← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وسار في جماعة من خواصّه متوجهاً إلى بركة الجبّ، ثم منها إلى الخانكة، ثم عاد إلى عين شمس التي بها العَمود السارية، المسمّاة بمسلّة فرعون، فنزل بها ولم ينزل من حين ركوبه وتوجّهه إلى بركة الحاج المذكورة، ثم الخانقاه، ثم ( … ) (١) في هذا النزول الذي بعين شمس هذه، وأقام يومه ذلك هناك، ثم عاد إلى القاهرة وصعِد القلعة، والقالة موجودة بأنه سيكون فتنة، ولهج الكثير من الناس بذلك، وأن لا بدّ من الركوب على السلطان، ومع هذه الإشاعات لم يركب وينزل، بل كلّما بلغه شيء (٢) من ذلك يركب وينزل من القلعة، كأنه يشير إلى أنه لا حسّ عنده من ذلك ولا من هذه الإشاعات، ولعلّه أرجل في ذلك، فإنهم خمدوا بعد ذلك، بل وقبله ولا زال بهم، وهو يأخذ الواحد بعد الواحد من عدّة من الطوائف، حتى ما خلّى ولا بقّى على ما سيأتي ذلك في محالّه إن شاء اللَّه تعالى، ولا سيما بعد الثمانين (٣). [وصول قاصدشاه سوار] وفيه، في يوم الخميس، سادسه، ورد الخبر إلى القاهرة بوصول قاصد شاه سوار بن دُلغادر إلى الخانقاه (٤) في هذا اليوم، وأشيع بأنه حضر لتقرير الصلح بينه وبين السلطان. ولما بلغ السلطالن ذلك أمر بردّ القاصد المذكور من حيث جاء، فخرج له الأمر بذلك، فعاد من الخانقاة (٥). [خروج الأتابك أُزْبَك إلى البحيرة] وفيه، في يوم الجمعة، سابعه، خرج الأمير الكبير الأتابك أُزبَك إلى جهة البحيرة، لأجل فساد العربان بها، عساهم يكفّوا عن ذلك. [إحضار جنازة الطواشي شجاع الدين] وفيه، في يوم السبت، ثامنه، أحضرت جنازة الطواشي شجاع الدين شاهين غزالي إلى مصلّى سبيل المؤمني. وكان شاهين قد توفي في ليلة السبت هذه، ونزل السلطان في هذا اليوم للصلاة عليه، ثم ركب فرسه وتوجّه من هناك إلى جهة

стр. 1262

بساتين الوزير، في جماعة قليلة من خواصّه، ونزل بالقرب من بركة الحبش، وأقام إلى آخر هذا النهار، ثم عاد إلى القلعة. ثم لما أصبح في يوم الأحد تاسعه، نزل أيضاً من القلعة، فتوجّه إلى قريب المطرية ونزل هناك، ثم عاد في آخر النهار، وتكرّرت ركبات هذا السلطان حتى خرجت عن الحدّ، ولا سيما بالسنين الآتية بعد هذه السنة، حتى أهمل عدّة من المؤرّخين الكثير من ركبانه لكثرتها و ( … ... ) (١) يحدّ الضبط. (نادرة غريبة من المعقولات) (٢) وفيه- أعني هذا اليوم- أحضر شيخ من الجند (السلطاني) (٣) يسمّى يوسف السيفي يشبُك الصوفي (٤) حصاة إلى شيخنا العلّامة الشيخ أمين الدين الأقُصُرائي، زِنتها نحو السبع دراهم، مكتوب على أحد شقّيها: "قرُب الوقت"، وعلى الشق الآخر: "اعتبروا واتقوا اللَّه" بخط ناتيء (٥) كالعروق في الحجارة بصفة غريبة بغير نُقط تؤذن من رآها أنها ليست من فعل البشر لهما في هيئة خطها من الغرابة، ولون الحصاة إلى السُمرة، والخط إلى الغبرة والسواد، وذكر يوسف هذا أنه وجدها بالقرب من دار الضيافة بالصّوّة، وذكر أنه وجدها كالتي تتحرّك وتمشي، بل وجدها تمرّ بين يديه. ولما ذكر ذلك للشيخ حصل عنده من ذلك غاية الخشوع والاستكانة، لأنه حمل يوسف هذا على الصدق. ثم أمره أن يبديها للناس، ويذكر لهم كيف وجدها. والظاهر، بل الجزم اليقين أنها قد افتُعل بها ذلك، ولعلّها من فعل الذي ذكر أنه وجدها، فإنه عجيب في مثل هذه الأمور، فإنه يكاد أن يكون شيطاناً، بل هو شيطان في خفية إنسان. [ترجمة يوسف السيفي يشبك الصوفي] ٤٤٣ - وهو موجود إلى الآن، كان يشبك الصوفي قد اشتراه وأعتقه، ودام عنده حتى مات (٦).

стр. 1263

تنقّل في خِدم عدّة من الأمراء إلى أن قدم (!) عن قرقماس الجَلَب، فلما قبض عليه من الصعيد بَطَل يوسف هذا وتعطّل لم يخدم، وهذا يدّعي التمسيح والمعرفة التامّة، وأنه من الأولياء، بل الواصلين إلى اللَّه تعالى، مع خُبث طبع ورداءة اعتقاد، وكثرة انتقاد على الناس أشياء لا تعنيه، والدعوى العريضة، والبأو الزائد، مع دناءة أصله وخموله وفقره وفاقته، وصار يدّعي أشياء كثيرة، من كونه عارفاً باللَّه، وبسائر المعارف الإلهية، بل والعلوم وسائر الفنون، ويدّعي أنه يعرف القراءات ومخارج الحروف، بحيث لا يدانيه في معرفة ذلك غيره، وليس عنده مما يدّعيه ولا أدنى جزئية، بل هو جاهل وضيع، غبيّ، كثير الوقيعة في العلماء وأهل الصلاح، مع إظهار الإستكانة والخنوع والخضوع، وإطالة السجود والركوع والتديّن والزُهد والورع الذي ما عنه مزيد والعفّة، كل ذلك شيطنة منه ورَوْكدة، وقد خدع الكثير من الأجلاب والمماليك، بل وغيرهم من الجهلة، وله أبحاث يخترعها للجهلة لا يعبأ اللَّه بها، يظنّها علماً، وهو عن العلم بمعزل، وعنده من الحِيَل والمكايد ما يعجز عنها مشارك. آل به الأمر أن تردّد إلى الخانقاه الشيخونية، وتحيّل في أن حصَّل له بها خلوةً سكنها، ثم تحيّل في أن رتّب له بها رغيفاً، وفرّقه على عيبة صوفتها، وهو مقيم بها الآن، يَغْترّ به من لا يعرف حاله، لحُسن سمْتٍ يُظهره، وجودة مجالسه، وغِنى وتواضع يُظهرهما، بل سمعت عنه أشياء، ورأيت من يدينه بعظائم تشينه في دينه. وكان قد بلغني ما ذكرته من أنه وجد هذه الحصاة على ما ذكرناه، فسألته عن ذلك، فأجاب بأن ذلك حقيقة، وأنه وجدها في يوم موت شاهين غزالي وهي تمشي، فأخذها فإذا هي كلما وصفنا، ثم أحضرها لي لما خَلَوت بالخانقاه الشيخونية، في ثالث عشر شعبان سنة تسع وثمانين، وإذا هي مودعة بحُقِّ من نحاس مغطَّى (١) فأخرجها لي منه وأرانيها على الصفة المشروحة، وقدرة اللَّه تعالى صالحة لأعظم من هذا، لكن الظاهر، بل اليقين ما ذكرناه من كونه مفتعَلة، فإن الذي ذكر أنه وجدها صاحب مُحَالا [ت] وكثير من التُرَّهات، وهو من أبناء ما يزيد على الأربعين سنة. سامَحَنا اللَّه وإيّاه (٢). (تعيين التجريدة الثانية لشاه سوار) (٣) وفيه، في يوم السبت، خامس عشره، كان عرض الجُند بين يدي السلطان

стр. 1264

بالحَوش، وعيّن منهم جماعةً كثيرة للخروج لقتال شاه سوار، وكان قد عُيّن قبل ذلك عدّة من الأمراء، وهم الأتابك أُزْبَك، وأظهر الامتناع من التوجّه، حتى تلطّف به بعد ذلك، وكان هو باش العساكر، وقَرقماس الجَلَب أمير مجلس، وسُودُون القصرُوي رأس نَوبة النُوب، وتمر من محمود شاه حاجب الحجّاب المعروف بالوالي، وقَرَاجا الطويل الأشرفي الإينالي، الذي وُلّي نيابة حماة بعد ذلك، وهؤلاء مقدَّمو (١) الألوف، وعيّن عدّة من الأمراء غيرهم من الطبلخاناة: خير بك من قديد الأشرفي، وجانِبَك الزَيني المؤيَّدي، ومن العشرات عدّة كبيرة فوق العشرين من سائر طوائف الأتراك. ولما أخذ السلطان في هذا اليوم في تعيين من يقبض عليه بقي يكتب من شاء سفره، ومن لم يُرِد سفره، فإن كان من ذوي الأقاطيع ألْزمه بمائة دينار يذكر له السلطان أنه يقيم بها بديلاً عنه، أو يعطي لمن يسافر، ومن لا إقطاع له ألزمه بحمل عشرين ديناراً، وتم له هذا القصد وما أراد، ومشى ذلك، ووزن أهل الأقاطيع المائة دينار، وأقام القليل منهم عنه بديلاً، وأخذ من الغير (٢) المقطعين العشرين، وما انتطح في ذلك عنزان، ولا اختلف في ذلك اثنان، وفعل ذلك مع كل إنسان، من سائر أجناس العسكر من المماليك الذين مسّهم الرق وغيرهم ومع الأعيان، وعُدّ ذلك من نوادره، ثم جيء إليه ما طلبه بكماله وتمامه، وما سلم من ذلك إنسان، وكان ذلك من غريب الاتفاق. وحصل للسلطان من ذلك مال طائل، ذهب كأنه لم يكن، وما أضافه إليه أيضاً على ما ستعرف ذلك من حال كسر العساكر وقتْلهم (٣). [استعراض السلطان للجند] وفيه، في يوم الأحد، سادس عشره، جلس السلطان للعرض أيضاً بالحوش، ثم استدعى بالجند واحداً بعد واحد، وهو يفعل معهم مثل ما فعل بالأمس، لكنْ كثُر الدعاء عليه من المأخوذ منهم، وتمنّوا زواله، وبقوا يودّون قيام فتنة، وثوران شرّ، ويتمنّون ذلك ويستشرفون له، ويأبى اللَّه إلّا ما أراد، فإنه دام في سلطنته وغيره مستمراً إلى يومنا هذا، بل تسلّط عليهم بأنواع التسلّطات (٤) حتى قهر الجميع

стр. 1265

وتملّك وتمكّن، وأقام المماليك الكثيرة، وضخم وعظُم جدّاً، فإنه جسر فكبر، وما هاب فما خاف، وجمع فأوعى. [تفرقة الجامكية] وفيه، في يوم الإثنين، سابع عشره، فُرّقت الجامكية بحضور السلطان أيضاً، وجلس على الدكّة وهو ينظر في كل من قبض جامكيّته، مع التنكيت على بعضهم، والنقد للناس، وتسميعهم الكلام السّيئ والتفتيش على أحوالهم حتى نزقوا منه. [القبض على الشهاب ابن العَيني] وفيه- أعني هذا اليوم- قُبض على الشهاب أحمد بن العَيني، وسُجن بالقلعة لمالٍ بقي عليه من مال المصادرة التي تقدّم الكلام عليها (١). [إرسال النفقة للأمراء] وفيه- أعني هذا اليوم أيضاً- بعث السلطان النفقة للأمراء المجهّزين للسفر لقتالط شاه سوار، فحمل إلى قرقماس الجَلَب أمير مجلس ثلاثة آلاف دينار، ولكلّ من الألوف الذين قدّمنا ذكرهم كذلك، إلّا الأتابك أُزْبَك، فإنه لم يعيّن إلى الآن، لإظهاره غاية الامتناع والإعراض عن التوجّه حين عيّنه السلطان. وأمّا تمر الحاجب فكان السلطان قد أنعم عليه قبل ذلك بثلاثة آلاف دينار غير هذه، فصار مجموع ما وصل إليه من السلطان ستة آلاف دينار. وكان قَرَاجا الطويل مسافراً بالوجه القِبلي في بعض جهات إقطاعه، وهو من المعيّنين، لكنْ لم يحمل إليه النفقة لغيابه، وكان الأتابك أُزبك أيضاً غائباً بالبُحيرة، على أن السلطان مُصِرّ على تعيينه، وحمل إلى خير بك من حديد الأشرفي، وجانِبَك الزَيني المؤيَّدي، وهما من الطبلخاناة، لكلِّ منهما خمسمائة دينار، والعشرات وهم أزيد من عشرين لكل واحدٍ مائتي دينار، فكانت هذه النفقة في الجند والأمراء نحو الأربعمائة ألف دينار، فإن الجند كانوا ألفاً وخمسمائة من الأشخاص، فانظر إلى هذه الأموال وإتلافها لا على طائل، بل انظر إلى ما ذهب من الأنفس بعد ذلك. فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه. إنّا للَّه (٢).

стр. 1266

(استعفاء قرقماس من السفر وعدم إجابته) (١) وفيه- أعني هذا اليوم- لما حُملت النفقة إلى قرقماس الجَلَب ركب من داره وصعِد إلى القلعة من وقته، فاجتمع بالسلطان، وسأله الاستعفاء، وتبرّم من السفر غاية التبرّم، وألَحّ في يومه هذا على السلطان غاية الإلحاح في عدم سفره، حتى التمس منه أن يأخذ إمرته منه، ويتركه يقيم طرخاناً بأيّ مكانٍ اختاره السلطان، فلم يسعفه لمراده، وصار كلّما تبرّم وسأل أن يعفيه أظهر السلطان معاكسته، حتى خاشنه في اللفظ، وأكّد عليه في سفره وألزمه به، وتم له ذلك، وتعجّبنا من ذلك بعد أن جرى من كسر العسكر ما جرى، وقبِل قرقماس، فكأنّ قائلاً قال له: إن توجَّهت فإنك لن ترجع وتموت مقتولاً في خرجتك هذه، وغلب القضاء بذلك، فخرج مع حرصه على عدم ذلك، كيف وقد كان في خروجه فراغ أجله، فأنَّى له أن يستأخر. ولما نزل قرقماس في هذا اليوم إلى داره بعد ما وقع له مع السلطان، لهج الكثير من الناس بوقوع فتنة، حتى شاع ذلك وذاع، وفشا بينهم بأنه سيُركب على السلطان، حتى بلغ نفس السلطان ذلك، فما التفت إليه ولا عرّج عليه (٢). [الإفراج عن ابن العَيني] وفيه، في يوم الأربعاء، تاسع عشره، أُفرج عن الشهاب أحمد بن العَيني ونزل إلى داره بعد أن حمل شيئاً من المال، وخلع عليه السلطان، كاملية زعموا أنها خلعة الرضا (٣). (نزول السلطان لينظر بذلك ما أشيع من الركوب عليه) (٤) وفيه، في يوم السبت، ثاني عشرينه، نزل السلطان من القلعة ومعه بعض قليل من خواصّه وخاصكيّته، وتوجّه إلى ناحية خليج الزعفران فنزل به، وأقام هناك متنزّهاً إلى آخر نهاره هذا، ومُدّت له الأسمطة وغيرها، ثم عاد إلى القلعة. وكانت لما كثُرت الأراجيف بثوران فتنة وكثُرت الإشاعات بالركوب عليه، لا سيما وقد خاشن قرقماس بالكلام، وفعل مع الجند ما فعل مما تقدّم ذكره، أراد أن

стр. 1267

يبيّن لهم عزمه وهمّته، فنزل لهذا المعنى، وأبطل بهذا النزول تلك الإشاعات وأكذب القالة، وعلم كل أحد بأنه مستخفّ بالقوم، وبهذا المقتضى ينبغي أن لا يشك في أن بداية هذا السلطان في سلطنته كانت كنهاية الكثير من السلاطين، بل فوقها في هذا المعنى الذي نحن فيه، إذ لم يقع مثل هذا لأحدٍ من ملوك التُرك، من يوم سلطنة المعزّ أيبك وهلُمّ جرّاً إلى يومنا هذا، وأنت خبير بذلك إن كنت على بصيرة من ذلك، وإلّا فارجع إلى التواريخ تعلم صحة ما قلناه، ولعلّ ذلك كذهاب الرجال وذوي الهِمم من أكابر الأمراء الذين كان يُخشى من شرورهم وعزائمهم (١). [شهر رجب الفرد] وفيها استهلّ رجب الفرد بالأحد، وهُنّئ به السلطان، ووافق هذا اليوم العشرين من شهر طوبة من شهور القبط. [قدوم الأتابك أُزبَك من البُحيرة] وفيه- أعني هذا الشهر، في هذا اليوم-، قدم الأتابك أُزبك من البحيرة، وصعِد إلى القلعة بعد عصر نهاره هذا في ليلة الموكب، وأخبر السلطان بصلاح البحيرة عمّا كانت قبل ذلك، وبات بالقصر. (تعيين الأتابد أُزبك باشا على العساكر) (٢) وفيه، وفي يوم الإثنين، ثانيه، لما أصبح السلطان فعمل الخدمة وأقيم الموكب، عيّن السلطان الأتابك أُزبَك المذكور للسفر لشاه سوار، وشافهه بذلك، وأنه الباش على العساكر، فتوقف عن ذلك، وأخذ في الاعتذار بأشياء، منها: قلّة ما في يده من الموجود، وذكر ما ذهب له قبل ذلك في الواقعة التي جرت من برْك وخيول وقماش ويَرَق وغير ذلك، فلا زال السلطان يتلطّف به حتى أذعن وأجاب إلى السفر، ونزل إلى داره والقاله بوقوع الفتنة موجودة، والإشاعة بالركوب على السلطان فاشية من غير تصريح بذِكر أحدٍ بعينه يذكر عنه ذلك أو يُنسَب إليه، وما كفى الناس هذه الأراجيف ووقوع الغلاء الذي أجحف، ووجود الطاعون، إلا أنه غير فاشٍ، لكن الإرجاف عمّال بأنه سيفشو، حتى زاد لَهَج الناس، وأفشوا الإشاعة بأن الفتنة كائنة لا محالة، حتى نقل الكثير من الناس أثاثهم وأمتعتهم إلى

стр. 1268

الحواصل، ونقل أهل الديار الملاصقة لصور الميدان حوائجهم، وجزم جماعة بوجود الفتنة ووقوعها. [وصول قاصد حسن بن قرايُلُك] وفيه- أعني هذا اليوم- طلع قاصد حسن بن قرايُلُك، صاحب ديار بكر، بل وصاحب أَذَرْبَيْجان والعراقين، وعلى يده مكاتبة مُرسِله وبعض هدية، وهي خمسة (١) جمال بَخَاتي جياد، ومملوكان من جنس الجركس، وزَرَدية جيّدة جدّاً، وأحضر معه عدّة مفاتيح لعدّة حصون وقلاع، سمّاها في مكاتبته، مما استولى عليها حسن المذكور من ملك العراق وأذَرْبَيْجانَ من ممالك جهان شاه بن قَرايوسف، وأكثر من التواضع في مكاتبته إلى الغاية، وذكر فيها أنه من جملة مماليك السلطان، وأن كل ما (٢) ملكه من البلاد من ممالك وقلاع وغيرها إنما هو زيادة في ممالك السلطان، وأنه نائبه في جميع ذلك، وأنه يلتمس أن يبعمث إليه الخِلَع بذلك ليتشرّف بها، فاغترّ هؤلاء بذلك، حتى كان هو السبب الأعظم في طمعهم بعد ذلك في مملكة حسن، لا سيما بعد موته، حتى جرى عليهم من كائنة مايُنْدُر من ذلك ما جرى كما سيأتي ذلك في محلّه من سنة خمس وثمانين (٣) إن شاء اللَّه تعالى. ثم إن السلطان أكرم هذا القاصد غاية الإكرام، وأنزله وأجرى عليه من الرواتب ما يليق بمثله، بل وزيادة، وأجابه لكل ما سأله مرسله. وكان من أمره ما سنذكره (٤). (بداية فشاء الطاعون بالقاهرة) (٥) وفيها- أعني هذا الشهر- أخذ الطاعون في الفشاء والظهور بالقاهرة. وفيه، في يوم الخميس، خامسه، كانت عدّة من يرد اسمه لديوان المواريث الحشرية من الموتى بالطاعون خمسةً وأربعين نفْساً، وهذا هو التعريف. ثم أخذ الطاعون في التزايد شيئاً فشيئاً، كما سنذكره لك وتعرفه إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 1269

[ضيافة السلطان قاصد حسن الطويل] وفيه، في يوم الإثنين، تاسعه، طلب السلطان قاصد حسن الطويل إلى القلعة، وأضافه ضيافة حافلة هائلة ملوكية، وذلك بالحوش السلطاني من القلعة، ثم أضافه بضيافة ثانية في داخل البحرة، وخلع عليه كامليّة بسمّور وفوقاني بطرز زركش، وكان من الفواقي (١) الهائلة. وكان مع هذا القاصد ولده، فخلع عليه أيضاً كاملية هائلة، وحُمل إلى القاصد ألف وخمسمائة دينار، وأشياء أُخر، وجهّز معه خِلعاً هائلة لمرسله، وهدية جيدة ما بين شقق وتفاصيل إسكندراني، وغير ذلك من تُحف وطُرَف وأشياء لائقة. ثم أذِن له بالسفر في يوم الخميس، ثم وادعه بعد أن تكلّم معه بكلام كثير، فيه التعظيم لحسن، وملاطفته وإظهار محبّته ومساعدته على جميع مآربه ومقاصده، وأنه عضده في جميع أموره، وقائم معه في كل ما يرومه (٢). [ضيافة يشبُك من مهدي لقاصد حسن الطويل] وفيه، في يوم الأربعاء، حادي عشره، عمل يشبُك من مهدي الدوادار الكبير ضيافة هائلة بداره، وأضاف قاصد حسن المذكور، ثم بعث إليه بخمسمائة دينار وعدّة خيول وقماش وسلاح وغير ذلك، فإن حسن المذكور كان بعث ليشبُك هذا مكاتبة على يد قاصده هذا، وبعث إليه ببعض هدية، وأظهر وداده [ب] مكاتبة يشبُك أيضاً، وبعث إليه بهدية. وكنت أنا قد وقفت على القوائم التي جاءت صحبة هذا القاصد، بجملة هدايا فصّلها في هذه القوائم من السلطان إلى ما دونه من بعض الأمراء، ومنهم جانبك الفقيه الأميراخور حينئذٍ. ورأيت اسم يشبُك في إحدى القوائم، وكانت (٣) مكتتبة بالفارسيّ، وعرفت ما بعث به إليه، ولم يحضُرني الآن من ذلك إلّا ما رأيته برأس القائمة مكتوباً مصحف شريف، ثم أخذ بعده في تفصيل ما بعث به، لكنه لم يحضُرني الآن. [سفر القاصد إلى بلاده] وفيه، في يوم الخميس، ثاني عشره، خرج القاصد المذكور مسافراً إلى جهة مُرسِلِه معزَّزاً مكرّماً مبجّلاً، بعد أن حصل له غاية الإنصاف، على ما عرفتَ ذلك،

стр. 1270

وأعيدت له أجوبته مما ذكرناه، وفيها غاية التعظيم لحسن. [النداء بالنفقه للجند] وفيه- أعني هذا اليوم- نودي بالنفقة في الجند المعيّن للتجريدة إلى شاه سوار، وأنها تكون في يوم السبت. (خسوف القمر في هذا الشهر) (١) وفيه، في ليلة السبت، رابع عشره، خُسِف جُرم القمر، وابتدأ به ذلك من غيبوبة الشفق حين وقت العشاء، وعمّ الخسوف جميع الجُرم، حتى أظلم الجو من ذلك، وصار كلّياً في السرر، ثم انتهى انجلاؤه إلى ستين درجة وبعض دقائق. (تفرقة النفقة على الجند) (٢) وفيه، في يوم السبت المذكور، طلع الجند المعيّنون لأخذ النفقة، وجلس السلطان على الدكة بالحوش لتفرقتها، ثم فُرّقت بين يديه، وأُعطي كلُّ نفر مائة دينار، ثم لم ينته ذلك في هذا اليوم، وكان نهايتها بعد ذلك كما سنذكره (٣). [تحريض السلطان أمراء جيشه على قتال شاه سوار] وفيه، في يوم الإثنين، سادس عشره، أخذ السلطان في أثناء الخدمة والأمراء حاضرون بها يحرّض الجيش المعيّن إلى قتال شاه سوار، بل وعرض من عيّنه من الأمراء، ويحضّهم على حسن الرأي والاتفاق وعدم المخالفة فيما بينهم، لينالوا بذلك الغَلَبة على عدوّهم، وأخذ يحرّضهم أيضاً على القتال. [انتهاء التفرقة على الجند المعيّنين لتجريدة شاه سوار] وفيه، في يوم الثلاثاء، سابع عشره، كانت نهاية تفرقة النفقة على الجند المعيّن لشاه سوار، وجلس السلطان لها حتى فُرّقت وتمّت بين يديه، ثم بعد الفراغ منها عين بعض الأمراء من الذين عُيّنوا للخروج مع التجريدة، وعيّن معهم عدّة من الجند أيضاً ممن عيّن لها أيضاً، وأمرهم بأن يتوجّهوا في المراكب بالبحر الملح بغلال، تكون عوناً ومقدّمة للعساكر بتلك البلاد، وأنهم يتوجهون بذلك إلى

стр. 1271

سواحل البلاد الحلبية ومينيها (١)، لِما أُخبروا من وجود غُلوّ الأسعار بتلك البلاد، وشدّة ما الناس فيه من عظَم الغلاء بالشام وحلب وطرابلس وغيرها من البلاد الشمالية، وكان قد ورد الخبر بأن الغرارة القمح أبيعت بدمشق بعشرين دينارًا، والشعير بزيادة على العشرة. وأمّا بحلب فبأزيد من ذلك. [تزايد موتى الطاعون بمصر] وفيه، في يوم الأربعاء، ثامن عشره، كان عدّة من يرد اسمُه الديوان الحَشْري واحداً (٢) وستين نفراً، والأمر في التزايد في كل يوم، والناس في الوجل من ذلك، لا سيما ذوي الأولاد والأطفال، هذا مع وجود الغلاء وكثرة الهَرَج والمَرَج، والقيل والقال، والإشاعات الفاشية بوقوع فتنة. وكان ذلك من نوادر الطواعين، لِما في ذلك من اجتماع هذه الأشياء التي قَلّ أن اجتمعت في عصر واحدٍ على هذا الوجه. وفيه، في يوم الجمعة عشرينه، كان عدّة من يرد التعريف به من الأموات بالديوان مائة نفر، وهذا ما يُعرَّف به، وأمّا من لا يُعرّف به فلعلّه أضعاف ذلك، على ما جرت به عادة الأوبئة في الفصول (٣). [تفرقة الجامكية والكِسوة سَلَفاً] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثالث عشرينه، فرّق السلطان الجامكية على العسكر المعيّن للتجريدة، وكذا الكِسوة، فأعطى (٤) كل إنسان من الجند جامكية أربعة شهور وكِسوة سنته سلفاً وتعجيلاً (٥). [خروج القاضي الأنصاري إلى نابلس لجمع العشير] وفيه، أعني هذا الشهر في هذه الأيام، ندب السلطان القاضي شرف الدين موسى الأنصاري (٦) وعيّنه للخروج إلى نابلس، لجمع العشير القوّاسة الرجّالة، منها

стр. 1272

ومن غيرها من أهل تلك النواحي، وينفق عليهم، ويجهّزهم بالتّوجّه إلى قتال شاه سوار صحبة العساكر المجهّزة إليه، وندب معه جماعة من الأمراء والجند لمساعدته على مقصده. وكان ما سنذكره (١). [تفرقة الجِمال على الجُند المُعيّن للتجريدة] وفيه، في يوم الثلاثاء هذا، كان تفرقة الجمال على الجُند المعيَّن للتجريدة، على العادة في ذلك، لكل واحدٍ منهم بعير، وأُحضِرت الجِمال وهي (٢) غُمّ إلى الميدان من جهة باب القرافة، ومعها العرب الهجّانة تسوقها، فازدحمت عند باب الميدان حين أرادوا إدخالها إليه، وتعالى بعضها على بعض لكثرة ازدحامها، فمات منها نحو الثلاثمائة بعير. ويقال: مائتي بعير وخمسين بعيراً، وقيل أنقص بعشرة، وكان موتها في ساعة واحدة، فكانت هذه من أغرب الحوادث، وتشاءم الناس بذلك، وتفوّه بعضٌ وصرّح بعدم نتاج أمر هذه التجريدة، وكذا كان على ما سيأتي. ثم ما كفى ما جرى من موت هذه الجِمال، حتى عظُمت المصيبة في شَيْلها ميتةً لتُرقَى رِممُها بالكيْمان، إذ هو أمر ضروري. وجلس السلطان بمقعد الميدان، وقد تأثّر لموت هذه الجِمال، ثم فُرّقت على الجند بحضوره. وبلغني أنه مات بوّاب الميدان معصوراً بالباب، فإنه كان واقفاً قدّامه لما فتحه، فلما دخلوا وازدحموا بقي وراء الباب وعصره حتى مات. وما حرّرتُ هذا (٣). [ازدياد الوفيات بالطاعون] وفيه، في يوم الخميس، سادس عشرينه، ووافق خامس عشر أمشير، نُقلت الشمس إلى برج الحوت فكان من يرِد اسمه إلى الديوان الحَشْري من الأموات في هذا اليوم مائة نفر وسبعة أنفار أيضاً، ومن هذا اليوم أخذ الطاعون في الزيادة على ما سنذكره. [خروج القاضي شرف الأنصاري لتجهيز العشير] وفيه، في يوم السبت، ثامن عشرينه، خرج القاضي شرف الأنصاري، الماضي خبر تعيينه، وسافر في هذا اليوم إلى ما نُدب له من تجهيز العشير المشاة مع العساكر، وخرج معه عدّة من الأعيان، وحمل معه نحو المائة ألف دينار للنفقة

стр. 1273

على العشير، خلا ما يأخذه من التعلّقات السلطانية بتلك البلاد، وهذا كلّه زيادة على المقدار الذي قدّمنا ذكره في النفقة. فانظر إلى هذه الأحوال، وذهاب هذه الأموال. فليت شِعري ماذا يكون الجواب عنها بين يدي المُتعال، في يوم السؤال، وعِظَم الأهوال. [شهر شعبان] وفيها استهلّ شهر شعبان بالإثنين بالرؤية، وطلع القضاة إلى السلطان فهنّاوه (١) به. (ولاية ابن بقيّ تدريس المالكية بالخانقاه الشيخونية) (٢) وفيه استقرّ في تدريس المالكية بالخانقاة الشيخونية الشيخ الإمام، العالم العلّامة، محيي الدين، أبو الثناء (عبد القادر بن أحمد (٣) بن محمد بن أحمد بن علي) (٤) الدميري، القاهري، المالكي، المعروف بابن بقيّ، وُلّيها عِوضاً عن الحسان بن حُرَيز بعد وفاته، على ما سيأتي ذلك في تراجم هذه السنة. وكان القائم بولايته لهذه المشيخة شيخنا العلّامة الكافِيَجي شيخ الشيوخ بالخانقاة المذكورة، فإنه صحبه معه في هذا اليوم حين طلوعه إلى تهنئة السلطان بالشهر في خلوة، وجَمَعَه على السلطان، وعرّفه بمقامه، وأنه من كبار أهل العلم، بل وأعلم من ابن (٥) حُرَيز المتوفَّى، وأنه يستحقّها بشرط الواقف، وأنها كانت وظيفة والده من قبل، فأجاب السلطان بولايته إيّاها، بل قال لشيخنا: ولِّهِ أنت، فأنكره الناظر، ولا دافع لي ولا مطعن فيما نفعله، بعد أن عظّم شيخنا إلى الغاية، وقال له: مرجع هذا الأمر إليكم. (ترجمة محيي الدين ابن بقيّ) (٦) ٤٤٤ - والمحيوي ابن (٧) بقيّ (٨). هذا موجود الآن، وهو قاضي القضاة المالكية بعصرنا هذا، وُلّيها بعد هذا

стр. 1274

التاريخ بمدّة، وكان سبب ولايته لها مع قدرة اللَّه تعالى تعريف شيخنا إيّاه للسلطان، فإنّ هذا لا زال بذهنه، حتى ولّاه القضاء الأكبر. فلنترجم قاضي القضاة هذا على عادتنا، فنقول: ولد بالقاهرة في سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وبها نشأ. فحفظ القرآن العظيم، ثم كُتب ابن الحاجب الثلاثة (١) في الفقه وأصوله والنحو، ونشأ ذكيّاً، زكيّاً، فطِناً، يقِظاً، حاذقاً، فَهْماً، واشتغل، فأخذ العلم عن جماعة من علماء عصره، كالشيخ عُبادة، والزين طاهر، والعلّامة أبي القاسم النُويري، وأذِن له، ثم لازم شيخنا العلّامة السيف الحنفي، وأظنّه أخذ عن الكمال بن الهُمام أيضاً وآخرين من العلماء. ولم يزل مشتغلاً محصّلاً حتى برع ونبغ وشُهر وذُكر، وأفتى ودرّس، وناب في الحكم عن الولي السنباطي فمن بعده، ثم تقلّل من تعاني الأحكام، معٍ الخير والدين المتين، والانجماع عن الناس، لا سيما أهل الدنيا، وخصوصا ذوي المناصب منهم، مع ملازمة الإقراء، والانعكاف على الفتوى، ونفع الطلبة، حتى صار المشار إليه في مذهبه، والمعوَّل عليه فيه، وقُصد بالفتاوى، وأتقن الكتابة عليها، وصار من أعيان المالكية، ومن أَمثلهم طريقة ووجاهة وعفّة. ووُلّي تدريس المالكية بالخانقاة الشيخونية في هذا اليوم كما ذكرناه. وكان بيده قبل ذلك وظيفة بها، ولم يزل على ما هو عليه من الخير والعلم، إلى أن شغر منصب القضاء، بعد صرف البرهان اللقاني عنه، على ما سيجيء ذلك في محلّه إن شاء اللَّه تعالى، فتكلّم فيمن تولّى القضاء، وذكر لذلك جماعة، بل وكتبت أسماء جماعة بقائمة، وعُرضت على السلطان. وآل الأمر أنْ طلب السلطان صاحب الترجمة من غير سعي ولا تحرُّكٍ في ذلك، فولّاه القضاء مسؤولاً (٢) في ذلك، وذلك في يوم الإثنين تاسع شهر رجب سنة ست وثمانين وثمانمائة، وذلك بعد ولاية الزَين زكرياء القضاء الشافعية بخمسة أيام، ونزل في أُبَّهة وموكب حافل، وكان له يوماً مشهوداً، وباشر القضاء بعفّة زائدة، ونزاهة نفْس، وحُرمة وشهامة، وتواضع زائد، وحُسن سمت، وتؤدة وسكون، وحسن مُداراة للناس، والوصول إلى أغراضه الصحيحة على أحسن ما ينبغي بلباقة ولياقة

стр. 1275

وسياسة ورياسة وكياسة، ووفور حُرمة ومزيد عظمة، مع كفاءة لذلك، ووجاهة في مذهبه، وهو باق بهذا المنصب المنيف إلى يومنا هذا. وهو من أعظم أحبابنا، وله علينا الأيادي، وبيننا وبينه الوداد والصفاء والإخلاص والوفاء. وسمعنا الكثير من فوائده وأبحاثه، لا سيما في دروس شيخنا العلّامة الكافِيَجي، وكان له به مزيد الاعتناء، ويُثني عليه غاية الثناء، وتقدّمه على الكثير من أصحابه، كثّر اللَّه تعالى في الإسلام من مثله. ٤٤٥ - • وأمّا والده (١) فناهيك به، فالناس به عارفون، وبعلمه وفضله ودينه معترفون. رُشح للقضاء المالكية غير ما مرة. وقد ترجمه جماعة في تواريخهم، وذكره الحافظ ابن (٢) حجر في "إنبائه" (٣). ٤٤٦ - • وأمّا أخوه القاضي عبد الغني (٤)، أحد نوّاب الحكم أيضاً الآن، فهو الأصغر من المحيوي عبد القادر صاحب الترجمة. وهو إنسان حسن من أهل العلم والفضل والخير والتؤدة والسكون وحُسن السمت والملتقى. ولد بالقاهرة في سنة [ثلاثين وثمانمائة] (٥). وبها نشأ فحفظ القراَن العظيم وعدّة متون، واشتغل وشارك الناس في عدّة فنون، وأخذ عن بعض مشايخ أخيه الماضي ذكرهم، وفضل، وناب في القضاء، وحُمدت سيرته وأحكامه، وليس هو بشقيق لأخيه، بل أمّه غير أمّ قاضي القضاة، وكانت من بنات الأعيان من الأمراء، حفِظه اللَّه تعالى وأبقاه، وأدام عُلاه. [تفشّي الطاعون بالقاهرة وأحوازها] وفيه أيضاً فشا الطاعون بالقاهرة وأحوازها، وكان في جهة الشمال منها أكثر منه في جهة الجنوب، هذا في بدايته، ثم في أواخره صار بالعكس من ذلك.

стр. 1276

ومات فيه جماعة كثيرون، لا سيما الغرباء والأطفال والرقيق (١). [إيفاد المؤرّخ ابن تغري بردي إلى الأتابك أزبك لحثّه على السفر] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثامنه، أمر السلطان صاحبَنا الجمالط يوسف بن تغري بردي بالتوجّه إلى الأتابك أُزبك، والتلطُّف به بما تصل قدرته إليه، وتحسين السفر له باشاً على التجريدة، فنزل إليه، وحسّن له ذلك، وهوّنه عليه، حتى أجاب بالسمع والطاعة، وذكر له قضية النفقة، وأنها ما وصلت إليه من السلطان إلى الآن، فعاد الجمال إلى السلطان، وأخبره بأن الأتابك منشرح الصدر للسفر، وأنه أجاب بالسمع والطاعة، وأنه ذكر أن النفقة لم تحضر إليه إلى الآن، فبدر السلطان في الحال بتجهيز النفقة إليه، فحمل إليه اثني عشر ألف دينار. هذا ما نقلته عن الجمال من تاريخه (٢)، ما ذكره به، بنحو ما قلناه، إن لم يكن بلفظه فبمعناه. (ولاية السراج ابن (٣) حُرَيز القضاء المالكية) (٤) وفيه، في يوم الخميس، رابعه، استقرّ في وظيفة القضاء المالكية بالديار المصرية السيد الشريف سراج الدين بن حُرَيز، عِوَضاً عن أخيه الحسام بن حُرَيز، الآتي في التراجم، وكان ذلك بعد موت أخيه بثلاثة أيام، ونزل في موكب حافل. والسراج هذا موجود إلى الآن في هذا الزمان، فلْنُتَرجمه على عادتنا في تراجم الأحياء، فهو: ٤٤٧ - عمر بن أبي بكر بن محمد بن محرز بن أبي القاسم بن عبد العزيز بن يوسف بن رافع بن جندي بن سلطان بن محمد بن أحمد بن حجون بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي زين العابدين ابن (٥) الإمام الحسين ابن (٦) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الهاشمي، القُرشي، العلوي، الحسني، المغربيّ الأصل، المنفلوطي، القاهري، المالكي، سراج الدين، أبو حفص.

стр. 1277

قاضي القضاة المعروف بابن حُرَيز (١)، وهو محرز، وتصغيره على هذه الصيغة بخلاف القياس، وهو الذي به شُهر بنو حُرَيز. وجدّه الأعلى أبو القاسم هو الطهطائي، الوليّ المعروف المشهور بالكرامات، وحُرَيز هو صاحب الرباط بمنفلوط الذي به أولاد حُرَيز الآن. ولد السراج هذا بمنفلوط في سنة تسع عشرة وثمانمائة. وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم، ثم حفظ "الرسالة" و"المُلحة"، وجوّد القرآن على الشهاب الطهطائي، ثم اشتغل فأخذ بالقاهرة عن جماعة منهم الشيخ طاهر وغيره، وشارك أخاه في بعض مشايخه الذين سنذكرهم في ترجمته، وسمع الحديث على جماعة وأسمعه، وناب في الحكم عن البُلقيني وغيره من غير مذهبه، ثم عن الوليّ السُنْباطي المالكي، وحج، وتعانى الدَولبة في الأقصاب كأخيه، وهو على ذلك ليومنا هذا، وكتب على الفتوى، مع تديّن وأمانة وشدّة ويبْس وتصلّب، وهو حسن المعاملة، جيّدها، مع صدق اللهجة. ولما وُلّي القضاء الأكبر حُمدت سيرته فيه، وشُكرت قضاياه، وضخُم في كثير من الأحكام، وحصل عليه كثير من المِحَن بسبب ديون على أخيه، وتوكل به من بيت الدوادار الكبير يشبُك من مهدي، وكان يغُضّ منه ومن أخيه لغرضٍ ما، لا سيما لما كان كاشفاً بالوجه القِبلي، ووكّل به من بيت الدوادار الثاني تَنِبَك قَرا أيضاً، وبقي تَنِبَك يحطّ عليه لما يعلم من غضّ صاحبه يشبُك منه، بل ولعلّه كان السبب الأعظم في صرفه عن القضاء بعد ذلك، بتحسين ولاية البرهان اللقاني للسلطان، وآل الأمر بعد ذلك أن تشكّى للسلطان، وعوّدا بطبقة الزمام بالقلعة، كل ذلك وهو على وظيفة القضاء في جميع هذه المِحَن. وزاد تسلّط يشبُك من مهدي عليه لأمورٍ حقدها عليه وعلى أخيه، حتى قُتل بغُلّ الحسام، مات من قهره من يشبُك المذكور، وآل الأمر في قضية السراج هذا إلى صرفه من القضاء، زعموا أن ذلك لأمور، منها، وهي آكدُها حطُّ يشبُك الدوادار عليه، ثم تَنِبَك قَرا، تبعاً له ذاك لأمرٍ حقده، وهذا لأجل ذاك، لا لغرض له عنده. ومنها أنه قيل: إن يشبُك بعث إليه يطلب منه نسخة "القاموس" التي كانت في ملكه، وورثه من تركة أخيه الحسام، وكانت نسخته عظيمة، وهي عنده إلى يومنا هذا، بل وذكر أنه يبعث إليه بثمنها، فما سمح له بها.

стр. 1278

ومنها: أنه لما أحضر شاه سوار، واستفتى السلطان عليه، فكان السراج هذا من جملة من كتب على بعض الأسئلة في شأن سوار المذكور، وبالغ في كتابته، بحيث كاد أن يخرجه عن الدائرة، وصرّح حين التهنئة بالشهر لما طلع إلى السلطان مع رفقته قضاة القضاة بقتل سوار، وأنه لا يقبل توبته، وكان هو المتكلِّم ابتداءً في ذلك المجلس، مع حضور من هو صاحب الكلام في المجلس، وهو قاضي القضاة الشافعي، ومع حضور بقية القضاة وأعيان العلماء، فلم يعجب السلطان ذلك منه ولا أحبّه، مع كون غرضه التامّ كان في الذي قاله، ومع ذلك فلم يحبّ ذلك، بل وعدّ السلطان ذلك من جسارته وجرأته، فصرّح بعد ذلك بعزله، ووُلّي البرهان اللقاني عِوضه، على ما سيأتي ذلك في سنة وقوعه إن شاء اللَّه تعالى. وجرت على السراج بعد ذلك مِحَن كثيرة أيضاً، ومع ذلك كلّه فهو على ما هو عليه من شهامته، ولا التفت ليشبُك يوماً من الدهر، مع ما وقع منه في حقّه من التراسيم، وإحضاره إليه، والتوكيل به غير ما مرة، والتسلّط عليه. ودام السراج هذا بعد ذلك كلّه بداره، ثم توجّه لبلده منفلوط (١) في بعض السنين بعد الثمانين، وسكن مدّة بتلك البلاد، يتردّد فيها بين منفلوط وسيوط و ( … ... ) (٢)، ودَولب بها في الأقصاب على عادته، ثم عاد إلى القاهرة، ثم إلى الصعيد، ثم إلى القاهرة، وهو مقيم بها إلى يومنا هذا. وكان قد اتفق له قضية كُسِرت فيها رِجله من سقطة أو نحوها، فجرى وقام وهي معيبة، وبقي يتكلّف في المشي إلّا بعصا (٣). ٤٤٨ - • وله عدّة أولاد وأحفاد، وولده الأكبر يُسمّى تاج العارفين محمد، قاضي سيوط وتلك الأعمال. شابّ حسن، ولديه فضيلة، وعنده ذكاء وحذْق وفطنة، وحُسن سمت، وتؤدة وسياسة، ومداراة للناس. ولد بالقاهرة في سنة () (٤). وبها نشأ، وحفظ القرآن وعدّة متون، واشتغل على أبيه وعمّه وغيرهما، وشُهر بالفضيلة، لكنْ حُبّب إليه منصب القضاء، فاستغرق فيه بتلك البلاد. ومن أولاده- أعني السراج هذا (٥) - ولده موسى، وولده عبد القادر.

стр. 1279

(ولاية يشبُك بن مهدي الأستادّارية) (١) وفيه، أعني هذا الشهر، في يوم الخميس هذا الذي هو رابع شعبان، استقرّ يشبُك من مهدي الدوادار الكبير في وظيفة الأستادّارية، مُضافاً لِما بيده من الدوادارية، والوزارة وكشف الكشّاف بالوجهين القِبلي والبحري، وعُدّ ذلك من نوادره التي لم تقع لمن قبله، وهي من غريب النوادر، وصار يُكتب له الدوادار الكبير، ووزير المملكة، وأستادّار العالية، ومَلك الأمراء، ووُلّي الأستادّارية عن الشرف ابن (٢) كاتب غريب بعد صرفه عنها (٣). [القبض على الأستادّار ابن البقري] وفيه قبض السلطان على زين الدين الأستادّار، وبد [ر] الدين بن البَقَري، فألزم زين الدين بحمل مائة ألف دينار، وابن (٤) البقري لحمل أربعين ألف دينار، فصالح المجد عن ذلك بخمسة آلاف دينار. وأمّا الزين فصمّم على أنه لا موجود له غير دُوره (٥). [سجْن ابن كاتب غريب] وفيه، في يوم السبت سادسه سجن الشرف موسى ابن (٦) كاتب غريب بالبرج من القلعة، بعد أن حُمل إليه من داره في قفص حمّالٍ لتمرّضه، وكل هذه الامتحانات بواسطة يشبُك بن مهدي، فإنه السبب في ذلك، بل هو الفاعل لها، مع تقدير اللَّه تعالى ذلك في الأزل، لكنْ جرت على يدي هذا، فعليه إثمها. وأمّا المفعول معهم ذلك، فقد ركنوا للذين ظلموا، فلا عجب (٧) أن يحلّ بهم ذلك، ولو أُحرقوا، فضلاً عن الضرب والحبس وأخذ المال، بل هم أيضاً رؤوس (٨) الظلمة، فلا جَرَم عاقبهم اللَّه في الدنيا، ونعوذ بالله مما لهم في الآخرة إن لم يلطف اللَّه بهم (٩).

стр. 1280

[تزايد الموتى بالقاهرة] وفيه - أعني يوم السبت هذا - بلغ عدّة الموتى بمصلّى باب النصر، ومصلّى البياطرة بخارج باب زويلة، بالقرب من جامع المارداني، نحو المائتي نفر. وقِسْ على هذا بقيّة المصلَّيات التي هي خمسة عشر مصلَّى (١). (خروج العسكر صحبة الأتابك أُزبَك) (٢) وفيه، في يوم الثلاثاء تاسعه، الموافق لسابع عشرين أمشير من شهور القبط، خرج العسكر المعيَّن لقتال شاه سوار، بعد أن طلّبوا تطليبًا قويًّا، وخرج الأتابك أُزبك بتجمّل زائد ويَرَق هائل، وهو الباش والمقدَّم على العسكر، وكذا خرج بقية الأمراء الذين عُيّنوا معه بتجمّل، وهم: قَرقماس الجَلَب أمير مجلس، وسُودُون القصرُوي رأس نَوبة النُوَب، وتمر حاجب الحجّاب، وقَراجا الطويل الأشرفي، وهؤلاء مقدّمو (٣) الألوف، فأول ما بدأ بالخروج طُلْب قرا (جا) (٤)، ثم بعده تمر، ثم سُودون، ثم قرقماس، ثم الأتابك على العادة الجارية في الترتيب كذلك. وأمّا الطبْلخانات فكان المعيّن منهم جانِبَك الزَيْني المؤَيَّدي، وخيربك من حديد الأشرفي. وأمّا العشرات فكانوا فوق العشرين. ويطول الشرح في تفصيل أسمائهم. وأمّا الجند فكانوا ألفًا وخمسمائة، قبل أن يموت منهم أحد. ثم مات منهم بالطاعون جماعة قبل خروجهم، ولما خرجوا من القاهرة نزلوا بالريدانية من ظاهرها، ثم أقاموا بها عدّة أيام، ونزل السلطان في بعض لياليها إلى الأتابك أُزبك، وجلس عنده ساعة، ثم وادعه (٥) وعاد إلى القلعة، واستقل العسكر بالمسير من الريدانية في يوم الإثنين خامس عشره (٦). [ارتفاع عدد الموتى بالقاهرة] وفيه، أعني يوم الإثنين المذكور، بلغ عدّة من صُلّي عليه بمصلَّى باب النصر فوق المائتي وثلاثين نفرًا، وبمصفى البياطرة فوف المائة وثلاثين فالجملة ثلاثمائة وشيء وستون (٧) نفرًا، وقِسْ على هذا باقي المصلّيات المتفرّقة

стр. 1281

بالقاهرة، وتعطّلت في هذه الأيام أحوال الكثير من الناس بسبب الطاعون. [نيابة ابن البقري عن يشبُك في الأستادّارية] وفيه، في يوم السبت عشرينه، استقرّ يشبُك من مهدي الدوادار الكبير وما مع ذلك بالصاحب مجد الدين بن البَقَري في التكلّم عنه نائباً في وظيفة الأستادّارية ثانيًا، وخُلع عليه بذلك. [وفاة زينب بنت المؤلّف] ٤٤٩ - وفيه - أعني هذا اليوم - ماتت ابنة لي تُدعى زينب، سنّها نحو الثلاث سنين، فأسِفنا عليها، وعلى الله العوض، نسأل الله تعالى أن يجعلها فَرَطًا وذُخرًا. [إحصاء الجنائز بمُصَلّيات القاهرة] وفيه، في يوم الأحد حادي عشرينه، كان عدّة من صُلّي عليه من الجنائز بالجامع الأزهر نحو المائة جنازة، وبمصلّى باب النصر أربعمائة وإحدى وأربعين (١)، وبمُصلّى سبيل المؤمني نحو المائتين (٢) وشيء وستين، وبمصلَّى البياطرة نحو المائتين (٣) وشيء وخمسين، فكان عدّة من صلّي عليه بهذه الأربع مصلَّيات فوق الألف، فما ظنُّك بغيرها وهي فوق الإثني عشر مصلَّى، حتى قيل إن عذة جميع الموتى بالقاهرة في هذا اليوم كانت فوق الخمسة آلاف، وقيل أقلّ. [كثرة الجنائز في اليوم الواحد] وفيه، في يوم الأحد، سادس عشرينه، كثُرت الجنائز بمصلّى المؤمني، وكانت الصُفَف (٤) فيه عدّة لصلاة واحدة، بل وُضعت (٥) الجنائز بعضها فوق بعض (٦). وحضرتُ في هذا اليوم بهذا المصلّى للصلاة على الموتى طلبًا للأجْر، فصفينا في أقلّ من خمس (٧) درج على فوق الستين جنازة. ولله الأمر.

стр. 1282

[تعداد الجنائز بالمُصَلَّيات] وفيه، في يوم السبت، سابع عشرينه، نُقلت الشمس إلى برج الحمل، ووافق ذلك سابع عشر برمهات من شهور القبط، وهو أول فصل الربيع. وبلغ عدّة من صُلّي عليه بمصلَّى المؤمني مائة وخمسة وثمانين نفرًا، وبمصلَّى البياطرة مائتان وخمسة عشر نفرًا، وبمصلّى باب النصر أربعمائة وتسعة أنفار، وبمصلّى باب الوزير نحو المائة، وبمصلَّى الجسر الأعظم كذلك. [وفاة ولد للظاهر خُشقدم] وفيه، في يوم الإثنين، تاسع عشرينه، مات ولد ذكر للظاهر خُشقدم، كان بالدور السلطانية، واسمه () (١)، وكان في السادسة من العُمُر، وأمّه أمّ ولد من سراري الظاهر المذكور. (اِنتهاء المغسل الذي أنشأه يشبُك الدوادار) (٢) وفيه - أعني هذا الشهر - كان نهاية المغسل الذي أنشأه يشبُك من مهدي الدوادار، بالقرب من المصنع، تجاه مدرسة الناصر حسن من جهة الشرق، وحُملت إليه موتى المسلمين من الطُرَحاء، وشرع في تجهيزهم من ماله، وحصل بذلك للناس رفق، وتم الأمر على ذلك إلى آخر الطاعون وهلُمّ جرًّا، إلى يومنا هذا، وتمّم بعد ذلك ما بناه إلى جانبَي هذا المغسل من الرَبْعين، والسبيل، والمكتب، ووقف ذَين الرَبعَين على مصالح المغسل المذكور والسبيل والمكتب، بل والحوض المُعَدّ لشُرب البهائم أيضًا (٣). [شهر رمضان] وفيها استهلّ شهر رمضان بالأربعاء، وهُنّئ به السلطان. [تعاظُم الطاعون بالقاهرة والغلاء بدمشق] وكان الناس في أمرٍ مريج من جهة الطاعون، فإنه زاد فيه وعظُم جدًّا، حتى بقيت الجنائز بالطرقات لا لقًطارات، يتبع بعضها بعضاً، وتعطّلت الكثير من المَعَايش، وتكدّرت الخلق بالقاهرة وضواحيها لِعِظَم الطاعون، واشتدّ الغلاء على

стр. 1283

الناس، ووردت الأخبار بأن الغلاء بالبلاد الشامية فوق الوصف، وأن غلاء القاهرة رخاء بالنسبة إلى دمشق، وأن الغرارة القمح أبيعت بدمشق بنحو الأربعين دينارًا. وأمّا بحلب فزيادة على ذلك، هذا مع كثرة الفِتن والشرور بسائر أقطار هذه المملكة، لا سيما من التركمان بتلك البلدان، والعربان بهذه البلاد المصرية، وكثرة المظالم مع هذه الآيات البيّنات المخوّفة واشتداد الأمر. ولله عاقبة الأمور (١). [وفاة ولد السلطان قايتباي] ٤٥٠ - وفيه - أعني شهر رمضان هذا في يوم الأربعاء هذا - مات ولد ذَكَر للسلطان اسمه أحمد (٢)، من زوجته الخَوَند فاطمة ابنة العلائي علي بن خصبك، الموجودة الآن. وكان له من السنّ نحو السنتين. وكان السلطان لم يُرزق ولدًا ذكرًا في عُمُره غير هذا، ولا تزوّج في عُمُره غير أف الخَوَند هذه، وكان بقي له ابنة أخرى من هذه الخَوَند توفيت بعد ذلك بهذا الطاعون أيضًا، على ما سيأتي ذكره. [سجن أستادّار ابن كاتب حُلوان] وفيه - أعني شهر رمضان هذا في أوائله، سُجن الزين يحيى أستادّار ابن (٣) كاتب حُلوان بالبرج من قلعة الجبل، بعد أن أُخذ من منزل الزين ابن (٤) مزهر كاتب السرّ، وكان في التوكيل به عنده. [وفاة عائشة بنت المؤلّف] ٤٥١ - وفيه، في ليلة الخميس تاسعه، ماتت ابنة لي اسمها عائشة، وهي في السنة الخامسة من العُمَر وكنت كثير الميل إليها، وأقرأتها القرآن من بعد الرابعة، وحفظت في دون السنة شيئًا كثيرًا من القراَن، وتعلّمت الخط، وكانت حذِقة ذكيّة فطِنة، ابنة الموت، (طعنت) (٥) في عصر نهار الأربعاء وماتت بعد نصف الليل، فكثُر أسفي عليها، وحزّ فيّ، حتى مرضتُ بعد ذلك

стр. 1284

في شوال وأشرفت على الموت، ثم عافاني الله تعالى، وله الحمد على المهلة. (بداية انحطاط الطاعون) (١) وفيه، في هذه الأيام، في العشر الأوسط من شهر رمضان، أخذ الطاعون في الانحطاط والتناقص عمّا كان، بعد أن مات فيه من الغرباء والمماليك والرقيق من السودان والأطفال ما يكاد أن يخرج عن الحدّ، لا سيما على قول من قال (إنه كان) (٢) يموت فوق الخمسة آلاف في اليوم، ولم يمت من أهل القاهرة إلّا القليل جدًّا، بل مات صغارهم وأرِقّاؤهم. [وفاة ابنهَ للمقام الشهابي ابن برسباي] وفيه، في يوم الأربعاء، خامس عشره، تُوفيت ابنة للمقام الشهابي أحمد ابن الأشرف بَرْسْباي من أمّ ولدٍ له، ماتت أيضًا بعد ذلك في أواخر هذا الطاعون. ومات له أيضًا قبل ذلك ابنة أخرى من أم ولدٍ أخرى، وانقرض بموت من ذكرنا ذرّية الأشرف بَرْسْباي من الذكور والإناث. ثم لما أخذ الطاعون في النقص بقي يموت الكبار من الرجال والنساء، ومات جماعة من الأعيان والأمراء غالبًا. [قلّة الطاعون في خماسين النصارى] وفيه، في يوم الإثنين، عشرينه، ووافق أول يوم من الخماسين للنصارى - خذلهم الله تعالى - قَلّ الطاعون فيه جدًا، حتى كان بحكم الثُلْث مما كان قبل ذلك (٣). [وفاة بنت للسلطان] وفيه، في يوم الخميس، ثالث عشرينه، ماتت ابنة للسلطان (٤) من زوجته الخَوَند فاطمة الماضي ذكرها، بل وذكر هذه الإبنة، وكانت في الرابعة من العمر. [وفاة ولد من أولاد الظاهر خُشقدم] وفيه، أعني هذا اليوم أيضًا، مات ولد ذكر من أولاد الظاهر خُشقدم، وخُلع

стр. 1285

عليه مع ابنة السلطان المذكورة وأُنزِلا من القلعة لناحية التربة بالصحراء معًا. [انحطاط أسعار الغِلال] وفيه، في هذه الأيام، انحطّ السعر في الغلال بالنسبة لما كان قبل ذلك، وأبيع الإردبّ القمح بستمائة درهم، بعد ما كان بتسعمائة، والفول والشعير بدون الثلاثمائة، ولله الحمد على ذلك (١). (نزول السلطان إلى يشبُك الدوادار يعوده) (٢) وفيه، في يوم السبت، خامس عشرينه، نزل السلطان إلى دار يشبُك من مهدي يعوده من مرضٍ كان قد حصل له قبل ذلك، وانقطع بسببه عن الخدمة أيامًا، وجلس السلطان عنده ساعة، ثم عاد إلى القلعة (٣). [شهر شوال] (خفّة الطاعون جدًّا) (٤) وفيها استهلّ شوال بالخميس، وكان عيد الفطر في هذا اليوم، وكان الطاعون قد قَلّ فيه وقارب الارتفاع، وبلغ عدّة من صُلّي عليه بمُصلّى باب النصر ثمانية وثلاثين نفرًا، وبمصلَّى سبيل المؤمني سبعة عشر، فأين هذا من الأربعمائة الأولى، والثلاثمائة الثانية، على ما تقدّم ذِكر ذلك (٥). [ولاية قانباي آص الحجوبية الثانية] وفيه - أعني هذا اليوم - استقر في الحجوبية الثانية قانِبَاي آص الساقي الظاهري، عِوضًا عن جَكَم ابن (٦) أخت السلطان، بحكم وفاته بالطاعون (٧). وسيأتي في وفيات هذه السنة إن شاء الله تعالى.

стр. 1286

(قدوم المنصور عثمان الظاهري) (١) وفيه، في يوم السبت، ثالثه، قدم إلى القاهرة الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق، وكان قد بعث قبل ذلك يستأذن السلطان في الحضور، ليتوجّه إلى الحج في هذا العام، فأذِن السلطان له بذلك، فلما وصل صعِد من نهاره إلى القلعة، فنزل من على مركوبه من باب الفَرَج، ودخل على السلطان بالدُهَيشة، وكان جالسًا على المدوّرة، فحين بلغ المنصور ثُلُثي الإيوان، قام له السلطان من على المدوّرة، فأسرع المنصور في مشْيه تعظيمًا للسلطان، حتى وصل إليه وقد خرج هو عن مرتبة جلوسه خطوات، حتى التقيا، فأراد السلطان أن يعتنقه، فأهوى المنصور إلى ركبته ليقبّلها، فمنعه من ذلك، وأخذه السلطان، ومشيا معًا إلى نحو الشبّاك الذي بالدُّهيشة، فجلس السلطان، وجعل ظهره إلى الحائط والشبّاك عن يمينه، وجلس المنصور تجاهه، وتكرمة السلطان خلف المنصور، والشبّاك عن يساره. ثم أخذ السلطان في الترحيب به والأنس إليه، وتكالما ساعة، ثم أُحضرت كاملية هائلة بمقلب سمّور لائقة للملوك، ومقلبها يسحب إلى ذيلها، ومعها فَوقاني هائل بطرز زركش، فقام المنصور وتنحّى عن مكان جلوسه، وأفيض عليه ذلك. ولما تكامل إلباسه ذلك عاد إلى جهة السلطان، فقام له، فقبّل المنصور الأرض بين أيادي السلطان، فنهاه السلطان عن ذلك بعد أن تم فِعله له، ثم نزل وقد هُيئ له مركوب من خواص مراكيب السلطان، بسَرج ذهب وكنْبُوش زركش، فقُدّم إليه عند باب الساقية، فركبه ونزل إلى جهة منزل أخته الخَوَند () (٢) ابنة الظاهر وزوجة الأتابك أُزبَك، وهي في محلّ سكنها بدار أبي (٣) الخير النحاس بين السورين، هذا والأتابك غائب مع العسكر، على ما تقدّم ذلك وعرفتَه فيما مرّ. وكان لما ركب من باب الساقية اجتاز بباب الستارة قبل نزوله، فوقف رُويدًا وبعث بالسلام إلى الخَوَند زوجة السلطان، فلما عاد إليه الجواب نزل والأمراء بين يديه من مماليك أبيه وغيرهم، ومعه جماعة يسيرة من الأعيان، وهو في موكب حافل، وقعد كثير من الناس لرؤيته، وسار وهم معه، حتى أوصلوه لدار أخته المذكورة، فنزل بها عند أخته. وعُدّ ما وقع للمنصور هذا، من خلْعه من المُلك، وسجنه بالإسكندرية، وإقامته بعد ذلك به في بعض المساكن بغير تضييق عليه، ثم حضوره إلى القاهرة

стр. 1287

ودخوله إليها، وطلوعه إلى القلعة، واجتماعه بالسلطان، ثم لبس خلعته، من أغرب النوادر التي لم تقع لملكٍ قبله في الدولة التركية، بل ولا غيرها، ثم عُدّ خروجه إلى الحج من النوادر أيضاً التي لم تقع لغيره على هذه الكيفية المخصوصة والصورة المذكورة. نعم وقع للعادل كتبُغا المنصوري ما يقرب من هذا، وهو أنه بعد خلْعه من الملك دخل القاهرة بعد مدّة (١) من ذلك، ومن نيابته لصرخد وحماة، ثم صعِد للقلعة، وسلّم ولد أستاذه الناصر محمد بن قلاوون. على أنه كان خُلع به، وكان ذلك في نيابة سلّار، وتحدّث بيبرس الجاشْنكير، وأظنّ أن ذلك كان بعنايتهما، لأنهما كانا خُشداشي لكتبُغا المذكور، ولكنه عاد ولم يحج بخلاف هذا، فإنه حج ولم يعتن به أحد لذلك، فهذا أقرب، وذاك كان مملوك الأصل مسّه الرق، وجاء لسيّده أمّ ولد سيّده، وأمّا هذا فبالعكس من ذلك، فإنه السيّد وابن (٢) السيّد، جاء لمملوك أبيه وعتيقه. (ولاية يشبُك من حيدر ولاية القاهرة وترجمته) (٣) وفيه، في يوم الإثنين، خامسه، استقرّ في ولاية القاهرة يشبُك من حيدر الأشرفي إينال، عِوضاً عن خُشداشه قانِباي الحسني، بحكم وفاته بالطاعون، كما سيأتي في الوفيات. ٤٥٢ - ويشبُك هذا موجود إلى يومنا هذا، باقٍ على هذه الوظيفة، وله بها نحو السبع عشرة (٤) سنة. ولعلّ ما وقع هذا لغيره في هذا القرب. وهو أحد الأمراء العشرات والحجّاب وشادّ الدواوين، مضافاً للولاية. وكان خاصكيًّا (٥) في دولة أستاذه، وتأمّر في دولة الأشرف قايتباي، وقرّر في هذه الوظائف التي ذَكرناها شيئًا فشيئًا، وحسُنت سيرته في الولاية بالنسبة لغيره، وحجّ أميرًا على الركب الأول، ثم على المحمل في ثاني عامه ذلك. وهو إنسان حسن كثير الأدب والحشمة، قليل الشرّ والأذى في ولايته، لكنْ يُذكر بأنه يأخذ المال ويسكّن الحال، وزادت شرور العبيد، والزُعر في أيامه، لكنْ في بعضهم البعض غالبًا. وهو حَسن الهيئة، منوّر الشيبة، كثير التواضع. من أبناء ما فوق الستين.

стр. 1288

ومُتَّهَم بمَيله للمُرد، والله أعلم به. [ولاية خُشقدم الأحمدي رأس نوبة الجمدارية] وفيه، في يوم الإثنين هذا، استقرّ خُشقدم الأحمدي (١) الظاهري الطواشي رأس نوبة الجَمْدارية، بعد موت شاهين غزالي الساقي، الآتي في التراجم، والماضي خبر موته، وكانت هذه الوظيفة شاغرة عدّة شهور، من منذ مات شاهين المذكور. وخُشقدم هذا هو الذي وُلّي الوزر بعد ذلك، وبيده الآن الخازندارية الكبرى والزمامية، مع ما أضيف إلى ذلك من الوظائف. وقد مرّت ترجمته في محلّها، حين أول ذِكرنا له، فيما تقدّم من تاريخنا هذا في سنة () (٢) وخمسين وثمانمائة، بل ذكرناه في غير ما موضع، وهو من أظلم عباد الله تعالى، مع دعوى الدين والخير والصلاح، ومشيخة الفقراء، والإقامة بالزاوية، على ما عرفت ترجمته، بما يغني عن مزيد إعادته هاهنا (٣). [ولاية مرجان التقوي مشيخة الحرم] وفيه استقر مرجان التقوي (٤) الحبشي الطواشي في مشيخة الحرم بالحرم الشريف النبوي، على ساكنه أفضل الصلاة والسلام، وذلك بعد موت سرور الطربائي (٥) بعدّة شهور. ومرجان هذا موجود إلى الآن من أعيان الخدّام في هذا الزمان، كان من خدّام التقي () (٦) ثم تنزّل في بيت السلطان ودام به، واعتنى به الأشرف، فولّاه هذه الوظيفة دفعة واحدة وباشرها مدّة، ثم صرف عنها، وحضر إلى القاهرة، وهو مقيم بها الآن، يُظهر التزهّد والديانة والعفّة،

стр. 1289

ويجتمع بالسلطان في رأس كل شهر يهنّئه بالشهر، ويُذكر بجميل وخير (١). [خروج يشبُك من مهدي لقتال العربان] وفيه، في يوم السبت، عاشره، خرج يشبُك من مهدي الدوادار الكبير إلى جهة البحيرة، لقتال العربان الخارجين عن الطاعة، المفتِنين بتلك البلاد، والمفسدين بها، وخرج معه طائفة موفورة من الجند السلطاني وغيرهم. (ضيافة السلطان للمنصور عثمان) (٢) وفيه عمل السلطان ضيافة حافلة لولد أستاذه المنصور عثمان، الذي قدّمنا خبر قدومه للقاهرة برسم الحج، وبعث السلطان إليه بطلبه للضيافة، فصعِد القلعة، ونزل عن فرسه بباب القلّة، ودخل فجلس بالحوش السلطاني، إلى أن خرج له الإذن بالدخول إلى البحرة التي أنشأها الظاهر خُشقدم، فجلس بها حتى جاءه الإذن أيضًا بالدخول على السلطان بالبحرة القديمة، حيث محلّ الضيافة، فإنه أضافه بها، فلما دخل على السلطان قام له، ثم جلسا من غير تكرمة، بل كلّ منهما على مقعد على حِدة، وساواه السلطان، وأجَلَّه أن يجلس هو بالتكرمة منفردًا عنه، ثم أحضر الفطور من أشربة وغيرها، فأفطر ومَن حضر، ثم أحضر السماط بعد ذلك، وكان سماطًا حافلًا جدًّا هائلًا، فأكلا، ولم يحضر هذه الضيافة من مقدَّمين (٣) الألوف سوى جانبك من ططخ وهو إذ ذاك الأميراخور الكبير، وإنّما حضرها لكونه بباب السلسلة، وحضرها أيضًا بعضٌ من العشرات وجمع من أعيان الخاصكيّة. ثم لما انتهى السماط أُحضرت كاملية هائلة بمقلب سمَّور مسبول إلى الذيل فأفيضت على المنصور، ثم قام له السلطان وأمر بإحضار مركوبه إلى الحوش لعند باب البحرة من مكان ركوب السلطان، فأركب من ثم نزل إلى دار أخته على عادته قبل ذلك. [اختيار المنصور المجاورة بمكة المكرَّمة] ثم بعث إليه السلطان يخيّره، بين المجاورة بمكة المشرّفة، وبين العَود إلى محلّ سكنه بثغر الإسكندرية فأعاد الجواب بأنه اختار الحج والعَود إلى الثغر، واعتلّ عن المجاورة بأن أبا حنيفة ﵁ كرهها، وهو كما قال، فإنه

стр. 1290

مذهب أبي حنيفة ﵁، وخالفه فيه صاحباه، وهو يقول إن في المجاورة بها إخلال بتعظيمها، إذ الإنسان غير معصوم، فإذا صدر منه ذنب تضاعف، إذ هذا من خواصّها، أو ربّما سأم من الإقامة بمكة، فيسأم البيت، فينقلب التعظيم إلى ضدّه، فأورد عليه كالوائق من نفسه عدم ذلك، فأجاب بأنه لا كراهة في حق ذلك، والمسألة مشهورة بكتب الفقه. ثم أخذ المنصور في أسباب تجهّزه وتعلّقات الحج، وما يحتاج إليه في سفره. وبعث إليه السلطان بأشياء كثيرة مما يحتاج إليها، وأرسل إليه كل واحد من مقدَّمين (١) الألوف من مماليك أبيه، ممن هو بالقاهرة خمسمائة دينار، ما عدا يشبُك من مهدي الدوادار، فإنه بعث إليه بألفي دينار، وبأشياء أُخَر غير ذلك. ثم كان له ما سنذكره (٢). [تجهيز السلطان مركوبًا للظاهر تمربُغا] وفيه - أعني هذا الشهر في هذه الأيام، جهّز السلطان إلى الظاهر تمربُغا مركوبًا خاصًا من مراكبه، بالقماش الذهب والزركش الكامل، وبعث إليه بالإذن بالركوب إلى الجُمَع والأعياد، وإلى حيث شاء من الثغر السكندري، (وكان ذلك بواسطة يشبُك من مهدي (٣)) (٤). [تعيين ابن إمام الكاملية في تدريس الصلاحية] وفيه، في يوم الأربعاء، رابع عشره، استقر في تدريس الصلاحية، المجاورة لقبّة الإمام الشافعي، ﵁، الشيخ الإمام العلّامة كمال الدين، المعروف بابن إمام الكاملية، عِوَضًا عن الشيخ زين العابدين محمد ابن (٥) قاضي القضاة شيخ الإسلام الشرف المناوي، بحكم وفاته، من غير سعي من الكمال المذكور، ولا تحرّكٍ في ذلك ولا طلب، بل ولا تعريض، ولعلّ ولا خطور يقال. ولقد وُلّى ما يستحقّه، بل زيادة على ذلك، لأهليّته وكفايته وعلمه وفضله ودينه وخيره (٦). وستأتي ترجمته فإنه مات بعد ذلك في التي تليها، وستأتي ترجمة زين العابدين أيضًا في هذه السنة، إن شاء الله تعالى.

стр. 1291

[خروج الحاج من القاهرة] وفيه، في يوم الإثنين تاسع عشره، خرج الحاج من القاهرة مع أميرهم يشبُك الإسحاقي الأشرفي، المعروف بجنّ (١) والأميراخور الثاني، وهو أمير المحمل، وخرج أيضًا يشبُك الجمالي (٢) أمير الأول، وشقّا الرُميلة بطلْبَيْهما، وجلس السلطان بالقصر لرؤية المحمل والطُلْب، ثم خرج الحاج متتابعًا شيئًا فشيئًا إلى أن تكامل بالبركة. وخرج المنصور عثمان للحج أيضًا مع هؤلاء، وقبل خروجه من القاهرة صعِد إلى القلعة، وأضافه السلطان ضيافة أُخرى ثانية، وخلع عليه للسفر، ونزل من عنده متوجّهًا إلى البركة، أظنّ ذلك في يوم الأربعاء حادي عشرينه، أو قبل ذلك، والله أعلم (٣). (مخالفة العادة في لبس البياض في هذه السنة) (٤) وفيه، في يوم الإثنين، سادس عشرينه، ووافق ثالث عشر بشنس، لبس السلطان البياض من غير موكب، ولا في يوم جمعة، فخالف العادة القديمة والحديثة في ذلك، بأنْ لبس البياض من قاعة الدُهشية، وخرج إلى الحوش. وكم لهذا السلطان من نحو هذه من الأشياء التي غيّر بها العوايد، بل أبطلها، فضلًا عن تغييرها (٥). [عودة القاضي شرف الدين الأنصاري من جمع العشير] وفيه، في يوم الخميس، تاسع عشرينه، قدم القاضي شرف الدين الأنصاري من سفره الذي تقدّم الكلام عليه، لجمع العشير، للخروج مع العساكر المتوجّهة لقتال شاه سوار بن دُلغادر، وجمع من ذلك ما شاء اللّه تعالى أن يجمع من

стр. 1292

العشير، من تلك البلاد، ما بين نابلس والبلاد الشامية أيضًا، بل وغيرها، ونفق فيهم الأموال الطائلة، وجهّزهم وهو هناك وعَرَضهم، ثم خرجوا قبل أن يعود، وكتب أسماءهم (١) في أسماء أعيانهم وكُبَرائهم (٢). فيقال: إنه جمع خمسين ألفًا منهم، ويقال: بل ثلاثين ألفًا (٣). وأنا أقول: لعلّهم لم يبلغوا العشرين، بل كانوا أضرّ الناس على العسكر حين الكسرة الكائنة لهم، على ما سيأتي ذلك، فإنهم نهبوا ما شاء الله تعالى أن ينهبوا، بل وقتلوا من استفردوا به من العسكر طمعًا فيه وفيما معه على ما بلغني. على أنه قتل منهم الكثير أيضًا من عسكر شاه سوار. ولما قدم الشرف هذا إلى القاهرة صعِد إلى القلعة، وأعلم السلطان بما جمعه من المشاة، وكيف جهّزهم وحزضهم على ما توجّهوا بصدده، وصدّقه على ذلك من كان معه من قِبل السلطان، من جماعة كانوا توجّهوا صحبته، وشكره السلطان على صنيعه ذلك، وألبسه كاملية سنيّة، ونزل إلى داره، وهرع الناس إليه للسلام عليه. [شهر ذو القعدة] وفيها استهلّ ذو (٤) القعدة بالسبت، وطلع القضاة والمشايخ ومن له عادة بالطلوع إلى القلعة، فهنّأوا (٥) السلطان ونزلوا. ولم يحدُث ما يؤرَّخ فيه. (نزول السلطان إلى قليوب) (٦) وفيه، أعني ذا (٧) القعدة هذا، في يوم الأحد، ثانيه، ركب السلطان من القلعة، ونزل في جماعة يسيرة من خواصّيه، وتوجّه إلى قليوب، ولم يكن معه آلة سلاح ولا ما يمنع به إنْ حَدَث أمر. وكانت البلاد مفتتنة إلى الغاية، والعربان يعطعطون بها ويخبّطون. ثم لما وصل إلى قليوب توجّه منها إلى غيرها أيضًا، ثم عاد إلى جسر ابن (٨) أبي المُنَجّا، فرآه ثم عاد إلى قبّة النصر، ونزل بتربة يشبُك من مهدي الدوادار، فأقام بها إلى العصر، ثم ركب وصعِد إلى القلعة، وأعيب ذلك عليه، وأنشد بعضهم في معنى ذلك ما قيل: ليس المقرّ بمحمودٍ ولو سلما

стр. 1293

إذ لو قُدّر خروج طائفة من عصاة العربان عليه، مستعدّين له، لكان له معهم شأن، فإنه توجّه هذه المسافة البعيدة من غير استعداد ولا جُند، تابعًا رأيه، ظانًّا صلاح ما فعله (١). [خروج السلطان ثانية إلى جهة بعيدة] وفيه، في يوم الخميس، سادسه، ركب السلطان أيضًا، وخرج إلى بعض الجهات، فسيّر وتوغّل في سيره إلى بُعد، ثم عاد، ولا عليه مما يقال في حقّه، ويُنسَب إليه من تقليل ناموس ملكه، إذ ما يقوله القائل عنده كطنين الذباب، لأنه يرى نفسه أعقل الناس وأكثرهم رأيًا، فأنّا يرعوي بكلام غيره. ولقد ساعده الدهر على ذلك، بحيث ما أصابه يومًا في مثل أفعاله هذه ما يخيفه ولا يريبه، ولهذا اغترّ، وما نعلم آخرته ما تكون، والعلم إلى الله تعالى وعنده. [وصول هجّان من الأتابَك أُزبَك إلى السلطان] وفيه، في يوم الجمعة، سابعه، وصل نجّاب، وهو الذي يقال له الهجّان في العُرف، وعلى يده مكاتبة الأتابك أُزْبَك باش العساكر، يخبر السلطان فيها بأن العسكر المصري في الاستظهار والإقبال، وأن عسكر شاه سوار في الاستدبار والزوال. وكان الأمر في ذلك بعد ذلك بالعكس، على ما ستعرفه حين نذكره. وذكر في هذه المكاتبة أن العساكر ملكت باب المُلك وغيره من بلاد شاه سوار المذكور، وأن النصر يكون قريبًا إن شاء الله تعالى (٢). (وصول قاصد ابن قرمان) (٣) وفيه، في يوم الإثنين، عاشره، وصل إلى القاهرة قاصد أحمد بن قَرَمان، الذي أخرج أخاه إسحاق وملك البلاد، وأحضر هذا القاصد إلى السلطان بعض هدية من مرسله، ومكاتبة فيها إظهار التواضع الزائد. وكان هذا القاصد خادمًا طواشيًا يسمّى سرور، ورحّب السلطان به وأكرمه وقبل هدية مُرسِلِه، وأنزل هذا الطواشي بمكانٍ أُعِدّ له، وأجرى عليه ما يليق به من المرتّبات، وأعيد بعد ذلك إلى مرسله بجواب عن مكاتبته وهدية من السلطان. وكان خروجه من القاهرة بعد ذلك في غرّة محرّم من الآتية (٤).

стр. 1294

[مكاتبة نائب قلعة حلب إلى السلطان بالتغلّب على شاه سوار] وفيه وردت مكاتبة من نائب قلعة حلب، يذكر فيها أنه ورد عليه مكاتبة نائب حلب إينال الأشقر، يخبره فيها (١) بأنه واقع هو وجماعةٌ معه من نواب البلاد، وبعضٌ من العسكر المصري شاه سوار، وهو في عسكره، وكان بينهم حرب عظيمة، انهزم فيها شاه سوار وجماعة من عسكره، وأنه قتل منهم جماعة، وغرق آخرون بنهر يسفى نهر جهان، وأن إينال المذكور ظفر بمال باي (٢) بن دُلغادر الأقطع، أخي سوار المذكور، وأن شاه سوار هرب، وقطع جسرًا بينه وبين العسكر، خوفًا منهم أن يُعدّوا إليه، ويلحقونه ويهجموا عليه، وأن العساكر في الاهتمام لأجله، وفي عين الطلب والظفر به، وهم في جُرّته واتّباعه حيث ذهب. وبلّغه في مكاتبته بأنه مات من العسكر السلطاني في هذه الحرب والواقعة خيربك البهلوان الأشرفي، أحد الأمراء بدمشق المعروف بالبهلوان، وبعض جماعة من الجند السلطاني، وهم قليلون. ثم وردت مكاتبة الأتابك أُزبَك بعد ذلك يخبر فيها بنحو هذه الأخبار، بزيادة على ذلك يسيرة، ترجع إلى ما قلناه، وحصل بجملة ذلك عند السلطان بعض سرور وفرح، ثم أعقب ذلك ضدّه على ما سيأتي (٣). [نزول السلطان إلى طُرا] وفيه، في يوم الأربعاء، ثاني عشره، ركب السلطان بغير قماش الموكب، وتوجّه من القلعة إلى جهة طُرا، حتى وصلها، فنزل هناك وأقام ساعة كبيرة، وأضافه المعلّم محمد بن الفلاح الطحان (٤) بطُرا، ثم ركب وعاد إلى القلعة من يومه (٥). [وصول رأس مال باي أخي شاه سوار] وفيه، في يوم الخميس، ثالث عشره، وصل نجّابان (٦) من الأتابك أزبك، ومعهما رأس مالى باي الأقطع، أخي (٧) شاه سوار، المتقدّم خبر الظفر به، في كائنة

стр. 1295

إينال الأشقر مع شاه سوار، وأخبرا (١) بأنه لما قبض عليه كان قد أُثخن بالجراح، وآل به ذلك إلى الموت، فحزّت رأسه، وبُعث بها إلى القاهرة إيذانًا بالنصر، وأُرسل صحبة هذه الرأس رأسان أُخريان، ذُكر أنهما من رؤوس (٢) أتباع شاه سوار. من أعيان جماعته، فطيف بهذه الرؤوس (٣) القاهرة ثم عُلّقت على باب النصر عدّة أيام كثيرة. وأخبر النجّابان بأن العساكر في إثْر شاه سوار المذكور، وأنهم عانوا ببلاده، وهم غائرون بها، آخذون في نهبها وتخريبها، تابعوه إلى حيث توجّه، فسُرّ السلطان "بهذه الأخبار، وظنّ الاقتصار، وأُعقِب الخبرُ بالإنكسار، وظهور العدوّ عليهم. [سفر السلطان إلى جهة البُحيرة] وفيه، في ليلة الأحد، سادس عشره، نزل السلطان ليلًا بعد صلاة العشاء الآخرة، مسافرًا إلى جهة البحيرة، وعدّى النيل من ساحل بولادتى، وسار من آخر الليل، ولما تسامع العسكر بذلك في صبيحة هذا اليوم تبعوه شيئًا فشيئًا أرسالاً، ولم يدر أحد من المسافرين ولا المقيمين إلى أين قصد السلطان، وما مُراده من هذا السفر، وأخذ الناس، ولا سيما العوام، في القال والقيل، والكلام بأنواع من الأشياء التي لا فائدة في ذِكرنا لها، حيث ظهر الأمر بعد ذلك بخلاف ما قالوا. وتوجّه معه من مقدّمين (٤) الأُلوف: برقوق الناصري (٥) الظاهري خُشداشه، الذي وُلّي نيابة الشام بعد ذلك، وسار السلطان في سفرته هذه بعسف وعنف زائد، بحيث خرج في ذلك عن الحدّ حتى هلك الكثير من الخيول لسُرعة سيره، وأخذ يجدّ في سيره، إلى أن وصل إلى المكان المعروف بالنُجَيْلة، وكان به يشبُك من مهدي الدوادارد فاتّفق أنْ طرقه ليلًا وهو نائم على حين غفلة وعدم شعور بمجيئه، حتى رعد منه يشبُك، واستراب لذلك لما رآه، وأقام هناك يومين بلا فائدة ولا عائدة، ولا نتيجة بروع مفسد، ولا بتّ أمرأ (٦) من الأمور التي فيها صلاح الراعي والرعية، فما كانمت إلّا سفرة ترمي لأغراض نفسانية، لا طائل لناموس المُلك تحتها، بل فيها كسر الناموس.

стр. 1296

ثم توجّه إلى إقليم الغربية لا لقضية، وجاءته التقادم من كل جهة، وهو يجرّد ما جاءه من الكُشّاف ومشايخ العربان والمدركين ونحوهم، وأقام بها نحو الثلاثة أيام. ثم توجّه إلى الشرقية، ولم يظهر لسفره إلى هذه الأقاليم الثلاثة (١) فائدة ولا نتيجة، بل شمل الخراب غالب تلك النواحي أو القرى، بواسطة الكُلَف الشاقّة التي تكفي السلطان ومن معه، وتسلّط الكثير من الغلمان والخدمة والأتباع على خلق الله تعالى. ولم يَخَف مفسد، ولا ارتدع قاطع طريق. وكان دأب السلطان الانتقال من بلدة إلى أخرى، وأخذ تقادم البلاد، بل وطمع المفسدون (٢) في الناس، وزاد فسادهم بذلك، وقطْعهم الطُرقات، حتى وقع ذلك بالقرب من وطاق السلطان، بل على بعض الحواشي السلطانية والأعوان، وكان ذلك من نادر عجائب الأحوال، ووقع بسببه من الوهن في المملكة ما لا خفاء فيه، وإن لم يكن ذلك مما يظهر للسلطان، فإنه تابعٌ في ذلك هواه، مشغولٌ بما هو فيه من شرهه لأخذ الأموال، جازمًا بأن ما هو فيه مما فيه المصلحة. والله أعلم. وطالت إقامته بالشرقية (٣). [شهر ذي الحجة] وفيها استهلّ ذو (٤) الحجّة بالأحد بالرؤية، وما هُنّيء السلطان بهذا الشهر، ولا ركب فيه القضاة، لكون السلطان مسافرًا، على ما عرفت ذلك. [طلب قاضي القضاة السيوطي لإلقاء خطبة عيد الأضحى بالسلطان] وفيه - أعني هذا الشهر، في يوم الثلاثاء، ثالثه، ورد مرسوم من قِبل السلطان إلى القاهرة إلى قاضي القضاة الشافعية الوليّ السيوطي، بطلبه إلى عند السلطان ليصلّي به صلاة عيد النحر بمدينة فارسكور، إذ هو خطيب الخطباء، فتجهّز المذكور، وخرج متوجّهًا إليه، بعد أن حمل معه برسم السلطان أشياء من نوع الهدية إليه، من ذلك أربعة قناطير من السكر المكرّر، ومن أجناس الحلوى وأنواعها أشياء كثيرة (٥).

стр. 1297

[تفقّد مقياس النيل] وفيه كان عيد النحر يوم الثلاثاء، ووافق ذلك سادس عشرين بؤونة (١) من شهور القبط، وتفقد فيه ابن (٢) أخي الرذّاذ المقياس، وأخبر بأن القاعدة خمسة أذرع واثنان وعشرون إصبعًا، فبشّر بذلك، ثم أصبح في يوم الأربعاء ثاني العيد فنزل وكسر البحر، إلى أن كان من أمر الكسر والوفاء ما سنذكره. (تعييد السلطان بفارسكور) (٣) وفيه عمل السلطان عيد الأضحى بمدينة فارسكور كما قلناه، وكان الناس بالقاهرة في غاية مايكون من النكد، بسبب غلاء الأسعار، ومخافة السُبل، وظهور الفِتن والأنكاد، وموت العيال والأولاد، وغيبة الكثير من الناس عن ديارهم ومنازلهم وجماعتهم، خصوصًا ذلك بأثر الطاعون، فأخذ الناس في الحزن على من مات لهم من أولادهم وأقاربهم، لا سيما وقد دخل العيد الموجب لذِكر الأحباب، وما كفى الناس ذلك كله، حتى قطعت الضحايا المرتبة في الديوان السلطاني، وكان جلّ غرض السلطان بتعييده خارج القاهرة توفرة هذه الضحايا، ولم يفرّق الأعيان والرؤساء ممن كان وجد بهذا العيد بالقاهرة الضحايا (٤) على العادة في كل سنة، اقتداء بملكهم، ولسان حالهم يقول: الناس على دين ملوكهم. فكان هذا العيد الذي هو موضوع السرور والفرح من نوادر الأعياد، وأشبهها بالمآتم، لا سيما وقد صادف كآبة الناس وأحزانهم، وقبض خواطرهم من وجوه عديدة، قد عرفتها آنفًا، ومن أثناء المتجدّدات الماضية فلا نعيدها. هذا والسلطان يتنقل في تلك البلاد من بلدة إلى أخرى، ومن ناحية إلى ناحية، لأخذ التقادم، حتى من مشايخ الفلّاحين وكبارهم، وكان يتوجّه بنفسه إلى الناحية، حتى تحضر إليه هدية من له ذِكر، أو شُهرة هناك، بمالي أو نحوه، وحصلت المفاسد الزائدة، والضرر البالغ على أهل تلك النواحي، لا سيما بواسطة أوباش الأتباع من ( ...... ) (٥)، فإنهم بقوا يأتون (٦) البلد من تلك البلاد لأجل الخطف، فإذا لم يجدوا شيئًا، أو لم يكفهم ما أخذوه للوقيد، أخذوا أبواب الناس، حتى نقل بعض المجازفين، وأظنّه ما جازف في هذه، بأنهم فعلوا ذلك بأبواب بعض المساجد. وأما الطواحين وغيرها فلا تسأل عنها في ذلك، وهلك

стр. 1298

الفقراء وطمعت العرب بواسطة ذلك، ولعلّ ذلك كان من أعجب النوادر وأغربها (١). [وقوع بطاقة بوصول قاصد حسن بن قرايُلُك ومعه رأس القان بو سعيد] وفيه، في يوم الإثنين، سادس عشره، وقعت بطاقة على جناح الحمام، تخبر بأنّ قاصد حسن بن قرايُلُك واصل إلى القاهرة، وعلى يده مكاتبة مرسِلِه، وصحبته رأس القان الأعظم بو سعيد ملك العجم، وأشيع ذلك بالقاهرة، واستبعده الكثير من الناس، لا سيما الأعاجم من أهل تلك الممالك التي بيد بو سعيد، وقالوا: إن بو سعيد المذكور صاحب تخت سمرقند وهَرَاة وما والاهما من الممالك التمرية، وكيف يُتصوّر أن يقطع حسن رأسه، وما المناسبة لذلك، بل عدّوا ذلك من قبيل المحالات للعادة. ثم أشيع الخبر أيضًا بأن بو سعيد المذكور جاء نجدة لحسن علي بن جهان شاه، فوقع له ما وقع، وكان الأمر بخلاف هذه الإشاعة، وسنذكر ما حرّرناه من ذلك في ترجمة بو سعيد هذا، في تراجم هذه السنة إن شاء الله تعالى (٢). [عودة السلطان إلى ضواحي القاهرة] وفيه، في يوم الأربعاء، ثامن عشره، وصل السلطان من سفره إلى ضواحي القاهرة، ونزل بالمَطَرية، وبها تغدّى، ثم ركب في آخر نهاره قاصدًا الديوانية، فنزل لها بمخيّم نُصب له بها، وبات بمخيّمه ذلك، على قصد دخول القاهرة في صبيحة يوم الخميس، والصعود إلى قلعته، وعاد من سفرته هذه ولم يبتّ بها أمرًا من الأمور، سوى أنه أحضر إليه المفسد الذي يقال له ابن (٣) شعبان (٤) بالبحيرة، فسلخه، وقُتل معه جماعة من أعوانه، وكان قد قبض قبل ذلك عليه بمدينة قنا من مدّة شهور. ولما عاد إلى جهة القاهرة، ونزل على جيبين القصر، قبض على

стр. 1299

مُهَنّا بن عطية (١)، وحمزة البوقاوي (٢)، وضربهما بالمقارع، ووعد أهل تلك النواحي بأنه لا يولّي عليهم إلّا من ينصفهم. ثم إنه عيّن برقوق أحد مقدَّمين (٣) الألوف، ووعدهم بأنه سيرسله مولَّياً عليهم، كاشفًا على التراب، وينظر في مصالحهم، ويكشف عنهم الظلامات، وأنه يولّيه كشف الرم أيضًا، وأنه يقيم عنه في ذلك نائبًا يرجع في أموره إليه. وكان الذي ناب عنه في كشف الرم جَكَم قَرا، وفعل السلطان ذلك بعد أن حضر إلى القاهرة، وحصل ببرقوق وجَكَم بعض تمهيد للبلاد، وقمعا الكثير من المفسدين. وكان في خروجهما من المصالح ما ليس في خروج السلطان نفسه. (دخول السلطان للقاهرة وطلوع قاصد حسن إليه برأس بو سعيد ملك العجم) (٤) وفيه، في يوم الخميس، تاسع عشره، دخل السلطان إلى القاهرة بعد أن ركب في صبح هذا النهار من الريدانية بقماش الموكب السلطاني، وكان تقدّم أمره لقاصد حسن الطويل الماضي خبره، بأنْ يتقدّم السلطان ويجلس بالخانقاة الأشرفية البَرسْبائية، حتى يجتاز السلطان عليه، مظهراً بأنه فعل ذلك معه لتنزّهه وفُرجته، والقصد غير ذلك، وهو إظهار نفسه، وبيان ترتيب مملكته، وأن يرى عساكره، فإنه يوهم من مرسله، لا سيما حين بعث برأس بو سعيد الإشارة به إلى فخامته، بل هالى قوله إنكم إن لم تكونوا معي أفعل معكم كما فعلت ببو سعيد هذا، مع كونه أوسع ملكًا منكم، وأكثر مالًا وجمعًا، وهذا كان مراد حسن، والله أعلم. ومراد قايتباي أيضًا بالقرائن الدّالّة على ذلك، فإنه لما أُحضرت الرأس المذكورة إلى السلطان، وتقدّم المَشَاعلي ليأخذها، لأجل إشهارها بالقاهرة، وتعليقها بباب زُويلة، منع السلطان من ذلك، وأمره بها أن تُدفن، على ما سنذكره. لأنه فهم من مرسِلها ما ذكرناه لك. ثم لما ركب السلطان من الريدانية سار في موكب حافل جدًّا، وعظمة زائدة، وأُئهة هائلة إلى الغاية، وأُحضرت القبّة والطير، فحملها برقوق على رأس السلطان، لغياب الأتابك في التجريدة، وكان على السلطان الفوقاني الأبيض البَعْلبَكّي بالطرز السود الخليفتي، وهو متقلّد بالسيف بالسّفْط الذهب، راكمث على مركوب من خاصِّ خيله بالسرج الذهب والكنبوش الزركش المعظّم الحافل، وقد

стр. 1300

غُطّي عنق المركوب بالزركش على العادة في ذلك. وحُملت الغواشي الأطلس السلطانية، والغاشية الذهب بين يديه، وعُملت جميع أُبّهة الموكب والأسباب المعدَّة له، وروعي فيه جميع ما يجب عندهم في عادتهم رعايته، وسار في موكبه ذلك، إلى أن دخل من باب النصر، وقد ارتجّت له القاهرة، ثم فُرشت الشُقق الحرير بين يديه، تحت رِجلَي فرسه، وهو يمنعهم من ذلك، ونُثر عليه الفضّة، وربّما نُثرت عليه خفائف الذهب أيضًا، ودام علي سيره بهذه الهيئة إلى أن اجتاز بالأشرفية، ورآه قاصد حسن على تلك الهيئة والأبّهة والعظمة الزائدة. ولما جازه السلطان قام فركب فرسه صاعداً القلعة، فرأى أمرًا مهولًا من اجتماع الناس والخلائق في هذا اليوم، وقعادهم (١) لرؤية السلطان، وكان يومًا مشهودًا إلى الغاية لأجل الفُرجة لا غير، وأمّا الدعاء للسلطان فكان قليلًا جدًّا، لِما قد عرفتَه من الأسباب، فلا نعيد ذلك. ولما صعد السلطان إلى القلعة أقيمت الخدمة بالحوش السلطاني، وصُفّت الجند على العادة، من باب المدرج إلى الحوش، ثم نزل (٢) السلطان على الدكّة بالحوش، وحين استقر به الجلوس وافاه قاصد حسن المذكور، فقبّل الأرض بين يديه، وأخرج رأس بو سعيد، بعد أن ناوله مكاتبة مرسله، فرأى السلطان الرأس، ثم أمر بها، فدُفنت، بعد أن صرّح بحضرة قاصده بأن لا تُشهّر ولا تُعلّق، بل تُدفن بمكان جيّد، وأظهر أن ذلك إجلالًا له، لأنه من كبار ملوك الإسلام، ومن أهل الديانة والعدل، وأنه ليس بينه وبين هذه المملكة عداوة. ثم فتح مكتوب حسن، فإذا هو مكتوب بالفارسية، وقد كُتبت بعض ألفاظه بماء الذهب، كل ذلك إيذاناً بأنه ملك بلاد العجم، وسلك في مكاتبته طرائق تلك الملوك، لا ملوك التُركمان بديار بكر، وقُرئت هذه المكاتبة، فكان من ضمنها قضية بو سعيد المذكور، وأبرق في مكاتبته وأرعد، بل ورغا وأزبد، وحُقّ له ذلك، إذ وصل إلى ما لم يصل إليه لا هو ولا أجداده التراكمة الأجلاف، ولا جدّه قَرايُلُك، مع جلالة قدره بينهم، وأين كنّا حتى وصلنا، وكانت هذه أول ظهور مباينات حسن لهذه المملكة، لكنْ ظهورًا خفيًّا في حُسن عبارة. ثم خلع السلطان على القاصد المذكور، ونزل إلى مكانٍ أُعِدّ له، وأُجريت عليه المرتبات، وأشيع بأن مرسِله بعث بكتف بو سعيد إلى ابن (٣) عثمان، وبكتفه الأخرى إلى جهة أخرى، وكذا فخِذيه، وما علمت صحة هذا بعد ذلك على تحرير صادق (٤).
следующие страницы →