وهي من نوادره، وإن كانت العداوة لم تظهر، لكنْ قد علم بها كل أحد، ومن ثَم وحينئذٍ تنافرت قلوب ملوك الروم والمصريّين، وكفّت تلك الملوك عن مراسلة صاحب مصر، وكذا صاحب مصر، حتى إن السلطان أبا يزيد يلدرُم بن محمد بن عثمان مَلَك بعد أبيه، وله الآن نحو الأربع سنين في المُلك، ولم يقع بين المصريين وبينه مراسلة.
وكان عند خُشقدم هذا بأخرة البطش والفتك بمن أراد، وطال أمله وساء عمله، فلا جَرَم صار مَهيبًا في أواخر عمره، وقدّم الكثير من مماليكه، ورقّاهم إلى الرُتَب السنيّة، وما ثارت في أيامه فتنة كبيرة، ولا دهمه داهم.
ولما بدت الفِتَن تثور من شاه سوار، وابن (١) عثمان، وحسن الطويل بَغَتَه أجله، وما أدرك شيئًا من ذلك.
وكان كثير المكر والحِيَل، أسود الباطن.
ذكر لي من أثق به أنه كان من يهود الأرنؤوط لا من نصاراها، والصُفرة التي كانت تعلوه كانت من أعظم الدلائل على صدق هذا القائل، واللَّه أعلم.
توفي الظاهر هذا في يوم السبت عاشر ربيع الأول من هذه السنة، على ما تقدّم، بعد مرض طال به مدّة، وهو يودي به إلى أن غلبه، فانقطع به، ثم صار يرجَف بموته في كل قليل، إلى أن كان حقيقة في التاريخ المذكور، وقد قدّمنا ذلك في محلّه.
وكان سنّه نحو الخمس والستين (٢) سنة أو فوقها.
وجُهّز وأُخرجت جنازته قبل سلطنة غيره، وعُدّ ذلك من نوادره، ودُفن بتربته التي أنشأها بالصحراء، وهي من آثاره، وبها مدرسة جليلة بخطبة، ورؤي بعد موته في النوم في حالة غير مرضية، واللَّه أعلم.
٤٠٦ - سالم الزواوي (٣)، المغربي، المالكي.
(الشيخ العالم السا … ... … (٤)) (٥) قاضي القضاة المالكية بدمشق.
стр. 1192
توفي بها في صفر من هذه السنة، وما عندي شيء من أحواله غير ذلك (١).
٤٠٧ - سبّاع بن هجّان (٢).
السيد الشريف الحسيني، أمير مدينة الينبوع. كان صرف عنها بخنافر، فاتفق أن نُقل النقلة الماضي ذكرها في المتجدّدات، وهي خروجه على ركب الينابعة ومعه أخوه سبع، وجموع من عربانه، فأخذ الركب المذكور عن آخره، كما مرّ ذلك. ولما بلغ السيد خنافر أمير الينبوع ذلك خرج قاصده، ووصل إليه على غرّة وحين غفلة، فأغار عليه، واسترجع جميع ما أخذه، وما ذهب من ذلك شيء (٣).
وقُتل سبّاع هذا في ذي القعدة، أو أوائل [ذي] الحجة.
٤٠٨ - سبع بن هجّان (٤).
أخو الذي قبله، كان مع أخيه في سائر الحالات، ومعه قُتل في يوم واحد، في الكائنة التي تقدّمت على يد السيد خنافر، على ما عرفت ذلك، فلا نعيده.
٤٠٩ - سُنقُر الظاهري (٥).
شمس الدين، أتابك طرابلس، المعروف بالعائق، وبالجُعَيدي أيضًا.
كان من مماليك الظاهر جقمق في أيام إمرته، وصُيّر خاصكيّا بعد سلطنته، ثم خازندارًا صغيرًا، وكان يعينه في بعض مهمّات في كل قليل، ثم أمّره عشرة، ثم صيّره أميراخورًا ثالثًا، ودام على ذلك إلى سلطنة المنصور، فنقله إلى الأميراخورية الثانية، عِوضًا عن بَرسْباي الإينالي المؤيَّدي لما قبض عليه، وبعثه إلى سجن الإسكندرية مع دَولات باي، ويلباي الذي تسلطن بعد ذلك، على ما تقدّم كلٌّ من ذلك في محلّه.
ولما جرت الكائنة التي خُلع فيها المنصور، كان سُنقُر هذا من الذين معه وعنده بالقلعة. فلما تسلطن الأشرف إينال أخرجه مَنْفيًّا إلى البلاد الشامية، ورأى
стр. 1193
بتلك البلاد الكثير من الخطوب والأهوال. وتنقّل بها في عدّة أماكن بطّالًا منها بطرابلس، وكنّا بها إذ ذاك.
ولما تسلطن الظاهر خُشقدم قدم إلى القاهرة، فأمّره عشرة، ثم صيّره من جملة رؤوس (١) النُوَب، ودام على ذلك إلى سلطنة الأشرف قايتباي، فأخرجه إلى أتابكية طرابلس.
وبها توفي في هذه السنة.
ورأيت من أرّخه في التي بعدها، واللَّه أعلم.
وكان سُنقُر هذا عاين عند اسمه كثير الوقاحة والجرأة من يومه، مع تهوّر زائد وإسراف على نفسه وانهماك في لذّاتها. وكان شجاعًا، مقدامًا، عارفا بكثير من أنواع الفروسية مع قوّةٍ عنده، وشدّة بِنْية بدنية.
وكان سنّه يوم مات زيادة على الخمسين سنة فيما أظنّ، أو لم يبلغها، واللَّه أعلم.
واسمه تقدّم الكلام عليه.
٤١٠ - سودون البُرْدُبكي (٢)، المؤيَّدي.
أحد مقدَّمين الألوف بدمشق، المعروف بالفقيه.
كان من مماليك المؤيَّد شيخ، وصار خاصكيّا بعده، ودام على ذلك مدّة من السنين، وهو لا يُلتفت إليه في عدّة دول، حتى تسلطن خُشداشه الظاهر خُشقدم، فأمّره عشرة، ثم ولّاه حسبة القاهرة، وباشرها بعفّة وديانة وحُسن سيرة، ثم ولّاه الظاهر يلباي نيابة القلعة، ثم لما جرت كائنة يشبُك الفقيه أخرجه الظاهر تمربُغا إلى دمشق على تقدمة ألف بها.
وبها توفي في هذه السنة.
وكان إنسانًا حسنًا، خيّرًا، ديّنًا، ساكنًا، متواضعًا، يدّعي التفقه ويقتني الكتب ويقرأ القرآن، مع حُسن سمت وتؤدة.
٤١١ - سودون الشمسي (٣)، الظاهري.
стр. 1194
أحد مقدّمين (١) الألوف بمصر، المعروف بالبرقي.
كان ممن بقي من كتابية الأشرف برسباي، ومَلَكه الظاهر جقمق بعده إن صحّ أن الأشرف لم يعتق من كان في ملكه حين قرُب موته، فإنه قيل إنه أعتق جميع من كان في ملكه في زمن موته، واللَّه أعلم. وصيّره الظاهر خاصكيًا في أيامه، ثم رقّاه أنْ جعله بَجْمَقْدارًا، ومات الظاهر وهو على ذلك. ولما خُلع ولد أستاذه المنصور عثمان امتحنه الأشرف إينال، ثم هرب واختفى مدّة سنين. يقال إنه كان مختفيًا بمكان بالبرقية حيث كان سكنه، ثم ظهر في أواخر دولة الأشرف إينال.
ولما تسلطن الظاهر خُشْقَدم أمّره عشرة، وصيّره من رؤوس (٢) النُوَب، ثم نقله إلى الأميراخورية الثانية. ثم لما جرت كائنة قتل جانِبَك نائب جُدّة قُبض عليه، وبُعث به إلى سجن ثغر الإسكندرية، ثم أطلقه وبعث به إلى دمشق من جملة مقدَّمين (٣) الألوف بها. وحجّ أميرًا على المحمل الشامي في سنة إحدى وسبعين.
ولما تسلطن خُشداشه الظاهر تمربُغا بادر من فرحه بالمجيء إلى القاهرة، ولما وصل إلى الخانكة وعلم بذلك الظاهر تمربغا غضب، وأمر به أن يعود من حيث جاء، لكونه جاء بغير إذن، وشفع فيه فيما قيل شفاعة من شفع فيه، لكنّه بعث إليه بمركوب بسَرْج ذهب وكنْبوش مزركش وكاملية، وأعاده إلى دمشق، وذلك بواسطة الأتابك قايتباي، وخرج الأتابك المذكور إليه إلى حيث هو بالخانكة وطيّب خاطره، ولما عاد إلى دمشق زاد وعكه من قهره، سيما وقد كان لما قدم من الحاج قدم موعوكًا، فزاد ما به من قهره. واتفق أن خُلع الظاهر تمربُغا، وتسلطن الأشرف قايتباي، وبلغه ذلك ففرح به غاية الفرح. وكان الأشرف المذكور أول ما تسلطن عيّنه في مقدّمين (٤) الألوف بالقاهرة، وبعث إليه بذلك، وأمره أن يقيم بدمشق، ولا يتحرّك لسفرٍ حتى ينصل من مرضه، ثم يتوجّه مع العساكر المعيّنة لشاه سوار، ويعود معهم بعد ذلك، فما صبر عن القاهرة وتجهّز، وهو في تلك الحالة، وقدم القاهرة بغير إذن، ولم ينكر عليه السلطان ذلك، وأبطله من التجريدة لوعكه. وكان لما قدم صعِد إلى القلعة وهو في غاية الوعك بجهدٍ جهيد، وخلع السلطان عليه كاملية، ونزل إلى داره، ولم يَنشَب أنْ بَغَتَه [أجلُه].
وكان إنسانًا حسنًا، ذا هيئة حسنة، وعنده شجاعة وإقدام.
توفي في يوم الأربعاء ثامن عشرين شعبان، وله نحو الخمسين سنة.
стр. 1195
وأُحضرت جنازته لسبيل المؤمني، ونزل السلطان فحضر الصلاة عليه، وأظهر التأسّف عليه.
وذكر بعضهم موته في شهر رمضان، وما علمت ذلك.
٤١٢ - شادبك الأشرفي (١).
أتابَك حماة، المعروف بفرفور.
كان من مماليك الأشرف بَرْسْباي ومن صغارهم، وتنقّلت به الأحوال بعده حتى وُلّي أتابكية حمّاة. ولما كانت نوبة سوار الأولى خرج في جملة عسكر حماة.
وتوفي قتيلًا في يوم الوقعة في ربيع الأول، وقد جاوز الخمسين سنة.
٤١٣ - طوغان العُمري (٢)، المؤيَّدي.
أحد الطبْلخانات بمصر، المعروف بميق، وبصهر الوليّ، لكونه كان قد صاهر الوليّ السَّفْطي قاضي القضاة، على ابنة الوليّ المذكور.
كان طوغان هذا من مماليك المؤيّد شيخ، وصُيّر خاصكيًّا بعده، ودام على ذلك إلى سلطنة خُشداشه الظاهر خُشقدم، فأمّره عشرة في أول دولته، ثم أضاف إلى إمرته أخرى، وصُيّر من الطبْلخانات على ما بلغني. ولما جرت كائنة يشبُك الفقيه، وخُلع الظاهري يلباي، أخرج طوغان هذا إلى دمشق، أظنّ على إمرةٍ بها، وخرج في تجريدة سوار في هذه السنة.
وبها توفي قتيلًا في يوم الوقعة.
وكان لا بأس به، ساكنًا، قليل الشرّ، مختصًّا بالظاهر خُشقدم، مقرَّبًا لديه.
ومات عن نحو من سبعين سنة أو أكملها.
٤١٤ - ظافر بن جاء الخير (٣) الروميّ الأصل، الفرنجي، المغربي، التونسي.
قائد طرابلس، وأحد الأمراء الكبار لعثمان صاحب تونس.
ولد بتونس قُبيل القرن.
стр. 1196
وكان والده جاء الخير من علوج أبي العباس أو ولده أبي فارس صاحب تونس. وكان والده أيضًا من أجلّ القوّاد بتونس، ونشأ ولده هذا في عزّ ووجاهة، وتنقّل في عدّة ولايات ببلاد المغرب، منها قيادة طرابلس، وباشرها مدّة، ثم سعى عليه أخوه أبو النصر فأخرجه منها، وتوجّه ظافر إلى تونس، فأقام بها في خدم السلطان عثمان صاحب تونس حتى ولّاه قسنْطينة، وبقي على قيادتها مدّة، حتى حاربه أهلها، وأرادوا قتله لظُلمٍ حصل لهم منه، فتدارك عثمان صاحب تونس بأن صرفه عنهم بولد ابنه المسعود باللَّه، وعاد إلى تونس في سنة ست وستين، فأقام بها بداره التي أنشأها بتونس، وهي من أعظم ديار تونس، ولها بها الشُهرة، ورأيتُها وصاحبَها حين دخولي لتونس.
وكان شيخًا منوّر الشيبة، بهيّ الهيئة، حسن السمت، وجيهًا. ذا شُهرة طائلة وبُعد صيت.
وجرت بينه وبين أخيه أمور في العداوة على الإمرة بطرابلس، مما يطول شرحه.
وتوفي في هذه السنة فيما بلغني بعد حضوري إلى هذه البلاد.
وقد قارب الثمانين سنة.
وكان خيرًا من أخيه على ما كان فيه من الظلم والعسف، وترك أموالًا جمّة.
٤١٥ - (عبد الأول (١) بن [محمد بن إبراهيم بن أحمد] (٢) المرشدي، المكي، الحنفي.
وُلد بها في سنة ( … ) (٣) وثمانمائة (٤)، وبها نشأ.
واشتغل، وسمع الحديث، وكان عين هذا البيت ورئيسهم في عصره، وعنده خير كثير ومروءة وتؤدة.
توفي بدمشق في هذه السنة، أظنّ في يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر) (٥).
стр. 1197
(ترجمة ابن (١) أبي سعيد مُباع الشريف الصقلّي) (٢)
٤١٦ - عبد الرحمن بن أبي سعيد الفرنجيّ (٣) الأصل الصقِلّي، التونسي.
الطبيب الحاذق، العارف، شيخنا.
كان والده علجًا من علوج الفرنج، ملكه السيد الشريف الصقلّي، الطبيب الكبير، وترجمته مشهورة، وأعتقه، وكان يتولّى الكثير من أعمال اليد في أيام أستاذه، وأخذ عنه أشياء كثيرة في الدربة، وتزوّج بتونس واستولد ولده صاحب الترجمة، ونشأ متدربًّا على أبيه في صناعة الطب من غير غزير علم، لكن غزير دُربة، وعرف العلاج معرفة تامّة، وكان يحفظ أجزاء (٤) الرئيس ابن (٥) سينا، واجتمعت به بتونس وأخذت عنه، وكان محمودًا في علاجه.
توفي في هذه السنة وقد قارب التسعين أو جاوزها.
ولم يخلفه مثله في صناعته ودُربته ومزاولته، وكان خيِّرًا، ديّنًا، حسن السمت والشكالة.
٤١٧ - (عصام الدين (٦).
الشيخ العالم، الفاضل، البارع، الكامل، أبو ( … ) (٧) البخاري، العجمي (٨)، الحنفي، نزيل دمشق.
كان من أهل العلم والفضل، وبه النفع.
توفي ذيل شهر ذي قعدة.
ودُفن بالروضة من صالحية دمشق. وكان له مشهد حافل، رحمه الله تعالى) (٩).
(ترجمة النظام بن مفلح) (١٠)
٤١٨ - عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح (١١) بن محمد بن مفرّج بن عبد الله المقدسي، الدمشقي، الصالحي، الحنبلي.
стр. 1198
الشيخ الإمام، العالم، الفاضل، الكامل، قاضي القضاة، نظام الدين، وهو من نوادر ألقاب عمر ابن (١) الشيخ تقيّ الدين ابن (٢) قاضي القضاة، العلّامة شمس الدين، المعروف بابن مفلح.
ولد بصالحية دمشق سنة ثمانين وسبعمائة تقريبًا.
وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم، وحضر على الحافظ أبي بكر بن المحبّ، وغيره، ثم اشتغل فتفقّه على أبيه وعمّه الشرف ابن مفلح، وجماعة، منهم: الشهاب الفندمي، والشرف الأنطاكي وغيرهما. ولم يزل مجتهدًا حتى مهر وبرع، وتردّد إلى القاهرة غير مرة، وناب في القضاء ببلده عن أبيه. وكان يتكلم على الناس بأحسن عبارة، وأجاد في ذلك، واشتهر، وحجّ غير مرة، ورحل إلى كثير من البلاد ووعظ بها، ثم وُلّي القضاء الأكبر بدمشق، وتكرّرت ولايته لها، وحسُنت سيرته في ذلك. وكان يتناوب هو والعزّ القدسي القضاء، فيُصرف هذا بذاك، وذاك بذا.
وتوفي بعد ذلك وهو غير قاضٍ في أواخر هذه السنة.
وقد جاوز التسعين.
٤١٩ - غريب (٣) - ويُدعى بمحمد أيضًا - لكن غلب هذا عليه صار لا يُدعَى بغيره ولا يُعرف إلّا به.
كان وُلّي أستادّارية السلطان بحلب، وتنقّلت به الأحوال في عدّة إمريّات أيضًا بدمشق، وحلب، وطرابلس.
وكان إنسانًا حسنًا، محمود السيرة.
توفي في الوقعة الأولى من هذه السنة.
стр. 1199
وكان في العسكر الذي خرج إلى سوار مع النوّاب.
٤٢٠ - فارس (١) المؤيَّدي، الخاصكي.
المعروف (بأبي شامة.
كان من قرانصة المؤيَّديّة ومملوكه في أيام إمرته، لكنه لم يصر خاصكيًّا إلّا في دولة الظاهر جقمق.
وكان لا بأس به، مع بعض إسراف على نفسه.
توفي في هذه السنة) (٢).
٤٢١ - (فضائل) (٣) هو محمد بن إسحاق القبطي (٤).
كاتب المماليك المعروف بابن جلّود، وسيأتي في "محمد" من هذه السنة، فإنه بعد إسلامه سُمّي بذلك، على ما سنذكره في مرتبته قريبًا إن شاء الله تعالى.
٤٢٢ - (قانباي) (٥) الأشرفي.
أحد العشرات ورؤوس (٦) النُوَب، المعروف بأَنْي (٧) قانصوه النَوروزي.
وقد تقدّمت ترجمة قانصوه النَوروزي في محلّها.
كان قانِبَاي هذا من مماليك الأشرف بَرسْباي، وصُيّر خاصكيًّا بعده وتأمّر عشرة في دولة الظاهر خُشقدم، ودام إلى سلطنة الأشرف قايتباي، وعيّنه مع من عيّن إلى شاه سوار.
وتوفي قتيلًا في يوم الوقعة في ثماني ذي القعدة.
وكان لا بأس به فيما بلغني عنه.
٤٢٣ - (قانباي) (٨) الحَسَني، المؤيَّدي.
نائب طرابلس.
стр. 1200
كان من مماليك المؤيَّد شيخ، وصُيّر خاصكيّاً بعده في دولة ولده المظفّر أحمد، حين تدبير طَطَر المملكة، واستمر كذلك مدّة مديدة في عدّة دول، لا يُلتفت إليه، ولا يؤبه به، ولا يُعرّج عليه، حتى تسلطن الظاهر جقمق، فأمّره عشرة، ودام على ذلك مدّة سنين، ثم أخرجه إلى أتابكية حماة، فدام بها مدّة حتى تسلطن خُشداشه الظاهر خُشقدم، فاستقدمه إلى القاهرة، وصيّره من الطبلخانات بها، ثم نقله إلى نيابة طرابلس دفعة واحدة على ما تقدّم في محلّه، ودام بها إلى أن كانت حركة سوار، فخرج مع النواب إليه.
وتوفي في الوقعة الأولى قتيلًا في ربيع الأول.
ولم يوقف له على خبر إلى يومنا هذا، ولا عرفت حقيقة حاله ولا كيفيّة موته.
وكان له زيادة على السبعين سنة.
وكان إنسانًا متديّنًا، عارفًا بالرمح وغيره من الأنداب، وعنده عفّة مع بعض طيش وخفّة وسرعة حركة، لا سيما بلسانه.
٤٢٤ - (قانصوه) (١) المحمدي، الأشرفي.
أحد مقدَّمين (٢) الألوف بدمشق، المعروف بخوني، وبالساقي أيضًا.
كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، وممّن صُيّر خاصكيًّا وساقيًا في دولته، ثم امتُحن بعده وسُجن، ثم أطلق ونُفي إلى البلاد الشامية، وبقي بها مدّة، ثم استقدم إلى القاهرة، فأقام بها إلى أن تسلطن المنصور عثمان بن الظاهر، فأمّره عشرة، ودام على ذلك مدّة حتى تسلطن الظاهر خُشقدم بعد خلْع المؤيَّد أحمد.
وكان قانصوه هذا أكبر القائمين بإثارة تلك الفتنة التي خُلع فيها المؤيَّد، توطئةً لسلطنة جانَم خُشداشه ومُصاهِره. وكان الظاهر خُشقَدم يغضّ من قانصوه هذا، وإن كانت تلك الفتنة التي كان أعظم الأسباب فيها قانصوه هذا آلت إلى ملك خُشقدم المذكور، حتى اتّهمه بعد ذلك بممالأة وميله إلى صهره جانَم لما قدم إلى الخانكة، وكان خُشقدم هذا مع عظمة منه وتقدمة لا يظهر له ذلك، حتى أخرجه إلى دمشق من جملة مقدَّمين (٣) الألوف بها. ولما كانت نوبة سوار التي خرج فيها
стр. 1201
النواب قبل كل عسكر توجّه إليه خرج قانصوه هذا مع نائب الشام في جملة العسكر الشامي، فاتفق أنْ تمرّض بحلب، وتمادى به المرض.
حتى توفي به في هذه السنة، وما حرّرتُ شهر وفاته.
وكان له نحو الستين سنة.
وكان إنسانًا حسنًا، خيّرًا، ديّنًا، ذا أدب وحشمة، وسكون تام، وتُؤدة، وحُسن سمت وهيئة، مع العقل التام والشجاعة والإقدام.
وكان بينه وبين الوالد صحبة أكيدة.
٤٢٥ - قراجا (١) الظاهري.
حاجب الحجّاب بمصر، ثم أتابك دمشق المعروف بالخازندار، الأمير زين الدين.
كان (روميّ الجنس وقبرسي. وكذب من قال إنه كان جركسيّ الأصل، فإنه لم يكن كذلك. وكان قراجا هذا) (٢) من مماليك الظاهر جقمق في أيام إمرته، وكان مقرّبًا عنده جدًّا في تلك الأيام. ولما تسلطن صيّره من الخاصكية، ثم الخازندارية، ودام مدّة على ذلك، ثم أمّره عشرة وصيّره خازندارًا كبيرًا، ثم أمّره طبلخاناة، ودام إلى سلطنة ولد أستاذه المنصور عثمان فصيّره من مقدّمين (٣) الألوف. ثم لما تسلطن الأشرف إينال استقرّ به في حجوبية الحجّاب عِوضًا عن خُشقدم لما نُقل إلى إمرة سلاح، ثم قبض عليه الأشرف المذكور وسجنه لا لشيء عُرف منه، وقُرّر في تقدمة جانَم الأشرفي نائب الشام بعد ذلك، ثم أُطلق من السجن وبعث به إلى القدس، ثم وُلّي أتابكية دمشق، ودام بها إلى أن خرج مع النواب في أول نوبات سوار.
وتوفي قتيلًا في يوم الوقعة الأولى.
وله نحو الخمسين سنة أو بلغها إن لم يكن زاد عليها.
وكان إنسانًا حسنًا، خيّرًا، ديّنًا. قرأ الكثير في الفقه، وكان يستحضر الكثير
стр. 1202
من المسائل، مع تواضع زائد وأدب، وحشمة، وتُؤدة، وسكون، وحُسن سمت، وملتقى، وكرم (١) زائد، وسخاء مُفرط حتى تحمّل عليه ديونًا (٢) كثيرة. وكان محبًّا في العلم وأهله.
وهو الذي أنشأ الدار التي بالقرب من الجامع الأزهر التي تُعرف به، وبها الآن ساكن القُطب الخيضري.
٤٢٦ - قَرَاكُز العثماني (٣)، الظاهري.
أحد أعيان الخاصكية والبوّاب، المعروف بحُمار.
كان من مماليك الظاهر جقمق، ممن بعث به ابن (٤) عثمان في آخرين، وصُيِّر خاصكيًّا في دولة أستاذه، ودام على ذلك مدّة حتى تسلطن الظاهر تمربُغا خُشداشه وجنسه، فزاد في إقطاعه وصيّره بوّابًا. ولما تسلطن الأشرف قايتباي عيّنه في التجريدة إلى سوار، فخرج مع الأتابك جانِبَك قُلقسيز.
فاتفق أنْ بَغَتَه أجله في كائنة سوار، توفي بها قتيلًا في يوم الوقعة.
وكان لا بأس به، مع بِشْر وبشاشة.
واسمه مركّب من: "قَرا" وهو الأسود، وكذا اسم للعين الباصرة، فكأنه قبل العين السوداء. ثم جُعلت هذه عَلَمًا على الشخص، على ما عرفتَ ذلك في مثل ذلك.
٤٢٧ - قُطْلُبَاي المحمودي (٥)، الأشرفي، العزيزي.
أحد العشرات ورؤوس (٦) النُوَب.
كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، ولكنّه لم يُجْر عليه عتقه. فلما تسلطن ولده العزيز يوسف بعده ملكه وأعتقه.
هكذا أُخبرتُ، وأُخبرت أيضًا بأنه عتيق الأشرف، لكنّه لم يدرك إخراجه،
стр. 1203
فأخرجه العزيز، وتنقّلت به الأحوال بعد ذلك إلى أن تسلطن الأشرف إينال، فنوّه به وصيّره ساقيًا، ودام على ذلك إلى أن تسلطن الظاهر خُشقدم، فأمّره عشرة بسفارة يلباي الذي تسلطن بعد ذلك.
وكان قَطْلُباي هذا متزوّجًا بابنته، فعُني به عند خُشداشه خُشقدم، ثم عيّنه لقبرس في نوبة بُردُبك البَجْمَقدار على ما تقدّم ذلك. ثم دام على ما هو عليه بعد عَوده من قبرس إلى أن خرج في نوبة سوار مع الأتابك جانِبَك قُلَقسيز، في دولة الأشرف قايتباي هذه على ما تقدّم.
وتوفي بها قتيلًا في يوم الوقعة.
وله من السنّ نحو الخمسين سنة.
وكان حشمًا أدوبًا، ساكنًا، لا بأس به. وكان جركسيّ الجنس، وإن كان اسمه يشبه أسماء التتر.
واسمه مركّب من "قُطْلو" ومعناه: "المبارك"، و"باي ": الأمير، على ما عرفته آنفًا، فكأنه قيل: أمير مبارك، واختُصر إلى ما كتبناه، وجُعل عَلَمًا، مع قَطْع النظر عن معناه.
٤٢٨ - كرتباي الأشرفي (١).
أحد العشرات.
كان من مماليك الأشرف بَرسْباي من أعيانهم، وصار خاصكيًّا بعده، ودام على ذلك إلى سلطنة الظاهر خُشقدم، فأمّره عشرة في أول دولته، ثم قبض عليه مع جماعة من قبض من الأشرفية، وسُجن بثغر الإسكندرية، ثم أُطلق ونُفي إلى البلاد الشامية، ثم صُيّر من جملة الأمراء بطرابلس، ودام بها إلى أن كانت كائنة سوار مع نوَّاب البلاد الشامية.
وكان كرتباي هذا قد خرج فيها في جملة عسكر طرابلس.
وتوفي قتيلًا في (ربيع الأول) (٢) يوم الوقعة الأولى في هذه السنة.
وله زيادة على الستين سنة.
وكان إنسانًا حسنًا، خيّرًا، ديِّنًا، عفيفًا، ذا فروسية وشجاعة، وحُسن سمت وتُؤَدَة.
стр. 1204
واسمه مركّب من: "كرت" وهو: الصدق أو الحق. و"باي" الأمير، فمعناه: الأمير الصدْق، أو الحق، كما في نظائره.
٤٢٩ - مامِش (١) من قصروه الأشرفي.
أحد أمراء طرابلس.
كان من مماليك الأشرف بَرسْباي من الذين بعث بهم إليه هديّة قصروه نائب الشام في عدّة نحو الأربعين أو هم. وصُيّر خاصكيًّا بعد أستاذه، أظنّ في الدولة الإينالية، ولما تسلطن الظاهر خُشقدم أُمّر عشرين بطرابلس بسفارة خُشداشه جانِبَك الظريف، ثم نُقل إلى طبْلخاناة بها أيضًا، عِوضًا عن داود بك بن محمد بن دُلغادر بعد موته، ودام على ذلك بطرابلس، حتى خرج مع العسكر الطرابلسي في نوبة سوار.
وتوفي قتيلًا في يوم الوقعة.
ذُكر أنه خرج فوُجد وبه رمق تحت شجرة، وهو يستغيث: الماء، ولم يوجد له ذلك، ومات كذلك.
وكان قبل تأمّره غير مشهور بالقاهرة، ولا له ذِكر.
واسمه مفرَد معناه: ( .. … ... … ... … ) (٢).
٤٣٠ - مبارَك (٣).
شيخ عربان بني عُقبة.
تقدّم في المتجدّدات خبره وما فعله من أخذه ملاقاة الحاج وقتل جماعة، ثم كيف خرج إليه أُزبك رأس نَوبة النُوَب إذ ذاك، وكيف ظفر به ومعه آخرون (٤) من جماعة من عربان بني عُقبة، وأُحضروا إلى القاهرة، وسُمّر هو وإيّاهم، وطيف بهم القاهرة.
ثم وُسّط وهم في يوم الإثنين تاسع عشر ربيع الأول من هذه السنة. وبيّنّا ذلك بترجمته فلا نعيده.
وكان له يومًا مشهودًا بالقاهرة.
стр. 1205
٤٣١ - محمد بن إسحاق (١) التاج القبطي، القاهري، الأسلمي.
كاتب المماليك. القاضي عَلَم الدين، أبو الفضل، المدعو أولًا بفضائل بن التاج المعروف بابن جلود.
ولد بالقاهرة على دين النصرانية إباية الأقباط بعد الثلاثين وثمانمائة.
ثم تزوّج المحتسب يار علي الخراساني (٢) بأمّه، فاستسلمه وسمّاه "محمدًا"، وربّاه كبيرًا، وكان قبل إسلامه في حال شبوبيّته كاتب العليق للأمير جرِباش الكريمي، المعروف بعاشق. وكان جميل الصورة. ولما أسلم لم يكن له فضيلة غير معرفة قلم الدَيْوَنَة، فتعانى المباشرة، وتنقّلت به الأحوال فيها، ثم حجّ صحبة بَرسْباي البجاسي حين خروجه أميرًا على المحمل، وعاد وقد حسُن إسلامه فيما كان يظهر، واشتهر ورأس، ثم كتب في ديوان المماليك السلطانية إلى أن نقله الظاهر خُشقدم إلى الوظيفة الكبرى، بعد عزل سعد الدين، فباشرها بشهامة وافرة وحُرمة، ونالته السعادة وأثرى، ووجُه وعظُم وضخُم، وبلغ من الحرمة ونفاد الكلمة مبلغًا لم ينله الكثير ممن تقدّمه من كُتّاب المماليك، ودام على ذلك إلى سلطنة الظاهر تمربُغا، فجعل إليه مضافًا لوظيفة التحدّث على جهات خَوَند الكبرى، وهي إذ ذاك الخَوَند خمسمائة أخت كَسْباي، ودام كذلك إلى أن بَغَتَه أجله.
وكان إنسانًا عاقلًا، حشمًا، أدوبًا، وقورًا، ريّسًا، ذا رأي وسياسة، وأدب، وحشمة، وكرم نفس وسخاء، وله حذْق تامّ ومعرفة، وحُمدت سيرته في مباشراته، وباشر عدّة جهات غير ما ذكرناه.
وتوفي في ظُهر يوم الأربعاء سلْخ ذي الحجّة.
وخَلَفَه في الوظيفة ولده الشاب الرئيس كريم الدين عبد الكريم (٣)، ففاق على أبيه مع صِغر سنّه وحداثته، حتى تُعُجّب منه.
وستأتي ترجمته في سنة إحدى وثمانين إن شاء الله تعالى.
стр. 1206
٤٣٢ - محمد بن جُلُبّان (١) ناصر الدين ابن (٢) الأمير سيف الدين نائب الشام الجركسي الأصل، الدمشقي الحنفي.
أحد الأمراء بدمشق.
ووالده جُلُبان (٣) قد مرّت ترجمته.
وُلد ولده هذا بدمشق في أوائل نيابة أبيه عليها أو بعد ذلك بمدّة، ونشأ تحت حجر أبيه في كَنَف العزّ والسعادة، وأُقرئ القرآن وشيئًا في الفقه وعلم الآداب والأنداب، ووُلّي إمرة بدمشق، وخرج في جملة العسكر الشامي لشاه سوار.
وبها توفي قتيلًا في يوم الوقعة الأولى.
وله دون الثلاثين سنة.
وكان عاقلًا، حشمًا، أدوبًا، رئيسًا، ساكنًا، حسن الشكل والشمائل.
٤٣٣ - محمد بن جهان شاه (٤) بن قَرايوسف التركماني.
الماضي ولده في مرتبته.
كان عسرة وأسوأ (٥) حالًا من أبيه وأخيه بير بُضاغ.
وهو الذي كان مع والده لما حاصر بغداد، ثم صالح ولده بير بُضاغ ورحل عنه، ثم ندم على عدم قتله، فأعاد إليه صاحب الترجمة فقتله، وطمع في ولاية بغداد، فلم يمكّنْه والده من ذلك خوفًا من أن يكون منه مثل ما كان من بير بُضاغ، لا سيما وهو فوقه في الشر بأضعاف مضاعفة. ثم لما جاء والده إلى بلاد حسن، وجرى عليه ما جرى مما قدّمناه. وقد عرفتَه.
أُخذ صاحب الترجمة وقُتل في صبيحة قتل والده في أحد الربيعين على ما تقدّم.
٤٣٤ - محمد الواصلي (٦)، التونسي، المغربي، المالكي.
شيخنا، الإمام، العلّامة، أبو عبد الله، أحد. أفراد علماء تونس من الأعيان.
стр. 1207
كان عالمًا بسائر الفنون العلمية، وله في ذلك اليد الطولى وسعة الباع والاطّلاع. وكان أحد مدرّسي تونس وعُدُولها، وبيده تدريس مدرسة ( … ) (١).
وحضرت دروسه كثيرًا، وسمعت عليه الكثير من "صحيح مسلم" ومن تفسير القرآن، والفقه المالكي، والعربية، والمعاني، والبيان، وأصول الدين، والفقه، وغير ذلك.
وكان فصيحًا مفوَّهًا، جيّد التقرير في درسه، كثير الفوائد والإيرادات، وله أنظار دقيقة مع دين وخير، وعفّة وصلاح، وحُسن سمت وتُؤدة.
توفي في هذه السنة فيما بلغني وهو في عشر السبعين من العُمُر، رحمه الله تعالى.
٤٣٥ - مُغُلْباي الأشرفي (٢)، الخاصكي، المعروف بجلبي.
كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، وأظنّه صيّر خاصكيًّا في دولة (الأشرف إينال) (٣)، ودام على ذلك إلى أن خرج في نوبة سوار صحبة الأتابك جانبك قُلَقسيز.
وتوفي قتيلًا في يوم الوقعة.
وكان لا بأس به.
٤٣٦ - مُغُلباي الجقمقي (٤).
أحد العشرات ورؤوس (٥) النُوَب، (الرومي … ) (٦).
كان من مماليك الأمير جقمق نائب الشام. وهو مشهور الترجمة، وتنقّلت به الأحوال بعد موت جقمق المذكور، حتى نزل في ديوان الجند السلطاني، ثم صار خاصكيًّا، ودام كذلك إلى أن تسلطن الظاهر خُشقدم، فأمّره عشرة لمعرفةٍ كانت بينهما، واستمر على ذلك إلى أن خرج في التجريدة لسوار مع الأتابك جانِبَك.
وبها توفي قتيلًا في يوم الوقعة وهو الإثنين سابع ذي القعدة من هذه السنة.
стр. 1208
وكان قصير القامة جدًّا، غير محمود السيرة ولا مشكورها.
٤٣٧ - نانِق المحمدي (١)، الظاهري.
رأس نَوبة النُوَب.
كان من أصاغر مماليك الظاهر جقمق. وكان أنْيًا لخُشقدم من ناصر الدين، بطبقة المقدّم، لما كان آغًا بالطبقة المذكورة، فلما تسلطن قرّبه وأدناه، واختصّ به ورقّاه، فأول ما أمّره عشرة، ثم نقله إلى الأميراخورية الثانية، ثم جعله شادّ الشراب خاناة، بعد أن قرّره في جملة أمراء الطبلخاناة قبل ذلك، ثم جعله من مقدَّمين (٢) الألوف، وسافر أميرًا على الحاج بالمحمل في سنة إحدى وسبعين، على ما تقدّم في محلّه.
ورافقه الوالد في توجّهه إلى الحجّ في هذه السنوات في بعض طريقه، وكان يتفقّده في طريقه لصُحبة كانت بينهما.
ودام نانِق على تقدمته إلى أن تسلطن الأشرف قايتباي خُشداشه، فصيّره رأس نوبة النُوَب، عِوضًا عن خُشكلدي البَيْسقي، بحكم إخراجه إلى القدس بطّالًا، بعد كائنة خيربك، وخلع الظاهر تمربُغا، ثم عُيّن في نوبة شاه سوار الأولى.
وبها توفي قتيلًا في يوم المعركة، ولم يُعلم خبر كيفية قتله، ولا وُجدت رِمّته.
وكان سِنّه نحو السبعين سنة، أو أكملها.
وكان إنسانًا شهمًا، عارفًا حال الكثير من البلاد وطوّفها في حال شبابه قبل شراء الظاهر إيّاه، فرأى الروم والكثير من بلاد العجم وغير ذلك. وكان حسن العشرة في الملتقى، لكنه كان مسرفًا على نفسه مع عصبية.
واسمه جركسيّ الأصل، ومعناه: "ابن أمّ"، وهو مركَّب من لفظين، وأصلها (٣): نان أقّ، وتغلّب علمًا على الشخص.
٤٣٨ - نَورُوز المحمدي (٤)، الأشرفي.
أحد مقدَّمين (٥) الألوف بحلب، المعروف بأبزا، وهو نوع من الجركس وجبل معروف.
стр. 1209
كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، وتنقّلت به الأحوال بعد موته بالبلاد الشامية، تارة بدمشق، وتارة بحلب، وآل به الأمر أن صُيّر من مقدَّمين (١) الألوف بحلب، فيما أظنّ. وخرج في نوبة سوار مع النوّاب.
وبها توفي قتيلًا في يوم الوقعة الأولى.
وكان غير مشكور السيرة، غير أنه كان ساكنًا، هيّنًا، ليّنًا.
واسمه بالفارسية، وهو يوم العيد المعروف بالنَوروز، وجُعل عَلَمًا على الشخص.
٤٣٩ - (يشبُك الظاهري، الخاصكي، المعروف بقمر.
تقدّم ذِكره في الحوادث (٢)، وكيف جاء من أسر شاه سوار، وتضخّم في جَمْع ما فدى (٣) به نفسه من المبلغ الذي ضمنه فيه الأتابك جانِبَك قُلَقسيز، وأنه مات في أثناء ذلك، فلْيُراجَع) (٤).
٤٤٠ - يشبُك القَرْمي (٥)، الظاهري.
أحد العشرات، ووالي القاهرة.
كان من مماليك الظاهر جقمق وخاصكيّته، ومات أستاذه وهو على ذلك. ولما تسلطن ولده المنصور عثمان ولّاه ولاية الشرطة على جنديّته، من غير أن يؤمّره (٦) فيما أظنّ، وبقي بها أيامًا، ثم لما خُلع المنصور وتسلطن الأشرف إينال جرت على يشبُك هذا خطوب ومِحَن، آل به الأمر بعدها أن أُمِّر عشرة في دولة الظاهر خُشقدم، (وخرج إلى غزوة قبرس في أيام خُشقدم، وكان باشا لبعض المراكب ورأسًا في الجماعة، و ( … ... … ) (٧) للقاهرة) (٨)، ودام على ذلك حتى تسلطن خُشداشه الأشرف قايتباي، فعيّنه فى تجريدة سوار.
وبها توفي قتيلًا في يوم الوقعة.
стр. 1210
وكان مسرفًا على نفسه، منهمكاً في لذّاتها.
٤٤١ - يشبُك المؤيَّدي (١).
نائب صفد، المعروف بأوش قلق.
كان من مماليك المؤيَّد شيخ، وصيّر خاصكيًّا بعده، ثم أُخرج إلى البلاد الشامية في دولة الأشرف بَرْسْباي (وغلط من قال إن الأشرف المذكور جعله من مقدَّمين (٢) دمشق، بل أُخرج إليها على شيء هيّن) (٣) وتنقّلت به الأحوال بها في عدّة إمريّات، من جملة ذلك حجوبية دمشق الثانية، ودام عليها مدّة مطوّلة.
ورأيته أنا بدمشق في تلك الأيام وهو على هذه الوظيفة.
ثم تنقّل في عدّة ولايات بعدها بعد توجّهي إلى بلاد المغرب، حتى استقرّ به الظاهر خُشقدم في نيابة صفد، عِوضًا عن خيربك القصرُوي، فلم تحمَد سيرته بها، ولم يحمله أهل صفد حتى صرف عنها، وعاد إلى دمشق على تقدمة ألف بها، ثم عُيّن بعد ذلك لنيابة غزّة، فامتنع من ذلك، وبقي بدمشق حتى خرج لسوار في أول نوباته مع عسكر الشام صحبة النواب، (وعاد إلى دمشق متمرّضًا وبها (٤) توفي في هذه السنة، ولم أحرّر شهر وفاته.
وكان له نحو الثمانين سنة.
وكان ظالمًا، عسوفًا، غير محمود السيرة، بخيلًا، شحيحًا، مسرفًا على نفسه، لم يُشْهَر بشجاعة ولا بفنّ من الفنون.
وهو أخو رُزمك الماضي ذِكره.
٤٤٢ - يشبُك من يلباي (٥) الأشرفي.
أحد العشرات ورؤوس (٦) النُوَب، المعروف بالأشقر.
كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، وكان تاجره يلباي قد أحضر جماعة منهم: تغري بردي خازندار يشبُك الدوادار، الذي هو الآن الأستادّار، لكنّه من الظاهرية.
стр. 1211
وستأتي ترجمته في محلّها.
وصُيّر يشبُك هذا خاصكيًّا في دولة العزيز يوسف، فيما يغلب على ظنّي. ثم لما خُلع العزيز وتسلطن الظاهر جقمق، نفاه إلى البلاد الشامية، وبقي بها مدّة، ثم استُقدم إلى القاهرة وأعيد إلى الخاصكية على إقطاع جيّد في دولة الأشرف إينال. وحج أميرًا على الركب الأول في سنة خروج الشهابي أحمد بن الأشرف المذكور أميرًا على المحمل، وهي سنة إحدى وستين على ما عرفت ذلك في محلّه، ودام على ما هو عليه بعد عَوده من الحج، إلى أن تسلطن المؤيَّد أحمد بعد والده، فأقره عشرة، ثم صيّره من رؤوس (١) النُوَب، ودام كذلك إلى سلطنة الأشرف قايتباي، فعيّنه إلى التجريدة صحبة الأتابك جانبك قُلَقسيز.
فبغته الأجل هناك، فقيل في يوم الوقعة، وقيل قُبض عليه، وضربت عُنقه بين يدي سوار، وهو الأرجح على ما أظنّ.
стр. 1212
الصفحة (١٨٠ أ) وفيها الحواشي من كل جوانبها
стр. 1213
الصفحة (١٩٠ ب) وفيها بداية تراجم وَفَيَات عام ٨٧٣ هـ. وأولهم "إبراهيم بن خليل" أخو المؤلّف
стр. 1214
جُذاذة تحمل الرقم (١٩٥) وهي مُفرَدَة
стр. 1215
الصفحة (٢٠٩ ب) وقد تعرّض بعضها للطمس
стр. 1216
الصفحة (٢٤٦ ب) وقد تعرّض بعض أطرافها وحواشيها للطمس
стр. 1217
الصفحة (٢٤٧ أ) وفيها حواشي وعناوين من كل الجهات
стр. 1218
الصفحة (٢٥١ أ) بحواشيها من كل الأطراف، وبداية تراجم وَفَيَات سنة ٨٧٤ هـ.
стр. 1219
الصفحة (٢٥٥ أ) وقد تعرّضت لخرق في الأصل
стр. 1220
الصفحة الأخيرة من الكتاب المؤرّخة في ٨ ربيع الأول سنة ٨٩٠ هـ
стр. 1221
سنة ثلاثٍ وسبعين وثمانمائة
استهلّت هذه السنة والخليفة فيها هو الذي في التي قبلها.
وأمّا السلطان بها بمصر والشام والحجاز، وما والى ذلك من البلاد والأقطار، فهو السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي المحمودي الظاهري، وقد عرفته بترجمته، وعرفت كيفية سلطنته في التي قبلها، ومن تسلطن في أثنائها قبله، فلا حاجة بنا إلى إعادة ذلك.
وأمّا بقية الملوك والنوّاب والأمراء والقضاة والحكام، وسائر وُلاة الإسلام بسائر الممالك والأطراف شرقًا وغربًا، فعلى ما هم عليه في الخالية.
ما عدا صاحب العراقين وأَذَرْبَيْجان تبريز وما والاها، فإنه في هذه السنة حسن علي بن جِهان شاه. ووهِمَ من قال: "أوعلي حسن"، فإنه ليس إلّا الأول، لأنه اسم عَلَم رُكّب من ذَين الاسمين على هذه الصورة وصار اسمًا واحدًا، ولا مانع من ذلك حتى يُتعجَّب منه، اللهمّ إلّا أنه ما أُلِف بهذه البلاد بخلاف تلك البلاد، فإنهم يستعملون نحو هذا كثيرًا كـ "يار علي" و"بير علي" فإنها أعلام، وكان حسن علي هذا محبوسًا من أبيه ببعض القلاع، ولما قُتل والده على ما عَرفت ذلك فيما تقدّم، أخرج هذا، وتلقّته العساكر، فملّكوه عِوضًا عن أبيه. وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى.
وما عدا سلطان الروم الأدنى قونية ولارنْدَة ونكدة، وما والاها (١) من البلاد من مملكة ابن (٢) قَرَمان، فإن السلطان بها في هذه السنة الأمير شهاب الدين، ويقال: شمس الدين بتلك البلاد أحمد بن إبراهيم الماضي خبره، ومَلَكه عن أخيه إسحاق بعناية ابن (٣) عثمان، ثم وقع بينهما على ما سيأتي ذلك.
وما (عدا) (٤) صاحب تِلِمْسان، فإنه في هذه السنة عثمان صاحب تونس، محمد بن أبي ثابت نائب (٥) عنه فيها، على ما اتفق وإيّاه عليه، وخطب له يدعو
стр. 1222
له، وضُربت السكة باسمه، ثم انتقض ذلك بعد ذلك، أظنّ في أثناء هذه السنة.
وما عدا أتابك العساكر بمصر، فإنه في هذه السنة الأمير جانِبَك الأشرفي قُلَقسيز، وهو في أسر شاه سوار، وما أُخرِجت عنه الوظيفة إلى الآن، بل بعد ذلك كما سيأتي قريبًا وتعرفه.
وأمّا من وُلّي الأتابكية في أثناء الحالية فقد عرفتهم واحدًا بعد واحد، فلا نعيدهم.
وما عدا أمير سلاح، فإنه مات كما تقدّم في كائنة سوار، وشُغرت الوظيفة وهي على ذلك إلى الآن. وسيأتي ما اتفق فيها بعد ذلك.
وما عدا نائب الشام، فإنه في هذه السنة أُزْبَك من طَطَخ، وليها بعد أسر سوار لبُرْدُبَك البَجْمَقْدار، على ما عرفتَ ذلك.
وما عدا نائب حلب، فإنه في هذه السنة بُردُبَك البَجْمَقْدار، بُعث إليها ثانيًا من القدس بعد القبض على يشبُك البجاسي وسجنه على ما تقدّم.
وما عدا نائب طرابلس، فإنه في هذه السنة إينال الأشقر، وُلّيها عن قانِبَاي الحَسَني، على ما عرفتَ ذلك أيضًا فيما تقدّم، وأنه قُرّر في حماة، ثم في أثناء ذلك قبل دخوله إلى حماة وليها.
وما عدا نائب حماة، فإنه في هذه السنة الناصري محمد بن مبارك.
وما عدا نائب غزّة، فإنه في هذه السنة أرغون شاه وُلّيها عن إينال الأشقر.
وما عدا أميراخور كبير، فإنه في هذه السنة جانِبَك من طَطَخ.
وما عدا (الدوادار) (١) … ... (٢).
[شهر المحرّم]
[وفاء النيل]
وفيه في يوم الجمعة، سادس عشره، ووافق ثاني عشر (مِسْرى) (٣) من شهور القبط، كان فتح الخليج بالسدّ عن وفاء النيل المبارك. وندب السلطان لذلك قرقماس الجَلَب الأشرفي أمير مجلس، لنزوله للبحر للكسر، فركب من داره
стр. 1223
وتوجّه إلى مصر، فعدّى الروضة، ثم دخل إلى المقياس وخلّقه على العادة، وعاد راكبًا النيل إلى السدّ وفتح الخليج بحضرته، ثم ركب المركوب المجهّز إليه من الإسطبل السلطاني بالسَّرْج الذهب والكنْبوش الزَّرْكش، وصعِد القلعة، فخلع عليه السلطان، ونزل إلى داره في مشهد حافل.
[وصول ركب الحاجّ]
وفيه، في يوم الخميس، ثاني عشرينه، وصل الركب الأول من الحاج صُحبة أميرهم تَنِبَك الأشقر، وطلع إلى القلعة، وخلع عليه على العادة.
[وصول المحمل]
وفيه، في يوم الجمعة، ثالث عشرينه، وصل المحمل وجميع الحاج، وهم بغير أمير لتوجُّه أميرهم إلى القدس، على ما عرفته.
(قدوم ابن (١) الكُوَيز من بلاد الروم) (٢)
وفيه، في يوم الأربعاء، ثامن عشرينه، قدم إلى القاهرة الأمير زين الدين عبد الرحمن بن الكُويز (٣) من بلاد الروم، وطلع من غده إلى القلعة، وخلع عليه السلطان كامليّة، ورحّب به، وكان الزين هذا قد خرج من مدّة مديدة مختفيًا، وتوجّه في اختفائه إلى بلاد الروم خوفًا من الظاهر خُشقدم، ليبعُد عن ظلمه وشرّه وجوره وعسفه.
وذكر لي بعض أصحابي من الأروام، قال: لما وصل عبد الرحمن هذا إلى بلاد الروم واجتمع بالوزير محمود باشا وزير ابن (٤) عثمان، ذكر له أنه كان وزيرًا لصاحب مصر، وقصد بذلك ضخامة نفسه، حيث إن اسم الوزارة هناك له فخامة، وأراد أن يروج بسبب ذلك عندهم، فأوصله محمود المذكور لابن عثمان، ورحّب به واهتم لأجله. ثم بينا هم في أثناء ذلك، إذ عرفه إنسان، فأخبر بأنه كان ناظر الخاص بمصر، فسُئل: هل كان وزيرًا؟ فقيل: لا. فانحطّ قدره لذلك، كونه تكلّم بما لم يكن على أنه ذكر أن وظيفة نظر الخاص بمصر فوق الوزارة بها، ومع ذلك فلم يرُج بذاك لظهور الكذب، ورتّب له ابن عثمان شيئًا ببُرصا، وأمره بأن يخرج إليها فيقيم بها.
стр. 1224
قال هذا المخبر: ولو تكلّم بالواقع ربّما أنه كان يرأس بالروم، وكان يكون له شأن، فإن السلطان محمد بن عثمان كان قد أقبل عليه جدًا.
وستأتي ترجمة ابن (١) الكُوَيز هذا في محلّها إن شاء الله تعالى من سنة وفاته وهي سنة [سبع وسبعين وثمانمائة] (٢)، وقد عرفتَ الكثير من تنقّلاته وأحواله فيما تقدّم من متجدّدات تاريخنا هذا. ونذكر أيضًا فيما يأتي ما كان له إلى وفاته.
[وصول قاصد حسن الطويل]
وفيه - أعني هذا اليوم أيضًا - وصل إلى القاهرة قاصد حسن بك الطويل بن قرايُلُك صاحب ديار بكر، وعلى يده مكاتبة، ومعه بعض هدية من مرسله، وهو يهنّئ السلطان بجلوسه على تخت المُلك، وأنه من جملة مماليك السلطان وخدمته وتحت أوامره وطاعته ومن المحبّين، ونحو ذلك مما يُتقرّب به إلى الخواطر.
[شهر صفر]
(فشْو الطاعون بالإسكندرية) (٣)
وفيها استهل صفر بالسبت، وهُنّيء به السلطان.
وفيه - أعني هذا الشهر - كان فشاء الطاعون بثغر الإسكندرية وأعمالها، وكان قد ابتدأ (٤) ببلاد المغرب الأقصى في أواخر سنة إحدى وسبعين، ودام إلى سنة اثنتين (٥) وسبعين، ثم اتصل بتونس فيها في أواخرها (٦) أو في هذه، ثم تتابع حتى وصل لهذه البلاد، ومات به بالمغرب خلائق (٧) كثيرة.
ويقال: إنه جاء (من) (٨) جهة بلاد الفرنج إلى الأندلس، ثم منها إلى المغرب، ثم إلى هذه البلاد.
стр. 1225
(نزول السلطان للتنزّه بطُرا والعدوية) (١)
وفيه، في يوم الأحد، ثانيه، ركب السلطان من القلعة، ونزل ومعه جميع أمرائه وخاصكيّته، ولم يكن بثياب الموكب السلطاني، وتوجّه في نزوله إلى طُرا والعدوية، بعد أن تقدّم أمره قبل ذلك، بأن يضرب خانه هناك بالقرب من زاوية الرفاعي، وكان وطاقًا هائلاً على البحر، ونزل به السلطان بمن معه، وتسامع الناس بذلك، فهرعوا إلى تلك الجهة لأجل التنزّه والفُرجة. وكان السلطان لما ركب ونزل عليه سلّاري (٢)، فلما قرُب من الوطاق رمى بالسلّاري الذي كان عليه، وأمر الركبدارية بتنحية عباءة الفَرس المركوب له. ثم أطلق عنانه، وساق سَوقًا عنيفًا كالمغير، وتبِعه على فعله جميع أعيان الأمراء والعسكر الذين معه، ولا زال في مشواره ذلك حتى وصل إلى المعيصرة، ثم عاد إلى المخيّم بالعدوية ونزل به، ثم قُدّم له السماط، فأكل هو والأمراء ومن معه، ودم هناك إلى بعد الزوال، فأُحضر إليه سماط آخر من الحواضر والبوارد كأنواع العجج والأجبان والألبان والمخلّلات والبطّيخ ونحو ذلك، وكان شيئًا وافرًا كثيرًا جدًّا، بحيث فاض على العسكر، فمُدّ هذا السماط وأكل، ثم ركب السلطان عائدًا إلى قلعته، ودخلها قبل أوان العصر، وعِيب عليه ما فعله في سَوقه، وكان ذلك أول فعله لذلك، فلهذا عِيب ذلك عليه، ولو علموا ما يأتي من نحو ذلك وزيادة من أفعاله لما أعابوا عليهَ ذلك، إذ صار دَيدنًا ودأبًا له في كل حين بعد هذا التاريخ، وتقرّر حاله عليه كما أنت على بصارة منه.
[توقّف النيل وارتفاع الأسعار]
وفيه، في يوم الثلاثاء، رابعه، توقف النيل عن الزيادة، ودام على ذلك عدّة أيام حتى حصل للناس من ذلك القلق، وتكالبوا على الغلال، وارتفعت أسعارها زيادة عمّا كانت قد ارتفعت قبل ذلك. ثم كان ما سنذكره.
[ولاية يلباي العلائي نيابة الإسكندرية]
وفيه، في يوم الخميس سادسه، استقرّ السلطان بخُشداشه يلباي العلائي الظاهري، أحد العشرات ورؤوس (٣) النُوَب، في نيابة ثغر الإسكندرية، عِوضًا عن
стр. 1226
قانصوه اليحياوي الذي وُلّي نيابة الشام بعد ذلك، وقد تقدّمت ترجمته.
وكان قانصوه هذا قد استُقدم من الإسكندرية ليلي نيابة طرابلس، عِوضا عن إينال الأشقر لما نُقل منها إلى نيابة حلب، عِوضًا عن بردُبك البَجْمَقْدار لما عُيّن لنيابة الشام، عِوضًا عن أُزبك من طَطَخ، لما طُلب إلى القاهرة على ما قدّمنا، لأجل أن يقرّر في الأتابكية، عِوَضًا عن الأتابك جانِبَك قُلَقسيز، لما أخذ أسِيرًا في نوبة شاه سوار، على ما تقدّم بيان ذلك.
ويَلَباي هذا ستأتي ترجمته في سنة (تسعٍ) (١) وسبعين، فإنه مات فيها على نيابة صفد، كما سيجيء ذلك إن شاء الله تعالى.
[النداء على الفلوس]
وفيه، في يوم السبت ثامنه، نودي على الفلوس كل رطل بأربعة وعشرين نُقرة، وكانت قبل ذلك بستة وثلاثين، وحصل على الناس تشويش بواسطة هذه المناداة لكونهم يخسرون ثلث أموالهم، وللَّه الأمر.
[دفن مغلباي طاز بالقاهرة]
وفيه، في يوم الإثنين عاشره، أُحضرت رِمّة الأمير مُغُلباي طاز المؤيَّدي الأبوبكري، الذي كان من مقدَّمين (٢) الألوف، وتقدّم خبر إخراجه إلى ثغر دمياط، فاتفق أن مات بها، وأُحضرت رِمّته لتُدفن بالقاهرة بتربة له أنشأها بالصحراء.
وستأتي ترجمته في تراجم هذه السنة إن شاء الله تعالى.
[غلاء القمح والمناداة بتسعيره]
وفيه - أعني هذا اليوم - نودي بالقاهرة وظاهرها بأن القمح لا يباع الإردبّ منه بأكثر من أربعمائة درهم، وأن هذا سعره لا يُتجاوز به إلى زيادة على ذلك، وأن الشعير بثلاثمائة، والبقل بمائتين، وما التفت أحد لهذه المناداة، بل
стр. 1227
كانت كطنين جناح الذباب أو صوت الذباب، بل وأصبح في غد هذه المناداة سعر الإردب القمح بسبعمائة، وزادت الأسعار في غير القمح أيضًا بسبب هذه المناداة. ولما تسامع بها غالب من عنده شيء من الغلال أخفى ذلك، فعُدم وجود الشيء، وتكالب الناس على الغلال، فباع من له بل ما زيد مما كان قبل ذلك، فارتفع السعر بهذا المقتضى حتى تمنَّى (١) الكثير من الناس أنّ السلطان ليته لم يُنادِ (٢) على ذلك ولم يسعّر. وكان سبب هذا الارتفاع أيضًا قبل ذلك توقّف البحر عن الزيادة على ما أسلفناه، من رابع صفر إلى عدّة أيام، فتكالب الناس، لا سيما ووافق ذلك آخر مِسرى، فصاروا يقولون: فرغ أيام الزيادة القوية، ولم يزد فيما بقي يزيد شيئًا، ثم كانت هذه المناداة فزادت الأفكار، وحصل زيادة التكالب والقلق، وأضرّت بالناس، لامتناع أصحاب المُغل عن البيع بذلك السعر الذي قرّره السلطان، ثم مَنّ الله تعالى بأنْ زاد البحر بعد ذلك. وكان قد حصل في البحر بعض نقص، فردّ كما سنذكره.
[نزول السلطان للترحيب بأُزبَك من ططخ]
وفيه، في هذه الأيام، احتفل الكثير من الناس والأعيان لملاقاة الأمير أُزبَك من طَطَخ، لقربه من القدوم إلى القاهرة، وخرج بعضٌ إلى لقائه بقَطْيا، وأخرى إلى ما دونها وإلى الخانكة ونزلها هو في يوم الثلاثاء، ثم نزل الريدانية في يوم الأربعاء، أو في آخر نهار الثلاثاء، ونزل إليه السلطان في هذه الليلة خفيةً، من غير أن يَشعُر به أحد، ولا كان ببال أُزبَك أيضًا، واجتمع به في ليلته، وكان قد نزل إليه في دون العشرة أنفُس من خواصّه، وجلس عنده ساعة جيّدة وأنس به، ثم عاد إلى القلعة وقد عيّنه للأتابكيّة (٣)، وقرّر مع ناظر الخاص بأن يطلع بخلعة الأتابكية في خلعته (٤) التي تُحمل إلى القلعة.
(ولاية أُزبك للأتابكية) (٥)
وفيه، في يوم الخميس عشرينه، طلع أُزبَك من طَطَخ إلى القلعة، فاستقرّ به السلطان في يوم هذا في أتابكية العساكر، عِوَضًا عن جانِبَك قُلَقْسيز الأشرفي، بحكم كونه مأسورًا عند شاه سوار على المبلغ الذي تقدّم ذكره وكميّة مقداره، وحين أريد إفاضة الخلعة على أُزبك المذكور أخذ يُظهر الامتناع من قبول
стр. 1228
الأتابكية، ويعتذر بوجود الأتابك جانِبَك صاحب الوظيفة، وكونه في قيد الحياة، ولا يليق به أن يستقرّ في مكانه مع وجوده، وأراد بذلك إرضاء من له غرض عند جانِبَك المذكور، لا سيما وهو من طائفة تعادي طائفة أُزْبَك، وحصل عند السلطان من الباعث بسبب ذلك ما لا عنه مزيد في الباطن، لكونه يُنسب إلى عدم مراعاة جانِبَك، وأن أُزبَك أظهر مراعاته، وخلع عليه بعد هذا الإظهار للامتناع، ونزل إلى داره في موكب حافل ومحفل هائل، وقعد الناس لرؤيته، وكان لظهوره ونزوله يومًا مشهودًا، لا سيما وقد كانوا احتفلوا به قبل ذلك على ما قلناه. ولم يزل على هذه الوظيفة إلى يومنا هذا، وقد قدّمنا ترجمته.
[فتح سدّ على النيل]
وفيه - أعني هذا اليوم - فُتح سدّ جسر أبي المنجّا. وكان البحر في اثني (١) عشر إصبعًا من الذراع التاسع عشر، وكان ذلك نهاية زيادة نيل هذه السنة، وأخذ في النقصان من هذا اليوم، بل ولم يثبت.
ومما وقع من النوادر في زيادة هذه السنة أن كثيرًا من أرباب التقاويم وأهل التنجيم وقُيّاس الطين بالموازين وآخرين، كانوا قد أجمعوا كلّهم على أن النيل في هذه السنة يبلغ العشرين أو يزيد عليها، أو أنه يبلغ عدّة أصابع من العشرين وإن لم يبلغها، وجاء الأمر بخلاف ما زعموا وانتقض ما أبرموا، وأخطأوا مما عليه عوّلوا.
[نظر البيمارستان المنصوري]
وفيه، في يوم الإثنين، رابع عشرينه، خُلِع على الأتابك أُزبَك خلعة النظر على البيمارستان المنصوري على العادة في ذلك، ونزل إليه فحضره في موكب حافل.
(ولاية قانصوه اليحياوي نيابة طرابلس) (٢)
وفيه في يوم الخميس، سابع عشرينه، خُلع على قانصوه اليحياوي باستقراره في نيابة طرابلس، عوضًا عن إينال الأشقر، لما نُقل إلى نيابة حلب، عِوَضًا عن بردُبك البَجْمَقْدار لما نُقل إلى نيابة الشام ثانيًا عِوضًا عن أُزبك الذي وُلّي الأتابكية، عِوضًا عن جانِبَك قُلَقسيز، على ما عرفتَ ذلك آنفًا بحكم أسْر جانِبَك عند سوار وشغور الأتابكية عنه على ما زعموا، فكان في أسره كالمندوحة لإخراج الأتابكية
стр. 1229
عنه، وذلك لكونه عدوًّا للظاهرية على زعمهم، إذ ليس هو من طائفتهم بل من طائفة أعدائهم، على أن إمرة سلاح مات صاحبها قتيلًا وشغُرت حقيقة، فكان يمكن تقرير أُزبَك فيها وانتظار جانبك بالأتابكية، فإنه لما أُطلق وقدم القاهرة قُرّ في إمرة سلاح ما على سيأتي، وهذا عين الغرض والتصرّف له لا بالإنصاف الذي جرت به عادة الملوك في رسومهم وقواعدهم (١).
[وصول رِمّة الخَوَنْد فاطمة بنت الأشرف إينال إلى القاهرة]
وفيه، في يوم السبت، تاسع عشرينه، وصل إلى القاهرة رِمّة الخَوَند فاطمة ابنة الأشرف إينال وأخت المؤيَّد أحمد وزوجة يونس الدوادار، وكانت قد ماتت بالإسكندرية بالطاعون، فجُهّزت وأُخرجت جنازتها إلى مصلّى سبيل المؤمني، ونزل السلطان فحضر الصلاة عليها، وحُملت إلى تربة أبيها بالصحراء فدُفنت بها (٢). وستأتي ترجمتها إن شاء الله تعالى.
[توقف إنفاق الجوامك على أولاد الناس]
وفيه، أعني هذا الشهر، لم ينفق السلطان على أولاد الناس جوامكهم المرتّبة لهم بالديوان، ولا على من له جامكية بالديوان من الفقهاء والمتعمّمين ومُضافي أعيان الدولة، وتوقف السلطان في الإنفاق على الجميع، ولم ينفق سوى على من جرى عليه الرق وعُتق من المماليك فقط، ثم وقف له جماعة من قطع يتظلّمون له من ذلك ويشْكون من قطع أرزاقهم، فوعدهم بأنه إذا تمّت نفقة المماليك فإنه ينفق عليهم، ثم كلّمه الأعيان في ذلك، وخوّفوه عاقبة الدعاء عليه بسبب قطع الرزق، فأجاب بأنه سينفق عليهم في ثاني الشهر الآتي، وصار كلّما كُلّم في ذلك من الأعيان يأخذ في إبداء الأعذار بسبب شاه سوار وغلاء الأسعار، لا سيما والبحر قد نزل سريعًا، وهو دليل على تشريق الكثير من البلاد، وخصوصًا الخزائن لا محصول بها، وأخذ الأعيان في تخفيف ذلك عليه وتهوينه لديه (٣)، وهو مع ذلك لا يرعوي ولا ينظر في قوله ﵇: "اللهمّ من ولي أمرًا من أمور أمتي فرفق بهم فارفق اللهمّ به ومن شدّد عليهم فشدّد اللهمّ عليه"، ولم يرض لنفسه أن يكون ممن دعا له النبي ﵇ بأن يرفق به الله، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه.
стр. 1230
[ولاية أحمد بن عُبادة قضاء الحنابلة بدمشق]
(وفيه، في أواخره، أو أوائل ربيع الأول قُرّر في قضاء الحنابلة بدمشق الشهابي أحمد بن عُبادة، عِوَضاً عن البرهان ابن (١) مفلح، وأعيد العلاء ابن (٢) قاضي عجلون إلى وظيفة القضاء الحنفية بها. ثم في جماد الآخر أعيد ابن مفلح إلى القضاء الحنبلية، وصُرف ابن (٣) عُبَادة ((٤).
[شهر ربيع الأول]
وفيها استهلّ ربيع الأول بالإثنين، وهُنّئ به السلطان في هذا اليوم من القضاة وممن له عادة بالتهنئة.
(ذِكر الغلاء الكائن هذه السنة) (٥)
وكانت الأسعار حين استهلاله مرتفعة جدّاً في الغلال وسائر أصناف المأكولات، فكان القمح بنحو السبعمائة الإردبّ، والشعير بستماية، والفول بأربعمائة، وكان الشعير مع ما فيه من هذا الغلاء (٦) لا يوجد أصلاً، وحصل للناس بسبب ذلك القلق الزائد، وانكشف حال الكثير منهم، وهاجر جمع من القاهرة إلى غيرها من البلاد، وقطع في هذه الغَلوة خبز الخانقاة الشيخونية وطعامها، ودام مدّة على ذلك، وخشت (٧) (الناس فوات) (٨) الزروع، وكثُر استيلاء العربان على