قال رسول الله ﷺ : ( «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة» ) لأنه تكامل فيه خلق المخلوقات، وخلق فيه آدم، وأدخل الجنة وأهبط منها، وفيه تقوم الساعة، كل ذلك في يوم الجمعة، فهو أفضل الأيام، وهو آخر أيام الخلق، خلق السماوات والأرض وما فيهن.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ حرف عطف وترتيب، أي أن استواءه على العرش جاء بعد خلق السماوات والأرض، لأنه من صفات الأفعال التي يفعلها الله متى شاء.
ومعنى استوى: ارتفع وعلا.
العرش: هو سقف المخلوقات.
وهو في اللغة: السرير، وهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة وهو أعظم المخلوقات وأعلى المخلوقات.
الاستواء: صفة من صفات الله الفعلية كما يليق بجلاله ، ليس كاستواء المخلوق على المخلوق، وليس هو بحاجة إلى العرش؛ لأنه هو الذي يمسك العرش
стр. 107
وغيره ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] فالعرش محتاج إلى الله لأنه مخلوق، والله غني عن العرش وغيره، لكنه استوى عليه لحكمة يعلمها ، والاستواء نوع من العلو، لكن العلو صفة ذات، وأما الاستواء فهو صفة فعل يفعله إذا شاء .
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ يغشي الليل بالنهار، ويغطي النهار بالليل، فبينما ترون الكون مضيئا يغطيه الليل فيصبح مظلما، والليل يغطيه النهار فيصبح مضيئا.
﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ يأتي هذا بعد هذا مباشرة ولا يتأخر، فإذا أدبر الليل جاء النهار، وإذا أدبر النهار جاء الليل مباشرة لا يتأخر هذا عن هذا، وهذا من كمال قدرته ، لا يفتر هذا عن هذا، والشمس هي الكوكب العظيم المعروف، والقمر كذلك كوكب من الكواكب السبعة السيارة، وكل منهما يجري ويدور على الأرض، والأرض ثابتة مستقرة، جعلها قرارا، أي قارة ثابتة لمصالح العباد، والشمس وسائر الأفلاك تدور عليها، لا كما يقوله المتخرصون الآن من الذين يدعون المعرفة
стр. 108
يقولون: إن الشمس ثابتة والأرض تدور عليها هذا عكس ما في القرآن. . . ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] . وهم يقولون: الشمس ثابتة، يا سبحان الله! والنجوم: هي الكواكب، مسخرات بأمره: مسخرات في الجريان والدوران دائما لا يفترن، وهذا رد على الذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب بأنها مسخرة بأمر الله مأمورة، الله الذي يجريها، والله الذي يوقفها إذا شاء ، فهي مسخرة مدبرة ليس لها من الأمر شيء.
يأمرها سبحانه فتجري وتدور وتضيء بأمره الكوني ، يطلع هذا ويغرب هذا ويتعاقبان، نصب الشمس والقمر والنجوم على العطف، لأن السماوات: منصوب، لأنه مفعول وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة، لأنه جمع مؤنث سالم، والأرض منصوب بالفتحة، ثم قال: والشمس والقمر معطوف على المنصوب، والمعطوف على المنصوب منصوب.
مسخرات: منصوب على الحال أي حال كونها مسخرات، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة، لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. قال ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ .
стр. 109
ألا: أداة تنبيه وتقرير. له: لا لغيره.
الخلق: وهو الإيجاد، فهو القادر على الخلق إذا أراد يخلق ما شاء.
والأمر: أمره ، وهو كلامه الكوني والشرعي.
أمره الكوني: الذي يأمر به المخلوقات فتطيعه وتستجيب له مثل قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] . أمرهما سبحانه، وهذا أمر كوني أمر به السماوات والأرض فتكونت ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] هذا أمر كوني.
أما الأمر الشرعي: فهو وحيه المنزل الذي يأمر به عباده، يأمرهم بعبادته، يأمرهم بالصلاة، يأمرهم بالزكاة، يأمرهم ببر الوالدين، هذا أمره الشرعي يدخل فيه الأوامر والنواهي التي في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، هذا من أمر الله .
إذا كان له الخلق والأمر فماذا بقي لغيره ؟ ولهذا يقول ابن عمر لما قرأ هذه الآية، قال: من له شيء فليطلبه، ودلت الآية على الفرق بين الخلق والأمر، ففيه رد
стр. 110
على من يقولون بخلق القرآن، لأن القرآن من الأمر، وأمر الله ليس مخلوقا، لأن الله غاير بين الخلق وبين الأمر، فجعلهم شيئين متغايرين، والقرآن داخل في الأمر فهو غير مخلوق.
وهذا ما خصم به الإمام أحمد الجهمية لما طلبوا منه أن يقول بخلق القرآن، قال: هل القرآن من الخلق أو من الأمر؟ قالوا: القرآن من الأمر، قال: الأمر غير مخلوق، الله غاير بينه وبين الخلق، فجعل الخلق شيئا والأمر شيئا آخر.
الأمر كلام، وأما الخلق فهو إيجاد وتكوين، يوجد فرق بينهما.
تبارك الله: أي: تعاظم الذي هذه أفعاله ، وهذه قدرته، وهذه مخلوقاته ﵎.
وتبارك: فعل خاص به سبحانه، فلا يطلق على غيره، والبركة هي كثرة الخير ونماؤه، وبركات الله - جل وعلا - لا تتناهى، أما المخلوق فلا يقال له تبارك. إنما يقال له مبارك يعني: بارك الله فيه، وجعله مباركا، والبركة كلها من الله .
يا أيها الناس: هذا نداء من الله لجميع الناس، المؤمنين والكفار، لأن الله ذكر في هذه السورة، سورة البقرة، انقسام الناس إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: المؤمنون الذين يؤمنون بالغيب، ويؤمنون باليوم الآخر، ووصفهم بأنهم هم المفلحون في قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] .
القسم الثاني: الكفار الذين أظهروا الكفر والعناد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .
القسم الثالث: المنافقون الذين ليسوا مع الكفار وليسوا مع المؤمنين: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] . فهم مؤمنون في الظاهر لكنهم كفار في الباطن، وهؤلاء شر من الكفار المجاهرين بكفرهم، ولهذا أنزل فيهم بضع عشرة آية، بينما أنزل في المؤمنين آيات قليلة وفي الكفار آيتين، أما المنافقون فبدأ ذكرهم من قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا﴾ [البقرة: ٨] إلى قوله: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] .
стр. 113
هذا كله في المنافقين لشدة خطرهم وقبح فعلهم، ولما ذكر هذه الأصناف الثلاثة قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهذا دعاء لجميع الأصناف المؤمنين والكفار والمنافقين، قال العلماء: أول نداء في المصحف هو هذا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] .
اعبدوا: فعل أمر، أي أخلصوا له العبادة، لماذا؟ لأنه ربكم، والعبادة لا تصلح إلا للرب ، ثم ذكر الدليل على ذلك وهو قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ .
والذين من قبلكم: من الأمم كلهم، خلق الله الملائكة والجن والإنس، وجميع المخلوقات.
لعلكم تتقون: إذا تدبرتم هذا، فلعل هذا أن يسبب لكم التقوى إذا تدبرتم أنه الذي خلقكم وخلق الذين من قبلكم، لعلكم تتقونه في عبادته، لأنه لا يقي من عذابه إلا طاعته ، لعلكم تتقون عذابي وتتقون النار، لأنه لا يقيكم منها إلا عبادة ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم.
ثم واصل الاستدلال على ربوبيته وعبوديته بقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ أي: بساطا وَاللَّهُ
стр. 114
أنواع العبادة التي أمر الله بها وأدلة كل نوع
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ تَعَالَى: الخَالِقُ لِهَذِهِ الأَشْيَاءَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ. وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا مِثْلُ الإِسْلامِ وَالإِيمَانِ والإحسان [١٠]
стр. 115
والعبادة قسمان: القسم الأول: عبادة عامة لجميع الخلق، كلهم عباد الله، المؤمن والكافر، والفاسق والمنافق، كلهم عباد الله، بمعنى أنهم تحت تصرفه وقهره، وأنهم تجب عليهم عبادته ، هذه عبادة عامة لجميع الخلق، مؤمنهم وكافرهم، كلهم يقال لهم عباد الله، بمعنى أنهم مخلوقون له، مذللون، لا يخرج أحد منهم عن قبضته وسلطانه، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] . هذا يشمل كل من في السماوات والأرض، المؤمن والكافر، كلهم يأتون يوم القيامة منقادين لله ، ليس لأحد منهم شركة مع الله في ملكه.
القسم الثاني: عبودية خاصة بالمؤمنين، كما قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] .، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] . قال الشيطان: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] . هذه عبودية خاصة، وهي عبودية الطاعة والتقرب إلى الله بالتوحيد.
والعبادة في الشرع اختلف العلماء في تعريفها، يعني اختلفت عباراتهم في تعريفها، والمعنى واحد، فمنهم من
стр. 116
يقول: العبادة غاية الذل مع غاية الحب، كما قال ابن القيم في النونية:
وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان
فعرفها بأنها غاية الحب مع غاية الذل.
ومنهم من يقول: العبادة هي: ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي.
لأن العبادة توقيفية لا تثبت بالعقل ولا بالعرف، وإنما تثبت بالشرع، وهذا تعريف صحيح.
ولكن التعريف الجامع المانع هو ما عرفه بها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: " العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ".
هذا التعريف الجامع المانع، وهو أن العبادة اسم لجميع ما أمر الله به، ففعل ما أمر الله به طاعة لله، وترك ما نهى الله عنه طاعة لله، هذه هي العبادة، ولا تحصر أنواعها، أنواعها كثيرة، كل ما أمر الله به فهو عبادة، وكل ترك لما نهى الله عنه طاعة لله هو عبادة، ولا تحصر أنواعها، أنواعها كثيرة، كل ما أمر الله به فهو عبادة، وكل ما نهى الله عنه فتركه، سواء كان
стр. 117
ذلك ظاهرا على الجوارح أو كان باطنا في القلوب، لأن العبادة تكون على اللسان وتكون على القلب وتكون على الجوارح.
تكون على اللسان مثل التسبيح والذكر والتهليل والنطق بالشهادتين، كل أقوال اللسان المشروعة من ذكر الله فإنها عبادة.
وكذلك كل ما في القلب من التقرب إلى الله فإنه عبادة كالخوف والرجاء والخشية والرغبة والرهبة والتوكل والإنابة والاستعانة، كل هذه أعمال قلب، اللجوء إلى الله بالقلب وخشية الله وخوفه ورغبته والرغبة إليه ومحبته سبحانه والإخلاص له والنية الصادقة لله ، كل ما في القلوب من هذه الأنواع فهو عبادة؛ وكذلك تكون العبادة على الجوارح مثل الركوع والسجود والجهاد في سبيل الله والجهاد بالنفس والهجرة، كل هذه عبادات بدنية، والصيام عبادة بدنية تظهر على الجوارح.
فإذن العبادة تكون على اللسان، وعلى القلب، وتكون على الجوارح، ثم هذه العبادة تنقسم إلى عبادة بدنية وإلى عبادة مالية.
стр. 118
الإسلام والإيمان والإحسان ودليل كل
وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا مِثْلُ الإسلام والإيمان والإحسان [١١]
стр. 119
قوله ﵀: مثل الإسلام والإيمان والإحسان: هذه الأنواع الثلاثة أعظم أنواع العبادات، الإسلام والإيمان والإحسان، وسيأتي شرحها في كلام الشيخ ﵀ في الأصل الثاني، وذكرها هنا لأنها من أنواع العبادة، فالإسلام بأركانه الخمسة: الشهادتان وَإِقَامُ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَحَجُّ بيت الله الحرام، هذه كلها عبادات مالية وبدنية، وكذلك الإيمان بأركانه الستة، وهو من أعمال القلوب: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، هذه عبادة قلبية.
كذلك الإحسان، وهو ركن واحد، وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هذا أعلى أنواع العبادة، لأن الإحسان هو أعلى أنواع العبادة. وهذه تسمى مراتب الدين، لأن مجموعها هو الدين، لأن جبريل لما سأل النبي ﷺ بحضرة أصحابه وأجابه النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان قَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُم» ، فسمي هذه الثلاثة الدين.
ويقول آخر:
فلو سئل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا
فالناس أقسام ثلاثة:
الأول: من لا يدعو الله أصلًا، فيكون مستكبرًا عن عبادة الله.
الثاني: من يدعو الله، ولكن يدعو معه غيره فيكون مشركًا.
الثالث: من يدعو الله مخلصًا له الدعاء، فهذا هو الموحد.
في الحديث أن النبي ﷺ قال: «الدعاء مخ العبادة» [وفي رواية: «الدعاء هو العبادة» ] فهذا يدل على عظيم الدعاء وأنه أعظم أنواع العبادة؛ لأن الرسول ﷺ قال: " «مخ العبادة» "
стр. 125
وفي رواية: " «الدعاء هو العبادة» " والرواية الثانية أصح من رواية: " «الدعاء مخ العبادة» " والمعنى واحد.
فالحديث بروايتيه يبين عِظَمَ الدعاء، وأنه هو النوع الأعظم من أنواع العبادة. كما قال ﷺ : «الحج عرفة» بمعنى أن الوقوف بعرفة في الحج هو الركن الأعظم من أركان الحج، وليس معناه أن الحج كله هو عرفة، ولكن الوقوف بعرفة هو أعظم أركان الحج، كذلك ليست العبادة محصورة في الدعاء؛ ولكن الدعاء هو أعظم أنواعها، ولهذا قال: " «الدعاء هو العبادة» " من باب تعظيم الدعاء وبيان مكانته.
ثم ذكر الشيخ ﵀ أدلة أنواع العبادة التي ذكرها وهي: الخوف، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشْيَةُ، وَالإِنَابَةُ، والاستعانة، والاستعاذة، وَالذَّبْحُ، وَالنَّذْرُ، وَغَيْرُ ذَلَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ التي أمر الله بها كلها لله فقال ﵀:
الله فإذا خاف أحدًا في شيء لا يقدر عليه إلا الله فهذا شرك أكبر؛ لأنه صرف نوعًا من أنواع العبادة لغير الله ، كالذين يخافون من القبور ومن الأضرحة ومن الجن ومن الشياطين أن تمسهم بسوء أو أن تنزل بهم ضررًا، فيذهبون يتقربون إلى هذه الأشياء لدفع ضررها أو خوفًا منها، هذا شرك أكبر، يقول: أخاف إن لم أذبح له أن يصيبني أو يصيب أولادي أو مالي أو ما أشبه ذلك، كما قال قوم هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ يهددونه بآلهتهم ويخوفونه بآلهتهم ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٤- ٥٦] هذا هو التوحيد تحداهم كلهم هم وآلهتهم.
﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي﴾ لا تمهلوني بل من الآن ولم يقدروا عليه بشيء بل نصره الله عليهم.
فالذي يخاف من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، هذا يكون قد أشرك الشرك الأكبر، وهذا يسمى خوف العبادة وخوف الشرك كثير في الناس، يخافون من القبور أو من الأولياء، يخافون من الشيطان، يخافون من الجن؛ ولذلك يقومون
стр. 128
بتقديم القربات لهم، يقدمون لهم الذبائح والنذور والأطعمة وغير ذلك من النقود يلقونها على أضرحتهم من أجل أن يسلموا من شرهم أو ينالوا من خيرهم، فهذا هو خوف العبادة.
النوع الثاني:
الخوف الطبيعي: وهو أن تخاف من شيء ظاهر يقدر على ما تخافه منه، كأن تخاف من الحية أو العقرب أو من العدو، هذه أمور ظاهرة ومعروفة، فالخوف منها لا يسمى شركًا هذا خوف طبيعي من شيء ظاهر معروف؛ لأنك تخاف من سبب ظاهر ومطلوب الوقاية منه، والحذر منه، تأخذ السلاح، تأخذ العصا لقتل الحية والعقرب وقتل السبع؛ لأن هذه أمور محسوسة، وفيها ضرر معلوم، فإذا خفت منها فهذا لا يسمى شركًا بل يسمى خوفًا طبيعيا.
ولهذا قال الله في موسى ﵇: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا﴾ أي من البلد ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] خائفًا من أعدائه؛ لأنه قتل منهم نفسًا.
وهرب عليه ﵊ إلى مَدْيَنَ، وكان يترقب ويخشى أن يلحقوه، فهذا خوف طبيعي، لكن تعلم الإنسان أن يعتصم بالله ويأخذ بالأسباب التي تدفع عنه الضرر، ويعتمد على الله ويتوكل على الله، قال
هذا يدل على أن الرجاء وحده لا يكفي، لا بد من العمل، أما أنك ترجو الله ولكنك لا تعمل فهذا تعطيل للسبب، فالرجاء المحمود هو الذي يكون معه عمل صالح، أما الرجاء غير المحمود فهو الرجاء الذي ليس معه عمل صالح، والعمل الصالح ما توفر فيه شرطان:
الأول: الإخلاص له .
الثاني: المتابعة للرسول ﷺ .
فالعمل لا يكون صالحًا إلا إذا توفر فيه هذان الشرطان: أن يكون خالصًا لوجه الله ليس فيه شرك، وأن يكون صوابًا على سنة رسول الله ﷺ ، ليس فيه بدعة، فإذا توفر فيه الشرطان فهو صالح، وإن اختل فيه شرط فإنه يكون عملًا فاسدًا لا ينفع صاحبه.
فالعمل الذي فيه شرك يرد على صاحبه، كذلك العمل الذي فيه بدعة يرد على صاحبه، قال ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» فهذه الآية فيها الرجاء وأنه عبادة الله ، وفيها أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل الصالح.
يقضي لك حاجة، وقد وكل النبي ﷺ من ينوبون عنه في بعض الأعمال، فالتوكيل غير التوكل، فالتوكل عبادة لا يكون إلا لله، ولا يجوز أن تقول: توكلت على فلان، وإنما تقول وكلت فلانًا.
ومع هذا أنت توكله ولا تتوكل عليه، وإنما تتوكل على الله ، فلاحظوا الفرق بين الأمرين التوكل والتوكيل.
ومن صفات المؤمنين ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] هذه من صفات المؤمنين، فالتوكل عبادة عظيمة لا تكون إلا لله ؛ لأنه هو القادر على كل شيء، وهو المالك لكل شيء، وهو الذي يقدر أن يحقق لك مطلوبك، أما المخلوق فإنه قد لا يقدر أن يحقق لك مطلوبك، فإنك توكله في قضاء شيء من الأمور، لكن تتوكل على الله في حصول ذلك الشيء.
ثم أيضًا لنعلم أن التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب، فيجمع المسلم بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب، ولا تنافي بينهما، فأنت تعمل الأسباب التي أُمِرْتَ بعملها، ولكن
قوله تعالى: إِنَّهُمْ الضمير يرجع للأنبياء؛ لأن سورة الأنبياء قد ذكر الله قصص الأنبياء فيها ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ فقوله تعالى: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي: يتسابقون إليها، ويبادرون إليها، هذه صفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يتكاسلون ولا يتعاجزون، وإنما يسارعون إلى فعل الخيرات ويتسابقون إليها.
قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا﴾ أي: طمعًا لما عند الله طمعًا في حصول المطلوب.
قوله تعالى: وَرَهَبًا أي: خوفًا منا، فيدعون الله أن يرحمهم، ويدعونه ألا يعذبهم، وألا يؤاخذهم، وألا يعاقبهم، فهم يطمعون في رحمة الله ويخافون من عذابه، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] فهم يدعون الله خوفًا منه، ويدعونه أيضًا طمعًا فيما عنده، يدعون الله أن يقدر لهم الخير ويدفع عنهم الشر. ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ أي: خاضعين متذللين متواضعين لله فجمعوا بين الصفات الثلاث:
أما الاستعانة بالمخلوق في شيء لا يقدر عليه إلا الله؛ مثل جلب الرزق ودفع الضرر، فهذا لا يكون إلا لله، كالاستعانة بالأموات، والاستعانة بالجن والشياطين، والاستعانة بالغائبين، وهم لا يسمعونك تهتف بأسمائهم، هذا شرك أكبر؛ لأنك تستعين بمن لا يقدر على إعانتك.
فقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
إياك نعبد: هذا فيه تقديم المعمول على العامل، المعمول إياك في محل نصب، ونعبد هذا هو العامل الذي نصب إياك، وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر.
فمعنى إياك نعبد: أي لا نعبد غيرك، فحصر العبادة في الله .
وإياك نستعين: حصر الاستعانة بالله وذلك في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله .
وفي قوله: إياك نستعين، براءة من الحول والقوة، وأن الإنسان لا قوة له إلا بالله ولا يقدر إلا بالله ، وهذا غاية التعبد لله إذا تبرأ من الشرك وتبرأ من الحول ومن القوة فهذا غاية التعبد لله .
هذا هو البديل الصحيح، الاستعاذة بكلمات الله التامات بدلًا من الاستعاذة بالجن.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ .
الفلق: هو الصبح، ورب الفلق: هو الله كما قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] أي: مظهر نور الصبح في ظلام الليل. من الذي يقدر على هذا إلا الله .
﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ أي: رب الصبح إذا أصبح، المالك المتصرف فيه القادر عليه.
﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ : هذا يشمل شر جميع المخلوقات، يستعيذ بالله من شر جميع المخلوقات.
هذا يكفيك عن كل استعاذة أو تعوذ مما يفعله الناس ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ .
الغاسق: هو ظلام الليل؛ لأن ظلام الليل تخرج فيه الوحوش والسباع، فأنت تقع في خطر، تستعيذ بالله من شر هذا الظلام وما تحته من هذه المؤذيات.
﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ وهي السواحر تستعيذ بالله من السحر وأهله؛ لأن السحر شر عظيم.
الناس، هذه كلها أسماء وصفات لله ، وفيها أنواع التوحيد الثلاثة، توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
استعذت بالله وبهذه الأسماء والصفات، استعذت من شر الوَسواس وهو الشيطان، أما الوِسواس بالكسر فهو مصدر وَسْوَسَ يُوَسْوِسُ، أما الوَسواس فهذا اسم من أسماء الشيطان؛ لأنه يوسوس للإنسان ويخيل إليه، ويشغله من أجل أن يلقي في قلبه الرعب والتردد والحيرة في أموره، خصوصًا في أمر العبادة، فإن الشيطان يوسوس للإنسان في العبادة حتى يلبس عليه صلاته أو عبادته، ثم ينتهي به الأمر إلى أن يخرج من الصلاة ويعتقد أنها بطلت، أو يصلي ثم يعتقد أنه على غير وضوء، أو أنه ما قام لكذا أو أنه ما فعل كذا، ويصبح في وسواس ولا يطمئن إلى عبادته.
فالله جل وعلا أعطانا الدواء لهذا الخطر وذلك بأن نستعيذ بالله من شر هذا الوسواس.
الخناس: الذي يتخلف ويبتعد، فهو يوسوس إذا غفلت عن ذكر الله، ويخنس، أي: يتأخر إذا ذكرت الله ، فهو وسواس مع الغفلة، وخناس عند ذكر الله .
стр. 144
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ : كأن المعنى - والله أعلم - أنه هناك موسوسين من الجن ومن الإنس يوسوسون للناس، يأتون الناس ويشككونهم، فكما أن للجن شياطين يوسوسون فكذلك للإنس شياطين يوسوسون، فأنت تستعيذ بالله من شر القبيلين.
ولهذا يقول النبي ﷺ : «ما تعوذ متعوذ بمثلهما» أي: هاتين السورتين فينبغي للمسلم أن يقرأهما في أدبار الصلوات ويكررهما ويقرأهما عند النوم مع آية الكرسي وسورة الإخلاص.
يقرأ آية الكرسي، وسورة الإخلاص والمعوذتين، يقرؤهما دبر كل صلاة ويكررهما ثلاثًا بعد المغرب وبعد الفجر، وكذلك يقرؤهما عند النوم من أجل أن يبتعد عنه الشيطان فلا يكدر عليه نومه ويزعجه بالأحلام.
الشاهد من هاتين السورتين أن الله أمر بالاستعاذة به وحده فدل على أن الاستعاذة بغيره من الجن أو من الإنس أو من أي مخلوق أنه لا يجوز؛ لأنها نوع من أنواع العبادة.