← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

قانصوه اليحياوي الذي وُلّي نيابة الشام بعد ذلك، وقد تقدّمت ترجمته. وكان قانصوه هذا قد استُقدم من الإسكندرية ليلي نيابة طرابلس، عِوضا عن إينال الأشقر لما نُقل منها إلى نيابة حلب، عِوضًا عن بردُبك البَجْمَقْدار لما عُيّن لنيابة الشام، عِوضًا عن أُزبك من طَطَخ، لما طُلب إلى القاهرة على ما قدّمنا، لأجل أن يقرّر في الأتابكية، عِوَضًا عن الأتابك جانِبَك قُلَقسيز، لما أخذ أسِيرًا في نوبة شاه سوار، على ما تقدّم بيان ذلك. ويَلَباي هذا ستأتي ترجمته في سنة (تسعٍ) (١) وسبعين، فإنه مات فيها على نيابة صفد، كما سيجيء ذلك إن شاء الله تعالى. [النداء على الفلوس] وفيه، في يوم السبت ثامنه، نودي على الفلوس كل رطل بأربعة وعشرين نُقرة، وكانت قبل ذلك بستة وثلاثين، وحصل على الناس تشويش بواسطة هذه المناداة لكونهم يخسرون ثلث أموالهم، وللَّه الأمر. [دفن مغلباي طاز بالقاهرة] وفيه، في يوم الإثنين عاشره، أُحضرت رِمّة الأمير مُغُلباي طاز المؤيَّدي الأبوبكري، الذي كان من مقدَّمين (٢) الألوف، وتقدّم خبر إخراجه إلى ثغر دمياط، فاتفق أن مات بها، وأُحضرت رِمّته لتُدفن بالقاهرة بتربة له أنشأها بالصحراء. وستأتي ترجمته في تراجم هذه السنة إن شاء الله تعالى. [غلاء القمح والمناداة بتسعيره] وفيه - أعني هذا اليوم - نودي بالقاهرة وظاهرها بأن القمح لا يباع الإردبّ منه بأكثر من أربعمائة درهم، وأن هذا سعره لا يُتجاوز به إلى زيادة على ذلك، وأن الشعير بثلاثمائة، والبقل بمائتين، وما التفت أحد لهذه المناداة، بل

стр. 1227

كانت كطنين جناح الذباب أو صوت الذباب، بل وأصبح في غد هذه المناداة سعر الإردب القمح بسبعمائة، وزادت الأسعار في غير القمح أيضًا بسبب هذه المناداة. ولما تسامع بها غالب من عنده شيء من الغلال أخفى ذلك، فعُدم وجود الشيء، وتكالب الناس على الغلال، فباع من له بل ما زيد مما كان قبل ذلك، فارتفع السعر بهذا المقتضى حتى تمنَّى (١) الكثير من الناس أنّ السلطان ليته لم يُنادِ (٢) على ذلك ولم يسعّر. وكان سبب هذا الارتفاع أيضًا قبل ذلك توقّف البحر عن الزيادة على ما أسلفناه، من رابع صفر إلى عدّة أيام، فتكالب الناس، لا سيما ووافق ذلك آخر مِسرى، فصاروا يقولون: فرغ أيام الزيادة القوية، ولم يزد فيما بقي يزيد شيئًا، ثم كانت هذه المناداة فزادت الأفكار، وحصل زيادة التكالب والقلق، وأضرّت بالناس، لامتناع أصحاب المُغل عن البيع بذلك السعر الذي قرّره السلطان، ثم مَنّ الله تعالى بأنْ زاد البحر بعد ذلك. وكان قد حصل في البحر بعض نقص، فردّ كما سنذكره. [نزول السلطان للترحيب بأُزبَك من ططخ] وفيه، في هذه الأيام، احتفل الكثير من الناس والأعيان لملاقاة الأمير أُزبَك من طَطَخ، لقربه من القدوم إلى القاهرة، وخرج بعضٌ إلى لقائه بقَطْيا، وأخرى إلى ما دونها وإلى الخانكة ونزلها هو في يوم الثلاثاء، ثم نزل الريدانية في يوم الأربعاء، أو في آخر نهار الثلاثاء، ونزل إليه السلطان في هذه الليلة خفيةً، من غير أن يَشعُر به أحد، ولا كان ببال أُزبَك أيضًا، واجتمع به في ليلته، وكان قد نزل إليه في دون العشرة أنفُس من خواصّه، وجلس عنده ساعة جيّدة وأنس به، ثم عاد إلى القلعة وقد عيّنه للأتابكيّة (٣)، وقرّر مع ناظر الخاص بأن يطلع بخلعة الأتابكية في خلعته (٤) التي تُحمل إلى القلعة. (ولاية أُزبك للأتابكية) (٥) وفيه، في يوم الخميس عشرينه، طلع أُزبَك من طَطَخ إلى القلعة، فاستقرّ به السلطان في يوم هذا في أتابكية العساكر، عِوَضًا عن جانِبَك قُلَقْسيز الأشرفي، بحكم كونه مأسورًا عند شاه سوار على المبلغ الذي تقدّم ذكره وكميّة مقداره، وحين أريد إفاضة الخلعة على أُزبك المذكور أخذ يُظهر الامتناع من قبول

стр. 1228

الأتابكية، ويعتذر بوجود الأتابك جانِبَك صاحب الوظيفة، وكونه في قيد الحياة، ولا يليق به أن يستقرّ في مكانه مع وجوده، وأراد بذلك إرضاء من له غرض عند جانِبَك المذكور، لا سيما وهو من طائفة تعادي طائفة أُزْبَك، وحصل عند السلطان من الباعث بسبب ذلك ما لا عنه مزيد في الباطن، لكونه يُنسب إلى عدم مراعاة جانِبَك، وأن أُزبَك أظهر مراعاته، وخلع عليه بعد هذا الإظهار للامتناع، ونزل إلى داره في موكب حافل ومحفل هائل، وقعد الناس لرؤيته، وكان لظهوره ونزوله يومًا مشهودًا، لا سيما وقد كانوا احتفلوا به قبل ذلك على ما قلناه. ولم يزل على هذه الوظيفة إلى يومنا هذا، وقد قدّمنا ترجمته. [فتح سدّ على النيل] وفيه - أعني هذا اليوم - فُتح سدّ جسر أبي المنجّا. وكان البحر في اثني (١) عشر إصبعًا من الذراع التاسع عشر، وكان ذلك نهاية زيادة نيل هذه السنة، وأخذ في النقصان من هذا اليوم، بل ولم يثبت. ومما وقع من النوادر في زيادة هذه السنة أن كثيرًا من أرباب التقاويم وأهل التنجيم وقُيّاس الطين بالموازين وآخرين، كانوا قد أجمعوا كلّهم على أن النيل في هذه السنة يبلغ العشرين أو يزيد عليها، أو أنه يبلغ عدّة أصابع من العشرين وإن لم يبلغها، وجاء الأمر بخلاف ما زعموا وانتقض ما أبرموا، وأخطأوا مما عليه عوّلوا. [نظر البيمارستان المنصوري] وفيه، في يوم الإثنين، رابع عشرينه، خُلِع على الأتابك أُزبَك خلعة النظر على البيمارستان المنصوري على العادة في ذلك، ونزل إليه فحضره في موكب حافل. (ولاية قانصوه اليحياوي نيابة طرابلس) (٢) وفيه في يوم الخميس، سابع عشرينه، خُلع على قانصوه اليحياوي باستقراره في نيابة طرابلس، عوضًا عن إينال الأشقر، لما نُقل إلى نيابة حلب، عِوَضًا عن بردُبك البَجْمَقْدار لما نُقل إلى نيابة الشام ثانيًا عِوضًا عن أُزبك الذي وُلّي الأتابكية، عِوضًا عن جانِبَك قُلَقسيز، على ما عرفتَ ذلك آنفًا بحكم أسْر جانِبَك عند سوار وشغور الأتابكية عنه على ما زعموا، فكان في أسره كالمندوحة لإخراج الأتابكية

стр. 1229

عنه، وذلك لكونه عدوًّا للظاهرية على زعمهم، إذ ليس هو من طائفتهم بل من طائفة أعدائهم، على أن إمرة سلاح مات صاحبها قتيلًا وشغُرت حقيقة، فكان يمكن تقرير أُزبَك فيها وانتظار جانبك بالأتابكية، فإنه لما أُطلق وقدم القاهرة قُرّ في إمرة سلاح ما على سيأتي، وهذا عين الغرض والتصرّف له لا بالإنصاف الذي جرت به عادة الملوك في رسومهم وقواعدهم (١). [وصول رِمّة الخَوَنْد فاطمة بنت الأشرف إينال إلى القاهرة] وفيه، في يوم السبت، تاسع عشرينه، وصل إلى القاهرة رِمّة الخَوَند فاطمة ابنة الأشرف إينال وأخت المؤيَّد أحمد وزوجة يونس الدوادار، وكانت قد ماتت بالإسكندرية بالطاعون، فجُهّزت وأُخرجت جنازتها إلى مصلّى سبيل المؤمني، ونزل السلطان فحضر الصلاة عليها، وحُملت إلى تربة أبيها بالصحراء فدُفنت بها (٢). وستأتي ترجمتها إن شاء الله تعالى. [توقف إنفاق الجوامك على أولاد الناس] وفيه، أعني هذا الشهر، لم ينفق السلطان على أولاد الناس جوامكهم المرتّبة لهم بالديوان، ولا على من له جامكية بالديوان من الفقهاء والمتعمّمين ومُضافي أعيان الدولة، وتوقف السلطان في الإنفاق على الجميع، ولم ينفق سوى على من جرى عليه الرق وعُتق من المماليك فقط، ثم وقف له جماعة من قطع يتظلّمون له من ذلك ويشْكون من قطع أرزاقهم، فوعدهم بأنه إذا تمّت نفقة المماليك فإنه ينفق عليهم، ثم كلّمه الأعيان في ذلك، وخوّفوه عاقبة الدعاء عليه بسبب قطع الرزق، فأجاب بأنه سينفق عليهم في ثاني الشهر الآتي، وصار كلّما كُلّم في ذلك من الأعيان يأخذ في إبداء الأعذار بسبب شاه سوار وغلاء الأسعار، لا سيما والبحر قد نزل سريعًا، وهو دليل على تشريق الكثير من البلاد، وخصوصًا الخزائن لا محصول بها، وأخذ الأعيان في تخفيف ذلك عليه وتهوينه لديه (٣)، وهو مع ذلك لا يرعوي ولا ينظر في قوله ﵇: "اللهمّ من ولي أمرًا من أمور أمتي فرفق بهم فارفق اللهمّ به ومن شدّد عليهم فشدّد اللهمّ عليه"، ولم يرض لنفسه أن يكون ممن دعا له النبي ﵇ بأن يرفق به الله، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه.

стр. 1230

[ولاية أحمد بن عُبادة قضاء الحنابلة بدمشق] (وفيه، في أواخره، أو أوائل ربيع الأول قُرّر في قضاء الحنابلة بدمشق الشهابي أحمد بن عُبادة، عِوَضاً عن البرهان ابن (١) مفلح، وأعيد العلاء ابن (٢) قاضي عجلون إلى وظيفة القضاء الحنفية بها. ثم في جماد الآخر أعيد ابن مفلح إلى القضاء الحنبلية، وصُرف ابن (٣) عُبَادة ((٤). [شهر ربيع الأول] وفيها استهلّ ربيع الأول بالإثنين، وهُنّئ به السلطان في هذا اليوم من القضاة وممن له عادة بالتهنئة. (ذِكر الغلاء الكائن هذه السنة) (٥) وكانت الأسعار حين استهلاله مرتفعة جدّاً في الغلال وسائر أصناف المأكولات، فكان القمح بنحو السبعمائة الإردبّ، والشعير بستماية، والفول بأربعمائة، وكان الشعير مع ما فيه من هذا الغلاء (٦) لا يوجد أصلاً، وحصل للناس بسبب ذلك القلق الزائد، وانكشف حال الكثير منهم، وهاجر جمع من القاهرة إلى غيرها من البلاد، وقطع في هذه الغَلوة خبز الخانقاة الشيخونية وطعامها، ودام مدّة على ذلك، وخشت (٧) (الناس فوات) (٨) الزروع، وكثُر استيلاء العربان على

стр. 1231

النواحي، لا سيما البحيرة، فكان مجموع هذه الأشياء والمقتضيات، لا سيما بالفِتَن بالبلاد الشمالية، وجود الغلاء، وخصوصاً وقد هبط النيل بسرعة، لا سيما يوم كسر جسر بحر أبي المنجّا، فإنه نقص في ذلك اليوم نقصاً ظاهراً فظيعاً (١) بيّناً، ولم يثبت اليوم الواحد حتى اهتمّ الناس لأجل مَلأ (٢) الصهاريج بالتُرَب والقرافتين والصحراء، ونحو ذلك من الأمكنة، خوفاً من فوات ذلك، ثم أخذ الناس أيضاً في الزراعة، وسدّوا المحاريث بالقليوبية وغيرها من البلاد، وأثاروا الأرض بالحراثة في غير الوقت المعتاد في أواسط توت (٣) قبل دخول بابه (٤) بمدّة أيام، ومع ذلك فليس هو بأوان الزرع، فما ظنّك بما قبله، وحصل للناس بعد ذلك من هذا الغلاء مزيد الأنكاد، بل ومات كثير من الفقراء جوعاً، كل ذلك مع العلم وفشائه، وقطع الأرزاق، والإرجاف بالطعون، حتى كان كما سنذكره. وكان زمناً سيئاً (٥)، وتتابع ذلك ودام مدّة سنين، بل وآثاره باقية إلى الآن (٦). (ورود الخبر بموت الظاهر يلباي) (٧) وفيه، في يوم الأربعاء، ثالثه، ورد الخبر على السلطان من ثغر الإسكندرية بموت الظاهر يلباي بمحبسه من الثغر المذكور بالطاعون، وستأتي ترجمته في تراجم هذه السنة إن شاء اللَّه تعالى. (تعيين أزدمر الطويل تجريدة لسوار) (٨) وفيه، في يوم الخميس، رابعه، أشيع بأن السلطان في قصْد تعيين تجريدة في هذه الأيام، تخرج إلى جهة المملكة الحلبية لقتال شاه سوار، (لما ورد الخبر بأن سوار المذكور نزل بعسكره على قلعة طُرُنْدَة، المسمّاة بين العامّة بدُرُنْدَة، وأنه بقي في حصارها ثم رحل عنها، وزاد الكلام ونقص في سفر السلطان، وكلّمه الأمراء بأن توجّهه بنفسه ليس برأي، لأن سوار أقلّ من أن يسافر إليه السلطان) (٩). ثم أسفر الحال على أن السلطان عيّن أزدمر الطويل الأشرفي، أحد مقدَّمين (١٠) الألوف، بأن يخرج ومعه خمسمائة نفر من الجند السلطاني، ويتوجّه بهم إلى

стр. 1232

حلب، ويتأنّى السلطان وينتظر بعد وصول أزدمر إلى حلب ما يتجدّد من الأخبار، فإمّا أن يعيّن بعد ذلك تجريدة أخرى عظيمة فيردف بها هذه، أو يسير هو بنفسه. ثم كان بعد هذا ما سنذكره (١). [نزول السلطان من القلعة إلى جهة خانقاه سرياقوس] وفيه، في يوم السبت، سادسه، ركب السلطان بغير قماش الموكب، ونزل من القلعة ومعه أمراؤه وخاصّكيّته متوجّهاً إلى جهة خانقاة سرياقوس، ولما وصل في سَيره إلى زاوية كهنبوش القبّة التي في أواخر الصحراء وأوائل الريدانية، وهي معروفة حيث تربة يشبُك الدوادار الآن، غيّر فرسه الذي تحته بالقماش الذهب والزركش، وركب فرساً غيره، ثم أطلق عنانه كيوم خروجه للعدوية، وساق غارة وتارة تنقيلاً على سوار، وأخذ ولا زال على ذلك حتى اجتاز الخانقاه، وبقيت وراءه (٢) بمسافة بعيدة، وكان معه من خفّ من الأمراء والخاصكية، وكانوا جمعاً. وكان مسيره إليها من طريق بركة الجبّ، لا الطريق الوسطى السالكة إليها، وترك السنجق السلطاني والأمراء يسيرون على مهل إلى الخانقاه. ثم لما اجتاز في سَوقه الخانقاه عطف عائداً إليها، ولما قربها ووصل إلى قبّة الأتابك قانَم خارجها من الجهة الشمالية، ترجّل الكثير من أصاغر الأمراء وجميع الخاصكية، شاقّاً شارعها الأعظم مجتازاً بها، حتى خرج منها من الجهة الأخرى قاصداً مخيّمه، وكان قد نصب له أمس هذا اليوم بغربيّ الخانكة بين سرياقوس وبينها من جهة القاهرة، وكان الوطاق قد نُصب على الماء، وحال وصول السلطان إلى المخيّم اتفق وصول الأتابك أُزبَك بجميع الأمراء فنزلوا ومُدّت الأسمطة، وكانت هائلة وشيئاً كثيراً. ولما انتهوا من الأكل توجّه كل أمير إلى خانه، ثم حضروا عند السلطان خدمة العصر. وبات السلطان في ليلة الأحد بمخيّمه ذلك إلى الصبح، وقد دار أمير جان دار طول ليلته حول الخيمة ماشياً، على ما جرت به العادة في أسفار السلاطين. ثم لما أصبح في بُكرة يوم الأحد هذا ركب فسيّر خارج الوطاق، ثم عاد إلى مخيّمه فنزل به، وقد حضر إليه السيد نور الدين علي الكردي القصيري، وبيده يومئذٍ النظر على الخانقاه، وأحضر للسلطان شيئاً من نوع الهدية للأكل، ما بين كثير من الغنم والإوَزّ والدجاج والبطّيخ الصيفي، واللبن والحلوى،

стр. 1233

بل وغير ذلك، وخلع السلطان عليه خلعة سنيّة وعلى () (١) ولد المحبّ ابن (٢) الأشقر وهو بو سعيد. ولم يزل شيخ الشيوخ بالخانقاه المذكورة، وكان قد حضر إلى السلطان هو والسيد المذكور. وأقام السلطان يومه ذلك أيضاً بالخانقاه بمخيّمه والأسمطة والمآكل عمّالة. وكان في صحبة السلطان في هذه النزهة قاصد حسن الطويل، وقاصد ملك الهند، وكان قد قدم القاهرة قبل ذلك، وأمّا قاصد حسن فقد ذكرنا قدومه في محلّه، فرأيا ما أدهش عقولَهما من الترتيب الأنيق، وكثرة الأسمطة والمأكل والعساكر النظيفة اللائقة، والعظَمة الزائدة، والضخامة والأُبَّهة بالنسبة إلى بلادهما، وإن كانت صُوَراً ومباني (٣) لا أرواحاً ومعاني (٤)، إذ ذلك قد ذهب بذهاب أهله. ثم بات السلطان أيضاً في ليلة الإثنين هذه بمخيّمه، ولما أصبح الصبح وأخذ في عوده إلى جهة القاهرة. ولما سار بامأرته أطلق عنان فرسه أيضاً على ما جعله عادة له ودَيدناً، بل كانت أمراؤه بمخيّمهم بعد متركهم (٥)، ودام سائقاً سَوقاً عنيفاً، ولا زال على طلقٍ واحد إلى أن وصل إلى تربة يشبك بقرب قبّة كهنبوش، فنزل بها منتظراً قدوم أمرائه (٦) وعسكره عليه إلى أن وصلوا، ومدّ له يشبُك من مهدي سماطاً أنيقاً مختصراً، فأكل، ثم ركب قاصداً القلعة، ومعه الأمراء، حتى وصل القلعة فصعِد إليها قبل الزوال من هذا اليوم. ثم أخذ الناس في التحدّث في ما مراد السلطان من فعله هذا، فمن قائل إنه أراد التنزّه بنفسه ودولته. ومن قائل إنه أراد بذلك إظهار عظمته عند قاصد حسن وقاصد الهند، والمقصود بالذات إظهار العظمة عند قاصد حسن فقط لِما هو مشهور. ومن قائل: أراد السلطان بذلك أنه حسيسا (٧) قرر يكون في سفره على هذا المهيع، إلى غير ذلك من أقاويل لا طائل تحتها، بل ولا في طلب التعليل لما يفعله هذا السلطان، وباللَّه المستعان (٨). [القبض على الوزير الأهناسي] وفيه، في يوم الثلاثاء، تاسعه، قبض السلطان على الوزير الصاحب شمس الدين الأهناسي، وسُلّم ليشبُك من مهدي الدوادار، فامتحنه يشبُك المذكور

стр. 1234

بالعقوبة، وحُبس أياماً، ثم أُطلق بعد أن صودر على ألفي دينار، حملها للسلطان على يد يشبُك المذكور، وخلّص وتوجّه إلى داره وهو مستشرف للوزارة وعينه فيها، ورُشح لها قاسم شُغَيْتة. ثم كان بعد ذلك ما سنذكره (١). (تفرقة الجامكية على أولاد الناس وما جرى في ذلك) (٢) وفيه، في يوم الخميس، حادي عشره، فُرّقت جامكية أولاد الناس ومن قدّمنا ذِكره ممن كان قد قطع السلطان جوامكهم في الشهر الماضي، على ما عرفتَ ذلك، وجلس السلطان بالدّكة بالحوش، وفُرقت عليهم بحضوره، بعد أن أحضر السلطان عنده ثلاث قُسِيّ بعضها أقوى من بعض وأشدّ، وصار كلّما دُعي باسمٍ لقبض جامكيّته يخرج من الحلقة ويتقدّم لأخذ ماله من الجامكية، فيشير إليه السلطان بالمجيء إليه، فيقرب منه فيناوله فرساً من الثلاثة ويأمره بجذبه، فإنْ جذبه كتبه إلى تجريدة سوار، وإن لم يجذبه ألزمه بحمل مائة دينار رغماً منه أنه يقيم بها بديلاً عنه للتجريدة، هذا إذا كانت جامكية ذلك الإنسان ألفَي درهم نُقرة كجامكية المماليك وإن كانت ألفاً وخمسمائة ألزمه بخمسٍ وسبعين ديناراً، وإن كانت ألفاً واحدة ألزمه بخمسين ديناراً، وإن كانت أقل من ذلك لا يتعرّف له، وأمره بقبض ذلك والإنصراف، ودام على ذلك حتى انتهت التفرقة، وشقّ ذلك على الكثير من هذه الطائفة، وحصل عند الكثير منهم كسْر الخاطر والتشويش (٣) والنكد الذي ما عنه مزيد، فإن فيهم العاجز والفقير، وكثُر الدعاء على السلطان في هذا اليوم بسبب ذلك، وفشا ذلك على الإشهار، وشُنّعت القالة في حقّه، ووقع في ألْسُن الناس، وطلب الكثير من أولاد الناس ترك جامكيّتهم ليَسْلموا من لزوم المائة دينار، ولم يقبل السلطان بذلك ممن أراده، وحصل على الناس في هذا اليوم ما لا خير فيه، والسلطان يدّعي ويزعم أن الذي يفعله غاية الرأي والمصلحة، بل والدين، والمخلّص عند اللَّه تعالى، ولا حول ولا قوّة إلّا باللَّه، كيف وقد قال ﵇: "إنما تُنصرون وتُردزقون بضعفائكم"، فأين من يعمل بهذا، أو أين من يسمعه ويعرفه ليكون منصوراً مرزوقاً (٤)؟

стр. 1235

[قراءة المولد النبوي بالقلعة] وفيه عمل السلطان المولد النبوي بالقلعة على عادة الموالد السلطانية في كل سنة. وكان هذا أول مولد عمله هذا السلطان في سلطنته. (تقدّم برقوق الظاهري) (١) وفيه استقرّ برقوق [الظاهري] الساقي (٢) شادّ الشراب خاناة في جملة مقدّمين (٣) الألوف بالقاهرة على تقدمة بعض الأمراء المقتولين في نَوبة سوار (٤). (تقدُّم قان بردي) (٥) وفيه أيضاً استقرّ في جملة مقدَّمين (٦) الألوف أيضاً قان بردي الإبراهيمي الأشرفي الدوادار الثاني (٧). [تفرقة جامكية أولاد الناس] وفيه، في يوم السبت ثالث عشره، فُرِّقت أيضاً جامكيّة أولاد الناس على الوجه الذي قدّمنا شرحه. وأمّا الفقهاء والمتعمّمون (٨) فلم ينفق فيهم إلى الآن، ثم نفق عليهم بعد ذلك على الحكم الذي شُرح في أولاد الناس، فترك الكثير منهم جامكيّته وخرج عنها، ومنهم من أعطى ما أُلزم به واستمر على ما بيده من الجامكية، ومنهم من أعطى ثم ترك بعد ذلك. وكان لهم رواتبهم في اللحم بعد ذلك ما سنذكره (٩). [عرض الجُند] وفيه نودي من قِبَل السلطان بالعرض لأجل تعيين من شاء من الجُند إلى شاه سوار (١٠).

стр. 1236

(كائنة العلاء ابن الصابوني) (١) وفيه كائنة العلاء ابن (٢) الصابوني أحضره السلطان إلى بين يديه بقاعة الدُهيشة، وأمر به، فضرب ضرباً مبرحاً على رجليه، وأُلزم بحمل مائة ألف دينار، فأذعن لذلك من كثرة ما حصل عليه من الألم من الضرب، وحُمل إلى طبقة الخازندار محتفظاً به كما كان أولاً، وكان قد قبض عليه قبل ذلك (٣). [إعادة المناداة بعرض الجند] وفيه، في يوم الأحد، رابع عشره، نودي بأن العرض في يوم الإثنين، وكان قد أراد السلطان العرض في هذا اليوم، وأشيع ذلك فيما لم يحصل في العرض أعاد المناداة بما قلناه (٤). [تفرقة جامكية أولاد الناس] وفيه- أعني هذا اليوم- تمّت تفرقة جامكية أولاد الناس، وبقي المتعمّمون (٥) من الفقهاء وغيرهم، وكان قد نفق في آخر يوم السبت الماضي على الجرائحية والأطبّاء، ولم يقطع منهم أحداً (٦). [عرض الجند] وفيه، في يوم الإثنين، خامس عشره، كان عرض الجند السلطاني، وعيّن منهم جماعة، وكُتبوا لتجريدة سوار. (ولاية يشبُك الوزارة وما فعل من قطعه مرتبات اللحم) (٧) وفيه، أعني هذا اليوم، استقرّ في الوزارة يشبُك من مهدي مضافاً لِما بيده من الدوادارية، وكشف الوجه القِبلي وغير ذلك، وعُدّ ذلك من النوادر التي لم يُسمع بمثلها، وخلع عليه خلعة هائلة غير خلعة الوزارة المعتادة لهم، بل كانت كخلعة الأتابك الأمير الكبير، ونزل إلى داره في موكب حافل جليل جدّاً، وهرع الناس إليه للسلام عليه، وقد علم كل أحد ما هو الغرض من ولاية يشبُك

стр. 1237

هذا الوزارة، وهو قطع أرزاق الناس وقيام الناموس به في هذه الوظيفة، حتى يتوفر عليهم الكثير من جهاتها أو يسدّوها من غير عجز. ولما نزل يشبُك إلى داره واستقرّ به الجلوس تعب بطلب قاسم شُغيتة الذي كان قد ترشح للوزارة حين القبض على ابن الأهناسي، وما تم له ذلك، فلما حضر عنده خلع عليه شبه ناظر الدولة، أو بنظارة الدولة إن شئت، وإن لم يكن ذلك من السلطان، فإنك على بصيرة من كون يشبُك كان يتصرّف كتصرّفات السلطان، فما هو أعظم من هذا، فما ظنّك بهذا الأمر. ثم أخذ يشبُك هذا في الحال في الكشف عن الرواتب في اللحم، ومن له الزيادة في ذلك على أمثاله من الجند السلطاني، فقطع الزيادات كلها عن آخرها. وأما غيرهم من المتعمّمين، وغيرهم فقطع رواتبهم في اللحم عن آخرها، ثم ما كفاه ذلك حتى ألزم جماعة كثيرة بإعادة ما استأدّوه قبل ذلك، ووكّل بكثير من الناس بسبب ذلك وألزمهم بكثير من الأموال، وحصل من ذلك المال الطائل، وهرب كثير من الذين لهم الراتب اللحم من الذين لا مال لهم ولا جاه، وعوّق مرّتبات الكثير من أولادالناس والخدّام وغيرهم. وكان باسم الوالد عشرة أرطال لحم في اليوم نستعين بها على الحال في غيبة الوالد، وستر الله تعالى، بأن كان القابض لها بعض جُلبان الظاهر خُشقدم، وكان يحضر بها إلى زوجة الوالد الست المصونة أمّ الهدى ابنة الشمس الحنفي. وكان هذا الجَلَب قد تمرّض في هذه الأيام ثم توفي، فسكتوا عنّا بقبض ذلك لها، وإلّا ما كلان حصل علينا الخير، بل كان يحصل لنا من العَوَز مثل ما حصل لكثير من الناس ممن هو أجلّ مقاماً لذلك، ولكنْ سلّم اللَّه وقدّر عاقبة الأمور. وظهر لبعض الناس من الرواتب فوق الستين رطلاً من اللحم في اليوم، وأكثر من ذلك وأقلّ، لا أصل لذلك، بل كان فعله متشهّداً الوزراء مع من يعتنون به، وبهذا المقتضى تسلّط عليهم يشبُك، ويدّعي بأن هذا لا عن أمر السلطان، وأنه أخذ من بيت المال بغير مستند فليُعد إليه، وكان ذلك ذريعة لأخذ الصالح بالطالح والحق بالباطل، ولأخذ الناس بعضهم ببعض بغير تأمّل، إذ هو المقصد الأعظم للظَلَمة، لأنهم يأخذون بغير سبب ولا حجّة ولا مندوحة، فما ظنّك بما فيه أدنى حجّة، وأجروا ذلك كله على منهج واحد ولم يفرّقوا، بل وصار العاذل عاذراً، وطُلبت المستندات من ذوي المرتّبات، فاحتاج الكثير منهم أن اضطرّوا إلى السُكات عن مرتّباتهم، وحصل من ذلك للكثير من الناس والمستحقّين غاية الضرر والنكد، وإن كان قد فعل مع البعض

стр. 1238

ما يستحقّه لأخذ ما لا يستحقه، وتوفّر من ذلك جملة أنهضت الوزير لحمل ما هو بصدده (١). [خروج الأتابك أُزبك لمواجهة عربان البحيرة] وفيه- أعني هذا اليوم- خرج الأتابك أُزبك مسافراً إلى جهة البحيرة لردّ العربان عنها وعمل مصالحها. وكانت العربان قد عاثت بها وآل أمرها إلى الخراب والفساد (٢). (ولاية سُودُون القَصرُوي رأس نوبة النُوَب) (٣) وفيه أيضاً استقرّ سودون القصرُوي أحد مقدَّمين (٤) الألوف رأس نوبة النُوَب عِوضاً عن نانَق، بحكم وفاته قتيلاً في واقعة شاه سوار على ما تقدّم، وكانت الوظيفة شاغرة هذه المدّة (٥). (ولاية تنبك قرا الدوادارية الثانية) (٦) وفيه أيضاً استقرّ تَنِبَك قَرَا الأشرفي، الماضية ترجمته، في الدوادارية الثانية، عِوَضاً عن قان بردي بحكم تقدّمه على ما عرفت ذلك، وباشر تنبك هذا هذه الوظيفة مباشرة حسنة، وحصل به النفع العام لكثير من الناس بواسطة حسن سفارته، ودام عليها مدّة كما قدّمناه، إلى أن انتقل إلى تقدمة ألف على ما مرّ، وعلى ما سيأتي في محلّه بعد الثمانين إن شاء اللَّه تعالى (٧). (ولاية قانصوه الخسيف لشادّيّة الشراب خاناه) (٨) وفيه استقرّ أيضاً قانصوه الأحمدي الأشرفي، المعروف بالخسيف المحتسب، في شادّية الشراب خاناه، عِوَضاً عن برقوق الذي صُيّر من جملة مقدَّمين (٩) الألوف على ما عرفتَ ذلك (١٠).

стр. 1239

[ولاية جان باي الحسن معلّمية الدّلالين] وفيه استقرّ جان باي الخشن (١) الأشرفي في معلّمية الدّلّالين، التي يقال لها تاجر المماليك، عِوضاً عن تَنِبَك قَرَا (٢). وجانِ باي الخشن هذا موجود إلى يومنا هذا، فلْنُترجمه. (ترجمة جان باي الخشن) (٣) هو الآن أحد الأمراء بطرابلس، وهو من مماليك الأشرف إينال. وكان من الخاصكية في دولته، وأخرج بعد موت أستاذه منفيّاً مع من نُفي من الإينالية إلى البلاد الشمالية، ودام بها بطّالاً إلى سلطنة الأشرف قايتباي، فصيّره من العشرات بمصر، وكان قدمها بعد موت الظاهر خُشقدم، ثم صيّره من رؤوس (٤) النُوَب، ثم ولّاه هذه الوظيفة في هذا اليوم، وتوجّه أميراً بالركب الأول غير ما مرة، ثم غضب عليه السلطان فأخرجه منفيّاً إلى طرابلس بطّالاً، ثم أُمِّر بها، وهو باقٍ على ما بيده من الإمرة. وهو إنسان سيّئ السيرة، غليظ الطبع، قليل الوضع، كثير الحركة، حتى قيل له: "المجنون"، وهو الذي جرى له مع أستاذه الكائنة التي تقدّمت في محلّها لما صيّر السلطان إينال دولات باي الجمالي رأس نوبة الجمدارية، وصُيّر قانباي الأشرفي نائبه. وكان جانباي هذا رشح نفسه لها وما أجابه السلطان فحنق حنقاً زائداً وصاح في الحرس بين يدي السلطان في الملأ (٥) العام من الناس وغوّش، وصدر منه أفعال (٦) لا تصدر عن المجانين على ما عرفتَ ذلك هناك، وهذا هو ذلك الإنسان فإنّنا لم نسمّه هناك. وهو ممن جاوز الأربعين سنة. [إقامة مثقال السودوني بالحرم النبوي] وفيه استقرّ مثقال السُودُوني (٧)، الظاهري، الحبشي، الساقي، شيخ الخدّام

стр. 1240

بالحرم الشريف النبوي- على ساكنه أفضل الصلاة والسلام- وكانت ولاية مثقال هذا لهذه الوظيفة على كُرهٍ كبير منه وسخط (١). [عرض السلطان للأمراء العشرات] وفيه، في يوم الثلاثاء، سادس عشره، عرض السلطان أيضاً، وكان تمام العرض في هذا اليوم، وعيّن جماعة كبيرة فيه من الأمراء العشرات (٢). وسنذكر أسماءهم فيما بعد إن شاء الله تعالى. [النداء بالنفقة للمعيّنين بالسفر] وفيه نودي من قِبل السلطان بأن النفقة في المعيّنين للسفر تكون في يوم الخميس، وأن السفر يكون في يوم الإثنين ثاني عشرين هذا الشهر (٣). [الإذن للعلائي الصابوني بالنزول لعمل مصالحه] وفيه- أعني هذا الشهر- أُذِن للعلائي الصابوني بالنزول، وهو موكَّل به، في عمل مصالح ما أُلزم به من المال، وأمره غير ناتج في ذلك، لكونه أُلزِم بما لا قدرة له عليه. [الخلعة على سودون القَصرُوي] وفيه، في يوم الخميس، ثامن عشره، خُلع على سُودُون القصرُوي خلعة الأنظار المتعلّقة بوظيفته، على جاري عادتهم في ذلك، ونزل إلى الخانقاة الشيخونية، وقد حضر شيخنا العلّامة الكافِيَجي غدوة النهار إلى الخانقاة، حتى جاءها سُودُون المذكور، وصلّى بها ركعتين، ثم قرأ (٤) شيئاً من القرآن بين يدي شيخنا ويديه، وأهدى ثوابه إلى الواقف وللناظر فيها بإحسان، ودعا (٥) له وانصرف إلى الصرغتمشية، بعد أن وعد جماعة المكان بالنظر في مصالحهم. [نزول تنبك قرا إلى وظيفته بمدرسة السلطان حسن] وفيه أيضاً خُلع على تنبك قرا الدوادار الثاني خلعة الأنظار المتعلّقة بوظيفته أيضاً، ونزل إلى مدرسة السلطان حسن وغيرها.

стр. 1241

[وصول قاصد الأمير باكير الكردي] وفيه، في يوم الجمعة، تاسع عشره، وصل قاصد الأمير أبي بكر بن صالح الذي يقال له باكير الكردي حاجب الحجّاب بحلب، وعلى يده مكاتبة مُرسِله، تتضمّن أشياء كثيرة، يعرّف بها السلطان، منها أن ملك الروم محمد بن عثمان غضب على وزيره الذي يقال له محمود باشا، وقبض عليه لسوء تدبيره في إثارته عليه، وتهوينه له مسيره على أحمد بن قَرَمان، حتى حصل له النكاية في عسكره من عسكر ابن (١) قَرَمان من كسرة لعسكره ونهبهم، وقتل الكثير منهم حين عاد ابن (٢) عثمان لبلاده، وتبعه ابن (٣) قرمان المذكور، وقتل من عساكره نحو الثمانية آلاف على ما في هذه المكاتبة، وأخذه نحو السبعمائة أدَبَة، وهي العجل التي تحمل الأثقال وغيرها، وهذا خبر لم نعلم صحّته من كذِبه. ثم ظهر كذِبُ أكثره. ويتضمّن ثلث المكاتبة أيضاً بأن حسن الطويل صاحب دياربكر قد انهزم، وانكسرت عساكره لما قصده حسن علي بن جهان شاه صاحب العراقين بعساكره. وذكر في هذه المكاتبة أيضاً بأن شاه سوار بن دُلغادر منازل قلعة دُرُنْدة وهو يحاصرها، وأنه ما نال منها الغرض ولا حصل على طائل، إلى غير ذلك من نحو هذه الأخبار (٤). [تفريق النفقة على الجند] وفيه، في يوم السبت، عشرينه، فُرّقت النفقة على الجند المعيّن لشاه سوار، وكان القرار أنها تفرَّق في يوم الخميس، ثم عدل السلطان إلى تفرقتها في هذا اليوم. وقيل إنها أُخّرت لكونها لم تصر قبل ذلك، فيقال لأنها كانت من الهواء لا من الحاصل، وفُرّقت على كل نفر مائة دينار، ثم وعدهم بإعطاء جامكية أربعة شهور فيما بعد هذا اليوم وقبل خروجهم، وكان لذلك على ما سيأتي ذكره (٥). [النداء بكتابة مرتّبات اللحم] وفيه نودي من قِبَل يشبُك من مهدي الدوادار والوزير بأن له من مرتّب لحم من أيتام يكتبوا قصصاً بمرتّباتهم، ويحضروا بها إليهم، ليُمضي ذلك ويكتبه، ويُعطَون ما لهم، فكتبوا ذلك وحضروا إليه فأمضاه، وكان فِعل خير في الجملة.

стр. 1242

[النداء بسعر بيع القمح] وفيه نودي أيضاً من قِبل يشبُك الدوادار أيضاً بأن القمح بأربعمائة الإردبّ، وأنه لا يباع بأكثر من ذلك، وما تمّ له ذلك. وكان لغرضٍ ما، لكون ابن (١) عمر أمير عربان هوّارة بالوجه القِبلي كان قد بعث بمُغَلّه ليُباع بساحل مصر، فأراد يشبُك معاكسته ليباع بأبخس ثمن، وحصل بسبب هذه المناداة في هذا اليوم الضرر البالغ على كثير من الناس، ونهبت العوامّ بعض غلاله بالحوانيت بباب الشعرية، وعاد سعر القمح إلى نحو التسعمائة الإردبّ، وحصل من ذلك ما لا خير فيه، وفقد الناس القمح بسبب هذه المناداة، فباع بعض ممن له جاه ويد بما شاء وأراد من الأسعار. [كفالة قانصوه اليحياوي طرابلس] وفيه، في يوم الإثنين، ثاني عشرينه، خرج قانصوه اليحياوي إلى محلّ كفالته من طرابلس، وطلّب واجتاز بطُلبه بالرُميلة بعد أن عمل السلطان الموكب بالقصر، وجلس بالشبّاك الكبير المطلّ على الرملة ليرى طُلبه، وكان في تجمّل زائد. [إمرة الحاج] وفيه خلع على يشبُك جن الإسحاقي الأميراخور الثاني باستقراره في إمرة الحاج بالمحمل (٢). [ورود خبر يناقض ما نقله باكير الكردي إلى السلطان] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثالث عشرينه، ورد الخبر على السلطان بنقيض ما كان ورد على يد قاصد باكير حاجب الحجّاب بحلب، من أن حسن الطويل هُزم من عساكر حسن علي بن جهان شاه، وأن حسن علي كسره، فورد الآن الخبر بعكس ذلك، وهو الأصح بأن عساكر حسن الطويل كسرت عساكر حسن علي، وأن حسن الطويل المذكور استولى على ممالك العراقين، ثم اختُلف في كيفية ذلك على وجوهٍ لم نحرّرها. وسنذكر ذلك في ترجمة حسن علي إن شاء اللَّه تعالى. [إمرة الركب الأول بالحج] وفيه، في يوم الخميس خامس عشره استقر يشبُك الجمالي في إمرة الحاج بالركب الأول (٣).

стр. 1243

(صورة كتاب شاه سوار لبعض الرعايا) (١) وفيه، في هذه الأيام، وردت على السلطان مكاتبة من بعض خواصّه بالبلاد الحلبية، وفي طيّها كتاب من شاه سوار بن دُلغادر لبعض الرعايا بالبلاد الشامية، فظفر به هذا المرسل وبعثه إلى السلطان ليقف عليه، ويعلم منه أحوال شاه سوار هذا، وما هو فيه من العظمة الزائدة، وأراد هذا المرسل بذلك إظهار خدمته للسلطان، فكان صورة ما في هذا الكتاب ما كتب في رأسه من لفظه هو بمفردها إشارة إلى اللَّه تعالى، ثم تحتها بيسير مكتوب: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، وهو في مكان ما يُكتب في هذه البلاد الملكي الفلاني، ثم تحت ذلك مكتوب العلامة في بيت العلامة بقلم الثُلُث، وصفتها المظفّر شاه سوار، وقد رُمّلت هذه العلامة بالرمل المذهب الذي يستعملونه في تلك البلاد الرومية والعجمية أيضاً، ثم كُتب تحت هذه العلامة ما يُقرأ نصّه: "السبب الباعث لتسطير هذا الكتاب، والمعنى الموجب لتحرير هذا الخطاب أن المقرّ الكريم، العالي، المولوي، الأميري، الكثيري، الزيني، المظفّر، أعزّ الله أنصاره، وضاعف اقتداره، إشعار إلى الأمن والأمان بالدليل والبرهان بين التجار والقوافل وأبناء السبيل وغيرها من أرباب البيع والشراء (٢) والفلّاحين والحرّاس، والصادرين والواردين والمتردّدين بالمملكة الشامية والحلبية والطرابلسية وغيرها من الغرباء وأهل البلاد بالحضور التام ما بين الناس والأنام، إلى المملكة الدُلغادرية، فمن حضر فيها يكونون آمنين على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ودوابّهم من غير معارض ولا ممانع ولا مزاحم، واللَّه يحرسه بالملائكة المقرّبين والأنبياء والمرسلين، بحق صَحبه وآله أجمعين، واللَّه على ما نقول خبير، وما لنا من دون [هـ] من وليّ ولا نصير، إن شاء اللَّه تعالى. كُتب في مستهلّ أول ربيعين من سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة، والحمد للَّه وكفى، وصلّى اللَّه على محمد المصطفى". ثم كتب على هامش هذا المكتوب في آخره: بمقام مدينة الأَبُلُسْتَين. وكان شاه سوار هذا كتب به هذا أماناً مطلقاً، وبعث به لبعض ليوقف عليه التجار وغيرهم من السفّارة، ليكون أماناً لهم بالدخول إلى بلد من هذه البلاد التي سمّاها في كتابه ذلك.

стр. 1244

ولما رأى السلطان هذا الكتاب وقُرئ عليه بألفاظه ومعانيه حصل عنده التأثر بسبب ذلك (١). [حمل النفقات إلى الأمراء المعيَّنين لشاه سوار] وفيه، في هذه الأيام حُملت النفقات إلى الأمراء المعيَّنين إلى شاه سوار، وهم: أزدمر الإبراهيمي الطويل أحمد مقدّمين (٢) الألوف، وهو الباش على هذه التجريدة، وليس فيها من هو مقدّم ألف سواه، فحمل له ستة آلاف دينار، بزيادة على العادة الجارية في نفقة مثله الضعفين، وقجماس الظاهري الطويل أحد الأمراء الطبلخانات، وحمل إليه خمسمائة دينار، وليس في التجريدة من الطبلخاناة غيره. وستأتي ترجمته، فإنه مات قتيلاً وما عاد إلى القاهرة. ومن العشرات زيادة على عدّة أمراء، فحمل لكلّ منهم مائتي دينار، ثم أعطى للمجرَّدين من الجند بعد النفقة جامكية أربعة (٣) شهور بحكم التبجيل، وكانوا خمسمائة نفر، فكان المصروف على هذه التجريدة نحو المائة ألف دينار (٤). (خروج ربيع الأول وما كان فيه) (٥) وخرج هذا الشهر وأكثر الناس في الضرر والنكد والتشويش، لا سيما من جهة ما قد فرضه السلطان على الناس ممن تقدّم ذكرهم، حتى تبقى جوامكهم معهم، ومن جهة قطع الرواتب من اللحم عنهم، ومن جهة أخذ ما تناولوه ماضياً، والاستعادة به عليهم في هذه الأيام، ومن جهة خروجهم إلى جهة حلب لقتال شاه سوار، وهم عارفون بالذي عليه يقدمون (٦)، وما جرى قبل ذلك، فكأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون، ومن جهة القلق بسبب غلوّ الأسعار، لا سيما أصحاب العيال والأولاد، وخصوصاً الفقراء منهم وذوو (٧) الفاقة، وقد قلق الأغنياء ذوو (٨) اليسار، فما ظنّك بهؤلاء؟! ومن جهة الخوف من المصادرات لا سيما الأعيان، وذوي الأثقال، لا سيما وهم يرون ما يحلّ بغيرهم، فكلّ يتوقع ما وقع لغيره، وخصوصاً من له مداخلة بالسلطان من أرباب الدولة ومباشريها، ومن جهة توثق

стр. 1245

غالب البلاد من الرزق والأقاطيع وخراب بلاد المقطَعين وغيرهم، بسبب جور العربان وعدم من يقمعهم ويردعهم ويردّهم عن الرعايا. وبالجملة، فكانت أحوال غالب الناس، بل لعلّ الجميع غير مسدّدة ولا مؤيَّدة، والأمور بيد اللَّه يفعل ما يشاء ويختار، ولا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه، وهذا كلّه مع الإرجاف بمجيء الطاعون، لا سيما وهو فاشٍ ببلاد الإسكندرية، ومات به الخلق الكثير منها ومن أحوالها وما دونها أيضاً، وكانت هذه الأيام من أصعبها على الأنام، والناس عمّالون في ذكرهم الانقسام [الذي] بذله الأشرف قايتباي هذا (١). [شهر ربيع الثاني] وفيها استهلّ ربيع الثاني بالأربعاء، وطلع القضاة يهنّؤون (٢) السلطان بالشهر هم ومن له عادة بتهنئته. (ماجريّة نجم الدين القرمي) (٣) وفيه، في يوم السبت، رابعه، كانت ماجريّة شيخنا العلّامة الشيخ نجم الدين إسحاق بن إسماعيل بن إبراهيم القَرْمي الإمامي الحنفي، شيخ المدرسة القانِبَائية بسُويقة عبد المنعم وقاضي العسكر، وهي ماجرية مع جانِبَك من طَطَخ الأميراخور الكبير، وكان من خبر هذه الماجريّة أن المدرسة القانبائية المذكورة كان شيخنا المذكور يسكن بها، وهي من المدارس التي تقام بها الجمعة مع صِغرها جدّاً، فكانت تضيق الناس في وقت الصلاة، ولم تزل على ذلك، ولما يكون يوم الجمعة تفتح القبّة التي أعدّها الواقف مدفناً لنفسه يُدفن بها، ليتفسّح الناس من المصلِّين بها، ويتّسع المكان بها بعض اتساع، بواسطة الصلاة بالقبّة المذكورة، والضيق مع ذلك موجود، وبهذه القبّة صندوق خشب كبير سُجّي بثوب خليفتي، أحدثه بالقبّة المذكورة بعض النسوة من جهة الواقف، أظنّ زوجته، وذلك بعد موت الواقف، وأخذ هذا الصندوق من القبّة مقدار ما يجلس به أربعة نفر أو فوق ذلك، وليس هو من وضع الواقف بالمكان، بل وليس الواقف أيضاً ممن دُفن بالقبّة المذكورة، بل يقال إن بفسقية هذه القبّة جلدة رأسه فقط، فإنه قُتل بدمشق، وأُحضرت هذه الرأس إلى القاهرة، وذفنت بهذه القبّة، فاتفق أن استفتى شيخنا المذكور جماعة من

стр. 1246

العلماء، مثل شيخنا الكافِيَجي، والأمين الأقصرائي، والسراج العبّادي، والشمس الجوجري، والبدر السعدي الحنبلي، وآخرين من المالكية وغيرهم من أهل المذاهب الأربعة في أمر إزالة ذلك الصندوق الموضوع بالقبّة المضيّق للمكان على المصلّين، وأنه موضوع بغير شرط الواقف، فأفتى (١) الكلّ بإزالته، فأزاله ونحّاه عن موضعه، وفُرش في موضعه لمن يصلّي بالقبّة، واتسعت القبّة على المصلّين في الجملة بالنسبة لما كانت، فبلغ بُغضٌ ممن بغض من شيخنا المذكور ذلك بجانبك، وذكروا له [أنه] أزال صندوق قبر الواقف، وأنه ليس بناظر، وأنك أنت الناظر، ولم يراجعك في ذلك، ولم يعد في هذا المبلغ حقيقة الحال، بل أملاه عليّ الشيخ نجم الدين المذكور، وأنه لا التفات له إلى الناظر ولا إلى غيره، ونحو ذلك من التُّرَّهات، فبعث جانِبَك المذكور إلى شيخنا نجم الدين المذكور فطلبه، وهو لا متعوّز عنده بما كان، ولا علم عنده مما وقع، فركب بغلته وتوجّه إليه، وكان بباب السلسلة، فساعة وقوع أمره عليه نهره ولم ينصفه في السلام، ولا قام له على عادته معه، بل تحرّك له بأدنى حركة، ثم أخذ في حطّه عليه لأجل إزالة الصندوق، فأجابه الشيخ بالحقيقة في ذلك، وبيّن له الحال فيه، وأنه لا غرض له في إزالة ذلك غير اتساع المكان على المصلّين، فلم يلتفت إلى كلامه بل قال: أعِده كما كان على ما كان. فقال له الشيخ: لا حبّاً ولا كرامة، أنا قد أزلت منكراً وأنت الناظر، فإن أعدتَه أنت فعليك إثمه، فحنق منه وتكلّم بكلمات فيها الجفا بالشيخ، فنهض الشيخ من مجلسه قائماً، وتوجّه إلى حال سبيله. فأمر جانِبَك بالتوكيل بولد الشيخ الأكبر حتى يعاد الصندوق كما كان، فأخذ الشيخ الفتاوى وأعطاها لولده الموكَّل به، وأمره بأن يعود إليه فيوقفها عليها، فحين أحضرها إليه لم يلتفت إليها ولا نظر فيها، فخاشَنه ولد الشيخ في الكلام، فغضب منه وأمر به فضُرب بين يديه عصيّات ظلماً وعدواناً، ثم أمره بالتوجّه لأبيه، وحُلّ عند من التوكيل به، وبعث هو نجاراً، فأعاد الصندوق إلى ما كان عليه أولاً، لا جزاه اللَّه خيراً، فإنه فعل ما لا يجوز. ثم أعلمني شيخنا المذكور بأنه يُغضي منه من مدّة مديدة لأسباب ذكرها لي الشيخ، ثم جرى بعد ذلك بينه وبين الشيخ أمور، وقام عليه من فيها، وآل الأمر فيها إلى نصرة الشيخ ومساعدة الأعيان له، مثل شيخنا العلّامة الكافِيَجي، والشيخ أمين الدين الأُقصُرائي، وبلغ الأمر أن أُعلِم السلطان، حتى كفّ جانبك المذكور عن الشيخ نجم الدين المذكور بعض كَفّ، وباللَّه المستعان على أهل هذا الزمان.

стр. 1247

(خروج أزدمر ومن معه للتجريدة) (١) وفيه، في يوم الإثنين سادسه، خرج أزدمر الإبراهيمي المعيّن إلى شاه سوار، ومن عُيّن معه من الأمراء والجُند المجرَّدين، ونزل من يومه بالخانقاه دفعة واحدة من القاهرة، ولم ينزل بالريدانية كما جرت به العادة القديمة، ثم استقلّ بالمسير من الخانقاه هو والعسكر في ليلة الجمعة عاشره، ووافق ذلك أول هاتور من شهور القبط. وكان سفر هذه التجريدة في أوائل الشتاء والبرد (٢). (أول ظهور الطاعون بالبلاد الشامية) (٣) وفيه، في هذه الأيام ترادفت الأخبار من جهة الإسكندرية بأن الطاعون مستمرّ بها، وأنه قد مات به معظم أهلها، فتزايد حزن الناس ونكدهم عمّا كان، مع ما هم فيه من الغلاء الزائد وترادف الهموم. ثم وردت الأخبار أيضاً من البلاد الشامية بغاية غلوّ الأسعار بها أيضاً بل والبلاد الرومية وغيرها، وكثُر الإرجاف بمجيء الطاعون، ولهج الناس بذلك، حتى كان منه ما سنذكره (٤). [وصلول الأتابك أُزبد من البحيرة] وفيه، في يوم الإثنين، ثالث عشره، وصل الأتابك أُزبَك من البحيرة، وصعِد القلعة وخُلع عليه، ونزل إلى داره (٥). [وفاة مماليك بالطاعون] وفيه، في هذه الأيام، مات من دار المجد ابن (٦) البقري ثلاثة مماليك بالطاعون، على ما ذُكر عنه، وعُدّ ذلك من النوادر بالقاهرة، إذ أنه أواخر بابَه وأوائل هاتور، ويندر الطاعون في مثل هذه الأيام بالقاهرة (٧).

стр. 1248

[إخراج العلاء ابن الصابوني إلى دمشق] وفيه، في يوم الثلاثاء، رابع عشره، أُخرج العلاء ابن (١) الصابوني موكَّلاً به إلى بلده دمشق، ليُكمل ما أُلزم به من القيام بمائة ألف دينار، بعد أن اقتُصّ منه بالضرب، والتوكيل به بطبقة الخازندار على ما تقدّم، وعُيّن معه بعض الخاصكية والأمير جانبك الأشقر، الذي صار بعد ذلك أحد الدوادارية، وناظر أوقاف السلطان الآتي في محلّه إن شاء اللَّه تعالى، وجان هو الموكَّل به حتى يغلق بدمشق ما بقي عليه (٢). [نزول السلطان إلى طُرا والعدوية] وفيه، في يوم الأربعاء، خامس عشره، نزل السلطان من القلعة بغير قماش الموكب، وتبعه عدّة من الأمراء والخاصكية متوجّهاً إلى طُرا والعدوية، وسار حتى وصل إلى العدوية، فأطلق عنان فَرسه سابقاً منها كالغائر، حتى قارب العمارة، وهو لا يفتر عن سَوقه، بحيث لم يدركه من أمرائه وخاصكيّته إلّا ذوو (٣) الخيول الجياد، ثم عاد سائقاً على ما هو عليه في مشواره ذلك، ولم ينزل عن فرسه لا في ذهابه ولا في إيابه، حتى عاد وطلع إلى القلعة عند القريب من العصر، ولم يجتمع به غالب أمرائه لشدّة سَوقه في سيره، وعيب عليه ذلك، وعُدّ من نوادر السلاطين. ولم يحصل من نزوله هذا لا تنزّه لنفسه ( … ... ) (٤) ولا آمل ولا قريب، ولا تلذّذ بكلام ولا غيره، وما عُلم ما الفائدة في نزوله ذلك. ويقال: إنه مراده بهذا الإدمان وتدريب النفس على ذلك، لأجل أنه يُظهر أنه يسافر للبلاد الشامية. ثم لما طلع إلى القلعة ونزل بها، فقبل أن يستقرّ به الجلوس أمر أن ينادي المنادي بشوارع القاهرة بأن يطلع أهل الجوامك في غد هذا اليوم إلى القلعة، ليقبض كل إنسان جامكيته بيده، ولا تُعطى لغيره، وأنه لا يقبض أحد (٥) جامكية غائب حتى يحضر (٦).

стр. 1249

[النداء بطلوع القضاة إلى القلعة] وفيه- أعني هذا اليوم- أمر السلطان أيضاً أن يُدار على قضاة القضاة، ويُعلموا بأن يطلعوا في الغد لأجل عقد مجلس في أمر الجوامك وكثرتها. وكان ما سنذكره. [الطلب من الشيخ القَرْمي بالتحوّل عن منزله بالقانبائية] وفيه- أعني هذا اليوم- بعث جانِبَك من طَطَخ، الأميراخور الكبير، إلى شيخنا الشيخ نجم الدين القَرْمي يأمره بأن يتحوّل من المنزل الذي هو ساكن به بالمدرسة القانِبَائية، فإنه ليس له سُكناه، لأن الواقف لم يشرط ذلك في كتاب وقفه، فحصل على الشيخ من ذلك غاية النكد والتشويش، وأخذ يستفتي في ذلك، ثم أقام بيّنة شهدت بأن هذا المكان سكنه بعض المشايخ في زمن الواقف، وروجع جانبك في هذه القضية، وكلّمه الكثير من الأعيان والعلماء. وآل الأمر فيها إلى السكون بعد حركة زائدة. [اِنعقاد مجلس السلطان بالقلعة] وفيه، في يوم الخميس، سادس عشره، صعِد القضاة إلى القلعة وبعض العلماء أيضاً، وحضر أعيان الأمراء وأرباب الدولة ووجوه المملكة، وعُقد المجلس بحضور السلطان والأكابر جلوس، فأخذ السلطان نفسه في التكلّم معهم. وطال الكلام في هذا المجلس بحيث زاد عن الحدّ، فكان ما لخّصنا من ذلك بمعناه، وإن لم يكن بالألفاظ، أن السلطان ذكر أن الخانكة كانت في زمن المؤيَّد شيخ تصرف في كل شهر مبلغ أحد عشر ألف دينار، ومع ذلك فكانت الأستادّارية دائماً يُظهرون العجز والقصور إلى غاية ما يكون. ثم كانت في أيام الأشرف بَرْسْباي ثمانية عشر ألف دينار، بزيادة سبعة آلاف دينار عمّا كان في زمن المؤيّد، وزاد في زمنه عجز الأستادّارية زيادة ثانية إلى الغاية، ثم صارت في زمن الظاهر جقمق ثمانية وعشرين ألف دينار، بزيادة عدّة آلاف عمّا كانت عليه في زمن الأشرف، وسبعة عشر ألف دينار عمّا كانت عليه في زمن المؤيَّد. وكان الظاهر قد أقام زين الدين الأستادّار بعد عدّة من الأستادّارية تولّوا في أيامه، ثم فوّض إليه غالب أمور الديوان المفرد، يتصرّف فيه كيف شاء وأراد لكونه كان يساعد هذا ( … ) (١) الكثير من المال في كل شهر. والان فالجامكية في الشهر ستة وأربعون

стр. 1250

ألف دينار في الشهر، بزيادة بعض دنانير أيضاً أيضاً على ذلك، وهذا شيء كثير جدًّا أضعافاً مضاعفة عمّا كان في الأزمان الماضية، ولا بقي بهذا، لا ديوان السلطان ولا غيره مما يضاف إليه، وهذا مما يوجب ظلم العباد وخراب البلاد، بل وغضب الرب، ومما يوجب قلق الأستادارية، بل والسلاطين. ثم أخذ في أثناء بعد أن تكلّم بكلام كثير يُظهر التبرّم مما هو فيه من المُلك والسلطنة، بل وصرّح بدعائه على نفسه ويطلب الموت، بل ودعا على من كان السبب في دخوله في هذا الأمر، وأنه جاءه على غير مقصده ومراده، وأن هذا الحال لا يفي بسداد هذه الأمور إن بقينا على ما هي عليه، وإن كان غير ذلك يُنسب السلطان إلى الظلم والجور وقطع الرزق. ثم أخذ يُظهر أنه يريد أن يخلع نفسه من المُلك، ثم قال لهم أجمعين: اختاروا من بينكم من تقدّموه لهذا الأمر، وأنه هو لا قدرة له على سداد الأمر على هذا الوجه إلّا بظلم وعسف كبير لا ضرورة له إليه، وأنه عاجز عن حمل هذا المال لأربابه، وعن دفعه لهم في كل شهر، ومن حسب هذا المقال وأشباهه شيء كثير (١). فأجابه بعض القضاة بأن الظلم لا يجوز في مِلّة من المِلل، ولقد أجاد في ذلك وعن الحق ما حاد، فإنه توسّم في السلطان، وتفرّس منه التطّلع لأخذ أموال الناس وقطع أرزاقهم، ومدّ يده لأوقافهم، لا سيما والإرجاف عمّال بذلك قبل ذلك في كل قليل. ووجد هذا القائل فرصة للقول ومندوحة من مقتضى كلام السلطان، فأنطقه به. ثم قال له آخر من القضاة أو العلماء: السلطان له النظر العام في المصالح بنظر من يستحق فيبقيه، ومن لا يستحق فمن الديوان يمحيه (٢)، وهذا الكلام فيه الميل الظاهر، إن كان حقاً في نفس الأمر، ومقيّد بالنظر في المصالح، لكنه لا يقال سأل هؤلاء لما هو ظاهر. ثم انفضّ المجلس بعد طول زائدٍ على غير طائل. وقام السلطان فجلس على الدكّة، وجلس الدوادار الكبير ومباشرو (٣) الدولة وكتّاب المماليك، والمقدّم أيضاً ونائبه على البساط بين أيادي السلطان. وحضر أيضاً العَلَم شاكر بن الجَيْعان (٤)

стр. 1251

وولداه (١): الشرف يحيى (٢)، وعبد الغني (٣) ليكتبوا مع الكتبة إعانة لهم، وكذلك خُشكلدي الخازندار الصغير، وهو أيضاً يكتب مع الكتّاب. وحضر كاتب العليق وكاتب الحوائج خاناه، لضبط من يقطع من العليق وراتب اللحم، وحضر الأستادّار وناظر الخاص يكتبان أيضاً من جملة الكُتّاب، وكان يوماً مشهوداً، ومجلساً مَهولاً مذهلاً. ثم أخذ كاتب المماليك يستدعي أرباب الجوامك، الواحد بعد الواحد، فإذا خرج اسم الشخص وتقدّم لقبض جامكيّته، نظر إليه السلطان نظر متوسّمٍ عارف على ما زعم، فإن كان عارفاً بطاعته وأهليّته قبل ذلك أمضاه، ولم يتكلّم في أمره بشيء البتّة، وقبض جامكيّته ونزل. وإن كان يعرف خموله وتعاسته وحاله قبل ذلك، لا سيما، ( … ) (٤) الناس قابل غرضه ( ...... ) (٥) عندهم صاحبه إليه ثم ناوله قوساً من ( … ) (٦) عدّتهم ( … ... … ... ) (٧) أقدم ذلك وأمره بجذبه، فإنْ جَذَبَه وهو أقوى القسِيّ ( … ... … ... … ... … ) (٨) الألفين من الخانكية وما دونها، وإن كانت فوق ذلك و ( … ... ) (٩) الألفين ( … ) (١٠) (في أبناء الناس خاصّة) (١١)، وأعطى ماله قبل ذلك، ثم أعلمه بأمر ذلك، فجهّز الآتي الألفين (من الجامكية) (١٢) فقط، وكذا فعل مع المماليك أيضاً، وكان أولاد الناس في هذه الكائنة نادرين، والأكثر المماليك. وأمّا إذا لم يجذب ذلك القوس ناوله الثاني وكذا الثالث، فإن لم يقدر على ضرب الثالث قطعه، أصله ورأساً، كائناً من كان، بعد جعله عليه وعلى من قبضه في ديوان الجيش، ولو كان

стр. 1252

أستاذه جقمق الظاهر له نصيب في هذه الجزية. ومن وجد باسمه جامكية زيادة، وهي مُشتراة بحكم النزول على ما كانت عادتهم قبل هذا السلطان، فنظر إن كانت ألفين ولا جامكية له غيرها، أبقاها معه على الشرط الذي تقدّم في جذب القوس، فلا نعيده. وإن كانت زيادة على ما بيده، قبلها، أمره بالرجوع بما دفعه ممن نزل له عن ذلك، وكذا من تعوّض بجامكية إقطاعاً فعل معه مثل هذه الفعلة. ولم يزل يفعل هذا في الجامكية حتى انتهت، وقطع من الخلق ما شاء اللَّه أن يقطع من سائر الأجناس. ثم نظر في العليق فأبقى لغير الخاصكي ثلاث علائق، وقطع ما زاد، وللخاصكيّ خمس (١) وقطع الزائد، وكذا مرتب اللحم يقُطع لغير الخاصكي ما زاد على الزيدية ويُبقيها، وكان المرتّب في اللحم أيضاً قد زاد جدّاً، حتى خرج عن الحدّ، حتى صار الشخص الواحد الذي لا يعبأ اللَّه تعالى به، ولا حاجة للمسلمين والإسلام به، بل وفي وجوده المضرّة على نفسه وبيت المال، وعلى الكثير من عباد اللَّه يأخذ خمس (٢) زبادي لحم، وسبعة وثمانية ( … ... ) (٣) عشر، بل وأَزْيَد من ذلك. والزبدية عبارة عن ثلاثة أرطال من اللحم ( … ) (٤) قطعة نفياً للضرر عن بيت المال، وإن كان قصد السلطان غير ذلك كما نكث في القبض عليه في ذلك، ومع هذا فلقد فعل فعلاً يُحمد، وأصاب وأجاد، وعن الحق ما حاد. إذ أن هذه المرتّبات قد أغنت الكثير من الناس، وأطغت الكثير، وأعانتهم على أنواع من الفسق والفساد، ويا ليتهم كانوا ممن يُنتَفع بهم في دين أو دنيا حتى الكثير من الناس والشام والعجائز والعوام والأوباش لهم راتب اللحم، بل والجامكية، فقطع ذلك كله، لكنْ حصل بسبب التفتيش على هؤلاء الضرر على بعضٍ من الذين يستحقّون ذلك وزيادة، وقطع ما كان لهم سواه للزرّيعة على ما زرعوا، أو إجراء الكل على منْوالٍ واحد، فأخذ الصالح بالطالح. ومن العجائب أنه كان الكثير من الجوامك ومرتّبات اللحم والعليق ما شاء من جماعة من تعساء ما بين أولاد ناس، ومن تجار ومتعمّمين وعوامّ ونساء وعجائز وجواري، حتى بعض النصارى. ودام السلطان في هذا اليوم على هذا المهْيَع، حتى انتهى من طبقة الرَفْرف، ثم دام على ذلك أيام الجوامك، حتى فرغ من الكل، فسُرّ بذلك الوزير (٥) والأستادّار، لا سيما وقد كانت الوزراء والأستادّارية فيما مضى من الزمان قد أبيدوا بواسطة هذه المرتّبات، وأعجزوا، وكلّوا حتى كانوا

стр. 1253

يتبرّموا مما هم فيه، لعجزهم عن حمل رواتب الجوامك والعليق واللحم، وكانت الملوك تردفهم بالأموال، بل وبالأقاطيع الزيادات، زيادة عمّا كان لهم من الجهات، وهم مع ذلك كله لا يزدادون إلّا عجزاً وتبرّماً، لكثرة الكُلف والطوارئ على العادة التي كانت قبل ذلك، وكل هذه إنّما حدثت في سلطنة الظاهر جقمق، فإنه هو الذي كان يرتّب هذه المرتبات. ولما تسلطن الأشرف إينال ورأى الحال قد تجاز الحدّ، أراد أن يفعل ما فعله هذا السلطان الآن، بل وشرع فيه، فحُذِّر من عاقبة ذلك وخُوّف من الدعاء عليه، لكونه لا يقدر على أن يفرّق بين المستحق وغيره، وخُوِّف أيضاً من إثارة فتنة، فأحجم عن ذلك. ثم لما تسلطن الظاهر خُشقَدم أقدم على ذلك أيضاً وقصده، ثم أمسك عنه لكثرة الأراجيف بالفِتَن في دولته واستمرارها، من يوم سلطنته ليوم موته. وكان قد سأل الوالد في شيء من ذلك وماذا يشير به عليه، فاختشى الوالد من القالة: وأن يُنسَب إليه شيء من ذلك، فأجاب بقوله ﵇ "إنما تُنصرون وترزقون بضعفائكم" (١)، فاستمر الحال على ما هو عليه. لكنْ أطلق السلاطين أيدي الأستادّارية والوزراء في الظلم، بل أذِنوا فيه دلالة، لأنهم كانوا يعلمون ويتحقّقون أن الدواوين لا تفي بكفاية ما هو مرتّب عليهم من هذه الكُلَف، إلّا بارتكاب المظالم، فصاروا يفسدون ويظلمون ويجورون مع العسف الزائد، ويأخذون ما لا يستحقّون، ولا يعفّون ولا يكفّون، وصار إليهم ولاية الكُشاف والولاة والمدرّكين، ومشايخ العربان وغيرهم، وكانوا لا يولّون الواحد ممن ذكرنا إلّا بمالٍ كبير يبذله لهم في ذلك، ثم يأخذهذا المتولّي في أسباب تحصيل ما بذله، فلا يحصل له بذلك إلّا الظلم الزائد وارتكاب المفاسد بالفِتن وخراب البلاد وهلاك العباد، فصار قُطّاع الطريق يُخيفون السُبُل، والسُرّاق والحرامية يسرقون ويتجرمون، والكُشاف والمشايخ عليهم يستحسنون، وليس لهم همّة في ما عدا جمع المال من الحرام أو الحلال؟ لسداد ما كُلّفوا به زيادة على جهاتهم، فآل الأمر في ذلك إلى ما آل. وأما الوزراء فاحتاجوا إلى أخذ المكوس بالوجه العبوس، وتارة بالدبّوس، وتارة يأخذون جميع ما يجدون بأدنى مناسبة وأقلّ ملابسة، وهم يسمّون ذلك حق

стр. 1254

السلطان، مع تسليط الخدمة والأعوان، ومعارضة ذوي الإرث من العَصبات وغيرهم، ويقال لهم: أثبتوا أنكم من أهل الميراث، فيأخذون إرث من لا جاه له ولا معين، ولو كان أقرب الأقربين، ويصالح الغالب من الورّاثين (١) على أقلّ من نصف إرثه إن ثم معين، وتؤخذ أغنام تجار الغنم بالأجل، ثم يُحالوا على الهوافي من الأشياء بالخجل، ولا يحصل للناس (٢) على الطائل. وزاد هذا الفساد، وعمّ الأنام والبلاد، إلى أن آل المُلْك لهذا السلطان، أخذ في أسباب موجبات هذه الأمور، فأول ما بدأ به (٣) ما ذكرناه حتى جلاه، وبلغ فيه لأقصى مُناه، لكن مع ما ذكرناه، لو قُطعت تلك المظالم، وزالت تلك المغارم، لكان غير آثم، بل لنال السعادة والحُسنَى وزيادة، في العاجل والآجل، ونال الفضل الطائل، بل قطع هذه الأرزاق وأبقى تلك المظالم، وزادت بواسطتها عليه المآثم، بل ترادفت الزيادة فيها، وكلٌّ إليه يجيبها. وكان أولاً قد كثُر في حقّه القال والقيل، فمن الناس من نسبه إلى الظلم العظيم، ومنهم من نسبه للعدل العميم، فاستند الأولون بأنه قطع أرزاق الأنام، وذهبت عينه لما في أيديهم من أقطاع، وقد كانت القضايا في أيام من رتّبها جارية على أحسن نظام، ولا كانت، بل ولا فاضت الفِتن، ولا القبائح والمِحن، ولا كانت شرور ولا حرور (٤)، وكانت الناس في خفير الفقراء من أهل هذه الرواتب، وشبع الجياع، وقوي الضعفاء، وقلّ السائل، وزادت أسباب الخير، وكثُر العلم والعلماء والطلبة في تلك الأيام. وكانت الناس بخير، واستند القائلون بأن هذا من باب ( … ) (٥) والعدل بأن هذه المرتّبات أفسدت الأحوال، ودخل بسببها الرهان في بيت المال، وصار من لا استحقاق له فيه بالكلية يأخذ منه ما لا يُحصى كثرة، مع استغنائه عنه، بل كان ذلك سبباً لكثير من الفسق والفساد، والطغيان، والعناد. وكنت أنا أولاً من الفريق القائل بأن ما فعله هذا السلطان من الذي يجب عليه، بل ويُثاب عليه ويؤجر، ويُشتَهَر به عدله ويُذكر، ظانّاً أنه أراد بذلك حسم مادّة ما ذكرناه من المظالم، فلما تمّت تلك الأمور وتقرّرت وظيفته وتحرّرت، لم تُرفع من تلك المظالم ولا مظلمة، بل زادت ونمت، وعلت وعمّت، فعلمت أن ذلك محض نقمة وذريعة لقطع الأرزاق لإضافتها لأنفسهم وانفرادهم بها قائلين (٦)

стр. 1255

بأن الناس قد رضوا بهذا الجور العظيم، وارتضوا به من العذاب الأليم، فلم ينسب إلينا ويخرج عنّا، فنحن أحقّ به من الغير، فاختصّوا به، وأخذوا في زيادة سببه على ما هو ظاهر لجميع الأنام، فلا جَرَم فتح اللَّه تعالى ما يقلقهم ويشغلهم، كيف لا وقد زادوا في المظالم، على أن بعض الأموات من الفقراء يموت ولا قريب له، فلا يجسر أحد من الخلق على أن يتكلّم في دفنه خوفاً من تعلّق الطلبة عليه، بل يلي إنسان بدهليز الإمام الشافعي بعد موته نحو اليومين، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه، إنّا للَّه. وبجملة هذه المقتضيات فتح اللَّه تعالى عليهم أبواب الفِتن، ما ظهر منها وما بطن، وغرامة الأموال في إنفاذ العساكر من أول سلطنة هذا السلطان، وإلى هلُمّ جرّاً من الزمان إلى يومنا هذا في هذا الآن، فصاروا كلّما قاموا قعدوا، وكلّما دئروا دمّروا. ولقد غرم من الأموال أضعاف ما قطع من الأرزاق، وجمع من الأموال أيضاً فوق ما يقال. وحصل التخليط الكبير الذي لعلّه لم يقع لغيره من السلاطين، فكان عقله وفكره يحدّثه بتحسين ذلك، ليكون له عوناً في حادثة تحدث، وهو مترقّبها لعلمه وحزمه بأنه طمع فيهم الطامع، وزال المانع، وتفتّحت أعين الناس من الملوك النائية بالبلدان الناحية على هذه المملكة، لا سيما والأراجيف بزوال الأتراك، ودولتهم عمّالة، خصوصاً من غير المنجّمين وأهل التقويم، بل من غالب أهل العلم القائلين، بأن عادة اللَّه تعالى جرت في مثل هذه التغيّرات بتغيّر الدول، ومن القائلين بأن الاستقراء يشهد به زوال (١) الدولة عند انقضاء القرن من ابتدائها أو دون ذلك. وأمّا أهل التنجيم والتقويم ونحوهم، فخُذْ من كلامهم وأكثر، لا سيما والقرانات لهم شاهدة على ما يزعمون مكانة مآل لتحصيل المال، ليكون له عوناً عند دهوم الخطب للزوال، واللَّه أعلم بحقيقة الحال، نسأله إلهامنا رشدنا، وأن لا يسلّط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، بمنّه وطوله، وقوّته وحَوله، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، المورّطة لنا (٢). [تفرقة الجامكية بحضور السلطان] وفيه، في يوم الإثنين، عشرينه، جلس السلطان على الدكة ليحضر تفرقة الجامكية بنفسه، بعد أن قدّم لهم العلم بأنه يحضرها، بل دام ذلك دأبه إلى يومنا هذا، ثم فُرّقت بين يديه على النفقة المشروحة فيما قدّمناه في يوم الخميس. ولا

стр. 1256

زال على ذلك ويحضر كل جامكية، ويكتب الختْم تحت، ونجز من تفرقتها على الصورة المشروحة. ثم استمر على ذلك كما قلناه مما سبق هذا، وأعاد انقطع مرة بعد المرة، وكَرّة بعد الكَرّة، حتى في هذه الأيام التي بعد ذلك التاريخ. فمن دخل عليه في الأولى أخرجه في الثانية، وهلُمّ جرّاً إلى هذا الزمان، وصار دأبه النقد للناس، والتفحّص عن أحوالهم، حتى يبدو له أدنى سبب فيفعل ما يشاء، ومع التوفير لهذه المتوفّرات تراءت المظالم بسائر الجهات (١). نسأل اللَّه تعالى أن ينقذنا مما يُشان، ويُحلّينا بما يُزان. حتى نرى الحقّ حقّاً ثم نتّبعه … ونترك الغيّ سُمّا في تشهّينا (ولاية يشئك البجاسي نيابة حماة) (٢) وفيه، في هذه الأيام استقرّ يشبُك البجاسي المعزول قبل تاريخه عن نيابة حلب في نيابة حماة، عِوَضاً عن محمد بن مبارك، بحكم صرفه عنها، وعُدّ ولاية نائب حلب بحماة معه النوادر، كونه قُهقر إلى خلف، لكن هذا بعد العزل والسجن على ما تقدّم (٣). [كشف التراب وعمل الجسور بالوجه البحري] وفيه، في يوم الخميس ثالث عشرينه، قُرّر سُودُون الأفرم الظاهري، أحد مقدَّمين (٤) الألوف، في كشف التراب، وعمل الجسور بالشرقية بالوجه البحري من أسفل مصر. [تعيين تمراز الشمسي في كشف التراب] وفيه أيضاً، أعني هذا اليوم، استقر تمراز الشمسي، أمير سلاح عصرنا الآن، أحد مقدَّمين (٥) الألوف إذ ذاك، في كشف التراب بالغربية بالوجه البحري، وعيّن السلطان صحبته مقدّمين من الأمراء العشرات، ومن الجند السلطاني مائتي نفر، ليكونوا عوناً لتمراز هذا على المفسدين بتلك النواحي. وفيه قُرّر بردُبك المشطوب السيفي يشبُك أحد العشرات، في كشف التراب بالبفضاية (؟) من الوجه القِبلي.

стр. 1257

[ولاية يشبُك الجمالي حسبة القاهرة] وفيه، في يوم الإثنين، سابع عرينه، استقرّ يشبُك الجمالي، أحد العشرات، الذي صُيّر أمير الركب الأول قبل تاريخه، في حسبة القاهرة، وكانت قد شغرت عن قانصوه الخسيف من منذ مدّة، وباشرها يشبُك هذا مباشرة حسنة بعفّة زائدة ونزاهة وحُرمة وشهامة، وحُسن سيرة، وحصل به النفع العام للخلق، وحُمد وشُكر وشُهر وذُكر، جزاه اللَّه تعالى خيراً عن دينه ومروءته (١). وقد ترجمنا يشبُك هذا فيما تقدّم. [شهر جماد الأول] وفيها استهلّ جماد الأول بالجمعة، وطلَع القضاة إلى السلطان فهنّأوه (٢) بالشهر ومن لهم عادة بذلك. [لبس السلطان الصوف] وفيه- أعني (هذا الشهر في) (٣) يوم الجمعة هذا، لبس السلطان الصوف، وألبس الأمراء على العادة. ووافق هذا اليوم ثاني عشرين هاتور من شهور القبط. [انتهاء تفرقة الجامكية] وفيه، في يوم الإثنين، رابعه، كان نهاية تفرقة الجامكية عن آخرها، بعد أن قُطع منها الشيء الكثير، وكذا من اللحم والعليق، وكان أكثر من خصّ بهذه البليّة أولاد الناس في المتعمّمين (٤). [خروج تمراز الشمسي إلى الغربية والمحلّة] وفيه، في يوم الإثنين، حادي عشره، خرج تمراز الشمسي ومن عُيّن معه إلى الغربية، ثم وصل إلى المحلّة فأقام بها، ولم يحصل من خروجه نتاج، ولا كان تحته طائل، فإنه أقام بالمحلّة والفساد عمّال في تلك النواحي، ولم يأت تمراز بشيء في إزالة ذلك (٥).

стр. 1258

[أخْذ شاه سوار مدينة دَرُنْدة] وفيه، في يوم الإثنين أيضاً، ثامن عشره، ورد الخبر على السلطان بأخذ شاه سوار مدينة خارندة وقلعتها (التي يقال لها دَرُنْدَة) (١) وقلعتها بعد حصار كبير، إلى أن أخذها عَنْوة، وقتل نائبها الذي يقال له ابن بَلَبان، واشتهر بأن أهلها اتفقوا على ذلك مع شاه سوار، وعظُم هذا الخبر على السلطان، وزاد قلقه بسبب ذلك (٢). [حضور السلطان تفرقة الجامكية بالحوش] وفيه- أعني هذا اليوم- حضر السلطان تفرقة الجامكية بالحوش كما فعل ذلك في الشهر الماضي، فلم يُبْد فيه شيئاً ولا أعاد، لِما دهمه من خبر أخْذ دَرُنْدَة في هذا اليوم، فاشتغل عن الناس فيه باشتغال فكره، حتى قال بعض أهل الظُرف: لو لم يشغله اللَّه ما اشتغل، وحضر التفرقة بعد ذلك أياماً كذلك. ثم ترك ذلك، وفُرّقت بالإيوان على العادة، ثم أعاد ذلك بعد مدّة، وهو على ذلك إلى يومنا هذا الذي له من هذا التاريخ نحو الستّ عشرة (٣) سنة، وهو ملازم حضورها لا يمكن أن يفرّق في غيبته، وما انقطع عنها، إلّا أن كان حين سفره للشام والحجاز ونحو ذلك من أسفاره. [ولاية جوهر النَوروزي الزمامية والخازندارية] وفيه- أعني هذا اليوم- استقرّ في الزمامية والخازندارية جوهر النَوروزي الحبشي (٤)، عِوضاً عن جوهر التركماني الهندي، بحكم وفاته. وستأتي ترجمته في تراجم هذه السنة إن شاء اللَّه تعالى. (كائنة بني هلبا مع يشبُك الدوادار) (٥) وفيه في يوم الجمعة، ثاني عشرينه، وصل يشبُك من مهدي الدوادار من بلاد الصعيد، بعد ما نهب بني هلبا، وبدّد شملهم وفرّق جمعهم، وأسر نساءهم

стр. 1259

وأولادهم وذراريهم، وأخرب عدّة من البلاد بالشرق من الوجه القِبلي، وحمل معه من نسائهم فوق الأربعمائة امرأة في مراكب معه، وحضر بهنّ إلى القاهرة، فأُنزِلن بساحل بولاق في وكالة الأتابك قانَم، وهنّ في غاية القلّة والجوع، بعد أن مات منهنّ عدّة كثيرة، لعِظَم ما حلّ بهنّ من الرزيّة والبرد والجوع، ولما أُنزلن في وكالة قانَم المذكورة حنّ بعضٌ من أهل الخير على هؤلاء المساكين، فأحضر لهنّ من الفول قدراً جيّداً، ورماه بينهنّ صحيحاً (فنقلنه) (١) في الحال، وأكلْنه كما هو من شدّة ما هنّ فيه من الجوع والاحتياج إلى القوت. ثم شرع أهل الصدقات في التصدّق عليهنّ بقدر حالهم، ودُمن على ذلك مدّة، وما عُلم ما الغرض من إحضار النسوة وحبْسهنّ، وأعيب ذلك على يشبُك المذكور، وكثُر الدعاء عليه بسبب ذلك، على أنه حصل من أهل هؤلاء النسوة الفساد الكبير بعد رحيل يشبُك عنهم، فإنهم عادوا إلى السواحل وعاثوا فيها، وأخذوا بعض المراكب المنحدرة إلى القاهرة، ونهبوا ما فيها من الغِلال وحرّقوها، وفعلوا أفعالاً شنيعة مثل ذلك بعدّة من المراكب، وحصل بواسطة ذلك غاية النكد والضرر على الناس، وارتفع بهذا المقتضى سعر الكثير من الغلال، ولم يحصل بخروج يشبُك من الفائدة، غير إراحته الخلق من عطاء الله بن جامع (٢)، فإنه قبض عليه وقتله وسلخه، وكان من كبار المفسدين بتلك النواحي، نعم، وقتل جماعة أخرى من شرار بني هلبا ونهبهم، لكن بعد خراب عدّة بلاد، والتشويش على كثير من العباد، بما لا مصلحة فيه، ولا في التشويش على من شوّش عليه، لا سيما النسوة اللاتي أحضرهنّ فإنه أضرّ بحالهنّ. وللَّه الأمر (٣). [تفرقة الجامكية بالإيوان] وفيه، في يوم الخميس، ثامن عشرينه، أمر السلطان بتفرقة الجامكية بالإيوان على العادة الأولى كما كانت، ولم يحضر السلطان تفرقتها في هذا اليوم. [نزول السلطان إلى بركة الحبش] وفيه طلب السلطان مركوباً بعد فراغ الخدمة، فركب ونزل من القلعة متوجّهاً إلى جهة بركة الحبش، ومعه جماعة من خواصّه، وبعث إليه القاضي زين الدين

стр. 1260

ابن (١) مُزهر كاتب السرّ ( … ) (٢) من منزله، وتقدّم بشيء يليق به، فأكل وأقام هناك إلى المغرب من ( … ) (٣)، ثم رَكب وعاد إلى القلعة. [شهر جمادى الآخر] وفيها استهلّ جمادى الآخر بالسبت، وطلع القضاة ومن له عادة بالتهنئة بالشهر، فهنّأوا (٤) السلطان. ووافق هذا اليوم حادي عشرين كيهك من شهور القبط. [زياددة الأسعار] واستهلّ هذا الشهر والأسعار متزايدة في الغلال، وارتفعت جدّاً بعد أن كانت قد انحطّت شيئاً، وبيع القمح بسبعمائة للإردبّ، فزاد سعره عمّا كان في الشهر الماضي مائة درهم، بل وأكثر، وقِس على ذلك ثمن القمح من أنواع الحبوب (٥). [فشْو الطاعون بإقليم البحيرة] وفيه- أعني هذا الشهر- فشا الطاعون بإقليم البُحيرة وببعض النواحي من بلاد الغربية، وظهر ظهوراً هيّناً بالقاهرة أيضاً، هذا والوقت أوائل فصل الشتاء. وكان من أمر هذا الطاعون بعد ذلك ما ستعرفه في رجب، وما بعده على ما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى (٦). [الاهتمام بتجهيز تجريدة لشاه سوار] وفيه- أعني هذا الشهر أيضاً- اهتمّ السلطان في تجهيز تجريدة لشاه سوار، يردف بها من تقدّم من العسكر صحبة أزدمر الإبراهيمي الطويل، وذكر السلطان أنه يعيّن هذه التجريدة في أواسط هذا الشهر، وأشاع بأنه يأمر بخروجها في أوائل شعبان (٧)، وكان من ذلك ما سنذكره. [نزول السلطان من القلعة وركوبه إلى جهة عين شمس] وفيه، في يوم الأربعاء، خامسه، نزل السلطان من القلعة بغير ثياب الركب،

стр. 1261

وسار في جماعة من خواصّه متوجهاً إلى بركة الجبّ، ثم منها إلى الخانكة، ثم عاد إلى عين شمس التي بها العَمود السارية، المسمّاة بمسلّة فرعون، فنزل بها ولم ينزل من حين ركوبه وتوجّهه إلى بركة الحاج المذكورة، ثم الخانقاه، ثم ( … ) (١) في هذا النزول الذي بعين شمس هذه، وأقام يومه ذلك هناك، ثم عاد إلى القاهرة وصعِد القلعة، والقالة موجودة بأنه سيكون فتنة، ولهج الكثير من الناس بذلك، وأن لا بدّ من الركوب على السلطان، ومع هذه الإشاعات لم يركب وينزل، بل كلّما بلغه شيء (٢) من ذلك يركب وينزل من القلعة، كأنه يشير إلى أنه لا حسّ عنده من ذلك ولا من هذه الإشاعات، ولعلّه أرجل في ذلك، فإنهم خمدوا بعد ذلك، بل وقبله ولا زال بهم، وهو يأخذ الواحد بعد الواحد من عدّة من الطوائف، حتى ما خلّى ولا بقّى على ما سيأتي ذلك في محالّه إن شاء اللَّه تعالى، ولا سيما بعد الثمانين (٣). [وصول قاصدشاه سوار] وفيه، في يوم الخميس، سادسه، ورد الخبر إلى القاهرة بوصول قاصد شاه سوار بن دُلغادر إلى الخانقاه (٤) في هذا اليوم، وأشيع بأنه حضر لتقرير الصلح بينه وبين السلطان. ولما بلغ السلطالن ذلك أمر بردّ القاصد المذكور من حيث جاء، فخرج له الأمر بذلك، فعاد من الخانقاة (٥). [خروج الأتابك أُزْبَك إلى البحيرة] وفيه، في يوم الجمعة، سابعه، خرج الأمير الكبير الأتابك أُزبَك إلى جهة البحيرة، لأجل فساد العربان بها، عساهم يكفّوا عن ذلك. [إحضار جنازة الطواشي شجاع الدين] وفيه، في يوم السبت، ثامنه، أحضرت جنازة الطواشي شجاع الدين شاهين غزالي إلى مصلّى سبيل المؤمني. وكان شاهين قد توفي في ليلة السبت هذه، ونزل السلطان في هذا اليوم للصلاة عليه، ثم ركب فرسه وتوجّه من هناك إلى جهة

стр. 1262

بساتين الوزير، في جماعة قليلة من خواصّه، ونزل بالقرب من بركة الحبش، وأقام إلى آخر هذا النهار، ثم عاد إلى القلعة. ثم لما أصبح في يوم الأحد تاسعه، نزل أيضاً من القلعة، فتوجّه إلى قريب المطرية ونزل هناك، ثم عاد في آخر النهار، وتكرّرت ركبات هذا السلطان حتى خرجت عن الحدّ، ولا سيما بالسنين الآتية بعد هذه السنة، حتى أهمل عدّة من المؤرّخين الكثير من ركبانه لكثرتها و ( … ... ) (١) يحدّ الضبط. (نادرة غريبة من المعقولات) (٢) وفيه- أعني هذا اليوم- أحضر شيخ من الجند (السلطاني) (٣) يسمّى يوسف السيفي يشبُك الصوفي (٤) حصاة إلى شيخنا العلّامة الشيخ أمين الدين الأقُصُرائي، زِنتها نحو السبع دراهم، مكتوب على أحد شقّيها: "قرُب الوقت"، وعلى الشق الآخر: "اعتبروا واتقوا اللَّه" بخط ناتيء (٥) كالعروق في الحجارة بصفة غريبة بغير نُقط تؤذن من رآها أنها ليست من فعل البشر لهما في هيئة خطها من الغرابة، ولون الحصاة إلى السُمرة، والخط إلى الغبرة والسواد، وذكر يوسف هذا أنه وجدها بالقرب من دار الضيافة بالصّوّة، وذكر أنه وجدها كالتي تتحرّك وتمشي، بل وجدها تمرّ بين يديه. ولما ذكر ذلك للشيخ حصل عنده من ذلك غاية الخشوع والاستكانة، لأنه حمل يوسف هذا على الصدق. ثم أمره أن يبديها للناس، ويذكر لهم كيف وجدها. والظاهر، بل الجزم اليقين أنها قد افتُعل بها ذلك، ولعلّها من فعل الذي ذكر أنه وجدها، فإنه عجيب في مثل هذه الأمور، فإنه يكاد أن يكون شيطاناً، بل هو شيطان في خفية إنسان. [ترجمة يوسف السيفي يشبك الصوفي] ٤٤٣ - وهو موجود إلى الآن، كان يشبك الصوفي قد اشتراه وأعتقه، ودام عنده حتى مات (٦).

стр. 1263

تنقّل في خِدم عدّة من الأمراء إلى أن قدم (!) عن قرقماس الجَلَب، فلما قبض عليه من الصعيد بَطَل يوسف هذا وتعطّل لم يخدم، وهذا يدّعي التمسيح والمعرفة التامّة، وأنه من الأولياء، بل الواصلين إلى اللَّه تعالى، مع خُبث طبع ورداءة اعتقاد، وكثرة انتقاد على الناس أشياء لا تعنيه، والدعوى العريضة، والبأو الزائد، مع دناءة أصله وخموله وفقره وفاقته، وصار يدّعي أشياء كثيرة، من كونه عارفاً باللَّه، وبسائر المعارف الإلهية، بل والعلوم وسائر الفنون، ويدّعي أنه يعرف القراءات ومخارج الحروف، بحيث لا يدانيه في معرفة ذلك غيره، وليس عنده مما يدّعيه ولا أدنى جزئية، بل هو جاهل وضيع، غبيّ، كثير الوقيعة في العلماء وأهل الصلاح، مع إظهار الإستكانة والخنوع والخضوع، وإطالة السجود والركوع والتديّن والزُهد والورع الذي ما عنه مزيد والعفّة، كل ذلك شيطنة منه ورَوْكدة، وقد خدع الكثير من الأجلاب والمماليك، بل وغيرهم من الجهلة، وله أبحاث يخترعها للجهلة لا يعبأ اللَّه بها، يظنّها علماً، وهو عن العلم بمعزل، وعنده من الحِيَل والمكايد ما يعجز عنها مشارك. آل به الأمر أن تردّد إلى الخانقاه الشيخونية، وتحيّل في أن حصَّل له بها خلوةً سكنها، ثم تحيّل في أن رتّب له بها رغيفاً، وفرّقه على عيبة صوفتها، وهو مقيم بها الآن، يَغْترّ به من لا يعرف حاله، لحُسن سمْتٍ يُظهره، وجودة مجالسه، وغِنى وتواضع يُظهرهما، بل سمعت عنه أشياء، ورأيت من يدينه بعظائم تشينه في دينه. وكان قد بلغني ما ذكرته من أنه وجد هذه الحصاة على ما ذكرناه، فسألته عن ذلك، فأجاب بأن ذلك حقيقة، وأنه وجدها في يوم موت شاهين غزالي وهي تمشي، فأخذها فإذا هي كلما وصفنا، ثم أحضرها لي لما خَلَوت بالخانقاه الشيخونية، في ثالث عشر شعبان سنة تسع وثمانين، وإذا هي مودعة بحُقِّ من نحاس مغطَّى (١) فأخرجها لي منه وأرانيها على الصفة المشروحة، وقدرة اللَّه تعالى صالحة لأعظم من هذا، لكن الظاهر، بل اليقين ما ذكرناه من كونه مفتعَلة، فإن الذي ذكر أنه وجدها صاحب مُحَالا [ت] وكثير من التُرَّهات، وهو من أبناء ما يزيد على الأربعين سنة. سامَحَنا اللَّه وإيّاه (٢). (تعيين التجريدة الثانية لشاه سوار) (٣) وفيه، في يوم السبت، خامس عشره، كان عرض الجُند بين يدي السلطان

стр. 1264

بالحَوش، وعيّن منهم جماعةً كثيرة للخروج لقتال شاه سوار، وكان قد عُيّن قبل ذلك عدّة من الأمراء، وهم الأتابك أُزْبَك، وأظهر الامتناع من التوجّه، حتى تلطّف به بعد ذلك، وكان هو باش العساكر، وقَرقماس الجَلَب أمير مجلس، وسُودُون القصرُوي رأس نَوبة النُوب، وتمر من محمود شاه حاجب الحجّاب المعروف بالوالي، وقَرَاجا الطويل الأشرفي الإينالي، الذي وُلّي نيابة حماة بعد ذلك، وهؤلاء مقدَّمو (١) الألوف، وعيّن عدّة من الأمراء غيرهم من الطبلخاناة: خير بك من قديد الأشرفي، وجانِبَك الزَيني المؤيَّدي، ومن العشرات عدّة كبيرة فوق العشرين من سائر طوائف الأتراك. ولما أخذ السلطان في هذا اليوم في تعيين من يقبض عليه بقي يكتب من شاء سفره، ومن لم يُرِد سفره، فإن كان من ذوي الأقاطيع ألْزمه بمائة دينار يذكر له السلطان أنه يقيم بها بديلاً عنه، أو يعطي لمن يسافر، ومن لا إقطاع له ألزمه بحمل عشرين ديناراً، وتم له هذا القصد وما أراد، ومشى ذلك، ووزن أهل الأقاطيع المائة دينار، وأقام القليل منهم عنه بديلاً، وأخذ من الغير (٢) المقطعين العشرين، وما انتطح في ذلك عنزان، ولا اختلف في ذلك اثنان، وفعل ذلك مع كل إنسان، من سائر أجناس العسكر من المماليك الذين مسّهم الرق وغيرهم ومع الأعيان، وعُدّ ذلك من نوادره، ثم جيء إليه ما طلبه بكماله وتمامه، وما سلم من ذلك إنسان، وكان ذلك من غريب الاتفاق. وحصل للسلطان من ذلك مال طائل، ذهب كأنه لم يكن، وما أضافه إليه أيضاً على ما ستعرف ذلك من حال كسر العساكر وقتْلهم (٣). [استعراض السلطان للجند] وفيه، في يوم الأحد، سادس عشره، جلس السلطان للعرض أيضاً بالحوش، ثم استدعى بالجند واحداً بعد واحد، وهو يفعل معهم مثل ما فعل بالأمس، لكنْ كثُر الدعاء عليه من المأخوذ منهم، وتمنّوا زواله، وبقوا يودّون قيام فتنة، وثوران شرّ، ويتمنّون ذلك ويستشرفون له، ويأبى اللَّه إلّا ما أراد، فإنه دام في سلطنته وغيره مستمراً إلى يومنا هذا، بل تسلّط عليهم بأنواع التسلّطات (٤) حتى قهر الجميع

стр. 1265

وتملّك وتمكّن، وأقام المماليك الكثيرة، وضخم وعظُم جدّاً، فإنه جسر فكبر، وما هاب فما خاف، وجمع فأوعى. [تفرقة الجامكية] وفيه، في يوم الإثنين، سابع عشره، فُرّقت الجامكية بحضور السلطان أيضاً، وجلس على الدكّة وهو ينظر في كل من قبض جامكيّته، مع التنكيت على بعضهم، والنقد للناس، وتسميعهم الكلام السّيئ والتفتيش على أحوالهم حتى نزقوا منه. [القبض على الشهاب ابن العَيني] وفيه- أعني هذا اليوم- قُبض على الشهاب أحمد بن العَيني، وسُجن بالقلعة لمالٍ بقي عليه من مال المصادرة التي تقدّم الكلام عليها (١). [إرسال النفقة للأمراء] وفيه- أعني هذا اليوم أيضاً- بعث السلطان النفقة للأمراء المجهّزين للسفر لقتالط شاه سوار، فحمل إلى قرقماس الجَلَب أمير مجلس ثلاثة آلاف دينار، ولكلّ من الألوف الذين قدّمنا ذكرهم كذلك، إلّا الأتابك أُزْبَك، فإنه لم يعيّن إلى الآن، لإظهاره غاية الامتناع والإعراض عن التوجّه حين عيّنه السلطان. وأمّا تمر الحاجب فكان السلطان قد أنعم عليه قبل ذلك بثلاثة آلاف دينار غير هذه، فصار مجموع ما وصل إليه من السلطان ستة آلاف دينار. وكان قَرَاجا الطويل مسافراً بالوجه القِبلي في بعض جهات إقطاعه، وهو من المعيّنين، لكنْ لم يحمل إليه النفقة لغيابه، وكان الأتابك أُزبك أيضاً غائباً بالبُحيرة، على أن السلطان مُصِرّ على تعيينه، وحمل إلى خير بك من حديد الأشرفي، وجانِبَك الزَيني المؤيَّدي، وهما من الطبلخاناة، لكلِّ منهما خمسمائة دينار، والعشرات وهم أزيد من عشرين لكل واحدٍ مائتي دينار، فكانت هذه النفقة في الجند والأمراء نحو الأربعمائة ألف دينار، فإن الجند كانوا ألفاً وخمسمائة من الأشخاص، فانظر إلى هذه الأموال وإتلافها لا على طائل، بل انظر إلى ما ذهب من الأنفس بعد ذلك. فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه. إنّا للَّه (٢).
следующие страницы →