← Акыда

Акыда · id 8605

شرح عقيدة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب

صالح الفوزان

Полный текст (146 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فلو دعا إلى الكفر لانتقض عهده، فهو مستسلم تحت حكم الإسلام ويدفع الجزية التي فيها الذلة والصغار، فهذا يترك، والشيخ الكبير، والصبي، والنساء، الذين لا يتعدى كفرهم إلى غيرهم، والرهبان الذين تركوا الناس وانعزلوا في صوامعهم للعبادة، هؤلاء لا يقتلون أيضا. دل هذا على أن دين الإسلام ليس دين قتل وسفك دماء، وإنما هو دين رحمة وعدل، يريد أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور لصالحهم هم، وكم حصل في الجهاد من منافع للناس، فالذين أسلموا من الكفار من الأعاجم أنقذهم الله من النار، لو تركوا لصاروا من أهل النار، فأسلموا وحسن إسلامهم وخرج منهم العلماء الأفذاذ، فهذه ثمرات الجهاد في سبيل الله ، فالجهاد هو ذروة سنام الإسلام، ولكن الجهاد له شروط: الشرط الأول: أن يكون بالمسلمين قوة يقوون بها على جهاد الكفار، أي: عندهم عدة واستعداد لجهاد الكفار، فإذا لم يكونوا على استعداد؛ كأن يكون فيهم ضعف والكفار أقوى منهم، فلو قاتل المسلمون الكفار لأبيدت خضراء المسلمين، فلا يجوز القتال في هذه الحالة؛ لأن هذا يلزم عليه مفسدة أكبر من المصلحة، وهي تسلط الكفار على المسلمين؛ ولهذا فالنبي ﷺ بقي في مكة ثلاثة عشر عاما مقتصرا على الدعوة إلى الله، والمسلمون يؤذون ويضايقون ولم يؤمر بالجهاد، بل الله أمرهم بالصبر وكف الأيدي حتى يأذن الله - جل وعلا – لهم بالجهاد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧] ، هذا في مكة، أمروا بكف أيديهم، ولكن مع هذا يقومون بالدعوة إلى الله ، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة،

стр. 107

وانتشر الإسلام وكان بالمسلمين قوة أمره الله بالجهاد؛ لأنهم صاروا أقوياء ومستعدين للجهاد، وهذا ليس خاصا بالوقت الأول، هذا عام للمسلمين إلى آخر الزمان، إن كان عندهم قوة واستطاعة يجب عليهم الدعوة والجهاد، وإذا كان ليس عندهم قوة فيبقون على الدعوة، وأما الجهاد فيؤجلونه إلى وقت القدرة على ذلك؛ لأنهم لو قاتلوا وهم ضعفاء لتسلط عليهم الكفار وتغلبوا عليهم. الشرط الثاني: أن يكون الجهاد تحت راية يعقدها ولي أمر المسلمين، وليس كل يجاهد، وكل يقاتل، وكل يكون له جماعة، هذا لا يجوز في الإسلام، هذا ضرر على المسلمين أنفسهم قبل أن يضروا الكفار؛ لأن المسلمين يتناحرون فيما بينهم، كل واحد يريد أن يكون هو الذي يظفر بالنتيجة، وجرب هذا في عصابات قاتلت العدو فلما انهزم العدو واندحر تقاتلوا فيما بينهم، كل يريد أن يكون هو الذي يأخذ السلطة، هذا نتيجة أنهم ما قاتلوا تحت راية واحدة وتحت إمام واحد، وإنما تفرقوا إلى عصابات وجماعات، فلا يجوز هذا في الإسلام، لا بد أن يكون الجهاد تحت راية موحدة. ولهذا قال الشيخ: «وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام» ، أي: إمام للمسلمين يقودهم وينظمهم، ويشرف عليهم، ويعد العدة ويسلحهم، لا بد أن يكون الجهاد تحت راية الإمام وبأمره حتى ينجح الجهاد، أما إذا كان بدون إمام وبدون راية فإنه يؤول إلى الفشل في النهاية، فقوله: «مع كل إمام» ، دل على أنه يشترط وجود الإمام الذي يقاتل تحت رايته. ولا يشترط في الإمام أن يكون بارا مائة بالمائة مثل: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز والصحابة، لا يشترط أن يكون الإمام صافيا ليس فيه نقص، بل ولو كان فاجرا، يعني: فاسقا،

стр. 108

فسقه لم يصل إلى حد الكفر، فإذا بقيت إمامته فإنه يبقى له صلاحية الجهاد ويطاع في الجهاد، ويصلى خلفه، لأنه مسلم ولو كان عاصيا، ولو كان فاسقا، ولو كان جائرا وظالما، لأن المصلحة في الجماعة أرجح من المصلحة في التفرق عليه والاختلاف عليه. هذه مسألة عظيمة يغفل عنها كثير من الحماسيين الذين ليس عندهم فقه في الدين، يقولون: كيف نطيعه وهو فاسق وهو عاص؟ الجواب: نطيعه للمصلحة العامة، وارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما مطلوب في الإسلام، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والمسلمون قاتلوا مع الحجاج ومع يزيد بن معاوية وهم فساق، لجمع الكلمة، بل كان هناك صحابة في راية يزيد بن معاوية في غزو القسطنطينية، منهم أبو أيوب الأنصاري ﵁. وقاتلوا مع الحجاج وهو معروف بالظلم، فهو ظالم فاتك باطش، لكن لأجل مصلحة الإسلام والمسلمين، وتغتفر المسألة الجزئية في مقابل المصلحة العامة الكلية، هذه قاعدة في الإسلام. فلا يشترط في الإمام الذي يتولى أمور المسلمين ويقودهم للجهاد أن يكون صالحا مستقيما مائة بالمائة، بل ولو كان عنده شيء من المعاصي والمخالفات ما دام لم يصل إلى حد الكفر بالله ، ولكن الجهال المتحمسين لا يتحملون هذا الكلام، لأنهم جهال، والصحابة تحملوه وأطاعوا الرسول ﷺ في ذلك لفقههم وإيمانهم، أما الجهال المتحمسون فلا يتحملون هذا، والمغرضون أيضا لا يتحملون هذا، فهم أناس قد يكونون ليسوا بجهال يعرفون هذا، لكنهم مغرضون يريدون تشتيت المسلمين، فيحرضونهم على ولاتهم بسبب أن الولاة يرتكبون أشياء من الأخطاء، وذلك لأجل تفريق الكلمة وإضعاف المسلمين،

стр. 109

فيجب الفطنة لهذه الأمور والحذر منها وعدم الاندفاع بدون فقه وبدون علم. هذه مسألة عظيمة، الآن حصل فيها سوء فهم، وحصل فيها تضليل بسبب الجهل أو بسبب الهوى. وقوله: «برا» وهو: الصالح المستقيم، «أو فاجرا» يعني: فاسقا ولكن لم يصل إلى حد الكفر، لأن المصلحة في طاعته والجهاد معه أرجح من المفسدة في الصبر على فسقه وعلى مخالفته. وقوله: «وصلاة الجماعة خلفهم جائزة» ، لا شك أن صلاة الجماعة خلف الأئمة الفساق جائزة وصحيحة، ما داموا يصلون فصل خلفهم، فقد صلى الصحابة خلف الحجاج، وصلوا خلف عبيد الله بن زياد، وصلوا خلف الأمراء الفساق الذين يشربون الخمر، وكذلك خلف الوليد بن عقبة، صلوا خلفهم لأجل جمع الكلمة، وهؤلاء مسلمون تصح صلاتهم، وما دامت تصح صلاتهم فتصح إمامتهم جمعا للكلمة.

стр. 110

والجهاد ماض منذ بعث الله محمدا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل. الدجال: هو المسيح الدجال الكذاب، سمي بالدجال لكثرة الدجل عنده والكذب، وما عنده من الفتنة الشديدة، وكل نبي حذر أمته فتنة المسيح الدجال، وأشدهم تحذيرا نبينا محمد ﷺ ، لأنه أقرب الناس إلى خروجه، وهو يخرج في آخر الزمان، يخرج في اليهود، وتجمع اليهود في فلسطين الآن هذا إرهاص لخروج الدجال، لأنه يخرج في اليهود قبحهم الله. ويحصل منه فتنة عظيمة ويدور في البلاد، وما من بلد إلا يدخله إلا مكة والمدينة، فإنه لا يدخلهما، ولكن الأشرار الذين في مكة والمدينة يخرجون إليه، ولا يبقى فيهما إلا أهل الإيمان، لأن المدينة إذا جاء الدجال ترجف فيخرج منها كل منافق، ولا يبقى فيها إلا أهل الإيمان الصادق. ثم ينزل عيسى بن مريم مسيح الهداية ﷺ ، ينزل من السماء، ثم يطلب الدجال فيقتله في باب لد في فلسطين، يقتله وينصر الله الإسلام والمسلمين، ويحكم المسيح بن مريم بدين الإسلام، بدين محمد ﷺ ، ويقوي الإسلام في عهده ﵊، ثم بينما هم كذلك إذ ظهرت يأجوج ومأجوج الذين ذكر الله ، فيأمر الله عيسى أن يحرز المسلمين إلى الطور ويقول: «إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد في قتالهم فحرز عبادي إلى الطور» ، فيعيثون في الأرض فسادا

стр. 111

ويذبحون في المسلمين مذابح، ثم ينزل الله بهم المرض فيقتلهم عن آخرهم ويموتون عن آخرهم، فيفرج الله للمسلمين بذلك، هذه قصة خروج الدجال باختصار، فنحن نؤمن بخروج المسيح الدجال. وهناك كتاب جهال يقولون: لا يوجد دجال، وإنما هذا عبارة عن كثرة الكذب في آخر الزمان، وليس هناك نزول عيسى، وإنما هذا عبارة عن ظهور الحق. وهذا إنكار للمتواتر من سنة رسول الله ﷺ ، بل إن القرآن دل على نزول عيسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] هذا دليل على أنه ينزل في آخر الزمان، واليهود الذين كفروا به في الأول يؤمنون به، ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ، وفي الآية الأخرى قال في عيسى ﵇: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] ، يعني: أن نزوله في آخر الزمان علامة على قرب قيام الساعة، وفي قراءة: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ ، فنزول عيسى بن مريم من السماء علامة على قرب قيام الساعة، فهو من علامات الساعة وأشراطها. فقوله: «إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال» ، فيقاتلونه ويقاتلون اليهود وتصير ملاحم بين المسلمين واليهود، وينصر الله المسلمين، حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله. فيقتلون اليهود مقتلة عظيمة، وينصر الله المسلمين عليهم. وقوله: «لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل» ، يعني: أن الجهاد لا يبطله جور جائر، فلا أحد يمنع الجهاد، ويقول: ليس فيه جهاد والإسلام ليس دين قتال. والآن يقولون هذا، يقولون: الإسلام ليس

стр. 112

دين جهاد ولا دين سفك دماء، نقول: نعم، الإسلام ما هو بدين سفك دماء، ولكنه دين جهاد لا لأجل سفك الدماء وإنما لأجل مصلحة البشرية، والله - جل وعلا – يقول في حق نبيه ﵊: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، فمن رحمة الله بالعالمين أن شرع الجهاد لإنقاذهم من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، فنحن لا نقاتل الكفار طمعا في أموالهم أو في دمائهم أو في بلادهم، وإنما نقاتلهم لنشر الإسلام ولصالحهم، فدخولهم في الإسلام من مصلحتهم هم؛ ليموتوا على الإسلام ويدخلوا الجنة، ولكن لو تركوا وماتوا على الكفر دخلوا النار، فالجهاد هو لمصلحة الكفار أكثر؛ لأنه إنقاذ لهم من الكفر، ومن النار، ومن الجهل، ومن الضلال، ترون ثمرات الجهاد في المشرق والمغرب ماذا أنتج من الخير، ماذا أنتج من نشر العلم، ومن نشر التوحيد، ومن انتشار الإسلام وقمع الظلم. وقوله: «ولا عدل عادل» ، يعني: لا أحد يمنع الجهاد، حتى لو كان المنع من سلطان عادل، فالجهاد لا يسقط، لا نقول: حصل المقصود، فالعدل الآن منتشر والناس في خير. الجهاد ماض بحكم الله سبحانه، ولكن بهذه الشروط: أولا: أن يكون بالمسلمين قوة على الجهاد. ثانيا: أن يكون الجهاد تحت راية ولي الأمر الموحدة، ينظمهم ويساعدهم ويكون ردءا لهم يرجعون إليه. ثالثا: أن يكون الجهاد لإعلاء كلمة الله، وليس من أجل طمع الدنيا أو الظهور في الأرض.

стр. 113

وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه. من أصول العقيدة: السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، عملا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ، بعد أن أمر بطاعته وطاعة رسوله أمر بطاعة ولاة الأمور من المسلمين، وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعني: من المسلمين، أما إذا لم يكن مسلما فلا طاعة له، فيشترط فيه أن يكون مسلما، وعندئذ تكون طاعته واجبة، والخروج عليه معصية محرمة، هذا أصل من أصول الإسلام وبه تجتمع كلمة المسلمين وتقوى شوكتهم. والنبي ﷺ لما طلب منه أصحابه الوصية، حيث شعروا بقرب أجله فطلبوا منه الوصية، قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد» ؛ لأن النظر ليس لشخصه، وإنما النظر لمنصبه، العبرة بمنصبه لا بشخصه: «وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا» ، فطاعة ولي الأمر عصمة من الاختلاف؛ ولهذا لما «سأل حذيفة بن اليمان رسول الله ﷺ عن الفتن عند ظهورها قال له: ما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: أن تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» ، فأمر حذيفة عند ظهور الفتن أن يلزم جماعة المسلمين

стр. 114

وإمامهم؛ لأنه عصمة من الفتن وعصمة من الاختلاف، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] ، فالاختلاف شر والاتفاق رحمة. فقوله: «برهم وفاجرهم» ؛ كما مر معنا لا يشترط في ولي أمر المسلمين أن يكون صالحا مائة بالمائة – كالخلفاء الراشدين – بل تجب طاعته ولو كان عنده شيء من المخالفات والمعاصي التي لا تصل إلى حد الكفر والخروج من الدين، ففساده عليه، ولكن إمامته لصالح المسلمين. ولما سئل بعض الأئمة قيل له: فلان تقي لكنه ضعيف، وفلان فاسق ولكنه قوي؛ أيهما يصلح للإمامة؟ قال: الفاسق القوي؛ لأن الصالح الضعيف صلاحه لنفسه، وضعفه يضر المسلمين، والفاسق فسقه على نفسه، وقوته للمسلمين. وقوله: «برهم وفاجرهم» ، هذا خلاف الخوارج والمعتزلة الذين يخرجون على الأئمة الفجار، يعني: الأئمة العصاة، يراد بالفجار هنا: العصاة. وقوله: «ما لم يأمروا بمعصية الله» ، فتجب طاعتهم، فإذا أمروا بمعصية، «فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» ، لكن لا تنخلع بيعتهم إذا أمروا بمعصية، ولا نطيعهم في هذا، لكن تبقى طاعتهم فيما

стр. 115

هو معروف وليس فيه معصية، نخالفهم في المعصية ونطيعهم في غير المعصية. وقوله: «ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته» ، هذا فيما تنعقد به الإمامة. قالوا: تنعقد الخلافة بأحد ثلاثة أمور: الأمر الأول: اختيار أهل الحل والعقد له، فإذا اختاره أهل الحل والعقد وبايعوه لزمت طاعته؛ كخلافة أبي بكر الصديق ﵁ فإنها ثبتت باختيار أهل الحل والعقد، وليس بلازم أن يختاره كل المسلمين كما في الانتخابات، هذا ليس في نظام الإسلام، بل يكفي أهل الحل والعقد من العلماء والأمراء وأهل الرأي والمشورة، فإذا اختاروا إماما للمسلمين لزمت طاعته على جميع المسلمين، ولا أحد يقول: أنا ما اخترت، أنا ما بايعت؛ كما يقول بعض الجهال الآن. أنت من المسلمين، والمسلمون اختاروا هذا الرجل إماما لهم، فلا يجوز لك أن تشذ وتخرج عنهم، بل قال النبي ﷺ : «المسلمون يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم» ، وإذا كان أدناهم يسعى بذمتهم، فكيف بأهل الحل والعقد والمشورة والرأي؟ فالصحابة أطاعوا لأبي بكر مع أن الذين بايعوه هم قادة المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، وكذلك عثمان ﵁ اختاره أهل الشورى الستة الذين عهد إليهم عمر ﵁، فقد عهد إلى بقية العشرة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 116

وهو عنهم راض، فالستة اجتمع رأيهم على عثمان فبايعوه، فلزمت طاعته جميع المسلمين وانقادوا له. الأمر الثاني: ولاية العهد، فإذا عهد ولي الأمر إلى أحد من بعده تلزم طاعته، وتنعقد إمامته؛ كما عهد أبو بكر لعمر ﵄ فسمعوا له وأطاعوا ﵄. الأمر الثالث: إذا كان الناس ليس لهم إمام؛ فقام رجل فيه شجاعة وقوة ورأي وتغلب على الناس بسيفه حتى خضعوا له، فهذا تلزم طاعته، ويمثلون لهذا بعبد الملك بن مروان، فالناس في عهده كانوا بدون إمام عام، فقام الرجل بشجاعة وشهامة وقوة ورأي فقاتل وتغلب وأطاع له المسلمون، فصار إماما لهم وانعقدت إمامته بذلك. أما من يأتي والمسلمون لهم إمام وينازع الإمام ويريد أن يخلع الإمام ليصبح بدلا عنه، فهذا يجب على المسلمين قتله، قال ﷺ : «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوا كائنا من كان» ، فنحن مع ولي الأمر، إذا قام عليه أحد فنحن معه في دفع هذا الخارج على جماعة المسلمين، نقاتله وندحض شره عن المسلمين؛ لئلا يفكك الكلمة، وذلك للمصلحة العامة. هذا هو اعتقاد الشيخ في السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، وفي هذا رد على الذين يصفونه بالخروج على الولاة.

стр. 117

وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة. البدع: جمع بدعة، وهي ما أحدث في الدين من العبادات التي ليس عليها دليل من كتاب أو سنة؛ لأن العبادات توقيفية، فلا نعمل شيئا منها إلا بدليل من الكتاب والسنة، فمن جاء وأحدث شيئا يتقرب به إلى الله من ذكر أو صلاة أو عبادة ويقول: هذا زيادة خير. فيقال له: لا، هذا زيادة شر وليس هو زيادة خير؛ لأن الدين كامل لا يقبل الإضافات والزيادات، فقد توفي رسول الله ﷺ والدين كامل، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، فالله شهد لهذا الدين بأنه كامل، فلا يقبل الزيادة والإضافات، حسبنا أننا نعمل بما في هذا الدين من العبادات، أما أن نزيد ونقول: هذه زيادة خير؛ فهذه بدعة، وقد قال ﷺ : «من يعش منكم فسيرى اختلافا كبيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدع ضلالة» ، وكان في خطبه يقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» ، فهذا فيه رد على الذين يقسمون البدعة إلى حسنة وسيئة، فالبدع في الدين ليس فيها شيء حسن وإنما كلها سيئة؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «كل بدعة ضلالة» ، وهذا المبتدع يقول: ليس كل

стр. 118

بدعة ضلالة بل منها شيء حسن، فهذا يرد على الرسول ﷺ . قال الشاعر: خير الأمور السالفات على الهدى ... وشر الأمور المحدثات البدائع فالذي يقول: إن هناك بدعة حسنة، يقال له: هذه بدعة ضلالة وشر وليست حسنة، ليس في الدين بدعة حسنة أبدا، فنجتنب البدع ونقتصر على السنن، ففيها خير وكمال، ولا يكفي أننا نجتنب البدع، بل نهجر المبتدعة، ولا نجلس معهم، ولا نصادقهم حتى يتركوا البدعة؛ لأننا إذا صادقناهم وجالسناهم شجعناهم على البدعة، فنحن نهجرهم بمعنى أننا نترك مجالستهم ونترك مصادقتهم حتى يتوبوا إلى الله. هذا الواجب على أهل السنة، أنهم يهجرون أهل البدع، ولو حصل هذا لما انتشرت البدع، ولكن لما حصل التساهل مع المبتدعة، صاروا يعيثون في الأرض فسادا، وينشرون البدع، ولا يوجد من ينكر عليهم، صاروا أصدقاءنا وجلساءنا وانتشرت البدع بهذه الطريقة، أما لو أن أهل البدع هجروا لقل شرهم. فقول الشيخ: «وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم» ، الهجر: هو الترك، يعني: تركهم وعدم الجلوس معهم وعدم مصادقتهم، «حتى يتوبوا» فإذا تابوا تاب الله عليهم، وصاروا جلساءنا وأحبابنا. وقوله: «وأحكم عليهم بالظاهر» ، أي: نحكم على الناس بالظاهر لنا، ولا ندري عن القلوب، ولكن من فعل الخير شهدنا له بالخير بناء على الظاهر، ومن فعل الشر شهدنا له بالشر بناء على الظاهر، وأما القلوب فلا يعلمها إلا الله. لكن المرجئة الآن يقولون: من فعل الكفر أو الشرك أو منكرا

стр. 119

فإنك لا تحكم عليه بما ظهر منه؛ لأنك لا تدري عن الذي في قلبه. وقول الشيخ: «وأعتقد أن كل محدثة بدعة» ، بخلاف من يقول: إنه هناك محدثات في الدين فيها خير، بل كل محدثة في الدين بدعة، وهذا مأخوذ من حديث: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» . أما أمور العادات؛ كالملابس والمساكن والمراكب، هذه مما خلق الله ليس فيها بدعة، الأولون ما كانوا يركبون السيارات ونحن نركبها؛ لأنها مما أباح الله لنا، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، فأمور العادات والملابس والمساكن والمراكب والمزارع، هذه كلها من الأمور التي لا تدخل في العبادة بل نستخدمها في العبادة، ونستعين بها على العبادة، ونركب السيارة للحج، ونركبها لطلب العلم، ونركبها للجهاد، ومكبرات الصوت نستخدمها لإلقاء الخطب والمحاضرات، ونستعين بها على العبادة؛ لأنها مما أباح الله لنا أن نستعين بها، وليست بدعا، إنما هي مما خلق الله لنا، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ، فالأصل في هذه الأمور الإباحة، أما العبادات فالأصل فيها الحظر إلا بدليل، أما في العادات والملابس والمراكب والمآكل والمشارب الأصل فيها الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه.

стр. 120

وأعتقد أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة، أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق. هذا شروع في مبحث الإيمان ، ولقد تكرر ذكره في القرآن في مواضع كثيرة، ومدح الله أهله ووعدهم بالجنة والثواب العظيم. والإيمان مرتبة من مراتب الدين؛ لأن الدين ثلاث مراتب؛ كما في حديث جبريل: الإسلام، والإيمان، والإحسان. فالإسلام: يتكون من خمسة أركان: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، هذه من الأفعال الظاهرة. والإيمان يتكون من ستة أركان بينها النبي ﷺ : «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» ، ولا بد من اجتماعهما في العبد، أي: لا بد من اجتماع الإيمان والإسلام في العبد، فيكون مسلما مؤمنا، مسلما في ظاهره يؤدي أركان الإسلام، ومؤمنا في باطنه يؤمن بهذه الأركان الستة، فلا يكون مسلما فقط، وليس عنده إيمان، فهذا شأن المنافقين الذين يظهرون الإسلام في الظاهر، فيصلون ويصومون ويقولون: لا إله إلا الله، ويحجون، ولكن ليس عندهم إيمان في القلب: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ، وهؤلاء في الدرك الأسفل من النار، وكذلك

стр. 121

العكس، لا يكون مؤمنا بدون الإسلام، مصدقا ومؤمنا بهذه الأركان بقلبه لكن ليس عنده إسلام فلا يصلي ولا يزكي ولا يصوم ولا يحج، هذا ليس بمؤمن حتى يكون مسلما يؤدي الأركان الظاهرة والباطنة، فلا بد من هذا، فالإيمان مجموع اعتقاد القلب وعمل الجوارح ونطق اللسان. ولهذا يقول أهل السنة والجماعة – كما ذكره الشيخ هنا -: أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، لا بد من هذه الأمور الثلاثة: نطق باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، هذا تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة الذين هم على سنة الرسول ﷺ ، والذين هم الفرقة الناجية من بين الفرق الضالة التي توعدها الله بالنار، هذا الإيمان عندهم يتكون من هذه الأمور الثلاثة. أما المرجئة فيقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، والأعمال لا تدخل فيه. وبعضهم يقول: شرط كمال. وبعضهم يقول: شرط جواب، ولكنها لا تدخل في حقيقة الإيمان، فإذا كان مصدقا بقلبه فهذا مؤمن ولو لم يؤد الأعمال، وهذا مذهب باطل؛ لأن المشركين كانوا يعرفون بقلوبهم صحة ما جاء به الرسول ﷺ ، ولكن أبوا أن ينطقوا بلا إله إلا الله، أبوا أن يقولوا: لا إله إلا الله. وأبوا أن يصلوا وأن يصوموا، ويزكوا، ويحجوا، قال الله تعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] ، ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ معنى هذا أنهم يصدقون الرسول ﷺ ولكن منعهم الكبر، أو الحسد، أو الحمية لدينهم من أن يأتوا بلا إله إلا الله، وأن يصلوا، ويصوموا، ويزكوا، والحج يحجون

стр. 122

ويعتمرون وهو من البقايا الباقية من دين إبراهيم، ولكن ليس عندهم غيره، مقرون بالشرك، فيقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، يلبون بالشرك، ولهذا لبى النبي ﷺ بالتوحيد، فقال: «لبيك لا شريك لك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» ، نفي الشرك وهم يقولون: لله شريك، وهم من يعبدونهم من دون الله، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وسائط بيننا وبين الله، هذا في الحج، أما الصلاة فلا يصلون، ولا يزكون، ولا يصومون، ولا يقولون: لا إله إلا الله، وهم في قلوبهم يعتقدون أنه رسول الله، يصدقونه ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ . اليهود والنصارى أيضا يصدقون أنه رسول الله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] ، ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] ، فهم يعترفون أنه رسول الله بقلوبهم، ولكن أبوا أن ينطقوا بألسنتهم وأبوا أن يتبعوه، فلم يكن التصديق بالقلوب كافيا كما تقوله المرجئة. وليس هو اعتقاد بالقلب وقول باللسان فقط؛ كما تقوله طائفة من المرجئة، وهم مرجئة الفقهاء، يقولون: الإيمان هو قول باللسان واعتقاد بالقلب، ولو لم يعمل. فيلغون العمل، ولا يدخلونه في الإيمان، جاؤوا باثنين وتركوا الثالث، قالوا: إن العمل ليس بضروري ما دام أنه ينطق ويعتقد فيكفي هذا، وهذا مذهب باطل أيضا، لا بد من الأعمال، والله دائما يقرن الإيمان بالعمل ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

стр. 123

ما قال: آمنوا فقط، بل قال: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، فلا يكون إيمان إلا بالعمل، فالإرجاء مذهب باطل بجميع أقسامه. والأشاعرة جاؤوا بواحد وتركوا اثنين، فيقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب ولو لم ينطق بلسانه، فمن صدق بقلبه فهو مؤمن حتى ولو ما يتكلم. والحق هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو مأخوذ من الكتاب والسنة، أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح. وقوله: «يزيد بالطاعة» ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] ، دل على أن الإيمان يزيد، وأهل الضلال يقولون: لا يزيد بل هو شيء واحد في القلب. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] ، فذكر الأعمال، وحصر الإيمان في هؤلاء ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، ذكر أقوالا، وذكر أعمالا: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ووجل القلوب، هذا هو الإيمان، فدل على أنه يزيد بالطاعة، فيزيد بالصلاة، ويزيد بالزكاة، ويزيد بتلاوة القرآن، فهو يزيد، وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] ، دل على أن الإيمان يزيد وكذلك ينقص، بدليل أن النبي ﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» ، فدل على أن الإيمان له أعلى وله

стр. 124

أدنى، وقال ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» ، دل على أن الإيمان يضعف وينقص، وفي الحديث: «انطلق، فمن كان في قلبه أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار» ، فدل على أن الإيمان ينقص حتى يكون مثل حبة الخردل، فالناس ليسوا سواء في الإيمان، بعضهم أقوى إيمانا من بعض. المرجئة يقولون: أهله في أصله سواء. ويقولون: لا فرق بين إيمان أبي بكر وإيمان الفاسق من الناس، كلهم مؤمنون. أما أهل السنة فيقولون: هذا إيمانه يعدل الجبال، وهذا إيمانه يعدل مثقال ذرة أو حبة من خردل، لا يسوى بينهم. هذا معنى قولهم: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كلما أطاع المسلم ربه ازداد إيمانا، وكلما مال عصى ربه نقص إيمانه، هذا هو المذهب الحق، وهذا هو تعريف الإيمان الصحيح.

стр. 125

وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة. ويرى الشيخ كغيره من أهل السنة والجماعة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، وغير ذلك من الآيات. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] ، فجعل من صفاتهم أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر هذا من المنافقين، قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧] ، فهم بالعكس، وها هم الآن يأمرون بالمنكر، بل يأمرون بكل منكر، ويدعون إليه، ويدعون المسلمين إلى أن يتخلوا عن دينهم، ويسمون التمسك بالدين تشددا وغلوا، فيقولون: لا بد أن يترك المسلمون هذا، ولا بد أن تتمرد النساء ويتركن الحجاب، اتركوا الولاء والبراء واجعلوا الناس سواء ما بينهم فرق. هذا أمر بالمنكر، هم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف دائما وأبدا، عكس المؤمنين فإنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات الدين، ولا بد منه في الإسلام، فإذا وجد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا علامة نجاة الأمة، وإذا فقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا

стр. 126

علامة هلاك الأمة، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦] ، قليل هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأنجاهم الله من العذاب، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥] ،فلا ينجو إلا أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر فهو إما منافق ليس في قلبه إيمان، وإما مؤمن ضعيف الإيمان، وإذا هلك أهل المنكر يهلك معهم؛ لأنه لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر بحسب استطاعته؛ ولهذا قال ﷺ : «فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» ، وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» ، فدل على أن الذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر هذا هالك مع الهالكين، فلا بد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تحصل النجاة إلا بوجود هذا الأمر، فإذا فقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حق على الناس الهلاك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقول الشيخ: «على ما توجبه الشريعة» ، هذا رد لقول الخوارج والمعتزلة: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الخروج على ولاة الأمور، وشق عصا الطاعة، وتفريق الجماعة، وسفك الدماء، بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا لا توجبه الشريعة، بل تنهى عنه الشريعة، وليس هذا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم يسمون الخروج على ولاة الأمور، وشق عصا الطاعة، واستباحة

стр. 127

دماء المسلمين وتكفيرهم، يسمون هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا انحراف في هذا المسمى العظيم، ولهذا يقول شيخ الإسلام وغيره من أهل السنة: «على ما توجبه الشريعة» ؛ كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في «العقيدة الواسطية» ؛ لأجل ألا يعتقد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما اعتقده الخوارج والمعتزلة، الذين يكفرون مرتكب الكبيرة من المؤمنين، ويسمون هذا من إنكار المنكر، وهذا خلاف ما توجبه الشريعة، وهو غلو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فيجب التنبه لهذا، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو كما قال ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه» ، هذه كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب الاستطاعة، فإذا لم تستطع، فأنت لست مكلفا بذلك، إلا أنك لا بد أن تنكره بقلبك، وتعتزل أهله وتبتعد عنهم. أما الذين يحملون السلاح في وجوه المسلمين، ويقولون: هذا هو الأمر المعروف والنهي عن المنكر. فهذا مذهب الخوارج ومذهب المعتزلة أهل الضلال. فهذا هو القيد الذي أراده أهل العلم بقولهم: «على ما توجبه الشريعة» .

стр. 128

فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال، لتطلعوا على ما عندي، والله على ما نقول وكيل، ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم، قد وصلت إليكم، وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم. يخاطب أهل القصيم الذين سألوه عن عقيدته، يقول: «هذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال» ؛ لأنه ﵀ مشغول بأعماله الجليلة في الدعوة والتعليم، وأمور عظيمة قام بها ﵀، فهو كتب هذا المختصر جوابا على سؤالهم، وبسطه موجود في كتب العقيدة المبسوطة؛ كالعقيدة الواسطية، والعقيدة الطحاوية وشرحها. وقوله: «لتطلعوا على ما عندي» ؛ لأنه اتهم بأشياء، ورمي بأشياء هو منها بريء، فهو بين عقيدته ليرد على خصومه، ويكذبهم فيما يقولون عنه ﵀. وقوله: «والله على ما نقول وكيل» ، يشهد الله على ذلك، وهذا من صدقه ﵀، كما أنه في بداية هذه العقيدة أشهد الله وملائكته ومن حضره من المؤمنين على ما تضمنته. وقوله: «ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم» ، لما ذكر عقيدته، أراد أن يرد على من اتهموه بتهم هو منها بريء، وهذه التهم لا يسلم منها نبي ولا أتباع الأنبياء، كلهم يتهمون إذا دعوا إلى الله، وأنكروا ما عليه أهل الباطل، توجه إليهم التهم، بأنهم يريدون الملك، يريدون الملك، يريدون الأموال، يريدون الرياء والسمعة، وأنهم سحرة، وأنهم مجانين، وأنهم يريدون كذا وكذا؛ كما هو مذكور في القرآن من أقوال الكفار في اتهام الأنبياء

стр. 129

عليهم الصلاة والسلام، خصوصا نبينا محمدا ﷺ ، اتهموه بأنه شاعر، وأنه مجنون، وأنه معلم، وأنه كذاب، وأنه يريد الترأس على الناس، فكيف بمن دونه من أهل العلم؟ مثل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لما دعا إلى دعوة الرسول ﷺ اتهموه، وكذبوا عليه وافتروا عليه، وأكاذيبهم مدونة، ومردود عليها – ولله الحمد – في كتب ورسائل تتضمنها «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» ، وتضمنتها كتب مستقلة مثل: «مصباح الظلام فيمن كذب على الشيخ الإمام واتهمه بتكفير أهل الإسلام» للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀، والرد على داود بن جرجيس العراقي فيما كتب من الباطل، والرد على دحلان في كتاب اسمه: «صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان» . ودحلان هذا هو مفتي أهل مكة، وكان خرافيا أتى بشبه على دعوة الشيخ، وصار يكذب عليه، وألف كتابا سماه: «الدرر السنية في الرد على الوهابية» ، وذكر فيها افتراءات على الشيخ، فرد عليه عالم من علماء الهند هو محمد بشير السهسواني ﵀ بكتاب سماه: «صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان» ، وهو مطبوع موجود، ومثل كتاب: «غاية الأماني في الرد على النبهاني» للشيخ محمود شكري الآلوسي. ومن افتراءات دحلان يقول: إن ابن عبد الوهاب كان يضمر يريد أن يدعي النبوة، لكن لما رأى أن الناس لن يصدقوه كتم هذه الفكرة، وإلا فهي في نفسه. فكأن دحلان يعلم ما في القلوب، ويعلم الغيب، إلى غير ذلك من الافتراءات المضحكة، فليس الشيخ هو الوحيد الذي اتهم وشبه على دعوته، إذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام تناولهم شيء من الاتهامات، فأتباعهم من باب أولى، قال تعالى لنبيه:

стр. 130

﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣] . وقوله: «سليمان بن سحيم» ، هذا من خصوم الشيخ في وقته، وهو مطوع معكال، حارة في الرياض معروفة بهذا الاسم إلى الآن، كان يجتمع في هذه الحارة أناس من الخرافيين ومنهم هذا، كذب على الشيخ وكتب رسالة تضحك الناس في الاتهامات والكذب، والشيخ رد على افتراءات ابن سحيم في رسالة موجودة في رسائل الشيخ، وأشار إليها هنا. وهذه إشارة فقط، وإلا فالرد المفصل في رسالة مستقلة على سليمان بن سحيم، كتب إليه: «من محمد بن عبد الوهاب إلى سليمان بن سحيم، أما بعد: فقد بلغني أنك تقول كذا وتقول كذا..» وكل فرية يرد عليها. وقوله: «قد وصلت إليكم» ، يعني: كأنه ﵀ يستشف أن سؤال أهل القصيم له عن عقيدته سببها رسالة ابن سحيم، فهم لما جاءتهم رسالة ابن سحيم كتبوا إلى الشيخ يسألونه عن عقيدته، وهذا هو الواجب، فالواجب التثبت، فهم أحسنوا صنعا في هذا، إذا بلغك عن شخص أنه يقول كذا ويقول كذا، فالواجب أنك تتثبت، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، يعني: تثبتوا ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] . فليت طلبة العلم الآن والشباب ينتهجون هذا المنهج، ويتثبتون

стр. 131

ويتركون هذا التحارش بينهم، وهذا التراشق بينهم؛ لأنهم إخوان وطلبة علم، عقيدتهم ولله الحمد واحدة، فلو يتركون هذا التراشق وهذه الاتهامات ويتثبتون فيما بينهم، وإذا ثبت شيء مما قيل يتناصحون فيما بينهم ولا يتخذونه تشهيرا أو اتهامات وتراشق بالكلام، هذا لا يجوز أبدا، فالواجب التثبت، فإذا ثبت فإنه يناصح من ثبت عليه الخطأ والمخالفة؛ لأن الإنسان ليس معصوما. هناك شخص آخر اسمه عبد الله بن سحيم من تلاميذ الشيخ وهو رجل طيب، فلا يشتبه عليكم عبد الله بن سحيم بسليمان بن سحيم.

стр. 132

والله يعلم أن الرجل افترى علي أمورا لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي، فمنها: قوله: إني مبطل كتب المذاهب الأربعة، وإني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء. هل صحيح أن الشيخ يبطل كتب المذاهب الأربعة؟ هذا من أعظم الكذب، الشيخ تتلمذ على مذهب الحنابلة، ولا يجمد على مذهب الحنابلة بل يأخذ ما يقوم عليه الدليل من مذهب الشافعي أو مذهب مالك أو مذهب أبي حنيفة، هذا منهج الشيخ، هو في الأصل على مذهب الإمام أحمد، ولكن في الإفتاء يأخذ ما ترجح بالدليل سواء من مذهب الإمام أحمد أو من غيره، لا يتعصب وإنما يريد الحق، هذا منهجه في الفتوى والتعليم، يأخذ بما ترجح بالدليل من أي مذهب من المذاهب الأربعة، لكنه لا يخرج عن المذاهب الأربعة. فقول ابن سحيم: إن الشيخ «مبطل كتب المذاهب الأربعة» . هذه كذب؛ لأنه ﵀ ما خرج عن المذاهب الأربعة، بل هو يستفيد منها، ويفتي بما ترجح بالدليل منها، سواء وافق مذهبه الحنبلي أو لم يوافقه؛ لأنه يريد الحق. وقوله: «إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء» ، يعني: أنه يكفر الناس، هذا من افتراءات ابن سحيم أن الشيخ يكفر الناس، لماذا يكفر الناس؟ لأنه يدعو إلى التوحيد، وينهى عن الشرك، فهو بهذا – يزعمون – أنه يكفر الناس، وهو إنما يدعو إلى التوحيد وينهى عن الشرك، وما كفر الناس، هو ما كفر إلا من ثبت كفره بالدليل من الكتاب والسنة، كما جاء في النواقض العشرة التي كتبها.

стр. 133

وإني أدعي الاجتهاد، وإني خارج عن التقليد. «وإني أدعي الاجتهاد» ، يعني: يقولون عنه أنه يدعي أنه مستقل في الاجتهاد، يضاهي الأئمة الأربعة، وهذا كذب، فالشيخ حنبلي، ولكنه لا يتعصب لمذهب إمامه، وإنما يأخذ ما ترجح بالدليل ولو كان في غير مذهب إمامه؛ لأنه يريد الحق، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من المحققين، فهم لا يتعصبون وإنما يأخذون بما قام عليه الدليل، لكن لا يخرجون عن المذاهب الأربعة التي هي مذاهب الأئمة، التي درست وعرفت وحررت، وتوارثها المسلمون جيلا بعد جيل، فهو لا يدعي الاجتهاد المطلق، يعني: لا يدعي أنه في مصاف الأئمة الكبار: كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، ولكنهم يكذبون عليه. قوله: «خارج عن التقليد» وهو قبول قول العالم بدون معرفة دليله، والتقليد على قسمين: الأول: تقليد أعمى بأن يتعصب لقول العالم ولو كان مخالفا للدليل، فهذا يخرج عليه الشيخ محمد وغيره. الثاني: التقليد بالحق، كأن تأخذ قول العالم إذا وافق الدليل، فهذا تقليد بحق، وهذا اتباع لأهل الحق، يسمونه تقليدا، أو يسمونه اتباعا، فالمعنى واحد، يوسف ﵇ يقول: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨] ، هذا اتباع الحق، ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] ،فهذا يسمى اتباعا، فمن كان على الحق، فنحن نتبعه.

стр. 134

وإني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة. هذا كذب على الشيخ؛ لأن اختلاف العلماء في أمور الفروع والاجتهاد ليس نقمة، العلماء اجتهدوا وبحثوا، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، فالاجتهاد مطلوب، والاختلاف فيه لا يذم، فالصحابة ﵃ كانوا يختلفون في الفتوى، كل يقول بحسب ما ظهر له من الدليل، فهذا النوع من الاختلاف محمود؛ لأنه بحث عن الحق. أما الاختلاف المذموم فهو الاختلاف في الحق، فلا يجوز الاختلاف في الحق بعدما تبين، بل يجب أخذ الحق، ولا تجوز مخالفته. فالاختلاف على قسمين: الأول: اختلاف مذموم، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] ، فالتفرق والاختلاف مذمومان، فالذي يسبب الارتباك في الحق، والتعصب للباطل مذموم. الثاني: الاختلاف الذي يبحث فيه عن الحق، فهذا محمود، من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد، وإذا علمنا أنه أخطأ فنحن لا نأخذ بقوله بل بقول من أصاب، هذا هو المطلوب. ولهذا الفقهاء يقولون: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، مثلا: تحية المسجد وقت النهي، بعض العلماء يرى أنها تصلى عملا بقوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» ، قالوا

стр. 135

هذا عام في أوقات النهي وفي غيرها؛ لأنها من ذوات الأسباب. بينما الجمهور يقولون: وقت النهي لا يصلى فيه، لا تحية المسجد ولا غيرها من النوافل؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ونهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، فقدموا عموم النهي على عموم الأمر، فمن أخذ بهذا القول فإنه لا ينكر عليه، ومن أخذ بالقول الأول فلا ينكر عليه؛ لأن كلا له مستند، وهذه مسائل اجتهادية لا يجوز فيها التعادي، فالصحابة يختلفون – وهم إخوة - في المسائل الفرعية. والنبي ﷺ لما رجع من الأحزاب وجهز الصحابة لغزو يهود بني قريظة فقال: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» ، بعض الصحابة قال: مقصود الرسول ﷺ المبادرة، وليس المقصود ألا نصلي إلا عندما نصل بني قريظة. فصلوا في الطريق، والبعض الآخر قالوا: الرسول يقول: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» ، فأخروا العصر إلى أن وصلوا إلى بني قريظة، فلما سألوا النبي ﷺ لم ينكر على الفريقين؛ لأن كل واحد منهم له مأخذ من الدليل، فالاجتهاد من هذا النوع لا إنكار فيه، ولا يقال: إنه نقمة، بل يقال: إنه اجتهاد وبحث عن الحق.

стр. 136

وإني أكفر من توسل بالصالحين، وإني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق، وإني أقول: لو أقدر على هدم قبة رسول الله ﷺ لهدمتها. قوله: «أني أكفر من توسل بالصالحين» ، هذا الحكم على الإطلاق ليس بصحيح، فالتوسل فيه تفصيل: إن كان يصرف شيئا من العبادة لمن يتوسل به؛ كعباد القبور الذين يذبحون للأموات، وينذرون لهم، ويستغيثون بهم، فهذا شرك أكبر؛ لأنه عبادة لغير الله، أما إن كان لا يصرف لهم شيئا من العبادة، وإنما يتوسل إلى الله بهم، أي: بواسطتهم، فهذه بدعة، وليست كفرا، كالسؤال بالجاه، أو بحق فلان، أو بنبيك، أو بعبدك فلان من غير أن يصرف له شيئا من العبادة، وإنما جعله واسطة بينه وبين الله في قبول دعائه، فهذه بدعة؛ لأن الله أمرنا بدعائه بدون اتخاذ واسطة بيننا وبينه. فقولهم: إن الشيخ يكفر بالتوسل مطلقا، هذا كذب؛ لأن الشيخ يفصل في هذا. وقوله: «وأني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق» ، هذه مسألة تكفير المعين؛ كأن الشيخ لا يرى تكفير المعين، والبوصيري كلامه كفر؛ كقوله يخاطب الرسول ﷺ : يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم

стр. 137

إلى آخر ما قال في «البردة» ، وهذا كفر، لكن الشخص قد يكون ما بلغته الحجة، أو يكون متأولا، فلا يكفر حتى تقام عليه الحجة، وأيضا هو لا يعلم ما ختم له به. قوله: «وإني أقول: لو أقدر على هدم قبة رسول الله ﷺ لهدمتها» ، وهذا من الكذب على الشيخ؛ لأن الرسول ﷺ معلوم أنه دفن في بيته محافظة عليه من الغلو، وبيته له جدران، وله سقف، فالسقف موجود من وقت دفنه ﷺ ، غاية ما هنالك أنه أزيل السقف وجعل على شكل قبة، فالشيخ لا يرى أن هذا منكر، فالرسول ﷺ دفن في بيته، واستمر ﷺ مقبورا في بيته حفاظا عليه من الغلو؛ كما تقول عائشة لما ذكرت نهي الرسول ﷺ عن الغلو في القبور: «ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» ، فدفن في بيته محافظة عليه من الغلو، فيتهمون الشيخ، ويجعلون قبة الرسول مثل القباب التي على القبور المبنية عليها تعظيما لها، وهذا غلط، القباب المبنية على القبور مخالفة للشرع، يعني بأن يدفن الميت ويقام على قبره بناية وقبة، أو يجعل مسجدا، هذا الذي نهى عنه الرسول ﷺ ؛ لأن هذا وسيلة إلى الشرك، الصحابة أفضل قرون الأمة كانوا يدفنون في البقيع، ولا يجعل على قبورهم شيء، وإنما الرسول – ﵊ – عزل وجعل في بيته حفاظا عليه من الغلو، وفرق بين ما بني عليه غلوا فيه وبين ما دفن في بيته حفاظا عليه من الغلو. فالبناء على القبور تعظيما لها منهي عنه، وهو وسيلة من وسائل الشرك، ومما يجعل العوام يتعلقون بها، لكن قبر الرسول ما بني عليه،

стр. 138

وإنما دفن في بيته ﵊، وعرفنا العلة: أنه لأجل المحافظة عليه، ما رأيكم لو كان الرسول مدفونا في البقيع، ماذا يكون عنده من الزحام والغلو، وفعل الجهال؟ ولكن الله أجاب دعاء نبيه فقد قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» ، فأجاب الله دعاءه ودفن في بيته محافظة عليه. قال ابن القيم ﵀: فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان هذا الفرق بين قبر الرسول ﷺ وقبر غيره مما بني عليه، فلا يشتبه هذا بهذا، ونقول: قبر الرسول مبني عليه، وعليه قبة، فعلى هذا يجوز البناء على القبور الأخرى وجعل عليها قباب؛ كما يقوله الخرافيون.

стр. 139

ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابا من خشب، وإني أحرم زيارة قبر النبي ﷺ ، وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما، وإني أكفر من حلف بغير الله. وهذا من الكذب على الشيخ، أنه يقول: «لو أقدر على أخذ ميزاب الكعبة» ؛ لأن ميزاب الكعبة مصنوع من الذهب، يقولون عن الشيخ: إنه يقول: «لو أقدر أخذته، وجعلت مكانه ميزابا من خشب» . وهذا كذب على الشيخ، ولا مانع من أنه يجعل ميزاب الكعبة من الذهب؛ لأن الذهب لا يخرب ولا يتغير، أما لو كان من الخشب لأكلته الأرضة، وتغير، فالشيخ ما قال في ميزاب الكعبة شيئا أبدا، ولكن اتهموه بهذا، حتى قالوا: إنه يقول: إن عصاي هذا أفضل من الرسول؛ لأن الرسول ﷺ ميت ولا ينفع أحدا، وعصاي هذا أنتفع به وأضرب به. هذا من أعظم الكذب على الشيخ. كذلك زعموا أن الشيخ حرم زيارة قبر النبي ﷺ ، وهذا غير صحيح، بل كان ﵀ يزور قبر النبي ﷺ ، فقبر الرسول يزار كما تزار القبور، قال ﷺ : «فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة» ، فمن ضمن ذلك: قبر الرسول ﷺ يزار ويسلم عليه؛ كما تزار القبور ويسلم عليها، فهو لم ينكر الزيارة الشرعية، وإنما ينكر الزيارة البدعية أو الشركية لقبر الرسول ولغيره، فالذي يزور القبور ليدعو الأموات، ويستغيث بأصحاب القبور ويتبرك بها، ويتبرك بترابها، هذا هو الذي يمنعه العلماء – الشيخ وغيره – أما الزيارة الشرعية التي يقصد منها السلام على الميت والدعاء

стр. 140

له، والاعتبار بالقبور فهذه لا ينكرها أحد من العلماء. فالشيخ ينكر الزيارة الشركية والبدعية للقبور، ولا ينكر الزيارة الشرعية، ولكن هم يلبسون على الناس بهذا الكلام. قوله: «وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما» ، كذلك هذا بناء على أنهم يقولون: إنه يكفر الذين سبقوه، فيقول للناس: لا تزوروا والديكم؛ لأنهم كفار. وهذا كذب، فالشيخ لا يدري عن الذين ماتوا وعما ماتوا عليه، والأصل إحسان الظن بأموات المسلمين، فهذا من الكذب على الشيخ ﵀. وقوله: «وإني أكفر من حلف بغير الله» ، كذلك الحلف بغير الله، قال الرسول ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» ، ولكن ليس معناه الكفر المخرج من الملة، وإنما هو كفر أصغر، وشرك أصغر لا يخرج من الملة، فالذي يقول: إنه كفر أو شرك، إن كان يقصد أنه شرك أصغر وكفر أصغر فهذا صحيح؛ لأن الرسول سماه كفرا وسماه شركا، أما إن كان يقصد أنه الكفر المخرج من الملة فهذا باطل.

стр. 141

وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي، وإني أحرق "دلائل الخيرات " و" روض الرياحين "، وأسميه: روض الشياطين. ابن الفارض صاحب المنظومة التائية في وحدة الوجود، فيها كفر وإلحاد والعياذ بالله، ولكن الشيخ لا يكفر صاحبها؛ لأنه لا يدري ماذا ختم له، ولا يدري هل بلغته الحجة أو لم تبلغه، فهو يقول: إن ما فيها إلحاد وكفر، ولكن صاحبها يتوقف فيه، هذا مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يشهدون لأحد بجنة أو نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ . وابن عربي معروف، هو محيي الدين بن عربي الطائي إمام أهل وحدة الوجود، وابن الفارض من أتباع ابن عربي، ومع هذا فإن الشيخ لا يجزم بكفرهما، وإن كانا قالا كفرا وضلالا وإلحادا، ولكن تكفير المعين يحتاج إلى دليل؛ لأنه ربما تاب، وربما ختم له بالتوبة، فالله أعلم. ومن الكذب على الشيخ أيضا: قولهم: إنه أحرق دفتر «دلائل الخيرات» ، ودلائل الخيرات هو كتاب في «الصلاة والسلام على خير البريات» ، فيه غلو، وفيه دعاء للرسول ﷺ ، فهو كتاب فيه باطل، ولكن الشيخ لم يحرقه، ولكنه كان يوصي بقراءة الكتب المفيدة الخالية من المخالفات. وكذلك «روض الرياحين» ، هو من كتب الغلو في النبي ﷺ ، ولكن تحريقها لا يؤدي إلى نتيجة. وافتروا على الشيخ وقالوا: سماه «روض الشياطين» ، وهذا كله من الكذب على الشيخ ﵀.

стр. 142

جوابي عن هذه المسائل أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم. وقبله من بهت محمدا ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ﵉ ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور، قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] ، بهتوه ﷺ بأنه يقول: إن الملائكة وعيسى وعزيرا في النار، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] . هذه المسائل التي افتروها، قال ﵀ في جوابه عنها: «سبحانك هذا بهتان عظيم» كل ما قيل في هذه الكلمات فهو بهتان عظيم لم يقله الشيخ، وهو منه بريء، ﵀ رحمة واسعة. وقوله: «قبله من بهت محمدا ﷺ » ، «قبله» يعني: قبل ابن سحيم، من بهت رسول الله ﷺ من الكفار والمشركين، فلي أسوة بالرسول ﷺ إذا بهتني ابن سحيم، فالرسول ﷺ بهت بما هو أعظم من هذا. قالوا في الرسول: «أنه يسب عيسى بن مريم» وذلك لما نزل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ، قالوا: محمد يسب عيسى وأمه؛ لأن عيسى عبد من دون الله فمعناه أنه يلقى في النار، ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ، يعنون عيسى ﵇، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢] ، فالآية فيمن عبد وهو راض، وعيسى لم يرض ولم يأمرهم بعبادته، بل أمرهم بعبادة الله ، ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾

стр. 143

[المائدة: ١١٧] ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] ، فعيسى ﵇ ما دعا الناس إلى عبادة نفسه بل أنكر هذا، إنما الذين يدعون الناس إلى أن يعبدوهم هم الذين يكونون في النار مع عبدهم. أما عيسى وعزير وغيرهما من الأنبياء فإنهم ينكرون هذا في حياتهم، ولما ماتوا فعل الناس هذا بهم بعد موتهم، قال عيسى – ﵊: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] ، فالأنبياء والرسل والصالحون لا يأمرون الناس أن يعبدوهم ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] ، ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٩] ، فنزه الله الأنبياء عن هذا الكلام، فعيسى ما قال لهم: اعبدوني. وإنما هم عبدوه بعد موته، فلا لوم عليه ﵊، ورد الله عليهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ ، ومنهم عيسى ﵊: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ ، وقال في الزخرف ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] . قالوا: إذا كانت الآلهة في النار فعيسى معهم؛ لأنه معبود من دون الله. يريدون أن يردوا على الرسول ﷺ ، قال الله - جل وعلا -: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ﴾ يعني: عيسى ﵇ ﴿أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] ، فالله رد عليهم في موضعين: في سورة الأنبياء، وفي سورة الزخرف، وهكذا القرآن يرد على أهل الباطل ويفند شبهاتهم ولله الحمد.

стр. 144

فإذا كانوا اتهموا الرسول ﷺ بأنه يكفر المسيح، وأنه يقول: إنه في النار؛ لأن النصارى عبدوه، فكيف لا يتهمون الشيخ محمد بن عبد الوهاب؟ ! «بهتوه ﷺ بأنه يقول: إن الملائكة وعيسى وعزيرا في النار» ؛ لأنهم عبدوا من دون الله، والآية تقول: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ، يقولون: هذه عامة للملائكة ولعيسى وعزير والصالحين. الجواب: أن هؤلاء لم يريدوا أن يعبدوا من دون الله، بل كانوا ينكرون هذا في حياتهم، فهم مبعدون عن النار، ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ ، وهم عيسى وعزير ومن سبقت له الحسنى من الله فإنه مبعد من النار، ولو عبد بعد موته فهذا لا يضره؛ لأنه كان ينكره يوم أن كان حيا. ونبينا محمد ﷺ عبد بعد أن مات، يعبده الخرافيون والمشركون، هل هذا يذم به الرسول ﷺ ، أو يقال: إن محمدا في النار؛ لأنه عبد من دون الله؟ لا؛ لأنه كان ينكر هذا في حياته، ويجاهد عليه بالسيف، أما كونه يعبد بعد موته فلا يرجع عليه في ذلك ملامة.

стр. 145

وأما المسائل الأخر وهي: أني أقول: لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى " لا إله إلا الله "، وأني أعرف من يأتيني بمعناها، وأني أكفر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله، وأخذ النذر لأجل ذلك، وأن الذبح لغير الله كفر والذبيحة حرام. فهذه المسائل حق وأنا قائل بها، ولي عليها دلائل من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ومن أقوال العلماء المتبعين؛ كالأئمة الأربعة، وإذا سهل الله تعالى بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة إن شاء الله تعالى. ثم اعلموا وتدبروا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ .... الآية [الحجرات: ٦] . قوله: «لا يتم إسلام عبد حتى يعرف معنى لا إله إلا الله» ، هذا صحيح، والشيخ ﵀ يعلم الناس معنى (لا إله إلا الله) بأن معناها: لا معبود بحق إلا الله، وما سواه فعبادته باطلة وشرك، هل هذا يلام الشيخ عليه؟ ! الجواب: لا، بل هذا منهج الأنبياء. وقوله: «وأني أكفر الناذر» ، هذا أيضا صحيح، من نذر لغير الله فإنه كافر؛ لأنه صرف نوعا من أنواع العبادة لغير الله، فلا لوم على الشيخ ولا على غيره إذا كفره بذلك. وقوله: «وإن الذبح لغير الله كفر» ، هذا صحيح؛ لقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾
следующие страницы →