← Акыда

Акыда · id 8594

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية

شمس الدين الأفغاني

Полный текст (1 553 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

لقد صرح علماء الحنفية بالمنع من ارتكاب كل ما لم يعهد في السنة عند القبور. سواء كان ذلك من قبيل الأقوال أو من باب الأفعال، فلا يجوز ارتكابه عند زيارة القبور؛ لأنه داخل في " الهجر ". وإنما تزار القبور وفق السنة النبوية على صاحبها ألف ألف تحية وتسليم؛ كل ذلك حماية لحمى التوحيد وسدّا لجميع وسائل الشرك، الذريعة السادسة عشرة: الحج إلى القبور. هذه من أعظم ظواهر الوثنية؛ ويعبر عنها بالسفر إلى القبور، وشد الرحال إليها. لعلماء الحنفية جهود في تحقيق أن الحج إلى القبور وشد الرحال إليها من وثنيات المشركين السابقين؛ وحققوا: أنه يجب سد هذه الذريعة حماية لحمى التوحيد؛ ولئلا يتذرع بها إلى الوثنية. ويما يلي نصوص علماء الحنفية إتماما للحجة وإيضاحا للمحجة: ١ - قال الإمام البركوي (٩٨١هـ) مبينا مفاسد اتخاذ القبور مساجد وأعيادا: (ومنها السفر إليها مع التعب الأليم والإثم العظيم؛ فإن جمهور العلماء قالوا:

стр. 597

السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة؛ لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر بها رسول رب العالمين، ولا أستحبها أحد من أئمة المسلمين فمن اعتقد ذلك قربة وطاعة- فقد خالف الإجماع، ولو سافر إليها بذلك الاعتقاد - يحرم بإجماع المسلمين؛ فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة؛ ومعلوم؛ أن أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك؛ وقد ثبت في الصحيحين أنه ﵇ قال: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» ... ) . ٢ -٣- وله وللإمام أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) كلام في غاية الأهمية سيأتي نصه. ٤ - وقال الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) مبينا أنواع الشرك: (ومنها الحج لغير الله، وذلك أن يقصد مواضع متبركة مختصة بشركائهم،

стр. 598

يكون الحلول بها تقربا من هؤلاء؛ فنهى الشرع عن ذلك؛ وقال النبي- ﷺ : «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ... ) . ٥ - وله كلام مهم جدّا سيأتي نصه قريبا إن شاء الله تعالى. ٦ - وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٣هـ) : (إن بعض غلاة القبورية يحج إلى القبور، وإن بعضهم ذهب للحج ولكن كان منتهى قصده قبر النبي- ﷺ ؛ فلم يذهب إلى الكعبة، ومثله عند النبهاني وأمثاله أفضل من الحاج، ويعد عمله من الفضائل؛ وقد أفضى ببعض أئمة القبورية إلى أن قال: البيوت المحجوبة ثلاثة: الكعبة، وبيت المقدس، والصنم في الهند؛ وبعض القبورية يعرف عند مقابر الشيوخ كما يفعل بعرفة وهذا واقع في المغرب والمشرق) . ٧ -١١- وقال الإمامان: البركوي (٩٨١هـ) ، والرومي (١٠٤٣هـ) ، والشيخان: الهندي والسورتي؛ واللفظ للأولين: (وقد آل الأمر بهؤلاء الضالين المضلين، إلى أن شرعوا للقبور حجا وصنفوا لها مناسك؛ حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا وسماه: " مناسك حج المشاهد "؛ مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام؛ ولا يخفى: أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد

стр. 599

الأصنام؛ فانظر إلى ما بين ما شرعه النبي- ﵇: من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وما قصدوه: من التباين؛ ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره) ، ثم ذكروا بعض تلك المفاسد الوثنية. قلت: لقد تبين بهذه التحقيقات لهؤلاء العلماء من الحنفية العارفين- حقيقة القبورية من أنهم وثنية وبطلان جميع مزاعم الديوبندية القبورية في الحج إلى القبور، ولا سيما في الحج إلى قبر النبي- ﷺ : فإن هؤلاء الديوبندية قد صرحوا جهارا دون إسرار: بأن زيارة قبر سيد المرسلين عندنا وعند مشائخنا من أعظم القربات *؛ وأهم المثوبات وأنجح لنيل الدرجات قريبة من الواجبات*؛ وإن كانت بشد الرحال* وبذل المهج والأموال* والزائر ينوي وقت الارتحال زيارة قبره ﵇، وينوي معها زيارة مسجده ﷺ ؛ بل الأولى ما قاله العلامة ابن الهمام:

стр. 600

إن الزائر يجرد النية لزيارة قبره- ﷺ وتكون زيارة المسجد تبعا لزيارة القبر الشريف، زيادة لتعظيمه- ﷺ ، وكذا نقل عن العارف السامي الجامي. أنه أفرز الزيارة عن الحج، وهو أقرب إلى مذهب المحبين؛ وأما ما قالت الوهابية: من أن المسافر إلى المدينة لا ينوي إلا زيارة المسجد؛ استدلالا بحديث «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» فمردود؛ فإن البقعة الشريفة التي ضمت أعضاءه- ﷺ أفضل من الكعبة والعرش والكرسي؛ كما صرح به فقهاؤنا ﵃؛ وقد صرح بهذه المسألة شيخنا العلامة شمس العلماء العاملين مولانا رشيد أحمد الجنجوهي - قدس الله سره- العزيز في رسالته " زبدة

стр. 601

المناسك "، ولشيخ مشائخنا مولانا المفتي صدر الدين الدهلوي قدس الله سره العزيز، رسالة سماها " أحسن المقال في شرح حديث لا تشدوا الرحال "، أقام فيها الطامة الكبرى على الوهابية، ومن وافقهم؛ وأتى ببراهين قاطعة وحجج ساطعة طبعت واشتهرت، إلى آخر ما قالوه بدون حياء مستندين في ذلك إلى ما ذكروه من أحاديث واهية باطلة ضعيفة في الزيارة واحتجوا بها، وقالوا: إن الوهابية لا يعتمدون على هذه الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي ﷺ ؛ بل خالفوها وحكموا عليها بأنها موضوعة وضعيفة. قلت: أترك المجال للذين بغيتهم الإنصاف* وضالتهم الحق دون العاطفة والتعصب والاعتساف*- أن يحكموا على هؤلاء الديوبندية الصوفية النقشبندية الماتريدية! هل هؤلاء الديوبندية سنية سلفية * أم هم مبتدعة قبورية

стр. 602

خرافية*؟!؟ مع العلم بأن كثيرا من علماء الحنفية قد قاموا بإبطال تلك الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي- ﷺ ، وحكموا عليها بأنها باطلة موضوعة* فاسدة عاطلة مصنوعة*. الذريعة السابعة عشرة: السفر إلى آثار الصالحين للتبرك بها. لقد حذر علماء الحنفية من السفر إلى آثار الصالحين للتبرك بها سواء كان قبرا أو مسجدا غير المساجد الثلاثة، أو محلا لعبادة ولي من الأولياء، أو الطور أو شجرا أو حجرا أو نحو ذلك؛ فإن هذا من عادات أهل الجاهلية الوثنية، فيجب الامتناع منه سدّا لذرائع الشر وحماية لحمى التوحيد. وفيما يلي بعض نصوص علماء الحنفية: ١ - قال الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) : (قوله- ﷺ : «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» . أقول: كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم، يزورونها ويتبركون بها؛ وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى؛ فسدّ النبي- ﷺ الفساد؛ لئلا يلتحق غير الشعائر بالشعائر؛ ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله تعالى؛ والحق عندي: أن القبر، ومحل عبادة ولي من أولياء الله والطور كل ذلك سواء في النهي والله أعلم) . ٢ -٣- وقال الإمام البركوي - رحمه الله تعالى- (٩٨١هـ) ، والإمام

стр. 603

ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) ، واللفظ للأول: (وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير، كما روى غير واحد عن المعرور بن سويد أنه قال: صليت مع عمر بن الخطاب ﵁ في طريق مكة، صلاة الصبح فقرأ فيها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ ؛ ثم رأى الناس يذهبون مذاهب؛ فقال أين يذهب هؤلاء؟؛ فقيل: يا أمير المؤمنين! مسجد فيه صلى رسول الله- ﷺ ؛ فهم يصلون فيه؛ فقال: " إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا؛ كانوا يتبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبيعا فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يتعمدها " ... ) . وقد صرح الإمام البركوي (٩٨١هـ) والإمام أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) ، والشيخان: سبحان بخش الهندي وإبراهيم السورتي،

стр. 604

وغيرهم من الحنفية بقطع كل شجرة وسدرة وإزالة كل حائط أو حجر ينتاب إليها الناس للتقرب والتبرك، حسما لمادة الفساد، وحماية لحمى التوحيد. الذريعة الثامنة عشرة: ربط الخيط أو التميمة ونحوها لدفع الحمى أو نحوه: لقد صرح علماء الحنفية بمنع ربط الخيط للحمى مثلا في العضد، وشدوا النكير على ذلك، قلت: إنه يجر إلى الشرك فما ظنك بما هو أعظم وسيلة إلى الشرك؟ قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : (وقد اشتهر عنه ﷺ : أنه منع من تعليق الأوتار، والتمائم وأمر بقطعها ... ، حسما لمادة الشرك، وقطعا لوسائله، وسدّا لذرائعه، وحماية للتوحيد، وصيانة لجانبه ... ) إلى آخر كلامه المهم. الذريعة التاسعة عشرة: التبرك بكل ما لم يرد التبرك به. لقد صرح علماء الحنفية بأنه يجب إزالة كل ما يسبب الفتنة، والشرك من قبر نُصِب وعُبد، أو شجر أو حجر، والمساجد المبنية على القبور،

стр. 605

وقنديل، أو سراج أو شمع على القبور، أو خرقة، أو مسمار، أو حائط، أو عين، أو عمود ونحوها؛ فالواجب هدم هذه كلها وإزالة أثرها والمبادرة إلى محوها لأنها يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء بها، والتبرك بها؛ وإن الفتنة قد عظمت بها واشتدت بها البلوى؛ إذ هي مبنية على معصية الله ورسوله- ﷺ وهي سبب للعن الله تعالى والطرد من رحمته، فهي من الكبائر، إذ هي أعظم شرا ومفسدة من مسجد الضرار، كل ذلك حماية لحمى التوحيد، وسدّا لذرائع الشرك؛ لئلا تصير هذه الأشياء أوثانا تعبد من دون الله، كما هو الواقع. وقال الإمامان: الإمام البركوي (٩٨١هـ) ، والرومي (١٠٤٣هـ) ، والشيخان: الهندي والسورتي، واللفظ للأول: (ومن عظيم كيده (أي: الشيطان) ما نصبه للناس من الأنصاب والأزلام التي هي رجس من عمل الشيطان، وقد أمر الله المؤمنين باجتنابه وعلق فلاحهم بذلك الاجتناب فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] . فالأنصاب جمع نصب بضمتين أو بالفتح والسكون؛ وهو كل ما نُصِبَ وَعُبدَ من دون الله: من شجر أو حجر، أو وثن أو قبر، قال مجاهد وقتادة وابن جريج: " كان حول البيت أحجار، وكان أهل الجاهلية يعظمون تلك الأحجار ويعبدونها ويذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها وهي ليست

стр. 606

بأصنام، وإنما الصنم ما يصور وينقش ". وأصل اللفظ: الشيء المنصوب الذي يقصده من رآه؛ فمن الأنصاب: ما نصبه الشيطان للناس من شجرة أو عمود، أو قبر أو غير ذلك؛ فالواجب هدم ذلك كله ومحو أثره، ثم ذكروا أن عمر ﵁ قطع شجرة الرضوان) . ثم قالوا: (فما حكمه فيما عداها من هذه الأنصاب التي قد عظمت الفتنة بها واشتدت البلية بسببها؛ وأبلغ من ذلك أنه ﵇ هدم مسجد الضرار، ففي هذا دليل على هدم ما هو أعظم فسادا؛ كالمساجد المبنية على القبور، فإن حكم الإسلام فيها: أن تهدم كلها حتى تسوى بالأرض وكذلك القباب التي بنيت على القبور يجب هدمها لأنها أسست على معصية الرسول- ﷺ ؛ وكل بناء أسس على معصيته ومخالفته فهو أولى بالهدم من مسجد الضرار؛ لأنه ﵇ نهى عن البناء على القبور ولعن المتخذين عليها المساجد؛

стр. 607

وأمر بهدم القبور المشرفة، وتسويتها بالأرض. فيجب المبادرة والمسارعة إلى هدم ما نهى عنه ورسوله- ﷺ ولعن فاعله؛ وكذلك يجب إزالة كل قنديل وسراج، وشمع أوقدت على القبور؛ فإن فاعل ذلك ملعون بلعنة رسول الله- ﷺ ؛ والله يقيم لدينه ولسنة رسوله- ﷺ من ينصرهما ويذب عنهما؛ قال الإمام أبو بكر الطرطوشي: " انظروا رحمكم الله تعالى! أينما وجدتم سدرة أو شجرة، يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامر، والخرق فهي ذات أنواط، فاقطعوها ". وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة - في كتاب " الحوادث والبدع ":

стр. 608

" ومن هذا القسم أيضا: ما قد عم به الابتلاء من تزيين الشيطان للعامة تخليق بعض الحيطان، والعمد، شرح مواضع مخصوصة من كل بلد يحكي لهم حاك: أنه رأى في منامه بها أحد ممن شهر بالصلاح، والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه؛ مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، ويظنون: أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها؛ وهي بين شجر، وحجر، وحائط، وعين "؛ يقولون: إن هذا الشجر وهذا الحجر، وهذا العين يقبل النذر أي العبادة من دون الله؛ فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له ويتمسحون بذلك النصب ويستحلونه) . الذريعة العشرون: التبرك بمقام إبراهيم: قال الإمامان: البركوي (٩٨١هـ) ، والرومي (١٠٤٣هـ) ، والشيخان: الهندي والسورتي، واللفظ للأول: (ولقد أنكر السلف التمسح بحجر المقام الذي أمر الله تعالى أن يتخذ منه مصلى، كما ذكر الأزرقي في كتاب مكة عن قتادة في قوله

стр. 609

تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ؛ قال: " إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا أن يمسحوه "، بل اتفق العلماء على أن لا يستلم ولا يقبل إلا الحجر الأسود؛ وأما الركن اليماني فالصحيح أنه يستلم ولا يقبل) . قلت: فيه عبرة للقبورية ولا سيما الديوبندية. الذريعة الحادية والعشرون: التبرك بالحجر الأسود. لقد صرح الإمام الشاه ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) الذي عظمته الديوبندية إلى حد قالوا فيه: " حجة الله على العالمين "- بأن قول عمر بن الخطاب ﵁: " إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله- ﷺ قبلك ما قبلتك ". دليل على أن الحجر الأسود إذا لا ينفع ولا يضر، وأن تقبيله على

стр. 610

خلاف القياس لمجرد التعبد لله ، لا لأجل التبرك به؛ فما ظنك بأحجار القبور وأشجارها؛ فلا يقاس عليه تقبيل غيره من الأحجار والأشجار، وفي كلام عمر ﵁ إشارة إلى أن تقبيل الحجر لأجل الخوف والطمع والتعظيم فيه خوف الوقوع في الشرك؛ فلهذا نبه الناس بأنه لا يضر ولا ينفع وهذا دليل على أن الصحابة كانوا يهتمون بأمر التوحيد وحماية حماة وسد ذرائع الشرك. وقال الإمام البدر العيني (٨٥٥هـ) ، والقاري (١٠١٤هـ) ، في شرح هذا الأثر، واللفظ للأول: (إنما قال ذلك؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام؛ فخشي عمر ﵁: أنه يظن الجهال بأن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله؛ فأراد عمر أن يعلم: أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم الله ، والوقوف عند أمر نبيه ﷺ ؛ وأن ذلك من شعائر الحج التي أمر الله تعالى بتعظيمها، وأن استلامه مخالف لفعل الجاهلية في عبادتهم الأصنام؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى؛ فنبه عمر على مخالفة هذا الاعقتاد، وأنه لا ينبغي أن يعبد إلا من يملك الضر والنفع، وهو الله تعالى ﷻ . قلت: إذا لا يجوز تقبيل الحجر الأسود، واستلامه والتمسح به؛ لأجل التبرك به والاستشفاء به - فكيف يجوز التبرك بالقبور وأحجارها وأشجارها وخرقها وزيوتها، وشموعها ونحوها،؟؟ وفي ذلك عبرة للقبورية عامة والديوبندية التبليغية خاصة.!؟! فلو كان التبرك بهذه الأشياء جائزا لكان الحجر الأسود أولى وأحرى

стр. 611

وأليق؛ لأنه مسته أيدي الأنبياء والمرسلين* والصحابة والتابعين* والأولياء والصالحين* الذريعة الثانية والعشرون: التبرك بشجرة تشبه شجرة أهل الشرك. لقد صرح علماء الحنفية بمنع التعلق بشجرة تشبه شجرة المشركين ولو كان هذا التشبه في الاسم، فضلا عن التبرك بها، والعكوف عليها؛ فإن ذلك يتسبب إلى الوثنية، وقد استدلوا على سد مثل هذه الذريعة بحديث ذات أنواط؛ فقد قال الإمامان: البركوي (٩٨١هـ) ، وأحمد الرومي (١٠٤٣هـ) والشيخان: الهندي، والسورتي: (بل قد أنكر رسول الله- ﷺ على الصحابة لما سألوه: أن يجعل لهم شجرة يعلقون عليها أسلحتهم، وأمتعتهم بخصوصها كما رواه البخاري في صحيحه: عن أبي واقد الليثي أنه قال: «خرجنا مع رسول الله- ﷺ قبل حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم، وأمتعتهم، يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي- ﷺ : " الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ " [الأعراف: ١٣٨] ، ثم قال: " إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم "» ؛

стр. 612

فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة، والعكوف حولها- اتخاذ إله مع الله! مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها شيئا- فما الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء عنده، ودعاء صاحبه، والدعاء به؛ فمن له خبرة بما بعث الله به رسوله- ﷺ وبما عليه أهل البدع والضلال اليوم في هذا الباب- علم أن بين السلف، وبين هؤلاء الخلوف من البعد: أبعد ما

стр. 613

بين المشرق والمغرب) . (فما الظن بغيرها مما يقصده الناس: من شجر، أو حجر، أو قبر، ويعظمونه، ويرجون منه الشفاء، ويقولون: إن هذا الشجر، أو هذا الحجر، أو هذا القبر، يقبل النذر الذي هو عبادة وقربة، ويتمسحون بذلك النصب ويستلمونه) . ولعلماء الحنفية نصوص أخرى في الاستدلال بحديث ذات أنواط صرحوا فيها بوجوب قطع كل وسيلة يتذرع بها إلى الشرك ويتبرك بها، وفي ذلك عبرة للقبورية عامة، ونكال للديوبندية المتبركين بكثير مما لم ينزل به الله سلطانا، وقد اعترف القضاعي أحد أئمة القبورية بمفسدة شجرة الرضوان وقطع كل وسيلة شركية. الذريعة الثالثة والعشرون: التبرك بشجرة ذات حادث معظم كشجرة الرضوان ونحوها. قال الأئمة الثلاثة: البركوي (٩٨١هـ) ، وأحمد الرومي (١٠٤٣هـ) والشاة ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) ، والشيوخ الثلاثة، سبحان بخش

стр. 614

الهندي، وإبراهيم السورتي، ومحمد علي المظفري، واللفظ للثاني: (فالأنصاب ... ، كل ما نصب وعبد من دون الله تعالى: من شجر أو حجر، أو قبر، أو غير ذلك، والواجب هدم ذلك كله ومحو شره؛ كما " أن عمر ﵁ لما بلغه أن الناس يتناولون الشجر التي بويع تحتها بالنبي- ﵇ أرسل إليها فقطعها "؛ فإذا كان عمر فعل هذا بالشجر التي بايع الصحابة رسول الله-﵇ وذكر الله سبحانه في القرآن حيث قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] ، [فماذا] يكون حكمه فيما عداها من هذه الأنصاب التي قد عظمت الفتنة بها، واشتدت البلوى بسببها ... ) .

стр. 615

قلت: هذا النص لا يحتاج إلى إيضاح وتعليق، ولكن فيه عبرة للقبورية عامة، ونكال للديوبندية المتبركين بكثير مما لم ينزل الله به من سلطان!؟! تنبيه: ليس المراد من قولي: " التبرك بشجرة ذات حادث معظم ": أن التبرك بشجرة عادية جائز؛ بل المراد: أن التبرك إذا كان بشجرة معظمة غير جائز- بل الأولى والأحرى غير جائز بشجرة عادية، وقال العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) : (ولا زالت الصحابة تسد ذرائع التوسل الذي ادعاه المجوزون؛ كما فعل عمر ﵁: من قطع الشجرة التي بويع تحتها رسول الله- ﷺ ) . وللتهانوي (١٣٧٣هـ) كلام جيد حول قطع شجرة الرضوان فراجعه. وقد اعترف القضاعي أحد أئمة القبورية (١٣٧٦هـ) بأن قطع شجرة الرضوان- كان لأجل حسم مادة الفساد، وسد الذريعة إلى الشرك. قلت: حول صحة قطع هذه الشجرة مبحث نافع ذكرته في كتابي " الماتريدية " فيه رد على شيخنا الألباني حفظه الله تعالى فراجعه؛ فإنه مفيد للغاية. الذريعة الرابعة والعشرون: التبرك بالقبور: لقد صرح علماء الحنفية بمنع التبرك بالقبور،

стр. 616

مخافة وقوع الناس في الشرك الأكبر، إلى أن قالوا: إن الزائر لا يمس القبر ولا يقبله، ولا يعفر خده عليه ولا يأخذ ترابه، فضلا عن الاستغاثة بصاحب القبر؛ كل ذلك محافظة على التوحيد وحماية لحماه، وسدّا لذرائع الشرك؛ لأن كل ذلك من سنن عباد الأوثان التي يفعلونها بأوثانهم. قلت: لقد بطلت بهذا كله مزاعم القبورية عامة، والنابلسي الحنفي القبوري (١١٤٣هـ) والكوثري الحنفي الجهمي القبوري (١٣٧١هـ) خاصة- في الدعوة إلى الوثنية والتبرك بالقبور وأهلها. وأقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣] ، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] . الذريعة الخامسة والعشرون: التبرك والتوسل بالقبر المعظم. ليس معنى هذا العنوان: أن التبرك والتوسل بالقبر غير المعظم يكونان جائزين؛ بل معناه: أن التبرك والتوسل بقبر معظم: لنبي؛ أو ولي أسرع إيقاعا للمتبرك، والمتوسل في الشرك؛ ولذلك قال الإمامان: البركوي (٩٨١هـ) ، وأحمد الرومي

стр. 617

(١٠٤٣هـ) ، والشيخان الهندي، والسورتي، واللفظ للأول: (وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور- هي التي أوقعت كثيرا من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك؛ فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بشجر أو حجر؛ ولهذا نجد كثيرا من الناس عند القبور يتضرعون، ويخشعون، ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة- لا يفعلونها في مساجد الله تعالى، ولا في وقت السحر؛ ومنهم من سجد لها، وكثير منهم يرجون من بركة الصلاة عندها ولديها ما لا يرجون في المساجد؛ فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها....) . قلت: من أعظم الأمثلة التي ضربها علماء الحنفية في صدد عدم جواز الشرك بالقبر المعظم والتوسل به- هو قبر دانيال النبي ﵇، فقد ذكر الإمام البركوي (٩٨١هـ) ﵀ أثر أبي العالية أنه:

стр. 618

(قال: " لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب؛ فدعا كعبا فنسخه بالعربية؛ فأنا أول رجل من العرب قرأته، فقرأته مثل ما أقرأ القرآن، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم، وأموركم، ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد؛ فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال ﵇.

стр. 619

فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاث مئة سنة. فقلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا إلا شعيرات من قفاه؛ إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع. فقلت: ما كان يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم- أبرزوا السرير، فيمطرون!؛ فقلت: فما صنعتم به؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة؛

стр. 620

فلما كان الليل دفناه، وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس؛ فلا ينبشوه "؛ فانظر القصة! وما فعله المهاجرون والأنصار!؛ كيف سعوا في تعمية قبره؟! لئلا يفتن به الناس؛ ولم يبرزوا للدعاء عنده، والتبرك به؛ ولو ظفر به هؤلاء الخلوف*- لحاربوا عليه بالسيوف* ولعبدوه من دون الله تعالى؛ فإنهم قد اتخذوا من القبور أوثانا من لا يدانيه ولا يقاربه؛

стр. 621

وبنوا عليها الهياكل. وأقاموا لها سدنة، وجعلوها معابد أعظم من المساجد؛ فلو كان الدعاء والصلاة عند القبور فضيلة أو سنة، أو مباحا- لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما لذلك؛ ودعوا عنده، وسنوا ذلك لمن بعدهم، ولكنهم كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه- من هؤلاء الخلوف الذين ضلوا عن الطريق المستقيم، وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل؛ وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ في الأمصار عدد كثير،

стр. 622

وهو متوافرون؛ فما منهم من استغاث عند قبر أحد، ولا دعاه، ولا عابه، ولا استنصر به؛ فلو كان وقع شيء منها لنقل؛ إذ من المعلوم: أن مثل هذا ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله؛ فحينئذ يتبين: أن الدعاء عند القبور، والدعاء بأربابها لا يخلو- إما أن يكون أفضل منه في غير تلك البقعة، أو لا؛ فإن كان أفضل- كيف خفي علما وعملا على الصحابة والتابعين وتابعيهم؟!؟؛ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة- جاهلة بهذا الفضل العظيم!؛ وتظفر به الخلوف علما وعملا!؟!؛ ولا يجوز أن يعلموه، ويزهدوا فيه- مع حرصهم على كل خير؛ لا سيما إذا ظهر لهم حاجة، فاضطروا إلى الدعاء؛

стр. 623

فإن المضطر يتشبث بكل سبب؛ وإن كان فيه كراهة ما؛ وهم كيف يكونوا مضطرين في كثير من الدعاء؟ ويعلمون فضل الدعاء عند القبور؟ ثم لم يقصدوه؟ هذا محال طبعا وشرعا؛ فتعين القسم الآخر: الذي هو أنه لا فضل للدعاء عند القبور؛ ولا هو مشروع ولا هو مأذون فيه؛ بل هو مما شرعه عباد القبور؛ ولم يشرعه الله ولم ينزل به سلطانا؛ وقد أنكر الصحابة ما هو دون ذلك بكثير ... ". وللعلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) كلام قيم مهم في الاستدلال بهذه القصة على وجوب قطع مادة الشرك وسد ذرائعه حماية لحمى

стр. 624

التوحيد؛ قطع به دابر القبورية. وللشيخ الفنجفيري (١٤٠٧هـ) كلام حول هذه القصة مفيد نقله عن شيخ الإسلام. وقد اعترف الداجوي الديوبندي أحد أئمة القبورية في بلاد الأفغان وباكستان بأن إخفاء قبر دانيال كان لأجل خوف الافتتان. قلت: في هذه القصة أمر مهم فيه عبرة للقبورية ونكال للديوبندية لم أعرف أحدا نبه عليه: وهو أن هذه القصة تدل على أن التوسل بالصالحين من الأنبياء والأولياء عند مس الحاجات* والدعاء عند إلمام الملمات * إنما كان من صنيع المشركين السابقين، حتى الفرس؛ فإن قول أبي العالية رحمه الله تعالى: " كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون "؛ صريح في أن التوسل بالصالحين من خرافات المشركين السابقين ومن عاداتهم الشركية المتوارثة؛ التي ورثتها عنهم القبورية حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. أقول: في هذه القصة أمر مهم آخر فيه جواب عن كثير من أكاذيب القبورية، وهو أن المشرك قد تقضى حاجته بتوسله بالقبر أو بالشجرة أو

стр. 625

بالحجر أو بالولي ونحو ذلك من الوسائل والأسباب المحرمة، ولكن هذا ليس بدليل على جواز تعاطي مثل هذه الأسباب كما سيأتي. الذريعة السادسة والعشرون: التبرك والتوسل بجثة معظمة أو سرير لشخص صالح ونحو ذلك من الآثار. قلت: التقرير ههنا هو بعينه ما سبق آنفا في قصة دانيال ﵇ فلا حاجة إلى إعادته؛ فإن هؤلاء المشركين من الفرس؛ كانوا يتوسلون ويتبركون بسرير دانيال ﵇ وإذا احتاجوا إلى المطر أبرزه توسلا منهم به إلى الله ليغيثهم؛ ولكن الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان قد أبطلوا هذا العمل الشركي حسما لمادة الشرك، وفي ذلك عبرة أيما عبرة! الذريعة السابعة والعشرون: القبر المشرف: وهو من أعظم وسائل الشرك التي أمرنا بإزالتها حماية لحمى التوحيد وسدّا لذرائع الشرك؛ فقد قال الإمام البركوي (٩٨١هـ) ﵀ مبينا وجوب إزالة القبور المشرفة وهدمها حتى تستوي بالأرض لئلا يتذرع بها إلى الشرك: (وأمر ﷺ بهدم القبور المشرفة وتسويتها بالأرض؛ فيجب المبادرة والمسارعة إلى هدم ما نهى عنه رسول الله ﷺ . قلت: يشير إلى حديث علي بن أبي طالب ﵁:

стр. 626

" «ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله ﷺ : أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته» ". وقد استدل بهذا الحديث كثير من علماء الحنفية على هدم القبور المشرفة وطمس التماثيل والصور حماية لحمى التوحيد وسدًّا لوسائل الشرك وحباله. الذريعة الثامنة والعشرون: عبادة الله تعالى في مكان يعبد فيه لغير الله تعالى. لقد صرح علماء الحنفية بمنع عبادة الله تعالى في موضع يعبد فيه لغير الله تعالى، وصرحوا بوجوب الاحتراز من ذلك؛ لئلا يتذرع إلى عبادة غير الله تعالى؛ فكيف بالتبرك بما لم يشرع في الشرع التبرك به؟! وكيف بعبادة غير الله ؟! فمن عبد الله تعالى من صلاة أو ذبح أو نذر ونحوها في موضع يعبد فيه لغير الله تعالى من سجدة أو ذبح أو نذر أو استغاثة ونحوها- فقد وقع في نوع من التشبه بالمشركين وتكثير سوادهم على أقل

стр. 627

تقدير؛ وإن كانت نيته خالصة لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ولكن لما كان هذا الموضع خاصّا بعبادة غير الله تعالى؛ لا يجوز للمسلم أن يعبد الله تعالى فيه حماية لحمى التوحيد وسدّا لذرائع الشرك. قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢) محذرا من ارتكاب مثل هذه الصنائع حسما لمادة الفساد* وحماية لتوحيد رب العباد*: (وقد اشتهر عنه ﷺ : أنه منع من تعليق الأوتار والتمائم وأمر بقطعها. وبعث رسوله بذلك؛ كما في السنن وغيرها.

стр. 628

قال: " من تعلق شيئا وكل إليه ". بل نهى عن قول الرجل: " ما شاء الله وشئت "، وقال لمن قال ذلك: «أجعلتني لله ندّا» . ومنع من التبرك بالأشجار والأحجار)

стр. 629

ثم ذكر رحمه الله تعالى حديث ذات أنواط، ثم قال: (ونهى عن الصلاة عند القبور وإن لم يقصدها المصلي. ولعن من فعل ذلك، وأخبر أنهم شرار الخلق عند الله تعالى. ونهى عن الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله. حسما لمادة الشرك وقطعا لوسائله وسدّا لذرائعه وحماية للتوحيد وصيانة لجنابه؛ فمن المستحيل شرعا وفطرة وعقلا: أن تأتي هذه الشريعة المطهرة الكاملة وغيرها؛ بإباحة دعاء الموتى والغائبين [في الكربات] *؛ والاستعانة بهم في الملمات المهمات*؛ كقول النصراني: " يا والدة المسيح! اشفعي لنا إلى الله "؛ أو: " يا عيسى أعطني كذا وافعل بي كذا "؛ وكذلك قول القائل [الرافضي القبوري] : " يا علي يا حسين يا عباس

стр. 630

أو يا عبد القادر أو يا عيدروس، أو يا بدوي، أو يا فلان وفلان! أعطني كذا أو أجرني من كذا أو أنا في حسبك ". ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي تتضمن العدل بالله تعالى والتسوية به تعالى وتقدس؛ فهذا لا تأتي شريعة ولا رسالة بإباحته قط؛ بل هو من شعب الشرك الظاهرة الموجبة للخلود في النار*؛ ومقت العزيز الغفار* وقد نص على ذلك شيخ الإسلام حتى ذكره ابن حجر في الإعلام، مقررا له؛

стр. 631

وتأويل الجاهلين* والميل إلى شبه المبطلين * هو الذي أوقع هؤلاء وأسلافهم الماضين* من أهل الكتاب والأميين * في الشرك برب العالمين * فبعضهم يستدل على شركه بالخوارق والكرامات *وبعضهم برؤيا المنامات * وبعضهم بالقياس على السوالف والعادات *وبعضهم بقول من يحسن الظن به؛ وكل هذه الأشياء ليست من الشرع من شيء؛ وعند رهبان النصارى وعباد الصليب والكواكب من هذا الضرب شيء كثير ... ". الذريعة التاسعة والعشرون: الصلاة في المقبرة؛ لقد كره علماء الحنفية الصلاة في المقبرة. وعللوا الكراهة بأن في ذلك خوف الوقوع في الشرك لأنه قد يتذرع بها إلى الشرك؛ فيجب حسم هذه المادة حماية لحمى التوحيد وسدّا لذريعة الشرك؛ قال الإمامان: البركوي (٩٨١هـ) والرومي (١٠٤٣هـ) ، والشيخان السورتي والهندي: (فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها؛ وإن لم يقصد الصلاة عندها؛ وإذا قصد الرجل الصلاة عند المقبرة متبركا بالصلاة عند تلك البقعة؛

стр. 632

فهذا عين المحادة لله ولرسوله ﷺ وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى؛ فإن العبادات مبناها على الاستنان والاتباع *؛ لا على الهوى والابتداع *؛ فإن المسلمين أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين نبيهم: أن الصلاة عند المقبرة منهي عنها ... " إلى آخر الكلام الطيب الذي رد على مزاعم كثير من المحرفين المبطلين) . قلت: هؤلاء العلماء من الحنفية يشيرون إلى أحاديث النهي عن الصلاة في المقبرة؛ منها حديث أبي سعيد مرفوعا: «الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة» . وحديث ابن عمرو مرفوعا: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا» . أقول: الحاصل: أنه لا يجوز ارتكاب أي قول أو عمل يتسببان إلى أدنى ذريعة إلى الشرك ويخلان بحماية حمى التوحيد والإضرار بجانبه.

стр. 633

الذريعة الثلاثون: الصلاة عند غروب الشمس وعند طلوعها واستوائها. لقد كره علماء الحنفية الصلاة عند طلوع الشمس واستوائها وغروبها. وعللوا ذلك بأن فيها تشبها بالمشركين عباد الشمس؛ فيجب سد هذه الذريعة حماية لحمى التوحيد وسدا لذريعة الشرك. قال الإمامان البركوي (٩٨١هـ) والرومي (١٠٤٣هـ) ، والشيخان الهندي والسورتي: (فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها؛ حتى نهى عن الصلاة ... ، وقت طلوع الشمس وغروبها ووقت استوائها؛ فنهى أمته عن الصلاة وإن لم يقصد ما قصده المشركون) . قلت: هؤلاء العلماء من الحنفية يشيرون إلى أحاديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس واستوائها وغروبها؛ منها: حديث ابن عمر مرفوعا: «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها؛ فإنها تطلع بقرني شيطان» . وحديث عقبة بن عامر أنه قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيها؛ أو أن نقبر»

стр. 634

«فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب» . أقول: الحاصل أن علماء الحنفية قد اجتهدوا في سد جميع ذرائع الشرك سواء كانت بالواسطة أو بدون واسطة مباشرة؛ وذلك حماية لحمى التوحيد وحفظا لجنابه وقطعا لمادة الفساد؛ وفي ذلك عبرة للقبورية عامة وللديوبندية خاصة. وبعد أن عرفنا جهود علماء الحنفية في التحذير من الشرك وسد جميع ذرائعه حماية لحمى التوحيد- ننتقل إلى الباب الآتي لنعرف حقيقة غلو القبورية في الصالحين، ونطّلع على شركياتهم وكفرياتهم؛ من وصفهم الصالحين بل الطالحين بصفات الله تعالى من الألوهية والربوبية وعلم الغيب والتصرف في الكون والسمع والطاعة والبصر المطلقين والإحياء والإماتة وغيرها من صفات الله ، كما نعرف جهود علماء الحنفية في إبطالها وقلع شبهات القبورية وقطع دابرهم. فنقول وبربنا الرحمن المستعان نستعين * إذ هو المستغاث المغيث المعين*

стр. 635

الباب الخامس في بيان غلو القبورية في الصالحين بل في الطالحين من اعتقاد علم الغيب لهم والتصرف في الكون لهم ووصفهم بصفات رب العالمين وفيه قسمان: - القسم الأول: في عرض أمثلة لغلو القبورية في الصالحين بل في الطالحين. - القسم الثاني: في جهود علماء الحنفية في إبطال القبورية في الصالحين.
следующие страницы →