← Акыда

Акыда · id 8605

شرح عقيدة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب

صالح الفوزان

Полный текст (146 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

في يوم القيامة: الشفاعة؛ ولهذا ساقها المصنف ﵀ في جملة ما يكون في اليوم الآخر، أنه يؤمن بكل ما يكون في اليوم الآخر، ومنه الشفاعة. والشفاعة ستة أنواع: منها ما هو خاص بالنبي ﷺ ، ومنها ما هو مشترك بينه وبين غيره من الملائكة، والأولياء والصالحين، والأطفال الأفراط الذين يشفعون. فأما الخاص بالنبي ﷺ فهو: الشفاعة الأولى: الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود، وذلك حينما يتقدم الناس في الموقف، موقف الحشر، ويطلبون من الأنبياء أن يشفعوا لهم عند الله في أن يريحهم من الموقف؛ لأنه طال عليهم الوقوف، مع ما هم فيه من الحر والضيق وطول الوقوف، حيث يقفون خمسين ألف سنة، فيتقدمون ويطلبون من آدم ﵇ أبي البشرية أن يشفع لهم عند الله في أن يفصل بينهم ويريحهم من الموقف، فيعتذر آدم ﵇، ثم يطلبونها من نوح ﵇ أول الرسل، فيعتذر، فيطلبونها من إبراهيم ﵇ فيعتذر، ويطلبونها من موسى ﵇ فيعتذر، ويطلبونها من عيسى ﵇ فيعتذر، ثم يطلبونها من محمد ﷺ فيستعد لها، ويقول: «أنا لها، أنا لها» ، بعد ما يطلبونها من أولي العزم كلهم ويعتذرون إلا نبينا محمدا ﷺ فإنه يقبل أن يشفع لهم عند الله، فيخر ساجدا تحت العرش، فيدعو ربه ويحمده، ولا يزال كذلك حتى يقال له: «يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع» . فيشفع عند الله في أهل المحشر، في أن يفصل الله بينهم بحكمه، ويريحهم من الموقف،

стр. 72

ويقبل الله شفاعته، فهذا هو المقام المحمود، الذي قال الله - جل وعلا – فيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] ، وهو الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، إظهارا لفضله وشرفه ﷺ في هذا الموقف العظيم. الشفاعة الثانية: شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوها، وتفتح لهم، فهو أول من يستفتح باب الجنة ﵊؛ ولهذا قال - جل وعلا -: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] ، لا تفتح لهم أول ما يأتون، بل عطف الفتح على مجيئهم؛ لأنه لا يفتح لهم إلا بعد الشفاعة، ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أما الكفار – والعياذ بالله – فمن حين يصلون إلى النار تفتح لهم أبوابها، يدفعون إليها ويدعون إليها دعا – والعياذ بالله - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] ، إلى آخر الآيات، هذه الشفاعة الثانية للرسول ﷺ والخاصة به. الشفاعة الثالثة: أنه يشفع ﷺ لأناس من أهل الجنة في رفعة منازلهم في الجنة. الشفاعة الرابعة: شفاعته في عمه أبي طالب، الشفاعة لا تنفع الكفار، ولكن نظرا لأن أبا طالب حمى النبي ﷺ ودافع عنه، وصبر معه على الضيق، وأحسن إلى الرسول ﷺ ، ولكنه لم يوفق للدخول في الإسلام، وعرض عليه النبي ﷺ الإسلام وحرص على أن يدخل في الإسلام، ولكنه أبى؛ لأنه يرى أنه دخوله في الإسلام فيه مسبة لدين آبائه، حيث أخذته الحمية الجاهلية لدين آبائه، وإلا فهو يعترف أن محمدا على الحق، وأن دينه هو الحق، ولكن منعته الحمية والأنفة؛ لأنه لو أسلم بزعمه لصار ذلك سبة على قومه.

стр. 73

وهو القائل: ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة ... لرأيتني سمحا بذاك مبينا فقد منعته الملامة وحذر المسبة على قومه، ولقد جاءه الرسول ﷺ وهو في سياق الموت، «وقال له: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، وكان عنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعادا عليه، وقالا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال: هو على ملة عبد المطلب. ومات على ذلك، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] » ، ونزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] . فالنبي ﷺ لا يشفع في إخراجه من النار؛ لأنه مخلد في النار، ولكن يشفع في أن يخفف عنه العذاب فقط، ويجعل في ضحضاح من نار، وفي أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، فلا يرى أن أحدا أشد منه عذابا، مع أنه أخف أهل النار عذابا. فهذه الشفاعات خاصة بالنبي ﷺ . الشفاعة الخامسة: مشتركة بين الرسول ﷺ وغيره من الملائكة

стр. 74

والنبيين والأولياء والصالحين وأفراط المؤمنين، وهي الشفاعة في أهل الكبائر التي دون الشرك، يشفعون لهم ألا يدخلوا النار، وإن دخلوها يشفعون لهم أن يخرجوا منها، وهذه هي التي أنكرها الخوارج والمعتزلة، وقالوا: إن من استحق دخول النار فإنه لا بد أن يدخلها، ومن دخلها فإنه لا يخرج منها. فقوله: «أؤمن» يعني: أصدق وأعتقد «بشفاعة النبي ﷺ » الخاصة به، وكذلك يؤمن بالشفاعة المشتركة؛ لأن هذا مذهب أهل السنة والجماعة. «وأنه أول شافع» كما في الحديث، حديث الموقف، «وأول مشفع» فهناك شفعاء ولكن هو أول الشفعاء ﵊، وهو أول من يستجاب له من الشفعاء، وفي هذا رد على الذين يقولون: إن الشيخ ينكر الشفاعة.

стр. 75

ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] . وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] . ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال؛ كالخوارج والمعتزلة الذين يكفرون أصحاب الكبائر، ويقولون: إنهم خالدون مخلدون في النار لا تنفعهم شفاعة الشافعين. أما أهل السنة فيثبتون الشفاعة، ولكن شفاعة النبي ﷺ وغيره من الشفعاء لا تكون إلا بشرطين، ذكرهما الله في القرآن: الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، وليس كما يكون من ملوك الدنيا الذين يشفع عندهم الشفعاء ولو لم يأذنوا. الشرط الثاني: أن يرضى عن المشفوع فيه، بأن يكون من أهل التوحيد، ومن أهل الإيمان، ولو كان عنده ذنوب يستوجب بها دخول النار، أو دخل بها النار، فهذا مؤمن تنفعه الشفاعة بإذن الله، أما الكافر فلا تنفعه الشفاعة، إلا ما استثني من شفاعة أبي طالب، وهذه خاصة.

стр. 76

وقوله: «وهو لا يرضى إلا التوحيد» ، لا يرضى عن المشرك، وإنما يرضى لأهل التوحيد، «ولا يأذن إلا لأهله» ، ولا يأذن للشفعاء إلا في أهل التوحيد. «وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب» . قال تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٠ - ٤٣] ، من الأسباب التي أدخلتهم النار: أنهم لم يكونوا من المصلين، فدل على أن من ترك الصلاة متعمدا فهو كافر مخلد في النار، وفي هذا رد على الذين يقولون: إن ترك الصلاة كفر أصغر. بل هو كفر أكبر بدليل هذه الآية: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ يعني لا يصلون ولا يدفعون الزكاة، والصلاة والزكاة قرينتان في كتاب الله، فدل على أن ترك الصلاة كفر من وجهين: الوجه الأول: أن الله ذكر ترك الصلاة مع هذه الأمور التي هي كفر بالإجماع: التكذيب بيوم الدين هذا كفر بالإجماع، منع الزكاة جحدا لوجوبها هذا كفر بالإجماع، الخوض في آيات الله هذا من الكفر بالإجماع، فدل على أن ترك الصلاة كفر؛ لأنه قرن مع هذه الأشياء. الوجه الثاني: قوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ، فدل على أن تارك الصلاة عمدا لا تقبل فيه الشفاعة، وهذا إنما يكون في الكافر، فلو كان مؤمنا لقبلت فيه الشفاعة.

стр. 77

وأؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان. مما يكون يوم القيامة: الجنة والنار، الجنة التي أعدها الله للمتقين، والنار التي أعدت للكافرين، داران لا بد من ورودهما، وهما الداران الباقيتان، دار القرار: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩] ، ليس فيها ارتحال ولا انتقال، بل أهلها يستقرون فيها أبد الآباد، فأهل الإيمان يكونون إلى الجنة التي أعدت للمتقين، وأهل النار يكونون إلى النار التي أعدت للكافرين. والإيمان بالجنة والنار في ثلاث مسائل ذكرها هنا: المسألة الأولى: أنهما مخلوقتان، قال تعالى في كل منهما ﴿أُعِدَّتْ﴾ ، أي: خلقت وهيئت، فهما مخلوقتان من جملة الخلق. المسألة الثانية: أنهما موجودتان، قال ﵀: «وأنهما اليوم موجودتان» ردا على الذين يقولون: إنما توجدان يوم القيامة، أما الآن ليس هناك جنة ونار. وهذا باطل فإنهما الآن موجودتان، ودليل ذلك: أولا: أن الله قال في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ، وقال في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] ، فقوله: أعدت هذا فعل ماض يدل على أنهما قد خلقتا، لم يقل: تخلق أو تعد، بل قال: أعدت، هذه حكاية للماضي. ثانيا: أن الرسول ﷺ أخبر أن ما يصيب الناس من شدة الحر، أو من شدة البرد أنه من جهنم، وجهنم لها نفسان: * نفس في الصيف، وهذا أشد ما يجده الناس من الحر.

стр. 78

* ونفس في الشتاء، وهذا أشد ما يجده الناس من البرد. فدل على أنهما موجودتان، وأن هذا الحر وهذا البرد من النار والعياذ بالله. ثالثا: «أن الصحابة كانوا جالسين عند النبي ﷺ ، فسمعوا وجبة، يعني: شيئا سقط، قال: أتدرون ما هذا؟ ، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها» ، فهذا دليل على أن النار موجودة. رابعا: - جل وعلا – ذكر أن الميت إذا وضع في قبره يفتح له باب إلى الجنة، ويأتيه من روحها وطيبها، وأن الكافر والمنافق يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من سمومها وحرها، فهذا دليل على أنهما موجودتان الآن. المسألة الثالثة: أنهما لا يفنيان، ولا يبيدان أبد الآباد، النار تبقى، وأهلها يبقون، والجنة تبقى، وأهلها يبقون فيها إلى ما لا نهاية. وفي هذا رد على الذين يقولون: إن الجنة والنار تفنيان ولا يبقى إلا الله؛ لأنهما لو بقيتا لشاركتا الله في البقاء. فنقول لهما: هناك فرق بين بقاء الخالق، وبقاء المخلوق، بقاء الخالق ذاتي، وأما بقاء المخلوق فهو بإبقاء الله - جل وعلا – له، ففرق بين هذا وهذا. ومنهم من يقول: إن الجنة تبقى، ولكن النار تفنى. وهذا أيضا قول خطأ، والصواب: أنهما باقيتان أبد الآباد.

стр. 79

وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته. هذه المسألة من مسائل يوم القيامة أيضا؛ لأن الشيخ لا زال ﵀ يعدد ما يكون يوم القيامة، ومن ذلك: «أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم» ، إكراما لهم في الجنة، ولا يجدون أطيب من رؤيتهم لله ولا ألذ من رؤيتهم لربهم . وقد جاء هذا في القرآن، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ، الحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله؛ كما في «صحيح مسلم» ، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] ، المزيد: هو رؤيتهم لوجه الله ؛ كما جاء في التفسير. وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ﴿نَاضِرَةٌ﴾ الأولى بالضاد، من النضرة وهي البهاء والحسن، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بالظاء المشالة، أي: ناظرة بأبصارها، ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ عداه بـ «إلى» ، وإذا عدي النظر بـ «إلى» فمعناه المعاينة بالأبصار، فأبصار أهل الإيمان تنظر إلى ربها جل وعلا. وكذلك قوله تعالى في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] ، أي: لا يرون الله يوم القيامة، فدل على أن المؤمنين يرون الله؛ لأنه إذا حجب عنها الكفار، دل على أن المؤمنين لا

стр. 80

يحجبون عنها؛ كما قال الإمام الشافعي ﵀، وإلا لم يكن هناك فرق، لو كان الله لا يرى يوم القيامة لما خص الكفار، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] . وأما الأحاديث فكثيرة جدا ومتواترة عن النبي ﷺ ، وقد استقصاها الإمام العلامة ابن القيم في كتابه: «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» ؛ أي: استقصى الأحاديث الواردة في الرؤية، وأنها بلغت حد التواتر. أما المعتزلة ومن سار في ركابهم فإنهم ينفون الرؤية كعادتهم؛ لأنهم لا يصدقون بالأحاديث، وإنما يتبعون عقولهم وأفكارهم، ويستدلون بالمتشابه من القرآن، مثل قوله تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] ، قالوا: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ هذا نفي للرؤية فدل على أن الله لا يُرى. والرد على هذا من وجهين: الوجه الأول: أنه لو كانت رؤية الله غير جائزة لما سألها موسى؛ لأن موسى نبي الله وكليم الله، لا يمكن أن يسأل شيئا لا يجوز، فدل هذا على أن رؤية الله جائزة، ولكنه لن يراه في هذه الدنيا؛ لأن المخلوقين لا يقوون على رؤية الله في هذه الدنيا؛ ولهذا ضرب الله له المثل: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ يعني: مغشيا عليه، فدل على أن موسى لا

стр. 81

يطيق رؤية الله في هذه الدنيا، وكل مخلوق لا يطيق رؤية الله في هذه الدنيا لضعف المخلوقين في هذه الدار. أما في الجنة، فالله يعطي المؤمنين قوة على أن يروا ربهم . الوجه الثاني: أن الله - جل وعلا – لم يقل لموسى: إني لا أرى، بل قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني: في هذه الدنيا، و «لن» لا تقتضي النفي مطلقا، وإنما تقتضي النفي المؤقت؛ ولهذا يقول ابن مالك في «الكافية الشافية» : ومن رأى النفي ب (لن) مؤبدا ... فقوله اردد وسواه فاعضدا فلن للنفي غير المؤبد؛ ولهذا قال الله - جل وعلا – في اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] يعني: الموت، وفي الآخرة يتمنون الموت، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ، ففي يوم القيامة يطلبون الموت مع أنهم في الدنيا لن يتمنوه، فدل على أن «لن» لمطلق النفي ولا تقتضي تأبيدا، وإنما هو نفي مؤقت، والله - جل وعلا – قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني: في الدنيا، فليس لهم متمسك في هذه الآية. الشبهة الثانية: تمسكوا بظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ، قالوا: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ يعني: لا تراه. والجواب أن يقال: ليس معنى ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ أنها لا تراه، لكن معناه أنها لا تحيط به، والإدراك معناه: الإحاطة، والله لم يقل: لا

стр. 82

تراه الأبصار، بل قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ ، ونفي الإدراك لا يلزم منه نفي الرؤية، فقد يرى الإنسان الشيء ولا يدركه كله، فأنت مثلا، ترى الشمس، ولكن هل تدركها كلها؟ فما كل ما يرى يدرك كله، فالآية ليس فيها نفي الرؤية، بل فيها نفي الإدراك. يعني: وإن رأته فهي لا تدركه؛ لأن الله - جل وعلا – أعظم من كل شيء، فلا يحاط به جل وعلا، فليس في الآية دليل على نفي الرؤية، وإنما فيها نفي الإدراك فقط. فقوله: «يرون ربهم بأبصارهم» رد على من يقول: يرونه بقلوبهم؛ لأن الرؤية قد تكون قلبية، وتكون بصرية، وهم يقولون: يرونه بقلوبهم. لو كان بقلوبهم ما قال الرسول ﷺ : «كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس صحوا ليس دونها سحاب» ، هل الشمس ترى بالقلب أو بالبصر؟ الجواب: بالبصر. وقوله: «كما يرون القمر ليلة البدر» كما يرون البدر عند تمامه ليلة الخامس عشر؛ لأن القمر يتكامل ليلة الرابع عشر والخامس عشر: ولهذا تسمى ليالي الإبدار، يعني: تكامل القمر، فأنت تراه واضحا، وكل الناس يرونه ليلة البدر واضحا، كل أهل الأرض يرونه جليا، والشمس لا مرية أن الناس يرونها كل يوم. وقوله: «لا يضامون في رؤيته» ، يعني: كل يراه بسهولة ويسر بدون زحام ولا خطر: لأن الناس ربما يتزاحمون على الشيء الواحد، ويحصل خطر أو موت أو دهس، ولكنهم يرون ربهم من غير مضارة ولا زحام، وهذا حتى في المخلوق،

стр. 83

فالناس كلهم يرون القمر ولا يتزاحمون على رؤيته، ويرون الشمس ولا يتزاحمون على رؤيتها، فإذا كان هذا في المخلوق، ففي الخالق من باب أولى.

стр. 84

وأؤمن بأن نبينا محمدا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته. لما ذكر ﵀ في مقدمة الرسالة بعض أصول الاعتقاد الذي سئل عنه، ذكر في هذا اعتقاده في النبي ﷺ ؛ لأن أول أصول الاعتقاد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فشهادة أن لا إله إلا الله يدخل فيها كل ما يتعلق بالرب من توحيده بأقسامه الثلاثة، وما يتعلق بأفعاله، وبكلامه وكل ما يتعلق بالرب كله يدخل في شهادة أن لا إله إلا الله، ثم شهادة أن محمدا رسول الله، وهي الإقرار والاعتراف برسالة محمد ﵊، يعتقدها بقلبه، وينطق بلسانه، ويتبع ذلك باتباعه ﷺ وطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه وتصديق خبره. كل هذا يدخل في شهادة أن محمدا رسول الله، يدخل فيها الإيمان بعموم رسالته إلى الجن والإنس – الثقلين – ويدخل فيها الإيمان بأنه خاتم النبيين، لا نبي بعده، كل هذا يدخل في شهادة أن محمدا رسول الله، فلا بد من الاعتراف بالقلب والنطق باللسان، فلا يكفي النطق باللسان دون اعتقاد القلب بأنه رسول الله، فالمنافقون يشهدون أنه رسول الله بألسنتهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ، وهم كاذبون في شهادتهم. ثم لا يكفي أيضا الاعتقاد بالقلب بدون تلفظ ونطق وإفصاح باللسان، فإن المشركين يشهدون أنه رسول الله بقلوبهم، لكن لا يتلفظون بذلك، فقد أبوا استكبارا وعنادا وجحودا أن يتلفظوا

стр. 85

برسالته ﷺ ، مع أنهم يعترفون بها في قلوبهم، قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] ، واليهود والنصارى يعلمون أنه رسول الله، لكن منعهم الكبر والحسد أن ينطقوا بذلك، وأن يتبعوه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٦، ١٤٧] ، فلا بد من هذه الأمور في شهادة أنه رسول الله: * النطق باللسان. * والاعتقاد بالقلب. * والمتابعة له ﷺ . فلا يكفي أن يعترف بأنه رسول الله وينطق بذلك ولكن لا يتابعه، فلا يطيعه فيما أمر، ولا يجتنب ما نهى عنه، أو يكذبه فيما أخبر؛ ولهذا يقول الشيخ في عبارة جميلة له في «ثلاثة أصول» : «ومعنى أشهد أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله بما شرع» ، فالعبد ما دام يشهد أنه رسول الله فلا بد أن يتقيد بما جاء به، ولا يخالفه بالبدع والمحدثات. قوله: «خاتم النبيين» يعني: آخر الأنبياء، ليس بعده إلا قيام الساعة، ولهذا يسمى نبي الساعة، قال ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى» ، فهو نبي الساعة، وبعثته

стр. 86

من علامات الساعة، لا نبي بعده، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ، قال ﷺ : «إنه سيكون بعدي كذابون ثلاثون، كل منهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي» . فالذي لا يعتقد ختم الرسالة به ﷺ كافر، أي: الذي يقول: يجوز أنه يبعث نبي بعد الرسول. هذا كافر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين؛ كالقاديانية الذين يعتقدون نبوة غلام القادياني، وكذلك الذين اعتقدوا نبوة مسيلمة، ونبوة الأسود العنسي. ومن ادعى النبوة بعد النبي ﷺ فهو مرتد بذلك عن الإسلام، فإن تابوا تاب الله عليهم، مثل: طليحة الأسدي الذي ادعى النبوة ثم تاب من ذلك فتاب الله عليه وقتل شهيدا ﵁، وسجاح التميمية التي ادعت النبوة ثم تابت فتاب الله عليها، أما من ادعى النبوة أو صدق من يدعيها فهو كافر مرتد عن دين الإسلام؛ لأنه لا نبي بعد الرسول ﷺ ، ولا حاجة إلى النبي بعد الرسول، ولا حاجة إلى كتاب ينزل بعد القرآن؛ لأن الله أغنى العالم بهذا الرسول وبهذا الكتاب، فرسالته عامة في الزمان والمكان، فهي عامة في الزمان إلى أن تقوم الساعة، وعامة في المكان لجميع أقطار الأرض، كلها عامة إلى أن تقوم الساعة وشاملة وكافية للخلق، وإنما تكون بعثة الرسل عند الحاجة، والعالم ليس بحاجة لبعثة رسول أو إلى نزول كتاب بعد محمد ﷺ وبعد القرآن.

стр. 87

وأما نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان – كما تواترت بذلك الأخبار – فهو حق، ولكنه ينزل على أنه تابع لهذا الرسول محمد ﷺ ، يحكم بشريعة الإسلام، ويكون تابعا للنبي ﷺ ، ويقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ولا يبقى إلا دين الإسلام، فبعد نزول المسيح لا يبقى إلا الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ ، فهو مجدد لدين الإسلام وتابع للرسول ﷺ ، فلا نبي بعد الرسول محمد ﷺ . قوله: «والمرسلين» ؛ لأن بعض الملاحدة يقول: الرسول يقول: «لا نبي بعدي» ولا يمنع أن يبعث رسول؛ لأنه قال: «لا نبي بعدي» ، فالممنوع هو النبوة أما الرسالة فلا. يا سبحان الله! لا يكون الرسول إلا نبيا. فبينهما عموم وخصوص، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا. وقوله: «ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته» ، لا بد أن يشهد بنبوته ويؤمن برسالته، أي: بأنه نبي رسول ﵊، والرسالة أعم من النبوة، فمن أبى أن يشهد أنه رسول الله فهو كافر، أو لم يعترف بأنه خاتم النبيين، وأجاز أن يبعث بعده رسول فهو كافر، وقال: إن رسالته خاصة بالعرب وليست عامة؛ كما يقوله بعض النصارى، الذين يؤمنون برسالته ولكن يقولون: إنه نبي للعرب خاصة. وهذا كفر؛ لأنه لا بد من الإيمان بعموم رسالته ﷺ .

стр. 88

وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃ وأرضاهم. الصحابة ﵃ هم أفضل قرون هذه الأمة، وأفضل المسلمين على الإطلاق لا يساويهم أحد، لامتيازهم بصحبة النبي ﷺ والجهاد معه، وتلقي العلم عنه ﷺ ، فعندهم ميزات ليست عند غيرهم من المؤمنين، فقد قال ﷺ : «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ، وقال ﷺ : «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» ، فنهى عن سب أصحابه وتنقصهم وبغضهم، ثم بين فضلهم، وأن أعمالهم أفضل من أعمال غيرهم، فالصدقة مثلا: لو تصدق الإنسان بمثل جبل أحد ذهبا خالصا ما بلغ المد – وهو ربع الصاع – الذي يتصدق به واحد من صحابة الرسول ﷺ ، هذا لفضلهم ﵃ ولمكانتهم، والعمل يضاعف لشرف العامل عند الله تعالى. فهم أفضل قرون هذه الأمة على الإطلاق، وتجب محبتهم وتوقيرهم واحترامهم وإجلالهم وعدم تنقص أحد منهم، ولا يجوز الدخول فيما حصل بينهم وقت الفتنة، ولا يجوز أن نخطئ فلانا ونصوب فلانا من الصحابة؛ لأنهم كلهم مجتهدون، ولا يجوز أن نتلمس أخطاءهم، ونقول: فلان فعل كذا. لأن لهم من الفضائل ما

стр. 89

يغطي أخطاءهم إن حصلت، فإن حصل من أحدهم شيء فله من الفضائل ما يغطي هذه الأخطاء ﵃ وأفرادهم ليسوا معصومين، فقد يحصل من أفرادهم خطأ، ولكن عندهم من الفضائل، ما يغطي هذا الخطأ، أما إجماعهم فهم معصومون فيه، فالصحابة معصومون بجماعتهم. ثم هم يتفاضلون، فأفضلهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ثم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة: طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد والزبير بن العوام وأبو عبيدة عامر بن الجراح، هؤلاء شهد النبي ﷺ لهم بالجنة، ومات وهو عنهم راض، ﵃ وأرضاهم، فهم أفضل الصحابة. ثم أصحاب بدر أفضل من غيرهم؛ لأن الله اطلع عليهم وقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ، ثم أصحاب بيعة الرضوان – وهي صلح الحديبية – الذين بايعوا تحت الشجرة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ١٨] ، أخبر سبحانه أنه رضي عنهم فمنحهم رضاه، ثم المهاجرون أفضل من الأنصار؛ ولهذا دائما يأتي ذكر المهاجرين قبل الأنصار في القرآن، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] ، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] ، إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ ، يعني: الأنصار، فيأتي ذكر المهاجرين قبل الأنصار، فهم أفضل؛ لأنهم تركوا أوطانهم وأموالهم وأولادهم وخرجوا لنصرة الله ورسوله،

стр. 90

﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أثنى الله عليهم بالصدق، فهم يتفاضلون ﵃ وأرضاهم. ومن أسلم قبل فتح مكة فهو أفضل ممن أسلم عام الفتح أو بعده، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] ، فالذين أسلموا قبل الفتح أفضل من الذين أسلموا بعد الفتح، ولكن يشتركون كلهم في صحبة رسول الله ﷺ ، فضيلة عامة ويتفاضلون فيما بينهم. قوله: «وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق ﵁» ؛ لأنه أول الخلفاء الراشدين، وهو الذي بايع له الصحابة بعد الرسول ﷺ واختاروه؛ لأنه أفضلهم. قوله: «ثم عمر الفاروق» ؛ لأنه هو الخليفة بعد أبي بكر، وقد اختاره أبو بكر وعهد إليه، وهذا يدل على أنه أفضل الأمة بعد أبي بكر. قوله: «ثم عثمان» ، هو الثالث؛ لأن أصحاب الشورى الستة الذين عهد إليهم عمر اختاروا عثمان ﵁ لفضله، ومكانته. قوله: «ثم علي المرتضى» ، علي بن أبي طالب ﵁ ابن عم الرسول ﷺ ، وزوج ابنته، وأبو الحسنين، وله من الفضائل أنه: «يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» ؛ كما قال النبي ﷺ ، فله فضائل عظيمة ﵁. وهذا معنى قول الشيخ. «ثم بقية العشرة» ، أي: العشرة المبشرين بالجنة.

стр. 91

قوله: «ثم أهل بدر» ؛ لأن «الله اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» . قوله: «ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان» ، الذين بايعوا الرسول ﷺ تحت الشجرة على القتال، بايعوه على الموت لما منع المشركون الرسول ﷺ وأصحابه من دخول مكة للعمرة، فأرسل ﷺ عثمان بن عفان ﵁ يفاوضهم، فجاءت إشاعة أن عثمان قتل، فعند ذلك عزم النبي ﷺ على قتالهم، فطلب من أصحابه البيعة فبايعوه، وكانوا ألفا وأربعمائه، بايعوه على الموت، ثم تبين أن عثمان ﵁ لم يقتل، ثم جرى الصلح بين الرسول ﷺ وأهل مكة كما هو معلوم، والشاهد أن الله ذكر هذه البيعة، وأثنى على أهلها ورضي عنهم. قوله: «ثم سائر الصحابة» ؛ لأنهم يشتركون في الصحبة، فكلهم صحابة رسول الله ﷺ ، أولهم وآخرهم، لا يساويهم أحد.

стр. 92

وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم، وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم، عملا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] . قوله: «وأتولى أصحاب رسول الله» ، يعني: أتولاهم بالمحبة والتوقير والاتباع والاقتداء، هذا معنى توليهم، بخلاف أهل الزيغ وأهل الضلال، وفي مقدمتهم الشيعة الذين يتنقصون أصحاب رسول الله ﷺ ويسبونهم ويكفرونهم، ويقولون: إنهم ظلموا أهل البيت وأخذوا الخلافة واغتصبوها، وهي لأهل البيت. كما يكذبون ويفترون على المسلمين، وخلافا للخوارج الذين كفروا الصحابة وقاتلوهم واستحلوا دماءهم. قوله: «وأذكر محاسنهم» ، هذا الواجب على المسلم أنه يذكر محاسنهم ويترضى عنهم، ويقول: ﵃، كل واحد منهم إذا جاء ذكره يقول: ﵁؛ لأن الله قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] ، فرضي الله عنهم وأرضاهم. ويترضى عنهم ويثني عليهم ولا يتنقص أحدا منهم أو يتلمس أخطاءهم ويشهر أخطاءهم؛ كما يفعله أهل الزيغ وأهل الضلال، أو الجهال الذين يقولون: نحن نبحث في التاريخ، ونحن نريد التحقيق التاريخي. ويبحثون في الصحابة وما حصل بينهم وقت الفتنة، الفتنة هذا شيء جرى، وهم ما اختاروا الفتنة، ولكن جرى قضاء الله،

стр. 93

ووقعت عليهم الفتنة، وابتلوا بها، فهذا حصل من غير اختيارهم ﵃، وهم يريدون الخير، يريدون نصرة الدين ويجتهدون في هذا، فنحن لا ندخل في هذا أبدا، وإن دخلنا فنعتذر عنهم. قوله: «وأستغفر لهم» عملا بالقرآن، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] ، لما ذكر المهاجرين والأنصار قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ ، هذا موقف المسلم من صحابة رسول الله ﷺ . قوله: «وأكف عن مساويهم» ، فلا أبحث عن مساويهم وأنبش عن الأشياء التي قيلت، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الواسطية» : «الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون؛ إما مجتهدون مصيبون فلهم أجران، وإما مجتهدون مخطؤون فلهم أجر» ، وهم على كل حال مأجورون، ثم لهم من الفضائل ما يغطي ما يحصل من الخطأ الذي قد يحصل من أفرادهم، فالصحبة تغطي كل هذا. وأما ما شجر بينهم وقت الفتنة، فهذا ليس باختيارهم ابتلوا به بسبب دعاة الضلال الذين اندسوا بينهم؛ كعبد الله بن سبأ والذين اتبعوه، فصاروا ينشرون الفتنة حتى صارت الحرب، أول الفتنة: تنقص ولي الأمر، حيث تنقصوا عثمان وطعنوا فيه، ثم آل الأمر إلى أن قتلوا عثمان ﵁، فلما قتلوه انفتح باب القتل والفتنة، فهذا أمر جرى

стр. 94

عليهم ﵃ وابتلوا به، فلا ندخل فيما شجر بينهم، ونخطئ عليا، أو نخطئ معاوية، ما ندخل بينهم في هذا أبدا، هذا كله صادر عن اجتهاد، كلهم يريد نصرة الحق. قوله: «وأعتقد فضلهم» ، نعتقد أنهم أفضل الأمة، فهذا الاعتقاد واجب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، والغل: هو البغض والحقد، فلا يكن في صدرك أو في قلبك بغض أو غل أو حقد لأحد من صحابة رسول الله ﷺ .

стр. 95

وأترضى عن أمهات المؤمنين، المطهرات من كل سوء. والشيخ ﵀ يترضى عن أمهات المؤمنين – زوجات النبي ﷺ فهن أمهات المؤمنين في القدر والاحترام لا في النسب، ولكن في القدر والإجلال، والنبي ﷺ هو أبو المؤمنين في القدر لا في النسب ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] يعني في النسب؛ لأن هذا رد على الذين يقولون: إن زيد بن حارثة ابن للرسول ﷺ ،والله نفى هذا، ولكن ليس معنى هذا أنه ليس أبا لهم في القدر والإجلال، قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ، وفي قراءة: (وهو أب لهم) ، يعني: في القدر والإجلال. وأما إنهن أمهات المؤمنين فهذا بنص القرآن الذي يقرأ إلى يوم القيامة ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ بمعنى: أنه لا يجوز لأحد أن يتزوج منهن بعد الرسول ﷺ ؛ لأنهن زوجاته في الجنة: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] . فهن محرمات على الأمة؛ لأنهن زوجاته في الدنيا والآخرة ﵊، وكفى بذلك فضلا لهن؛ ولأنهن حملن من العلم والشرع ما بلغنه الأمة، حملنه عن رسول الله ﷺ ، فلهن الفضل، ولهن الإجلال، ﵅ جميعا. والذين يطعنون في زوجات النبي ﷺ يطعنون في النبي عليه

стр. 96

الصلاة والسلام، فالذين يطعنون في عائشة ﵂ – هم الشيعة – هؤلاء يطعنون بالرسول ﷺ ؛ لأن الرسول يحبها ويحب أباها، ولها مكانة عند الرسول ﷺ ، مُرِّض عندها، وتوفي بين سحرها ونحرها، وكان رأسه في حجرها – ﵊ – وفضلها عظيم؛ لقربها من النبي ﷺ ونزول الوحي على الرسول ﷺ وهو في فراشها، ولها فضائل عظيمة. فالشيعة الذين يطعنون في عائشة ﵂ هؤلاء لا شك أنهم بذلك يعادون الرسول ﷺ ويؤذونه، فمن آذى عائشة فقد آذى الرسول ﷺ ، والله أنزل براءتها مما اتهمت به من المنافقين في حادث الإفك ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ ، قال - جل وعلا -: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] ، ما كان الله ليختار لنبيه ﷺ امرأة خائنة في فراشها، فإذا طعن فيها فقد طعن في النبي ﷺ ، وإذا طعن في النبي ﷺ فهذا طعن في الله جل وعلا، وهذا كفر، كفر أكبر. والذين لا يبرئون عائشة ﵂ مما اتهمها به المنافقون هؤلاء كفار؛ لأنهم مكذبون لله ولرسوله ولإجماع المسلمين. وقبلها مريم ابنة عمران اتهمها اليهود – لعنهم الله – فبرأها الله مما قالوا، فالشيعة فيهم شبه من اليهود من عدة وجوه وهذا أقبحها.

стр. 97

وأقر بكرامات الأولياء، وما لهم من المكاشفات. لما فرغ ﵀ مما يجب للرسول ﷺ ، وما يجب لأصحابه، وما يجب لأهل بيته ﵃ انتقل إلى بيان الاعتقاد في كرامات الأولياء. والكرامات: جمع كرامة، وهي الأمر الخارق للعادة الذي يجري خارقا للعادة، ويكون من الله - جل وعلا – لا دخل للبشر فيه، إن جرى على يد نبي فهو معجزة، مثل: * تكثير الطعام القليل بين يدي النبي ﷺ ، ونبع الماء من بين أصابعه، وأعظم من ذلك نزول القرآن، وهو المعجزة العظيمة للرسول ﷺ الذي أعجز الجن والإنس أن يأتوا بسورة منه. * عصا موسى، ويد موسى، والآيات التسع التي أعطاها الله لموسى ﵊. * ما أعطي عيسى من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. فهذه معجزات، وما أعطيه نبينا ﷺ من المعجزات كثير جدا. أما إن جرت الخارقة على يد عبد صالح وليس نبيا فهي كرامة من الله - جل وعلا – مثل الذي جرى لمريم لما كانت معتزلة في مكان ومتخذة حجابا دون الناس، ويأتيها رزقها وهي في مكانها: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧] ، يعني: المصلى الذي تصلي فيه، كلما دخل عليها زكريا مصلاها، وهو المحراب ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . ومثل الذي جرى لأصحاب الكهف من الكرامات؛ لأنهم مؤمنون، تبرأوا من دين المشركين، وخرجوا من البلد وأووا إلى غار

стр. 98

فرارا بدينهم، فالله ضرب عليهم النوم سنين طويلة حتى زادت شعورهم وأظفارهم، وهم يتقلبون من جنب إلى جنب، ومضت عليهم سنون كثيرة وهم لم يتغيروا، وهم في نومهم، هذا من كرامات الأولياء. ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب: «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» ، وهو كتاب نفيس جدا في هذا الباب. أما إذا جرى الخارق على يد كافر أو على يد ساحر، فهذا ليس كرامة، وإنما هذا خارق شيطاني، فالساحر قد يطير في الهواء، ويمشي على الماء، ويدخل في النار ولا تحرقه، وهذا عمل شيطاني وليس بكرامة، وهو ابتلاء وامتحان. فنحن نؤمن بكرامات الأولياء وأنها منحة من الله، قال أهل العلم: كرامات الأولياء معجزة للأنبياء. لأنهم ما حصلوا على هذه الكرامات إلا باتباعهم للأنبياء، فهي كرامة للأولياء ومعجزة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والناس في الكرامات على ثلاثة أقسام، طرفان ووسط. الطرف الأول: من ينكر الكرامات، وهم المعتزلة، ينكرون كرامات الأولياء، ويقولون: ليس هناك كرامات ولا خوارق؛ لأنهم يعتمدون على عقولهم ولا يعتمدون على الأدلة، فينكرون الكرامات. الطرف الثاني: فريق غلا في إثبات الكرامات حتى عدوا مخاريق السحرة والكهنة والصوفية كرامات، وهي خوارق شيطانية وليست كرامات، هؤلاء غلوا في إثبات الكرامات حتى اعتقدوا أن كل شيء يخالف العادة فهو كرامة، ولو كان جرى على يد ساحر وكاهن

стр. 99

ومشرك، فيقولون: هذه كرامة. ولذلك يعبدون القبور ويقولون: إن صاحبها حصل له كرامات وحصل له كذا وكذا، ويطلبون منه المدد، وهذا غلو في أصحاب الكرامات. الثالث: أهل السنة والجماعة، فيتوسطون، يثبتون الكرامات الصحيحة، أما خوارق الشياطين وما يجري على يد الشياطين فهذه ليست كرامات، وإنما هي شيطنة وابتلاء وامتحان، فقد يطير الساحر في الهواء، ويمشي على الماء ويحصل له أشياء، ولكن هذا بفعل الشياطين، وقد يخبر عن أشياء غائبة؛ لأن الشياطين تخبره، إذا هو عبدهم وخضع لهم خدموه، ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨] ، فإذا تقرب الإنسي إلى الجن وخضع لهم خدموه، وهم يقدرون على ما لا يقدر عليه الإنس، فيظن الجاهل أن هذه كرامة، وهي ليست كرامة، وإنما هي شيطنة، فيجب التنبه لهذا في أمور، فالكرامات لا تنفى مطلقا ولا تثبت مطلقا، وإنما يفصل فيها فيكون الإنسان على بصيرة. وقوله: «وما لهم من المكاشفات» ، يعني: الفراسة، يعطي الله بعض المؤمنين فراسة، يتفرس فيها الأشياء، وتحصل كما تفرسها.

стр. 100

إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله. قوله: «لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا» ، هذا احتراز من المؤلف ﵀، وهو رد على الذين يغلون في أصحاب الكرامات، ويعبدون الأولياء والصالحين من دون الله، ويقولون: لهم كرامات. كما عليه القبوريون الذين يتقربون إلى الأموات، ويعتقدون في بعض الأحياء أنه وصل إلى درجة يستطيع فيها أن ينصرهم وأن يعطيهم أشياء لا يقدر عليها إلا الله، بناء على أن له كرامات، فيقولون: إن له كرامات وهذا دليل على أنه ينفع ويضر. فالمؤلف ﵀ يرد على هؤلاء، وغالب ما عليه القبوريون مبني على هذا الوهم، الغلو في أصحاب الكرامات ، فنحن نحب الصالحين، والذين تجري على أيديهم كرامات، نحبهم ونجلهم ونقتدي بهم، ولكن لا نعطيهم شيئا من العبادة كما يفعله الخرافيون. قوله: «من حق الله تعالى» ، وحق الله هو العبادة؛ كما قال ﷺ : «وحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» . وقوله: «ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله» ؛ كإجراء الرزق وشفاء المريض وهبة الولد وغير ذلك، هذا لا يقدر عليه إلا الله، أما ما يقدرون عليه من أمور الدنيا فيطلب منهم إذا كانوا أحياء، حتى ولو كان ليس لهم كرامات، تطلب من الإنسان أن يساعدك بالمال؛ كأن يكون غنيا تطلب منه أن يقرضك أو يتصدق عليك، وإذا وقعت في

стр. 101

كربة تطلب منه أن يساعدك في الخروج منها، وفي الحديث: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة» ، فيستغاث بالمخلوق الحي فيما يقدر عليه؛ كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] ، استغاث بموسى ﵇ ﴿الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾ من بني إسرائيل ﴿عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من آل فرعون ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أغاث هذا الرجل المظلوم، وكما يستغيث الرجل بأصحابه في الحرب وغيرها، يستنجد بهم، فالاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه لا بأس بها، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] . أما الاستغاثة بالأموات فلا تجوز مطلقا؛ لأن الأموات لا يقدرون على شيء، لا الرسول ﷺ ولا غيره، هم في عالم وأنت في عالم آخر، فلا تطلب من الأموات شيئا بحجة أن لهم كرامات وأنهم يقدرون، هذا باطل، فالميت لا يطلب منه شيء ولو كان من أفضل الناس. وكذلك الحي لا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، لا يطلب منه شفاء المريض، أو إعطاء الولد، أو جلب الرزق له، فما يطلب من المخلوق شيء لا يقدر عليه إلا الله .

стр. 102

ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ؛ لكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام. هذا معتقد أهل السنة والجماعة، أنهم لا يشهدون لأحد معين بجنة ولو كان من الصالحين، ولا يشهدون لأحد بالنار ولو كان من الكافرين؛ كأن تقول: هذا من أهل الجنة، أو هذا من أهل النار. هذا لا يجوز إلا لمن أطلعه الله على الغيب وهو الرسول ﷺ ، ولم يطلعه على الغيب كله، ولكن على شيء من المغيبات، ومن ذلك أن الرسول ﷺ شهد لأناس بالجنة، فنحن نشهد أنهم من أهل الجنة، كالعشرة المبشرين بالجنة من صحابة رسول الله ﷺ ، وهم: الخلفاء الأربعة، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة، عامر بن الجراح، هؤلاء شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وثابت بن قيس بن شماس بشره النبي ﷺ بالجنة فهؤلاء نشهد لهم؛ لأن الرسول شهد لهم بأعيانهم، فنقول: فلان في الجنة، أبو بكر في الجنة، عمر في الجنة، طلحة، والزبير، كل هؤلاء في الجنة؛ لأن الرسول أخبر أنهم في الجنة. والرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى، وإن كان هذا من الغيب، ولكن الله أطلع الرسول ﷺ على الغيب، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧] ، يطلع الله الرسل على شيء من المغيبات؛ لأجل مصلحة البشر. وكذلك لو كان كافرا أو فاسقا فإننا لا نشهد له بالنار؛ لأننا لا

стр. 103

ندري عن خاتمته، لا نشهد لأحد بالجنة وإن كان من الصالحين؛ لأننا لا ندري عن خاتمته بم يختم له؟ ولا نشهد لأحد بالنار ولو كان كافرا لأننا لا ندري بم يختم له؟ والنبي ﷺ يقول: «إن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» . والخواتيم لا يعلمها إلا الله ، فنحن لا نشهد للمعين، أما العموم فنحن نشهد على الكفار أنهم في النار من غير تعيين فلان، نقول: الكافرون في النار، والمؤمنون في الجنة، على العموم، قال تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ، وقال في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] ، فلا شك أن الكفار في النار من غير تعيين أشخاص إلا بشهادة، ولا شك أن المؤمنين في الجنات من غير تعيين أشخاص إلا بشهادة ممن لا ينطق عن الهوى. وهذا من التأدب مع الله فنحن لا نشهد للمعين إلا بدليل، ولكننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. قال ﵀: «ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام» ، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون بالكبائر التي دون الشرك؛ كالزنا والسرقة وشرب الخمر وأكل الربا، هذه كبائر موبقات ولكن لا يحكمون على صاحبها بالكفر، بل يحكمون عليه أنه ناقص الإيمان، فهي كبائر تنقص الإيمان، وحكم صاحبها أنه تحت

стр. 104

مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، فنحن لا نكفر إلا من كفره الله ورسوله بالأدلة من الكتاب والسنة وبإجماع أهل العلم. وأما أن نكفر بالكبائر التي دون الشرك فهذا مذهب الخوارج والمعتزلة الضلال الذين يحكمون على مرتكبي الكبائر أنهم كفار وأنهم مخلدون في النار – نسأل الله العافية – هذا معتقد باطل يخالف الأدلة. لكن من استحل محرما مجمعا على تحريمه فهذا كافر؛ كما لو استحل الربا، أو الخمر، أو الزنا، أو حرم شيئا مجمعا على حله فهذا كافر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين، فمسألة التكفير لها ضوابط عند أهل السنة والجماعة، أما مجرد ارتكابه للكبيرة التي دون الشرك فهذا خطر بلا شك، وهو متوعد بالنار والغضب، ولكن لا نحكم عليه بالكفر، بل نقول: إنه مؤمن ناقص الإيمان، وفي الآخرة هو معرض للوعيد الذي ورد، إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عذبه، ولكن إذا عذبه لا يخلد في النار كالكفار، بل يخرج منها إلى الجنة. ولا يخرج من دائرة الإسلام بل يبقى في دائرة الإسلام، فيكون معه أصل الإسلام وأصل الإيمان، لكن يكون إيمانه ضعيفا؛ لأن المعاصي تنقص الإيمان. وانظر إلى كلام الإمام الذي قال عنه خصومه: إنه يكفر المسلمين، فهو ينفي عن نفسه هذه التهمة الباطلة، ويبين ما هو عليه.

стр. 105

وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام برا كان أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة. الجهاد: هو بذل الجهد في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله، فالغرض من الجهاد هو إعلاء كلمة الله ونشر التوحيد وإبطال الشرك؛ لأن الدين لله – ، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، فالعبادة حق لله، فمن عبد غير الله فإنه يدعى إلى الرجوع إلى الإسلام والتوبة وإخلاص التوحيد فإن أبى فإنه يقاتل. لأن الله بعث رسوله ﷺ بالدعوة والجهاد، بالدعوة أولا ثم الجهاد بعد ذلك؛ لئلا ينتشر الكفر، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] ، وفي الآية الأخرى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني: شرك، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ليس فيه عبادة لمخلوق بل العبادة للخالق . هذا هو الغرض من الجهاد، وهو نشر التوحيد ومحو الشرك من الأرض؛ لأن الله خلق الخلق لعبادته، فإذا عبدوا غيره فإما أن يتوبوا ويرجعوا وإما أن يقاتلوا؛ لأنهم لو تركوا لنشروا الكفر؛ لأن الكفار يدعون إلى الكفر، فالكافر إذا كان كفره ينتشر يقاتل، أما إذا كان كفره قاصرا عليه، ولا يدعو إليه، وليس له نشاط في نشر الكفر، وإنما هو مقتصر على نفسه فهذا لا يقاتل، مثل: كبار السن من الكفار والنساء والأطفال والرهبان في صوامعهم، هؤلاء لا يقاتلون؛ لأن كفرهم قاصر عليهم، وكذلك من خضع للإسلام وبذل الجزية فإنه لا يقاتل، بل يترك على دينه وتؤخذ منه الجزية، ويكون تابعا لحكم الإسلام، وهذا شره يقتصر عليه، ومعلوم أن الذي تؤخذ منه الجزية أنه لا يدعو إلى الكفر،

стр. 106

فلو دعا إلى الكفر لانتقض عهده، فهو مستسلم تحت حكم الإسلام ويدفع الجزية التي فيها الذلة والصغار، فهذا يترك، والشيخ الكبير، والصبي، والنساء، الذين لا يتعدى كفرهم إلى غيرهم، والرهبان الذين تركوا الناس وانعزلوا في صوامعهم للعبادة، هؤلاء لا يقتلون أيضا. دل هذا على أن دين الإسلام ليس دين قتل وسفك دماء، وإنما هو دين رحمة وعدل، يريد أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور لصالحهم هم، وكم حصل في الجهاد من منافع للناس، فالذين أسلموا من الكفار من الأعاجم أنقذهم الله من النار، لو تركوا لصاروا من أهل النار، فأسلموا وحسن إسلامهم وخرج منهم العلماء الأفذاذ، فهذه ثمرات الجهاد في سبيل الله ، فالجهاد هو ذروة سنام الإسلام، ولكن الجهاد له شروط: الشرط الأول: أن يكون بالمسلمين قوة يقوون بها على جهاد الكفار، أي: عندهم عدة واستعداد لجهاد الكفار، فإذا لم يكونوا على استعداد؛ كأن يكون فيهم ضعف والكفار أقوى منهم، فلو قاتل المسلمون الكفار لأبيدت خضراء المسلمين، فلا يجوز القتال في هذه الحالة؛ لأن هذا يلزم عليه مفسدة أكبر من المصلحة، وهي تسلط الكفار على المسلمين؛ ولهذا فالنبي ﷺ بقي في مكة ثلاثة عشر عاما مقتصرا على الدعوة إلى الله، والمسلمون يؤذون ويضايقون ولم يؤمر بالجهاد، بل الله أمرهم بالصبر وكف الأيدي حتى يأذن الله - جل وعلا – لهم بالجهاد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧] ، هذا في مكة، أمروا بكف أيديهم، ولكن مع هذا يقومون بالدعوة إلى الله ، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة،

стр. 107

وانتشر الإسلام وكان بالمسلمين قوة أمره الله بالجهاد؛ لأنهم صاروا أقوياء ومستعدين للجهاد، وهذا ليس خاصا بالوقت الأول، هذا عام للمسلمين إلى آخر الزمان، إن كان عندهم قوة واستطاعة يجب عليهم الدعوة والجهاد، وإذا كان ليس عندهم قوة فيبقون على الدعوة، وأما الجهاد فيؤجلونه إلى وقت القدرة على ذلك؛ لأنهم لو قاتلوا وهم ضعفاء لتسلط عليهم الكفار وتغلبوا عليهم. الشرط الثاني: أن يكون الجهاد تحت راية يعقدها ولي أمر المسلمين، وليس كل يجاهد، وكل يقاتل، وكل يكون له جماعة، هذا لا يجوز في الإسلام، هذا ضرر على المسلمين أنفسهم قبل أن يضروا الكفار؛ لأن المسلمين يتناحرون فيما بينهم، كل واحد يريد أن يكون هو الذي يظفر بالنتيجة، وجرب هذا في عصابات قاتلت العدو فلما انهزم العدو واندحر تقاتلوا فيما بينهم، كل يريد أن يكون هو الذي يأخذ السلطة، هذا نتيجة أنهم ما قاتلوا تحت راية واحدة وتحت إمام واحد، وإنما تفرقوا إلى عصابات وجماعات، فلا يجوز هذا في الإسلام، لا بد أن يكون الجهاد تحت راية موحدة. ولهذا قال الشيخ: «وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام» ، أي: إمام للمسلمين يقودهم وينظمهم، ويشرف عليهم، ويعد العدة ويسلحهم، لا بد أن يكون الجهاد تحت راية الإمام وبأمره حتى ينجح الجهاد، أما إذا كان بدون إمام وبدون راية فإنه يؤول إلى الفشل في النهاية، فقوله: «مع كل إمام» ، دل على أنه يشترط وجود الإمام الذي يقاتل تحت رايته. ولا يشترط في الإمام أن يكون بارا مائة بالمائة مثل: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز والصحابة، لا يشترط أن يكون الإمام صافيا ليس فيه نقص، بل ولو كان فاجرا، يعني: فاسقا،

стр. 108

فسقه لم يصل إلى حد الكفر، فإذا بقيت إمامته فإنه يبقى له صلاحية الجهاد ويطاع في الجهاد، ويصلى خلفه، لأنه مسلم ولو كان عاصيا، ولو كان فاسقا، ولو كان جائرا وظالما، لأن المصلحة في الجماعة أرجح من المصلحة في التفرق عليه والاختلاف عليه. هذه مسألة عظيمة يغفل عنها كثير من الحماسيين الذين ليس عندهم فقه في الدين، يقولون: كيف نطيعه وهو فاسق وهو عاص؟ الجواب: نطيعه للمصلحة العامة، وارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما مطلوب في الإسلام، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والمسلمون قاتلوا مع الحجاج ومع يزيد بن معاوية وهم فساق، لجمع الكلمة، بل كان هناك صحابة في راية يزيد بن معاوية في غزو القسطنطينية، منهم أبو أيوب الأنصاري ﵁. وقاتلوا مع الحجاج وهو معروف بالظلم، فهو ظالم فاتك باطش، لكن لأجل مصلحة الإسلام والمسلمين، وتغتفر المسألة الجزئية في مقابل المصلحة العامة الكلية، هذه قاعدة في الإسلام. فلا يشترط في الإمام الذي يتولى أمور المسلمين ويقودهم للجهاد أن يكون صالحا مستقيما مائة بالمائة، بل ولو كان عنده شيء من المعاصي والمخالفات ما دام لم يصل إلى حد الكفر بالله ، ولكن الجهال المتحمسين لا يتحملون هذا الكلام، لأنهم جهال، والصحابة تحملوه وأطاعوا الرسول ﷺ في ذلك لفقههم وإيمانهم، أما الجهال المتحمسون فلا يتحملون هذا، والمغرضون أيضا لا يتحملون هذا، فهم أناس قد يكونون ليسوا بجهال يعرفون هذا، لكنهم مغرضون يريدون تشتيت المسلمين، فيحرضونهم على ولاتهم بسبب أن الولاة يرتكبون أشياء من الأخطاء، وذلك لأجل تفريق الكلمة وإضعاف المسلمين،

стр. 109

فيجب الفطنة لهذه الأمور والحذر منها وعدم الاندفاع بدون فقه وبدون علم. هذه مسألة عظيمة، الآن حصل فيها سوء فهم، وحصل فيها تضليل بسبب الجهل أو بسبب الهوى. وقوله: «برا» وهو: الصالح المستقيم، «أو فاجرا» يعني: فاسقا ولكن لم يصل إلى حد الكفر، لأن المصلحة في طاعته والجهاد معه أرجح من المفسدة في الصبر على فسقه وعلى مخالفته. وقوله: «وصلاة الجماعة خلفهم جائزة» ، لا شك أن صلاة الجماعة خلف الأئمة الفساق جائزة وصحيحة، ما داموا يصلون فصل خلفهم، فقد صلى الصحابة خلف الحجاج، وصلوا خلف عبيد الله بن زياد، وصلوا خلف الأمراء الفساق الذين يشربون الخمر، وكذلك خلف الوليد بن عقبة، صلوا خلفهم لأجل جمع الكلمة، وهؤلاء مسلمون تصح صلاتهم، وما دامت تصح صلاتهم فتصح إمامتهم جمعا للكلمة.

стр. 110

والجهاد ماض منذ بعث الله محمدا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل. الدجال: هو المسيح الدجال الكذاب، سمي بالدجال لكثرة الدجل عنده والكذب، وما عنده من الفتنة الشديدة، وكل نبي حذر أمته فتنة المسيح الدجال، وأشدهم تحذيرا نبينا محمد ﷺ ، لأنه أقرب الناس إلى خروجه، وهو يخرج في آخر الزمان، يخرج في اليهود، وتجمع اليهود في فلسطين الآن هذا إرهاص لخروج الدجال، لأنه يخرج في اليهود قبحهم الله. ويحصل منه فتنة عظيمة ويدور في البلاد، وما من بلد إلا يدخله إلا مكة والمدينة، فإنه لا يدخلهما، ولكن الأشرار الذين في مكة والمدينة يخرجون إليه، ولا يبقى فيهما إلا أهل الإيمان، لأن المدينة إذا جاء الدجال ترجف فيخرج منها كل منافق، ولا يبقى فيها إلا أهل الإيمان الصادق. ثم ينزل عيسى بن مريم مسيح الهداية ﷺ ، ينزل من السماء، ثم يطلب الدجال فيقتله في باب لد في فلسطين، يقتله وينصر الله الإسلام والمسلمين، ويحكم المسيح بن مريم بدين الإسلام، بدين محمد ﷺ ، ويقوي الإسلام في عهده ﵊، ثم بينما هم كذلك إذ ظهرت يأجوج ومأجوج الذين ذكر الله ، فيأمر الله عيسى أن يحرز المسلمين إلى الطور ويقول: «إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد في قتالهم فحرز عبادي إلى الطور» ، فيعيثون في الأرض فسادا
следующие страницы →