسان بخلال وأعمال خصها الله بذاته العلية، وجعلها شعارًا للعبودية - لأحد من الناس: كالسجود لأحد، والذبح باسمه، والنذر له، والاستغاثة به في الشدة، واعتقاد أنه حاضر ناظر في كل مكان، وإثبات التصرف له - كل ذلك يثبت به الشرك ويصبح الإنسان به مشركًا....؛ لا فرق في ذلك بين الأولياء والأنبياء والجن والشياطين، والعفاريت، والجنيات - فمن عاملها هذه المعاملة - كان مشركًا ... ؛ فمن كان يلهج باسم أحد من الخلق ويناديه....، ويستصرخه ويستغيث به عند نزول البلاء ... ، ويعتقد أنه لا يخفى عليه من أمره شيء....؛ كان بذلك مشركًا، وكل ذلك يدخل في الشرك؛ ويسمى هذا النوع: ((الإشراك في العلم)) ....،

стр. 341

سواء اعتقد: أنه يعلم من ذاته، أو يعلم أنه منحة من الله وعطاء منه؛ كل ذلك شرك ... ؛ إن التصرف في العالم، وإصدار الأمر والنهي ... ، وإنجاح المطالب، وتحقيق الأماني، ودفع البلايا، والإغاثة في الشدائد، وإلهاف الملهوف، وإنهاض العاثر - هذه كلها من خصائص الله تعالى؛ لا يشاركه فيها أحد من الأنبياء والأولياء والشهداء والصلحاء والعفاريت والجنيات؛ فمن أثبت هذا التصرف المطلق لأحد، وطلب منه حاجته: وقرب القرابين والنذر لأجل ذلك، واستصرخه في نازلة - كان مشركًا؛ ويقال لهذا النوع: ((الإشراك في التصرف)) ؛ سواء اعتقد أنهم يقدرون على ذلك بأنفسهم، أو اعتقد: أن الله سبحانه وهبهم هذه القدرة ... ) ، ثم ذكرا عدة أنواع من العبادات التي يصرفها القبورية للقبور وأهلها، ثم قالا: (كل هذه الأعمال علمها رب العالمين عباده، وأفردها لنفسه؛ فمن أتى بها لشيخ طريقة، أو نبي، أو جني، أو قبر محقق، أو مزور، أو لنصب أو لمكان عبادة ... ، - فقد تحقق عليه الشرك؛ ويسمى: ((إشراكًا في العبادة)) ؛

стр. 342

سواء اعتقد: أن هذه الأشياء تستحق التعظيم بنفسها، وأنها جديرة بذلك، أو اعتقد: أن رضا الله في تعظيم هذه الأشياء، وأن الله يفرج الكرب ببركة هذا التعظيم) . الوجه الرابع: أن علماء الحنفية قد حققوا: أن المشركين السابقين كانوا معترفين بتوحيد الربوبية، وأنهم لم يشركوا آلهتهم بالله في الخلق والتدبير والتصرف والاستقلال ونحو ذلك. ومع ذلك كانوا مشركين؛ فدل هذا دلالة قاطعة لا تحتمل النقيض على أن تعريف القبورية للشرك فاسد باطل. الوجه الخامس: أن تعريف القبورية للشرك - دليل على أنهم لم يعرفوا الشرك ولا تاريخ الوثنية، ولا عقيدة المشركين، وما كانوا عليه من القصد والدين كما أن القبورية لم يعرفوا ما كان عليه الأنبياء ﵈ وأتباعهم من توحيد رب العالمين. لذلك هم عرفوا الشرك بهذا التعريف الباطل - الذي ذكروا فيه تلك القيود والشروط التي لم تكن متحققة في شرك المشركين الأولين. الوجه السادس: أن نقول: لو صح تعريف القبورية للشرك -

стр. 343

لزم منه - أن يكون المشركون السابقون غير مشركين؛ لكن التالي باطل فالمقدم مثله؛ ولو صح أن المشركين السابقين كانوا مشركين - لزم منه - أن يكون تعريف القبورية للشرك باطلًا فاسدًا * عاطلًا كاسدًا *؛ لكن المقدم حق فالتالي مثله. ودليل هذين البرهانين القاهرين * والسلطانين الباهرين * - ما قاله العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : (وهذا الأحمق [ابن جرجيس] زاد في غير موضع من كتابه قيدًا فقال: لا يشرك إلا من قصد واعتقد الاستقلال من دون الله. مع أن تلبية المشركين في الجاهلية: ((لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك)) ؛ فهؤلاء لم يدعوا الاستقلال؛ وعلى زعم هذا ((العراقي ابن جرجيس)) فليسوا بمشركين) . وقال ﵀: (وأما جعل الأموات أسبابًا يستغاث بها وتدعى وترجى وتعظم على أنها وسائط - فهذا دين عبادة الأصنام؛

стр. 344

يكفر فاعله بمجرد اعتقاده وفعله؛ وإن لم يعتقد الاستقلال: كما نص عليه القرآن في غير موضع؛ فالغلاة معارضون للقرآن مصادمون لنصوصه) . قلت: أنشده بهذه المناسبة ما قاله الإمام ابن القيم ﵀ (٧٥١هـ) : والله ما بعد البيان لمنصف ... إلا العناد ومركب الخذلان الحاصل: أن تعريف القبورية للشرك - تعريف باطل فاسد غير جامع لأفراده؛ بل غير صادق على شرك المشركين الأولين والآخرين، وأن الصحيح الحق الصواب - هو تعريف هؤلاء العلماء من الحنفية للشرك؛ فإنه جامع شامل لجميع أفراده صادق على شرك الوثنية القديمة وعلى شرك القبورية في آن واحد. وبعد أن عرفنا بطلان تعريف القبورية للشرك وعرفنا صحة تعريف الحنفية للشرك ننتقل إلى المبحث الآتي؛ لنعرف أنواع الشرك عند الحنفية. فنقول وبربنا الرحمن نستغيث ونستعين * إذ هو المستعان المغيث وهو المعين *: *****

стр. 345

المبحث الثاني في بيان أنواع الشرك عند علماء الحنفية وردهم على القبورية كلمة بين يدي هذا المبحث: لقد ذكرت تعريف الشرك لغة واصطلاحًا عند علماء الحنفية، كما ذكرت بعض جهودهم في إبطال تعريف القبورية للشرك. وتبين من نصوصهم أن الشرك له أنواع توجد كثير منها في القبورية؛ فعلماء الحنفية - في تعريفهم للشرك تعريفًا صحيحًا واسعًا جامعًا لأنواع الشرك - ردوا ردا قويا على القبورية بحيث جعلوهم صرعى لا نهوض لهم. وفي هذا المبحث أريد أن أذكر أهم ما ذكره علماء الحنفية من أنواع الشرك التي يرتكبها القبورية قديمًا وحديثًا ليكون هذا أبلغ رد من علماء الحنفية لمزاعم القبورية وأقمع لعقائدهم فأقول وبالله التوفيق: لقد ذكر كبار علماء الحنفية عدة أنواع للشرك: بأساليب مختلفة وعبارات متنوعة وطرق متعددة وكلها في الرد على القبورية؛ ليبينوا للناس أن هذه الأفاعيل الشركية والأباطيل الخرافية -

стр. 346

التي ترتكبها القبورية ويبررونها بتلك القيود التي يذكرونها في تعريف الشرك: كقيد: ((استقلال الأنبياء والأولياء بالنفع والضر)) أو ((اعتقاد الربوبية فيهم)) أو ((أنهم ينفعون ويضرون بذواتهم)) ) . كلها داخلة في تعريف الشرك وأنها من أنواع الشرك لا محالة. سواء كان يعتقد فيهم ((الاستقلال بالنفع والضر)) ويعتقد فيهم الربوبية أم لا؛ وفيما يلي أذكر بعض أقوال علماء الحنفية في بيان أنواع الشرك. ١ - قول الإمام أحمد بن عبد الأحد السرهندي الملقب عند الحنفية بالإمام الرباني ومجدد الألف الثاني (١٠٣٤هـ) : ذكر للشرك نوعين: الأول: الشرك في وجوب الوجود. الثاني: الشرك في العبادة. ولما كان النوع الأول غير واقع والثاني هو الواقع في المشركين عامة والقبورية خاصة - اهتم ببيان الشرك في العبادة ردا على القبورية فقال: (ما أشد سفاهة من لا يشركون بالله شيئًا في وجوب الوجود ومع ذلك

стр. 347

يشركون به تعالى في العبادة.....، بل الأهم والأحوج إليه والأنفع في هذه الطرق نفي شريك استحقاق العبادة المخصوص بدعوة الأنبياء عليهم الصلوات والتسليمات؛ فإن المخالفين الذين ليسوا بملتزمين ملة نبي من الأنبياء عليهم الصلوات والتسليمات؛ أيضًا ينفون شريك وجوب الوجود......، ولكنهم غافلون عن معاملة استحقاق العبادة. وفارغون عن نفي شريك استحقاق العبادة، لا يتحاشون من عبادة الغير، ولا يتكاسلون من عمارة الدير، الأنبياء هم الذين يهدمون الدير وينهون عن عبادة الغير، والمشرك في لسان هؤلاء الأكابر - من يكون أسيرًا لعبادة غير الحق سبحانه، وإن كان قائلًا بنفي وجوب الوجود، فإن اهتمامهم في نفي عبادة ما سوى الحق سبحانه المتعلق بالعمل والمعاملة المستلزم لنفي شريك وجوب الوجود؛ فمن لم يتحقق بشرائع هؤلاء الأكابر عليهم الصلوات والتسليمات المنبئة عن نفي استحقاق ما سوى الله للعبادة - لا يتخلص من الشرك، ولا ينجو من شعب شرك عبادة الآلهة) ؛ ثم ذكر أن المقصود من بعثة الرسل إنما هو تحقيق توحيد العبادة

стр. 348

والنجاة من الشرك في عبادة الله . أقول: هذا النص مشتمل على نكات مهمات وكلها رد على القبورية: الأولى: أن القبورية أشركوا في عبادة الله تعالى. الثانية: أن القبورية اهتموا بتعمير ما أمر الأنبياء بهدمه من الدير والمشاهد. الثالثة: المشرك في اصطلاح الأنبياء هو من أشرك في عبادة الله. الرابعة: أن من عبد غير الله تعالى فهو مشرك وإن اعترف بتوحيد الربوبية. الخامسة: الفرق بين توحيد الربوبية وبين توحيد العبادة. السادسة: أن الأنبياء والمرسلين إنما بعثوا لتحقيق توحيد الألوهية ونفي عبادة غير الله تعالى. ٢ - قول الإمام أحمد الرومي أحد عظماء الحنفية الذي له جهود عظيمة في إبطال عقائد القبورية (١٠٤٣هـ) ، ٣- قول الشيخ سبحان بخش الهندي، ٤- قول الشيخ محمد السورتي، فهؤلاء العلماء ذكروا ستة أنواع للشرك منها الشرك في العبادة، وقالوا في بيان هذا النوع من الشرك - واللفظ للأول -: (والثالث من أنواع الشرك - شرك تقريب: وهو عبادة غير الله ليقرب إلى الله؛

стр. 349

كشرك متقدمي عبدة الأصنام، فإنهم لما رأوا أن عبادتهم للمولى العظيم على ما هم عليه من غاية الدناءة ونهاية الحقارة - سوء أدب عظيم - تقربوا إليه بعبادة من هو أعلى منهم عنده.....) . ثم بوبوا فقالوا؛ واللفظ للأول أيضًا: (المجلس السابع عشر في بيان عدم جواز الصلاة عند القبور والاستمداد من أهلها واتخاذ السروج والشموع عليها) . ثم أطنبوا في الرد على عقائد القبورية وحققوا أن هذا النوع من الشرك - وهو عبادة غير الله - موجود في القبورية، وأتوا بتحقيقات دقيقة وتدقيقات عميقة في إبطال عقائد القبورية مما فيه عبرة للقبورية وسخنة الأعين للخرافية وقرة عيون السنية. ٥ - قول الشيخ محمد أعلى الفاروقي أحد علماء الحنفية. لقد ذكر عدة أنواع للشرك في مبحث طويل رد فيه على القبورية: منها الشرك في العبادة. ومنها الشرك في الطاعة أي في التحليل والتحريم.

стр. 350

ومنها الشرك في التسمية. ومنها الشرك في العلم، ومنها الشرك في القدرة. ثم قال في بيان سبب عبادة الأوثان: (ولا بد من بيان سبب عبادة الأوثان؛ إذ عبادة الأحجار من جم غفير عقلاء، ظاهر البطلان) ؛ ثم ذكر عدة أسباب، منها التقرب إلى الله وقال في بيان ذلك: (وعابدو الأوثان فيهم من كانوا لا يقولون: إنهم شركاء الله في الخلق وتدبير العالم؛ بل كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فثبت أن الأكثر منهم كانوا مقرين بأن الله إله العالم واحد، وأنه ليس في الإلهية - بمعنى خلق العالم وتدبيره - شريك ونظير كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] . ثم تصدى للرد على القبورية وبيان كشف زيغهم وإبطال عقيدتهم في الشفاعة، والتوسل الشركيين، فقال: (والفرقة الرابعة هي فرقة عباد الشيوخ وأنصارها: يقولون: حيث إن الرجل الكبير مستجاب الدعوات مقبول الشفاعات بسبب كمال الرياضة والمجاهدة فإنه ينقل قوة عظيمة وبسطة من هذه الدنيا إلى روحه، فكل من يجعل صورته برزخًا أو يسجد على قبره ويتذلل أو يذكره في

стр. 351

مكان عبادته، أو ينذر نذرًا باسمه، أو يفعل نحو ذلك - فإن روح ذلك الشيخ - بسبب كماله - تطلع على هذا الأمر وتشفع له في الدنيا والآخرة) ؛ وقال أيضًا في بيان إبطال توسل القبورية: (ومن جملتهم الأشخاص الذين يدعون الآخرين لدفع البلاء عنهم ويتوسلون بالآخرين في تحصيل المنافع، ويعدون الآخرين عالمين بالغيب وذوي قدرة مطلقة مستقلين بذاتهم. وهذا نوع من الشرك في العلم والقدرة) . قلت: هذا النص في غاية من الأهمية لإبطال عقائد القبورية وبيان أنهم يرتكبون أنواعًا من الشرك كالشرك في العبادة حيث يعبدون القبور وأهلها بنذور وسجود ونداء واستغاثة لدفع البلاء وتحصيل المنافع وأن القبورية يرتكبون شفاعة شركية ووسيلة خرافية. وأنهم يعتقدون فيمن يدعونهم ويستغيثون بهم من الأولياء - أنهم عالمون بالغيب وقادرون بقدرة مطلقة مستقلين بذاتهم، وأن القبورية لأجل هذه العقائد الشركية مرتكبون شركًا في العلم وشركًا في القدرة. تنبيه: قوله: ((مستقلين بذاتهم)) - ليس قيدًا لتحقيق الشرك، بل بيان أن القبورية قد وصلوا في شركهم إلى حد - اعتقد بعضهم: أن للأولياء قدرة مطلقة، مستقلين بذواتهم،

стр. 352

وهذا تكذيب للقبورية أيما تكذيب!؟! ؛ إذ ليس هذا إلا شركًا في الربوبية والصفات؛ فالقبورية أشركوا بالله حتى أشركوا في الربوبية فضلًا عن الشرك في العبادة. ٦- قول الإمام ولي الله ﵀. لقد بوب الإمام ولي الله الدهلوي أحد كبار أئمة الحنفية (١١٧٦هـ) ليرد على مزاعم القبورية ويبطل عقائدهم ببيان أنواع الشرك فقال: ((باب أقسام الشرك)) . ثم ذكر تعريف الشرك وقد تقدم نصه ثم قال: ((ورد في الحديث: أن المشركين كانوا يلبون بهذه الصيغة: ((لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك)) . ثم ذكر: أن المشرك يتذلل عند معبوده الباطل أقصى التذلل، ويعامل معه معاملة العباد مع الله تعالى؛ ثم ذكر للشرك عدة أنواع سماها الشرك ومظانه على ما يلي: ١ - الشرك في السجود. ٢ - الشرك في الاستعانة. ٣ - الشرك في النذور. وقال: ((ومنها أنهم كانوا يستعينون بغير الله في حوائجهم من شفاء المريض وغناء الفقير وينذرون لهم يتوقفون إنجاح مقاصدهم بتلك النذور،

стр. 353

ويتلون أسماءهم رجاء بركتها، فأوجب الله عليهم أن يقولوا في صلاتهم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] ؛ وليس المراد من الدعاء العبادة، كما قال بعض المفسرين بل هو الاستعانة لقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ﴾ ... ) ؛ [الأنعام: ٤١] ؛ ثم ذكر نوعين آخرين للشرك: ٤ - تسمية بعض شركائهم بنات الله وأبناء الله. ٥ - الشرك في الطاعة وهو طاعة الأحبار والرهبان في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحله الله. ثم ذكر في إبطاله قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] ، وحديث عدي بن حاتم المعروف. ثم قال: ((وسر ذلك أن التحليل والتحريم عبارة عن تكوين نافذ في الملكوت أن الشيء الفلاني يؤاخذ به أو لا يؤاخذ به، فيكون هذا التكوين سببًا للمؤاخذة وتركها، وهذا في صفات الله)) . ثم ذكر أن من فعل هذا الشرك فهو مشرك بالله تعالى، ثم ذكر أنواعًا ثلاثة أخرى للشرك:

стр. 354

٦ - الشرك في الذبح والإهلال باسم غير الله. ٧ - تسييب السوائب والبحائر تقربًا إلى غير الله. ٨ - الشرك في الحلف بغير الله. وقال: (ومنها أنهم كانوا يعتقدون في أناس أن أسماءهم مباركة معظمة وكانوا يعتقدون أن الحلف بأسمائهم على الكذب يستوجب حرمًا في ماله وأهله، فلا يقدمون على ذلك؛ ولذلك كانوا يستحلفون الخصوم بأسماء شركائهم بزعمهم، فنهوا عن ذلك وقال النبي ﷺ : «من حلف بغير الله فقد أشرك» وقد فسره بعض المحدثين على معنى التغليظ والتهديد، ولا أقول بذلك، وأن المراد عندي: اليمين المنعقدة، واليمين الغموس باسم غير الله تعالى على اعتقاد ما ذكرنا)) . ثم ذكر نوعًا آخر للشرك: ٩ - الشرك في الحج لغير الله.

стр. 355

وقال في شرحه وبيانه: (ومنها الحج لغير الله تعالى: وذلك أن يقصد مواضع متبركة مختصة بشركائهم - يكون الحلول بها تقربًا من هؤلاء، وقال النبي ﷺ : «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ) . وقال: (كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فَسَدَّ النبي ﷺ الفساد، لئلا يلتحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر ومحل عبادة ولي من أولياء الله والطور كل ذلك سواء في النهي) . وذكر نوعًا آخر للشرك، وهو: ١٠ - الشرك في التسمية بأن يسمي ابنه عبد العزى وعبد الشمس ونحو ذلك. ثم قال بعد ذكر هذه الظاهرة للشرك: (فهذه أشباح وقوالب للشرك نهى الشارع عنها) . وذكر أن شرك الطاعة التي هي عبادة الأحبار والرهبان قد وقع فيه بعض المقلدين الجامدين للأئمة الذين لا يتركون التقليد وإن ظهر الدليل
следующие страницы →