← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

حجر (١)، وترجم شيخه لاجين (٢) أيضًا، تزوّج الظاهر ططر (٣) بابنته هذه في أيام إمرته، واستولدها عدّة أولاد منهم ولده محمد الصالح (٤) الذي تسلطن بعده، وهو مشهور الترجمة. وابنته ست الملوك (٥) زوجة الأتابك يشبك (٦). ودامت صاحبة (٧) الترجمة في عصمة الظاهر ططر المذكور حتى مات عنها، ولم تتزوّج بعده حتى بَغَتَها الأجل. وكانت من خير نساء عصرها دينًا، وأمانة، وعفّة، وخيرًا، وجمالًا.

стр. 982

دامت عزباء (١) نحو الأربعين سنة، ومرضت بالفالج مدّة سنين، وهي بذلك لا تقطع صلاتها، بل مواظبة على الخمس. إلى أن تُوفيت في يوم الأربعاء ثاني عشر ربيع الأول. وقد بلغت نحو السبعين سنة أو أكملتها، وربّما جاوزتها. وما أخلّت بصيامها ولا عباداتها (٢)، ودُفنت بتربة ابنتها الخَوَنْد لستّ الملوك زوجة الأتابك يشبك المشدّ الماضيَيْن (٣). ٣٥٢ - قانَم الأشرفي (٤). أحد العشرات ورؤوس (٥) النُوَب (٦)، المعروف بنَعْجة. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، وصار أميراً في دولة الأشرف إينال. وكان له شجاعة وعنده جرأة وإقدام، وقد تقدّم بعضٌ (٧) من أحواله وذِكره في هذا الكتاب في مواضع منه. وكان مسرفًا على نفسه جدًّا، متكالبًا على أغراضه، منهمكًا في اللذّات، مع بطشٍ وظلم. ولم يزل إلى أن توفي شبه الفجأة في ليلة الأحد سادس عشر جماد الأول. (ترجمة الأتابك قانم التاجر) (٨) ٣٥٣ - قانَم من صفر خُجا (٩) المؤيَّدي. الأمير الكبير، الأتابك، سيف الدين، المعروف بالتاجر. كان من مماليك المؤيَّد شيخ، وصار خاصكيًا في دولة ولده المظفَّر أحمد. ولا زال حتى تسلطن العزيز، فأمّره عشرة، ودام على ذلك في جميع الدولة

стр. 983

الظاهرية جقمق، وحج أميرًا على الركب الأول غير ما مرة، وعُيّن مرة في الرسالة لابن عثمان صاحب الروم، فقام بأعباء تلك الرسالة أتمّ قيامٍ، ونهض بما بُعث إليه أكمل نهوض، وكان سفيرًا حسنًا. وبُعث قبل ذلك رسولًا إلى جهان شاه أيضًا، وهو حينئذٍ تاجر المماليك، وهي الوظيفة التي تسمَّى بمعلَّم المعلّمين وكبير الدلَّالين. وكان قرّره فيها الظاهر جقمق، وبقيت بيده مدّة وعُرف بها. ودام قانم هذا على الإمرة عشرة إلى سلطنة الأشرف إينال، فأمّره طبلخاناة، ثم صيّره مرة من مقدَّمين (١) الألوف بعد موت خير بك الأجرود المؤيَّدي، الماضي ذِكره، ثم صُيّر رأس نوبة النُوَب في أول دولة المؤيَّد أحمد، عِوَضًا عن قَرقماس الجَلَب، لما نُقل إلى إمرة مجلس عِوضًا عن جَرِباش، لما نُقل إلى إمرة سلاح، بعد نقل خُشقدم من ناصر الدين منها إلى الأتابكية، عِوضًا عن المؤيد نفسه لما تسلطن بعد موت والده. ودام على الرأس نوبته الكبرى حتى تسلطن خُشداشه الظاهر خُشقَدم، فنقله إلى إمرة مجلس، عِوضًا عن قرقماس الجلب أيضًا، لما نُقل إلى إمرة سلاح، عِوضًا عن جَرِباش كُرْد، لما نُقل إلى الأتابكية بعد سلطنة خُشقدم المذكور. ومن يوم تسلطن الظاهر خُشقدم أخذ أمر قانَم في العظمة، وضخُم جدًّا، ونالته السعادة زيادة عمّا كانت قبل ذلك، ودام على إمرة مجلس في أكثر مدّة الظاهر خُشقَدم، إلى أن ولّاه الأتابكية، عِوضًا عن جرِباش كُرْد، لما أخرج بطّالًا إلى ثغر دمياط، فضخُم جدًّا وعظُم إلى الغاية، حتى تحدّث الناس بوثوبه على الأمر لِما رأوا من عظمته، وأظنّه ما كان يفعل ذلك في حياة خُشقدم، والله أعلم، لكونه كان هو السبب في عظمته، وإنما ذلك من حَدْس الناس في مثل ذلك لمن تناله العظَمَة. نعم لو عاش بعده لكان هو السلطان مع إرادة الله تعالى ذلك. ودام على الأتابكية في عظمته وأُبّهته وشهامته ووفور حُرمته، ونفاذ كلمته إلى أن بَغَتَه الأجل. وكان ملكًا جليلًا، شهمًا، عاقلًا، أدوبًا، سيوسًا، عارفًا، ذا وقار وحشمة، ومعرفة، وحُسن سمت، وتؤدة ووجاهة في الدول، مع صدق وفطنة، وشجاعة، وإقدام، ومحبّة للعلم، والعلماء، والمَيْل لهم، والتكلّم معهم، وسؤاله إياهم عمّا أشكل عليه، مع انتمائه إلى الطلب. وكان مع ما كان عليه من العظمة والجبروت كثير التأدّب مع أهل العلم، وكان من أعظم محبّي شيخنا العلّامة الكافِيَجي، وممّن يُجلّه ويعظّمه غاية التعظيم ويعضده في كثيرٍ من الأمور، لا سيما في أيام مشاركته إيّاه في النظر على الخانقاه الشيخونية.

стр. 984

وصنّف له شيخنا بعضَ الرسائل باسمه. وكذلك كان بينه وبين الوالد صحبة أكيدة ومحبّة قديمة. ولقانَم هذا عدّة اَثار جليلة معظّمة، من ذلك: تربته التي أنشأها بالصحراء ونزل بها عدّة صوفية وشيوخ (١) يحضرون بها. وشيخها الجمال عبد الله الرومي، إنسان من أهل الفضل، وبها من الصوفية جماعة من الفضلاء كالبدر محمد ابن العلائي، والعلاء الحسامي، والبدر محمود النوقاني، وآخرين. ومن آثاره الجامع بأعالي الكَبْش. وهو جامع (٢) حسن جيّد في موضعه. إمامه الشيخ الفاضل، المقرئ، سراج الدين عمر بن محمد بن قاسم بن علي الأنصاري (٣) القاهري الشافعي، المعروف باليسار، أحد القرّاء السبعة بالقاهرة، رجل حسن من أهل الدين والخير والعفّة، بل والصلاح. ولد في سنة ثمان عشرة وثمانمائة. وحفظ القرآن، واشتغل وقرأ في القراءات فأخذها عن جماعة منهم: البرهان الطبالي ( … ... … ) (٤) لقانَم هذا عدّة أملاك وأوقاف وغير ذلك، والمـ ( … ... ) (٥) جميعه له ( … ) (٦) سورباي، وهي من المشاهير الآن، تزوّجت بعده بقانصوه الخسيف (٧) ( … ... ) (٨) [وهي الآن] (٩) في عصمة صاحبنا بُردُبك الأشرفي (١٠) الخازندار، أحد العشرات، ( … ) الدوادارية. توفي قانَم هذا في ليلة الإثنين حادي عشر صفر، وكان موته فجأة.

стр. 985

ويقال: إنه سُمّ، واللَّه أعلم بصحة ذلك. ومن غريب الاتفاق أن السلطان كان في اليوم الذي مات هو بعد فراغه في ليلة تليه نزل إلى داره، فأشيع بأنه أمر بعض جماعته في ذلك اليوم بأن يسمّه، وأظنّ ذلك ليس كما أشيع. وكان سنّه زيادة على السبعين، أو هي بتمامها، ومن قال: نحو السبعين فما أصاب. وأُحضرت جنازته لمُصَلّى سبيل المؤمنى، ونزل السلطان فصلّى عليها، وحُمل إلى تربته بالصحراء فدُفن بها. ووُلّي الأتابكية بعده يلباي الأميراخور الكبير الذي تسلطن بعد ذلك، كما سيأتي. (ترجمة الواعظ ابن (١) الشراب دار) (٢) ٣٥٤ - محمد بن حسن بن عبد الله بن سليمان بن محمد (القَرَني، الأُوَيْسي) (٣)، القاهري، الشافعي. الشيخ بدر الدين، أبو المعالي، المعروف بابن الشراب دار (٤)، وبالقاصّ أيضًا. ولد بالقاهرة في سنة سبع وتسعين وسبعمائة. وبها نشأ فحفظ القرآن الكريم، ثم حفظ "العمدة" و"التنبيه" و"جمع الجوامع" و"منهاج البيضاوي" و"ألفيّة ابن مالك" وبعض "جامع المختصرات" وبعض "التسهيل"، وعرض على الزين العراقي، والسراج البُلقيني، والبدر الطنبدي، والزين الفارسكوري، والبهاء أبى الفتح البُلقيني، وذلك كله بإخباره عن نفسه (٥). ثم اشتغل فأخذ عن جماعة، منهم: البرهان البيجوري، والمجد البرماوي، والشمس البرماوي، والشمس الشطنوفي، وبرهام العجمي، ولازم العزَّ ابن جماعة

стр. 986

دهرًا، وشُهر وتميّز، ولكنّه ضر نفسه باستعمال البلاذُر (١) فاختلط، ثم تراجع، وتعانى التكلّم على الناس حتى عُرف بذلك، وصار فيه ذا حظٍ وافر وصيت وسُمعة، لا سيما عند العامّة، وصار يتكسّب بذلك، ولم يزل كذلك حتى بَغَتَه الأجل، وكان قد اختلّ أمره، وضعف حاله مدّة مطوّلة. وذكر بعضهم عنه أنه كان يُنسَب إلى بعض تهاون فيما فُرض عليه، وأنه نُسِب إلى ارتكاب ما يوجب الحدّ، واللَّه أعلم بذلك. وله شعر، فمنه ما أنشدته عنه وهو قوله: الروض نضرته (٢) بحُسنك يشهدُ … والورد جاء لمدح خدّك يورِدُ والآس يعشق من عِذارك خُضرةً … ويروقه رَيحانه المتجعّدُ ألبسته معنى جمالك منعمًا … وجعلته لك [بالهوى] (٣) يتعبّدُ فاسمع حديث جماله عن مُسنِدٍ … حسُنتْ روايتُه وصح المسند (٤) في كل شأنٍ لاح سِرّ جلاله (٥) … من طلعةٍ أحديّةٍ تتوحّدُ لا يحجبنّكَ كاسُه عن أُنْسِه … فهو الرَّوِي (٦) والمرتوِي والموردُ (٧) وله أشياء أُخر غير ذلك. وكان بشوشًا، حسن المحاضرة والمذاكرة، فكِهًا، مطبوعًا، ذا حُسن هيئة وتُؤدة. توفي في يوم الخميس ثاني عشرين رجب. واللَّه يسمح لنا وله. (ترجمة البُصرَوي) (٨) ٣٥٥ - محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن عبد العزيز (٩) بن عمر بن عامر بن خضر بن هلال بن علي بن محمد القدسي، البُصرَوي (١٠)، الدمشقي، الشافعي.

стр. 987

الشيخ العالم، الفاضل، شمس الدين ابن (١) القاضي زين الدين، أحد الفُضلاء والعلماء الأعيان بالشام. ولد في المحرّم سنة أربع وتسعين وسبعمائة. ونشأ ذكيًّا، فحفظ القرآن العظيم، ثم (. . .) (٢) الفقه والأصول، و"ألفيّة ابن مالك "، ثم اشتغل فأخذ عن جماعة، منهم: العلاء القابوني (. . . .) (٣) العلاء ابن (٤) قاضي أذرِعات، ولازم البرهان ابن خطيب عذراء (٥) فقيه الشام، وأذِن له، وكان يعجبه، وأفتى في حياته، ودرّس، وسمع الحديث بقراءة نفسه على الجمال ابن (٦) الشرائحي، وحفظ "مختصر ابن (٧) الحاجب الأصلي" في حالة كِبَره، وشُهر وذُكر حتى صار المشار إليه والمعوَّل في دمشق عليه، وشُهر بحفظ "مسائل الرافعي"، وطار صيته في ذلك، وقُصد في كثير من المهمّات. وله نظم، فمنه: قومي قريش هم المعروف شانهم … وفضلهم قد أتى في أفضل الكُتُبِ لا يُستطاع مجاراةُ مكارمهم … ولا لحاقهم في الفضل والنَسَبِ فكيف ينظر فضلي من له نظرٌ … أم كيف ما أُبدي من الأدبِ ولم يزل وجيهًا مقصدًا في المهمّات بدمشق حتى توفي بها بمنزله من خط العنّابة في أواخر هذه السنة، وكانت جنازته حافلة، وكثر التأسّف عليه. (ترجمة المحبّ ابن (٨) القطّان) (٩) ٣٥٦ - محمد بن محمد بن علي بن محمد بن عيسى بن محمد الكِناني، العسقلاني الأصل، القاهري، الشافعي. الأديب، محبّ الدين، أبو الوفاء، المعروف بابن القطّان (١٠).

стр. 988

ولد سنة ثمانمائة تقريبًا. ونشأ ذكيًّا، وقرأ القرآن العظيم، واشتغل وتعانى الأدب، وكان بارعًا فيه، فاضلًا، عارفًا. وهو أخو القاضي بهاء الدين. توفي- أعني المحبّ هذا- في يوم الخميس ثاني عشر شهر رمضان. (ترجمة التقيّ ابن (١) فهد) (٢) ٣٥٧ - محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله (بن محمد بن عبد الله) (٣) بن فهد بن سعد بن هاشم بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن القاسم بن عبد الله بن جعفر بن محمد بن علي بن أبى طالب الهاشمي، العلوي، الأصفوني، المكي، الشافعي. الإمام العالم، الفاضل، البارع، الكامل، المُسنِد، المحدّث، تقيّ الدين، أبو الفضل، المعروف بابن فهد (٤)، وهو المذكور في جدوده. ولد بأصفون الجبلين (٥) من صعيد مصر الأعلى في يوم الثلاثاء خامس ربيع الأول سنة سبع وثمانين وسبعمائة.

стр. 989

وكان والده من مكة المشرّفة وتوجّه منها لبلاد الصعيد لمآثر خلّفها جدّه لأمّه سيدي الولي العارف باللَّه تعالى، الشيخ العلّامة نجم الدين، عبد الرحيم الأصولي، الإمام، المشهور، الذي كان قد اختصر "الروضة"، ولما دخل بلاد الصعيد واتفق أن تزوّج بها بوالدة صاحب الترجمة ابنة عمّ جدّه المذكور، وكانت تسمَّى فاطمة بنت محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم القرشي المخزومي، فولدت له بهاء الدين هذا هناك بأصفون الجبلين، وهي بقرب إسنا، ثم نقله والده منها إلى مكة المشرّفة من جهة القُصَير في البحر الملح، فنشأ بمكة. وقال بعض المؤرّخين: وكانوا -يعني بني فهد- ينتسبون إلى عُتبة بن أبى لهب أولًا، ثم أخرجوا لأنفسهم هذا النسب بعد ذلك. قال: وقد طعن في كثير من أهل العلم ممن له خبرة بالأنساب. هذا ما قاله، واللَّه أعلم. حفظ التقيّ هذا القرآن العظيم بمكة، ثم "العمدة" و"التنبيه" و"ألفيّة العراقي" و"ألفيّة ابن مالك"، وعرض على جماعة من علماء ذلك العصر، ثم اشتغل وطلب الحديث بنفسه واعتنى به كثيرًا، وسمع الكثير، وأجيز من جماعة، وصار مُسند الحجاز بل ومحدّثه. وشُهر وذُكر، وبعُد صيته. توفي بمكة في يوم السبت سابع ربيع الأول. ٣٥٨ - • وترك ولده محمد، ويُدعى أحمد أيضًا، ولد بمكة في ليلة الجمعة سلْخ جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة (١) وثمانمائة. ٣٥٩ - محمد بن محمد بن محمود العجمي، المراغي (٢) الأصل، البخاري، ثم الدمشقي، الحنفي. الشيخ الإمام، والحَبْر الهُمام، العالم العلّامة، الرَحلة الفهّامة، شمس الدين، شارح "دُرَر البحار" المعروف بمحمد بن الشيخ، شيخ البخاري أيضًا. كان علّامة زمانه من أفراد العلماء المشاهير أهل الفضل والعلم (. . .) (٣)

стр. 990

والدين والخير، وله التصانيف المفيدة في الفنون، منها "دُرر البحار" وغير ذلك من فنون العلم. وكان له يد في ذلك وفي الأصلين النحو والمعاني والبيان والعَرُوض والفقه، وغير ذلك. وطن دمشق مدّة بعد أن تنقّل في عدّة بلاد، وأفتى ودرّس، شُهر (وذُكر، مع العلم والدين المتين، والخير. وانتفع به الطلبة، ولم يُداخل بني الدنيا، ودام على (. . . .) (١) من الديانة والخير (. . . .) (٢). توفي في مستهلّ المحرّم يوم الأربعاء، وجُهّز (. . .) (٣) وكانت جنازته حافلة، ودُفن بمقبرة باب الصغير، رحمه الله تعالى) (٤). ٣٦٠ - محمد (٥) بن محمد المغربي، الفاسي، التونسي، (المالكي) (٦). السيد الشريف، المتطبّب، المعروف بالفاسي (٧). كان أحد فُضلاء الأطبّاء وأهل العلم. وولد بفاس بعد العشر وثمانمائة. واشتغل وتعانى الطب ففضل فيه، لا سيما علمًا، وقدم تونس فقطنها وتعانى العلاج، لكنه كان قليل الدُربة فيه، وله خبرة بالعلم تامّة. صحِبتُه بتونس، وأخذت عنه الكثير من علم الطب. وتوفي بتونس في هذه السنة فيما بلغني بالطاعون. وكان إنسانًا حسنًا، خيّرًا، ديِّنًا (٨)، حسن السمت والهيئة والشكالة، ذا تُؤدة وفكاهة محاضرة (٩). ٣٦١ - مريم ابنة (عبد الرحمن المسنِدة أم هاني. تقدّمت بمرتبة الألف من هذه السنة) (١٠).

стр. 991

٣٦٢ - يحيى بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن مخلوف بن عبد السلام المُناوي (١)، القاهري، الشافعي. الشيخ الإمام، والحَبْر الهُمام، شيخ الإسلام، شرف الدين بن سعد الدين. ويقال: قُطب الدين أيضًا. قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، ونسبته لمنية بني خصيب بالوجه القِبلي. وقد توهّم بعضهم بأنه قبطيّ الأصل، وإنّما نشأ له هذا الوهم من لقب أبيه، وهو سعد الدين، وهذا وهْم فاحش، وإنّما لُقِّب والده بسعد الدين لأنه وُلّي بعض مباشرات شيء من الأعمال بالوجه القِبلي، فصاروا يخاطبونه بهذا اللقب على ما اعتادوه في تلك البلاد. وكان لقبه قطب الدين على عادتهم في ألقاب الفقهاء خاصة. وقد صرّح العراقي (٢) في رحلته بما قلناه وعنه نقلناه. وُلد الشرف قاضي القضاة صاحب الترجمة بالقاهرة في العشر الأول من ذي الحجة سنة ثمانٍ وتسعين وسبعمائة. وبها نشأ، فحفظ القرآن العظيم، وعدّة متون في عدّة فنون من العلوم، واشتغل بالعلم بذكاء تام وفَهم ويقظة، واستجاز جماعة منهم: الشمس البَرَمَاوي، والشمس القرافي، والمجد البَرَمَاوي (. . .) (٣) العناية، ولازمه كثيرًا وانتفع به. ومن مشايخه في العربية: الشمس الشطّنوفي. وأخذ أيضًا عن ناصر الدين البارنباري، والكمال بن الهُمام، والعماد بن شرف، وغيرهم من أهل العلم. وسمع الحديث على الشرف بن الكُوَيك، والولي العراقي، وأسمعه كثيرًا، وأخذ في التصوّف عن الأدكاوي، بل وتسفك به وبالطباطبي، وجالس الحفّاظ، ودأب وجدّ واجتهد وحصّل، إلى أن تميّز وشُهر بالفضيلة، وأفتى ودرّس، وجلس لنفع

стр. 992

الطلبة والأخذ عنه، وانتفع به جمع جمّ، واجتمعوا عليه. وأخذ عنه الفضلاء من سائر المذاهب، ووُلّي عدّة تداريس جليلة، منها تدريس الصلاحية بالشافعي، ﵁، ثم عُيّن في القضاء الأكبر عن العَلم البُلقيني على ما تقدّم ذلك في محله، ثم تكرّرت ولايته القضاء، وباشره بحُرمةٍ وافرة وعفّة ونزاهة نفْس، وحُمدت سيرته فيه، وشُكرت أياديه، وحصل به النفع التام للخاص والعام، وأنهى (١) الكثير من القضايا المهمّة، وقام بأشياء كثيرة، وانتهت إليه رياسة الشافعية بأخرة، وألّف وصنّف. وله نظم، فمنه قوله لما عُزل عن القضاء وتسلّط عليه البعض بالأذى، وأنشدته عنه: إلى الله أشكو محنةً أشغلت بالي … فمن هو لهارِيع اصطباري عدا بالي وما لى مأمولٌ سوى سيّدِ الورى … فإنّي بذاك الجاه علقتْ آمالي وهي طويلة، ومنها قوله: أيا سيّدًا لا زال طول حياته … إذا سألوه لا يردّ له سالي (٢) لقد ضاق ذَرْعي من أمورٍ كثيرة … وأنت ملاذي في تغيّرِ أحوالي وإن كنتُ يا مولاي عبدًا مقصّرًا … فحِلمُكَ يا مولاي أعلى وأَوْلَى لى عليك صلاةُ الله ما هبَّتِ الصَّبا … وما سال دمعُ الخوف أو ماسَلا (٣) سالي ولم يزل على خير ودين ونفْع وسخاء، وكرم مفرِط، وجود وأفضالى وبرّ ومعروف، وصدقات وصِلات، مع عفّة زائدة، ونزاهة نفْس، وسعة فضل، ومروءة وسلامة فطرة وباطن إلى الغاية، حتى توفّي في ليلة الإثنين ثاني عشر جمادى الآخرة. ووهِمَ من قال: كان في ليلة الثلاثاء. وجُهّز وكُفّن، وأُخرجت جنازته وكانت حافلة، فأُحضِرت إلى مصلَّى سبيل المؤمني، ونزل السلطان فحضر الصلاة عليه، وما انقطع غير يومين، وكان أجَلُه، ورثاه جماعة، منهم تلميذه الحافظ جلال السيد السيوطي الماضي ذِكره، وقد أنشدني رثاءً لنفسه وهو قوله: قلت لما مات شيخ العصر حقًّا باتفاقِ حين صار الأمر ما بين جهولٍ وفسّاقِ أيّها الدنيا لكِ الويلُ إلى يوم التلاقِ

стр. 993

وكنت حين وفاته غائبًا بالمغرب، وقدمت القاهرة في شوال من سنة وفاته هذه، فعزَّت عليّ وفاته حين بلغني ذلك يوم دخولي إلى الإسكندرية، فنظمت في رثائه (١) ارتجالًا هذه الأبيات عقيب سفري وتعبي بلا عذر وهي هذه: مات المناوي الشرف … فات المُنَى (٢) والشرف نوحوا على فقْدِهِ … وابكوا بدمعٍ ذرِف فهو الإمام الذي … كلٌّ له اعترف والبحر حاوي العُلَى (٣) … فالفضْلُ منه اغترف والدُّرُّ من علمهِ … أهداه لا عن صدف والشمسُ وقت الضحى … والبدرُ تحت السُدَف قاضي قضاة الوَرَى … غيث العَطا والطُرَف والجود ثم السخا … واللُطْف ثم الظرف رحمة يا خالقي … واتحفْه منك التُحَف وسُقْ شُربًا له … طول المدى والسلف بوابلٍ هاطلٍ … يذرف فوق الذرف برحمةٍ مع رِضًى … وارفعه أعلى الغُرَف كان رحمه الله تعالى مع دينه وخيره وصلاحه وكثرة عباداته يحبّ منصب القضاء جدًا. وله من الآثار: الجامع الذي أنشأه بجزيرة أَروَى المعروفة بالوسطى إلى جانب داره التي أنشأها هناك، وتقام به الجمعة، وبه النفع في محلّه. ٣٦٣ - وصيف الرومي (٤) الحنفي. كان من طلبة العلم، وأسره الفرنج في بعض المراكب، وبقي في أسر العدوّ مدّة سنين، ثم هرب، فخرج بالمغرب بواهران، واجتمعت به هناك فلازمني من شهور، وأخذ علي شيئًا في الطب والفقه، ثم توجّه لبلاد المغرب الداخلة فاس ونواحيها، فاتفق أن بَغَتَه أجله بها. وكان إنسانًا حسنًا، حشمًا، خيّرًا، ديّنًا، ساكنًا، ليس بخالٍ من الفضيلة. توفي في حدود هذه السنة، وله نحو الأربعين من السنّ.

стр. 994

سنة اثنتين (١) وسبعين وثمانمائة الخليفة والسلطان والقضاة والأمراء استهلّت هذه السنة وجميع من ذكرناه في التي قبلها من الخليفة والسلطان، وغالب ملوك الإسلام والنوّاب والأمراء والقضاة والحكّام على ما هم عليه في الخالية، لم تبلغنا وفاة عن أحدٍ منهم ولا تغيّر (٢) شرقًا وغربًا. ما عدا قاضي القضاة الشافعية بمصر، فإنه في هذه السنة الولي السيوطي، وُلّيه عن البدر أبى السعادات البُلقيني، وكان قد وُلّيه البدر ولم تطُل به مدَّته على ما تقدّم ذلك. وما عدا قاضي القضاة الحنفية بمصر أيضًا، فإنه في هذه السنة المحبّ ابن (٣) الشِحنة، وُلّيه عن البرهان ابن الدَيري على ما عرفت ذلك في ما تقدّم. وما عدا الأمير الكبير أتابك العساكر، فإنه في هذه السنة الأمير يَلَباي الإينالي المؤيَّدي، وُلّيها بعد موت قانَم التاجر، على ما مرّ ذلك. وما عدا نائب الشام، فإنه في هذه السنة بُردُبَك الظاهري المعروف بالبَجْمَقْدار، وُلّيها بعد وفاة برسْباي البجاسي، نقلًا إليها من نيابة حلب. وما عدا نائب حلب، فإنه في هذه السنة يشبُك البجاسي، نُقل إليها من نيابة حماة، عوضًا عن بُردُبك المنتقل لنيابة الشام. وما عدا نائب حماة في هذه السنة تَنَم الحَسَني الأشرفي، الرأس نوبة الثاني بمصر، كان نُقل إليها من هذه الوظيفة، عِوضًا عن يشبُك. وما عدا الأمير اخور الكبير، فإنه في هذه السنة الشهاب أحمد بن العَيني، وُلّيها عِوضًا عن يَلَباي. وما عدا ناظر الجيش، فإنه في هذه السنة الكمال ابن (٤) كاتب جَكَم، وُلّيها

стр. 995

عن التاج ابن المقْسي، مع إبقاء نظر الخاص مع التاج المذكور، والكمال بذا باقٍ على هذه الوظيفة من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا. وما عدا الأستادّار، فإنه في هذه السنة الشرف ابن كاتب غريب. وقد عرفت كيفية هذه التنقلات في المتجدّدات.

стр. 996

ذِكر نُبَذٍ (١) من المتجدّدات اليومية في هذه السنة القمرية كان أول هذه السنة بالأحد، ووافق ذلك تاسع مِسرَى من شهور القِبط، وثاني آب من شهور الروم، وثاني أُغُسْت من شهور الفُرس. [شهر المحرّم] [التهنئة بالعام والشهر] ففيها، في هذا اليوم، وهو مستهلّ محرّم طلع القضاة إلى القلعة وهنّأوا (٢) السلطان بالعام والشهر، وكان هذا آخر عام هُنّيء به هذا السلطان، فإنه مات بعد ذلك في أثنائها كما سنذكره. (نزول السلطان لكسر البحر) (٣) وفيه، في يوم الجمعة، سادسه، كان الوفاء للنيل المبارك، وأُعلم السلطان به، فتهيّا لنزوله لكسره (. . . .) (٤) في يوم السبت ركب السلطان ونزل في موكب هائل بأُبّهة السلطنة وموكبها، فعدّى النيل للروضة، وخلّق المقياس على العادة، ثم عاد إلى السدّ وفتح الخليج فحصره كما هي عادته قبل ذلك، وألبس الأمراء الخِلَع، وصعد القلعة، وجلس الناس لرؤيته ذهابًا وإيابًا، وكنت أنا في ذلك اليوم بمصر العتيق (٥) ببعض الرفاق في (. . . .) (٦). واتفق أنه لما ركب الجياد وأخذوا (٧) في السير به كسر عَلَم من أعلام (. . .) (٨) المذكورة، فتشاءم الناس بذلك ولجّوا بزوال ملكه، وتحقّق ذلك بعد قليل، فكانت هذه الركبة آخر

стр. 997

ركباته لكسر البحر، بل لم يركب بعدها، فيُقال إنه (. . .) (١) من يومه ذلك، حتى قيل بأنه سُمّ بالسماط الذي صُنع بالمقياس. وقيل: بل قَرف من الماء الذي أُخرج إليه من بركة المقياس في الطاسة كما هو العادة، فإنه لما شربَه معطّرًا كثيرًا سمّرت طبيعته منه، فكان ذلك سببًا لحركة مرض كان يعتريه، وهو الإسهال والزحير، حتى كان من أمره ومرضه وموته ما سنذكره في متجدّدات ربيع الأول (٢). (ورود الخبر بمشي شاه سوار وتعيين العساكر إليه) (٣) وفيه في يوم الخميس، ثاني عشره، ورد الخبر من يشبُك البجاسي نائب حلب على يد قاصد، بأن شاه سوار بن دُلغادر قَصَد المشْي على البلاد الحلبية بعد أن أخذ الأبُلُستَين وغيرها من تلك البلاد، فأمر السلطان في يوم ورود هذا الخبر عليه (بأن يكتب) (٤) إلى نواب البلاد الشمالية بأن يخرجوا بعساكرهم إلى جهة البلاد الحلبية لمعاونة نائب حلب، وأن يتأهّبوا ويحتفظوا على البلاد وعلى حلب من حصول أمرٍ من الأمور، وهذا أول جيش عيّن لشاه سوار، وأول فتنة ثارت بين المصريّين وبينه، وكان من أمره بعد ذلك ما سنذكره (٥). [تجيهز أمراء للتوجّه إلى البلاد الحلبية] وفيه أيضًا عيّن السلطان الأتابك يَلَباي، وقرقماس الجَلَب أمير سلاح، وتمربُغا أمير مجلس، وقانِبك المحمودي، ومُغُلْباي طاز المؤيَّدي، وهما من مقدَّمي الألوف، بأن يتجهّزوا ويكونوا على أُهبة، ليخرجوا إلى جهة البلاد الحلبية إن ألجأت الضرورة إلى خروجهم، لأجل قتال شاه سوار، وذكر أنه سيعيّن جماعة أُخَر من الأمراء ما بين طبلخاناه وعشرات كثيرين، وأنه تعيّن من الجند السلطاني نحو الألف (٦).

стр. 998

[توعّك السلطان] وفيه حصل للسلطان الوعك الذي ظهر بعض ظهور، وكان بدأ ظهوره لبعض الناس من يوم عاشوراء، وهو يخفيه، بل كان في الحقيقة بدايته من يوم طلوعه من كسر البحر، وهو المرض الذي مات به كما سنذكره (١). [الإشاعة بعزل يشبُك عن نيابة حلب] وفيه أيضًا أشيع بعزل يشبُك البجاسي عن نيابة حلب، وأن السلطان قد عيّن لها مُغُلْباي طاز، وكثُرت هذه الإشاعة بحيث كادت أن تبلغ التواتر، وفشت بين الناس ولهجوا بها، وما كان شيء (٢) من ذلك بعد ذلك، ولا عرفنا ما الموجب لهذه الإشاعة وما أصل ذلك. (رود الخبر بأخذ العرب إقامة الحاج . . . .) (٣) وفيه في يوم الخميس، تاسع عشره، وردت الأخبار من جهة العقبة، بأن عرب بني عُقبة ثاروا بمن خرج لملاقاة الحاج ونهبو ما توجّهوا به من الإقامة لهم، وأن الفاعل لذلك شيخ العربان المذكورة، المسمَّى بمبارك، لا بارك الله تعالى فيه، وأن الإقامة قد أُخِذت عن آخرها، وقتل ممن كان معها جماعة، ومنهم جار قُطْلُو السيفي دولات باي أحد الأميراخورية الصغار الذي جرت العادة بتوجّهه في مثل ذلك، وحين بلغ السلطان هذا تأثّر منه غاية التأثّر، وزاد وعكه، وحصل عند الناس أيضًا بهذا الخبر غاية ما يكون من الفكر والتشويش. وأخبر ما وقع من أخْذ الإقامة أيضًا بحال الحاج إصدارًا بيّنًا بالغًا، وأشرف غالبهم على الهلاك، وأفحش (٤) ذلك بحالهم، ووقع الغلاء بسبب ذلك بالعقبة (٥). [وصول الحاج الرجبي] وفيه، في يوم الجمعة، عشرينه، وصل الحاج الرجبي صحبة الزين ابن (٦) مزهر كاتب السرّ، وكان هو عظيم هذا الركب.

стр. 999

ووصل أيضًا أمير الركب الأول سيباي الظاهري، وذكر الحاج بأنهم قاسوا من الشدائد لعدم وجودهم الإقامة ما لا مزيد عليه ما بين جوع وغير ذلك حصل على الناس لا سيما من عدم الميرة وقلّة الظهر (١). [وصول أمير الحاج نانق بالمحمل] وفيه، في يوم السبت، وصل نانق أمير الحاج بالمحمل، وتكامل دخول الحاج، وهم أيضًا في غاية النكد، بسبب ما حصل من نهب الإقامة المؤذنة إلى المشقّة التي حصلت. وبلَغَنَا الخبر بأن الوالد توجّه إلى المدينة المشرّفة، فظنّنا أنه اختارها للإقامة بها، أو أنه يزور، ثم بعد ذلك يعود إلى مكة في أثناء السنة، ونويت أنني أسافر إليه في البحر، ثم بعد أيام قلائل بلغني بأنه توجّه من المدينة مع الركب العراقي إلى العراق، وكان الركب العراقي قد حضر للحج في هذه السنة مع أمير لهم يقال له عبد الحق بن الجُنَيد، الماضي خبره فيما ذكرناه مما يتعلّق بالوالد ﵀، وكان للركب العراقي مدّة طويلة لم يحضر. ولما بلغنا ذلك حصل عندي من التشويش والنكد ما لا مزيد عليه. (تعيين التجريدة لبني عُقبة) (٢) وفيه، في يوم الإثنين، ثالث عشرينه، عيّن السلطان تجريدة تخرج لقتال مبارك شيخ بني عُقبة الماضي خبر نهبه لإقامة الحاج، وعيّن أُزبَك رأس نوبة النُوَب الذي هو الآن أتابك عصرنا الذي نحن به، وعيّن جانبك قلقسيز حاجب الحجّاب أيضًا معه، وعيّن من العشرات دَولات الأبوبكري المؤيَّدي، وقطْلوباي الأشرفي، وتنِبك الأشرفي، وتغري بردي الطيّاري، وعدّة من الجند السلطاني (٣). [الأمر بتجهيز أمراء آخرين] وفيه خرجت الأوامر السلطانية على يد نجّاب إلى بلاط وكان نائب الكَرَك إذ ذاك، وإلى إينال الأشقر نائب غزّة بأن يتجهّزا ويسرعا بالمسير بمجموعهما إلى جهة العسكر المُقَرّين المعَّينين لقتال بني عُقبة، وأن يوافيانه بعَقَبَة أيلا، ويتعاضد

стр. 1000

الجميع على قتال بني عُقبة ويجدّوا في استئصالهم. وحُرضوا في الأوامر على ذلك غاية التحريض (١). [ظهور آثار الوعك على السلطان] وفيه، في هذه الأيام، ظهرت آثار الوعك على السلطان وهو في شدّة من الإسهال، لكنّه لم ينقطع عن العادة بالجلوس مع إظهار التصبّر والجلادة والاحتمال، ويوري بمرضه حتى كان منه ما سنذكره (٢). [سفر التلمساني إلى دمشق] وفيه سافر الشهاب التِلِمْساني إلى دمشق، وكان سفره في أواخره. [شهر صفر] وفيها استهلّ صفر بالثلاثاء وهُنّيء به السلطان من قضاة القضاة وممن له عادة بالطلوع إلى القلعة للتهنئة، والوعك ظاهر على وجه السلطان لكنّه يتجلّد. [خروج أُزْبَك من ططخ مطلِّبًا لقتال بني عُقبة] وفيه، أعني صفر هذا في يوم الإثنين، سابعه، خرج أُزْبَك من طَطَخ، رأس نَوبة النُوَب مطلّبًا هو ومن عُيّن معه لقتال بني عُقبة، وعمل السلطان الموكب بالقصر، وجلس به بالشبّاك الأعظم المُطِلّ على الرُمَيلة لينظر خروج العسكر، كل ذلك وهو في غاية ما يكون من الوعك، مع إظهار الصبر والجلادة والتكلّف في ذلك، وكان هذا الموكب آخر موكب عمله بالقصر. [الإشاعة بموت السلطان] وفيه، في يوم الخميس عاشره، أُرجف بالقاهرة بموت السلطان، وأُشيع ذلك على ألْسِنة بعض القوم إشاعة ليست بالناشية حتى بلغت السلطان. (شهود السلطان الجمعة وهو مريض) (٣) وفيه، في يوم الجمعة، حادي عشره، خرج السلطان لحضور صلاة الجمعة، وهو موعوك، لكنه لما بلغه ذلك الخبر أنِف عن الاحتجاب وعدم الخروج بتجشّم

стр. 1001

المشقّة الزائدة، وخرج بعد أن تقدّم أمره للوليّ السيوطي بأن يشرع في خطبته، ويخفّف الصلاة خوفًا من الإسهال. ثم خرج فرتّب العساكر، وأنزل الحريم بقماش الموكب، وهو ماشٍ على قدميه من غير استناد لأحدٍ من الجند، وهو يُظهر غاية الجلادة. وصلّى الًجمعة وسُنَنَها ونوافلها وهو قائم، لكن في غاية (. . .) (١) وتغيُّر اللون على ما كان عليه أولًا، فإنه كان في حال صحته تعلوه صُفرة خفيفة بجبلّته الأصليّة، ثم فرغ من الصلاة بجميع تعلّقاتها في أقلّ من أربع دَرَج، وخفّف القاضي غاية الخفّة، وأسرع في الخطبة والصلاة، ثم عاد السلطان من الصلاة (٢)، وخرج من الجامع الناصري قاصدًا الحريم، فأخذه في أثناء ذلك لسقوط القوة من الحركة، وسقط مَغْشيًّا عليه، فرشق الماء ورد والخلاف على وجهه، وأقيم فأدخل الحريم. وكانت هذه الجمعة آخر جمعة صلّاها، وهذه آخر دخلة دخلها للحريم أيضًا، ثم لم يخرج بعدها إلّا محمولًا على نعشه. ثم صارت الخدمة بعد هذا اليوم تعمل بقاعة البيسرية (٣) داخل الحريم إلى أن كان ما سنذكره (٤). (المناداة بالإغلاق) (٥) وفيه، في يوم السبت، ثاني عشره، خرج الأمر من السلطان بأن ينادَى بشوارع القاهرة بأن أحدًا لا يخرج من داره بعد صلاة المغرب، وأن تُغلَّق الحوانيت من ذلك الوقت، وهُدّد من خالف ذلك. وكانت هذه المناداة كطنين الذباب، أو صوت الرباب، وما التفت إليها أحد ولا عمل بها، وحدس الناس من ذلك أن جُلّ الغرض بها عدم خروج الجند من دُورهم إلى منازل بعضهم البعض خوفًا من وقوع فتنة في هذه الأيام وثورانها، بل بقي السلطان خائفًا من اقتلاع السلطنة منه في حالة مرضه، متوهّمًا من زوال دنياه مع بقاء حياته غير مفكّر في الموت وهجوم المنيّة. فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه. (ورود الخبر بخروج بُردُبك نائبًا إلى حلب) (٦) وفيه، في هذه الأيام، وردت الأخبار من دمشق بأن بُردُبك نائب الشام خرج منها بعساكر الشام إلى جهة حلب، لمساعدة من بها من النواب، لما بلغهم عِظم

стр. 1002

أمر شاه سوار بن دُلغادر وقوّته، وأخبر المخبر بأن خروجه منها كان في آخر المحرّم، وأنه فعل ذلك من تلقاء نفسه، خوفًا من عائدٍ يعود عليه أو عتب. ولهذا نُسِب إلى الممالأة مع شاه سوار، وجرى عليه بسبب ذلك ما جرى، على ما عسانا أن نذكره في محلّه إن شاء الله تعالى. [خدمة السلطان بقاعة البَيسريّة] وفيه، في يوم الإثنين، رابع عشره، عُملت الخدمة بقاعة البيسريّة من الحريم لعجز السلطان عن الخروج إلى قاعة الدُهَيشة من أجل ضعفه، وحضر الأمراء مقدّمين (١) الألوف وغيرهم من الأعيان وأرباب الدولة، لكن بغير ثياب الموكب. ثم قُدّمت الدّواة للسلطان للعلامة، فعلّم على دون العشرين من المراسيم والمناشير، وكان آثار الوعك وزيادة المرض ظاهرة عليه وهو متجلّد، ويقوم لمن يدخل عليه من القفماة والعلماء مع ذلك كله ولا يرم (؟) بنفسه، ومَلَك الموت جاثم حول حِماه، وقد قرُب حِمامه. (انقطاع السلطان عن الجمعة) (٢) وفيه، في يوم الجمعة، ثامن عشره، انقطع السلطان عن صلاة الجمعة فلم يشهدها، وصلّى الأمراء بجامع القلعة على عادتهم، لكنْ من عند حضور السلطان، ثم بعد قضاء الصلاة استأذنوا في دخولهم عليه، فأذِن لهم ودخلوا، ثم أخذوا يذكرون له أنهم استوجسوه في الصلاة، فأمر لهم بإحضار المشروب فأُحضر وشربوا، وانصرفوا إلى منازلهم. وقد أشيع بالقاهرة بأن السلطان لم يشهد الجمعة، وأن ذلك إنما هو عن أمر عظيم دهمه عن المرض، وكثُر القال والقيل بسبب ذلك. (الإشاعة بعافية السلطان) (٣) وفيه، في يوم الإثنين حادي عشرينه، أشيع بالقاهرة بأن السلطان عوفي وتباشر الناس بعافيته، وزاد إشاعة ذلك. وكان السبب في ذلك أنه وجد في نفسه نشاطأ في هذا اليوم وخفّة فقام ومشى عدّة خُطَى، فتباشر الناس بذلك لما بلغهم كل ذلك، وهو مستمر يعلّم على المناشير في أول النهار وآخره، لكنْ ليس كالعادة، بل بحسب ما تيسّر (٤).

стр. 1003

[الإفراج عن رئيس الطب] وفيه، في يوم الأربعاء ثالث عشرينه أُفرج عن رئيس الطب الحكيم () (١) الدين، وأُمر بالنزول إلى داره، وكان قد قُبض عليه قبل ذلك بعد أن اختشى من مرض السلطان لما رآه قد انحطّ وخاف على نفسه أن يجري عليه مثل ما جرى على العفيف، وحضر في نوبة مرض الأشرف بَرسْباي فاختفى، فدُلّ عليه، ولما قُبض عليه أُمر به فسُجن بالبرج إلى أن شفع فيه، فأطلق في هذا اليوم (٢). [تخلّف السلطان عن شهود الجمعة] وفيه، في يوم الجمعة، خامس عشرينه، لم يشهد السلطان الجمعة أيضًا لثِقله في المرض وأخْذه منه، وظهور ضعف قِواه. وحضر الأمراء فصلّوا بالجامع الناصري على عادتهم في الجمعة الماضية، ثم دخلوا إليه بالإذن، وفعل معهم مثل ما فعل في الماضية من إحضار المشروب إليهم، فشربوا وخرجوا (٣). [شهر ربيع الأول] [التهنئة بالشهر] وفيها استهلّ ربيع الأول بالخميس، ولم تطلع القضاة إلى القلعة للتهنئة بالشهر على جاري العادة لضعف السلطان وشغله بنفسه عن مثل ذلك، وملازمته الفراش، وحصل بسبب ذلك في هذا اليوم الهرج الكثير، وكثُر القيل والقال، وزاد كلام الناس ونقص، وتوقفت الأحوال وتعطّلت الأمور في قضاء أشغال الواردين من البلاد البعيدة لقلّة العلامة على الأوامر المكتفية من ديوان الإنشاء بحوائج الناس وتعلّقاتهم، بسبب ضعف السلطان وانحطاطه في مرضه، هذا كلّه مع كثرة الهرج والمرج والفِتَن بالبلاد الشمالية، وجميع النواب نازحون عن ممالكهم من أعمالهم قد خرجوا إلى جهة البلاد الحلبية لأجل شاه سوار وقيام شرّ كثير ببلاده ما عدا جَكَمَ الأشرفي خال العزيز نائب صفد وكذا نائب غزّة فإنهما لم يخرجا، فأمّا الأول فلبعض فِتن ببلاده من العشير (٤). وأمّا الثاني فلذهابه لأجل نهْب وسلب شيخ

стр. 1004

عربان بني عُقبة على ما تقدّم بيانه، وخلت البلاد من كثير من الحكام، فكثُر بواسطة ذلك فساد المفسدين، ولا سيما لما بلغهم وعك السلطان، فاستطالوا خصوصًا والأراجيف عمّالة في كل وقت بموته، وقُطعت الطرقات على المسافرين، وعمّت الناس البلايا، وثارت الفِتَن بنواحي البلاد المصرية والأرياف قِبْليّ البلاد وبحريّها شرقًا وغربًا بُعدًا وقُربًا، وتزايدت الهموم والفِتَن والشرور بسبب طول مرض السلطان والإرجاف بموته. ثم ما كفى الناس ما هم فيه حتى وردت الأخبار من كاشف سيوط إذ ذاك ملك الأمراء بالوجه القِبلي، وهو إذ ذاك يشبُك من مهدي، أن الأمير شرف الدين يونس بن عمر الهوّاري (١) أمير عربان الهوّارة إذ ذاك خرج عن الطاعة، وأنه افتتن هو ويشبُك وتعاديا ووقع بينهما حرب كبير، قام فيه يشبُك المذكور على جُرجا وقُتل من العسكر السلطاني من الذي مع يشبُك طائفة كبيرة من أعيان الفرسان من المماليك وغيرهم، ورُموا ببئرٍ هناك وطمّ البئر عليهم، وكانوا نحو السبعين نفرًا أو نحوها، وأن يشبُك انهزم وولّى بعد أن جُرح بيده، بل وبوجهه، وأشرف على الهلاك. وكتب يشبُك إلى السلطان يُعلمه بذلك (. . .) (٢) ولاية إمرة عربان هوّارة للأمير سليمان بن عيسى، عِوضًا عن ابن (٣) عمّه يونس يبعث إليه بنجدة من العسكر السلطاني وإلّا خربت بلاد الصعيد عن آخرها، فخرج الأمر السلطاني بتعيين قجماس الإسحاقي (٤) الظاهري بأدن يتوجّه بخلعة ابن (٥) عمر بولايته. وكان قجماس إذ ذاك من الخاصكية. وقجماس هذا هو نائب الشام بعصرنا الآن، وهو عليها ليومنا هذا، فلْتَرَجمه على عادتنا في تراجم الأحياء. (ترجمة قجماس نائب الشام) (٦) ٣٦٤ - هو من مماليك الظاهر جقمق، وصُيّر خاصكيًّا بعده، ودام على ذلك

стр. 1005

مدّة وهو لا يُلتفت إليه، ولا يُعرَّج عليه، حتى تسلطن الظاهر خُشقدم فأقطعه إقطاعًا حسنًا وعينه لبعض مهمّات، منها هذا المهمّ الذي فيه ولاية ابن (١) عمر، وحصل له نفع من ذلك ومال. وكان يسكن بسوق الغنم بجوار قايتباي وهو أمير إذ ذاك، وكان بينهما محبّة وصحبة وخُشداشيّة، فلما تسلطن نوّه به فأمّره عشرة فيما أظنّ، أو أُمّر في دولة الظاهر تمربُغا، وصيّره الأشرف بعد ذلك نائب الإسكندرية على إمرة طبلخاناة كما سيأتي ذلك في محلّه في سنة اثنتين (٢) وسبعين، وكان قد بعثه في غير ما مهمّ قبل ذلك، منها لضبط تركة دوادار نائب الشام، واستقدمه السلطان من الإسكندرية فصيّره من مقدَّمين (٣) الألوف بالقاهرة، وعاد إلى سكندرية متحدّثًا عليها، ثم استُقدم فصُيّر أميراخوارًا كبيرًا عِوضًا عن جانبك من ططخ لما نُقل إلى إمرة سلاح عِوضًا عن إينال الأشقر بحكم وفاته، وحجّ أميرًا على المحمل، وشُكر في طريقه، ووجُه وعظُم جدًا. ثم لما جرت كائنة باينْدُر التي قُتل فيها يشبُك من مهدي وأسر جماعة، منهم: قانصوه اليحياوي الماضي ذكره، وشغرت نيابة الشام، قرّر السلطان فيها قجماس هذا، نقلًا إليها من الأميراخورية، وهي من نوادره، فخرج إليها بتجمّل زائد. وذلك في سنة ست وثمانين، كما سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى، وهو على نيابتها ليومنا هذا. وهو إنسان حسن، جيّد، ديّن جدًّا، كثير العبادة وقيام الليل مع مواظبة على تلاوة القرآن، ويُظهر العفّة الزائدة، والميل لأهل العلم، بل قرأ شيئًا على الصلاح الطرابلسي وغيره، لكنه جاحد الذهن، بعيد الفهم، سليم الباطن والفطرة. ذا برِّ ومعروف. وأنشأ المدرسة المعظّمة الأنيقة بخُطّ الدرب الأحمر، بالقرب من البياطرة، وجامع الماردالي، وله بها المعروف من درس وحضور، وجعل بها شيخ الحضور الشيخ ياسين (٤) وعدّة صوفية، وشيخ الدرس السيد الشريف الونائي بعد أن كان قرّر قبله الشمس الغزّي. فلما وُلّي قضاء الحنفية بعث بصرفه عن مشيخة هذه المدرسة. ومن آثاره التربة المعظّمة أيضًا التي أنشأها بالصحراء، وغير ذلك من الآثار. وهو ممن قارب السبعين سنة.

стр. 1006

ولما عيّنه السلطان في هذا المهم خرج إليه ومعه خلعة ابن (١) عمر المذكور. (تعيين التجريدة للصعيد) (٢) وفيه، في يوم السبت ثالثه، عيّن السلطان تجريدة إلى بلاد الصعيد نجدةً ليشبُك، ليساعدوه على قتال يونس بن عمر، فعيّن من الجند السلطاني نحو الأربعمائة، وجعل عليهم الأمير قرقماس الجَلَب أمير سلاح، ويشبُك الفقيه الدوادار الكبير، ومن العشرات قَلمْطاي الإسحاقي، وأرغون شاه أستادّار الصحبة الأشرفي (٣)، ويشبُك الإسحاقي المعروف بجنّ (٤)، وأيدكي (٥)، ويشبُك الأشقر (٦)، والكل أشرفية، وهم من العشرات كما قدّمنا. ثم بَدَر أمر السلطان لنقيب الجيش الناصري محمد بن أبى الفرج (٧) بأن ينزل إليهم فيسخّنهم على السفر من يومهم، ويحرّضهم على ذلك على لسان السلطان، فاعتذروا عن ذلك بأنهم محتاجون إلى يَرَق ولم يكمل، واليوم الواحد ضيّق عليهم لا تتم فيه احتياجاتهم والتمسوا المهلة يسيرًا، ثم كان ما سنذكره (٨). (الإرجاف بموت السلطان وما جرى) (٩) وفيه، أعني هذا اليوم في آخر النهار، أُرجف بموت السلطان، وكثُرت الإشاعة بذلك، وظهر الهرج والمرج، وكثرة القيل والقال، ووجد العسكر المعيّن للصعيد مندوحة للتقاعد عن الخروج وفتر عزمهم عن ذلك، وزادت الحركة وكثُر الاضطراب من وقت هذه الإشاعة بالإرجاف بموت السلطان، بل ولبس بعض

стр. 1007

الجُند لامة الحرب، واستمرت الحركة موجودة في الناس الليل (١) كلّه. وورد على الرملة ليلًا كثيرٌ من الجند ممن يجيء ويذهب وهم باللبوس والعُدَد الكاملة سربًا سربًا، وأفواجًا أفواجًا يتوقّعون الأخبار، وهم لا يشكّون في موت السلطان. واحترز الكثير من الناس على أنفسهم في تلك الليلة، وأُغلقت أكثر الحوانيت من المغرب. ونقل جماعة من الناس أمتعتهم من الدُّور، لا سيما الدُّور التي بسور الميدان، وكانت ليلة نكرة، ثم كان ما سنذكره (٢). (دقّ البشائر وإشاعة عافية السلطان) (٣) وفيه، في صبيحة هذه الليلة، وهي صبيحة يوم الأحد، رابعه، أصبح الناس، وقد أشيع الخبر بأن السلطان في قيد الحياة، ونودي في الحال بالأمان والإطمئنان والبيع والشراء، ودُقت البشائر بالقلعة، وأشاعوا عافية السلطان وسلامته. كل ذلك تورية وإسكانًا للفِتن وثَوَران حركته، وأكثر ذلك برأي خيربك الدوادار الثاني مملوك السلطان وخصّيصه هذا، والسلطان مُنحَطّ في مرضه انحطاطًا يؤذن بموته، بل ظهرت أمارات ذلك عليه، حتى له هو، وبقي في حيرة ووَهج وقلق وأفكار رديّة، لزوال ملكه ومفارقة الدنيا، وذلك بدليل عدم اعتنائه بشأن أمور آخرته، والوصيّة بشيء مما يتعلّق بذلك. فلا حول ولا قوّة إلّا بالله. ولم تزل البشائر تُدقّ في أول النهار وآخره عذة أيام، وحصل للناس بذلك بعض طمأنينة، وكان ذلك مما لا بأس به من الرأي، مع أن السلطان مع ذلك كله في حيّز العدم والموت (٤). [حثّ الأمراء على السفر] وفيه، في آخر هذا اليوم في آخره، نزل تنِبك الأشرفي المعلّم الرأس نوبة الثاني إلى قَرَقْماس الجَلَب على لسان السلطان، وهو يأمره بالخروج للسفر، ويستحثّه على ذلك، وأنه يخرج من ساعته هذه بعد أن ذكر له تغيُّظ السلطان عليه، وبلغه عنه كلام (٥) لا خير فيه، وفيه فحش، فما أمكنه أن خرج من وقته وساعته، ثم تبعه يشبُك الفقيه الدوادار، وتبعهما من بقي ممن عيّن من الأمراء العشرات الماضي ذكرهم، وأُحضرت إليهم المراكب بالساحل، وكانوا عزموا على السفر في

стр. 1008

البحر، فساروا إلى ساحل مصر، ثم نزلوا إلى مراكبهم وبقوا في انتظار الجُند المعيّن معهم، فلم يتفق أنْ حضر إليهم الواحد ممن عُيّن فيها من الجند، ولا تبِعهم ولا خرج إليهم ولا اكترث بما هم فيه، فأقاموا بالشاطئ، هذا والسلطان صحيح الذهن يعي الكلام ويأخذه ويجيب عنه، مع حضور عقله، وتنفيذ غالب الأمور برأيه، من غير أن يُظهر الملل ولا الكلل، بل وولّى وعزل في أثناء هذه الحادثات وفي هذا اليوم، وأكثر الناس لا يضجّون بالضرر عنه، بل ينسبون إلى خيربك وغيره. هذا، والأشرفية البرسبائية والإينالية أيضًا مستشرفون (. . .) (١) إلى موت الظاهر خُشقدم، بل داعون بزواله، ولهم هَرَج ومَرَج وتحرُّك زائد لما نالهم وخُشداشيهم من الأعيان منه، ولم تنقطع حركتهم في هذه الأيام ولا قالهم وقيلهم. وجرى بعد ذلك ما سنذكره (٢). [طلوع بعض الأمراء لخدمة السلطان] وفيه، في يوم الإثنين، خامسه، طلع بعض الأمراء وأرباب الدولة للخدمة، وحضر كاتب السرّ، فدخلوا على السلطان بالحريم وهو على حاله بالأمس وقُدّمت له العلامة، فعلّم على دون العشرة من المناشير والمراسيم، وكان في غلبة زائدة وتعلّق، وشدّة سقوط قوى من انحطاطه في المرض وغلته. ولما فرغ من تغلّبه على ما ذكرناه من العدّة من المناشير والمراسيم، استلقى على قفاه في فرشه كالذي عيي مما باشره، هذا، وآثار الموت عليه ظاهرة، وقرُب ارتحاله إلى الآخرة، وهو متحسّر على الدنيا، مؤمّلًا البقيا. وانفضّ الموكب، وخرج الناس والهَرَج والقال والقيل في ازدياد، وغالب الظنون حاكمة بزوال خُشقدم (٣). [محادثة السلطان لأحد مقدَّمي الألوف] وفيه، أعني هذا اليوم، بعد ظُهره، طلع شخص من أعيان مقدَّمين (٤) الألوف إلى القلعة لرؤية السلطان والسؤال عن خاطره وحاله، فأذِن له بدخوله عليه، فلما رآه أنس إليه وقال له: إنّني طيّب لا بأس عليّ، ثم أخذ يذكر له ما يشيعه أعداؤه (٥) عنه من الموت، وهو في تشويش من جهة ذلك، ثم تكلّم بكلام كثير، وكان من

стр. 1009

جملته أنْ قال: أنا ما أموت حتى أميت كثيرًا. ثم قال: أنا أعرف من أشاع موتي، ومُراده بذلك الأشرفية البرسبائية والإينالية، فإنه كان يبلغه (١) حركاتهم وما هم فيه من القال والقيل وإظهار الفرح بموته وتصريحهم بذلك. وكان كذلك لما بلغهم ما هو فيه من الانحطاط في المرض والعلامات الدّالّة على موته فصاروا يعرّضون بذلك لأخِلّائه بل ولأمرائه، ويُظهرون الشماتة به وبهم ويفرحون بذلك لغيرهم، وكانوا يشيعون في كل قليل موته ويُرجفون بذلك الكَرَّة بعد الكَرَّة والمعرّة بعد المَرّة، كل ذلك لِما نالهم منه. وأمّا من عُيّن منهم لتجريدة الصعيد فداموا على ما هم عليه من تصميمهم على عدم الخروج، بل ولا تحرّكوا له البتّة، والسلطان يبلغه ذلك، فيزداد حنقه، ويبعث باستحثاثهم على السفر، وكذا فعل مع الأمراء المعيّنين (٢)، وهو يحرّضهم على السفر، وتردّدت إليهم القصّاد مترادفة من قِبَل السلطان، وهم يعتذرون بأنهم قد خرجوا، وهم ينتظرون من يسافر معهم من الجند، وأنه لم يجيء إليهم منهم الواحد الفرد، ولا يمكنه أن يقول للأمراء سافروا وجدانًا، والجند لا اكتراث لهم بما عيّنوا له، لا سيما وقد جزموا بموت الآمر لهم بالسفر، وبقي السلطان يأمر بالبدْء (٣) فيهم بالسفر، ولا من يلتفت إلى المناداة، وهو يُظهر الجلادة والصبر العظيم. ويوري بمرضه، وأنه ليس ممن يموت منه، وأنه سيقوم، وسوف يفعل ويفعل، وبقي كثير التوعّد، ولو قدّر معافاته لأوقع بأناس كثيرة، لكن أزاله الله تعالى بأن مات عن قُرب كما سنذكره، ثم انقطعت العلامة بعد هذا اليوم لعدم قدرته وزوال مُكنته، حتى ولا بقي له قدرة على القبض على القلم، فضلًا عن أن يكتب به شيئًا، وبل بقي لا يستطيع الجلوس أيضًا، وإنّما هو ملقى على قفاه ولا جرأة لأحدٍ عليه بأن يذكر له قضية عهده لأحد بالخلعة ولا أقلّ من أن يتكلّم في معنى ذلك معه، أو في الوصيّة على مماليكه وخواصّه ولو بينه وبين من يوصي إليه، ولا كلّمه أعيان خاصّته في مثل ذلك لأنه لم يُظهر أنه سيموت أصلًا، ولا عمل بمقتضى الموت ولو خفية، نعوذ باللَّه من طول الأمل حتى في مثل هذا الأمر (٤). [طلوع الأتابك وغيره إلى السلطان] وفيه، في يوم الثلاثاء، سادسه، طلع الأتابك يَلَباي الأمير الكبير وصحبته

стр. 1010

قانِبك المحمودي، وجانبك كوهيه، وهما من مقدّمين (١) الألوف، والثلاثة مؤيَّديّة من خُشداش السلطان، فأذِن لهم في الدخول عليه، ولم ينهض للجلوس لهم. فبدر الأمير الكبير بأن قال: لا يكلّف من السلطان خاطره بالحركة، وتحرّك هو وبالجهد منه حتى بقي على مشقّة، وأخذت بشكوى ما يجده من الألم ولا يقرب الموت ولا يذكره، حتى ولا أسَرَّ لهؤلاء الثلاثة بما في من ذلك، وما هذا إلَّا عن طول أمل زائد ورانٍ على القلب عظيم. ثم أخذوا في الأسـ (. . .) (٢) بخاطره وتسليته عن مرضه والدعاء له بالعافية وذهاب الشرّ. ثم خرج أمره بأن ينادى العسكر بسفرهم إلى حيث عُيِّنوا، ولا سمع بذلك (٣). [مشيخة نابلس] وخلع في هذا اليوم على يوسف بن فُطيس (٤) الأستادّار بدمشق بمشيخة نابلس. ثم خرج الناس من عنده ولم يعلّم العلامة الواحدة. وكان هذا أول قطع العلامة والمنع منها من يوم مرضه لمن له حاجة أو شغل، وهو على سفر غاية الضرر والتشويش بسبب عدم العلائم. ثم كان ما سنذكره (٥). [شدّة مرض السلطان] وفيه، في يوم الخميس، ثامنه، أصبح السلطان في غاية الشدّة من المرض والإياس منه في هذا اليوم، وكذا في يوم الجمعة بعده، وهو مع ذلك كلّه واعٍ جدًّا في العقل والذهن، طلْق اللسان بالكلام. (وفاة السلطان خُشقدم) (٦) ٣٦٥ - وفيه، في يوم السبت، سادسه -وكان ثبت بعد ذلك بالرؤية على ما قيل- كانت وفاة السلطان الملك الظاهر خُشقدم، وكان من خبر ذلك أنه أصبح في يوم الخميس في غاية شدّة المرض كما قدّمناه وكذا في يوم الجمعة، ثم لما أصبح

стр. 1011

نهار هذا اليوم أخذ في الاحتضار من بكرة النهار، ثم أخذ في النزع، ولما رأى خواصّه ما هو فيه وقطع الإياس عن حياته أخذوا في تدبير ما يكون، وكان أنْ عيّن هؤلاء الخواصّ والكبير فيهم هو خيربك الدوادار الثاني والباقي كالأتباع للسيد، ولما رأوا حال السلطان على ذلك اضطربوا وماجت القلعة، وكثُرت الحركة فيها، وحدث بها أمور يطول الشرح في ذكرها، إذ لا فائدة في ذلك لقلّة رأي من (. . .) (١) عنهم، والملخّص من ذلك أنه لما كان وقت الصحوة الكبرى من هذا اليوم اجتمع الأمراء الأكابر والأعيان بالإسطبل السلطاني، وجلسوا بالمقعد منه عند الشبّاك أحمد بن العَيني الأميراخور الكبير، وتصدّر الأتابك يَلَباي في صدر المجلس ذلك، وحضر تمربُغا أمير مجلس، وهو لسان الطائفة والمتكلّم عن القوم، ولم يحضر قَرَقماس الجَلَب أمير سلاح، ولا يشبُك الفقيه الدوادار لإقامتهما بساحل مصر لأجل سفرهما على ما تقدّم. وحضر في هذا المجلس أيضًا قانِبك المحمودي، ومغلباي طاز. ولم يحضر قايتباي سلطان عصرنا الآن، مع أنه كان من مقدَّمين (٢) الألوف واكتفى بحضور خيربك، وتمربُغا، وغيره من الظاهرية، وحضر كبير الطائفة الخُشقدمية وهو خيربك الثاني، ثم ابتدأ خيربك هذا بالكلام بما معناه أن السلطان في النزع فكأنه وقد قضى، فانظروا في هذا الشأن. فدار بينهم الكلام وكثُر جدًّا. ثم آل الأمر فيه إلى أن أجمعوا على أنه إذا مات خُشقَدم فالسلطان بعد الأتابك يَلَباي، ورضوا كلهم بذلك، وكذلك رضي تمربُغا وخيربك. وكان ذلك كله على خلاف الظنّ، وإن كان هو القياس بالنظر إلى العادة، فإن الأراجيف كانت عَمّالة بأن السلطنة بعد خشقدم، إمّا لابن العَيني يختاره الجُلبان فلا يعارضهم في ذلك أحد، أو لخيربك. وكان ذلك هو الظنّ الغالب، وما عداهما كيَلَباي، وتمربُغا، وقَرَقماس الجلب، بل وآخرين، فكان ظنًّا أيضًا، أكثره ليس بغالب. ثم لما أجمعوا على سلطنة يَلَباي تكلّم بعضٌ من الحاضرين ممن له ذِكر في أن القصد الأَيمان والحَلَف من الأتابك بما يقع به الاطمئنان لهم. فأجاب إلى ذلك -أعني يَلَبَاي- وأُحضر إليه مصحف شريف، فتناوله بيده فتكفم بكلام معناه أننا نحن نخشاكم فحلّفناكم ونحن نحلف لماذا وعلى ماذا، وكان هذا أول مخالفات خيربك. ثم انفضّ هذا المجلس على ما ذكرناه. ونزل الأتابك يَلَباي إلى منزله، وبين يديه أكابر الأمراء وقد ترشح للسلطنة، كل ذلك قبل الزوال والظاهر خشقدم

стр. 1012

في السياق، لكنه في قيد الحياة على أواخر الأنفاس. وكان لما طلع الأتابك يَلَبَاي إلى باب السلسلة هو والأمراء أرجف بالقاهرة بموت خشقدم، ولما نزلوا عُلم بقاؤه في قيد الحياة، ولكن أكثر الناس يشيعون موته قائلين بأنه مات، وجُلْبانه يُخفون ذلك حتى انتظم الأمر ولم يكن كذلك. هكذا أخبرني من حضره عند الموت. وكانت وفاته بقاعة البيسرية. ولما تسامع جُلبانه بموته ماجت القلعة موجة ثانية، وزادت الحركة بها والاضطراب، وثارت الجُلبان وهم يصرخون وطال عويلهم وأكثرهم ملبّسين (١) وبأيديهم السيوف المُصْلَتَة. وحين بلغ الأمراء خبر موته بدروا بالطلوع إلى القلعة شيئًا فشيئًا، فأول ما طلع الأتابك يَلباي، وهي الطلعة التي تسلطن في يومها في آخر النهار كما سنذكره، وطلع وهو في هيئة الحزانى، مظهرًا الأسف والكاَبة على فقدان خشداشيه السلطان، باكيًا، عليه ملّوطة بياض غير مُزرّر لطوقها، وعلى رأسه عمامة جلوسه، فبدر إليه الجُلبان ومشوا معه ثم عادوا وقد امتلأت القلعة من باب الدرج إلى باب الحريم بالجُلبان. ثم إنني شاهدت في أثناء طلوع الأمراء شيئًا فشيئًا قايتباي وهو أحد مقدّمين (٢) الألوف إذ ذاك وقد طلع، ولما دخل من باب القلعة قامت الجُلْبان على ساقٍ، ومشوا إلى جهته بالسيوف المُصْلَتَة، واضطربوا حين رؤيته اضطرابًا كبيرًا، حتى أنني خشيت عليه، ثم مشوا معه إلى أن شيّعوه إلى داخل وعادوا، فتوسّمت في ذلك اليوم فيه السلطنة واللَّه على ما أقول وكليل، فإنّني رأيت الأتابك حين طلوعه، وكذلك الأمراء واحدًا بعد واحد، فلم يتحرّك الجُلبان لطلوعهم كحركتهم لطلوع قايتباي، ولا القرب منها، حتى تعجّبت من ذلك، فكأن قائلًا يقول لهم: هذا هو السلطان. هكذا توسّمت في ذلك اليوم. ولما تكامل الأمراء أخذوا في تجهيز السلطان من غير أن يُبْدوا شيئًا ولا يعيدوه في قضية يَلَباي وسلطنته، ولا حصلت مبايعته، وإنّما اشتغلوا بتجهيز السلطان والسلطنة شاغرة، فجُهّز وغُسّل وأُخرج في نعشه، وصُلّي عليه بباب القلّة، ثم حُمل نعشه وعليه مرقّعة الفقراء، ونزل معه جماعة قليلة، أظنّهم لا يبلغون العشرين نفسًا من الأمراء والخاصكية، ونزل معه من المباشرين الشرف ابن (٣) كاتب غريب، وساروا بجنازته إلى جهة الصحراء ليُدفن بتربته التي أنشأها هناك، وقد قعد الناس لرؤيته، وازدحم العوام وكثير من الناس حول نعشه، حتى وصلوا به إلى التربة، وقد فُتحت الفسقية التي بالقبّة المُعَدَّة لدفنه بمدرسة تربته

стр. 1013

المذكورة، فأنزل إليها وأُغلقت عليه، وخُلّي بعمله، وزال ملكه كأنه لم يكن. فسُبحان من لا زوال لملكه، وبقاؤه (١) الحيّ القائم الأبدي. ولم يتأسّف الناس لفقده في هذا اليوم تأسّفًا كثيرًا بذاك. نعم تأسّفوا عليه بعد سلطنة يلباي لِما وقع من الأمور برأي خيربك وذويه، حتى عظُم فَقْد خُشقدم حينئذٍ على بعض الناس. وقد قدّمنا شيئًا من ترجمة خُشقدم هذا عندما ذكرنا سلطنته، وبقي ما يتعلّق بأوصافه، وسنذكر ذلك في ترجمته أيضًا في وفيات هذه السنة إن شاء الله تعالى. (ذِكر سلطنة الملك الظاهر يَلَباي) (٢) وفيه- أعني هذا اليوم الذي هو السبت عاشر ربيع الأول- كانت مبايعة الأتابك يَلَباي بالسلطنة، وعقد المُلك له بعد موت الظاهر خُشقدم والفراغ من تجهيزه وبعثه إلى تربته، ووقع ذلك خلاف العادة فكان من النوادر، فإن العادة جرت أن لا يتكلّم في تجهيز سلطان إلّا بعد سلطنة آخر، ثم يسرعون بعد ذلك في الأخذ في تجهيز الميت. ولعلّ ما وقع الآن خلاف العادة هو الأقرب لموافقة الشرع، كون المأمور فيه بالإسراع بتجهيز الميت، لا سيما وقد أجمع من أجمع على سلطنة يَلَباي. ولما صُلّي على الظاهر خُشقدم وأنزل نعشه، شرع الحاضرون في عقد السلطنة ليلباي، وكان قد انبَرم أمره في المُلك من ضحوة النهار، على ما قدّمنا ذلك. وكان القائم بسلطنته خيربك وذووه (٣)، ثم تبعه الأمراء وغيرهم، ولما أذعن له الجُلبان الخُشقدميّة، لم يختلف عليه أحد لعِظَم شوكَة الجُلبان يومئذٍ خصوصًا، وقد اختاروه لوجوهٍ منها: كونه قديم الهجرة، وأيضًا فإنه أتابَك العساكر ورتبته السلطنة على ما جرت به عادة هذه الديار غالبًا، فلا تقدَّم عليه غيره. ومنها كونه خُشداش السلطان، وهو الذي أنشأه ورقّاه، فلا شك في اطمئنان الجُلبان به، ثم صارت الظاهرية الجقمقية تبعًا للجُلبان لأنهم معهم في الأمور. وأمّا الطائفة المؤيّدة (٤)، فعلى رأي مثل العوام طبل طبْلُهم وزَمَر زمرُهم، وبلغوا مُناهم لأنه خُشداشهم. وأمّا الأشرفية البَرْسْبائية والإينالية فعلى ما هم عليه، غاية ما في الباب قد زال عنهم خُشقدم وهو غاية متمنّاهم، وفي ضمائرهم أشياء لا يمكنهم إظهارها في هذا الوقت. ولما فُرغ من الصلاة على خُشقدم عاد الأتابك يَلَباي والأمراء إلى جهة باب الستارة من الحريم السلطاني، فجلسوا به جلوسًا خفيفًا، وبينا هم على ذلك إذ

стр. 1014

خرج خيربك الدوادار الثاني رأس الخُشقدميّة إذ ذاك وكبيرهم، وكان في صحبته جماعة من خُشداشيه الظاهرية، فجاؤوا إلى يَلَباي وحكّموه في الدخول معهم إلى القصر، فقام معهم وأخذوه، ومضوا به من الحريم إلى القصر، وخاطبوه بالسلطنة، وهو يُظهر بعض امتناع ليس بذاك، فأجلسوه وما التفتوا إلى ما أظهره من الامتناع، ثم بعثوا إلى الأمراء ليحضروا إلى القصر من خارج، فلما جاؤوا (١) إلى باب القصر وجدوه قد سقط، ولم يجدوا مخلصًا للدخول إليه، لكونه ارتدم بما سقط من الحجارة والأتربة، بحيث غلق، بل سدّ أصلًا رأسًا، ولا يمكن الدخول منه، ولهج الكثير من الناس ممن بلغهم ذلك بزوال يَلَباي، وتفايلوا بأنه لا يطول أمره في السلطنة، وأن عدّته قصيرة، وكان كما تفاءلوه وقالوه على ما ستعرفه إن شاء الله تعالى، ولما لم يمكن الأمراء ولا من حضر الدخول إلى القصر من بابه احتاجوا أن دخلوا إليه من الإيوان هذا، والخليفة لم يحضر بعد، فبعث إليه بطلبه، وجلس الأمراء لما دخلوا قبل مجيء الخليفة عند الأتابك يَلَباي، بعد أن قبّلوا الأرض بين يديه، كما لا يُفعل للسلطان، وذلك قبل المبايعة العامّة، وزاد الهَرَج وهم في انتظار الخليفة والقضاة، وطال جلوس الأمراء إلى [أن] حضر الخليفة والقضاة، فما وصلوا إلى القصر إلّا بعد مشقّة، لأجل خراب بابه، والامتناع من دخوله إلَّا من الإيوان، ثم تشاغل الفكر أيضًا بلباس قماش المذهب وما فرغوا من ذلك، وتكامل الحال إلّا والنهار على فراغ، وشرعوا حينئذٍ في بيعة يَلَباي. وعقْد المُلك له، ولهج الكثير من الناس أيضًا بالتفاؤل (٢) بزواله سريعًا، لكونه ولّي في هذا الوقت الضيّق والنهار على فراغ. ولما تمّت البيعة العامّة له من الخليفة والقضاة، وحكم بصحّة سلطنته، وبايعه الأمراء، أحضر حينئذٍ شعار المُلْك الخلعة الخيلفتي السوداء، فأفيضت عليه، ثم رُفع من مكانه إلى سرير المُلك، فأُجلس عليه، ووقف الكل بين يديه. وتمّ أمره في القصر في السلطنة من غير موكب سلطاني بالمركوب، وحُمل القبّة والطير على رأسه، وعُدّ هذا من نوادره، ولُقّب في سلطنته بالظاهر أيضًا، وكُنّي بأبي سعيد. ووهم من قال: أبو النصر. وكان هذا اللقب باختيار الظاهرية الكبائر الجقمقية والصغار الخُشْقَدميّة أيضًا. وكان جلوسه على تخت المُلك قبل غروب الشمس بنحو الخمس درج أو دونها. وحين تمّ أمره خلع على تمربُغا بالأتابكية، عِوضًا عن نفسه، نقلًا إليها من إمرة مجلس، ثم خلع بعده على الخليفة المستنجد باللَّه، ودقّت البشائر بسلطنته، ونودي في شوارع القاهرة بها، وطُلب الدعاء له (٣).

стр. 1015

وهو السلطان التاسع والثلاثون من ملوك التُرك وأولادهم، والرابع عشر من الجراكسة وأولادهم، وثامن أو تاسع جركسي تسلطن. (التعريف بالظاهر يَلَباي) (١) ولْنذكر التعريف به قبل الخوض في ما تجدّد من الحوادث في دولته، وما وقع منه وله. ٣٦٦ - فهو: يَلَباي الإينالي، المؤيّدي، الجركسي، وهو من جَلَب الأمير إينال ضضع (٢) المشهور الترجمة، واشتراه منه المؤيَّد شيخ في أواسط دولته، وأنزله قطيعة الرفرف، ثم أخرجه جَمْدارًا. وصيّر خاصكيًّا بعده، ودام على الخاصكية عدّة سنين، ثم أقطعه الأشرف بَرسْباي ثُلث قوته لحجورته من الشرقية، وصار من أعيان الخاصكية الثقال. ولما تسلطن العزيز نقله إلى قرية بَنْها العسل (٣) بعد الشمس المؤيَّدي. ثم لما تسلطن الظاهر جقمق جعله ساقيًا. ولم تطُل مدّته في السقاية حتى أمّره عشرة، وصيّره من رؤوس (٤) النُوَب. ثم لما قبض على العزيز على ما تقدّم في ترجمته، وطُلع به إلى الظاهر، أقطعه قرية سرياقوس، زيادة على إقطاعه، وصيّره من الطبْلخاناة، ودام على ذلك مدّة سلطنة الظاهر، حتى تسلطن ولده المنصور عثمان، فقبض عليه لما قبض على دَولات باي الدوادار، وبَرسْباي الأميراخور الثاني، على ما تقدّم ذلك في محلّه، في أول سلطنة

стр. 1016

المنصور في متجدّدات سنة سبع وخمسين (١) من تاريخنا هذا، وبعث به معهم إلى الإسكندرية، وأخرج إقطاعه إلى سوَنْجُبُغا اليونُسي (٢). ولما تسلطن الأشرف إينال أطلقه ومن كان معه، وبعث به إلى دمياط، ثم استقدمه بعد قليل إلى القاهرة، ولما حضر دام بطّالًا مدّة يسيرة حتى قتل سونجبُغا المذكور ببلاد الصعيد، على ما عرفت ذلك فيما تقدّم في كائنته مع القلاوي (٣)، فأعاد الأشرف إينال إمرته إليه كما كان أولًا من جملة الطبْلخاناة. ثم لما مات خيربك الأشقر المؤيّدي الأميراخور الثاني استقر يَلَباي هذا في الأميراخورية الثانية، ثم صيّره الأشرف إينال من جملة مقدَّمين (٤) الألوف، ووقع له في ذلك غريبة، وهو أنه لما شغرت التقدمة التي وُلّيها كلّم المحبّ ابن (٥) الشِحنة، وهو إذ ذاك كاتب السرّ، في أن يكلّم السلطان أن يقرّره فيها، ويحمل إليه عشرة آلاف دينار. فقال له المحبّ: إن ذلك كثير عليك، وإنك أهلٌ للتقدّم بغير مال، فلتكن خمسة. فقال: لا بل عشرة. فكلّم المحبّ السلطان في ذلك، فأجابه إليه. ثم طلب المحبّ المبلغ منه فقال: لا أعطي شيئًا، فإنْ سمح السلطان بإبقائي على التقدمة، وإلّا فلا حاجة لى بها. فتحيّر المحِبّ منه لما سمع ذلك، وحار في أمره، وماذا يكون جوابه للسلطان، وهو في انتظار هذا المبلغ. فاتفق أن خلا (٦) المحبّ بالسلطان فسأله السلطان عن المبلغ، فقال له: عساه قد هيّأه، لكنْ يا مولانا السلطان إنني أخشى أن يتكلّم الناس في كون السلطان يقرّر التقادم لمقدَّمين (٧) الألوف بالبذل، ويَلَباي مجنون لا يخفى ذلك. فقال السلطان: إذًا لا نأخذ منه شيئًا. وعُدّ ذلك من حُسن تصرّفات المحبّ هذا. ولا زال ترشيح هذا على التقدمة إلى أن تسلطن خُشداشه الظاهر خُشقدم، فنقله

стр. 1017

إلى حجوبية الحجّاب عِوضًا عن بيبرس خال العزيز، لما نُقل إلى الرأس نَوبته الكبرى عِوضًا عن قانَم التاجر لما نُقل إلى إمرة مجلس عِوَضًا عن قَرقماس الجَلَب حين نُقل إلى إمرة سلاح، عِوضًا عن جرِباش كُرْد، لما نُقل إلى الأتابكية، عِوضًا عن خُشقدم بحكم تسلطنه بعد خلع المؤيَّد أحمد ابن (١) الأشرف إينال على ما تقدّم جميع ذلك في محلّه. ودام على الحجوبية إلى أن نقل السلطان بَرسْباي البجاسي الأميراخور الكبير إلى نيابة طرابلس، عوضًا عن أياس المحمَّدي الطويل، بحكم القبض عليه حين قدم من قبرس بغير إذنٍ وذلك في أوائل سنة ستّ وستين، فنقل يَلَباي هذا في ذلك التاريخ إلى الأمير اخورية الكبرى، ودام عليها مدّة إلى أن مات الأتابك قانم التاجر، فاستقرّ به السلطان في الأتابكية من الأميراخورية، وعُدّت من نوادره، فإنه كان يجلس في مجلس السلطان خامس جالس من الأمراء، فصار رأسهم دفعة واحدة، وكان ذلك في صفر من الخالية على ما أسلفناه هناك. ودام على ذلك إلى أن مرض الظاهر خُشقدم مرض موته، وثقُل فيه، وتكلّم الناس فيمن يُسلطن من بين الأمراء، ورُشح للسلطنة جماعة، منهم: تمُربُغا، وقُلَقْسيز، وقَرَقماس الجلب، وأحمد بن العَيني، بل وغيرهم. وكثُر كلام الناس في ذلك والقال والقيل. ولما قطع خواصّ خُشقدم الإياس منه وقعوا في حَيْص بَيْص، وكانوا جماعة، والمشار إليه فيهم خير بك الدوادار الثاني، فدبّروا سلطنة يَلَبَاي بأن اختاروه، وكانوا ذوي شوكة والأمر بيدهم. وكان اختياره رأي خيربك، وتبعه جماعة على ذلك وحسّنوا رأيه، ثم تبعهم من عداهم، وعقد له المُلك كما قلناه في يوم موت خشقدم على ما بيّنّاه، ولم يكن له في سلطنته خدمة ولا أُبّهة، مع قرنصته ووجاهته وقِدَم هجرته، لأن خير بك وأتباعه من جُلبان خُشقدم جعلوه كالآلة، فلم يكن له في سلطنته إلّا مجرّد الاسم فقط، وليس له من الأمر شيء، لغَلَبة الجُلبان له على الرأي. وكان السلطان في الحقيقة ومدبّر المملكة خيربك وحزبه. ومات يَلَباي هذا بالقصر في ليلة الأحد. ثم كان من تصرّفاته (المضافة إليه) (٢) وولايته وعزله، وإن كان ذلك عن رأي غيره ما سنذكره لك.

стр. 1018

[الأمر بسفر الأمراء إلى الصعيد] وفيه، في يوم الأحد حادي عشره أصبح السلطان الملك الظاهر يَلَباي بالقصر، وأول ما بدأ (١) به في هذا اليوم، بأن برز أمر لقَرَقماس الجَلَب، ويشبُك الفقيه، ومن عين معهما بالتوجّه لما عُيّنوا إليه من سفرهما إلى الصعيد في يومهم هذا، وكانوا مقيمين بالمراكب بساحل مصر، فما وسِعهم إلّا ذلك، وسافروا أرسالًا (٢). [الخلعة على الأتابك تمربُغا] وفيه، في يوم الإثنين ثاني عشره، خلع على الأتابك تمربُغا خلعة الأنظار المتعلّقة بالإمرة الكبرى، من ذلك نظر البيمارستان المنصوري على العادة. (ولاية قانبك إمرة مجلس) (٣) وفيه أيضًا خلع على قانبك المحمودي باستقراره في إمرة مجلس، عِوضًا تمربُغا دفعة واحدة، لكونه خُشداش السلطان وصاحبه قديمًا وحديثًا، وقديم هجرة (٤). [زيارة المؤلّف لقانباي وتهنئته] وتوجّهت إليه أنا في عشيّة هذا اليوم لتهنئته بذلك، فرحّب بي وأنس إليّ، وسألني عن أخبار الوالد، وذكر لى أن السلطان يَلَباي ذكره بخير. ثم ذكر لى أنه ذكَّره به، وبرز أمره بأن يحضر إلى القاهرة، وكان الظنّ بأنه مقيم بمكة المشرَّفة أو المدينة الشريفة، وذلك قبل ظهور خبر سفره إلى بلاد العراق، فأخبرته بأنني بلغني سفره للعراق، فتأوّه من ذلك وقال: هل لذلك صحّة؛ فقلت: لا عِلم لى بصحته، ولكنّه بلغني ذلك. [تقرير إقطاع تمربُغا لقانباي] ولما قُرّر قانبك في إمرة مجلس، قُرّ أيضًا إقطاع تمربُغا باسمه. وكان من حق الأتابكية أن يليها أمير سلاح، لكنْ لما لم يكن للظاهريّة غرض في التنويه

стр. 1019

بالأشرفية، لا سيما في مثل هذا المقام، عدلوا عن قرقماس إلى تمربُغا، خصوصًا وكلا الطائفتين من الظاهرية الجقمقية والخُشقدمية هما ذَوُو (١) الأمر بل السلاطين ومدبّرو المملكة. [الخلعة على تمر المحمودي] وفيه أيضًا، خلع على تمر المحمودي خلعة الاستمرار على عادته. [الخلعة على كاتب المماليك] وفيه أيضًا، خُلع على العَلَم أبى الفضل بن جلود (٢) كاتب المماليك، باستمراره أيضًا على وظيفته. [غرض السلطان في استمرار سفر قرقماس] وفيه وردت مكاتبة من يشبُك من مهدي كاشف الوجه القِبلي، بأنه لا حاجة إلى التجريدة لسكون الفتنة بولاية سليمان بن عمر (٣)، فلم يلتفت السلطان إلى ذلك ويُبطل التجريدة، بل سكت عن ذلك، إذ له غَرَض تامّ في سفر قَرقماس الجَلَب، وذلك لمندوحة ما سيأتي بيانه، ولأنه رأي خيربك وحزبه، بل الظاهرية الجقمقية أيضًا، خوفًا من ظهور الأشرفية (٤). [الخلعة على مباشري الدولة بالاستمرار في مناصبهم] وفيه، في يوم الخميس خامس عشره، خلع السلطان على جميع مباشري الدولة ما بين كاتب السرّ، وناظر الجيش، وناظر الخاص، والوزير، والأستادّار وغيرهم خِلعًا باستمرارهم على ما بأيديهم على عاداتهم كما كانوا. [النفقة للجند] وفيه نودي بالنفقة في الجند السلطاني في أول الشهر، وهو ربيع الآخر.

стр. 1020

(عمل المولد والبعث في قرقماس الجلب وغيره) (١) وفيه عُمل المولد النبوي بالقلعة بالحوش على العادة، وهو أول مولدٍ عمله هذا السلطان، ولم يتفق له عمل مولد آخر بعده لزوال دولته عن قرب كما سنذكره. وبينا هم في أثناء المولد وقبل الفراغ منه إذ ندب السلطان بَرْسْباي قَرا المحمدي، الذي هو رأس نوبة النُوَب في زمننا هذا الذي نحن به الآن، وجَكَم قَرا (٢) أميراخور الجمال الذي وُلّي نيابة الإسكندرية بعد ذلك، وطومان باي (٣)، والثلاثة ظاهرية، وأمرهم بأن يتوجّهوا إلى بلاد الصعيد فيقبضوا على قَرَقماس الجَلَب أمير سلاح، وقَلَمطاي الإسحاقي، وأرغون شاه أستادّار الصحبة، والثلاثة من الأشرفية البَرْسْبائية، وأن يتوجّهوا بهم من هناك إلى ثغر الإسكندرية فيُشْحنوا بها. وما عُلم ما سبب ذلك سوى تشهّي الظاهرية. [إعادة القطب الخيضري إلى كتابة السر بدمشق] وفيه في يوم السبت سابع عشره أعيد القاضي قطب الدين الخَيْضري إلى وظيفة كتابة السر بدمشق، بعد صرف السيد الشريف إبراهيم بن السيد محمد. (ولاية ابن (٤) بيغوت حجوبية الحجّاب بدمشق) (٥) وفيه أيضًا قُرّر في حجوبية الحجّاب بدمشق الصارم إبراهيم بن بيغوت الذي كان نائب القلعة بدمشق، وصرف عنها على ما مرّ ذلك في محلّه، واستقرّ في الحجوبية عِوضًا عن جَرْمرْد العثماني الذي يقال له شَرمَرْد. [عودة أُزبك من العقبة] وفيه ورد الخبر بقدوم أزبك رأس نَوبة النُوَب من العَقَبة، بعد أن ظفر بمبارك شيخ عربان بني عُقبة، وقبض عليه وعلى جماعة من أتباعه معه.
следующие страницы →