وقوله ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ، عن أمره: أي عن أمر الرسول فلا بد من طاعة الرسول ﷺ .
الثانية: تصديقه فيما أخبر؛ لأن الرسول ﷺ أخبر عن أمور كثيرة مغيبة، أخبر عن الله وعن الملائكة، وأخبر عن أمور غائبة، وأخبر عن أمور مستقبلة من قيام الساعة وأشراط الساعة والجنة والنار، وأخبر عن أمور ماضية عن أحوال الأمم السابقة، فلا بد من تصديقه فيما أخبر؛ لأنه صدق لا كذب فيه، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] .
الرسول ﷺ لا يتكلم بهذه الأخبار أو هذه الأوامر والنواهي، لا يتكلم بشيء من عنده ﵊، إنما يتكلم بوحي من الله فأخباره صدق، ومن لم يصدقه فيما أخبر فليس بمؤمن ولا صادق في شهادته أنه رسول الله، كيف يشهد أنه رسول الله ويكذبه في أخباره؟ كيف يشهد أنه رسول الله ولا يطيع أمره؟! .
الثالثة: اجتناب ما نهى عنه وزجر: اجتنب ما نهاك عنه الرسول ﷺ ؛ نهاك عن أقوال وأفعال وصفات كثيرة، ولا
стр. 177
ينهى ﷺ إلا عن شيء فيه ضرر وفيه شر، ولا يأمر إلا بشيء فيه خير وفيه بر، فإذا لم يجتنب ما نهى عنه رسول الله ﷺ لم يكن شاهدًا له بالرسالة بل صار متناقضًا، كيف يشهد أنه رسول الله ولا يجتنب ما نهاه عنه الرسول ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] قال ﷺ : «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» فلا بد من اجتناب ما نهى عنه ﷺ .
الرابعة: أن لا يُعبد الله إلا بما شرع: تقيد في العبادات بما شرعه الله لرسوله ﷺ فلا تأت بعبادة لم يشرعها الرسول ﷺ ، وإن كان قصده حسنًا، وإن كنت تريد الأجر، لكن هذا عمل باطل؛ لأنه لم يأت به الرسول ﷺ . النية لا تكفي بل لا بد من الاتباع.
فالعبادات توقيفية لا يجوز الإتيان بعبادات لم يشرعها رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : «من عمل عملا ليس»
стр. 178
«عليه أمرنا فهو رد» وقال ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» .
فالإتيان بعبادة لم يشرعها رسول الله ﷺ تعتبر بدعة منكرة منهيًّا عنها، وإن قال بها فلان أو فلان، أو فعلها من فعلها من الناس ما دامت خارجه عن ما جاء به الرسول ﷺ فإنها بدعة وضلالة، فلا يعبد الله إلا بما شرع على لسان رسوله، والمحدثات والخرافات كلها عمل باطل ونقص وضلال على من أتى بها، وإن كان يقصد بها الخير ويريد الأجر، فإن العبرة ليست بالمقاصد، وإنما العبرة بالاتباع والطاعة والانقياد، ولو كنا أحرارًا نأتي بما نشاء ونستكثر من العبادات ما نشاء لما احتجنا إلى بعثة الرسول ﷺ .
ولكن من رحمة الله بنا لم يكلنا إلى عقولنا، ولم يكلنا إلى فلان وعلان من الناس؛ لأن هذه الأمور مردها إلى
بعد وفاة الرسول ﷺ قاتلهم أبو بكر ﵁ وقال: " والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالًا - وفي رواية " عناقًا"- كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه ".
فالزكاة حق واجب في الأموال، وهي ركن من أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة في كتاب الله في كثير من الآيات ومنها هذه الآية: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ .
دليل التوحيد في أولها في قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ هذا هو تفسير التوحيد، وهو عبادة الله مع الإخلاص له وترك عبادة ما سواه، فالدين والتوحيد والعبادة بمعنى واحد، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: العبادة، هذا تفسير التوحيد، لا كما يقوله علماء الكلام: أنه الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت هذا توحيد الربوبية، والمطلوب هو توحيد الألوهية الذي دعت إليه الرسل، ولا يصير المسلم مسلمًا إلا إذا جاء به.
أما من جاء بتوحيد الربوبية فقط فهذا ليس مسلمًا بدليل أن المشركين يعتقدونه وينطقون به ويعترفون به ولم يدخلهم
стр. 181
في الإسلام، ولم يمنع من قتلهم وسبي أموالهم توحيدهم هذا؛ لأنهم ليسوا موحدين لما أشركوا بالله في العبادة، هذا هو تفسير التوحيد من كتاب الله لا من كتاب فلان وعلان كتاب "الجوهرة" أو كتاب "المواقف" أو كتب علماء الكلام، لا يؤخذ تفسير التوحيد من هذه الكتب وإنما يؤخذ من كتاب الله ومن سُنة رسول الله ﷺ ، ومن كتب أهل السنة والجماعة الذين يتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
ودليل الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ والمعنى أن يأتوا بها كما أمر الله بشروطها وأركانها وواجباتها، أمر مجرد صورة الصلاة فإنها لا تكفي؛ ولهذا لم يقل: ويصلوا، بل قال: ويقيموا الصلاة، ولا تكون الصلاة قائمة إلا إذا أتى بها كما أمر الله ، أما الذي يصلي مجرد صورة في أي وقت يشاء أو بدون طهارة وبدون طمأنينة، ولا يأتي بمتطلبات الصلاة، هذا لم يصل، ولهذا
стр. 182
قال ﷺ للمسيء في صلاته الذي لا يطمئن في صلاته قال له: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ليس مقصودًا صورة الصلاة من قيام وركوع وسجود وجلوس فقط، ليس هذا المقصود، بل المقصود أن يؤتى بها كما شرع الله مستوفية لكل متطلباتها الشرعية.
ثم ذكر دليل الزكاة بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: يدفعوا الزكاة للمستحقين لها، الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠] .
ذكر ثمانية مصارف وحصرها بـ (إنما) فلا يكون صرفها في غير هذه المصارف الثمانية، فمن صرفها في غير مصارفها الثمانية لم يكن قد آتى الزكاة ولو أنفق أموالًا طائلة ملايين أو مليارات وسماها زكاة، ولا تكون زكاة حتى توضع في مواضعها التي حصرها الله تعالى فيها، هذا معنى إيتاء الزكاة، وأيضًا في وقتها، أي: يخرجها وقت وجوبها. لا يتباطأ
﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: كما فرض على الذين من قبلكم من الأمم، فدل على أن الصيام كان معروفًا عند الأمم السابقة وفي الشرائع القديمة، ولم تختص به شريعة محمد ﷺ .
والنفس قد تتثاقل الصيام لما فيه من كبح جماحها ومنعها من الشهوات، والله جل وعلا بين أنه سنته في خلقه، وأنه على جميع الأمم، حتى في الجاهلية كان الصيام معروفًا، كانوا يصومون يوم عاشوراء.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ هذا بيان للحكمة من الصيام، فلعلكم تتقون: بيان للحكمة في مشروعية الصيام، وهو أنه يسبب التقوى؛ لأن الصيام يترك به الإنسان مألوفاته وشهواته ومرغوباته تقربًا إلى الله فيكسبه التقوى، كما أنه يكسر أيضًا شهوة النفس وحدتها؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فمع تناول الشهوات يتسلط الشيطان، ومع ترك الشهوات يضعف مجرى الدم فيطرد الشيطان عن المسلم، ففي الصيام حصول التقوى التي هي جماع الخير كله.
فهذه فائدة الصيام أنه يسبب التقوى، تقوى الله ، واتقاء المحارم والشهوات المحرمة؛ لأن الإنسان إذا
فإن كنتم مسلمين فحجوا؛ لأن الله فرض حج البيت على المسلمين، فإذا لم تحجوا وأبيتم الحج فهذا دليل على أنكم لستم مسلمين، ولستم على ملة إبراهيم ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ .
ولله: أي، هذا فرض وحق وواجب لله على الناس.
حج: معناه في اللغة: القصد.
الحج شرعا: قصد الكعبة المشرفة والمشاعر المقدسة في وقت مخصوص لأداء عبادات مخصوصة، وهي مناسك الحج.
حج البيت: أي، الكعبة، وما حولها من المشاعر تابع لها.
من استطاع إليه سبيلا: هذا بيان شرط الوجوب، وهو الاستطاعة البدنية والاستطاعة المالية، الاستطاعة البدنية بأن يكون قادرا على المشي والركوب والانتقال من بلده إلى مكة في أي مكان من الأرض، هذه البدنية، يخرج العاجز عجزا مستمرا كالمريض مرضا مزمنا والكبير الهرم، فهذا ليس عنده
стр. 187
استطاعة بدنية، فإن كانت عنده استطاعة مالية فإنه ينيب من يحج عه حجة الإسلام.
أما الاستطاعة المالية فهي توفر المركب الذي ينقله، الراحلة أو السيارة أو الطيارة أو الباخرة، كل وقت بحسبه، ويكون عنده مال يستطيع أن يوفر له المركب الذي يمتطيه لأداء الحج، وأيضا الزاد يكون عنده زاد ونفقة له في السفر ذهابا وإيابا، ولمن يمونهم يكون عندهم كفايتهم إلى أن يرجع إليهم، فالزاد معناه أن يكون عنده ما يكفيه في سفره، ويكفي من يمون من أولاده ووالديه وزوجته، وكل من تلزمه نفقته، يؤمن لهم ما يكفيهم حتى يرجع إليهم بعد تأمين سداد الديون إن كان عليه ديون، يكون هذا المال فاضلا بعد سداد الديون.
فإذا توفر هذا فيكون هذا هو السبيل، " الزاد والراحلة " كما في حديث ابن عباس ﵄.
ومن لم يستطع: أي، من ليس عنده زاد ولا راحلة فليس
стр. 188
عليه حج؛ لأنه غير مستطيع، فشرط وجوب الحج هو الاستطاعة.
ولما كان الحج يؤتى إليه من بعيد من كل أقطار الأرض، من كل فج عميق، ويحتاج إلى مؤنة، وفيه مشقة وتعب، وقد يحصل فيه أخطار، فمن رحمة الله أن جعله في العمر مرة واحدة، وما زاد عليها فهو تطوع، هذا من رحمة الله حيث لم يوجبه على المسلم كل سنة، كما قال النبي ﷺ : «إن الله فرض عليكم الحج فحجوا، قال الأقرع بن حابس ﵁: أكل سنة يا رسول الله؟ فسكت عنه الرسول ﷺ ، ثم أعاد السؤال، فسكت عنه النبي ﷺ ، ثم أعاد السؤال، فقال النبي ﷺ : لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، الحج مرة واحدة، فما زاد فهو تطوع» ، هذا من رحمة الله.
وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ فيه دليل على أن من امتنع عن الحج وهو يقدر ولم يحج فإنه
стр. 189
كافر؛ لأن الله قال: (ومن كفر) ، أي: من أبى أن يحج وهو قادر على الحج، فإن هذا كفر، قد يكون كفرا أصغر، فمن تركه جاحدا لوجوبه هذا كفر أكبر بإجماع المسلمين، أما من اعترف بوجوبه وتركه تكاسلا فهذا كفر أصغر، ولكن إذا توفي وكان له مال فإنه يحج من تركته؛ لأنه دين عليه لله ، وهذه الآية فيها وجوب الحج، وهو ركن من أركان الإسلام، وبين الرسول ﷺ أنه ركن من أركان الإسلام في حديث جبريل، وفي حديث ابن عمر.
وقد فرض الحج في السنة التاسعة على قول، ولم يحج النبي ﷺ في هذه السنة، وإنما حج في السنة التي بعدها في السنة العاشرة، لماذا؟ لأنه ﷺ «أرسل عليا ينادي في الناس في الموسم: " أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان "» ، فلما منع المشركون والعراة من الحج في العام العاشر حج النبي ﷺ حجة الوداع.
стр. 190
المرتبة الثانية: الإيمان
تعريف الإيمان
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمَانُ: وَهُوَ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَعْلاهَا قَوْلُ: لا اله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإيمان. [٤٢]
стр. 191
فتفسير الإيمان بهذا التفسير هو حقيقة شرعية، فالإيمان نقل من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي.
فالإيمان: قول باللسان، لا بد من النطق والاعتراف باللسان، واعتقاد بالقلب، لا بد من أن يكون ما ينطق به بلسانه معتقدا له بقلبه، وإلا كان مثل إيمان المنافقين الذين ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١] .
ولا يكفي القول باللسان والاعتقاد بالقلب، بل لا بد من العمل بالجوارح أيضا، لا بد من أداء الفرائض، وتجنب المحرمات، فيفعل الطاعات، ويتجنب المحرمات، كل هذا من الإيمان، وهو بهذا التعريف يشمل الدين كله، لكن هذه الطاعات والشرائع الكثيرة منها ما هو جزء من حقيقة الإيمان للإيمان، ومنها ما هو مكملات للإيمان.
والإيمان له أركان وله شعب، وقد بينها النبي ﷺ في حديثين، بين أركان الإيمان في حديث جبريل، وبين شعب الإيمان في حديث «الإيمان بضع وسبعون شعبة» ، وهذا يأتي إن شاء الله.
والإيمان والإسلام إذا ذكرا جميعا صار لكل واحد معنى، وإذا ذكر منهما واحد فقط دخل في الآخر، فإذا ذكرا
стр. 192
جميعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وهي أركان الإسلام الخمسة، وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة، وهي الأركان الستة، ومحلها القلب، ولا بد من اجتماعها في المسلم، لا بد أن يكون مسلما مؤمنا، يقيم أركان الإسلام، ويقيم أركان الإيمان، لا بد من اجتماعها.
قال ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة» روايتان.
قوله: بضع: البضع هو ما بين الثلاثة إلى التسعة، فإذا قيل: بضعة عشر: هو ما بين ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، وإذا قيل: بضع فقط فهو ما بين الثلاثة إلى التسعة.
قوله: شعبة: الشعبة هي القطعة من الشيء، أي: أن الأركان بضع وسبعون قطعة أو جزءا.
قوله: أعلاها: أي: أعلى هذه الشعب قول: لا إله إلا الله، فهي رأس الإسلام، ورأس الإيمان، وهي الركن الأول، وهي مدخل الدين.
стр. 193
قوله: أدناها أي: آخرها وأقلها.
قوله: إماطة الأذى عن الطريق أي: إزالة الأذى عن الطريق المسلوك، والأذى كل ما يؤذي الناس من شوك أو حجر أو قاذورات أو مخلفات، كل ما يؤذي الناس في طريقهم، ووضع الأذى في الطريق محرم؛ لأن الطريق للمارة، فالأذى يعطل المارة، أو يعرضهم للخطر، مثل أن يوقف سيارته في الطريق، هذا من الأذى، إرسال الماء من البيت في الطريق، هذا من الأذى، وضع القمامات في الطريق، هذا من الأذى، سواء كان الطريق في البلد أو في البر، وضع الحجارة، وضع الأخشاب، وضع الحديد بطرقات الناس، حفر الحفر في طرقات الناس، كل هذا من الأذى.
فإذا جاء مسلم وأزاح هذا الأذى، أخلى الطريق منه، فهذا دليل على إيمانه، فوضع الأذى في الطريق من شعب الكفر، وإزالة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان.
قوله: والحياء شعبة من الإيمان: الحياء خلق يجعله الله في الإنسان، يحمله على فعل ما يجمله ويزينه، ويمنعه مما يدنسه ويشينه، والحياء الذي يحمل صاحبه على الخير، ويبعده عن الشر، هذا محمود، أما الحياء الذي يمنع الإنسان
الفرق أن الأركان لا بد منها، فإذا زال واحد منها زال الإيمان؛ لأن الشيء لا يقوم إلا على أركانه، فإذا فقد ركن من أركان الشيء لم يتحقق، وأما الشعب فإنها مكملات، لا يزول الإيمان بزوال الشيء منها، لكنها مكملات إما واجبات أو مستحبات، فالواجبات لكمال الإيمان الواجب والمستحبات لكمال الإيمان المستحب.
فإذا ترك المسلم شيئا من الواجبات، أو فعل شيئا من المحرمات، فإنه لا يزول إيمانه بالكلية عند أهل السنة والجماعة، ولكن يزول كماله الواجب، فيكون ناقص الإيمان أو فاسقا، كما لو شرب الخمر أو سرق أو زنى، أو فعل شيئا من الكبائر، هذا يكون فاعلا لمحرم وكبيرة من كبائر الذنوب، لكنه لا يكفر بذلك، ولا يخرج من الإيمان، بل يكون فاسقا، ويقام عليه الحد إن كانت المعصية ذات حد، وكذلك من ترك واجبا، كمن ترك بر الوالدين، أو صلة القرابة، هذه واجبات، فمن تركها نقص إيمانه، وكان عاصيا بترك الواجب، فيكون عاصيا إما بترك الواجب، وإما
стр. 196
بفعل محرم، وعلى كل حال لا يخرج من الإيمان، وإنما يكون مؤمنا ناقص الإيمان.
هذا مذهب أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج والمعتزلة الذين يكفران مرتكب الكبيرة، فالخوارج يكفرونه ويخرجونه من الدين، والمعتزلة يخرجونه من الدين، لكن لا يدخلونه في الكفر، وإنما يقولون: هو في منزلة بين منزلتين، لا هو مؤمن، ولا كافر.
هذا مذهبهم، وهو مذهب مبتدع، مخالف للأدلة، ومخالف لما هو عليه أهل السنة والجماعة، والسبب في ذلك تقصيرهم في الاستدلال، حيث أخذوا أدلة الوعيد، وتركوا أدلة الوعد مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، هذه من أدلة الوعد، دلت على أن العاصي الذي لم يصل إلى حد الشرك والكفر أنه مرجو له المغفرة، ومعرض للوعيد والعقوبة.
فإذا جمعت بين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ، من أخذ بظاهرها كفر
стр. 197
بالمعصية مطلقا، وإن ردها إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] تبين له الحق، وأنه لا يخرج من الدين، ولكنه متوعد بالنار، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه، فقد يأتي عليه مكفرات في الدنيا، أو عذاب في القبر، تكفر هذه السيئات، والمكفرات كثيرة، يبتلى بمصائب، يبتلى بعقوبات في الدنيا، أو يعذب في قبره، أو يؤجل إلى يوم القيامة، ويكون تحت المشيئة.
هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا هو الفرق بين الشعب والأركان، فمن ترك شيئا من الأركان فإنه يكفر، من جحد التوحيد وأشرك بالله هذا يكفر؛ لأنه ترك الركن الأول، ومن جحد أحد الرسل يكفر؛ لأنه ترك ركنا من أركان الإسلام، ومن جحد الملائكة يكفر ويخرج من الملة، ومن كفر بالبعث، أو جحد الجنة أو النار أو الصراط أو الميزان، أو شيئا مما ثبت من أمور الآخرة، فإنه بذلك يكفر؛ لأنه أنكر ركنا من أركان الإيمان، كذلك من جحد القدر وقال: الأمر أنف، ولم يسبق قدر من الله، إنما هي المصادفة، والأمور بالصدفة، وليس هناك قدر، كما يقوله غلاة المعتزلة، فإنه يكفر أيضا؛ لأنه جحد القدر، أما من ترك شيئا من الشعب فإن هذا
стр. 198
ينقص إيمانه، إما أن يكون نقصا لكماله الواجب، أو نقصا لكماله المستحب، لكنه لا يكفر بذلك.
وما دليل الزيادة والنقصان في الإيمان؟
أما دليل الزيادة: فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] ، فدل على أن الإيمان يزيد بسماع القرآن، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] .
دل على أن الإيمان يزيد بنزول القرآن وسماعه وتدبره، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] ، فدل على أن الإيمان يزيد بالطاعات والتصديق.
وأما النقصان: فإن كل شيء يزيد فإنه ينقص، كل شيء قابل للزيادة فإنه قابل للنقص، هذا من ناحية، ودل عليه قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «إن الله يوم القيامة يقول: أخرجوا من النار من كان»
стр. 199
«في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان» ، فدل على أن الإيمان ينقص حتى يكون على وزن خردل في القلب، وكذلك قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٧] دل على أن الإيمان ينقص حتى يكون أقرب إلى الكفر، وفي قوله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغير بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» دل على أن الإيمان يضعف، أي: ينقص، فالإيمان إذا يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
قوله: وأركانه ستة، أي: دعائمه التي يقوم عليها، ويفقد بفقدها أو بفقد واحد منها ستة أركان، وهي:
الأول: أن تؤمن بالله: فالركن الأول وهو الإيمان بالله، يشمل أنواع التوحيد الثلاثة: الإيمان بأن الله واحد أحد فرد صمد، لا شريك له في ربوبيته، ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته.
стр. 200
الثاني: الإيمان بالملائكة: والملائكة جمع ملك، وأصله ملأك ثم سهل وقيل: ملك، والملائكة خلق من خلق الله في عالم الغيب، خلقهم الله لعبادته، ولتنفيذ أوامره في ملكه، وهم أصناف، كل صنف له عمل موكل به ويقوم به، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فمنهم من هو موكل بالوحي، وهو جبريل ﵇، وهو أشرف الملائكة، وهو الروح الأمين، شديد القوي، ومنهم من هو موكل بحمل العرش ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧] ، قال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] .
العرش هو أعظم المخلوقات، ولا يعلم عظمه إلا الله ، يحمله الملائكة، وهذا دليل على عظم الملائكة، وعظم قواهم وخلقهم، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١] ، فمنهم من له ستمائة جناح كجبريل ﵊، فلا يعلم عظم خلقتهم إلا الله :
стр. 201
﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦-٢٧] ، ومنهم الموكل بالقطر والنبات، وهو ميكائيل، ومنهم من هو موكل بالنفخ في الصور، وهو إسرافيل، ينفخ في الصور، فيهلك كل شيء، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ، ثم ينفخ فيه مرة ثانية، فتطير الأرواح في أجسادها ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] .
تطير الأرواح من القرن وهو الصور إلى أجسادها، وتدخل فيها، فيحيون بإذن الله، ثم يسيرون إلى المحشر.
ومنهم من هو موكل بقبض الأرواح عند نهاية آجالها، وهو ملك الموت، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] ، ومعه أعوان من الملائكة: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] يعني أعوان ملك الموت، ومنهم من هو موكل بالأجنة في الأرحام، قال رسول الله ﷺ : «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة»
стр. 202
«مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك» الحديث، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال بني آدم، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١] ، يلازمونكم بالليل والنهار.
قال ﷺ : «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر، وفي صلاة العصر، ويشهدون للمصلين عند الله » ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: يحضره الملائكة، ملائكة الليل وملائكة النهار، ومنهم من هو موكل بحفظ بني آدم من المكاره، يحفظونه من الآفات، ومن الأعداء ومن الهوام ومن السباع ومن الأفاعي والحيات، ما دام له بقية حياة فإن له ملائكة يحفظونه من الأخطار.
ينام بين السباع وبين الحيات في البر، من الذي يدفع عنه الحيات والسباع والهوام؟ معه ملائكة سخرهم الله سبحانه
стр. 203
وتعالى، قال الله فيهم: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] ، أي: بأمر الله هؤلاء يحفظون بني آدم من المكاره والأخطار إلى أن يحين الأجل، فإذا حان الأجل تخلوا عنه، فوقع ما قدر الله له من الموت أو الإصابة التي تفضي إلى الموت.
ومنهم ملائكة موكلون بتنفيذ الأوامر في أقطار السماوات والأرض، لا يعلمهم إلا الله ، منهم ملائكة يطلبون مجالس الذكر ويحضرونها كما قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة» ، ملائكة سياحون في الأرض، يطلبون حلق الذكر ويشهدونها.
ولا يعلم الملائكة وأصنافهم وأوصافهم إلا الله، لكن ما جاء في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة أثبتناه واعتقدناه، وما لم يذكر لنا نمسك عنه ولا نبحث فيه؛ لأن هذا من علم الغيب الذي لا ندخل فيه إلا بدليل.
стр. 204
فالإيمان بالملائكة ركن من أركان الإسلام، فمن جحد الملائكة وقال: لا يوجد ملائكة لأننا لا نراهم، هذا يكون كافرا ملحدا زنديقا والعياذ بالله؛ لأنه لم يؤمن بالغيب، وكذلك الذي يؤول الملائكة فيقول: الملائكة إنما هي معان وليست أجساما، وهي الهواجس التي تأتي على الإنسان، إن كانت هواجس خير فهي ملائكة، وإن كانت هواجس شر فهي شياطين، فهذا قول إلحادي والعياذ بالله، ومع الأسف هو في " تفسير المنار " نقله محمد رشيد رضا عن شيخه محمد عبده.
وهذا كلام الفلاسفة، وهو كلام باطل، من اعتقده فهو كافر، لكن نرجو أنه نقله ولم يعتقده، ولكن نقله من غير تعقيب فيه خطورة، وهذا كلام باطل وكفر بالملائكة، نسأل الله العافية والسلامة.
فالإنسان لا يدخل بعقله وتفكيره، أو ينقل عن الفلاسفة أو عن الزنادقة شيئا من أمور الدين وأمور الغيب، وإنما يعتمد على الكتاب والسنة، هذا هو الواجب، ويذكر في " تفسير المنار " أنه منقول من كتاب " إحياء علوم الدين " للغزالي، والله أعلم.
стр. 205
وكتاب " إحياء علوم الدين " للغزالي فيه طوام وفيه بلايا، وإن كان فيه شيء من الخير والفوائد، لكن فيه من المهلكات والسموم الشيء الكثير، وهو كتاب مختلط، شره أكثر من خيره، فلا يليق بالمبتدئ أو العامي أن يطالع فيه إلا إذا كان عنده علم وتمييز بين الحق والباطل.
والملائكة ليسوا معان كما يقول، بل الملائكة أجسام وأشكال، يتشكلون بأشكال أعطاهم الله القدرة عليها، ولهذا كان جبريل ﵇ يأتي إلى النبي ﷺ في صورة رجل، فأعطاهم الله القدرة على التشكل في أشكال من أجل مصلحة بني آدم؛ لأن بني آدم لا يطيقون رؤية الملائكة على خلقتهم التي خلقهم الله عليها، وإنما يأتون إلى النبي ﷺ في صورة رجل رفقا ببني آدم، ولا يرون على صورتهم وحقيقتهم إلا عند العذاب، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢] ، وعند الموت يعاينهم الإنسان، يرى ملائكة الموت، لكن في الدنيا وعلى قيد الحياة لا يراهم؛ لأنه لا يطيق رؤيتهم، خلقهم الله من نور، وخلق الشياطين من نار كما في القرآن، وخلق آدم من تراب، فالله على كل شيء قدير.
стр. 206
والكفار يعتقدون أن الملائكة بنات الله، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] .
الثالث: الإيمان بكتبه: وهي الكتب التي أنزلها الله على الرسول لهداية البشر، نؤمن بأنها كلام الله حقيقة، ونؤمن بما سمى الله منها وما لم يسم، سمى الله لنا منها التوراة والإنجيل والقرآن العظيم وصحف إبراهيم وموسى والزبور، فنؤمن بها، ونؤمن بما لم يسمه الله منها، فالإيمان بالكتب السابقة يكون إيمانا مجملا، والإيمان بالقرآن يكون إيمانا مفصلا بكل ما فيه؛ لأنه كتابنا، وأنزل على نبينا محمد ﷺ ، فمن جحد آية أو حرفا من حروفه فهو كافر مرتد عن الإسلام.
وكذلك من آمن ببعض القرآن وكفر ببعض فهو كافر، وكذلك من آمن ببعض الكتب وكفر ببعض فهو كافر، ومن قال: أنا أومن بالقرآن ولا أومن بالتوراة والإنجيل فهو كافر، أو قال: أومن بالتوراة والإنجيل ولا أومن بالزبور الذي أنزل على داود ﵇ فهو كافر، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] ، أو أنكر صحف إبراهيم فهو كافر؛
стр. 207
لأنه مكذب لله ، ومكذب لرسله، فهو كافر لأنه جحد ركنا من أركان الإيمان.
الرابع: الإيمان برسله: الإيمان بالرسل جميعهم من أولهم إلى آخرهم، من سمى الله منهم ومن لم يسم، نؤمن بهم جميعا، وأنهم رسل الله حقا، جاءوا بالرسالة، وبلغوها لأممهم.
فمن كفر بنبي واحد فهو كافر بجميع الرسل لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢] .
فالكفر بنبي واحد أو برسول كفر بالجميع، ولهذا قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] ، مع أنهم كذبوا نوحا، فتكذيبهم لنوح صار تكذيبا لبقية المرسلين، وكذلك من كفر بعيسى ومحمد كاليهود، أو كفر بمحمد كالنصارى، فإنه كافر بالجميع، لا بد من الإيمان بجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، من سمى الله منهم ومن لم يسم.
стр. 208
وقد سمى الله منهم كما في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٦] ، فذكر جملة منهم في هذه الآيات، وفي آيات أخرى، فنؤمن بمن سمى الله منهم، ونؤمن بمن لم يسم الله منهم.
الخامس: اليوم الآخر: الإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس، واليوم الآخر المراد به يوم القيامة، سمي باليوم الآخر لأنه بعد اليوم الأول، وهو يوم الدنيا، الدنيا هي اليوم الأول، والقيامة هي اليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بما بعد الموت من عذاب القبر ونعيمه، وسؤال الملكين في القبر، وكل ما يكون بعد القبر فهو من الإيمان باليوم الآخر، وكذلك الإيمان بالبعث والنشور والمحشر والحساب ووزن الأعمال، والصراط والميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات، والجنة والنار، فتفاصيل ما يحصل في
стр. 209
اليوم الآخر نؤمن بها جملة وتفصيلا، بداية من الموت إلى أن يستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، كل ما صح من هذا نؤمن به، ولا نشك في شيء منه، فمن شك في شيء منه فهو كافر مرتد عن الإسلام، كل هذا يطلق عليه اليوم الآخر وما فيه.
الركن السادس: تؤمن بالقدر خيره وشره: تؤمن بأن ما يجري في هذا الكون من خير أو شر، من كفر وإيمان، من نعمة ونقمة، من رخاء وشدة، من مرض وصحة، من حياة وموت، كل ما يجري في هذا الكون فإنه مقدر، لم يكن صدفة، أو يكن أمرا مستأنفا، أي: أنه مبتدأ لم يسبق أن قدر، تؤمن بهذا كله بأنه بقضاء الله وقدره، وتؤمن بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن هذا بقضاء الله وقدره، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] ، هذا هو الإيمان بالقدر.
والإيمان بالقدر يتضمن أربع درجات، من لم يؤمن بها كلها فليس مؤمنا بالقدر:
стр. 210
المرتبة الأولى: العلم بأن الله علم كل شيء في الأزل، علم كل ما يجري، ما كان وما يكون إلى ما لا نهاية، فالله قد علمه في الأزل قبل أن يكون وقبل أن يقع، علمه بعلمه القديم الأزلي الذي هو موصوف به أزلا وأبدا، هذه مرتبة العلم، فمن جحدها فهو كافر.
المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة في اللوح المحفوظ: وهي أن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، فما يجري شيء إلا وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ليس هناك شيء يجري وهو غير مكتوب، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد: ٢٢] يعني اللوح المحفوظ، كتب الله فيه مقادير كل شيء، قال رسول الله ﷺ : «أول ما خلق الله القلم، قال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» ، فمن جحد الكتابة، وقال: الله يعلم كل شيء، لكنه لم يكتب في اللوح المحفوظ شيئا، هذا كافر مرتد عن دين الإسلام.
стр. 211
المرتبة الثالثة: مشيئة الله النافذة، وهي أن الله سبحانه يشاء الشيء ويريده، فما من شيء يحدث إلا وقد شاءه الله وأراده كما في اللوح المحفوظ، وكما علمه ، يشاء كل شيء في وقته، ويريد كل شيء في وقت حدوثه، لا يقع شيء بدون مشيئة الله، أو بدون إرادة الله، فمن قال: إن الأشياء تحدث بدون أن يشاءها الله أو يريدها فهذا كافر.
المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق والإيجاد، الله خالق كل شيء، إذا شاءه وأراده خلقه وأوجده، فكل شيء هو مخلوق لله ، وهو من خلق الله، وهو فعل العباد وكسب العباد.
فهذه المراتب الأربع لا بد من الإيمان بها، وإلا لم يكن الإنسان مؤمنا بالقدر مرتبة العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق والإيجاد، كل هذه لا بد من الإيمان بها، فمن جحد شيئا منها فإنه كافر مرتد عن دين الإسلام؛ لأنه جحد ركنا من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقدر.
من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، استنكروا هذا وجحدوه مع العلم أنهم يعلمون أنه حق، لكن جحدوه من باب العناد والمكابرة والحسد للنبي ﷺ ولهذه الأمة.
يقول الله: ليس البر أن تولوا وجوهكم جهة من الجهات من غير أمر من الله، ولكن البر طاعة الله ، إذا أمركم بأمر وجب عليكم امتثاله، هذا هو البر، فإذا أمركم باستقبال بيت المقدس فالبر في ذاك الوقت هو استقبال بيت المقدس؛ لأنه طاعة لله ، ثم إذا أمركم أن تستقبلوا الكعبة فالبر هو استقبال الكعبة، فالبر يدور مع أمر الله .
أنتم عبيد يجب عليكم الامتثال، إذا أمركم الله أن تستقبلوا جهة من الجهات وجب عليكم الامتثال، أما أن تتعصبوا لجهة معينة وتقولوا: لا يصح إلا استقبالها فهذا معناه اتباع الهوى والعصبية، والعبد الصادق يدور مع أوامر الله حيث دارت، ولا يعترض على أمر الله؛ لأن استقبال جهة بعد نسخ استقبالها لا يكون طاعة لله ، فالعمل بالمنسوخ وترك الناسخ ليس طاعة لله ، وإنما هو طاعة للهوى والعصبية، فالبر متعلق بطاعة الله، فحيث وجهك تتوجه إن كنت محقا في عبوديتك لله :
стр. 214
ودليل القدر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . [٤٥] .
المرتبة الثالثة: الإحسان
تعريف الإحسان
المرتبة الثالثة: الإحسان، ركن واحد، وهو " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". [٤٦]
стр. 215
ثالثا: إحسان الصنعة وإتقانها، إذا صنع الإنسان شيئا أو عمل عملا فإنه يجب عليه أن يتقنه ويتمه.
النوع الأول: وهو الإحسان بين العبد وربه، بينه الرسول ﷺ «لما سأله جبريل بحضرة الصحابة كما يأتي، فقال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .
فالإحسان بين العبد وبين ربه هو إتقانه العمل الذي كلفه الله به، بأن يأتي به صحيحا خالصا لوجه الله ، عمل الإحسان بين العبد وربه ما توفر فيه الإخلاص لله ، والمتابعة للرسول ﷺ ، وقد بين النبي ﷺ أن الإحسان على مرتبتين، واحدة أعلى من الأخرى.
الأولي: أن تعبد الله كأنك تراه، بأن يبلغ بك اليقين والإيمان بالله كأنك تشاهد الله عيانا، ليس عندك تردد أو أي شك، بل كأن الله أمامك تراه عيانا، فمن بلغ هذه المرتبة فقد بلغ غاية الإحسان، تعبد الله كأنك تراه من كمال اليقين وكمال الإخلاص، كأنك ترى الله عيانا، والله جل وعلا لا يرى في الدنيا، وإنما يرى في الآخرة، ولكن تراه بقلبك حتى كأنك تراه بعينيك، ولذلك يجازى أهل الإحسان بالآخرة بأن يروه ، لما عبدوه وكأنهم يرونه