Полный текст (1 553 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
مكان عبادته، أو ينذر نذرًا باسمه، أو يفعل نحو ذلك - فإن روح ذلك الشيخ - بسبب كماله - تطلع على هذا الأمر وتشفع له في الدنيا والآخرة) ؛ وقال أيضًا في بيان إبطال توسل القبورية:
(ومن جملتهم الأشخاص الذين يدعون الآخرين لدفع البلاء عنهم ويتوسلون بالآخرين في تحصيل المنافع، ويعدون الآخرين عالمين بالغيب وذوي قدرة مطلقة مستقلين بذاتهم.
وهذا نوع من الشرك في العلم والقدرة) .
قلت: هذا النص في غاية من الأهمية لإبطال عقائد القبورية وبيان أنهم يرتكبون أنواعًا من الشرك كالشرك في العبادة حيث يعبدون القبور وأهلها بنذور وسجود ونداء واستغاثة لدفع البلاء وتحصيل المنافع وأن القبورية يرتكبون شفاعة شركية ووسيلة خرافية.
وأنهم يعتقدون فيمن يدعونهم ويستغيثون بهم من الأولياء - أنهم عالمون بالغيب وقادرون بقدرة مطلقة مستقلين بذاتهم، وأن القبورية لأجل هذه العقائد الشركية مرتكبون شركًا في العلم وشركًا في القدرة.
تنبيه: قوله: ((مستقلين بذاتهم)) - ليس قيدًا لتحقيق الشرك، بل بيان أن القبورية قد وصلوا في شركهم إلى حد - اعتقد بعضهم: أن للأولياء قدرة مطلقة، مستقلين بذواتهم،
стр. 352
وهذا تكذيب للقبورية أيما تكذيب!؟! ؛ إذ ليس هذا إلا شركًا في الربوبية والصفات؛ فالقبورية أشركوا بالله حتى أشركوا في الربوبية فضلًا عن الشرك في العبادة.
٦- قول الإمام ولي الله ﵀.
لقد بوب الإمام ولي الله الدهلوي أحد كبار أئمة الحنفية (١١٧٦هـ) ليرد على مزاعم القبورية ويبطل عقائدهم ببيان أنواع الشرك فقال:
((باب أقسام الشرك)) .
ثم ذكر تعريف الشرك وقد تقدم نصه ثم قال: ((ورد في الحديث: أن المشركين كانوا يلبون بهذه الصيغة:
((لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك)) .
ثم ذكر: أن المشرك يتذلل عند معبوده الباطل أقصى التذلل، ويعامل معه معاملة العباد مع الله تعالى؛ ثم ذكر للشرك عدة أنواع سماها الشرك ومظانه على ما يلي:
١ - الشرك في السجود.
٢ - الشرك في الاستعانة.
٣ - الشرك في النذور.
وقال:
((ومنها أنهم كانوا يستعينون بغير الله في حوائجهم من شفاء المريض وغناء الفقير وينذرون لهم يتوقفون إنجاح مقاصدهم بتلك النذور،
стр. 353
ويتلون أسماءهم رجاء بركتها، فأوجب الله عليهم أن يقولوا في صلاتهم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] ؛ وليس المراد من الدعاء العبادة، كما قال بعض المفسرين بل هو الاستعانة لقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ﴾ ... ) ؛ [الأنعام: ٤١] ؛ ثم ذكر نوعين آخرين للشرك:
٤ - تسمية بعض شركائهم بنات الله وأبناء الله.
٥ - الشرك في الطاعة وهو طاعة الأحبار والرهبان في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحله الله.
ثم ذكر في إبطاله قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] ، وحديث عدي بن حاتم المعروف.
ثم قال:
((وسر ذلك أن التحليل والتحريم عبارة عن تكوين نافذ في الملكوت أن الشيء الفلاني يؤاخذ به أو لا يؤاخذ به، فيكون هذا التكوين سببًا للمؤاخذة وتركها، وهذا في صفات الله)) .
ثم ذكر أن من فعل هذا الشرك فهو مشرك بالله تعالى، ثم ذكر أنواعًا ثلاثة أخرى للشرك:
стр. 354
٦ - الشرك في الذبح والإهلال باسم غير الله.
٧ - تسييب السوائب والبحائر تقربًا إلى غير الله.
٨ - الشرك في الحلف بغير الله.
وقال: (ومنها أنهم كانوا يعتقدون في أناس أن أسماءهم مباركة معظمة وكانوا يعتقدون أن الحلف بأسمائهم على الكذب يستوجب حرمًا في ماله وأهله، فلا يقدمون على ذلك؛ ولذلك كانوا يستحلفون الخصوم بأسماء شركائهم بزعمهم، فنهوا عن ذلك وقال النبي ﷺ :
«من حلف بغير الله فقد أشرك» وقد فسره بعض المحدثين على معنى التغليظ والتهديد، ولا أقول بذلك، وأن المراد عندي: اليمين المنعقدة، واليمين الغموس باسم غير الله تعالى على اعتقاد ما ذكرنا)) .
ثم ذكر نوعًا آخر للشرك:
٩ - الشرك في الحج لغير الله.
стр. 355
وقال في شرحه وبيانه:
(ومنها الحج لغير الله تعالى:
وذلك أن يقصد مواضع متبركة مختصة بشركائهم - يكون الحلول بها تقربًا من هؤلاء، وقال النبي ﷺ :
«لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ) .
وقال: (كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فَسَدَّ النبي ﷺ الفساد، لئلا يلتحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر ومحل عبادة ولي من أولياء الله والطور كل ذلك سواء في النهي) .
وذكر نوعًا آخر للشرك، وهو:
١٠ - الشرك في التسمية بأن يسمي ابنه عبد العزى وعبد الشمس ونحو ذلك.
ثم قال بعد ذكر هذه الظاهرة للشرك:
(فهذه أشباح وقوالب للشرك نهى الشارع عنها) .
وذكر أن شرك الطاعة التي هي عبادة الأحبار والرهبان قد وقع فيه بعض المقلدين الجامدين للأئمة الذين لا يتركون التقليد وإن ظهر الدليل
стр. 356
على خلاف قول إمامهم.
٧ - قول الشاه محمد إسماعيل المجاهد (١٢٤٦هـ) .
٨ - وقول الشيخ أبي الحسن الندوي.
لقد مشى على طريقة الإمام ولي الله حفيده العلامة إسماعيل الدهلوي وتبعه الشيخ أبو الحسن الندوي في بيان أنواع الشرك الموجودة في القبورية فقالا واللفظ للثاني:
(استفحال فتنة الشرك والجهالة في الناس.
اعلم أن الشرك قد شاع في الناس في هذا الزمان وانتشر) ، ثم ذكر بعد عنوان: ((مظاهر الشرك وأشكاله المتنوعة)) - ما يلي:
١ - الشرك بدعاء الأولياء والاستغاثة بهم.
٢ - الشرك بالاستعانة من الأولياء.
٣ - الشرك بالنذر والذبح للأولياء.
٤ - الشرك في التسميات بأن ينسب الأولاد إلى الأولياء بمعنى أنهم من عطاء غير الله ككثير من الأسماء الشركية؛ نحو عبد النبي، وهبة علي، وهبة حسين، وهبة المدار وهبة سالار وذلك طمعًا في رد البلاء عنهم.
٥ - الحلف بأسماء الأولياء.
стр. 357
٦ - إرسال الظفيرة باسم ولي من أولياء الله.
٧ - تعليق القلادة لولي من الأولياء.
٨ - إلباس الولد لباسًا خاصًا باسم ولي من الأولياء.
٩ - صفد الابن بقيد في رجله باسم ولي من الأولياء.
١٠ - السجود لغير الله.
١١ - اعتقاد علم الغيب في غير الله.
١٢ - إثبات قدرة التصرف لغير الله.
ثم قالا: (كل ذلك يثبت به الشرك ويصبح الإنسان به مشركًا) .
قلت: في هذا النص أبلغ الرد على القبورية في صميم اعتقاداتهم الباطلة.
٩ - قول آخر للشاه المجاهد المذكور (١٢٤٦هـ) وقد شن الغارة على القبورية لإبطال عقائدهم الوثنية.
فذكر أن الشرك أولًا على نوعين؛ ١- الشرك في الربوبية.
٢ - الشرك في الألوهية.
ثم ذكر أنه تفرع منها أربعة أنواع أخرى وهي:
١ - الشرك في العلم بمعنى علم الغيب.
٢ - الشرك في التصرف.
٣ - الشرك في العبادة.
٤ - الشرك في العادة يعني في الأعمال العادية.
стр. 358
١٠ - وتبعه أيضًا الشيخ أبو الحسن الندوي في بيان هذه الأنواع الأربعة، وشدد النكير على القبورية لإبطال عقائدهم الخرافية.
١١- قال العلامة السيد محمود شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) :
(إن الشرك نوعان:
١ - شرك في الربوبية: بأن يجعل معه لغيره تدبيرًا ما ...
٢ - وشرك في الألوهية: بأن يدعي غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة ... ) .
١٢ - قول العلامة حسين علي (١٣٦٢هـ) أحد عظماء الحنفية.
١٣ - قول غلام الله الملقب عند الحنفية بشيخ القرآن (١٩٨٠م) .
فقد تصديا لإبطال عقائد القبورية وبيان أن القبورية ارتكبوا عدة أنواع من الشرك، فذكرا من تلك الأنواع ما يلي:
١ - الشرك في العلم.
٢ - الشرك في التصرف.
٣ - الشرك في الدعاء.
стр. 359
٤ - الشرك الفعلي.
ثم ذكرا تعريفات كل نوع منها، وكشفا عن تمويهات القبورية وخرافاتهم.
١٤ - قول الأستاذ أبي الأعلى المودودي (١٩٧٩م) ﵀.
لقد قسم الأستاذ المودودي ﵀ الشرك أولًا إلى قسمين:
١ - الشرك الاعتقادي.
٢ - الشرك العملي.
وقسم الشرك الاعتقادي إلى أربعة أقسام:
١ - الشرك في الذات.
٢ - الشرك في الصفات، وهو إثبات صفة من صفات الله تعالى لغيره سبحانه كاعتقادهم الغيب في غيره تعالى.
أو أن غيره تعالى يسمع كل ما يسمع ويبصر كل شيء أو منزه عن كل عيب ونقص وخطأ.
٣ - الشرك في الاختيار وهو إثبات التصرف والنفع والضر والإغاثة والحفظ والإجابة والخير والشر فوق الأسباب العادية لغيره تعالى، والتصرف في التشريع من التحليل والتحريم والتقنين.
٤ - الشرك في الحقوق وهو الشرك في العبادة.
كالسجود والركوع والقيام والنذر والذبح والقربان ورجاء رفع الحوائج والمشكلات والدعاء وقت نزول المصائب والبلايا لغير الله سبحانه.
وكذا كل ما يدخل في العبادة بجميع أنواعها وصورها.
стр. 360
وهكذا الطاعة لغير الله تعالى طاعة مطلقة.
كل ذلك من قبيل الإشراك بالله تعالى في حقوقه وعبادته.
قلت: الشرك في الاختيار هو في الحقيقة داخل في الشرك في الصفات.
فالأولى أن يقال: الشرك في الذات، الشرك في الصفات، الشرك في العبادات؛ غير أن الشرك في الذات أمر ذهني يتصوره العقل فقط وليس له وجود في الخارج فلا تعرف طائفة كائنة من بني آدم ارتكبت الشرك في الذات.
١٥ - قول شيخ القرآن الفنجفيري (١٤٠٧) ﵀.
١٦ - قول الشيخ الرستمي حفظه الله.
لقد تصدى الشيخ محمد طاهر الفنجفيري الملقب عند الحنفية بشيخ القرآن وتبعه تلميذه الشيخ عبد السلام الرستمي، للرد على القبورية وإبطال عقائدهم الوثنية فكشفا الستار عن كثير من أسرارهم ونبها على مفاسدهم وأضرارهم، وبينا عدة أنواع للشرك، فقالا، واللفظ للثاني:
(بحث أقسام الشرك:
اعلم أن الشرك في التفصيل له أنواع كثيرة؛ لأن الإشراك بالله تعالى في كل صفة مختصة به تعالى - نوع من الشرك، وكذا الإشراك في كل حق من حقوقه تعالى - نوع مستقل [من أنواع الشرك] ؛
стр. 361
والصفات والحقوق الإلهية كثيرة؛ فالأنواع للشرك بجنبها كثيرة، لكنها في الأصل ترجع إلى نوعين:
(١) شرك اعتقادي، (٢) وشرك فعلي، والأول على أربعة أقسام:
(١) الشرك في العلم ((علم الغيب)) ، (٢) والشرك في التصرف والاختيار، (٣) والشرك في الدعاء؛ يعني النداء والاستغاثة.
(٤) والشرك في العبادة.
فنذكر هذه الأقسام بالنهج الذي ساقه القرآن) .
١٧ - وقد ذكر الشيخ الرستمي أنواعًا أخرى بترتيب آخر، وهي:
١ - الشرك في المالكية.
٢ - الشرك في الربوبية لا يعني الشرك في ((الحكم)) أي الطاعة.
٣ - الشرك في التصرف.
٤ - الشرك في الاستعانة.
٥ - الشرك في الاستعاذة.
стр. 362
٦ - الشرك في الاستجارة.
٧ - الشرك في البركة.
٨ - الشرك في الصفات.
٩ - الشرك في العلم.
١٠ - الشرك في العبادات القولية.
١١ - الشرك في العبادات العملية.
١٢ - الشرك في الدعاء.
١٣ - الشرك في الألوهية. ويعني به الشرك في الربوبية.
الحاصل: أن هذه عدة أنواع للشرك.
ذكرتها عن علماء الحنفية الذين ردوا على القبورية وهي تدل دلالة قاطعة على أن القبورية قد ارتكبوا أنواعًا من الشرك الأكبر بالله سبحانه، وذلك بعبادتهم للقبور وأهلها.
وبعدما عرفنا الشرك وأنواعه - ننتقل إلى المبحث الآتي - لنعرف كيف بدأ الشرك وكيف تطور؟ ؛
стр. 363
ليكون ذلك أبلغ رد من علماء الحنفية على القبورية؛ فنقول وبالله نستعين وبه نستغيث * إذ هو المستعان المعين المغيث *:
*****
стр. 364
المبحث الثالث
في مصدر الشرك بعبادة القبور وتطوره، ونشأة القبورية
وانتشارهم في العالم عند علماء الحنفية
وتحقيقهم: أن القبورية عبدة الأوثان
وفيه مطالب ثلاثة:
- المطلب الأول: في مصدر الشرك بعبادة القبور ونشأة القبورية عند علماء الحنفية .
- المطلب الثاني: في تطور الشرك والقبورية، وانتشارهم في العالم عند علماء الحنفية.
- المطلب الثالث: في تحقيق علماء الحنفية: أن القبورية أهل الشرك وثنية: عبدة الأوثان، وعباد القبور، والأنصاب، والأحجار والغارات، والأشجار.
стр. 365
المطلب الأول
في مصدر الشرك بعبادة القبور وأهلها ونشأة القبورية عند علماء الحنفية
لعلماء الحنفية جهود في بيان مصدر الشرك بعبادة القبور وأهلها ونشأة القبورية، والكلام هاهنا في أمور ثلاثة:
الأمر الأول: في تصريح علماء الحنفية بأن الناس قبل نشأة القبورية كانوا موحدين كلهم:
لقد صرح علماء الحنفية بأن الناس كانوا أمة واحدة على الإسلام موحدين متفقين على الحق والتوحيد، في زمن أبينا آدم ﵇ إلى زمن قوم نوح ﵇، ثم اختلفوا بدسائس الشيطان وحيله ومكره الخفي، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] .
стр. 366
الأمر الثاني: في مصدر عبادة القبور وكيف بدأ شرك عبادة القبور فيهم؟
لقد ذكر جمع من علماء الحنفية أثر ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] :
(صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح - في العرب بعد:
أما ((ود)) فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما ((سواع)) فكانت لهذيل، وأما ((يغوث)) فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما ((يعوق)) فكانت لهمدان، وأما ((نسر)) فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع - أسماء رجال صالحين من قوم نوح؛ فلما هلكوا - أوحى الشيطان إلى قومهم:
أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون - أنصابًا، وسموها بأسمائهم؛ ففعلوا، فلم تعبد -
стр. 367
حتى إذا هلك أولئك، وتنسخ العلم - عبدت) .
قلت: لقد استدل الحنفية بهذا الأثر لبيان مصدر عبادة القبور وأهلها، وأن الشرك قد بدأ بعبادة القبور وأهلها بسبب غلوهم في الصالحين.
الأمر الثالث: نشأة القبورية بعبادتهم للقبور وأهلها.
انتبه أيها المسلم إلى تاريخ الوثنية - الذي ذكرت عن الحنفية نبذة منه في مصدر عبادة القبور آنفًا، وأن الشرك كيف بدأ فيهم؟
لقد عرفت أن الشرك بعبادة القبور بدأ؛ ثم تطور وانتشر في العالم بحيل الشيطان ومكره ولطيف تدبيره.
وقد ذكر علماء الحنفية في بيان كيفية بداية عبادة القبور ونشأة القبورية، وأن الشيطان كيف استدرج الناس بحيله ومكره إلى الشرك بعبادة القبور، وكيف أدخل عليهم الشرك؟ حتى نشأت القبورية؛ فقالوا: إن هؤلاء الخمسة كانوا رجالًا صالحين ذوي شرف في قومهم فلما ماتوا حزن عليهم قومهم كثيرًا -؛ فجاءهم الشيطان في صورة إنسان، وقال لهم:
حزنتم كثيرًا؟ فقالوا: نعم،
стр. 368
فقال: هل لكم أن أصورهم لكم في قبلتكم إذا نظرتم إليهم - ذكرتموهم فيذهب حزنكم وتنشطون في العبادة - فقالوا: نكره أن تجعل لنا في قبلتنا شيئًا نصلي عليه.
فقال: أصورهم في مؤخرة المسجد، قالوا: نعم، فصورهم لهم، ثم لما تقدم الزمن وانقرضت الآباء والأبناء وأبناء الأبناء ونسي العلم جاء الشيطان في صورة الإنسان وقال لمن بعدهم:
إن من كان قبلكم من سلفكم الصالح كانوا يعبدونهم؛ فعبدوهم، ثم صارت سنة في العرب في الجاهلية.
أقول: تبين من هذا أنهم لم يكونوا يعبدون الأحجار كما تزعم القبورية بل كانوا يعبدون الصالحين، وقد صرح علماء الحنفية: أن عبادة القبور - هي أصل شرك العالم، وأن المشركين القبوريين قد ظهروا في عهد نوح ﵊ بسبب عبادة هؤلاء الأولياء الخمسة، وعكوف القبورية في ذلك العهد على قبورهم، وبذلك وجدت القبورية على الأرض، ثم تطورت القبورية حتى انتشرت في العرب وغيرهم.
стр. 369
هذه كانت قصة مصدر الشرك ومبدأ نشأة القبورية، وبدايتها؛ كيف بدأت؟ وكيف ظهرت؟ ذكرتها عن علماء الحنفية، وأما تطور شرك عبادة القبور على نطاق أوسع وانتشار القبورية في العالم - ففي المطلب الآتي:
*****
стр. 370
المطلب الثاني
في تطور الشرك بعبادة القبور وأهلها وانتشار القبورية في العالم عند علماء الحنفية
وردهم على القبورية
والكلام هاهنا في تحقيق عشرة أمور:
الأمر الأول: في تحقيق أن أول فرقة قبورية هي قوم نوح ﵊؛ وأما سائر فرق القبورية فتبع لها.
لقد تبين من كلام علماء الحنفية:
أن الإشراك بالله تعالى أول ما ظهر وبدأ - إنما ظهر وبدأ في قوم نوح بمكر الشيطان وحيله الخفية المزخرفة اللطيفة وكيده لبني آدم في الإغواء والإضلال بسبب عبادة القبور وأهلها:
فصار قوم نوح أول فرقة مشركة قبورية وثنية - ظهرت على وجه الأرض في تاريخ البشرية، وانشقت عن المسلمين الموحدين، فقبورية قوم نوح هم السلف الشرير السوء الطالح لكل مشرك قبوري ولجميع الفرق القبورية في شرق الأرض وغربها، عجمها، وعربها، تركها، وبربرها، هندها، وغيرها؛ سواء تنتمي إلى الإسلام أم إلى الرفض أم إلى الفلسفة، أم إلى الصوفية، أم إلى الكلام، أم إلى ملة من ملل الكفر ونحله.
стр. 371
فعبادة القبور هي أصل شرك العالم، وقبورية قوم نوح هي أم القبوريات؛ ثم انتشرت القبورية في اليهود والنصارى والعرب والعجم من الهند والترك والبربر وغيرهم؛ فقد قال الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) ، والعلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، واللفظ للأول، في بيان مبدأ عبادة القبور وتطور القبورية في العالم:
(فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ... ؛ ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم؛ بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم:
من الهند، والترك والبربر، وغيرهم؛ تارة يعتقدون: أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم شفعاء ويتوسلون بهم إلى الله؛ وهذا أصل شرك العرب؛ قال الله تعالى حكاية عن قوم نوح؛ ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] ؛ وقد ثبت في صحيح البخاري وكتب التفسير، وقصص الأنبياء وغيرها، عن ابن عباس ﵄، وغيره من السلف:
أن هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح؛ فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم، وأن هذه الأصنام بعينها -
стр. 372
صارت إلى قبائل العرب؛ ذكرها ابن عباس ﵄ قبيلة قبيلة) .
وقال الإمامان: محمد البركوي (٩٨١هـ) وأحمد الرومي (١٠٤٣هـ) ، والشيخان: سبحان بخش الهندي، وإبراهيم السورتي - في تحقيق مبدأ عبادة القبور وأهلها، ونشأة القبورية وتطورها وانتشارها في العالم، مبينين أن القبورية قديمًا وحديثًا يعبدون الصالحين دون الأحجار، واللفظ للأول:
(ومن أعظم مكائده - أي الشيطان - التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته - ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه:
من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله تعالى، وعبدت قبورهم، واتخذت أوثانًا، وبنيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادًا لها ظل، ثم جعلت أصنامًا، وعبدت مع الله تعالى، وكان ابتداء هذا الداء العظيم في قوم نوح) ، ثم ساقوا أثر ابن عباس ﵄ في تفسير الآية المذكورة
стр. 373
كما نقلته عن ابن أبي العز آنفًا، ثم قالوا:
(وكان هذا مبدأ عبادة الأصنام:
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين:
فتنة القبور، وفتنة التماثيل؛ وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله ﷺ ... ،:
«أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح - بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور؛ أولئك شرار الخلق عند الله» .
ففي هذا الحديث: ما ذكر من الجمع بين التماثيل والقبور) .
قلت: لقد ظهر من كلام هؤلاء الأعلام من الحنفية:
أن القبورية نشأت في قوم نوح، ثم تطورت وانتشرت فيمن بعدهم من الأقوام والأمم حتى جاءت نوبة اليهود والنصارى؛ فهم صاروا من أعظم فرق القبورية وشرارها حتى آل الأمر إلى جزيرة العرب؛ فكان العرب في الجاهلية من أعظم قبورية العالم؛ وكانوا جميعًا قد جمعوا بين فتنتين:
стр. 374
فتنة الشرك بعبادة القبور.
وفتنة الصور والتماثيل.
كما تبين من ذلك أنهم كانوا يعبدون الصالحين دون الأحجار لا كما يزعم القبورية.
الأمر الثاني: في تحقيق أن مشركي العرب كانوا قبورية كسلفهم قوم نوح ﵇.
أقول: بالنسبة إلى مشركي العرب في الجزيرة وكونهم قبورية فالأمر أوضح وأشهر من أن يبرهن عليه ويذكر؛ فإنهم كانوا قبورية يعبدون القبور وأهلها، فقد صرح الإمام محمود الآلوسي (١١٧٠هـ) :
أن ((اللات)) كان رجلًا من ثقيف يلت السويق بالزيت؛ فلما توفي جعلوا قبره وثنًا، وأنه كان يلت السويق على الحجر؛ فلا يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه، وعبدوا ذلك الحجر إجلالًا.
وذكر الشيخ جوهر الرحمن.
عن الحافظ ابن كثير (٧٧٤هـ) قوله:
(فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه) .
стр. 375
قلت: فإن قيل ماذا كان نوع عبادة العرب لللات؟
قلت: لقد صرح الحنفية بأنهم كانوا يستعينون به عند الشدائد كدأب قبورية اليوم وبذلك كفروا وأشركوا بالله في عبادته؛ قال الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) :
(وكفر الله مشركي مكة لقولهم لرجل سخي كان يلت السويق للحاج:
إنه نصب منصب الألوهية؛ فجعلوا يستعينون به عند الشدائد) .
قلت: هذا كله برهان بل براهين على أن مشركي العرب من أعظم فرق القبورية في العالم، وأنهم أقحاح في القبورية، ومنه تبين أن المشركين كانوا يعبدون الصالحين دون الأحجار لا كما هو زعم القبورية الآن.
ومن أعظم الحجج الباهرة القاهرة على أن مشركي العرب كانوا قبورية يعبدون القبور وأهلها - نهي النبي ﷺ في بداية الإسلام عن زيارة القبور؛ فقد قال ﷺ :
«نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها» .
وقال ﷺ :
«نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ولا تقولوا هجرا» .
стр. 376
قلت: ولقد علل كثير من علماء الحنفية نهي النبي ﷺ هذا عن زيارة القبور في بداية الإسلام؛ أنه ﷺ كان يخاف عليهم، لكون القبور مبدأ لعبادة الأصنام في العرب وقبلهم، فنهاهم أولًا لكونهم حديثي عهد بالشرك سدا لذريعة الشرك وحماية لحمى التوحيد؛ لأن زيارة القبور كانت تفتح عليهم باب عبادة القبور وأهلها؛ ثم لما تمكن التوحيد في قلوبهم واطمأنت نفوسهم على تحريم عبادة غير الله - أذن لهم في زيارة القبور للتزهيد في الدنيا وتذكير الآخرة والدعاء للأموات بالمغفرة.
أقول: انتبه أخي المسلم إلى أن النبي أذن لهم فيما بعد في زيارة القبور، ولكن حذرهم من الشرك وشوائبه بقوله ﷺ : «ولا تقولوا هجرا» .
وقد صرح علماء الحنفية في شرح كلام النبي ﷺ هذا: ((هجرا)) :
(هجرًا: أي فحشًا:
وأي فحش أعظم من الشرك عندها قولًا وفعلًا؟!) .
قلت: بعد هذا لا حاجة إلى البرهنة على أن مشركي العرب كانوا قبورية أقحاح بأكثر من هذه البراهين القاهرة الباهرة؛
стр. 377
فلقد تبين من هذه النصوص أن المشركين كانوا يعبدون الصالحين المقربين عند الله على زعمهم أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى، ولم يكونوا يعبدون الأحجار لذاتها؛ لا كما هو زعم القبورية الكذبة مبررين شركهم بالأكاذيب؛ ولذلك قال الشيخ ابن آصف الفنجفيري الملقب عند الحنفية بشيخ القرآن بعد سرد أقوال المفسرين:
(فاتفقت كلمتهم على أن المشركين [كانوا] يدعون العباد الصالحين ويتوسلون بهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ... ، ويعطون النذور لهم باعتقاد أنهم يقربونا إلى الله زلفى فكان شركهم العبادة للمقبورين والدعاء من الغائبين والأموات أن أصحاب القبور يسمعون الدعاء والنداء ويعلمون السر وأخفى ويتصرفون في الأمور كيف يشاءون) .
الأمر الثالث: في تحقيق أن اليهود والنصارى - كانوا قبورية أقحاحًا.
أما اليهود والنصارى - فقد سبق في نصوص علماء الحنفية:
أنهم من شر القبورية الذين كانوا يعبدون الصالحين ويتخذون قبورهم مساجد،
стр. 378
وقد نص على ذلك رسول الله ﷺ كما سيأتي قريبًا فكانوا يعبدون القبور وأهلها، مع ارتكابهم فتنة التماثيل والصور بجانب فتنة الشرك بعبادة القبور وأهلها، ويوضح هذا أن كثيرًا من علماء الحنفية - قد استدلوا بقول النبي ﷺ عن عائشة وابن عباس ﵃:
«لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
وفي لفظ «عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في مرضه الذي لم يقم منه - وفي لفظ: ((مات فيه)) -:
لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
قالت: (ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا) » .
ورواه أبو هريرة ﵁ أيضًا بهذا اللفظ على تحريم اتخاذ القبور مساجد والبناء على القبور، وأن ذلك من أعظم وسائل الشرك ووسائل عبادة القبور وأهلها قديمًا وحديثًا؛
стр. 379
وهذا كله حجج ساطعة وأدلة قاطعة على أن اليهود والنصارى من أعظم فرق القبورية في العالم وأشرارها.
الأمر الرابع: في تحقيق أن جميع الأمم من المشركين كانوا قبورية.
الظاهر أن جميع الأمم من المشركين كعاد وثمود ومدين وغيرهم - كانوا قبورية كسلفهم قوم نوح ﵇؛ لما ذكره علماء الحنفية من قول النبي ﷺ قولًا عاما شاملًا لجميع المشركين قبل العرب: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك» ، قاله قبل أن يموت بخمس.
وقد استدل بهذا الحديث جمع من علماء الحنفية؛ فدل ذلك على أن جميع الأمم المشركة كانوا قبورية.
الأمر الخامس: في تحقيق أن فلاسفة اليونان كانوا قبورية أجلادا.
لقد صرح الرازي (٦٠٦هـ) بأن فلاسفة اليونان كانوا يستمدون الفيوض من القبور وأهلها إذا اعترتهم مشكلة من المشكلات وكان الفلاسفة من تلاميذ أرسطو إذا دهمتهم نازلة - ذهبوا إلى قبره للحصول على المدد والفيض، وهكذا يعبدون القبور وأهلها؛
стр. 380
كعادة قبورية هذه الأمم، قلت: هذا الرازي من أعظم أئمة القبورية ولا سيما الكوثري والكوثرية.
فإن الكوثري ينهل من قبورياته المستنقعات، ويعتمد على بحوثه الكلامية غاية الاعتماد، حتى نقل كلامه عن هذه الصفحة من مطالبه ويقول: إن الأئمة: الرازي والتفتازاني والجرجاني من كبار أئمة أصول الدين الذين يفزع إليهم في المشكلات ومعرفة الإيمان والكفر والتوحيد والشرك، معظمًا كتاب المطالب العالية.
والفلاسفة اليونانية الوثنية المشركة من أعظم السلف للديوبندية في الاستفاضة من القبور!؟! .
الأمر السادس: في تحقيق أن المتفلسفة في الإسلام أمثال الفارابي (٣٣٩هـ) الضال الكافر وابن سينا الحنفي القرمطي (٤٢٨هـ) ونصير الشرك الطوسي الساحر الوثني (٦٧٢هـ) .
الذين لعبوا بالإسلام ما لعب بولس بالنصرانية - كانوا من أعظم القبورية الوثنية الأجلاد، ولهم تفلسف في زيارة القبور الشركية والوثنية - في غاية الضلال والإضلال؛
стр. 381
كما ذكره عنهم كثير من علماء الحنفية، وسيأتي نص كلامهم بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
الأمر السابع: في تحقيق أن الروافض بجميع فرقهم قبورية أجلاد وثنية أقحاح؛ فهم أول من وضع الأحاديث القبورية والروايات الوثنية - لزيارة المشاهد، فعطلوا المساجد وعمروا المشاهد التي كانوا يشركون فيها.
ولهذا كانت الرافضة من أبعد الناس عن العلم والدين؛ إذ عمروا المشاهد وعطلوا المساجد؛ وألف بعض أعناقهم كتابًا وثنيا سماه ((مناسك حج المشاهدة)) ؛ مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام؛ ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام؛ ودخول في دين عبادة الأصنام كما صرح بذلك علماء الحنفية.
وقد بني مشهد الحسين بن علي ﵄ بالقاهرة بأيدي الروافض.
الأمر الثامن: في تحقيق: أن الصوفية قبورية؛
стр. 382
بل هم أشنع قبورية هذه الأمة على الإطلاق وأبشعها؛ فهم ملاحدة اتحادية وزنادقة حلولية، يعبدون القبور وأهلها على طريقة الوثنية.
ولعلماء الحنفية كلام قامع لهم، قاطع لدابرهم، قالع لشبهاتهم؛ قال العلامة محمود شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) مبينًا كثرة القبورية وانتشارهم في البلاد والعباد، وأنهم أشنع شركًا من المشركين السابقين:
(وأما من ينتسب إلى طريقة من الطرائق الكثيرة - فعنده: أن الاستمداد من روحانية مشائخهم والاستغاثة بهم من الواجبات الشهيرة؛ فلا حفظ الله لهم حريمًا * ولا صان لهم أديمًا * نسأله أن يطهر الأرض من أمثالهم * ويريح المسلمين من كفرهم وإضلالهم) .
الأمر التاسع: في تحقيق أن كثيرًا من المتكلمين من الماتريدية والأشعرية وغيرهم - قبورية؛ لتأثرهم بالفلاسفة والمناطقة والصوفية، وجعلهم حقيقة توحيد الألوهية عين توحيد الربوبية كما سبق على لسان علماء الحنفية.
الأمر العاشر: أن كثيرًا بل أكثر من ينتمون إلى المذاهب الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة قبورية،
стр. 383
ولعلماء الحنفية جهود في كشف الستار عن أسرارهم وكتب ألفوها في قمعهم وقلع شبهاتهم؛ وهؤلاء القبورية المنتسبة إلى الأئمة الأربعة - فرق وألوان * وصنوف وأفنان *؛ وهم أكثر من أهل التوحيد - تكتظ بهم البلاد والبلدان *؛ كما سيأتي تفصيل ذلك على لسان علماء الحنفية الرادين على القبورية؛ فهم - كما قال الإمام الآلوسي (١٢٧٠هـ) :
(عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر:
ممن الله تعالى أعلم بحاله فيها؛ وهم اليوم أكثر من الدود) .
وقال ابن آصف الفنجفيري الملقب عند الحنفية بشيخ القرآن:
(وقد صنف العلماء الربانيون في ردهم تواليفًا، وشنعوا عليهم تشنيعًا بليغًا، لكن الزائغين المحرفين في دين الله يبتغون لذلك حيلًا، وأسسوا قواعد مزخرفًا بالأقوال المموهة الباطلة؛
стр. 384
والعجب عن بعض من ينتمون أنفسهم بشيوخ الحديث فيدرسون في المشاهد دروسًا، ويقولون: قال الله تعالى، وقال رسوله ﷺ ، ويكتمون الحق ويغمضون البصر مما يرون عباد القبور عليها عكوفًا، وينحرون عندها نذورًا، يمسحون أجداثًا، وشرعوا دينًا لم يأذن به الله؛
أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالواحد الصمد
стр. 385
وكم نحروا في سوحها من بحيرة ... أهلت لغير الله جهلًا على عمد
وكم طائف عند القبور مقبلًا ... ويلتمس الأركان منهن بالأيدي
فيجب على علماء الإسلام إزالة مواضع الشرك وهدم الطواغيت) .
قلت: لقد عرفت بالتجربة والاستقراء وبما قرأت وبما سمعت:
أن أكثر القبورية في المنتسبين إلى المذاهب الأربعة - هم الحنفية لكثرتهم ونفوذ سلطانهم ودولهم في شرق الأرض وغربها، من صينها إلى مغربها؛ وهندها، وأفغانها، وتركها، وشامها، ومصرها، ورومها، وغيرها من البلاد.
стр. 386
ولكثرة الفرق الضالة المبتدعة في الحنفية أيضًا.
ثم في الشافعية، ثم في المالكية، ونزر قليل من الحنابلة؛ لكون عامة الحنابلة من أهل الحديث والأثر والسنة المحضة ولكونهم أقل عددًا من بقية أهل المذاهب.
وأقول: هذه كانت نبذة من تاريخ القبورية الوثنية، من لدن قوم نوح ﵇؛ مرورًا بعامة الأمم من المشركين؛ أمثال عاد، وثمود، ومدين، بل اليهود والنصارى، فضلًا عن مشركي العرب، والعجم، في الجزيرة، والهند، وفارس، والروم، وغيرها؛ بل فلاسفة اليونان، من المناطقة المشائية، والصوفية الإشراقية؛ ومن طريق هؤلاء دخل شرك القبور إلى المتفلسفة في الإسلام أمثال الفارابي وابن سينا والطوسي، فهم قبورية أجلاد، وإلى الروافض بصفة عامة، فهم قبورية أقحاح، كما أن الصوفية قديمًا وحديثًا قبورية وثنية حلولية اتحادية إلا من شاء الله منهم، ثم من طريق الصوفية والروافض، وهؤلاء المتفلسفة - تسربت القبورية إلى كثير من المتكلمين، ومنهم جميعًا إلى كثير من المنتسبين إلى المذاهب الأربعة؛
стр. 387
حتى طمت القبورية، وشملت الوثنية البلاد * وعادت الجاهلية الأولى وعمت العباد *؛ إلا من شاء الله تعالى وما شاء.
حتى أصيب بهذا الداء العضال كثير من أهل الفقه والعلم والفضل والزهد، وهم لا يدرون ولا يشعرون * إنا لله وإنا إليه راجعون *
فضلًا عن العوام * الذين هم في الجهل كالأنعام *؛ وسيأتي لذلك مزيد تفصيل وتحقيق على لسان علماء الحنفية في الرد على القبورية؛ فاستمع لما في المطلب الآتي وما في الفصل بعده من عجائب انتشار القبورية في هذه الأمة وغرائب نفوذهم في البلاد والعباد، وأن القبورية فرقة مشركة، وثنية يعبدون القبور وعباد الأوثان وعبدة الأنصاب، إنا لله وإنا إليه راجعون؛ لتكون على علم تام أن القبورية في إنكارهم وجود الشرك فيهم - إما منخدعون، جاهلون ممرضون * وخادعون مغالطون متجاهلون.
فنقول وبربنا الرحمن نستغيث ونستعين *
إذ هو المغيث المستعان المعين *:
*****
стр. 388
المطلب الثالث
في تحقيق علماء الحنفية أن القبورية أهل الشرك وثنية عبدة الأوثان وعباد القبور والأنصاب والأحجار
لقد أقام علماء الحنفية عدة براهين قاطعة وكثيرًا من الحجج الساطعة على كون القبورية أهل شرك وثنية عبدة الأوثان والقبور.
فأريد أن ألخص أهم ما برهنوا به على ذلك في وجوه:
الوجه الأول:
أن علماء الحنفية قد حققوا أن القبورية يرتكبون أنواعًا من الشرك الأكبر بعبادة القبور وأهلها:
من السجدة لها والطواف بها واتخاذها مساجد، والحج إليها ونحوها، والصوم لأصحابها والنذور لهم، والاستغاثة بهم في الملمات واعتقاد علم الغيب فيهم،
стр. 389
وإثبات التصرف في الكون لهم، وغيرها من العقائد الشركية الكفرية الوثنية.
فتحقق أن القبورية؛ عبدة القبور وعباد الأوثان، ووثنية وأهل الشرك.
الوجه الثاني:
أنه قد حقق علماء الحنفية أن القبورية أشد شركًا من المشركين السابقين؛ من حيث إنهم كانوا يخلصون الدعاء لله وحده في الملمات والكربات، بخلاف القبورية؛ فإنهم يستغيثون بالأموات عند إلمام الملمات؛ بل القبورية قد وصلوا في الشرك والكفر إلى حد - رجحوا الاستغاثة بالأموات عند الكربات، على الاستغاثة برب البريات، وقالوا: جهارًا بدون حياء ولا إسرار:
إن المكروب تضره الاستغاثة بالله عند البليات، بخلاف استغاثته بالولي فإنه أسرع إجابة من الله!؟!
فتحقق أن القبورية أهل الشرك مناقضون للتوحيد على أقل تقدير بلا ريب.
стр. 390
الوجه الثالث:
أن علماء الحنفية قد حققوا: أن القبورية أعظم عبادة للقبور وأهلها منهم لله في المساجد وأوقات الأسحار، وأن خوفهم من الأموات أشد من خوفهم من الله تعالى، وهذا سلطان قاهر وبرهان باهر وحجة قاطعة ساطعة على أن القبورية أهل شرك، وعباد القبور بلا امتراء.
الوجه الرابع:
أن القبورية لما كانوا يعبدون القبور وأهلها - صح - عند علماء الحنفية - إطلاق عدة أسماء وصفية تشعر بأنهم وثنية، أهل شرك، عابدو غير الله جل وعلا؛ وليس هذا من باب نبذ الألقاب بل من باب بيان الحق والجرح، فمنها ما يلي:
١ - عباد القبور.
٢ - عبدة القبور.
٣ - أهل الشرك.
следующие страницы →