ومكْر الجُلبان الظاهر وتحايلهم على الأشرف قايتباي (١).
وذكر بعد ذلك مباشرة جملة كثير من الأخبار استغرقت عدّة صفحات انفرد فيها كلها (٢)،
وخبر ارتفاع سعر الأقوات في مصر (٣).
وعاد ليسرد جملة أخبار انفرد بها في عدّة صفحات (٤)، منها: أخذ عسكر السلطان عنتاب من شاه سوار بن دُلغادر،
وإفساد العربان ببلاد البُحيرة،
وغلاء الغلال بدمياط،
وحصار قلعة عنتاب،
وفساد العربان بالجهات،
وكسرة عساكر السلطان أمام سوار شاه،
والقلق الذي انتاب السلطان عند ورود خبر الكسرة،
وانعقاد المجلس بحضور السلطان والخليفة والقضاة والعلماء والشيوخ للتداول بأمر جمع المال من الناس للنفقة على العسكر،
وأخْذ الملك الظاهر تمربُغا بثغر دمياط،
وعودة سودون المصري بعد كسرة العسكر،
والنداء بحظر الخروج من الدُور بعد العشاء بالقاهرة،
ونجاة تمربُغا بنفسه والاستيلاء على مخلَّفاته،
وأخْذ الركْب اليَنْبُعي وما فيه من التجار،
وعودة سيباي العلائي دون التمكّن من الإمساك بتمربُغا،
وإقامة والد المؤلّف بطرابلس الشام،
وورد الخبر بهلاك العسكر المصري،
وتعيين العسكر لشاه سوار بن دُلغادر،
ووصول أُزبَك نائب الشام إلى نواحي حلب،
_________
(١) الروض الباسم، ٣/ أوراق ١٧٥ أ - ١٧٩ ب.
(٢) الروض الباسم، ٣/ ورقة ١٨٠ ب.
(٣) الروض الباسم، ٣/ أوراق ١٨١ أ - ١٩٠ ب.
(٤) الروض الباسم، ٣/ رقم ٣٨٢.
стр. 107
وارتفاع الأسعار بمصر،
والقبض على الظاهر تمربُغا،
وأسر الأتابك جانبك في وقعة سوار شاه،
وأسر الشريفين سبع وأخيه سبّاع اللذين تعرّضا لركب الحجّاج الينابعة،
وفتنة المماليك لعدم تفرقة اللحوم بقلعة الجبل،
وقبْض والي القاهرة على مثيري الفتنة من العبيد،
وأخبار الحرب بين ابن عثمان وابن قَرَمان،
وسرقة الستر من فوق ضريح الإمام الليث بن سعد،
وكائنة ابن الكَرَكي وأخذ بعض متاعه من خلْوته في الخانقاه الشيخونية.
ومن التراجم التي انفرد بها لوفيات هذه السنة ٨٧٢ هـ.
ترجمة أخيه إبراهيم بن خليل بن شاهين الطرابلسي المولد، الدمشقي، القاهري (١)،
وإسماعيل بن إسماعيل بن عبد القادر النابلسي (٢)،
وأسنبُغا من صفر خُجا المؤيَّدي (٣)،
وبَيْسق العلائي الأشرفي (٤)،
وجارقُطْلُو السيفي دولات باي (٥)،
وجانِبَك المؤيَّدي الأشقر المعروف بالبواب (٦)،
وسبّاع بن هجّان (٧)،
وسُنقر الظاهري المعروف بالعائق وبالجُعيدي (٨)،
وظافر بن جاء الخير الرومي الأصل، الفرنجي، المغربي، التونسي، قائد طرابلس الغرب (٩)،
وعبد الرحمن بن أبي سعيد الفرنجيّ الأصل، الصقلِّي، التونسي، الطبيب (١٠)،
_________
(١) الروض الباسم، ٣/ رقم ٣٨٩.
(٢) الروض الباسم، ٣/ رقم ٣٩٠.
(٣) الروض الباسم، ٣/ رقم ٣٩٥.
(٤) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٠١.
(٥) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٠٢.
(٦) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٠٧.
(٧) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٠٩.
(٨) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤١٤.
(٩) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤١٦.
(١٠) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤١٧.
стр. 108
وعصام الدين البخاري، العجمي (١)،
وغريب المدعو محمدًا أيضًا، وفارس المؤيَّدي المعروف بأبي شامة (٢)،
وفضائل وهو محمد بن إسحاق القبطي المعروف بابن جلّود (٣)،
وقانباي الأشرفي (٤)،
وقانصوه المحمدي، الأشرفي، المعروف بخوني وبالساقي (٥)،
وقراكُز العثماني الظاهري، المعروف بحُمار (٦)،
ومامش من قصروه الأشرفي (٧)،
ومحمد بن جُلُبّان الدمشقي، الحنفي (٨)،
ومحمد بن جهان شاه بن قَرا يوسف التركماني (٩)،
ومحمد الواصلي التونسي، المغربي (١٠)،
ومُغُلباي الأشرفي الخاصكي، المعروف بجلبي (١١)،
ونوروز المحمدي، الأشرفي، المعروف بأبزا (١٢)،
ويشبُك من يلباي الأشرفي المعروف بالأشقر (١٣).
وفي حوادث سنة ٨٧٣ هـ.
انفرد بعدّة أخبار، منها:
تفشّي الطاعون بالإسكندرية (١٤)،
وغلاء القمح بالقاهرة والمناداة بتسعيره (١٥)،
والخلاف بين الشيخ نجم الدين القرمي شيخ المدرسة القانبائية بالقاهرية وجانِبك طَطَخ الأمير اخور الكبير بشأن صندوق في قبّة ضريح واقف المدرسة (١٦)،
ووصول رأس مال باي أخي شاه سوار الذي قطع في الواقعة (١٧)،
_________
(١) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤١٩.
(٢) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٢٠.
(٣) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٢١.
(٤) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٢٢.
(٥) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٢٤.
(٦) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٢٦.
(٧) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٢٩.
(٨) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٣٢.
(٩) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٣٣.
(١٠) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٣٤.
(١١) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٣٥.
(١٢) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٣٨.
(١٣) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٤٢.
(١٤) الروض الباسم، ٤/ ورقة ٢٠٢ أ.
(١٥) الروض الباسم، ٤/ ورقة ٢٠٣ أ.
(١٦) الروض الباسم، ٤/ ورقة ٢٠٨ أ و ٢٠٩ أ.
(١٧) الروض الباسم، ٤/ ورقة ٢٢١ ب.
стр. 109
وثورة جماعة من أهل الخانقاه الشيخونية على العلّامة الكافِيَجي (١)، وغير ذلك.
وفي تراجم الوَفَيات، انفرد بترجمة كلٍّ من:
أركماس الظاهري المعروف بقرا (٢)،
وآقباي اليحياوي الأشرفي (٣)،
وآقبردي الأشرفي المعروف بالهوّاري (٤)،
وأنصباي الإبراهيمي الأشرفي، المعروف بالأعور (٥)،
وآياس البجاسي (٦)،
وإينال الزيني الأشرفي، المعروف بالفقيه (٧)،
وإينال باي الأشرفي، المعروف بميق (٨)،
وبرسباي الأبو بكري الأشرفي، المعروف بأمير اخور (٩)
وتغري بردي المنصوري، المعروف بالأرمني (١٠)،
وتمرباي الجُلُباني (١١)،
وجانِبك الشمسي المؤيَّدي، المعروف بقُجا (١٢)،
وجانُم الظاهري، المعروف بالمجنون (١٣)،
وجقمق المؤيَّدي (١٤)،
وحسن بن محمد بن حسن الكيلاني، العجمي (١٥)،
وخديجة بنت محمد بن سليمان بن سعيد (١٦)،
وخُشقدم السيفي جارقُطْلُو (١٧)،
ودمرداش السيفي (١٨)،
_________
(١) الروض الباسم، ٤/ ورقة ٢٢٣ ب.
(٢) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٥٩.
(٣) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٦١.
(٤) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٦٢.
(٥) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٦٣.
(٦) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٦٤.
(٧) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٦٥.
(٨) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٦٦.
(٩) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٦٧.
(١٠) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٧١.
(١١) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٧٢.
(١٢) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٧٥.
(١٣) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٧٧.
(١٤) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٧٩.
(١٥) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٨٢.
(١٦) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٨٤.
(١٧) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٨٥.
(١٨) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٨٩.
стр. 110
وفى ولات باي الجمالي الظاهري (١)،
ودولات باي من ضيف الله الأشرف الخاصكي (٢)،
وولده الناصري محمد (٣)،
وسودون الظاهري نائب دمياط (٤)،
وشاد بك الحمزاوي (٥)،
وشاد بك الأشرفي (٦)،
وطُقطَمش المحمدي الأشرفي، المعروف بأمير اخور (٧)،
وعبد الرحمن الحمزاوي (٨)،
وعلي السمرقندي الحنفي (٩)،
وفارس التُنُمي (١٠)،
وقانباي الحسني الأشرفي (١١)،
وقايت الظاهري، المعروف بالبوّاب (١٢)،
وقجماس الحَسَني الظاهري، المعروف بالطويل (١٣)،
ولاجين السيفي جرباش كُرد (١٤)،
ولؤلؤ الشريفي الظاهري (١٥)،
ومحمد بن تَنَم من عبد الرزاق (١٦)،
ومحمد بن جاني التركماني، الرمضاني، الرومي (١٧)،
ومحمد بن حمزة بن خضر الرومي، الننشاوى (١٨)،
وعبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن حسن بن سُوَيد المصري (١٩)،
_________
(١) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٩٠.
(٢) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٩١.
(٣) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٩٢.
(٤) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٩٦.
(٥) الروض الباسم، ٤/ رقم ٤٩٨.
(٦) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٠٠.
(٧) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٠٢.
(٨) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٠٣.
(٩) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٠٧.
(١٠) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥١٠.
(١١) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥١٤.
(١٢) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥١٩.
(١٣) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٢٠.
(١٤) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٢٣.
(١٥) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٢٥.
(١٦) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٣٠.
(١٧) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٣١.
(١٨) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٣٢.
(١٩) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٣٤.
стр. 111
ومحمد بن عمر بن عمر بن حصن القاهري، الوفائي، المعروف بابن النقاش (١)،
ومحمد بن موسى بن خَلَف بن عبد الرحيم الفيّومي (٢)،
ومصطفى الرومي الحنفي (٣)،
ومحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الله بن سابق بن إسماعيل الدميري (٤)،
ونوروز من غيبي الأشرفي، المعروف بالدوادار وبالأخصّ (٥)،
ونوروز من يلباي الأشرفي المعروف بالأشقر (٦).
وفي حوادث سنة ٨٧٤ هـ.
انفرد بجملة أخبار، من بينها:
كثرة الموتى وعموم الغلاء في بلاد الشام (٧)،
وقطْع الخبز والطعام عن الصوفية بالخانقاه الشيخونية (٨)،
وعمارة السبيل بالقشّاشين (٩)،
والنداء على بيع القمح بالقاهرة (١٠)،
وقيام أهل الخانقاه الشيخونية على العلّامة الكافِيَجي (١١)،
والتوكيل بالجلال ابن سُوَيد بالمدرسة القانبائية (١٢)،
وبالقاضي ابن بكور الشافعي بدار إينال الأشقر (١٣).
وفي تراجم الوَفَيات انفرد بترجمة ما يلي:
قراجا نائب جُدّة، وقد ذكره السخاوي باختصار، وبيّض لوفاته (١٤)،
وجقمق الظاهري نائب دمياط (١٥)،
وأحمد بن العطار المصياتي، الطرابلسي (١٦)،
_________
(١) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٣٦.
(٢) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٣٩.
(٣) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٤٢.
(٤) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٤٤.
(٥) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٤٨.
(٦) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٤٩.
(٧) الروض الباسم، ٤/ ورقة ٢٤٦ ب.
(٨) الروض الباسم، ٤/ ورقة ٢٤٨ أ.
(٩) الروض الباسم، ٤/ ورقة ٢٤٩ ب.
(١٠) الروض الباسم، ٤/ ورقة ٢٥٠ أ.
(١١) الروض الباسم، ٤/ ورقة ٢٥١ أ.
(١٢) الروض الباسم، ٤/ ورقة ٢٥١ أ.
(١٣) الروض الباسم، ٤/ ورقة ٢٥١ أ.
(١٤) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٥٣.
(١٥) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٥٤.
(١٦) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٥٧.
стр. 112
وأحمد بن علي بن يوسف بن محمد بن الفرّاش القاهري (١)،
وأحمد بن قرطاي الطرابلسي (٢)،
وبيبرس من طَطَخ الأشرفي، المعروف بالطويل (٣)،
وجانِبَك الحَسَني الأشرفي (٤)،
وجانبك الزيني المؤيَّدي (٥)،
وخُشكلدي الخليلي، الرومي، الخاصكي، المعروف بأجا (٦)
ويوسف بن خُشكلدي الرومي (٧)،
وخُشكلدي القوامي، الناصري (٨)،
وخليل الكفر كناوي (٩)،
ودولات باي الأشرفي (١٠)،
وصنطباي من قصروه الأشرفي (١١)،
وطرباي الظاهري (١٢)،
وفضل الفَه بن عبد الواحد بن أبي الليث السمرقندي (١٣)،
وعبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن العماد الغزّي، الصفدي (١٤)،
ومحمد بن الحريري الدمشقي، المقدسي (١٥)،
ومحمد بن القصّار التلمساني، المغربي (١٦)،
ومحمود العدوي شيخ عربان بن عديّ (١٧)،
ومُغُلْباي الظاهري، المعروف بأزُن سقل (١٨)،
ويشبُك من حيدر الأشرفي (١٩).
_________
(١) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٥٨.
(٢) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٥٩.
(٣) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٦١.
(٤) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٦٤.
(٥) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٦٥.
(٦) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٦٨.
(٧) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٦٩.
(٨) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٧٠.
(٩) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٧٢.
(١٠) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٧٣.
(١١) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٧٦.
(١٢) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٧٧.
(١٣) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٨٢.
(١٤) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٩١.
(١٥) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٩٤.
(١٦) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٩٥.
(١٧) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٩٨.
(١٨) الروض الباسم، ٤/ رقم ٥٩٩.
(١٩) الروض الباسم، ٤/ رقم ٦٠٢.
стр. 113
منهج المؤلّف وأسلوبه في الكتاب
اعتمد المؤلّف ﵀ كغيره من المؤرّخين -منهج التاريخ الحَوْلي، أي سرد الحوادث والأخبار حسب متجدّداتها على الأيام والشهور والسنين على تتابُعها، وبعد الِانتهاء من عرض الحوادث، يذكر المتوفّين أثناء السنة التي يؤرّخ لها، مرتّبًا الوَفَيات على الحروف من الألِف إلى الياء، ولكن دون الالتزام الصارم بترتيب أسماء الآباء والأجداد. وهو في أحيان كثيرة يترجم لبعض الأعلام أو الأشخاص أثناء سرد الحوادث، ويستطرد من ترجمة أحدهم إلى ترجمة أبيه أو ابنه أو ابن عمّه، أو غيره ممن تأخّرت وفاته إلى ما بعد سنة ٨٧٤ هـ. وهي السنة التي ينتهي فيها الكتاب، ولا يقتصر الاستطراد لديه على التراجم فحسْب، بل هو يستطرد أيضًا في أثناء التاريخ للوقائع ويأتي بشواهد لحوادث مشابهة وقعت في سنوات لاحقة.
فهو يذكر خبر سبيل جامع ابن طولون أثناء ترجمة "أبي أُمامة محمد بن عبد الرحمن بن النقّاش الدُّكالي" سنة ٨٤٥ هـ.، والسبيل قد أُنشئ في عام ٨٨٧، ومات خازنه "رَيحان الزنجي الحلبي" في العام المذكور ٨٨٧ هـ (١). ثم يستطرد إلى ترجمة زوج بنت "الدُكالي": "عمران بن غازي المغربي"، المولود سنة ٨٤٥، وكان لا يزال حيًا عند تأليف الكتاب. وفي أثناء ترجمة "عمران" هذا يذكر أنه لازَم الشيخ "حمزة العربي" الذي تأتي ترجمته في سنة سبع وسبعين وثمانماية (٢)! والكتاب الذي بين أيدينا ينتهي عند سنة ٨٧٤ هـ!!
ولما تحدّث عن قطع الطرقات عام ٨٤٦ هـ. تناول مثل ذلك ما حدث في سنوات ٨٨٣ و ٨٨٤ و ٨٨٥ هـ. (٣)!!
ولما تحدّث عن ثورة الجُلبان عام ٨٤٦ هـ. استطرد إلى ما جرى عامي ٨٨٧ و ٨٨٨ هـ.!! فهو يُظهر التشابه بين ثورة الجُلبان على الظاهر خُشقدم، وما جرى
_________
(١) الروض الباسم، ١/ ٥٨ أ، رقم ٤٤.
(٢) الروض الباسم، ١/ ٥٩ أ، رقم ٤٦.
(٣) الروض الباسم، ١/ ٦٣ ب.
стр. 114
من فتنة أيام الأشرف قايتباي، في أثناء تسطيره لهذا الكتاب، وما جرى من فتنة سنة ٨٨٨ هـ، وهي قضية "برسباي قرا" رأس نَوبة النُوَب (١).
وفي آخر ترجمة "محمد بن عمر بن أحمد الواسطي الغمري" المتوفَّى سنة ٨٤٩ هـ.، أتْبَعَها بترجمة لابنه "أبي العباس محمد أو أحمد" الذي زاد في جامع أبيه بسوق أمير الجيوش المعروف بسوق مرجوش. ولم يذكر وفاته مما يدلّ على أنه كان لا يزال حيًا (٢).
وهو يترجم لصنْطَباي خليل الشيخي، خازندار والده في وفيات سنة ٨٤٩ هـ. مع أنه توفي سنة ٨٤٧ هـ (٣).
وبعد أن ترجم لمحمد بن يحيى بن أحمد بن زُهرة الحِبراصي الطرابلسي، المتوفَّى ٨٤٨ هـ. استطرد فترجم لابنه "عبد الوهّاب" المتوفَّى سنة ٨٩٥ هـ (٤).
وهو بعد أن ذكر خبر عودة "بُرْدُبك" (٥) من قبرس في أول سنة ٨٦٥ هـ.
أتْبعه بترجمته ولم يؤرّخ وفاته، فقد كان حيّا عند تأليف الكتاب. وهو ذكره في "المجمع المفنَّن" ولم يؤرّخ لوفاته حيث قال: "وهو على ذلك إلى يومنا هذا" (٦).
وعند تناوله لمقدَّميّة الألوف بمصر استطرد إلى ترجمة "يشبُك البجاسي" (٧)، وهو توفي سنة ٨٩٠ هـ.
وفي ترجمته لابن قاضي عجلون "عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزُرَعي" ذكر أنه ترك ولديه: محمد، الآتي في سنة وفاته وهي سنة ٨٧٦، وابنه أبا بكر تقيّ الدين (٨)، الموجود في عصره. وهو توفي سنة ٩٢٨ هـ. أي بعد وفاة المؤلّف بثماني سنين!
ولما ذكر خبر تسلّم "محمد بن عبد الوهاب القوصوني" رياسة الطب في مصر (٩) أفرد له ترجمة زاد فيها على ترجمة "السخاوي"، ولم يذكر الإثنان وفاته، ما يعني أنه بقي حيًّا إلى ما بعد سنة ٩٠٠ هـ.
وفي ذكره إخراج "أُزبك" خاصكي السلطان منفيًّا إلى الشام (١٠) يذكر له
_________
(١) الروض الباسم، ١/ ٦٥ أ.
(٢) الروض الباسم، ١/ ٤١ أ، رقم ١٠٠ و ١٠١.
(٣) الروض الباسم، ١/ ٣٨ ب، رقم ٨٨.
(٤) الروض الباسم، ١/ ١٣٠ أ، ب، رقم ٧٦ و ٧٧.
(٥) الروض الباسم، ٢/ ٢ أ.
(٦) المجمع المفنّن ٢/ رقم ٩٣٠.
(٧) الروض الباسم، ٥٢ ب/ رقم ١١٣.
(٨) الروض الباسم، ٢/ ٣٠ أ رقم ١٣٨ و ١٣٩.
(٩) الروض الباسم، ٢/ ٣٦ أ، رقم ١٥٥.
(١٠) الروض الباسم، ٢/ ٧٣ ب.
стр. 115
ترجمة قصيرة، ويقول إنه مقيم بطرابلس (الشام) الآن. وهذه المعلومة لم يذكرها غيره. وهو تأخّرت وفاته إلى سنة ٩٠٤ هـ.
وبعد ذكره تعيين "مُغلباي الساقي الأشرفي" باشًا على الجند في مكة (١) سنة ٨٦٨ هـ. أفرد له ترجمة في المتن والحاشية، وذكر في الترجمة كائنة جرت لخَير بك سنة ٨٨٥ هـ. وكان مُغلباي لا يزال موجودًا في سنة ٩٠٦ هـ.
ولما تحدّث عن فرار "جانِبَك حبيب العلائي" من بلاد الصعيد (٢) سنة ٨٦٨ هـ. ترجم له مع أنه توفي سنة ٨٩٣ هـ.، وفي أثناء ترجمته استطرد إلى ترجمة "يشبُك جن"، وهذا توفي سنة ٨٩٧ هـ.
وحين يذكر خبر تعيين الطُواشي "مثقال الحبشي" في تقدمة المماليك السلطانية (٣) سنة ٨٦٧ هـ.، ينتقل إلى ترجمته ويصل بأخباره إلى ما بعد سنة ٨٨٦ هـ. حيث يقيم بمكة، ويقول في آخرها "وستأتي غالب هذه التنقّلات وبعضٌ من أخباره كلٌّ في محلّه".
وفي أثناء ترجمة "خليل بن شيخ إبراهيم الدرْبَنْدي" (٤) المتوفى ٨٦٩ هـ. استطرد إلى ترجمة الشيخ "محمد الدمدمكي" (٥) وروى قصّته كما رآها في بعض تعاليق والده، وكما سمعها هو من الشيخ "عبد الحميد بن موسى بن أبي يزيد الطالبي الشرواني"، وكما أخبره بها جماعة من أهل بلاد شماخي، ثم يواصل فيذكر "شُروان شاه بن خليل الدرْبنْدي" (٦) وذكر أنه تجهّز للحج سنة ٨٨٨ هـ.
ولما ذكر خبر تولية "محمد بن يوسف بن عبد الكريم القبطي المعروف بابن كاتب جَكَم" (٧) في سنة ٨٧٠ هـ. استطرد إلى ترجمته، مع أنه مات متأخّرًا في سنة ٨٩٠ هـ.
ولما ذكر استقرار "شاه بُضاغ بن دُلْغادر" (٨) في نيابة الأبُلُسْتَيْن في شهر ربيع الآخر سنة ٨٧٠ هـ. استطرد إلى حروب شاه سِوار سنة ٨٧٧ هـ، ثم سَجْنه بدمشق سنة ٨٨٥ هـ. وتأخّرت وفاته إلى سنة ٩٠٣ هـ. وقال عنه إنه من أصحابنا وبيننا مَوَدّة لما كان مقيمًا بالقاهرة في فترات سوار بعد إخراجه من المملكة.
_________
(١) الروض الباسم، ٢/ ٧٤ أ رقم ٢٠٦.
(٢) الروض الباسم، ٢/ ٧٤ ب رقم ٢٠٨.
(٣) الروض الباسم، ٢/ ٥٥ أ رقم ١٧٨.
(٤) الروض الباسم، ٣/ ١٠٢ ب رقم ٢٦٦.
(٥) الروض الباسم، ٣/ رقم ٢٦٧.
(٦) الروض الباسم، ٣/ ١٠٢ ب رقم ٢٦٨.
(٧) الروض الباسم، ٣/ ١٠٨ ب، رقم ٢٨٦.
(٨) الروض الباسم، ٣/ ١١١ أ، ب.
стр. 116
ولما ذكر قتل "أصلان بن دُلغادر" (١) في شهر ربيع الآخر سنة ٨٧٠ هـ. ترجَمَ له. وترجَمَ لشاه بُضاغ كما تقدّم.
وبعد ذِكره تولّي "قاسم شُغَيتة" (٢) الوزارة في شهر جمادى الآخرة ٨٧٠ هـ. ترجَمَ له مع أنه تأخّر إلى ما بعد سنة ٩٠٠ هـ. إذ لم يؤرّخ "السخاوي" لوفاته.
وعندما ترجَمَ لإبراهيم بن ناصر الباعوني (٣) في وَفَيَات ٨٧٥ هـ. أتى على ترجمة أبيه المتوفَّى سنة ٨١٦ هـ.
ولما ذكر خبر تولية "محيي الدين ابن بَقيّ" تدريس المالكية بالخانقاه الشيخونية في شهر شعبان سنة ٨٧٣ هـ. أفرد له ترجمة (٤)، وذكر تولّيه القضاء في سنة ٨٨٦ هـ. وهو مات في سنة ٨٩٥ هـ. وكان من أعظم أحباب المؤلّف وله عليه الأيادي وقد سمع الكثير من فوائده وأبحاثه لا سيما في دروس الكافِيَجي. ثم ذكر أباه (٥)، ثم أخاه "عبد الغني" (٦) وترجَمَ له، مع أنه توفي سنة ٩٠٧ هـ.
ولما ذكر تولية "سراج الدين عمر بن أبي بكر بن محمد، المعروف بابن حُرَيز" (٧) قضاء المالكية بمصر سنة ٨٧٣ هـ. ترجَمَ له مع أنه مات سنة ٨٩٢ هـ. ثم ترجَمَ لابنه الأكبر "محمد" قاضي سيوط (٨). وهنا أضاف المؤلّف ﵀ بخطه على الحاشية أن السراج ابن حُرَيز مات في يوم الإثنين ١٣ جمادى الأولى سنة ٨٩٢ وقال: "وسنذكره في تراجم السنة". وهذا يدلّ أنه كان يأمل في متابعة تاريخه.
والأمثلة على استطرادات المؤلّف كثيرة في الكتاب ذكرنا بعضها، وفي هذه الاستطرادات فوائد كثيرة لا تخفى على الباحثين، فهي أغنت معلوماتنا بأعلام تُوفّوا بعد سنة ٨٧٤ هـ. ومنهم جماعة تأخّرت وفَياتهم إلى القرن العاشر الهجري فلم يذكرهم "السخاوي" في موسوعته "الضوء اللامع"، وهذه إحدى مميّزات "الروض الباسم".
ومن مميّزات هذا الكتاب أيضًا أنه يحتوي على تراجم لم يذكرها المؤلّف ﵀ في كتابيه الآخَرَين: "نَيل الأمل" و"المجمع المفنّن".
وتمشّيًا مع أسلوبه في عرض مادّة كتابه من أنه لا يتوانى عن الترجمة للأعلام أثناء سرد الأحداث، فقد أفرد ترجمة حافلة للسلطان "الأشرف قايتباي" (٩) بعد
_________
(١) الروض الباسم، ٣/ ١١١ أ.
(٢) الروض الباسم، ٣/ ١١٤ ب، رقم ٢٨٨.
(٣) الروض الباسم، ٣/ رقم ٢٩٠.
(٤) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٤٥.
(٥) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٤٦.
(٦) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٤٧.
(٧) الروض الباسم، ٤/ ٢١٧ أ رقم ٤٤٨.
(٨) الروض الباسم، ٤/ ٢١٧ ب، رقم ٤٤٩.
(٩) الروض الباسم، ٣/ ١٧٠ ب - ١٧٤ أ/ رقم ٣٧٣.
стр. 117
تولّيه السلطنة في شهر رجب سنة ٨٧٢ هـ. مع أنه توفي أواخر سنة ٩٠١ هـ. فقد ظهر لنا أنّ مؤرّخنا "عبد الباسط" ﵀ ما إنْ يذكر أحدهم أثناء "متجدّدات الحوادث" حتى يُظْهِر سعة اطّلاعه، وضخامة المخزون المتجمّع لديه عن ذلك الشخص، مهما كانت وظيفته أو وضعه، فينقضّ كالباشق على فريسته، ويعرّف القارئ به بترجمة مفيدة، وإن كانت في غير موضعها، وكأنه يسابق القدر، ويريد أن يُفرِغ ما في جُعبته من معلومات قبل أن يُعاجله الموت، أو يفقد ذاكرته، أو يضيّع ما علّقه في أوراقه. فهو -كما مرّ في سيرته- صاحب عِلَل وأسقام، يعتريه المرض من حين لآخر، وهو انْتَابَتْه نزعةٌ إلى التصوّف، وزهد في الكتابة، وغسل كُتُبه وأوراقه وتعاليقه، وضيّع الكثير منها، ولما عاد إلى كتابة التواريخ بعد نحو عشرين عامًا لم يكن لديه سوى الاعتماد على ذاكرته، فلم تُسعِفه إلّا بالقليل، ولولا ذلك لأَتْحَفَنا وأتْحف المكتبة بمعلومات غنيّة تفوق ما وصَلَنَا من نتاجه وعطائه.
وبما أنه كان يتقن التركية، بحكم ولادته في مدينة مَلَطْية التركية، ونشأته هناك، فقد أراد أن يُظْهر معرفته بهذه اللغة وامتلاكه لناصيتها عن طريق التعريف بأسماء الأعلام من الأتراك، والمعنى المرادف لها باللغة العربية، مثل مَن اسمه: "تَنِبَك" أو "جانَم" أو "طَيْبُغا" وغيره.
وكان له رأيه في مُجْريات الأحداث في أيامه، مُعْتَدًّا بنفسه، فهو يعلّق، ويحلّل، ويناقش، وينقُد، ويستشرف قادمات الأمور، ويتوقّعها بحَدْسه، ولا يُخْفي موقفه من بيان تغيّر أحوال بعض من كان وضيعًا لا وزْن له في المجتمع، وكيف صاروا من الأكابر ويؤخذ برأيهم وهم ليسوا أهلًا لذلك. بل يحرّكه الأمر لتفيض قريحته بأبيات من الشعر (١) تعبيرًا عن إحساسه بسوء الأوضاع الاجتماعية.
وهو لا يتحرّج من القول إنه لا يعرف تاريخ مولد فلان، أو أيّ شيء من أحواله، وإذا نقل معلومة عن أحدهم يصرّح باسمه، ومن ذلك قوله عندما ذكر "أحمد بن أحمد العمري المكّي": إن "السخاوي" ذكره بنحو ما ذكرناه وبه اقتدينا، ولم أقف على شيء من أحواله لأذكره (٢). وعندما ذكر القاضي "محمد البُصرَوي" قال: لم أقف على تاريخ مولده ولم يذكره أحد لأذكره (٣). ولما ذكر ترجمة "محمد بن أحمد القاهري" في وَفَيات سنة ٨٦٨ هـ. قال: لا علم عندي بشيء من حاله غير ما ذكرت (٤).
_________
(١) الروض الباسم، ١/ ٢٥ ب.
(٢) الروض الباسم، ١/ ٥٠ أ.
(٣) الروض الباسم، ١/ ٦٢ ب.
(٤) الروض الباسم، ٢/ ٧١ ب.
стр. 118
وكان يُبدي حَيْرته عندما يسمع بتعيين أحدهم في موقع، ولا يعرف شيئًا عنه، فهو بعد أن أورد ترجمة "جانِبَك التاجي المؤيَّدي" (١) الذي وُلّي بيروت قال: إنه بقي متحيّرًا لا يعرف من هو كي يصل إلى هذا المنصب الجليل نيابة حلب، ولم يعرف هل وقع اسمه على مُسمّاه، مع معرفته بكثير من الأتراك وتفتيشه على تراجمهم كبارًا وصغارًا، وما عرفه في الصغار وهذا دليل على وضاعة قدْره قبل ذلك (٢).
وعندما ذكر قضيّة "القُطب العراقي" وحضوره من مصر إلى تونس وما جرى بينه وبين السيد الشريف البغدادي في شهر ربيع الآخر سنة ٨٦٦ هـ. ذكر عنه خبرًا حصل في سنة ٨٨٨ هـ. وفي آخره كتب يقول إنه ذكر القضية هنا "وهي وقعت في أزمنة مختلفة وتواريخ عدّة لتكون قصّته منتظمة مع بعضها، ولْيَحذر الناس منه -أي القُطب العراقي -لأنه كان لا يزال موجودًا" (٣).
وقد أشاد بعهد السلطان "الأشرف بَرْسْباي" إشادةً بالغة ووصفه بأنه كان أضخم مَن مَلَكَ من الجراكسة وأجلّ الملوك، وأيّامه كانت من غُرَر الأيام "على ما حُكي لنا ورأينا في التواريخ". ولما دخل الإسكندرية قبل رحلته المغربية رأى فيها "العزيز يوسف بن برسباي" فامتدحه وأشاد بكرمه وشهامته، وقال عنه: "إنه باستطاعته أن يُنشد ما يُتصوّر من المواليا مدّة ثلاثة أيام وأكثر" (٤).
وفي مقابل هذا كتب ينتقد السلطان "خُشقدم" في طمعه وجشعه، فهو بعد ذِكره خبر تقرير نيابة الكرَك، وحجوبيّة الحجّاب بدمشق ودواداريّة السلطان بها، وأتابكية طرابلس وتقدمة بها، في شهر محرّم سنة ٨٦٩ هـ. كتب يقول: "ذكر بعض المؤرّخين أن جملة ما حصل للسلطان من المال في هذه التنقّلات نحو الخمسة وثلاثين ألف دينار. فلا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم، ما شاء الله كان. انظر إلى شَرَه هذا السلطان ولا عليه من كسْر الناموس، فقَلّ إنصافه وكثُر طمعه وجَمْعُه للمال من أيّ وجهٍ كان، وبالله المستعان، ومع ذلك فقد بُكي بعده على زمانه، وأقول كما قيل:
قالت الضِفدع قولًا … فهِمَتْه الحكماء
في فمي ماء وهل ينـ … ــــــــــطق من في فيه ماء؟ (٥)
وفي ثنايا الأخبار يمرّر بعض الحقائق ذات المدلولات التاريخية المهمّة، فهو
_________
(١) الروض الباسم، ٢/ رقم ٢٢٠.
(٢) الروض الباسم، ٢/ ٨٣ ب.
(٣) الروض الباسم، ٢/ ٤٨ ب - ٥١ أ، رقم ١٧٦.
(٤) الروض الباسم، ٢/ ٩٠ ب، رقم ٢٥١.
(٥) الروض الباسم، ٣/ ٩٢ ب.
стр. 119
يؤكّد على أن عملية إعدام المجرمين وإجراء القَصاص بهم كانت تُوكَل إلى شخص يهوديّ ليقوم بقطع رأس المحكوم عليه بالساطور، وهذا ما حصل مع سارق الدجاجة في المركب الذي كان على متنه المؤلّف، بين رودس وتونس سنة ٨٦٦ هـ. بموجب أمرٍ من القُبطان الفرنجي، وما حصل مع العبد والأَمَة اللذَين قتلا امرأة في طرابلس الغرب بغير حق، مشيرًا إلى أن ما يجري في المغرب هو "بخلاف ما يجري على يد مَن يُسمَّى بالمشاعلي في مصر" (١).
وحين ذكر خبر استقرار "أحمد بن العَيني" في مقدَّمية الألوف بمصر، في شهر رمضان سنة ٨٦٩ هـ. قال: هو أول ولدِ فِقْه يُقدَّم في مصر، وعدّ ذلك من النوادر، بل أول من تخلّق بأخلاق الفقهاء تقدّم بمصر، أو من الصوفية، فإنه كان من صوفية الأشرفيّة البَرسْبائيّة، وبيده غير ذلك من وظائف الفقهاء. وأضاف إنه وُلّي الأميراخورية الكبرى، ثم إمرة مجلس، بل وترسّخ لإمرة سلاح، بل وللسلطنة بعد موت خُشقدم (٢).
ويتابع المؤلّف ﵀ أسلوبه في النقد اللاذع، ولا يوفّر السلاطين إذا أخطأوا، ويتجلّى ذلك واضحًا في ترجمة "محمد بن عبد الله البَبَائي القاهري" (٣) الذي لا يُعرف له أب، وكان صبيًّا لبعض الطبّاخين، وصار وزيرًا، فقال ما نصُّه: "وهو أول زَفُوري وُلّي الوزارة فيما نعلم، وعُدّت ولايته من قبائح أفعال الظاهر خُشقدم، لرفعه مثل هذا الخسيس الوضيع إلى مثل هذا المنصب السامي الموضع، وإن كان قد بُهدل من أوائل هذا القرن، أعني الثامن، لكنْ بهدلة بحيث تصل إلى هذا الحدّ في القبح والشناعة وقلّة الحياء والمروءة، فلا. ولقد عمّت المصيبة بعد البَبَائي هذا بولاية من هو أخسّ منه وأدوَن وضاعة فلا حول ولا قوّة إلّا بالله".
وحين أورد خبر نيابة "قانباي الحَسَني" بطرابلسَ الشام في شهر ذي القعدة سنة ٨٧٠ هـ. وكان أحد الأمراء الطبلخاناه بالقاهرة، ونُقل إلى منصب نيابة طرابلس دفعة واحدة من غير تقدّم ولا ترشّح ولا أهليّة، وعُدّ ذلك من النوادر، علّق المؤلف ﵀ على ذلك بقوله: "وأُعيب على الظاهر خُشقَدم هذه الفعلة لعِظَم جلالة هذه الوظيفة، لأنه لم يُعهَد قطّ في دولة من الدول أنْ وُلّي طرابُلُسَ إلّا مقدّمين (كذا) الألوف بمصر، مع الوظائف الجليلة كالأتابكية، كما في طرابلس، ووُلّيها أيضًا من وُلّي إمرة مجلس، ومن وُلّي الأميراخورية الكبرى، ومن وُلّي
_________
(١) الروض الباسم، ٢/ ٥٥ أ.
(٢) الروض الباسم، ٣/ ٩٧ ب.
(٣) الروض الباسم، ٣/ ١٠٦ ب، ١٠٧ أ، رقم ٢٨١.
стр. 120
الرأس نَوبيّة الكبرى". ويا ليت مع هذا كان قانباي هذا ممن له أهليّة من جهة أخرى، لفضيلة أو معرفة أو ذِكرٍ حسن بصيتٍ وسُمعة، أو غير ذلك مما يكون مندوحة، واستشهد المؤلّف بالحديث الشريف "إذا وُسِّد الأمر لغير أهله فانتظِروا الساعة"، معلّقًا بأسلوبه الحادّ: "على أن هذه الطائفة كلها غير أهله، لكنّ النحس في هذا أظهر وأكثر وأكبر" (١).
ولم يَسْلَم السلطان "قايتباي" من انتقاد المؤلّف له، وهو سلطان عصره، ومن ذلك أنه نبّه نائب حلب في شهر جمادى الأولى سنة ٨٧١ هـ. بأن لا يمكّن أحدًا من تجار المماليك أن يدخل أراضي دولته بغرض بَيع أحدٍ من المماليك، وإذا دخل بهم عليه أن يردّه من حيث جاء، وفرح المسلمون بذلك. ولكنّ هذا التنبيه لم يُعمل به إلّا لوقت قصير، حيث دخل أحد التجار ومعه ٦٠٠ من المماليك الجُلبان، واشتراهم منه السلطان نفسه (٢)!.
ومن منهجه اللافت في عرض الحوادث الإطالة في التحليل الشخصي لقضيّة من القضايا، وكذلك التطويل في ذكر بعض الوقائع. وفي حال عدم معرفة تاريخ مولد أحدهم أو تاريخ وفاته، أو بعض المعلومات التي ندّت عنه يترك مكانها بياضًا، مقدار كلمة أو أكثر، وربّما سطر أو عدّة أسطر.
_________
(١) الروض الباسم، ٣/ ١١٨ أ.
(٢) الروض الباسم، ٣/ ١٣٢ أ.
стр. 121
طريقتي في التحقيق
لما كان ما بين أيدينا من مخطوط، سواء ما نَسَخَه "ابن الشِحنة" عن نسخة المؤلّف، أو مسوَّدة المؤلف نفسه، هو الوحيد الذي وصلنا منه، ولا نعرف له نسخة أخرى في مكتبات العالم، على حدّ عِلْمنا حتى الآن، فإننا ملزَمين أن نعتبرها هي الأصل، ونتعامل معها على هذا الأساس، وعلينا أن نسلّم بصيغتها كما هي، إلّا ما شابَها من أخطاء وأغلاط فقد عملت على تصحيحها وتصويبها بشكل مباشر في متن النص، وأشرت إلى ذلك في الحواشي، وأحيانًا أبقيت على الخطأ أو الغلط كما هو في المتن، وصحّحته في الحاشية.
ولما كان المؤلّف ﵀ قد ترك بياضًا في كثير من الصفحات، فقد نبّهت إلى ذلك بوضع قوسين متقابلين بينهما بياض على هذا الشكل (). وإذا كان النص ممسوحًا أو مطموسًا وغير مقروء أشرت إلى ذلك بوضع قوسين متقابلين وبينهما ثلاث نقاط عن كل كلمة غير مقروءة هكذا ( … )، وإذا كان الممسوح أكثر من سطر أضع نقاطًا في سطر كامل بين قوسين ( ............... ) وأشير في الحاشية إلى عدد الأسطر الضائعة. ومثل ذلك أفعل إن ضاعت صفحة أو عدّة صفحات من المخطوط.
أمّا في حال إضافة كلمة أو عبارة من عندنا على النص فنضعها بين حاصرتين بهذا الشكل [].
وبما أن المؤلّف كتب بعض العناوين على هوامش المخطوط، وأكّد على من ينسخه الإلتزام بإثابت تلك العناوين، فقد التزمنا بذلك ووضعناها داخل المتن بين قوسين ()، أمّا العناوين التي أضفناها على النص من عندنا فوضعناها بين حاصرتين [] للتمييز بين صنعة المؤلّف وصنعتنا.
وفي حال ورود آية كريمة أضعها بين قوسين مزهرَين ﴿﴾، وأذكر بعد ذلك اسم السورة ورقم الآية.
وأحيط لفظ الحديث النبوي الشريف بهلالين صغيرين "".
وأضع أرقام صفحات المخطوط بين خطَّين متوازِيَيْن مائلين هكذا//.
стр. 122
وقصت بترقيم التراجم، سواء وردت ضمن متجدّدات الحوادث، أو في وَفَيَات السنة.
والتزمت بالنص كما أورده المؤلّف، رغم بعض الخلل في أسماء المترجَم لهم كما أوضحت آنفًا.
ولما كان المؤلّف يستطرد أحيانًا، في الحوادث إلى التراجم، فقد رأيت من المفيد أن أنبّه إلى ذلك بوضع دائرة سوداء (*) عند كل ترجمة ترِد في سياق النص للإفادة من ذلك لدى المهتمّين بالتراجم، وتعويض بعض الذي ضاع من المخطوط. وإذا وجدت أن عناصر الترجمة مكتملة أعطيها رقمًا متسلسلًا مع تراجم الوَفَيات إلى جانب الدائرة السوداء المشار إليها.
وكعادتي في التحقيق، قمت بتوثيق الحوادث والتراجم بعشرات المصادر، وضبطت ما يحتاج إلى ضبط، وعرّفت بكثير من الأعلام الذين يمرّ ذكرهم في سياق الحوادث أو الوَفَيَات.
وستأتي الفهارس العامّة في آخر الكتاب بإذنه تعالى.
مستميحًا كل قارئ أو مطالع كريم من وقوع أيّ خطأ أو تقصير، فقد بذلت جَهْد المُقِلّ، ولن يبلغ أحدنا مرتبة العصمة والكمال، فالكمال لله وحده.
وبعد.
فقد أنجزت هذه الدراسة صباح يوم الأربعاء العشرين من شهر رجب الفرد والخير ١٤٣٢ هـ./ ٢٢ حزيران (يونية) ٢٠١١ م، وذلك بمنزلي الكائن في شارع الراهبات، المتفرّع من صاحة السلطان الأشرف خليل بن قلاوون (النجمة سابقًا) بمدينة الرباط، وثغر الإسلام، وحصن العروبة، الفيحاء طرابلس الشام، المحروسة بعناية الله، وسائر بلاد العرب والمسلمين.
والحمد لله ربّ العالمين.
طالب العلم وخادمه
وراجي عفو ربّه
أبو غازي
عمر عبد السلام تدمري
الجمهورية اللبنانية - طرابلس - ساحة السلطان
الأشرف خليل بن قلاوون - شارع الراهبات - بناية
ندى سنتر - الطابق السابع.
هاتف وفاكس المنزل ٠٠٩٦١٦٦٢٩٤٣٦
стр. 123
كتاب
الرَّوْضُ الباسم في حوادث العُمُر والتّراجِم
تأليف
زَين الدّين عبد الباسط بن خليل بن شاهين الحنفي
(٨٤٤ - ٩٢٠ هـ)
مصوَّر الخزانة التيموريّة بدار الكتب المصريّة
عن مخطوط مكتبة الفاتيكان بروما
تحقيق
أستاذ دكتور
عمر عبد السّلام تدمُري
стр. 124
الصفحة الأولى من الفهرس وعليها رقم المخطوط ورمزه في الخزانة التيمورية
стр. 125
الورقة الثانية من الفهرس وفيها تاريخ تصوير النسخة الأصلية من خزانة الفاتيكان برومة في سنة ١٣٤٦ هـ. وملحوظات على الجزء الأول
стр. 126
شروحات بالإيطالية على صدر الورقة الأولى من مخطوط "الروض الباسم" - الجزء الأول، برقم ٧٢٨ فاتيكان عربي
стр. 127
صفحة العنوان باسم "كتاب التوريخ الملوكية في الحوادث الزمانية" بخط الشيخ جمال الدين المعروف بابن الشحنة الثالث
стр. 128
الصفحة الأولى وفيها مقدّمة المؤلف وفي أعلاها: في معرفة شرف الدين ابن شيخ الإسلام عفا الله عنهما آمين
стр. 129
بداية الجزء الأول من الكتاب بمتجدِّدات سنة أربع وأربعين وثمانمائة
стр. 130
الصفحة (٥١ ب) وفي الأسفل حاشية
стр. 131
الصفحة (٥٧ ب) وفيها إحدى القصائد
стр. 132
الصفحة (٢٠ أ) من الترقيم الجديد وفيها بداية متجدّدات سنة ثمانٍ وأربعين وثمان ماية
стр. 133
الصفحة (٥٣ أ) وفيها بداية متجدّدات سنة ست وأربعين وثمان ماية
стр. 134
الصفحة (٤٢ ب) من الترقيم الجديد وفيها بداية متجدّدات سنة خمسين وثمان ماية
стр. 135
الصفحة (٤٣ أ) من الترقيم الجديد وفيها آثار الرطوبة
стр. 136
الصفحة (٤٦ أ) من الترقيم الجديد وفيها ذِكر نُبَذ من تراجم الأعيان ووفياتهم في هذا الزمان سنة ٨٥٠
стр. 137
الصفحة (٤٧ ب) من الترقيم الجديد وفيها آثار الرطوبة
стр. 138
الصفحة الأخيرة من الجزء من "الروض الباسم" وهي تحمل شعار مكتبة الفاتيكان ورقم النسخة ٧٢٨ فن عربي
стр. 139
¬/٢/ الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم
للشيخ عبد الباسط بن خليل الحنفي
هذا كتاب
التوريخ الملوكيّة في الحوادث الزمانيّة
بخطّ الشيخ
جمال الدين المعروف بابن الشِحْنَة
الثالث
تأليف
الإمام عبد الباسط المشهور بالحنفي
المؤرّخ
مصوَّر بدار الكتب المصرية - الخزانة التيمورية
رقم ٢٤٠٣ تاريخ
عن المخطوط المحفوظ بمكتبة الفاتيكان برقَمَي
٧٢٨ و ٧٢٩
(الجزء الأول)
стр. 140
(١) بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلّا الله عدّة للقائه محمد رسول الله سيّد أصفيائه
قال مسطّره الفقير إلى الله تعالى الحفي، عبد الباسط بن خليل الحنفي، غفر الله تعالى له ذنوبه، وستر عليه عيوبه، وعفا (٢) عنه وعن والديه، ومشايخه والمسلمين، ومن أحسن إليه.
أمّا بعد حمد الله تعالى مُحْدِث الكلّ وما يُحدثون من الأفعال، ومُمِيتُهم بعد ذلك عند انقضاء الآجال. وجاعل آثارهم وأخبارهم عبرةً من بعدهم لمن اعتبر، وتذكرةً لمن تفكّر وأبصر في حال من غَبَر.
والصلاة والسلام على مولانا وسيّدنا محمد صاحب الطريقة التي هي أحمد الطرائق، وعلى آله وأصحابه السادة القادة الأئمّة الأعلام الشواهق.
هذا تعليق، جمعْتُه في التاريخ أنيق، وابتدأت فيه من مولدي الذي هو سنة أربع وأربعين وثمانماية ليكون أعْوَن في الحوادث المتجدّدات والوَفَيات على التحقيق. أذكر فيه غُرَر المتجدّدات اليوميّة، ومشتهر الحوادث العصريّة، ونُبَذًا من
стр. 141
تَراجم ووَفَيات جماعة من الأعيان، من أهل هذا العصر على جهة الكشف والبيان. وربّما ترجمت جماعة من موجودي الأعيان بمناسبةٍ أو استطراب في ترجمة أو محلّ ولاية، أو في غير ذلك من المحالّ، من غير إغفالٍ ولا إهمال. وكتبت بالحُمرة على هامش هذا التعليق ما يرشد إلى المقاصد من بعض التراجم أو الواقعات، ليكون ذلك سهلًا على الوقوف عليها لمن طلب معرفة تلك الحالات. وقد أشرت لناسخ هذا الكتاب أن لا يُسقِط ذلك من الهوامش ليسْهُل التطلاب، وقد يحسُن ويصلح أن يكون تاريخنا هذا ذيلًا على عدّة من التواريخ المعتبرة المشتهرة، للسادة الأئمّة المَهَرَة. كتاريخَي قاضي القضاة البدر العَيْني (١)، طيّب الله ثراه، وجعل الجنّة مأواه وقِراه. وتاريخ شيخ الإسلام حافظ العصر ابن (٢) حجر (٣)، تغمّده الله برحمته ولضريحه نوّر. وتاريخ التقيّ المقريزي (٤) ﵀ ترجمة بَمُنَاها، وغير ذلك من التواريخ التي بمعناها. وإنْ داخَلَها في بعض السنين الماضية، فيحسُن ذيلًا من حيث السنين الآتية، عقب سِنِيّ التواريخ المذكورة بعد التداخل، على أنّ بها من الزيادة ما يصلُح أن يكون ذيلًا لتلك السنين المتداخلة فتمّ التذايل.
ولما كمُل هذا الترتيب وتمّ، وفاح شذا عَرْفه وعَمّ، سمَّيته: "الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم"، وتوخّيت فيه ما ثبُت عندي من نقل السادة المعتَمَدين الأخيار، أو شاهدته عيانًا أو مستفيضًا يقينًا من الأخبار. ومن الله سبحانه أستمدّ المعونة والتوفيق، وأسأله تعالى الهداية للنطق بما يليق. والإبعاد عن الإنجاسْ، وهضم الناس والإرشاد لإعطاء كل ذي حقّ حقّه من غير تعصّب ولا اختلاس، وأن يجعل رجانا للواقف عليه على فِعل ما يُحمَد، وملازمة شُهرة يُذكر بها ويرشد. ومُبعدًا عن رذايل ذوي السِيَر الذميمة، هذا مقصدي ولم أقصد الغِيبة ولا النميمة. والله سبحانه بذلك هو الكفيل، وهو حسبي ونِعم الوكيل.
стр. 142
سنة أربع وأربعين وثمانمائة
[خلافة المسلمين]
استهلّت هذه السنة وخليفة الإسلام بمصر عبد الله وولّيه، الإمام الأعظم، والخليفة المكرم، أمير المؤمنين، المعتضد بالله، أبو الفتح، داود (١) بن أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عبد الله محمد بن أمير المؤمنين المستكفي بالله أبي الربيع سليمان الهاشمي، العباسي، المصري. وسيأتي بقيّة نسبه الشريف عند ذكر ترجمته من هذا التعليق إن شاء الله تعالى.
ودعاؤه بأمير المؤمنين نازَعَه فيه الإمامُ الزَيديُّ الحَسَنيّ، صاحبُ اليمن من نواحي الجبال، كَصعْدَة وصنعاء وغيرهما.
ونازعه فيه أيضًا الحفاصةُ (٢) ملوكُ تونس المغرب، فإنهم أيضًا يلقّبون بنحو ألقاب بني العبّاس، ويُدْعَى الواحد منهم بأمير المؤمنين.
"سمعت الخطيب بتونس في أول جمعة دخلتها في شهر ذي القعدة سنة سبع وستين، وهو الشيخ أبو العباس المُسْراتي (٣)، خطيب الجامع الأعظم بها، واسمه أحمد (٤)، ويُعرف الجامع بجامع الزيتونة، وهو يقول حين الدعاء في خطبته لصاحبها عثمان (٥): "اللَّهمّ وارْضَ عن سيّدنا ومولانا الخليفة الإمام"، ثم أخذ يذكر ألقابًا ونُعوتًا كثيرة، إلى أن قال: "أمير المؤمنين".
ثم رأيت غالبًا خطباء تونس، وسمعتهم بعد ذلك بنحو ما سمعته من المُسْراتي المذكور. وكذا تصدر المكاتبات عنه مُعَنْوَنةَ بأمير المؤمنين المتوكّل على الله، ومع ذلك فإنّ السمع يَنْبو عن سماع مثل ذلك في حقّ غير بني العباس،
стр. 143
والطبع ينفرد عن دعاء غيرهم ممن بعدهم به، فإنهم الجديرون بهذه الدعاية، الخليقون لها، لإمامتهم العظمى المتَّفَق عليها، الشاهد بصحَّتها الحديث الشريف النبويّ، وأظنّ أنه لم ينازع غيرُ ذي الإثنين لبني العباس في هذه الدعاية فيما أعلم.
سلطان مصر والشام والحجاز وما والَى ذلك من الممالك في هذه السنة
السلطان الملك الظاهر، أبو سعيد، محمد جقمق. هكذا أمر أن يُكتب عنه في بعض الأماكن. وسبب ذلك أنه لما تسلطن سفى نفسه محمدًا، وأراد أن يُبطل اسم جقمق بالكفية، فقيل له في ذلك، وأُوهم بأنه متى فعل ذلك ظنّ الظانّ، ولا سيّما النائي، أنّ هذا المسمَّى بهذا الاسم ليس من الأتراك، وأنّ جقمق لم يتسلطن، فيطمع الطامع لعدم شوكة السلطان المسمَّى بهذا الاسم، وشهرة شوكة الأتراك، فتوقّف عن ذلك بعد أن كان قصده أن يدوم مُسمًّى بهذا الاسم، وأن تصدر المكاتبات عنه به، وأن ينقش على سكّة الدرهم والدينار، وأن يكون مثبتًا على جميع تعلّقات السلطنة من الطُرُز [و] الرُنُوك والداغات (١) وغير ذلك، ففتر عزمه بعد ذلك.
ذكر لي هذا من لفظه الوالد ﵀ وذكر لي اسمَ الذي أوهمه ورجّعه عن ذلك، ولا حاجة لنا بذكره صريحًا، فإنه من الأقباط. إذ ربّما يظنّ الظانّ أنه مائل إلى دين آبائه الأوُل، فيكون ذلك كالأذى في حقّه، حيث كان سببًا على أنّ الظاهر لو فعل ذلك لمضى ونُسي، ولم يكن شيئًا مما اختُشي، ولا مما وهِم به ببركة مسمّاه ﵊. لكنّ الأمور بيد الله تعالى.
فجعل جقمق بعد ذلك اسمه بالقاهرة مركّبا من محمد وجقمق، وكتب ذلك بالقاهرة على بعض طُرُز الحوايط والرُنُوك بالقلعة وغيرها، وعلى أبواب بعض المساجد والجوامع والمدارس.
ثم رأيته على المِنبر الذي أنشأه الظاهر هذا محرّرًا له بمدرسة أستاذه الظاهر برقوق، وكذا على باب المدرسة التي أنشأها الجمال ابن (٢) كاتب جَكَم ناظر الخاص باسم الظاهر هذا التي هي بقرب الأبو بكريّة بالقرب من سوق الرقيق. ورأيته أيضًا بجامع زين الدين الأستادّار ببولاق، وبمحالّ أُخر.
стр. 144
[سلطان اليمن]
وكان سلطان اليمن من نواحي الجبال كصعْدة وصنعاء وغيرهما الإمام الحَسَني الزَّيدي صلاح بن محمد بن علي بن القاسم، الملقّب بالمهدي، أحد الأشراف الذين ليسوا من الأئمّة المتسلطنين بها قبل ذلك، بل أخذ يملك، ودُعي بأمير المؤمنين على زعمهم، ولم يكن وُلّي قبل ذلك من آبائه وجدوده سلطنة هذه البلاد. ولعلّ تأتي ترجمته إن شاء اللَّه تعالى.
وكان سلطان اليمن من نواحي تِهامَة (١) الملك الأشرف إسماعيل (٢) بن الظاهر هِزَبْر الدين، عبد اللَّه بن الأشرف إسماعيل بن علي بن داود بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول اللَّه، كما في الأصل اليمني. وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى إن أمكننا ذلك.
[سلطان العجم]
وكان سلطان العجم بأرض فارس وما وراء النهر مثل بُخارَى وسمرقند وغيرها، بل والبلاد الشرقية غالبها القان الأعظم والخاقان المفخّم، معين الدين شاه رُخ (٣) بن القان تمر المعروف باللنْك، المدعو هناك بكدركان، ومعناه الصِهْر، فإنه كان صاهر ملك التتار محمود الذي هو من ذرّية جنكز خان، بل وتوزَّر له وأخذه معه، فكان في قبضته على ما هو معروف في ترجمته وسيرته. وسيأتي التعريف بشاه رُخ ومن ولي من بعده إلى يومنا هذا الذي جمعنا فيه هذا التعليق إن شاء الله تعالى.
стр. 145
[سلطان الروم]
وكان سلطان الروم صاحب بُرْصا من هذا البرّ، وأدِرنا فمن ذاك البرّ، الفاصل بينهما البحر الرومي وما والى ذَين البلدين بالبرَّين من البلاد، السلطان مراد بك (١) بن أبو يزيد بن عثمان. وسيأتي تمام نسبه والتعريف به في ترجمته إن شاء اللَّه تعالى.
[سلطان قرمان]
وكان سلطان الروم الأدنى من البلاد المعروفة الآن بقَرَمان السلطان إبراهيم بن محمد بن قَرَمان (٢). وستأتي ترجمته في محلّها إن شاء اللَّه تعالى.
(ترجمة عثمان صاحب تونس) (٣)
١ - وكان سلطان المغرب الأدنى، تونس وما والاها من أعمال إفريقية السلطان أبو عَمرو (٤). ومنهم من قال: أبو سعيد عثمان (٥) بن محمد بن عبد العزيز أبو فارس بن أبي (٦) العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى بن عبد الواحد بن أبي (٧) حفص عمر الهَنتاتي (٨) قبيلة من البربر الحَفْصي، نسبة إلى أبي حفص عمر هذا، آخر الجدود، وهو الذي يقال له إثبات أحد العشرة من أصحاب محمد بن تومرت المعروف بالمهتدي وهو إلى