← Акыда

Акыда · id 8594

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية

شمس الدين الأفغاني

Полный текст (1 553 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

(والمتابعة كما تكون في الفعل تكون في الترك أيضا. فمن واظب على فعل لم يفعله الشارع فهو مبتدع) . ٥ -٧- وقال الإمام أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) والشيخ سبحان بخش الهندي والشيخ محمد إبراهيم السورتي. واللفظ للأول: (وأما ما كان المقتضي لفعله في عهده ﷺ موجودا من غير وجود المانع منه؛ ومع ذلك لم يفعله ﷺ ؛ فإحداثه تغيير لدين الله تعالى؛ إذ لو كان فيه مصلحة لفعله ﷺ أو حثّ عليه؛ ولما لم يفعله ﷺ ولم يحث عليه- علم أنه ليس فيه مصلحة بل هو بدعة قبيحة سيئة؛ مثاله: الأذان في العيدين؛ فإنه لما أحدثه بعض السلاطين أنكره العلماء وحكموا بكراهيته؛ فلو لم يكن كونه بدعة دليلا على كراهيته؛ لقيل: " هذا ذكر الله تعالى ودعاء الخلق إلى عبادة الله تعالى؛ فيقاس على أذان الجمعة "؛ أو يدخل في العمومات التي من جملتها قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١] ،

стр. 562

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] ، لكن لم يقولوا ذلك؛ بل قالوا: " كما أن فعل ما فعله ﷺ كان سنة كذلك ترك ما تركه ﷺ مع وجود المقتضي وعدم المانع منه كان سنة أيضا؛ فإنه ﷺ لما أمر بالأذان في الجمعة دون العيدين كان ترك الأذان فيهما سنة؛ وليس لأحد أن يزيده ويقول: " هذا زيادة العمل الصالح لا يضر زيادته "؛ فيقال له: " هكذا تغيرت أديان الرسل وتبدلت شرائعهم، فإن الزيادة في الدين لو جازت؛ لجاز أن يصلي الفجر أربع ركعات والظهر ست ركعات؛ ويقال: " هذا زيادة عمل صالح لا يضر زيادته "؛ لكن ليس لأحد أن يقول ذلك؛ لأن ما يبديه المبتدع من المصلحة والفضيلة؛ إذا كان ثابتا في عصره ﷺ ، ومع هذا لم يفعله ﷺ فيكون ترك مثل هذا الفعل سنة مقدمة على كل عموم وقياس؛ فمن عمل به مع اعتقاده أنه غير مشروع في الدين؛ يكون فاسقا غير مبتدع؛ وإن عمل به مع اعتقاده أنه مشروع في الدين؛ يكون فاسقا ومبتدعا؛ لأن الفسق أعم من البدعة؛ فكل بدعة فسق من غير عكس؛

стр. 563

وكذلك قيل: " البدعة شر من الفسق؛ فإن من يفعل البدعة فهو يتنقص الرسول " ﷺ "، وإن كان في زعمه أنه يعظمه بالبدعة؛ حيث يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب؛ فيكون مشاقا لله ولرسوله " ﷺ "؛ لاستحسانه ما كرهه الشرع ونهى عنه؛ وهو الإحداث في الدين؛ وإنه تعالى قد شرع لعباده من العبادات ما فيه كفاية لهم؛ وأكمل دينهم وأتم عليهم نعمته كما أخبر به في كتابه الكريم. ٨ - وقال شيخ القرآن الفنجفيري: (الأصل الثالث في الاتباع) . والاتباع كما يكون في الفعل كذلك يكون في الترك؛ لأنه قد ثبت أن عدم النقل يدل على الكراهة؛ وأن ما لا دليل عليه فهو مردود ... ؛ وقد نهى النبي ﷺ عن الإحداث في الدين ... ؛ واعلم أن سنة النبي ﷺ كما تكون في الفعل تكون في الترك؛ وكما نتقرب إلى الله تعالى بفعل ما فعله النبي ﷺ كذلك نتقرب إلى الله تعالى بترك ما تركه النبي ﷺ فالفاعل لما ترك كالتارك لما فعل؛ والكلام مفروض في ترك شيء لم يكن في زمن النبي ﷺ مانع منه وتوفرت الدواعي على فعله؛

стр. 564

وذلك كتركه الأذان للعيدين والغسل لكل صلاة وصلاة ليلة النصف من شعبان والأذان للتراويح والدعاء بعد السنن بهيئة الاجتماع والختم للموتى؛ وقد ثبت أن أكبر الكبائر التقول على الله تعالى. ٩ - وقال: (وقال الإمام ابن تيمية: فأما الفعل الذي لم يشرعه هو لنا؛ ولا أمرنا به ولا فعله فعلا سن لنا أن نتأسى به فيه- فهذا ليس من العبادات والقرب فاتخاذ هذا قربة مخالفة له ﷺ مجموعة الرسائل ٥\٩٨-) . وقال أيضا: (وقال الحافظ ابن القيم: فإن تركه ﷺ سنة كما أن فعله سنة؛ فإذا استحببنا فعل ما تركه، كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق ... ) .

стр. 565

١٠ - وقال شيخ القرآن الفنجفيري: (التفريع على هذه القاعدة: هذه القاعدة ينفعك في رد جميع ما أحدثوه من البدعات وألفت النفوس بها منذ قرون متطاولة؛ مثل الدعاء بعد السنة بهيئة الاجتماع وتقسيم الفدايا في القبور؛ وتداول الأيدي بها والدعاء بعد الجنازة [بهيئة اجتماعية] والذكر أمام الجنازة والذكر الجهري فيما لم ينقل عن الشارع ونهيقهم في السحور؛ على رأس المنبر. وعلى أبواب المساجد: " الصلاة رحمكم الله ". وخلف المشائخ في السكك؛ والصلاة المسماة بالقضاء العمري، وصلاة الرغائب،

стр. 566

وتخصيص الأيام والليالي بعبادة؛ كقراءة سورة الملك ليلة الجمعة والتصدق فيه. والقوالي والعرس والميلاد) . ١١ - وقال أيضا: (ويتفرع على ذلك القيام بالمولد واتخاذ الموسم والعرس للمقبور) . ثم قال: ( وكل هدي النبي قد رجح ... فما أبيح افعل ودع ما لم يبح ) . القاعدة السادسة: عدم النقل يدل على العدم كما يدل على الكراهة والبدعة. هذه القاعدة من أهم القواعد التي ذكرها علماء الحنفية للتمييز بين الأمور البدعية والسنية؛ فقد صرحوا بأن الشيء إذا لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ﵃ فهو دليل كونه بدعة في الدين؛ فإن قيل: عدم النقل لا يستلزم العدم، لجواز وقوعه وعدم نقله. قلنا: لقد أجاب علماء الحنفية بأن هذا لا يمكن؛ لأنه لو وقع ولو مرة واحدة،

стр. 567

لا بد من أن ينقل إلينا؛ لأنه من أمور الدين وقد تكفل الله تعالى ذلك؛ فلما لم ينقل إلينا ذلك- دل على أنه لم يقع ولم يفعله النبي محمد ﷺ فليس من الدين في شيء بل بدعة ضلالة. وإليك بعض نصوص علماء الحنفية: ١ - قال الإمام ابن الهمام (٨٦١هـ) : (نفي المدرك الشرعي يكفي لنفي الحكم الشرعي) . ٣ - وقال المولوي (١٠٩٨هـ) : (والمراد بالحكم: الحكم الشرعي، ولا يكون ذلك إلا ثابتا بدليل شرعي) . ٣ -وقال: (فعدم فعله يدل على الكراهية) . ٤ - وقال ابن عابدين (١٢٥٢هـ) : (فما لم يوقف على دليل المشروعية لا يحل فعله بل يكره " ... ثم نقل ذلك عن كثير من كتب الحنفية) . ٥ - وقال الإمام الأكمل البابرتي (٧٨٦هـ) في تحقيق أن عدم النقل دليل على العدم:

стр. 568

(ولنا أنه لم ينقل، وذلك دليل على أنه لم يفعل) . ٦ - وقال شيخ القرآن الفنجفيري (١٤٠٧ هـ) : (وفي العناية: وعدم النقل عن النبي ﷺ يدل على عدم فعله) . ٧ - وقال شيخ القرآن الفنجفيري: (قال الإمام الحافظ ابن القيم: أما نقلهم لتركه ﷺ فهو نوعان: أحدهما: تصريحهم بأنه تركه كذا وكذا؛ والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله؛ فحيث لم ينقل منهم واحد منهم البتة ولا حدّث به في مجمع أبدا- علم أنه لم يكن؛ وهكذا: كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة؛ وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين) ؛ ثم ذكر الأمثلة وقال: (ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير، ولا رجل ولا امرأة البتة وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يحل

стр. 569

بها يوما واحدا) ؛ ثم مثّل وقال: (ومن ههنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة؛ فإن تركه ﷺ سنة كما أن فعله سنة؛ فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق، فإن قيل: من أين لهم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم عدم الفعل؟ فهذا استدلال بعيد جدّا عن معرفة هديه، وسنته، وما كان عليه، ولو صح السؤال وقيل: لاستحب لنا الأذان للتراويح، انتهى بتصرف) . التفريع: قال شيخ القرآن الفنجفيري: (وقد ابتدعوا بدعا في دين الله ليس لهم بذلك برهان، وحجة من الكتاب والسنة، إلا اتباع الظن، أو ألفة العوائد، كالمشركين أو أتباع المشايخ الذين مضوا عليها ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ ، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ .

стр. 570

وهذه القاعدة تنفعك في ردّ جميع ما أحدثوه من البدعات، وألفت النفوس بها منذ قرون متطاولة) . ثم ذكر شيخ القرآن عدة مسائل في التفريع على هذه القاعدة. الحاصل: أن هذه القاعدة الحنفية تقلع جميع بدع القبورية وشركياتهم* كما تقطع أدبارهم وتستأصل جميع توسلاتهم واستغاثاتهم وشبهاتهم* القاعدة السابعة: " الأمور بمقاصدها "، أو " العبرة للمقصود لا للتبع "، أو " العبرة للمقاصد دون الصور ". هذه القاعدة من أهم قواعد الحنفية التي ذكروها وفرعوا عدة أحكام عليها، وقالوا: " إنما يبنى اللفظ على المقصود لا على ظاهر اللفظ ". قلت: لما كان قصد القبورية من زياراتهم للقبور الطواف بها* وأكل ترابها* والتمسح والتبرك بها * والنذر لهم- كان ذلك شركا صريحا، وإن تستروا بستار التوسل، والكرامة،

стр. 571

والولاية، والزيارة. قال شيخ القرآن الفنجفيري في الرد على المبتدعة والقبورية: (وها أنا في زمان تبدلت الشريعة* وجعلوا العبادة ذريعة للمعيشة* ووضعوا الألفاظ الصحيحة للنية الردية* فاستحلوا الرشوة باسم الهدية* والقتل بالرهبة، والزنى بالنكاح، والربا بالمنافع، والمغني بالحادي، والمطرب بالقوال، والمداهن بالمصلح، والخداعة بالسياسة، والكتمان بالمصلحة، والشرك بالله العظيم بتعظيم الأولياء الكرام، والعبادة للقبور والشيوخ بالتعظيم لهم، والجحد لصفات الله تعالى بالتنزيه، وإثبات الصفات له تعالى بالتجسم، والبدعة بالسنة، فبدلوا دين الله تعالى وشرائعه، وحرفوا الكلم عن مواضعه، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ... ) . قلت: رحمة الله وبركاته على هذا الشيخ، فقد بين لنا حقيقة الجهمية المتكلمين من الماتريدية الحنفية والأشعرية الكلابية؛ كما بين لنا حقيقة القبورية الوثنية، الذين يجوزون التعطيل والوثنية بأسماء براقة خدعة وسترا للتعطيل والوثنية.

стр. 572

وبعد هذا ننتقل إلى الفصل الآتي لنعرف جهود علماء الحنفية في حماية حمى التوحيد، وسد جميع الذرائع الموصلة إلى الشرك.. وربنا الرحمن المستعان * وبه الثقة وعليه التكلان*. * * * * *

стр. 573

الفصل الثالث في بيان عدة ذرائع الشرك التي صرح علماء الحنفية بوجوب سدها لئلا يتذرع بها إلى الشرك وحماية لحمى التوحيد كلمة بين يدي هذا الفصل: لقد ذكرتُ في المباحث السابقة من الفصول التي مضت بعض جهود علماء الحنفية في تحقيق أن الشرك موجود في هذه الأمة وأن القبورية فرقة مشركة وثنية عباد القبور وعبدة الأوثان كما ذكرت بعض جهود علماء الحنفية في إبطال بعض شبهاتهم وقلعها وقمع أصحابها، وبينت بعض جهودهم في التحذير من الشرك، كما ذكرت عدة قواعد لهم يمكن الاستفادة منها في حماية حمى التوحيد، وأذكر في هذا الفصل جهود علماء الحنفية في حماية حمى التوحيد وسد الذرائع الموصلة إلى الشرك؛ فأقول وبالله توفيقي* وعليه اعتمادي* وبه ثقتي*: اهتمام علماء الحنفية بسد جميع ذرائع الشرك: لقد اهتم علماء الحنفية بسد جميع ذرائع الشرك عامة، وصرحوا بوجوب سدها؛ لحماية حمى التوحيد، ولئلا يتذرع بها إلى الشرك بالله تعالى، ولهم جهود حسنة، وأقوال مهمة فيها قرة عيون الموحدين وشجى

стр. 574

في حلوق القبورية. بل ذكروا عدة ذرائع وصرحوا بوجوب سدها لئلا يتذرع بها إلى الشرك، وحماية لحمى التوحيد؛ وفيما يلي أذكر بعض الأمثلة من تلك الذرائع مع كلام الحنفية في وجوب سدها، وهي ثلاثون ذريعة؛ فأقول- وبالله أستغيث وأستعين*؛ إذ هو المستعان المغيث وهو المعين*: الذريعة الأولى: الغلو في الصالحين: لقد اجتهد كثير من علماء الحنفية في سد هذه الذريعة، والتحذير منها، وصرحوا بأن الغلو في الصالحين- أعظم ذريعة على الإطلاق لعبادة الأصنام، والأوثان، والقبور، وهو السبب الأصل الرئيسي لكفر كثير من بني آدم، وشركهم، وأن كل ما يرتكبه القبورية قديما وحديثا: من بناء القبب والمساجد على القبور، والحج إليها، والنذور لأصحابها والاستغاثة بهم واعتقاد علم الغيب والتصرف في الكون فيهم- هو بسبب الغلو في الصالحين. هذا مجمل كلام الحنفية ومزيد التفصيل والتحقيق يكون في باب (الغلو) إن شاء الله. الذريعة الثانية: المبالغة في تعظيم الصالحين ومحبتهم:

стр. 575

لعلماء الحنفية كلام وجهود في سد هذه الذريعة، وقد سبق شيء من ذلك في إبطال شبهة التعظيم. وقد صرح علماء الحنفية بأن محبة الصالحين إنما هو سلوك طريقهم المستقيم. وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) على المبالغين في تعظيم الصالحين: (إن المبالغة في تعظيم الرسول- ﷺ يحسب ما يراه كل أحد تعظيما: حتى الحج إلى قبره ﷺ ، والسجود له، والطواف به، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين ويفرج المكروبين، وأنه يشفع فيما يشاء* ويدخل الجنة من يشاء* فدعوى المبالغة في هذا التعظيم- مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين) . الذريعة الثالثة: التوجه إلى غير الكعبة بقصد القربة: قال العلامة الخجندي (١٣٧٩هـ) : (والعمل الذي أنتم- أيها المدعون- تعملونه من التوجه إلى القبر النبوي بالتواضع- هو بعينه ما يفعله عباد الأوثان ... ) . وقال: (والتوجه بقصد القربة مخصوص شرعا بالكعبة خاصة؛ فمن

стр. 576

توجه إلى غيرها بقصد القربة، فقد أشرك في عبادة الله تعالى ... ) . وقال: (ولا شك أن التوجه إلى شيء أو إلى جهة بقصد التقرب وحصول الثواب عبادة حق الله خاصة دون غيره؛ وهذا لا يكون إلا إلى الكعبة فقط؛ فمن توجه إلى غير الكعبة بقصد القربة فقد أشرك بعبادة الله غيره، وهذا مناف للإسلام وما جاء به محمد ﷺ ، فقبلة العبادة وقبلة التوجه، وقبلة الفيض والبركة، وقبلة الدعاء- إنما هي الكعبة لا غير في دين الإسلام ... ، فالذي يتوجه إلى القبر، ولو قبر رسول الله ﷺ فقد اتخذه قبلة وكعبة، وذلك عين الشرك الأكبر، وعين عبادة الأوثان) . قلت: لكون التوجه إلى القبور بنية القربة- من وسائل الشرك- صرح علماء الحنفية بأن استقبال القبر الشريف لم يرد عن الصحابة-﵃ بل كانوا يدعون مستقبلين القبلة؛ فعن أبي حنيفة ﵀: أنه كان لا يستقبل القبر بل يستدبر ويستقبل الكعبة وقت الدعاء. الذريعة الرابعة: تعظيم القبور بما لم يرد به الشرع. وهذا هو أم الفتن التي افتتن بها القبورية وارتكبوا تحت ستاره الوثنية،

стр. 577

قال النابلسي (١١٤٣هـ) : من تعظيم الأولياء بناء القبب على قبورهم، والستور والثياب عليها؛ لأنهم أفضل من الكعبة، وكسوة الكعبة أمر مشروع، ومن تعظيم الأولياء إيقاد القناديل والشموع، عند قبورهم، وكذا وضع اليدين على القبور والتماس البركة من مواضع روحانيات الأولياء؛ ومن تعظيمهم نذر الزيت والشمع للأولياء لتوقد عند قبورهم وكذا نذر الدراهم والدنانير للأولياء؛ وأما قول بعض المغرورين: إن هذه الأمور كلها حرام؛ لأنها وسيلة إلى الشرك بالله واعتقاد العوام التصرف في الأولياء- فهذا إهانة للأولياء؛ بل هو كفر صريح مأخوذ من فرعون. إلى آخر ما هذى به هذا الصوفي الوثني الكذاب المضل القبوري الحنفي. وقال الإمام البركوي (٩٨١هـ) مبينا مفاسد هذه الذريعة محققا أن هذه الذريعة أعظم سبب للوثنيين وأصل عبادة الأصنام:-وغيره من الحنفية-: (وأعظم الفتنة بهذه الأنصاب فتنة أصحاب القبور، وهي أصل فتنة عباد الأصنام؛ كما قال السلف من الصحابة والتابعين؛ فإن الشيطان ينصب لهم قبر رجل معظم يعظمه الناس، ثم يجعله وثنا يعبد من دون الله؛

стр. 578

ثم يوحي إلي أوليائه: أن من نهى عن عبادته واتخاذه عيدا وجعله وثنا- وقد تنقصه وهضم حقه؛ فيسعى الجاهلون في قتله وعقوبته، ويكفرونه؛ وما ذنبه إلا أنه أمر بما أمر به الله تعالى ورسوله- ﷺ ، ونهى عما نهى الله ورسوله) . الذريعة الخامسة: زيارة حديثي العهد بالشرك للقبور ولو كانت على السنة. يظهر لي من قواعد الحنفية التي ذكرتها في المبحث السابق: أن الشيء الجائز قد ينهى عنه؛ لما يترتب عليه من المفسدة، ولا شك أن الشخص إذا كان حديث العهد بالخرافات- يجب نهيه عن زيارة القبور مطلقا؛ وقد صرح علماء الحنفية بأن النبي- ﷺ قد نهى المسلمين عن زيارة القبور في بدء الأمر لكونهم حديثي عهدهم بالجاهلية، فكان- ﷺ يخاف عليهم وقوعهم بسبب زيارة القبور في شيء من الشرك أو وسائله؛ فسد هذه الذريعة من أصلها، ونهاهم عن زيارة القبور نهيا باتا؛ ثم لما تمكن التوحيد في قلوبهم وارتفع خشية الوقوع في بدعة أو شرك- أذن لهم في زيارة القبور ولكن مع بيان طريقها المسنونة. قلت: بناء على هذا يمنع القبورية منعا باتا من زيارة القبور حتى

стр. 579

يتوبوا. الذريعة السادسة: زيارة القبور على غير السنة. لعلماء الحنفية جهود كثيرة في أن زيارة القبور على غير السنة من أعظم وسائل الشرك، ومن أعظم طرق الوثنية، ولهم في ذلك تحقيقات نافعة رفعوا بها الأستار عن أسرار القبورية وكشفوا بها عن عوارهم وبينوا أن ذلك القبورية غيروا وبدلوا طريقة الزيارة المسنونة بالزيارة الشركية البدعية. وسيأتي بعض نصوص علماء الحنفية في مبحث زيارة القبور إن شاء الله. الذريعة السابعة: اتخاذ القبور عيدا. لقد عد علماء الحنفية اتخاذ القبور عيدا وانتيابها مرارا وتكرارا لا لأجل التزهيد في الدنيا وتذكير الآخرة والرغبة فيها؛ بل لأجل أمور بدعية، وشركية- ذريعة من أعظم ذرائع الشرك، وقد استدلوا على سدها بقول النبي- ﷺ «لا تجعلوا قبري عيدا» . وذكروا كثيرا من مفاسد هذه الذريعة، كل ذلك لحماية حمى التوحيد وسد ذرائع الشرك.

стр. 580

تنبيه على شبهة والجواب عنها: لقد حرف بعض القبورية حديث: «لا تجعلوا قبري عيدا» إلى أن معناه: " لا تجعلوا قبري مثل العيد الذي يكون في السنة مرة أو مرتين، بل زوروا قبري مرارا وتكرارا كثيرا ودائما ". ولكن علماء الحنفية قد أبطلوا هذا التحريف؛ فقد قال الإمام البركوي (٩٨١هـ) ، والعلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، واللفظ للأول: قال ابن القيم في إغاثته: (لقد حرف هذه الأحاديث بعض من أخذ شبها من النصارى بالشرك، وشبها من اليهود بالتحريف؛ فقال: هذا أمر بملازمة قبره ﵊، والعكوف عنده واعتياده وقصده وانتيابه، ونهي أن يُجعل كالعيد الذي يكون في العام مرة أو مرتين؛ فكأنه قال: " لا تجعلوا قبري بمنزلة العيد الذي يكون من الحول إلى الحول؛ واقصدوه كل وقت وكل ساعة ". وهذا محادة ومناقضة لما قصده رسول الله ﷺ ، وقلب للحقائق؛ ونسبة الرسول إلى التدليس والتلبيس؛ إذ لا ريب أن من أمر الناس بملازمة أمر واعتياده، وكثرة انتيابه بقوله: «لا تجعلوا قبري عيدا» ؛ فهو إلى التلبيس وضد البيان أقرب منه إلى الدلالة والبيان؛ فإن لم يكن هذا تنقيصا، فليس للتنقيص حقيقة فينا؛ ولا شك: أن

стр. 581

ارتكاب كل كبيرة بعد الشرك أسهل إثما وأخف عقوبة من تعاطي مثل ذلك في دينه ﵇ وسنته؛ وهكذا غيرت ديانات الرسل [﵈] ، ولولا أنه تعالى - أقام لدينه الأنصار والأعوان الذابين عنه - لجرى عليه مثل ما جرى على الأديان قبله؛ قال ﵇: «يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» . فإنه ﵇ بين في هذا الحديث: أن الغالين يحرفون ما جاء به، وأن المبطلين ينتحلون: أن باطلهم هو ما كان عليه النبي- ﷺ ، وأن الجاهلين يتأولونه على غير تأويله؛ وفساد الإسلام من هؤلاء الطوائف الثلاث؛ فلو أراد رسول الله- ﷺ -ما قاله هؤلاء الضالون لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، ولم يلعن من فعل ذلك؛ فإنه ﵇ إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها، فكيف يأمر بملازمتها والعكوف عندها؟، وأن يعتاد قصدها وإتيانها؟، ولا تجعل كالعيد الذي يجيء من الحول إلى الحول؛ وكيف يقول: «صلوا عليّ حيثما كنتم» - بعد قوله: «لا تجعلوا قبري»

стр. 582

«عيدا» ؟!!؛ وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء الضالون الذين جمعوا بين الشرك والتحريف؟ ... ) . قلت: هذا النص مشتمل على عدة أجوبة عن تحريفات هؤلاء القبورية الوثنية الجامعة بين الشرك بالله وبين التحريف لدين الله؛ وحاصل هذه الأجوبة ما يلي: ١ - أن هذا الذي قاله هؤلاء الوثنية تحريف محض لهذا الحديث. ٢ - هذا الذي قاله هؤلاء المحرفة يصادم شريعة الإسلام. ٣ - هذا الذي قالوه في تحريف هذا الحديث يفتح باب الوثنية بمصراعيه. ٤ - هذا الذي قاله هؤلاء القبورية يناقض سياق هذا الحديث. ٥ - هذا التحريف ينفيه قوله- ﷺ «وصلوا عليّ حيثما كنتم» ، وهذه الجملة من جملة هذا الحديث. ٦ - هذا الذي قاله هؤلاء الوثنية لم يفهمه أصحاب رسول الله- ﷺ فهل هم أعلم منهم وأفهم بمراد رسول الله- ﷺ ؟؟؟ ٧ - هذا الذي قاله هؤلاء المحرفون يناقض عمل الصحابة ﵃ أجمعين؛ فإنهم لم ينتابوا القبر الشريف على صاحبه أفضل الصلاة وأكمل التسليم. الحاصل: أن جعل القبور أعيادا من أعظم وسائل الشرك، وأنه يجب سد هذه الذريعة حماية لحمى التوحيد وسدّا لباب الوثنية.

стр. 583

الذريعة الثامنة: العكوف على القبور. لقد صرح علماء الحنفية بأن العكوف على القبور من أعظم أسباب الوثنية ومن أبين وثنيات عباد الأوثان وأنه هو السبب الوحيد لنشأة الشرك في قوم نوح ﵇، وبينوا أن القبورية اعتادوا العكوف على القبور كما كان أهل الشرك السابقون يعكفون على تماثيلهم، وذكروا أن عباد القبور وصلوا في الغلو في العكوف على القبور والمجاورة لها إلى أن رجحوه على مجاورة المسجد الحرام، وخدمته، ولهم جهود في الرد على القبورية في هذا الصدد يشكرون عليها. قلت: العكوف على القبور ظاهرة من ظواهر الوثنية، وفي معنى العكوف على القبور المراقبة عندها، والمراقبة عند القبور من أشهر سنن الديوبندية القبورية النقشبندية الماتريدية المجددية الحنفية، حتى التبليغية؛ فهذا إمام الديوبندية الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (١٣٤٦هـ) صاحب " بذل المجهود شرح سنن أبي داود "؛ ومؤلف كتاب " المهند على المفند " ذلكم الكتاب القبوري الوثني الصوفي الخرافي الذي هو عار وشنار على جميع الديوبندية حيث بين حقيقتهم- قد ذهب لزيارة قبر الخواجة معين الدين الجشتي إمام الصوفية الجشتية بمرافقة كبار الديوبندية منهم:

стр. 584

أشرف على التهانوي الملقب عند الديوبندية بـ (حكيم الأمة) المتوفى (١٣٦٢هـ) . ثم جلس للمراقبة أمام القبر واستغرق في المراقبة كأنه أغمي عليه، والناس كانوا يطوفون حول القبر ويسجدون له. قلت: وفي معنى العكوف على القبور- زيارة القبور لأجل حصول الفيوض من القبور. والاستفاضة من القبور من أعظم عقائد القبورية عامة، ومن أهم سنن الديوبندية خاصة؛ فقد نرى كبار أئمة الديوبندية مرضى بهذا الداء العضال الذي هو طريق مستقيم إلى الوثنية؛ وإن كنت في شك من هذا فاستمع لما يقوله هذا

стр. 585

السهارنفوري إمام الديوبندية معبرا عن عقيدة جميع أئمة الديوبندية: (السؤال الحادي عشر: هل يجوز عندكم الاشتغال بأشغال الصوفية، وبيعتهم، وهل تقولون بصحة وصول الفيوض الباطنية عن صدور الأكابر وقبورهم؟؟؟ وهل يستفيد أهل السلوك من روحانية المشائخ الأجلة أم لا؟؟؟؟ الجواب: يستحب عندنا إذا فرغ الإنسان عن تصحيح العقائد، وتحصيل المسائل الضرورية من الشرع: أن يبايع شيخا راسخ القدم في الشريعة، زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة، قد قطع عقبات النفس، وتمرن في المنجيات، وتبتل من المهلكات، كاملا مكملا؛ ويضع يده في يده ويحبس نظره في نظره، ويشتغل باشتغال الصوفية: من الذكر والفكر، والفناء الكلي فيه، ويكتسب النسبة التي هي النعمة العظمى، والغنيمة الكبرى، وهي المعبر عنها بلسان الشرع: " الإحسان " ... ؛ وبحمد الله تعالى وحسن إنعامه نحن ومشائخنا قد دخلوا في بيعتهم واشتغلوا بأشغالهم، وتصدوا للإرشاد والتلقين- والحمد لله على ذلك-، وأما الاستعانة من روحانية المشائخ الأجلة، ووصول الفيوض

стр. 586

الباطنية من صدورهم وقبورهم؛ فيصح على الطريقة المعروفة في أهلها وخواصها، لا بما هو شائع في العوام) . ولإمام آخر للديوبندية الملقب عندهم بشيخ الإسلام (١٣٧٧هـ) ألا وهو الشيخ حسين أحمد مؤلف " الشهاب الثاقب " و " نقش الحياة " ذينكم الكتابين القبوريين الوثنيين الصوفيين الخرافيين- كلام أشد ضررا وفسادا من كلام إمامه السابق السهارنفوري (١٣٤٦هـ) ، فهو يقول جهارا كاشفا عن حقيقته وحقيقة الديوبندية؛ مقارنا بين الوهابية وبين الديوبندية متبرئا من عقائد الوهابية: (إن الوهابية يعدون الأشغال الباطنية، والأعمال الصوفية، والمراقبة، والذكر والفكر والإرادة والمشيخة، وربط القلب بالشيخ، والفناء والبقاء، والخلوة، وغيرها- من اللغو والباطل والبدعة، والضلالة، ويرون أقوال أكابر الصوفية وأفعالهم- من الشرك، كما يرون الانسلاك في هذه السلاسل مكروها ومستقبحا؛ بل يعدون ذلك أشد من هذا؛ ومن ذهب إلى الديار النجدية وخالط هؤلاء، يعلم ذلك منهم، والفيوض الروحية ليس بشيء عندهم، وبعكس هؤلاء الوهابية لو نظرت إلى أصول أكابر الديوبندية علمت: أن جميعهم كانوا منسلكين في طرق الصوفية الباطنية، والرياضة،

стр. 587

ودوام الفكر، والذكر، وهذا كله من شعارهم) إلى آخر ما شهد عليهم به لسانا وبيانا وبنانا. وقد تقدم الشيخ أنور شاه في حصول الفيوض من القبور، وهو من أعظم أئمة الديوبند كما سبق ذلك كله. الحاصل: أن هذه الظواهر من العكوف بالقبور، والمراقبة عندها وحصول الفيوض من القبور كلها ظواهر القبورية وهي وسائل الوثنية السافرة، فيجب سدها حماية لحمى التوحيد؛ ولئلا يتذرع بها إلى الشرك بالله ؛ وقد سبق أن فلاسفة اليونان تلامذة أرسطو - كانوا إذا وقعوا في مشكلة فلسفية- لجأوا إلى قبر شيخهم أرسطو لحصول الفيض من قبره؛ فظهر أن ظاهرة حصول الفيوض من القبور من ميراث هؤلاء الفلاسفة اليونانية الوثنية، ولذا اعترف الشاه أنور شاه الكشميري أحد أئمة الديوبندية (١٣٥٢هـ) بأن الاستفاضة من القبور لم تثبت عند المحدثين، ولكنها جائزة؛ لأنها ثابتة عند الصوفية. الذريعة التاسعة: الصلاة إلى القبور، أو عند القبور. لعلماء الحنفية جهود قيمة وبحوث محققة في تحقيق أن الصلاة إلى القبور من أعظم أسباب الوثنية، وقد صرحوا بوجوب سد هذه الذريعة، حماية لحمى التوحيد؛ ولئلا يتذرع بها إلى عبادة غير الله ، وقد

стр. 588

ذكروا في هذا الباب تلك الأحاديث الصحيحة التي تنهى عن الصلاة إلى القبور، واستدلوا بها على منع الصلاة إلى القبور ووجوب سد هذه الذريعة. وقد حذر علماء الحنفية من الصلاة عند القبور أو إلى القبور، ومن كل ما يتذرع به إلى الشرك؛ وعللوا ذلك بأن الشرك بالقبور المعظمة للرجال المعظمين أقرب إلى القلوب، وأسرع إلى النفوس من الشرك بالأحجار والأشجار. وقد استدل علماء الحنفية بحديث أبي مرثد الغنوي ﵁ مرفوعا: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» . على النهي عن جميع ما ذكروه حماية لحمى التوحيد وسدّا لذرائع الشرك. الذريعة العاشرة: الدعاء عند القبور. لقد حقق علماء الحنفية أن زيارة القبور لأجل الدعاء عندها من

стр. 589

أعظم- ذرائع الشرك بالله ومن أعظم وسائل عبادة غير الله وطريق إلى الوثنية، وسبيل إلى جعل القبور أعيادا للمذنبين والمكروبين، فإن الشيطان يستدرج بابن آدم؛ فيزين له أن الدعاء عند القبور أقرب إلى الإجابة؛ ثم يستدرجه إلى نداء الأموات، والاستغاثة بهم عند الكربات، فلم يشرع الدعاء عند القبور؛ ولم يرد عن أحد من السلف أنه أتى إلى قبر نبي أو ولي لأجل الدعاء عنده، ولم يثبت أن الصحابة- ﵃ أجمعين- يقصدون قبر النبي- ﷺ للدعاء عنده؛ بل لم يشرع النبي- ﷺ قط لأمته: أنه إذا كان لأحد حاجة أن يقصد قبر نبي أو ولي؛ فيدعو عنده لنفسه، على ظن: أن الدعاء عند قبره يجاب؛ بل كل هذه من وسائل الشرك التي يجب سدها، والتحذير منها، حماية لحمى التوحيد؛ ولئلا يتذرع بها إلى الشرك بالله، وعبادة غير الله تعالى، ولذلك صرح الإمام أبو حنيفة: بأن لا يستقبل القبر عند الدعاء؛ بل يستقبل القبلة؛ ولكن القبورية خالفوا ذلك كله، فتراهم أعظم خشوعا وأكثر خوفا وأشد عبادة وتضرعا وقت الدعاء عند القبور منهم لخالق البريات في المساجد والسحر وغيره من الأوقات، فإن السنة الثابتة في زيارة القبور هي الزيارة لقصد التزهد في الدنيا وتذكر الآخرة، والاستغفار للميت، والدعاء له، ولكن أهل البدع غيروا الدين فبدلوا الدعاء للميت والإحسان إليه بدعائه نفسه أو الدعاء والاستشفاع به.

стр. 590

وبهذا كله تبين بطلان زعم القبورية عامة، والداجوي الديوبندي خاصة: أن السؤال عند قبور الصالحين ثابت متوارث. نعم ثابت متوارث ولكن عند الوثنية فقط، كما تبين بطلان زعم الديوبندية: أن المختار أن يستقبل الزائر القبر عند الدعاء. الذريعة الحادية عشرة: اتخاذ القبور مساجد. لقد حقق علماء الحنفية: أن اتخاذ القبور مساجد من أعظم وسائل الوثنية، وأنه من أصول الشرك بالله ، وأنه من أبين صنائع اليهود والنصارى- الملعونين، وأنه موجب للعنة الله تعالى والطرد من رحمته ، وقد ذكر علماء الحنفية عدة أحاديث في التحذير من ذلك ولعن فاعله، وقالوا: إن النبي- ﷺ قد حسم هذه المادة التي هي من أعظم ذرائع الشرك بلعن فاعلها والتحذير منها؛ حماية لحمى التوحيد ودرءا للمفاسد وسدّا لذرائع الشرك؛ وقد بين علماء الحنفية أيضا: أن معنى اتخاذ القبور مساجد: هو بناء المساجد عليها، أو بناء المساجد بجوارها أو عندها، أو جعل القبور مساجد بحيث يسجد إليها

стр. 591

وتجعل أوثانا تعبد من دون الله، كل ذلك داخل في اللعن والوعيد كما صرحوا بوجوب هدم تلك المساجد المبنية على القبور؛ لأنها أشد ضررا ومفسدة من مسجد الضرار، ولعلماء الحنفية جهود في كشف أسرار القبورية وبيان مفاسد اتخاذ القبور مساجد، وقلع شبهاتهم وقمعهم وكسر جموعهم. وبهذه التحقيقات قد قضى على تمويهات الكوثري (١٣٧١هـ) ، في الدعوة إلى الوثنية بمقالته الفاجرة الماكرة بعنوان: " بناء المساجد على القبور والصلاة إليها ". كما قضى على تلبيسات صديقه وخليطه في كثير من بدعه ذلكم الغماري الصوفي القبوري الخرافي (١٣٨٠هـ) في كتابه الوثني: " إحياء

стр. 592

المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور ". كما قطع دابر شقيقه؛ وقلع تدليساته في كتيبه: " إعلام الراكع الساجد بمعنى اتخاذ القبور مساجد ". الذريعة الثانية عشرة: البناء على القبور. هذه الذريعة أعم من السابقة؛ بأنها تشمل بناء المساجد على القبور

стр. 593

والقباب عليها، وغيرها؛ كتجصيصها ورفعها عن حدها ونحو ذلك. ولقد حذر علماء الحنفية من البناء على القبور وصرحوا بأنه من أعظم وسائل الشرك والوثنية، وحققوا أنه من سنن اليهود والنصارى والمشركين، وأن إنفاق الأموال على ذلك إنفاق في الحرام، وصرحوا بوجوب هدم ما بني على القبور من المساجد أو غيرها من القباب ونحوها؛ فإنها أضر من مسجد الضرار، وقاموا بالرد على شبهات القبورية وقلعها وقمع أهلها، وبينوا مفاسد ذلك وعواقبها الوخيمة الوثنية وهتكوا أستارهم، وكشفوا أسرارهم، وساقوا كثيرا من الأحاديث الصحيحة في ذلك، واستدلوا بها على تحريمه ووجوب هدمه- كل ذلك حماية لحمى التوحيد وسدّا لذرائع الشرك؛ فشكر الله سعيهم ولله درهم. وهذه المباحث القيمة التي فيها قرة عيون للموحدين وشجى في قلوب الوثنيين- قضاء على كتاب " إحياء المقبور من أدلة بناء المساجد والقباب على القبور " للغماري المذكور خاصة ومزاعم الوثنية عامة. وللتفصيل موضع آخر.

стр. 594

الذريعة الثالثة عشر: إيقاد السرج على القبور: لقد شدد علماء الحنفية النكير على القبورية في إيقاد الشموع والسرج على القبور وصرحوا بأن فاعل ذلك ملعون مطرود من رحمة الله تعالى؛ لأنه من أعظم وسائل الشرك بالله تعالى، ودعوة إلى عبادة غير الله واستدلوا على ذلك بما ورد من النهي عنه؛ فصرحوا بوجوب سد هذه الذريعة حماية لحمى التوحيد، وسدّا لذرائع الشرك. فللحنفية في هذا الصدد كلام هو قرة عيون للموحدين* وسخنة أعين للقبورية الوثنيين*. وبذلك بطلت مزاعم القبورية كلها في إيقاد السرج والشموع على القبور للتبرك والتعظيم لروح الميت المشرقة على تراب جسده كإشراق الشمس على الأرض، إعلاما للناس: أنه ولي ليتبركوا به، ويدعوا الله عنده، فيستجاب لهم. لأن هذا الإعلام دعوة سافرة إلى الوثنية سبحان قاسم العقول! فقد قال الشيخان: عبد القادر الأرناؤطي وبشير بن محمد عيون - وهما من الحنفية- في شرح حديث «لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور»

стр. 595

«والمتخذين عليها المساجد والسرج» : (إن إيقاد السرج على القبور وثنية لا يرضاها الإسلام) . الذريعة الرابعة عشرة: الكتابة على القبور: لقد صرح علماء الحنفية بمنع الكتابة على القبور وكتابة الألواح عليها، واستدلوا على ذلك بما ورد من النهي عنها. لأن ذلك تزيين للقبور وفيه مخافة أن يكون وسيلة إلى تعظيم القبور بما لم يرد في الشرع فيفضي إلى الشرك. الذريعة الخامسة عشرة: كل ما لم يعهد في السنة عند القبور.

стр. 596

لقد صرح علماء الحنفية بالمنع من ارتكاب كل ما لم يعهد في السنة عند القبور. سواء كان ذلك من قبيل الأقوال أو من باب الأفعال، فلا يجوز ارتكابه عند زيارة القبور؛ لأنه داخل في " الهجر ". وإنما تزار القبور وفق السنة النبوية على صاحبها ألف ألف تحية وتسليم؛ كل ذلك حماية لحمى التوحيد وسدّا لجميع وسائل الشرك، الذريعة السادسة عشرة: الحج إلى القبور. هذه من أعظم ظواهر الوثنية؛ ويعبر عنها بالسفر إلى القبور، وشد الرحال إليها. لعلماء الحنفية جهود في تحقيق أن الحج إلى القبور وشد الرحال إليها من وثنيات المشركين السابقين؛ وحققوا: أنه يجب سد هذه الذريعة حماية لحمى التوحيد؛ ولئلا يتذرع بها إلى الوثنية. ويما يلي نصوص علماء الحنفية إتماما للحجة وإيضاحا للمحجة: ١ - قال الإمام البركوي (٩٨١هـ) مبينا مفاسد اتخاذ القبور مساجد وأعيادا: (ومنها السفر إليها مع التعب الأليم والإثم العظيم؛ فإن جمهور العلماء قالوا:

стр. 597

السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة؛ لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر بها رسول رب العالمين، ولا أستحبها أحد من أئمة المسلمين فمن اعتقد ذلك قربة وطاعة- فقد خالف الإجماع، ولو سافر إليها بذلك الاعتقاد - يحرم بإجماع المسلمين؛ فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة؛ ومعلوم؛ أن أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك؛ وقد ثبت في الصحيحين أنه ﵇ قال: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» ... ) . ٢ -٣- وله وللإمام أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) كلام في غاية الأهمية سيأتي نصه. ٤ - وقال الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) مبينا أنواع الشرك: (ومنها الحج لغير الله، وذلك أن يقصد مواضع متبركة مختصة بشركائهم،

стр. 598

يكون الحلول بها تقربا من هؤلاء؛ فنهى الشرع عن ذلك؛ وقال النبي- ﷺ : «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ... ) . ٥ - وله كلام مهم جدّا سيأتي نصه قريبا إن شاء الله تعالى. ٦ - وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٣هـ) : (إن بعض غلاة القبورية يحج إلى القبور، وإن بعضهم ذهب للحج ولكن كان منتهى قصده قبر النبي- ﷺ ؛ فلم يذهب إلى الكعبة، ومثله عند النبهاني وأمثاله أفضل من الحاج، ويعد عمله من الفضائل؛ وقد أفضى ببعض أئمة القبورية إلى أن قال: البيوت المحجوبة ثلاثة: الكعبة، وبيت المقدس، والصنم في الهند؛ وبعض القبورية يعرف عند مقابر الشيوخ كما يفعل بعرفة وهذا واقع في المغرب والمشرق) . ٧ -١١- وقال الإمامان: البركوي (٩٨١هـ) ، والرومي (١٠٤٣هـ) ، والشيخان: الهندي والسورتي؛ واللفظ للأولين: (وقد آل الأمر بهؤلاء الضالين المضلين، إلى أن شرعوا للقبور حجا وصنفوا لها مناسك؛ حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا وسماه: " مناسك حج المشاهد "؛ مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام؛ ولا يخفى: أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد

стр. 599

الأصنام؛ فانظر إلى ما بين ما شرعه النبي- ﵇: من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وما قصدوه: من التباين؛ ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره) ، ثم ذكروا بعض تلك المفاسد الوثنية. قلت: لقد تبين بهذه التحقيقات لهؤلاء العلماء من الحنفية العارفين- حقيقة القبورية من أنهم وثنية وبطلان جميع مزاعم الديوبندية القبورية في الحج إلى القبور، ولا سيما في الحج إلى قبر النبي- ﷺ : فإن هؤلاء الديوبندية قد صرحوا جهارا دون إسرار: بأن زيارة قبر سيد المرسلين عندنا وعند مشائخنا من أعظم القربات *؛ وأهم المثوبات وأنجح لنيل الدرجات قريبة من الواجبات*؛ وإن كانت بشد الرحال* وبذل المهج والأموال* والزائر ينوي وقت الارتحال زيارة قبره ﵇، وينوي معها زيارة مسجده ﷺ ؛ بل الأولى ما قاله العلامة ابن الهمام:

стр. 600

إن الزائر يجرد النية لزيارة قبره- ﷺ وتكون زيارة المسجد تبعا لزيارة القبر الشريف، زيادة لتعظيمه- ﷺ ، وكذا نقل عن العارف السامي الجامي. أنه أفرز الزيارة عن الحج، وهو أقرب إلى مذهب المحبين؛ وأما ما قالت الوهابية: من أن المسافر إلى المدينة لا ينوي إلا زيارة المسجد؛ استدلالا بحديث «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» فمردود؛ فإن البقعة الشريفة التي ضمت أعضاءه- ﷺ أفضل من الكعبة والعرش والكرسي؛ كما صرح به فقهاؤنا ﵃؛ وقد صرح بهذه المسألة شيخنا العلامة شمس العلماء العاملين مولانا رشيد أحمد الجنجوهي - قدس الله سره- العزيز في رسالته " زبدة
следующие страницы →