Полный текст (1 553 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
ولا يفهمون إلا أنهم أهل للإعطاء والإيجاد، ويسمونهم أقطابا [وأغواثا] .
ورابعا:
أنهم [أي القبورية] إذا نذروا للأموات وتأخروا فيه، فيصيبوا في ذلك بأمر الله.
يقولون: إن الشيخ الفلاني أصابني بالمصيبة، لأني لم أوف بنذره، و [هكذا] يحذرون من شرهم.
стр. 947
وخامسا:
إن المشركين الذين أنزل الله فيهم القرآن- إنما كانوا يدعونهم شفعاء [لهم] إلى الله، وكانوا يقولون: إنما ندعوهم ليقربونا إلى الله زلفى، أي منزلة ودرجة، ويشفعوا لنا في حاجاتنا ... ) .
قلت: هذه الوجوه كلها قاطعة لأدبار القبورية * وقالعة لشبهاتهم القرمطية*
الوجه السادس:
ما قاله العلامة جوهر الرحمن من كبار علماء الحنفية المعاصرة الرادين على القبورية:
إن النسبة المجازية [على فرض وجود المجاز] :
стр. 948
هي نسبة الفعل إلى غير الفاعل الذي صدر منه ذلك الفعل، لكونه ظرفا للفعل، كقول القائل: " أنبت الربيع البقل "، أي: " أنبت الله البقل في وقت الربيع "، أو لكونه سببا في صدور ذلك الفعل، كقول القائل: " بنى الأمير المدينة "، أي: " بنى المعماريُ المدينة بأمر الأمير ونفقته "، وإذا عرفت هذا- فاعلم: أن الذي ينادي ميتا، أو حيا غائبا، ويستغيث به، ويقول: يا فلان.. أغثني، أو اشفني، أو أنجني- لا ينطبق عليه أنه ناداه واستغاث به مجازا من ناحية كونه ظرفا للفعل، لأن الميت، والغائب، ليسا بظرف للفعل، فلا يقال: إن الميت أو الغائب ظرف للنداء أو الإغاثة أو الشفاء أو الإنجاء، حتى يقال: إن هذه النسبة نسبة مجازية، والفاعل في الحقيقة هو الله تعالى، فهذا المجاز لا يتصوره أحد، ولا يصح في مثل هذه الصورة ألبتة، بقيت الصورة الثانية من المجاز، وهي: أن هذا المنادِيَ المستغيث يقصد: أن الشافيَ والناصرَ والمنجيَ والمغيثَ هو الله تعالى في الحقيقة، ولكن يرى أن الوليَّ الفلانيَّ الذي يستغيث به ويناديه- هو مجرد سبب لذلك.
نقول: هذا الاحتمال أيضا غير وارد، ولا يصح المجاز في هذه الصورة أيضا؛.
لأن هذا المنادِي المستغيث بهذا الولي الميت، أو الحي الغائب-
стр. 949
لا بد له من أن يعتقد فيه عقائدَ ثلاثا:
الأولى:
أن يعتقد: أن هذا الولي الميت أو الحي الغائب يسمع صوته ونداءه ودعاءه فوق الأسباب العادية.
الثانية:
أن يعتقد فيه: أنه يعلم بحاله ويطلع على مصيبته.
الثالثة:
أن يعتقد فيه أنه يقضي حاجته بأن يشفع له عند الله تعالى.
نقول: لا بد من هذه العقائد الثلاث، وإلا لا يمكن جعله سببا.
وإذا تحقق: أنه لا بد من أن يعتقد هذا المنادِي المستغيثَ في ذلك المنادي المستغاثِ الميتِ أو الحي الغائبِ- نقول: إن السمع المطلق، والعلم المطلق، والقدرة المطلقة، كلها من صفات الله تعالى الخاصة به.
فالميت، أو الحي الغائب لا يسمع نداء المستغيث، ولا يعلم بحاله ولا يطلع على مصيبته؛ فقد قال الله سبحانه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] ، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] ، فبطل دعوى المجاز؛ على أن من يعتقد أن الميت أو الحيَّ الغائبَ يشفع له عند الله تعالى - فهو على طريقة المشركين السابقين،
стр. 950
فعقيدته هذه هي بعينها عقيدة الوثنية الأولى؛ وقد قال : ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ؛ وإذا بطل المجاز في هذه الصور كلها بطلت هذه التأويلات كلها، على أننا نقول: إن مثل هذه التأويلات مع بطلانها وفسادها- قد يتشبث بها من كان له علم بنكات علم البيان ودقائق علم المعاني؛ أما العوام الجهلة- فهم لا يخطر بقلوبهم مثل هذه التأويلات ودعوى المجاز؛ لأنهم بمعزل عن معرفة هذه الدقائق البيانية؛.
فالذي يدافع عن القبورية ويحاول تصحيح أقوالهم الشركية وتصويب أفعالهم الكفرية وتجويز عقائدهم الوثنية- بمثل هذه التأويلات الفاسدة البعيدة الباطلة- فهو في الحقيقة يدفع هؤلاء العوام الجهلة إلى مهاوي الإشراك بالله تعالى؛ فهلا يعلمهم تلك الأدعية المأثورة الصافية الخالصة عن الشرك وشوائبه- بدل أن يرغبهم في الشركيات والكفريات بمثل هذه التأويلات.
الشبهة الرابعة: شبهة الكسب والسب:
تشبثت القبورية بهذه الشبهة، لتبرير إشراكهم بالله تعالى،
стр. 951
واستغاثتهم بالأموات * عند إلمام الملمات ونزول النوازل والكربات لدفع المضرات وجلب الخبرات* وتبريء أكاذيبهم وكفرياتهم الوثنية وعقائدهم الباطلة، وغلوهم في الصالحين، بل في الفسقة الطالحين:
من التصرف في الكون، والإحياء، والإماتة، والقدرة، والعلم بالغيوب، وتسخير الأمور، وغير ذلك مما سبق أمثلته في باب الغلو؛ وقالوا: إن الاستغاثة بالأنبياء والأولياء من أعظم الأسباب لاجتلاب البركات، واستنزال الخيرات والرحمات، واستجابة الدعوات وسرعة قضاء الحاجات، والتوسل بهم من قبيل الأخذ بالأسباب، وليس ذلك من باب الشرك بالله، ولا من قبيل عبادة غير الله، وإن طلب الغوث منهم على سبيل الكسب والتسبب، ومن الله تعالى على سبيل الخلق والإيجاد.
فإن الله تعالى جعل الأولياء مفاتيحَ للخير ومنابعَ للبر، وسحبا يمطر منها على عباده أنواع الخيرات.
وغاية ما يعتقد الناس في الأموات أنهم متسببون ومكتسبون كالأحياء؛ لا أنهم خالقون موجدون، والتسبب والتكسب مقدوران للميت، وفي إمكانه كالحي، فمن يستطيع أن يقول: إن ذلك شرك؟
قلت: هذه كانت شبهة الكسب والسبب التي تشبث بها القبورية قديما وحديثا.
стр. 952
الجواب:
لقد أجاب عن هذه الشبهة علماء الحنفية بعدة وجوه، فجعلوها كأمس الدابر، أذكر منها ما يلي:
الوجه الأول:
أن احتمال التكسب والتسبب في الاستغاثة بالأموات المقبورين، والأحياء الغائبين لا يمكن صحته ولا يتصور وقوعه، لعدم قدرتهم على ذلك، فاحتمال الكسب والسبب ههنا باطل من أصله؛ قال العلامتان: نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، وابن أخيه شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، واللفظ للثاني: (فإن قلت: إن للمستغاث بهم قدرة كسبية وتسببية، فتنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى- كما يزعمه هذا العراقي الجهول [ابن جرجيس المخذول] ، وأضرابه [من القبورية] .
قلنا له: إن كلامنا فيمن يستغاث به عند إلمام ما لا يقدر عليه إلا الله، أو السؤال بما لا يعطيه و [لا] يمنعه إلا الله، وأما فيما عدا ذلك مما يجري فيه التعاون والتعاضد بين الناس،
стр. 953
واستغاثة بعضهم ببعض- فهذا شيء نقول به، [ولا نمنعه] [ولا ننكره] ، ونعد منعه جنونا؛ كما نعد إباحة ما قبله-[وهو ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى]- شركا.
والعراقي- عامله الله تعالى بعدله - أورد نصوص المباح في الممنوع * واستدل بدلائل المشروع على غير المشروع* قاتله الله!! ما أجهله! * وما أبعده عن الحق، وأضله! * وكون العبد له قدرة كسبية* لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية* [فتحقق أنه] لا يستغاث به [أي بالعبد] فيما لا يقدر عليه إلا الله، ولا يستعان به [أي بالعبد] ، ولا يتوكل عليه، ولا يلتجأ في ذلك إليه [إلا بالله وعليه وإليه] ؛ فلا يقال لأحدٍ، حيّ، أو ميتٍ، قريبٍ، أو بعيدٍ: " ارزقني، أو أمتني، أو أحي ميتي، أو اشف مريضي "- إلى غير ذلك مما هو من الأفعال الخاصة بالواحد الأحد الفرد الصمد؛
стр. 954
قل يقال لمن له قدرة كسبية، قد جرت العادة بحصولها ممن أهَله الله تعالى لها: " أعني في حمل متاعي " أو غير ذلك، والقرآن ناطق بحظر الدعاء عن كل أحد [غير الله فوق القدرة] ، لا من الأحياء، ولا من الأموات، سواء كانوا أنبياء، أو صالحين، أو غيرَهم، وسواء كان الدعاء بلفظ الاستغاثة، أو بغيرها، فإن الأمور الغير المقدورة للعباد لا تطلب إلى من خالق القدر * ومنشئ البشر* كيف؟ والدعاء عبادة، وهي مختصة به سبحانه * أسبل الله علينا بفضله عفوه ورضوانه* فالقصر على ما تعبدنا فيه من محض الإيمان * والعدول عنه عين المقت والخذلان* وبالجملة: فالاستغاثة، والاستعانة، والتوكل، أغصان دوحة التوحيد* المطلوب إخلاصه من العبيد*) .
الوجه الثاني:
أن الاستغاثة بالأموات* عند إلمام الملمات على أن هؤلاء الأموات سبب في دفع المضرات* وأنهم من الأسباب لجلب المنافع والخيرات *- هي بعينها عقيدة المشركين السابقين *؛
стр. 955
فالقبورية خلف لسلفهم الوثنيين الأولين* قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : (يريد به [أي يقصد ابن جرجيس العراقي بمقالته]- أن دعاءهم ومسألتهم بطريق التسبب والشفاعة لا يضر.
ومن بلغت به الجهالة والعماية إلى هذه الغاية- فقد استحكم على قلبه الضلال والفساد * ولم يعرف ما دعت إليه الرسل سائر الأمم والعباد * ومن له أدنى نهمة في العلم والتفات إلى من جاءت به الرسل- يعرف: أن المشركين من كل أمة في كل قرن- ما قصدوا من معبوداتهم وآلهتهم التي عبدوها مع الله- إلا التسبب والتوسل والتشفع، ليس إلا، ولم يدعوا الاستقلال، والتصرف لأحد دون الله، ولا قاله أحد منهم سوى فرعون، والذي حاج إبراهيم ربه؛ وقد قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] فهم في الباطن يعلمون أن ذلك لله وحده، قال تعالى في بيان قصدهم ومرادهم بدعاء غيره: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس الآية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ... ؛ فأخبر تعالى: أنهم تعلقوا على آلهتهم، ودعوهم مع الله للشفاعة، والتقريب إلى الله تعالى- بالجاه، والمنزلة ... ،
стр. 956
ولم يريدوا منهم تدبيرا، ولا تأثيرا، ولا شركة، ولا استقلالا؛ يوضحه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣١-٣٢] ، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] ، وقوله: ... ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ، ... ، فتأمل هذه الآيات* وما فيها من الحجج والبينات * تطلعك على جهل هذا العراقي [ابن جرجيس] * وأمثاله [من القبورية أهل الشرك والتلبيس *] ، وأنهم ما عرفوا شرك المشركين * وما كانوا عليه من القصد والدين* ولم يعرفوا ما كان عليه أنبياء الله، وأتباعهم من توحيد رب العالمين* وتأمل كيف استدل على توحيد إلهيته ووجوب عبادته وحده لا شريك له- بما أقر به الخصم، واعترف به: من توحيد ربوبيته واستقلاله بالملك والخلق والتأثير والتدبير، وهذه عادة القرآن دائما يعرج على هذه الحجة،
стр. 957
لأنها من أكبر الحجج، وأوضحها، وأدلها على المقصود، فسبحان من جعل كلامه في أعلى طبقات البلاغة* والفصاحة، والجلالة، والفخامة وأدلها على المقصود* فأي شبهة بعد هذا تبقى للمماحل المغرور ... ؛ وهذا الأحمق [العراقي ابن جرجيس] زاد في غير موضع من كتابه:
قيدا، فقال: " لا يشرك إلا من قصد، وأعتقد الاستقلال من دون الله ".
مع أن في تلبية المشركين في الجاهلية: " لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك "؛ فهؤلاء لم يدعوا الاستقلال، وعلى زعم هذا [العراقي وأضرابه من القبورية] فليسوا بمشركين ... ) .
قلت: لكن التالي اللازم باطل- فالمقدم الملزوم مثله.
الوجه الثالث:
تحقيق أن الأموات ليسوا من أسباب قضاء الحوائج شرعا:
لقد حقق علماء الحنفية أن الأموات ليسوا سببا من أسباب قضاء
стр. 958
حوائج المستغيثين بهم، في شرع الله ، وطالبوا القبورية بإقامة حجة واحدة على ذلك، ولكن القبورية لم يأتوا بدليل واحد ولا بشبه دليل على ذلك، ولن يستطيعوا أن يأتوا بحجة على ذلك، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.! فأين في شرع الله تعالى: أن الله سبحانه جعل الأموات والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحو ذلك- سببا لقضاء حوائج المستغيثين بهم؟؟؟ بل شرع الله تعالى كله على نقيض ذلك، ودين الأنبياء والمرسلين جميعا يناقض عقيدة هؤلاء القبورية، فأنى للقبورية إثبات كون الأموات* أسبابا لقضاء الحاجات*
أين العنقاء لتطلب ... وأين السمندل ليجلب
قال العلامة السهسواني (١٣٢٦هـ) - وكان أولا حنفيا-:
(نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، ولكن [نقول] : من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سببا في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟؟؟ ومن ذا الذي قال: إنك إذا استغثت بميت أو غائب:
- من البشر كان أو غيره- كان ذلك سببا في حصول الرزق، والنصر، والهدى، وغير ذلك: مما لا يقدر عليه إلا الله؟؟؟ ومن ذا الذي شرع ذلك وأمر به؟؟؟ ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟؟؟ فإن هذا المقام يحتاج إلى [إثبات] مقدمتين:
стр. 959
إحداهما:
أن هذه [الاستغاثات بالأموات] أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله.
والثانية:
أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها ... ) .
وقال ﵀ أيضا:
(أقول: كون ذكر هؤلاء الأخيار [أي الاستغاثة بهم] سببا عاديا من أين علم؟ وأي دليل عليه؟؟؟....) .
وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : (لا يجوز أن يعتقد: أن الشيء سبب إلا بعلم ... فمن أثبت شيئا سببا بلا علم، أو علمه يخالف الشرع، واتخذه مع ذلك سببا- كان مبطلا، مثل من يظن كون النذر [لغير الله] سببا في دفع البلاد* وحصول النعماء) .
الوجه الرابع:
أن نقول: لو سلم أن الأموات* والاستغاثة بهم سبب لقضاء الحاجات* لكان هذا سببا كونيا فحسب، لا سببا شرعيا، وكم من الأشياء هي أسباب كونية للمنافع، ولكنها لما كانت محرمة
стр. 960
في شرع الله- لم تصح كونها أسبابا شرعية، فلا يجوز تعاطي أي سبب إلا إذا علم أنه سبب شرعي وأمر مباح، قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) :
(وأيضا فليس كل سبب يباح، بل من الأسباب ما هو محرم، وما هو كفر، كالسحر، والتكهن، [وهذا] الغبي [يعني ابن جرجيس] يظن: أن الدليل يسلم له، إذا أراد السبب لا الاستقلال، وعبّاد الكواكب وأصحاب النيرنجيات، ومخاطبات النجوم- يرون: أنها أسباب، ووسائل نافعة، ويظنونها كالأسباب العادية، وعباد القبور، و [عباد] الأنفس المفارقة- يرون: أن تعلق قلب الزائر، وروحه بروح المزور- سبب لنيل مقصوده، وتحصيل نصيب مما يفيض على روح ذلك المزور، كما ذكره الفارابي وغيره [كابن سينا الحنفي القرمطي] :
من عباد الكواكب والأنفس المفارقة [والقبور وأصحابها] ... ) .
وقال العلامة السهسواني (١٣٢٦هـ) :
(إن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين:
стр. 961
إحداهما:
أن هذه [الاستغاثات بالأموات] أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله.
والثانية:
أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها، [ولا بد من إثبات هاتين المقدمتين] ، فإنه ليس كل ما كان سببا كونيا يجوز تعاطيه [شرعا] ، فإن المسافر قد يكون سفره سببا لأخذ ماله، وكلاهما محرم، والدخول في دين النصارى قد يكون سببا لمال يعطونهم، وهو محرم، وشهادة الزور قد تكون سببا لنيل مال يؤخذ من المشهود له، وهو حرام، وكثير من الفواحش والظلم قد يكون سببا لنيل مطالب، وهو محرم، والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب، وهو محرم، وكذلك الشرك كدعوة الكواكب، والشياطين، بل عبادة البشر قد تكون سببا لبعض المطالب، وهو محرم؛ فإن الله تعالى حرم من الأسباب ما كانت مفسدته راجحة على
стр. 962
مصلحته، كالخمر، وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحيانا، وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقا وأمرا، [أي كونيا وشرعا] ، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية) .
وقال ﵀ أيضا:
(أقول: كون ذكر هؤلاء الأخيار [أي الاستغاثة بهم]- سببا عاديا في ذلك التأثير من أين علم؟؟؟ وأي دليل عليه؟؟؟ ولو سلم [على سبيل فرض المحال]- فالسببية لا تستلزم المشروعية، ألا ترى: أن كثيرا من العقود الفاسدة- سبب لتحصيل المنافع، وليست بمشروعة) .
قلت:
هذه النصوص لهؤلاء العلماء من الحنفية، كافية للقضاء على شبهات القبورية* وشافية للمرضى بأدواء هؤلاء الوثنية* وبعد ذلك ننتقل إلى الباب السابع، لنعرف عقيدة القبورية في استغاثتهم بالأموات عند الكربات ونعرف بعض جهود علماء الحنفية في إبطال عقائدهم الوثنيات في الاستغاثات*
стр. 963
الباب السابع
في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في
استغاثتهم بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وعرض
عقيدة القبورية في الاستغاثة وتحقيق أنهم أشد شركا
من الوثنية الأولى
وفيه فصول ثلاثة:
- الفصل الأول: في عرض أمثلة لعقيدة القبورية في استغاثتهم بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
- الفصل الثاني: في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في استغاثتهم بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وتحقيق أنها شرك بل هي أم لعدة أنواع من الإشراك بالله تعالى.
- الفصل الثالث: في تحقيق علماء الحنفية أن القبورية أشد شركا من الوثنية الأولى، وأنهم أشد خوفا ورجاء وأكثر خضوعا وخشوعا وأعظم عبادة للأموات منهم لخالق البريات في باب الاستغاثات.
стр. 964
الفصل الأول
في عرض أمثلة لعقيدة القبورية
في استغاثتهم بغير الله
وفيه مباحث ثلاثة:
- المبحث الأول: في أن الاستغاثة بغير الله أهم العقائد القبوريات عند القبورية.
- المبحث الثاني: في أن الاستغاثة بغير الله، ولا سيما الأموات، أنفع للمكروب وأسرع لقضاء الحاجات عند القبورية من الاستغاثة بخالق الكائنات.
- المبحث الثالث: في بيان أمثلة متفرقة لعقيدة القبورية في استغاثتهم بغير الله عند الكربات.
стр. 965
المبحث الأول
في أن الاستغاثة بالأموات
أهم العقائد القبوريات عند القبورية
تعتقد القبورية عدة عقائد وثنية، كعقيدة التصرف في الكون للصالحين، وعقيدة علم الغيب لهم، وعقيدة سماع الموتى أصوات المستغيثين بهم، وعقيدة حياة الأموات حياةً نبويةً، وعقيدة بناء القبب والمساجد على القبور، وعقيدة الحج إلى القبور، وعقيدة النذر لأهل القبور، وغير ذلك من العقائد الوثنية والغلو في القبور وأهلها، ولكن الهدف الأسمى للقبورية والغاية العظمى، والمقصد الأعلى لهم من هذه العقائد كلها- هو استغاثتهم بالأموات عند إلمام الملمات * لدفع الكربات والمضرات، وجلب المنافع والخيرات*
أما سائر عقائدهم الوثنية - فهي وسائل لهذا المقصد الأسنى، والغاية الكبرى عندهم؛ ولذلك ترى القبورية يحاولون إثبات علم الغيب للأموات*
стр. 966
والغائبين الذين يستغيثون بهم عند الكربات والملمات* ويعتقدون فيهم التصرف المطلق في الكائنات* كما أنهم يحاولون إثبات أن حياة الأموات بعينها حياة الأحياء، بل أقوى، وأن الموتى يسمعون نداء المستغيثين بهم في كل زمان ومكان، ويهتمون بوفاء النذور لهم أشد من أداء كل فريضة لله، كما أنهم ينفقون ملايين الملايين من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة- على بناء القبب والمساجد على قبور المستغاث بهم، كما ترونها في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها، وعربها وعجمها، وسهلها وجبالها، وتشاهدون أنهم يحجون إلى قبورهم من كل فج عميق، يعجون ويثجون، ويضرعون ويخشعون عند قبورهم، ولا سيما وقت مواسم موالدها* وأداء مناسك مشاهدها* كل ذلك لتحقيق الاستغاثة بهم لدفع الكربات* وجلب الخيرات*
ولذلك ترى القبورية يستدلون بعلم الغيب للأموات* وبتصرفهم في الكائنات، وبسماعهم للاستغاثات* وبحياتهم كحياة الأحياء، بل أقوى، لا كحياة الأموات* وبجميع ما يفتعلونه من الحكايات والأساطير والكرامات* على جواز الاستغاثة بهم بل على ترجيحها على الاستغاثة برب البريات* فيجعلون جميع تلك العقائد الوثنيات* أدلة على جواز الاستغاثة بالأموات*
ومن المعلوم عند المؤلف والمخالف: أن المقصد الأسمى، والغاية العظمى- إنما هو المدلول، والدعوى، والثمرة، والنتيجة،
стр. 967
وإنما يساق الدليل، وتورد الحجة، ويؤتى بالبرهان، لإثبات المدلول، والدعوى، فالدليل لا يكون مقصودا بالذات، - وإنما هو وسيلة للتوصل إلى المقصود، وهو الدعوى، فثبت بهذا كله: أن المقصود للقبورية- هو الاستغاثة بالأموات لدفع الكربات، وجلب الخيرات، وأما سائر عقائدهم الوثنية:
كعقيدتهم في علم الغيب للأموات* أو عقيدتهم في تصرف الأموات في الكائنات* أو عقيدتهم في سماع الموتى للاستغاثات*؛ ونحو ذلك من عقائدهم الوثنية - فشبهات تشبهوا بها لجواز الاستغاثة بالأموات* ووسائل للقبورية توصلوا بها إلى الاستمداد من الأموات * فالغاية العظمى للقبورية، ومقصدهم الأسمى، وهدفهم الأسنى، ومطلوبهم الأعلى بهم- هو الاستغاثة بالأموات لدفع البليات، وجلب الخيرات، وأما بقية عقائدهم، فهي لها تبع؛ ولذلك صرح علماء الحنفية، بأن الاستغاثة بغير الله تعالى، فيما لا يقدر عليه إلا الله- أمّ الشركيات؛ إذ هي متضمنة لعدة أنواع من الشرك، أبْيَنُها ثلاثة:
стр. 968
الأول: اعتقاد المستغيث: أن المستغاث يعلم الغيب.
الثاني: اعتقاده: أنه يسمع نداءه.
الثالث: اعتقاده: أنه قادر على دفع الضر وجلب الخير.
وإلا لما دعاه ولا فتح بالاستغاثة فاه وكل واحد من هذه الأنواع أبيَنُ أنواع الشرك، كما سبق نصوص علماء الحنفية على ذلك في البابين السابقين، وكما ستأتي نصوصهم الأخرى في هذا الباب إن شاء الله.
ولأجل اهتمام القبورية بالاستغاثة بالأموات عند الكربات * ألف كثير من أئمتهم الوثنية في الدعوة إلى الاستغاثة بالأموات* كتبا سموها بأسماء تشعر بالاستغاثة بغير الله تعالى:
١ - منهم: أبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي (٦٣٤هـ) ، وسمى كتابه: " مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام في اليقظة والمنام ".
стр. 969
٢ - ومنهم: ابن النعمان المالكي المغربي (٦٨٣هـ) ، واسم كتابه الوثني هو الأول بعينه، مخطوط حتى الآن فيما أعلم.
وهذا الوثني قدوة كل قبوري بعده، وعمدته، فتراهم ينهلون من مستنقعاته.
стр. 970
وقد ذكر هذا الوثني في سبب تأليف كتابه هذا:
أن كثيرا من أئمة الإسلام قد صنفوا في الاستغاثة بالله تعالى وحده- فأردت أن أؤلف في الاستغاثة برسول الله ﷺ والالتجاء إليه، فصنف: " مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام في اليقظة والمنام ".
٣ - ولهذا الوثني كتاب آخر في الدعوة إلى الوثنية، سماه:
" سفينة النجاء لأهل الالتجاء في كرامات أبي النجاء ".
٤ - ومنهم: النبهاني (١٣٥٠هـ) ، فقد ألف في الدعوة إلى الوثنية كتابه الفاضح المفضوح الكاسر المكسور:
" شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق ".
٥ - ومنهم: أحمد رضا خان الأفغاني، الملقب بعبد المصطفى، إمام البريلوية (١٣٤٠هـ) فقد ألف كتابا سماه:
" أنوار الانتباه بحل النداء بيا رسول الله ".
٦ - وله كتاب آخر سماه: " بركات الاستمداد ".
٧ - وآخر سماه: " حدائق بخشش " يعني حدائق الهبات، كله
стр. 971
استغاثات بالأموات.
٨ - ومنهم: الميرغني الحنفي الوثني (١٢٠٧هـ) ؛ فقد ألف كتابا سماه: " تحريض الأغبياء على الاستغاثة بالأنبياء والأولياء ".
٩ - ومنهم: الحموي الحنفي القبوري (١٠٩٨هـ) ، له كتاب وثني سماه:
" نفحات القرب والاتصال بإثبات التصرف للأولياء بعد الانتقال ".
وأما عقد القبورية أبوابا وفصولا في كتبهم الوثنية للاستغاثة بالأموات عند الكربات- فحدث ولا حرج.
стр. 972
المبحث الثاني
في أن الاستغاثة بغير الله ولا سيما الأموات
أنفع للمكروب وأسرع لقضاء الحاجات عند القبورية
من الاستغاثة بخالق الكائنات
تمهيد: لذكر عدة أمثلة لعقيدة القبورية: من أن الاستغاثة بغير الله أنفع للمكروب، وأسرع لقضاء الحاجات*- من الاستغاثة برب البريات* تعتقد القبورية أن الاستغاثة بالله تضر بالمكروب، وتؤخر جلاء كربته، وأن الاستغاثة بغير الله تعالى أنفع للمكروب، وأسرع لقضاء حاجته، فإن الله لا يهمه أمر المبتلى بالمصائب، أما الولي فيهتم بأمر من يستغيث به، بل الاستغاثة بالله تعالى قد تؤدي إلى عدم استجابة دعاء المضطر عندهم؛ ولذلك ترى القبورية يرجحون الاستغاثة بالأموات على الاستغاثة برب البريات جهارا دون إسرار، جرأة على الله بلا حياء من العباد، ولا من رب العباد، ولا خجل ولا ندامة، وإليك بعض الأمثلة من وثنياتهم لتحقيق ذلك:
стр. 973
المثال الأول:
ما قاله أحمد رضا خان الأفغاني، الملقب بعبد المصطفى، إمام البريلوية (١٣٤٠هـ) :
إن سيد الطائفة: الجنيد البغدادي (٢٩٨هـ) - جاء إلى نهر دجلة ليعبره، فقال: " يا الله "، ومشى عليه كما يمشي على الأرض!!! فرآه شخص، وأراد أن يعبره فلم يجد سفينة، فقال للجنيد: إني أريد أن أعبر هذا النهر، فكيف السبيل..؟ فقال له الجنيد: " قل: يا جنيد. يا جنيد - مُرَدِّدا لهذا النداء، فتعبره ".
فقال الرجل: يا جنيد، يا جنيد - مُرَدِّدا له ومكررا له كالورد والذكر، ومشى على النهر كما يمشي على الأرض، فلما وصل إلى وسط النهر- وسوس إليه الشيطان، وقال له:
إن الجنيد كان يقول: " يا الله. يا الله. "، ويقول لك: " قل: يا جنيد. يا جنيد! فَلمَ لا تقول أيضا: يا الله.يا الله "؟؟؟.
فجعل الرجل يقول: " يا الله، يا الله "،
стр. 974
فغرق في الماء، فصرخ ونادى الجنيد وقال: " أيها الحضرة!! قد غرقتُ "!!! فقال له الجنيد: " قل: يا جنيد. يا جنيد.، مكررا مرارا ".
فجعل الرجل يقول: " يا جنيد. يا جنيد. "مرارا وتكرارا، فنجا من الغرق، وعبر النهر، ثم قال الرجل للجنيد: " أيها الحضرة، ما السر في أنك كنت تقول: يا الله. فتعبر النهر.؟؟ ولما قلتُ: يا الله ... غرقتُ!!! فقال له الجنيد: نعم أيها الأحمق! إنك لم تصل بعد إلى منزلة الجنيد، وتطمع في الوصول إلى الله مباشرة؟؟؟ الله أكبر!!!
المثال الثاني: ما استدل به النبهاني (١٣٥٠هـ) قائلا:
(إن سيدي محمد الحنفي قدس الله سره (؟؟؟) فرش سجادته على البحر وقال لمريده: قل: يا حنفي، وامش، فمشى المريد خلفه، فخطر له: لِمَ تقول: يا حنفي؟؟؟ هلا قلت: يا الله؟؟؟؟
стр. 975
فلما قالها (أي قال: يا الله) - غرق، فأمسك الشيخ (الحنفي) بيده وقال له:
" أنت الحنفي تعرفه، فكيف بالله؟؟؟ فإذا عرفت الله فقل: يا الله ".
يشير إلى أن الوسائط لا بد منهم ... , لولا الوسائط لكنا من الوسائط ... )
المثال الثالث: ما قاله الإمام الآلوسي (١٢٧٠هـ) في تفسير قوله تعالى:
﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [٥٤ من سورة النحل] :
(وفي الآية ما يدل على أن صنيع أكثر العوام اليوم: من اللجوء إلى غيره تعالى ممن لا يملك لهم، بل ولا لنفسه نفعا ولا ضرا- عند إصابة الضر لهم، وإعراضهم عن دعائه تعالى عند ذلك بالكلية- سفه عظيم،
стр. 976
وضلال جديد، لكنه أشد من الضلال القديم، ومما تقشعر منه الجلود* وتصعر له الخدود الكفرة* أصحاب الأخدود * فضلا عن المؤمنين باليوم الموعود * أن بعض المتمشيخين قال لي وأنا صغير:
" إياك ثم إياك [و] أن تستغيث بالله تعالى- إذا خطب دهاك، فإن الله تعالى لا يعجل في إغاثتك * ولا يهمه سوء حالتك* وعليك بالاستغاثة بالأولياء السالفين، فإنهم يعجلون في تفريج كربك* ويهمهم سوء ما حل بك* فمج ذلك سمعي* وهمي ودمعي * وسألت الله تعالى أن يعصمني والمسلمين* من أمثال هذا الضلال المبين * ولكثير من المتمشيخين اليوم كلمات مثل ذلك) .
المثال الرابع: ما قاله الآلوسي أيضا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥]- وتبعه ابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، وحفيده شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) :
(وقد رأينا كثيرا من الناس على نحو هذه الصفة التي وصف الله تعالى بها المشركين: يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم، ويطلبون منهم، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم توافق هواهم، واعتقادهم فيهم،
стр. 977
ويعظمون من يحكي لهم ذلك، وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده، ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ، وسرد ما يدل على مزية عظمته وجلاله، وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة، وينسبونه إلى ما يكره، وقد قلت- يوما لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات، وينادي: يا فلان! أغثني- فقلت: له: قل: يا الله، فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]- فغضب، وبلغني أنه قال: فلان [الآلوسي] منكر على الأولياء، وسمعتُ عن بعضهم أنه قال:
" الولي أسرع إجابة من الله "!!! وهذا من الكفر بمكان * نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ
стр. 978
والطغيان *) .
المثال الخامس: ما قاله كثير من القبورية الصوفية في تحريف قوله تعالى: ﴿عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩] :
(أي أعرض عمن استغرق واستهلك في ذات الله تعالى، فلا يذكره.
وإن ذكره حصل له فتور في الشهود، فلا تكلفه بالذكر!!، وإليه يشير خاتم الأولياء الشيخ الأكبر محيي الدين ﵁ بقوله:
بذكر الله تزداد الذنوب ... وتنطمس البصائر والقلوب
وترك الذكر أفضل منه حالا ... فإن الشمس ليس لها غروب
المثال السادس: ما استدل به النابلسي الحنفي الوثني (١١٤٣هـ) ؛ قال: (وكذلك وقع لسيدي محمد الحنفي الشاذلي:
стр. 979
أنه كان يعدي من مصر إلى الروضة ماشيا على الماء هو وجماعته، فكان يقول لهم:
" قولوا: يا حنفي، وامشوا خلفي، وإياكم أن تقولوا: يا الله، تغرقوا "، فخالف شخص منهم وقال: يا الله، فزلقت رجله فنزل إلى لحيته في الماء، فالتفت إليه الشيخ وقال: يا ولدي إنك لا تعرف الله تعالى، حتى تمشي باسمه على الماء، فاصبر حتى أعرفك بعظمة الله تعالى، ثم أسقط الوسائط ". انتهى) .
المثال السابع: ما قال واستدل به ذلكم النابلسي الحنفي الوثني المذكور:
(إن معروف الكرخي كان يقول لأصحابه:
" إن كان لكم إلى الله تعالى حاجة فأقسموا عليه بي، ولا تقسموا عليه به تعالى "، فقيل له في ذلك: [لِمَ] ؟.
стр. 980
فقال: " هؤلاء لا يعرفون الله تعالى، فلم يجبهم، ولو أنهم عرفوه لأجابهم " ... )
المثال الثامن: أن بعض كبار الصوفية القبورية الوثنية ركب البحر ومعه مريد، فهاجت ريح خيف منها، فجعل يقول: " يا الله "، فطفق المريد يقول " يا الله " أيضا، فكاد أن يغرق؛ فأشار إليه الشيخ: أن يهتف باسمه، فهتف باسمه فنجا.
المثال التاسع: ما اطلعتُ عليه من عجائب الوثنية:
وهو: (أن امرأة كف بصرها، ومات ولدها، فنادت وليها [أي إلههَا ومعبودَها الباطلَ] وقالت: " أما الله، فقد صنع ما ترى!!! ولم يبق إلى حسبك فيّ" ... ) .
المثال العاشر: ما قالوه من أنّ (الاستغاثة بالمخلوق ليكون شافعا إلى الله ووسيلة إليه لا شك أن ذلك أرجح، لا كراهة فيه، إذا كان المستغاث أهلا لذلك) .
المثال الحادي عشر: ما قاله القضاعي أحد أئمة القبورية الوثنية (١٣٧٦هـ) ونصه:
(إن الاستغاثة به [ ﷺ ] من موجبات تنزل الرحمات وسرعة قضاء
стр. 981
الحاجات) .
المثال الثاني عشر: قوله:
(إن زيارة رسول الله ﷺ وغيره من الأنبياء والصالحين، ونداءَهم والاستغاثةَ بهم، والتوسل بهم إلى الله ، وبما يتعلق بهم [كالتوسل، والتبرك بآثارهم، وقبورهم، ومجالسهم، ونحوها]- من أقوى الأسباب التي وضعها الحكيم العليم لاجتلاب البركات واستنزال الرحمات، واستجابة الدعوات، وسرعة قضاء الحاجات) .
المثال الثالث عشر: عنوان القضاعي بقوله:
بيان أن من ودِّه لأحبائه سرعة إغاثة المستغيثين بهم في غيبتهم وبعد وفاتهم) .
المثال الرابع عشر: قول هذا الوثني جهارا بدون حياء:
(إن دعاءهم [أي دعاء المضطرين] لله [بدون الواسطة مباشرة] من غير توسل به [ ﷺ ] كالمفتاح بلا أسنان، أو بأسنان غير تامة، والمفتاح إذا كان كذلك [بلا أسنان ... ] قلما يقع الفتح به) .
المثال الخامس عشر: ما قاله هذا القضاعي أيضا بدون حياء:
(إن المجيء إلى رسول الله ﷺ والشكوى إليه والاستغاثة به في الملمات* من أقوى الأسباب التي وضعها الله لإزالة البليات، وكشف الكربات *
стр. 982
ونيل الحاجات، والفوز بسعادة الدارين) .
المثال السادس عشر: ما قاله أيضا، [وتبعه محمد علوي المالكي القبوري المعاصر] :
(إن الاستغاثة بأكابر المقربين من أعظم مفاتيح الفرج، ومن موجبات رضى رب العالمين) .
المثال السابع عشر:
ما قاله أيضا دعوةَ منه إلى الشرك السافر:
إنّ التوجهَ إليه ﷺ ونداءَه بقوله: " يا محمد! "والاستنجادَ به - ليس شركا، ولا حراما، ولا مكروها، ولا خلاف الأولى؛ بل ذلك أفضل في الأدب من الربوبية، وأشد اجتلابا للرحمة، واستنزالا للقبول، وأقوى مظنة بالإجابة، وأدنى للرشد، وأبعد من الرد والحرمان.
المثال الثامن عشر:
ما قاله الكوثري، إمام الجهمية والقبورية * ومجدد الماتريدية وشيخ عصبة العصبية والوالغ في أئمة السلفية * (١٣٧١هـ) ، وهذا نصه:
(لا بد لأهل السلوك والرشاد من التوسل والاستغاثة والاستمداد بأرواح الأجلة، والسادة الأمجاد، إذ هم المالك لأزمة الأمور في نيل ذلك المراد) .
стр. 983
قلت: إنما أطلت بعض الإطالة في ذكر الأمثلة من اهتمام القبورية بالاستغاثة بغير الله تعالى، وترجيحها على الاستغاثة بالله تعالى مباشرة - ليعلم المسلمون أن هؤلاء القبورية قد وصلوا في الوثنية إلى حد رجحوا الاستغاثة بالأموات* على الاستغاثة برب البريات*
بل صرحوا بدون حياء من العباد* ولا من رب العباد* مستخفين برب الكائنات* بأن الاستغاثة بالله تضر المكروب، وتمنع قضاء الحاجات* وأن الاستغاثة بغير الله أنفع للمضطر، وأسرع لدفع الملمات* فإن الله لا يهمه سوء حالة المضطرين * وإن الأولياء يهتمون بإزالة كرب المكروبين* إلى آخر إلحادهم الشنيع* وشركهم الفظيع* والله المستعان على ما يصفون *وتعالى الله عما يشركون*
стр. 984
المبحث الثالث
في بيان أمثلة متفرقة لعقيدة القبورية
في استغاثتهم بغير الله عند الكربات
وتوسلهم البدعي بالأحياء والأموات
وفيه مطالب ثلاثة:
ا لمطلب الأول: في عرض عقيدة القبورية في الاستغاثة بالأحياء الغائبين وبالأموات بعدة من التعبيرات وفي جميع الحالات.
المطلب الثاني: في بيان ترجيح القبورية الاستغاثة بالأموات على الاستغاثة بالأحياء عند الكربات، وأن الميت أقدر على إنجاح الحاجات.
المطلب الثالث: في بيان استغاثات القبورية المتفرقات من المنظومات والمنثورات الوثنيات.
стр. 985
المطلب الأول
في عرض عقيدة القبورية في الاستغاثة والتوسل بالأحياء
الغائبين وبالأموات بعدة من التعبيرات وفي جميع الحالات
لقد سبق في المبحث الأول، أن الاستغاثة بغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله أهم عقيدة للقبورية على الإطلاق بالنسبة إلى سائر عقائدهم الوثنية القبورية، وأن بقية عقائدهم إنما هي أدلة لهم لدعم الاستغاثة بغير الله، ووسائل لهم يتوصلون بها إلى استغاثتهم بغير الله سبحانه.
وسبق في المبحث الثاني: أن القبورية وصلوا في الإلحاد والكفر والشرك إلى حد استخفوا بالله تعالى، فرجحوا الاستغاثة بالأموات* على الاستغاثة برب البريات* وهذا من الكفر بمكان، ونهاية في الإلحاد* وعدم الحياء من رب العباد والبلاد* وأود أن أسوق في هذا المبحث أمثلة أخرى من عقيدتهم في الاستغاثة بالغائبين والأموات* لدفع الملمات وجلب الخيرات* بأنواع من الكلمات والتعبيرات * في جميع الأوقات والحالات*
وأبين أن القبورية يرجحون الاستغاثة بالأموات* على الاستغاثة بالأحياء عند الكربات* وأذكر أيضا عدة أمثلة لاستغاثاتهم المتفرقات*
следующие страницы →