← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الأكابر والسلطان، وحصل له بعض وظائف دينية وشيء من المرتّبات، وكان من جملة وظائفه تدريس الشافعية بالمدرسة البرقوقيّة، وغير ذلك. وكان يجالس السلطان، وأخذ بتلك البلاد قبل مجيئه لهذه البلاد عن جماعة من كبار علمائها، ثم أخذ في هذه البلاد عن جماعة، منهم: العلاء القلقشندي، قرأ عليه "الحاوي"، وقرأ "البخاري" على الحافظ ابن (١) حجر، ﵀. وكان عنده بعض طيش وخفّة لشهامة كانت عنده بواسطة اعتقاده لنفسه. فاتفق أن حضر شيخنا الشيخ حميد الدين محمد ابن (٢) الشيخ تاج الدين البغدادي النعماني الحنفي، الذي ولي القضاء الحنفية بعد ذلك بدمشق، وكان حضوره من دمشق، فذكر عن شخص من أهل العلم بدمشق شيئاً نسبه فيه إلى ما لا يليق به، فأنكره عليه الكوراني المذكور، ووقع بينهما مقاولة بسبب ذلك، فلم يحتمل الشيخ حميد الدين ذلك وأخذ يشفع عليه. ثم اتفق اجتماعهما عند الكمال بن البارزي كاتب السرّ، فأعيد ذلك الذي كان وقع لهما، ووقع بينهما الشر وزاد، وتقاولا، وبدأ الشيخ حميد الدين الكوراني بقوله: أنت حمار ما تفهم. فقال له الكوراني: الحمار أنت وأبوك وأجدادك وأسلافك. قال لي بعض أصحاب الكوراني المذكور: ومُراد الكوراني من ذلك التعريض بحميد الدين بأنه ليس من ذرّيّة الإمام أبي حنيفة ﵁، فإنه كان يطعن في نسبه على ما سيجيء في محلّه إن شاء اللّه تعالى. وذكر بعض من له تعصّب أن الكوراني من كثرة بغضه في الحنفية والتعصّب عليهم قال ذلك لحميد الدين. والذي ظهر لي هو الأول، لأن التعصّب لا يبلغ / ١٢ أ/ مرتبة سبّ الإمام الأعظم ﵁. ولما وقع بينهما ذلك فحش الحال فيه إلى أن تعصّب حميد الدين على الكوراني. وكان شيخنا حميد الدين، ﵀، يعاب بمثل ذلك الذي كان السكات عن القيام في مثله أجمل، وتركه بالكلّية أفضل للعاقل اللبيب، لا سيما إن كان لغرضٍ دنيوي أو لهوَى نفس، لا واخَذَه اللَّه تعالى بذلك، فإنه شيخنا ولا نقُل (٣) فيه إلّا خيراً، ولا نودّ له إلّا الخير، لكنّه قام في قضيّة الكوراني قياماً كلّيّاً وكان سبباً لأذاه، وحرّك جماعة، منهم البدر بن عُبيد اللَّه وشخص آخر كان فقيهاً لقاصد شاه رُخ ملك العجم الذي قدّمنا ذكره، وكان قد ورد صحبة القاصد

стр. 177

المذكور، وكان قد وقع للإثنين المذكورين مع الكوراني ما أوجب حنقهما عليه، ومنه آل الأمر إلى التعصّب التامّ عليه، فبدأ حميد الدين بشكواه للسلطان الظاهر، وكان الظاهر، ﵀، على عادة التُرك، الدعوى عنده لمن سبق لا لمن صَدَق، فتشكّى له بكلام طويل لا حاجة لنا بذكره، فقال له الظاهر: أَلَكَ بيّنة بما تقول؟ فاستشهد بالبدر محمود بن عُبيد اللَّه. وكان أصل قضيّة البدر مع أحمد الكوراني وحنقه منه الحنق الذي أدّاه إلى أذاه أنه كان سعى قبل ذلك في قضاء دمشق الحنفيّة عن الشمس الصفدي، وكان بينهما في العلم ما بين الثُريّا والثَرى، فاتفق أنْ عارضه الكوراني في مجلس كاتب السرّ ابن البارزي، فأوجب له أن يحمل عليه، فشهد عليه عند الظاهر، ثم طلب السلطان شاهداً آخر، فأحضروا إنساناً زعموا أنه يشهد، فلم يشهد بشيء. وكان الشهاب الكوراني قد طلع إلى السلطان على عادته وأخذ يتنصّل مما نُقل عنه بكل ما تصل إليه قدرته، وأشرفت القضيّة على السكون. ولم يسكت حميد الدين، وبقي يدور على أعيان الحنفية ويستحثّهم على مساعدته والقيام معه، ويُظهر لهم أنه ما يفعل ذلك لأجل نفسه بل لأجل الإمام أبي حنيفة ﵁، كيف يجعله هذا الشخص حماراً، وصار يحرّض في هذه القضيّة ويذكر لهم أشباه هذا، إلى أن آل الأمر إلى تحريك فقيه قاصد شاه رُخ الذي قدّمنا ذكره وحرّضه على القيام معه، وبيّت معه ما يوصله إلى ذهن السلطان، وتساعدوا على هذا إلى أن تمّ كيدهم، فقام القاصد المذكور مع الحميد المذكور وساعده بكلام أوهم فيه السلطان أنه إن لم يوقع بالكوراني المذكور، فعاد عيبه عليه ونُسِب إلى التعصُّب على أبي حنيفة ﵀، ويبلغ ذلك بلاد العجم ولشاه رُخ. وكان الكوراني ربّما نقل على السلطان بطيشه وخفّته ومداخلته له، فحرّك عنده ساكناً مع تشنيع هذا الفقيه عليه عند السلطان، فأمر بطلبه في الحال ورسم بسجنه ببرج القلعة، وبعث إلى القضاة بعقد مجلس في ذلك، فاجتمعوا في يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من جمادى الأولى المذكور بين يدي السلطان، وأحضر الكوراني من البرج، فادّعى الشيخ حميد الدين عليه عند قاضي القضاة السعد بن الدَّيري، وأمر السلطان بنزوله معه إلى منزله، فأنزل ماشياً، وشهد عليه البدر محمود بن عُبَيد اللَّه، وانضاف إليه آخر يقال له بدر الدين البنبي. قال الحافظ ابن (١) حجر (٢)، ﵀، في حق البنبي: فاتفق حضور بعض

стр. 178

الأطبّاء، وهو ابن أخت شمس الدين ابن العفيف الذي قتله السلطان الأشرف بَرسْباي في آخر عُمُره هو، وحضر فذكر أنه كان دخل لكاتب السرّ لضرورة، فسمع الكاينة فشهد بها، فاجتمعوا في يوم السبت المذكور، وكان محتسباً إذ ذاك، فأمر السلطان بعقوبة الكوراني وضرْبه عرياناً، فشفع فيه ابن الدَيري إلى أن يُضرب تحت رِجليه، فأمر بضربه خمساً وسبعين (١) عصاً (٢) تعزيراً له، وكانت هذه عادة الظاهر جقمق في التعزير، ثم أمر بنفيه، فأُخرج في الحالى إلى التُرب بالصحراء، ثم ذهب منها. (بقيّة ترجمة الكوراني) (٣) أقول: وهو - أعني الكوراني هذا - موجود الآن ببلاد الروم انتهت إليه الرياسة هناك، وانتقل إلى مذهب أبي حنيفة ﵁، وولي قضاء بُرْصا وما والاها، وصار المشار إليه، ومن أعيان تلك البلاد، بيده زمام الفتوى والتدريس. وكان السلطان محمد بن مراد بن عثمان يعظّمه إلى الغاية، ويبلغنا عنه العلم الغزير، والفضل الكبير، والعقل الوافر، والسيرة المحمودة، والحركات المسعودة. وقاسى الشيخ حميد الدين بعده أموراً وأشياء، عفا اللَّه عنه ورحمه، فواللَّه لا نحب أن نسمع عنه ما يشينه، لكنّه كان في مثل هذه الأشياء مِلحاحاً لجوجاً كالمطوع على ذلك، وكان يقصد بذلك إظهار نفسه وأنّ له غيرة وقالاً وقيلاً، ويظنّ - بل يجزم - أن ذلك ممّا يحمده الناس عليه وممّا يعظُم به عندهم ويشتهر لديهم، وأنه يؤجر على ذلك، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه، وعند اللَّه مجتمع الجميع. [إمرة الحاجّ] وفيه في يوم الإثنين رابعه. خُلع على تمرباي التمربُغاوي بإمريّة الحاجّ (٤). [جلوس السلطان للفصل بالقضايا] وفيه في يوم الثلاثاء خامسه، ابتدأ السلطان بالجلوس لفصل الأحكام بين الناس، وكان قد نادى قبل ذلك بذلك أنه من كان له ظلامة (٥) فعليه بالسلطان في يوم السبت والثلاثاء.

стр. 179

[كتابة الأشراف] وفيه في يوم الخميس سابعه، استقرّ السيد الشريف بدر الدين حسين بن أبي بكر الفداء الحسني في كتابة الأشراف، وخلع عليه بها عِوضاً عن الشريف بدر الدين بن حسن بن علي بن أحمد بن علي بن حسين الأرمدي، المعروف بابن قاضي العسكر. (ولاية الجلال المحلّي مشيخة البرقوقية) (١) وفيه - أعني جمادى الآخرة - استقرّ في مشيخة الشافعية بالمدرسة البرقوقية الشيخ شمس الدين ابن حسّان الشافعي، ثم لم يتمّ له ذلك، فوليها الإمام شيخ الإسلام الشيخ جلال الدين المحلّي، رحمه اللّه تعالى، وكانت قد شغرت عن الشهاب الكوراني المتقدّم ذكره. [قدوم الأمير جُلبان إلى القاهرة] وفيه، في يوم الخميس رابع عشره، قدم الأمير جُلُبّان نائب الشام إلى القاهرة ونزل السلطان إلى لقائه لمطعم الطير من الريدانيّة، وكان نزوله بهيئة موكب السلطنة، وخلع على جُلُبّان وهو بالمطعم، وعاد وهو في خدمته إلى القلعة. وهذه أول ركبة ركبها الظاهر بهيئة موكب السلطنة وأُبَّهة المُلك في سلطنته (٢). [تقدمة جُلبّان للسلطان] وفيه - أعني هذا الشهر - قدّم جُلُبّان المذكور للسلطان تقدمة هائلة على رأس أربعين حمّالاً (٣). [تكرار الخلَع على جلُبّان] وفيه أيضاً خُلع على جُلُبّان أيضاً، ثم تكرّر الخلع عليه مراراً. [رجب] [الكشف على الميدان الناصري] وفيها، في يوم الإثنين ثالث رجب، ركب السلطان من قلعته وعليه ثياب

стр. 180

جلوسه، ونزل قاصداً الميدان الناصري شاقّاً الصليبة حتى وصل إليه وقد خرب، فكشفه وما يحتاج إليه من الترميم، وأمر بعمارته، ثم عاد سريعاً. وهذه ثاني رَكبةٍ ركبها هذا السلطان من يوم سلطنته (١). [تأمير طوخ تقدمة ألف] وفيه، في يوم الإثنين عاشره أُمر طوخ من تمراز الناصري لرأس نَوبة الثاني تقدمة ألف بمصر عِوَضاً عن ألطنبُغا المَرْقَبي بحكم وفاته، كما سيأتي في الوَفَيات (٢). [تأمير قانِباي الجركسي] وفيه قُرّر قانِبَاي الجركسي الذي ولي الدوادارية ثم الأمير اخورية الكبرى فيما بعد ذلك، وصار أحد أركان دولة الظاهر جقمق هذا ومن مد برّي مملكته أيضاً، قُرّر في إمرة طوخ المذكور زيادة على ما بيده من شادّيّة الشراب خاناه (٣). [تقرير إقطاع قانِباي] وفيه قُرّر في إقطاع قانِباي المذكورة ثلاثة نفر من الخاصكيّة (٤). [نيابة القلعة] وفيه خُلع على تغري بَرْمَش الجلالي المعروف بالفقيه، وقُرّر في نيابة القلعة عِوضاً عن ممجق النَوروزي (٥). [المشيخة بالبَهْنساوية] وفيه خُلع على يونس بن محمد بن إسماعيل بن مازن بمشيخة عربان (٦) حلّة بالبهنساويّة. [كشف الجيزية] وفيه خلع على تغري بردي (٧) دوادار قد استمرّ باستمراره على كشف الجيزية.

стр. 181

[تجريدة نائب بَعْلَبكّ إلى الحج] وفيه في هذه الأيام قرّر جانِبك المعروف بنائب بَعْلَبَكّ أحد العشرات إلى الريدانيّة، وقد استقرّ باشاً على تجريدة تخرج إلى المدينة الشريفة وعدّتها خمسون نفراً من الجُند السلطاني، ودام بالريدانيّة حتى اشتغل بالسفر منها في رابع عشر رجب هذا، وسار نائب جُدّة معه وهو شاهين القاري، وناظرا التقيّ بن نصر اللَّه أحد مدبّري الدَّسْت، وناظر دار الضرب، وسافر معهم جماعة يريدون الحج، وخرج معهم خاصكي المولى ابن (١) قاسم بحضوره بطلب (٢) من السلطان، وأن إمريّة تسفيره ألف دينار. (مولد مصنّفه عُفي عنه) (٣) وفيه في ليلة الأحد حادي عشره، وُلد الفقير معلّق هذا التعليق عبد الباسط أبو المكارم بن خليل بن شاهين بمدينة مَلَطْية، وكان الوالد إذ ذاك نائباً بها، وُلِّيها عن حسن خُجا أخو تغري بَرْمَش التركماني نائب حلب. وأمّ الفقير أمّ ولد سَريّة اسمها شُكْرْباي، تزوّج الوالد بها بعد عتْقها، وكانت من خيار نساء عصرها ديناً وخيراً، ماتت بدمشق في نفاسها شهيدة في سنة اثنتين (٤) وخمسين، ولي من العُمر نحو الثمان سنين، رحمها الله تعالى. ومات ولدها أخي المنفوس بعدها بأيام. [دَوَران المحمل] وفيه في ثالث عشره، أدير المحمل على عادته، وكان دوراناً حافلاً مشهوداً إلى الغاية، غير أنه أُبطل فيه العطاء الذي كان يُعمل في المحمل، وجرت العادة به وبالحراقة بالرُمَيلة. [انعقاد مجلس بشأن قاضي القضاة الصفدي] وفيه في تاسع عشره، أمر السلطان بعقد مجلس بحضرته بسبب الشيخ شمس الدين الصفدي، وهو محمد بن علي بن عمر الصفدي، الحنفي، قاضي القضاة بدمشق ادّعى فيه عليه شيخنا حميد الدين النعماني بأنه قال في بعض مجالسه: أنا لا أتقيّد بمذهب أبي حنيفة، بل أحكم تارة بمذهب الشافعي، وتارة

стр. 182

بمذهب مالك، وتارة بمذهب أحمد بن حنبل. وادّعى حميد الدين بأنّ علماء مذهبه أفتوا بأن هذا القول تلاعب، وأن الحكم بذلك لا يصحّ. فسُئل الشمس الصفدي عن ذلك فأجاب بأنه لم يُرد بذلك إلّا اتباع مقالة أبي يوسف صاحب أبي (١) حنيفة تارة، ومقالة محمد بن الحسن أخرى، وغيرهما من علماء المذهب. فأجاب الشيخ حميد الدين بأن هذا الجواب لا يطابق الدعوى، فانتصر بالجواب شيخ الإسلام حافظ العصر ابن (٢) حجر (٣)، ﵀، للشمس الصفدي، فقال لحميد الدين في ذلك المجلس: بل يطابق الدعوى إذا أراد الرواية التي عن أبي يوسف توافق مذهب الشافعي مثلاً، والرواية التي عن محمد توافق مذهب مالك مثلاً، فلا يلزم من ذلك أن يخرج عن مذهب الحنفية. وطال المجلس وكثر الكلام فيه، وآل الأمر بعد ذلك إلى أن قال السلطان: لو ثبت عليه شيء ما كان يجب عليه أكثر من التعزير، وقد عُزّر بإحضاره من دمشق إلى القاهرة. وانفصل المجلس. وكان لما قدم الشمس الصفدي هذا إلى القاهرة شنّع عليه قبل ذلك الحميد النعماني عند السلطان وغيره بأن نقل له عنه بأنه سُئل مرة عن الحكمة في طواف النبيّ ﷺ على نسائه ﵅ في ليلة واحدة، فنُقل عنه أنه أجاب بأن الحكمة في ذلك أن يعفّهنّ عن الزِّنا. فاستبشع هذا اللفظ، وحصل منه عند السلطان حاصل وغضب غضباً زائداً ظنّاً منه أن ذلك صحيحاً عن المذكور، فأمر بإحضاره وأرسل إليه بريدياً (٤) بسبب ذلك، فتكلّف له مائتين دينار (٥) ذهباً وأزيد عليها من غير جنس المبلغ أشياء أُخَر. ولما حضر إلى القاهرة لم يؤذن له بالحضور إلى بين يدي السلطان، فاتفق حضور جُلُبّان نائب الشام على ما قدّمناه في أثناء ذلك، فشفع له في أن يسلّم على السلطان، فامتنع السلطان من ذلك، وصمّم على أنه لا يأذَن له إلّا إذا عاد الجواب من دمشق وبرئت ساحته مما نُسب إليه. وكان حين حضر تنصّل من ذلك، وكتب إلى دمشق بتحرير ذلك، فلما لم يعد الشيخ حميد الدين بذلك ولا ما يُشنّع به انتقل إلى شيء آخر، وهو ما ذكرناه، وظهر لكل أحد تعصب الشيخ حميد الدين عليه وللَّه الأمر (٦).

стр. 183

[قضاء الشافعية بدمشق] وفيه عيّن السلطان الشيخ شمس الدين محمد بن إسماعيل بن محمد بن أحمد الوَنَائي الشافعي لقضاء الشافعية بدمشق، عِوَضاً عن السِراج الحمصي. وكان الوَنَا [ئي] قد شرع في إلقاء درس ببعض الكتب، فتوقّف وسأل أن يُمهل إلى أن يختم الكتاب الذي شرع فيه في آخر شهر رمضان، فأجيب إلى ذلك، ثم سأل في أثناء ذلك في إعادة ما خرج من وظائف الشافعي بدمشق إليه إذا وُلّي، فأجيب إلى ذلك، ثم استشعر أن ذلك لا يتمّ له فاستعفى رأساً وبقي الحمصي. قال الحافظ ابن (١) حجر (٢)، ﵀، حين ذكر هذه القضية: وفي العشر الوسط صرّح السلطان بعزل الحمصي، ثم ذكر تعيين الونائي بنحو ما قلناه إلى أن انتهى من ذلك. أقول: لعلّ مراده بذلك أنه لما بقي بعد ذلك لم يبق بولاية ثانية، فكأنه ﵀ يشير إلى بُطلان أحكام الحمصي أو فسادها بعد ذلك، وهذا الذي ظهر لي من النكتة في قوله: صرّح، فإن الحافظ ابن (٣) حجر، ﵀، كان كثير التنكيت على الحمصي لخصائله السيّئة، وأيضاً فإنه كان ينتمي لبني البُلقيني ويميل إليهم ويقوم معهم: وهذا لا يخفى على من علم أحوالهم بالوقوف عليها نقلاً أو مشاهدة، لا سيما مصاحبته لقاضي القضاة العَلَم البُلقيني، ثم مواطأته هو وإيّاه في بعض الأوقات أن يرشّح نفسه - أعني الحمصي - لقضاء الشافعية بمصر ليكون وسيلة إلى طلب العَلَم القضاء على ما يشير إليه كلام الحافظ ﵀ في موضع من كتابه "إنباء الغُمر". على أنني رأيت خط الحمصى في إجازة وهو يفتخر بالحافظ هذا، وعدَّه من مشايخه، ولم يعدّ منهم العَلم البُلقيني. [عودة الصفدي إلى دمشق] وفيه سافر الشيخ شمس الدين الصفدي إلى محلّ قضائه بدمشق بعد أن حصل له من المشقّة ما ذكرناه فيما تقدّم، ولم يثبت عليه ما نُسِب إليه، وخُلع عليه قبل ذلك في عشرين بالشهر هذا باستمراره على ما بيده من قضاء دمشق. وفي رجوعه عاد منصوراً على أعدائه (٤).

стр. 184

[رسالة ابن الأحمر صاحب غَرناطة] وفيه، في يوم الإثنين، رابع عشرينه، وردت مكاتبة السلطان الغالب أبو (١) عبد اللَّه بن الأحمر صاحب غَرناطة وذلك بالأندلس يتضمّن ما فيه المسلمون بالأندلس من الضيق والوباء مع ألفُنْش (٢) صاحب قَشْتالة، وتعرّض فيها بأن يُنجده السلطان (٣). [سفر الأمير جُلُبّان] وفيه أيضاً سافر جُلُبّان نائب الشام إلى محلّ كفالته على عادته، وكان سفره بعد أيام من سفر الصفدي (٤). (الكلام على الريح المريسىّ) (٥) وفيه هبّت الريح المريسيّة هبوبًا شديداً خارجاً عن، والمعتادتأذّى الناس بها إلى الغاية. وهذه الريح إذا هبّت في الشتاء كانت باردة، وإن هبّت في الصيف كانت حارّة، ويتعجّب منها غالب من لا علم له بطبائع الأشياء. ولقد سألت جماعة من أعيان الأطبّاء بمصر عن سبب ذلك فلم يُجبْنِي أحد منهم بجواب يليق. وأنا أقول سبب ذلك إن هذه الريح حارّة لطيفة في أصلها، فهي قابلة للانفعال بقدرة الفاعل الحكيم جلّ ذِكره. ففي البرد تقبل البرد فيفعل فيها بإرادة الفاعل مسبّب الأسباب جلّ وعلا، وفي الحَرّ كذلك، ولهذا سرّ الغبار الكثير المترائي، بخلاف غيرها، إذ ليس كهي في ذلك، لأن هذه تمكن من مداخلة الأجسام أكثر من غيرها، وتُسمَّى المريسيّة نسبة إلى المَرِيس من بلاد النُّوبة، وإليه يُنسب بشْر المَرِيْسِي (٦) من

стр. 185

الحنفية. وهي ريح الجنوب عند الأطبّاء، وهي رديئة (١) الرياح وأرداها عندهم لأنها سبب للتعفين، لا سيما بمصر، ولهذا قال بعض الأطبّاء إن هذه الريح إذا هبّت بمصر واتصل هبوبها دائماً خمسة عشر يوماً متوالية ليلاً ونهاراً أخذت الوباء بقدرة اللَّه تعالى. [شعبان] [تقرير ابن كاتب جكم في نظر دار الضرب] وفيها في يوم الإثنين أول شعبان المكرّم، قُرّر المَقَرّ الجمالي يوسف ابن (٢) كاتب جَكم في وظيفة نظر دار الضرب مضافاً لنظر الخاص. وكان ذلك هو العادة القديمة، وتولّاها عن الخادم الخصيّ جوهر الزمام والخازندار (٣). [تجريدة البَهْنَسَاويّة] وفيه في يوم الأربعاء، ثالثه، رُتّبت تجريدة بحر القلز [م] (٤) مائة من الجند السلطاني عليها ما يزيد أحد العشرات صحبة ابن (٥) مازن إلى جهة البهنساوية وقد عاث بها العربان. [تقرير الخادم طلال بالزمامية] وفيه، في يوم السبت سادسه، استقر الخادم هلال الرومي الذي كان شادّ الحوش السلطان في وظيفة الزماميّة، عِوضاً عن جوهر المذكور، بمالٍ بذله في ذلك له صورة (٦). [أستادّار الذخيرة] وفيه في يوم الأحد سابعه، استقرّ الأمير زين الدين عبد الرحمن بن الكُوَيز الذي ولي نظر الخاص فيما بعد، استقرّ أستادّاراً على الذخيرة (٧).

стр. 186

[استقرار التمرازي خازنداراً] وفيه أيضاً استقر الخادم جوهر التمرازي خازنداراً، كلاهما، أعني هذا وابن الكُويز، عِوَضاً عن جوهر الذي مات قبل ذلك (١). وستأتي ترجمة جوهر هذا في تراجم هذه السنة إن شاء اللَّه تعالى. [الصقيع في مصر] وفيه، في أوائل طوبة (٢) من شهور القِبط، وقع الصقيع خارجاً عن المعتاد، فأفسد الكثير من الزروع والأقصاب والفول والبرسيم وغير ذلك (٣). [وقوع مطر رقيق] وفيه في يوم الأحد رابع عشره، وهو ثالث عشر طوبة، وقع مطر رقيق من طلوع الفجر إلى قريب غروب الشمس مسلسلاً قليلاً قليلاً حتى حصل الوحل وانزَلَق بالطرقات، وخف البرد قليلاً. (تحسين زين الدين أخذ رواق الجيزيّة) (٤) وفيه، أعني هذا الشهر، حسّن زين الدين الأستادّار قيزطوغان أن يكلّم السلطان ويحسّن له إخراج الرزق الأحباسية والجيشية التي بالجيزية بضواحي القاهرة عن آخرها، وأن يضاف إلى الديوان المفرد حتى يحصل السداد. وكان زين الدين هذا إذ ذاك ناظر الديوان المفرد، فتكلّم الأستادّار طوغان في ذلك وألقاه ينال السلطان وحسّنه لديه وسهّله له، وألحّ عليه في ذلك إلى أن مال السلطان لذلك، فبادر جماعة من الأعيان لما بلغهم ذلك فقبّحوه لدى السلطان وخوّفوه من الدعاء عليه بسبب ذلك، ففتر عزمه عن ذلك بعد أن لم يبق إلّا أن يتم ذلك، فلما رأى زين الدين ذلك لم يتمّ له، حسّن أن يفرض على كل فدّان من الرزق المذكورة مائة درهم في السنة، فأجاب الظاهر إلى ذلك، وجُبيت، واستمرت إلى الآن. وعلى زين الدين المذكور ومن حسّن ذلك ومن أمر به إثم ذلك وإثم من عمل به إلى يوم القيامة بمقتضى الحديث الشريف النبوي، على قائله أفضل الصلاة والسلام، لا جوزي زين الدين هذا خيراً على ذلك ولا بورك فيه، فقد أخذه اللَّه

стр. 187

تعالى بعد ذلك أخْذ عزيزٍ مقتدر، كما ستقف على ذلك في ترجمته إن شاء اللَّه تعالى في سنة أربع وسبعين (١). [نزول السلطان إلى خليج الزعفران] وفيه، في يوم السبت عشرينه، ركب السلطان من قلعته بثياب جلوسه، ونزل إلى خليج الزعفران، ومُدّت لديه الأسمطة، فأكل هو وأمراؤه وتنزّهوا، ثم ركب عائداً للقلعة، شاقّاً القاهرة فدخلها من باب النصر، وخرج من باب زويلة قاصداً القلعة. وهذه أول ركبة لهذا السلطان شق فيها القاهرة (٢). [القبض على قانصوه النوروزي] وفيه، أعني شعبان هذا، ورد الخبر بأنه قُبض بدمشق على قانصوه النَوروزي أحد من خرج مع إينال الجكَمَي نائب الشام واختفى بعد كسرة إينال إلى هذه الغاية، ثم ورد الخبر بظهوره، فخرج الأمر بإيداعه سجن القلعة بدمشق، ففُعل به ذلك إلى أن كان من أمره ما سيأتي ذكره إن شاء اللَّه تعالى (٣). [شهر رمضان] [ختم البخاري] وفيه في شهر رمضان المعظّم خُتم البخاري بالقلعة، وخُلع على القضاة والمشايخ ومن له عادة بذلك، وحُملت إليهم الصُرَر المرتّبة لهم على ذلك. [تقرير سبط العجمي في كتابة السرّ] وفيه في يوم السبت ثاني عشره، استقرّ معين الدين عبد اللطيف بن شرف الدين سبط العجمي المعروف والده بابن حِجّي في وظيفة نيابة كتابة السرّ عِوضاً عن أبيه شرف الدين المذكور. وستأتي ترجمته في تراجم هذه السنة، وترجمة عبد اللطيف فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى (٤).

стр. 188

[ترميم جامع الحاكم] وفيه، أعني رمضان هذا، فوّض السلطان نظر جامع الحاكم إلى دَولات باي الدوادار، وأمره بكَتْب جهاته وضبْط متحصّلاته وعمارته وما سقط منه، وتنظيف مَيْضأته وترميمها، وإصلاح بلاطه، ومنع النساء من الجواز منه، وكذا من يمرّ بالنعال، وأمر البوّابين بذلك، وصار جميع جهاته إلى دَولات باي هذا (١). [شهر شوّال] [صلاة العيد بجامع القلعة] وفيها استهلّ شوال بالخميس، وخرج السلطان لصلاة العيد بجامع القلعة على العادة، ولما صلّى الإمام وسلّم من الصلاة قام كثير من الجند السلطاني يريدون المبادرة لدخول القصر لأجل لبْس الخِلع، وقام بقيامهم جماعة كثيرة، فكان بينهم زحمة شديدة مات فيها من الزحمة عدّة أُناس، وأُغمي على عدّة. ومن جملة من مات والي باب القلعة (٢). [قضاء الإسكندرية] وفيه، في يوم الجمعة ثانيه، كُتب بصرف ابن (٣) عامر (٤) عن قضاء الإسكندرية، وطُلب الجمال بن الدماميني. [قدوم قَوَد صاحب مكة] وفيه، أعني هذا الشهر، قدم قَوَد (٥) صاحب مكة الشريف بركات. [خروج الحاج من القاهرة] وفيه، في يوم الإثنين تاسع عشر شوال، خرج الحاج من القاهرة إلى البركة، وأميرهم على المحمل تمرباي التمربُغاوي نوبة النُوَب.

стр. 189

(بعض ترجمة ابن (١) التمرباي وأبي (٢) يزيد) (٣) • وهو جدّ صاحبنا الشاب الحسن الشهابي سيدي أحمد بن أحمد بن تمرباي الحنفي، من أهل الفضل والأدب والوقار، ذي (٤) تُؤَدة وحشمة واشتغال بالعلم ومَيل لأهله. حضر دروس المشايخ الأعلام في هذا العصر، وأخذ عن شيخنا العلّامة الكافِيَجي ولازمه مدّة هو. • والناصر سيدي محمد ابن (٥) المرحوم أبي (٦) يزيد. وهذا المذكور أيضاً من السادة النبلاء الأعيان الفُضلاء، ومن أهل الفضل والعلم / ١٥ ب/ والأدب والوقار، وحُسن السمت والتُؤَدة والمروءة، ممن قرأ كثيراً وأنجب في كثير من الفنون، فكان شيخنا المشار إليه يثني عليه ويعجبه اشتغاله وذكاؤه. أخذ عن علماء عصره. وستأتي ترجمة كل واحدٍ منهما بأوسع من هذا في ترجمة تمرباي في محلّها، وترجمة أبي يزيد في محلّها من تاريخنا هذا إن شاء اللَّه تعالى. [أمير الرَكْب الأول] وكان الأمير بالركب الأول في هذه السنة سودون قراقاس، وستأتي ترجمته أيضاً. وخرج مسافراً أيضاً في هذا اليوم. [خروج أمراء للحج] وفيه أيضاً، أعني هذا الشهر، خرج للحج جماعة من الأمراء، وهم: الأمير تمراز القَرْمشي أمير سلاح، والأمير طوخ الناصري أحد مقدَّمي الألوف. أقول: وهذا من النوادر كون ثلاثة من المقدَّمين يحجّون في عام واحد. وحجّ أيضاً من الطبلخانات والعشرات سبعة. وحج من جهة الشام أربعة من الأمراء، فكان عدّة من حج في هذه السنة من الأمراء أربعة عشر أميراً، لعلّ هذا لم يقع في دولة من الدول. أقول: والسبب في إكثار هؤلاء من الحج التقريب إلى خواطر السلطان الظاهر بذلك لأنه كان يحبّ أن يشاع عنه وعن أمرائه التعبّد وإظهار الديانات، وكان يُظهر حبّ من يتعبّد ويحجّ، وينقل الخير، حتى إن جماعة كثيرة ممن فطن به

стр. 190

بأنه يعجبه ذلك صار يتقرّب إلى خواطره بأنواع كثيرة من العبادات كالحج وبناء المدارس والجوامع وتجديدها، وتاب جماعة كثيرة ممن كان يرتكب أشياء قبل سلطنته، وصار من له [شيء] (١) كتبه من ذلك يُظهر التوبة ويخفي ما يفعله حتى يُرجفه حين ارتكابه ذلك الفعل صفير الصافر، ويخيفه خفق جناح الطائر، كل ذلك لِما كان يُظهره هو - أعني الظاهر - من العبادة والخير والزهادة. والناس على دين مليكهم (٢). (ذِكر ما جُدّد في هذه السنة من المساجد) (٣) وفيها - أعني هذه السنة - جُدّد بمصر والقاهرة والضواحي عدّة جوامع ومدارس إنشاءً وترميماً وتجديداً لما وهي، منها: جامع الصالح، وهو طلائِع بن رُزَّيك وزير الخلفاء الفاطميّين (٤) من بني عُبَيد الذي جدّده الآن في هذا العصر الذي جمعنا فيه تاريخنا هذا يشبُك من مهدي الدوادار، وأظهره على ما سيجيء في محلّه بعد الثمانين إن شاء اللَّه تعالى. جدّده في هذه السنة - أعني سنة أربع وأربعين هذه - في دولة الظاهر رجل يقال له عبد الوهاب العَيني. ومنها الجامع الذي أنشأه الطواشي الخادم جوهر المَنْجكي (٥) نائب المقدَّم بالرُميلة تجاه القلعة بعُرَص الغِلال المعروف الآن بمدرسة الطواشي. ومنها مدرسة تغري بدري المؤذي (٦) الدوادار الكبير التي أنشأها بخُطّ الصليبية بسوق الأساكفة. ومنها جامع الفاكهيّين (٧) بالقاهرة بخط الشّوايّين، وجدّده يشبُك أيضاً حين

стр. 191

هدم الحوانيت التي تبرز بها بالشّوايّين على ما سنذكره في محلّه إن شاء اللَّه تعالى. ومنها جامع الفخر (١) بالقرب من بولاق. ومنها جامع الصارم (٢) بالقرب من بولاق أيضاً. ومنها مشهد السيّدة رُقيّة (٣) بالقرب من مشهد السيدة نفيسة ﵂. جدّده السيد الشريف بدر الدين حسن نقيب الأشراف. [إظهار السلطان العفّة] وبالجملة، لما أظهر الظاهر هذا في سلطنته العفّة والنزاهة (٤) والزهد والصلاح، ومقت من يتعاطى ما ينكره الشرع من المسكرات والمنكَرات وغير ذلك من أرباب دولته أخذ أكثرهم في أسباب إظهار التوبة والعفّة، وتصولحوا وتزهَّدوا وتعبّدوا، وصاروا يتقرّبون إلى خواطره بأنواع من المعروف على ما بيّنّاه لك، وإن كانوا في الباطن على خلاف ما هم في الظاهر، وكذا الظاهر. وناهيك بما فعله زين الدين الأستادّار حتى من عظم ذلك صار الظاهر يدعو (٥) له ويأمر الحاضر من أرباب دولته في بعض الأحيان أن يقرأوا له الفاتحة، ويبدأ هو بذلك، ثم يهدي ثوابها لزين الدين. وكان هذا أحد مقاصد زين الدين من بنائه تلك المدارس والجوامع لعلّ ذلك أعلى مقاصده، وإن كان ثَمَ مقاصد أُخَر. وأظنّ أنه لم يبق في دولة الظاهر هذا ممن استمرّ على ما كان عليه إلا اليسير مع الخوف الزائد. وعلى كل حال فله فضيلة في ذلك وحصل بذلك النفع. [خراب الفيّوم] وفيه، أعني شوال هذا، استولى الخراب على مدينة الفيّوم وبلادها، وجلا أهلها عنها لغلبة ماء بحر السيد يوسف عليها (٦)، وللَّه الأمر.

стр. 192

(القيام بسبب دير بساتين الوزير للحبوس) (١) وفيه، أعني شوال هذا، رُفعت قصّة إلى السلطان بأن الدير الذي للحبوس ببساتين الوزير أحدث به أبنية مشيّدة إلى غير من الإنهاء في القَصَّة المرفوعة، فعيّن السلطان قاضي القضاة الشافعي، وهو إذ ذاك الحافظ ابن (٢) حجر ﵀ وعيّن معه تغري بَرْمَش الفقيه نائب القلعة، وأمرهما بالكشف عن ذلك، والعمل بما يقتضيه الشرع الشريف، فلما ذهبا إليه وجدا به جماعة من الحُبُوس النصارى، ووجدوه قد بولغ في تهيئته، ووجدوا أمام باب الدير حَوشاً كبيراً مبنيّاً بالحجر الفصّ الأبيض النحيت، فسُئلوا عن ذلك، فاعتلّوا بهجوم اللصوص عليهم، لا سيما وهم مطموع فيهم، فأمروا بإزالة المحدَث وإبقاء الترميم والتحصين لظهور العذر فيه. وكان بناؤهم (٣) ذلك الحوش إقامة بنيّة في أيام جوهر الخازندار، فإنه كان له قريباً (٤) من الحبوس يكن بالدير المذكور، أقام النصارى بَنيّة تجاهه شهدوا بأنّ الجدران السامية للكنية من تعلّقاتها، وأنها كانت جدراناً لحوش بالكنيسة. وادّعى النصارى ذلك. وشهد مع البَيّنة على دعواهم لهم عند بعض نواب الحكم الحنفي، فأذِن لهم بإعادتها وإعادة ذلك الحوش ببعضه، فزادوا هم بالجاه أن جدّدوه بالحجر الفص. لما وقع الأمر من السلطان بكف ذلك حضر جماعة من المسلمين من أهل تلك الناحية، وأخبروا بأن تلك الجدر لم تكن (٥) للكنيسة المذكورة بل البستان مجاور لها، وكان هذا هو الحقّ. أخبرني به من أثق به من أهل بساتين الوزير ممن يعرف ذلك ويحقّقه، وأخبروا بأنّ البستان لما خرب سقطت جدرانه، وقلع ما بقي فيه من الأشجار بقي أثر الجدران، فادّعى النصارى ما ادّعوه، وساعدهم جاه جوهر المذكور، وأن جاههم قد انخفض بموته، وأنه توفي جوهر تسحّب قرينه الحبشي الكافر، وكان هو وجماعته يستطيلون على المسلمين المجاورين لهم وعلى من بالدير من النصارى من غير حبسهم وعلى بعض المارّة بهم، كل ذلك بعناية جوهر المذكور. ولما قامت خاف قربه فتسحّب، فلما أُعلم السلطان بذلك أمر بهدم الحوش المذكور، فأذِن قاضي القضاة، ﵀، لأحد نوّابه بذلك، فتوجّه هو وتغري

стр. 193

بَرْمَش الفقيه، فهدم الحوش المذكور بحضورهما وحضور من معهما، وحصل لأهل تلك الناحية بواسطة ذلك غاية الفرح والسرور (١). [ذو القعدة] [نزول السلطان إلى جهة جامع ابن طولون] وفيه في يوم الثلاثاء ثالث ذي القعدة، ركب السلطان ونزل إلى جهة جامع [ابن] طولون ليأمر بهدم الميضأتين والدُور التي بزيادته (٢) كما كان أمر بهدم دار ابن (٣) النقاش، ولم يشك كل أحد في أنه يقع ذلك، فاتفق أنْ كشف عن الجامع، وما أمر بهدم ولا غيره، وركب سائراً إلى الميدان الكبير الناصري فكشف ما كان أمر به من عمّارته وعاد سريعاً (٤). [قدوم نائب حلب إلى القاهرة] وفيه في يوم السبت سابعه، قدم قانِباي الحمزاوي نائب حلب إلى القاهرة باستدعاء، ونزل السلطان إلى لقائه بمطعم الطير من الريدانية، وخلع عليه وعاد وهو في خدمته إلى القلعة (٥). [تقديم نائب حلب هديّته] وفيه، في ثامنه تقدّم نائب حلب تقدمه هائلة، وكانت شيئاً كثيراً. وفيه قدّم كاتب سرّ حلب أيضاً تقدمة هائلة، وكان قد تقدم أيضاً في صحبة قانِباي المذكور (٦). [خروج الجند لمحاربة عربان محارب] وفيه، في يوم الإثنين حادي عشره، خرج إينال المعروف بالأجرود أحد مقدَّمي الألوف الذي تلقّن بعد ذلك ولُقّب بالأشرف مجرّداً في جماعة

стр. 194

من الجند السلطاني للوجه القِبلي لمحاربة عربان محارب، وقد افتروا بتلك النواحي (١). [طرد أيتمش الحضري من مجلس السلطان] وفيه، في أواخره مَقَت السلطان أيتْمِش الحضري وطرده عن مجلسه وأبعده، وهذه ثاني فِعلة فعلها معه هذا السلطان. وكان وقع له مثل ذلك أيضاً في دولة الأشرف بَرْسْباي غير مرة لأنه كان كثير المداخلة بهم ولهم، ويتكلّم بما لا يحبّونه، فإنه كان عنده بعض حدة مزاج وتهوّر، وكذلك كان يتردّد إلى الأكابر والأعيان مع مقتهم له وبهدلتهم إيّاه، ولا سيما لما عرفوا مَقْتَ السلطان له، فإنهم أخذوا هم أيضاً يمقتونه، وهو على ما هو عليه من التردّد إليهم ومداخلتهم (٢). وستأتي ترجمة أيْتْمِش هذا في محلّها إن شاء اللَّه تعالى. [ذو الحجّة] [خروج ثلاثة من المسنِدين من دمشق] وفيها، في ثالث عشر ذي الحجّة، خرج من دمشق ثلاثة من المشايخ المسنِدين بطلبٍ من السلطان. وكان السبب في طلبهم تغري بَرْمَش الفقيه نائب القلعة لأجل السماع عليهم لعلُوّ سندهم. وستأتي أسماؤهم ويوم قدومهم في التي بعدها إن شاء الله تعالى. [قدوم مبشّر الحاج] وفيه قدم مبشّر الحاج وأخبر بالأمن والسلامة (٣). [زيادة النيل] وفيه، أعني هذا الشهر، ووافق برمودة (٤) من شهور القِبط، والشمس في برج الحمل زمن الربيع ومواسم مصبنة أصداق النيل زاد زيادة عجيبة نادرة، وكانت

стр. 195

نحواً من ذراعين ونصف لم يقع نظيرها إلّا في تسعٍ وثلاثين. وتعجّب الناس من ذلك في زمن الإحراق (١). [بناء صاحب قشتالة الأسطول وتهديد طرابلس الشام] وفيه، أعني هذا الشهر، ورد الخبر بأنّ ألْفُنْش صاحب قَشْتالَة الفرنجي بنى أسطولاً (٢) نحو الخمسين سفينة، بها من البيونية أربعون بيونياً (٣)، ومن الأغرِبة نحو العشرة أو هي، وقصد أحد أنحاء رودس لغزو السلطان بها. ثم قدم الخبر من طرابُلُس (٤) بأن أهل رودس قد أخذوا في الاستعداد للحرب، وأنّ عاد ألفُنش إذا وردت عليهم ثاروا وجاؤوا (٥) طرابُلُس، وأنّ أهل طرابُلُس في نكدٍ كثير وضرر، وقد خلت الكثير من ضياع طرابلس وقصدوا الجبال وتركوا السواحل، وأنه يُخشَى على طرابلس وما بأحوازها من بلاد الإسلام (٦). [استيلاء الفرنج على مركب عند بيروت] وفيه، في رابع عشرينه ورد الخبر أيضاً من طرابلس بأن عدّة أغربة من عمارة ألْفُنش وصلت إلى ثغر بيروت، ووجدوا بميناه مركباً معجوناً بالمسلمين والبضائع فقاتلوه وأخذوا وأسروا من به، وكانوا أربعين رجلاً أو زيادة عليها باعوا ممّن أُسِر أربعين (٧) ولم يقاتلهم، فانزعج السلطان لهذا الخبر، وأمر بعرض أجناد الحلقة ليخرجوا إلى اليَزَك (٨) بالسواحل، ثم عرضهم الدوادار بأن (٩) يخرجوا إلى رشيد والطينة. ثم صحّ بأنه ورد بعض مراكب (١٠) إلى ساحلهما وعاثوا، ومع ذلك ( ...................... ) (١١) والحلقة في ذي حجة (١٢).

стр. 196

(ولاية ضيغم إمرة المدينة المشرَّفة) (١) وفيها -أعني هذه السنة-ولي إمرة المدينة- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- ضيغم بن خشرم عِوضاً عن سليمان، وكان سليمان وليها عن أميّان وتحاربا كما قدّمناه، وانتصر سليمان إلى أن ولي ضيغم بعد سليمان، وأظنّه صُرف عنها وما حرّرت ذلك، لكنْ أعلم أن أميّان ولي أيضاً بعد ضيغم ومات بها على ما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى. [مهاجمة الفرنج ساحل الطينة] وفيه، أعني ذي الحجة في أواخره، طرق جمع من الفرنج ساحل الطينة في عدّة مراكب، ووجدوا به اثنين (٢) من مراكب تجار المسلمين فأخذوهما بما فيهما من المتاجر وأسروا أهلهما (٣) ثم طرقوا الساحل فأحرقوا ما وجدوه به من المراكب ونهبوا كل شيء وجدوه، ولله الأمر (٤).

стр. 197

ذِكر نُبَذٍ (١) من تراجم الأعيان ووفَيَاتهم في هذا الزمان سنة ٨٤٤ إعلم أنني ذاكر في هذا التعليق تراجم الأعيان الذين بلغني وأمكنني الوقوف على تراجمهم ووَفَيَاتهم على ترتيب حروف المعجم في مراتبها، فأبدأ بمن اسمه بالهمزة، وكذا اسم أبيه إن اتفق ذلك، وهكذا إلى آخر الحروف إن وُجد من اسمه على الحرف في الرتبة، وإلّا فأعدل إلى الحرف الذي يليه ثمّ، وثم حتى انتهي، وأذكر في بعض تراجم الأمراء تراجم بعضٍ من الأحياء بمناسبته كما أشرنا إلى ذلك في أول تاريخنا هذا، وبالله بالتوفيق. (ترجمة ابن المَرَة ناظر جُدّة) (٢) ٥ - إبراهيم بن المراة (٣) القِبطي، القاهري، القاضي سعد الدين، المعروف بابن المَرَة. بفتح الميم والراء المهملة وبعدها هاء ساكنة. هكذا تُستعمل في عُرف الناس والعامّة. كان هذا ناظر بندر جُدّة، وناظر الديوان المُفْرَد، وحصل له من بندر جُدّة في دولة الأشرف بَرسْباي ثروة زائدة أصلها من المكوس، فلهذا ذهبت ولم تنفعه (٤)، وبقي حسابها عليه. ودام ناظراً على هذا البندر عدّة سنين، واشتهر فيه، وظهر،

стр. 198

ورأس، ووجُه، وصار ذا عزّ وجاه وسُمعة بعد أن كان يتخدّم عند الأمراء في دواوينهم. وكان عند أركماس الجُلبّاني نائب طرابلس. ذكر عنه الوالد في كتابه "كشف الممالك" أنه ضبط المتحصّل من مكس القطن الموسوق للفرنج بمينا طرابلس في سنة واحدة في بعض السنين، فكان نحو الثلاثين ألف دينار (١)، وهذا من الغرائب. ثم آل أمره إلى الرياسة بعد [أن] خدم الأمراء، وتزوّج بأمّ الزين بن مزهر كاتب سرّ زمننا هذا، وكان لا بأس به، وله بِرّ وخير في طريق الحج لما كان يتوجّه إلى جُدّة، ووزن مرة مائة دينار (٢) وأكثر للعرب في قضيّة اتفقت له في طريقه، ذكرها الحافظ ابن (٣) حجر في "تاريخه" (٤)، وآل به الأمر إلى أن خمل (٥)، بعد ذلك وسكن ريحه حتى كأنه لم يكن، إلى أن كان عاقبة أمره أن تُصُدّق عليه بالكفن بعد موته. توفي بالقاهرة في يوم الخميس عاشر ربيع الآخرة، وكان سنّه قريباً من السبعين، بتقديم المهمَلَة. (ترجمة الشَرَف نائب كاتب السرّ) (٦) ٦ - أبو بكر بن سليمان بن إسماعيل الحربي، الشافعي، سِبط ابن (٧) العجمي (٨) المعروف بابن الأشقر، وبابن العجمي أيضاً، القاضي شرف الدين، نزيل القاهرة، نائب كاتب السرّ. ولد بحلب في سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وبها نشأ. واشتغل على جماعة، وسمع الحديث باستدعاء العلاء ابن (٩) خطيب

стр. 199

الناصرية قاضي حلب ومؤرّخها، ثم تعانى صناعة التوقيع وبرع فيها ومهر. وقدم القاهرة في سنة سبع وثمانمائة وتقرّب من الجمال الأستادّار، وكان زوج ابنة أخيه الشمس البيري (١)، فقرّره في توقع الدَّست وجعله موقّعاً كبيراً نيابة، فأثرى وحصّل عدّة وظائف دينيّة ما بين تداريس وأنظار وغير ذلك. ثم تنقلّت به الأحوال إلى أن وُلّي نيابة كتابة السرّ في دولة الأشرف بَرسْباي وسافر معه إلى آمد، وتوجّه رسولاً عنه إلى قرايُلُك، وألبسه خلعة الأشرف، وباشر تحليفه على الطاعة، ثم ولَّاه الأشرف كتابة سرّ الرُّها رفيقاً لإينال العلائي الأجرود حين ولّاه نيابتها في تلك السفرة اعتماداً عليهما واعتقاداً في حسن سياسة شرف الدين هذا وجودة رأيه وتدبيره، فاستعفى منها فأُعفي إينال (٢) وحمل خمسمائة دينار للسلطان لأجل ذلك. وكان قد ولي كتابة سرّ حلب أيضاً على كرهٍ منه، واستعفى عنها بعد ذلك وتولّى عِوَضه ولده معين الدين عبد اللطيف، ورُشّح لكتابة سرّ مصر مراراً فلم يقبلها. وكان عاقلاً، سيوساً، فاضلاً، مدبّراً، حسن السمت والملتقى، عارفاً بصناعة الإنشاء، باهراً فيه، قام بأعباء ديوان الإنشاء مدّة سنين، وخدم عدّة ملوك، وكان مقرّباً لديهم، محبَّباً إليهم. وكان بينه وبين الوالد، رحمهما اللَّه، محبّة أكيدة وصحبة قديمة زائدة، بحيث كان غالب ما يرد عليه من المكاتبات حين بُعده (٣) عن الديار المصرية يرد إليه بخط الشرف هذا، وفيها من تعظيمه للوالد ما لا يخفى، ثم صار ذلك دأَب ولده معين الدين إلى أن مات. وستأتي ترجمة معين الدين أيضاً في محلّها. توفي الشرف هذا في يوم الأربعاء الثامن أو التاسع من شهر رمضان، رحمه اللَّه تعالى. (ترجمة العجيمي قاضي المحلّة) (٤) ٧ - أحمد بن أبي بكر بن رسلان بن نَصِير بن صالح بن شهاب بن عبد الخالق بن عبد الحق بن مسافر بن محمد البُلقيني الأصل، القاهري،

стр. 200

الشافعي، الشيخ شهاب الدين المعروف بالعُجَيمي (١)، قاضي المحلّة الكبرى. وهو ابن أخي الشيخ سراج الدين البُلقيني شيخ الإسلام، وأخو الشيخ بهاء الدين أبي (٢) الفتح رسلان. وكان أجلّ إخوته، فإنهم كانوا خمسة إخوة، أجَلُّهم رسلان. ولد صاحب الترجمة في سنة سبع وستين وسبعمائة. وحفظ القرآن العظيم في حالة الصِغر وعدّة من المتون، ثم اشتغل فأخذ عن جمع من علماء ذلك العصر، وحصّل. ثم تشاغل بنيابة الحكم بعدّة بلاد، ثم تولّى قضاء المحلّة الكبرى، وجرى عليه أنكاد ومِحَن في دولة المؤيَّد شيخ. قال الحافظ ابن (٣) حجر، ﵀: وعزل ابن (٤) عمّه القاضي جلال الدين بسبب قيام الناس عليه، فعُزل هو أيضاً، واستمر، ثم عاد بعد ذلك، ووُلّي مِراراً إلى أن مات (٥). انتهى كلامه. توفي الشهاب هذا في يوم الثلاثاء، ووهمَ من قال يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى. ٨ - وترك ولده القاضي أوحد الدين محمد (٦) المكنَّى بأبي الفتح قاضي المحلّة، وليها أيضاً كأبيه مدّة طويلة، ثم عُزل، وولي قضاء الإسكندرية، ثم صُرف وأعيد إلى قضاء المحلّة إلى أن مات بها في زمننا هذا الذي بدأنا فيه بتعلّق هذا التاريخ قبل تعليقه بشهور في سنة سبع وثمانين، وستأتي ترجمته في محلّها من هذه السنة إن شاء اللَّه تعالى. وترك هو أيضاً ولداً يكنَّى أبا السعادات تولّاها بعده كما سيأتي في محلّه.

стр. 201

(ترجمة القُطب القلقشندي) (١) ٩ - أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن علي القلقشندي (٢)، القاهري، الشافعي. الشيخ العلّامة قطب الدين، ولقبه من نوادر ألقاب أحمد، وهو والد العلّامة الشيخ علاء الدين القلقشندي الذي شُهر بعد والده وصار له سمعة وصِيت. وستأتي ترجمته إن شاء اللَّه تعالى. ولد القُطب هذا بقلقشندة، قرية معروفة، وتُعرف عند العامّة بقرقشندة، بعد الستين وسبعمائة، ونشأ بها. وقرأ القرآن العظيم حفظاً هناك، ثم قدم القاهرة في عنفوان شبابه فاشتغل بالعلم وتفقّه على جمع جمّ من علماء عصره، كالبهاء البُلقِيني والضياء القرمي، وهو الذي أذِنً له بالفتوى والتدريس، وأتقن العربية والفرائض والحساب، وسمع الحديث على جماعة، وحدّث أيضاً، وناب في الحكم قديماً، وكانت نيابته بضواحي القاهرة وذلك عن قاضي القضاة التقيّ الزبيري. ثم ناب بعد ذلك بالقاهرة عن الحافظ ابن (٣) حجر، وكان من أجلّ شهود المودع الحكمي وأقدمهم هجرة. وله خط حسن، وكان متقناً في مباشرته، وله خير وفضل، وفيه شهامة، وكذا في ذرّيته بعده. وكان ذا نورة وحُسن سمت وسلامة فطرة، ملازماً للعبادة. ومن محاسنه ولده الشيخ علاء (٤) الدين، وولد علاء الدين هذا أيضاً الشيخ برهان الدين الموجود في زمننا هذا فإنه ذا شهامة ورياسة وحُسن سمت، أبقا [هـ]، اللَّه تعالى ورحم سلفه الكريم. وسيأتي الكلام على العلاء وولده في محلّه إن شاء اللَّه تعالى. توفي الشيخ قطب الدين صاحب الترجمة في ليلة الثامن من ذي الحجة، ودُفن صبْحَتها، وكانت جنازته حافلة، وتقدّم في الصلاة عليه الحافظ ابن (٥) حجر. وترك عدّة أولاد أمثلهم وأنجبهم الشيخ علاء الدين، رحمهم اللَّه تعالى.

стр. 202

(ترجمة ابن رسلان) (١) ١٠ - أحمد بن الحسين بن الحسن بن علي بن رسلان (٢) الرملي، القدسي، الشافعي. الشيخ الإمام، العلّامة، الزاهد، العابد، القدوة، شهاب الدين، المعروف بابن رسلان، نزيل القدس الشريف. ولد على ما نُقل من خطّه بيده سنة خمس أو سبع وسبعين وسبعمائة (٣). ونشأ نشأة حسنة، واشتغل كثيراً، وأخذ عن أعيان علماء عصره، وحصّل إلى أن مهر واشتهر، وسمع الحديث من جماعة، ثم لازم العبادة والزهادة، واجتهد في ذلك غاية الاجتهاد إلى أن أشير إليه في ذلك، وظهرت بركاته، وصنّف الكتب الجيّدة المباركة، منها: "شرح سُنن أبي داود". ولم يزل يُفتي ويدرّس وينفع الناس إلى آخر حياته. وله نظم عليه خفر ليس بالرديء، فمن ذلك في المواضع التي لا يجب فيها ردّ السلام على من سلّم، وهو قوله: رَدُّ السلام واجبٌ إلّا على … من في صلاة أو بأكلٍ شُغِلا أو شُربٍ أو قراءةٍ أو أدعيهْ … أو ذِكر أو في خطبة أو تَلبيهْ أو في قضاء حاجة الإنسانِ … أو في إقامةٍ أو الأذانِ

стр. 203

أو سلّم الطفل أو السكرانْ … أو شابّة يَخشَى بها افتتانْ أو فاسق أو ناعس أو نائم … أو حالة الجماع أو محاكم (١) أو كان في الحمّام أو مجنونا … هي اثنتان بعدها عشرونا توفي رحمه اللَّه تعالى ونفع به في يوم الإثنين ثاني عشر شعبان بالبيت المقدّس، وكانت جنازته من مشاهير الجنائز، ولم يخلّف بعده مثله. [ترجمة ابن تاج الدين المحلّي] ١١ - أحمد بن صالح بن تاج الدين المحلّي (٢)، القاهري، الشافعي. كان إنساناً حسناً، فاضلاً، له معرفة بالفقه والعربية والفرائض، وله سلوك ونُسُك، وشُهِر بالخير بل والصلاح وكان للناس فيه الاعتقاد الحسن. ودرّس وخطب مدّة سنين. وتوفي في يوم الأربعاء ثامن عشرين (٣) الحجّة. (ترجمة الشهاب بن عُبيد اللَّه) (٤) ١٢ - أحمد بن عبيد الله بن عوض بن محمد بن عبد اللَّه الأردبيلي (٥)، القاهري، الحنفي، القاضي شهاب الدين المعروف بأبيه. وهو أخو البدر محمود بن عُبيد اللَّه الذي ضخم ورأس بعد أخيه، وشُهر أكثر منه. وستأتي ترجمته في محلّها. ولد أحمد هذا في صفر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. ونشأ مشتغلاً بالعلم فأخذ في العلوم العقلية عن جماعة، ولم يُكثر، وقرأ شيئاً في الفقه قليلاً، ولهذا كان يُلمز بأنه قليل البضاعة فيه وفي معرفة الأحكام، وتقلّبت به الأحوال، وتقرّب إلى كثير من الأمراء، ووُلّي نيابة الحكم. قال الحافظ ابن (٦) حجر: [كان] صالحاً مع قلّة البضاعة في الفقه

стр. 204

والمصطلح، وحُفظت عليه أحكام كثيرة فاسدة. انتهى كلامه (١). أقول: وكان في الجملة لا بأس به، ويحبّ الفقراء، ويرعى (٢) طلبة العلم، وعنده عصبيّة، ولم يك عارياً من فضيلة، وكان يجلس للحكم بالمسجد الصغير العاني بظاهر الخانقاه الشيخونية، وبناؤه من بناء الخانقاه الذي بابه بالشارع تجاه باب دار الخطيب بجامع شيخو، وخَلَفَه في هذا المجلس البدر بن عبيد اللَّه أخوه (٣)، ثم تعاظم إلى أن صار الرسل يتوجّهون بالخصوم إلى داره بالنيابة بمدرسة أمّ السلطان، إذ كانت مشيختها بيده، وكان بهذا المجلس قبلهما الشيخ عبد اللطيف بن الشِحنة أحد نواب الحكم، ثم كان به أيضاً شيخنا القَرْمي نجم الدين. وبه الآن الشيخ شهاب الدين أحمد ابن (٤) الشيخ شمس الدين محمد إمام الخانقاه الشيخونية ذات حسنة بحُسن سمت وملتقى وأدب وتُؤدة وحُسن عشرة ورأي، وليس هذا محلّ الكلام على ترجمته، وسنزيد في غير هذا المحلّ في ترجمته هو وأبيه بل وولده بأزيد من هذا إن شاء اللَّه تعالى. وأمّا الشهاب صاحب الترجمة فإنه كان يعتريه عليه الإسهال الدموي في بعض الأحيان، فاعتراه ذلك قرب فراغ أجله مع أمراضٍ أُخَر بسبب ما قدّمناه من الطربة (٥) والانزعاج بواسطة تغيّظ الظاهر عليه بسبب علي القرمي الذي تقدّم الكلام على كائنته وضرب عنقه، وحصل لابن عبيد اللَّه من تلك الطربة والانزعاج مع طربته على هذا المبتلي المسكين، أعني علي القرمي مع انضمام أسباب أُخَر بقدرة مسبّب الأسباب جلّت قدرته وعزّ اسمه إسهال دموي وريح غليظة أحدثت به قولنجاً، وأثارت أبخرة رديّة أصعدتها إلى دماغه، فحدث له بواسطة ذلك علّة الصرع. وادّى ذلك إلى أن توفي في ليلة الأربعاء ثالث عشرين شهر رمضان بقدرة المميت جلّ وعزّ. [ترجمة القاضي شهاب الدين ابن عيسى] ١٣ - أحمد بن عيسى (٦) الحنبلي، القاضي شهاب الدين، ويُعرف بأبيه. ولد بعد السبعين وسبعمائة.

стр. 205

ونشأ مشتغلاً بالعلم، فحصّل منه جانباً، وكان هيّناً ليّناً، خيّراً، ديّناً، ساكناً، نيّراً، كثير النورة. قال الحافظ ابن (١) حجر، ﵀: وتعانى الشهادة عند الأمراء، وشهد في الأحباس (٢). توفي في يوم الخميس ثالث عشرين جمادى الأولى. [ترجمة شيخ الإسلام محبّ الدين التسْتَري] ١٤ - أحمد بن نصر اللَّه بن أحمد بن محمد بن عمر بن أحمد التستريّ (٣) الأصل، البغدادي، الحنبلي. شيخ الإسلام محبّ الدين، أبو يوسف، قاضي القضاة الحنابلة، بمصر، المعروف بأبيه. ولد ببغداد في رابع عشر رجب سنة خمس وستين وسبعمائة، وبها نشأ. فحفظ القرآن العظيم وعدّة متون في الفقه وغيره، وقرأ على أبيه. وكان والده من كبار العلماء، مشهور الترجمة لا يحتاج إلى بيانها هاهنا لشُهرتها في غالب التواريخ المشهورة. ثم أخذ عن جماعة أُخَر غير أبيه من أعيان العلماء. وأجاز له الشيخ العلّامة شمس الدين الكرماني شارح "البخاري" ﵀، ووصفه في إجازته له بالفضل مع صغر سنّه إذ ذاك، وتَمثّل فيه بقول بعضهم:

стр. 206

إن الهلال إذا رأيتَ نُمُوَّه … أيقنت أنْ سيصير بدراً كاملا فكان كما [قا] ل رحمه اللَّه تعالى، فإنه تفرّس فيه النجابة، وقد علمت أن المؤمن ينظر بنور اللَّه تعالى فما خاب تفرّسه وأجاز له بروايته عنه شرحه المذكور على "البخاري" والكتب الخمسة إجازة معيّنة، وكذا مشيخته، وذلك في جمادى الآخرة سنة اثنتين (١) وثمانين وسبعمائة، وكان له إذ ذاك نحو الإثنين والعشرين (٢) سنة. وقدم إلى حلب وسمع بها الحديث، وكذلك بدمشق من جماعة، وكذا بغيرهما من البلاد الشمالية. ثم قدم القاهرة في سنة ثمانٍ وثمانين وسبعمائة وقطنها، ووُلّي تدريس فقه الحنابلة بالمدرسة البرقوقية عن أبيه. وكان أبوه قد قدم القاهرة بعد ولده بعام فامتدح الظاهر برقوق وعمل له رسالة في مدح مدرسته المذكورة، فقرّره في تدريس الحديث بها عِوَضاً عن الشيخ زاده العجمي السيرامي الحنفي والد الشيخ محبّ الدين سِبط الأقصُرائي، وابن (٣) أخت الشيخ العلّامة أمين الدين الأقصرائي. وسيأتي الكلام على ترجمتها في محلّه إن شاء الله. وكان مدرّس الحنابلة إذ ذاك الشيخ صلاح الدين ابن (٤) الأعمى، فاتفق أن مات، فقُرّر بها والد الشيخ محب الدين صاحب الترجمة وصار بيده وظيفتا (٥) الحديث والفقه الحنبلي بالمدرسة المذكورة. هذا هو المفهوم من كلام الحافظ ابن (٦) حجر، ﵀، في ترجمة الشيخ نصر اللَّه والد الشيخ محبّ الدين هذا. والمفهوم من كلامه في ترجمة ولده الشيخ محبّ الدين غير ذلك (٧)، ولعلّه سهوٌ قبل تحريره. ١٥ - وكان الشيخ محب الدين هو ووالده يتناوبان في الوظيفتين إلى أن مات الأب، فاستقرّ ولده المحبّ عِوَضه، وكان بيده غير ذلك من الوظائف أيضاً كتدريس الفقه بالمنصورية، بل وغيرها أيضاً من مدارس القضاء وغير ذلك. وكان المحبّ هذا كثير الملازمة للسراجين شيخي الإسلام: السراج البُلقيني (والسراج ابن الملقّن) (٨) ..............................

стр. 207

[سنة خمس وأربعين وثمانمائة] ( ...................................................................... ........ ) (١). [شهر شعبان] [كائنة الشهاب القدسي الواعظ] بمكة يعملوا عليه محضراً ونسبوه إلى أمور، وشهد عليهم بها بعض حاشيتهم وهو منكر ذلك، … [ولـ]ـعل ما أثبتوه عليه أشياء أدناها يوجب التعزير، وأعلاها الكُفر، وشهدوا عليه بأفعال قلبية كقولهم: قال كذا، وقصة كذا، ونحو ذلك مما لا يطّلع عليه إلّا اللَّه تعالى. ثم أمر القاضي المالكي بحبسه، فحُبس ليلة الجمعة ويوم الجمعة إلى أن فاتته صلاة الجمعة، فعقد له الشريف أبو البركات مجلساً حضره سودون المحمدي وجماعة، فأحضر فبدر أن قال: لي دعوى على القاضي المالكي. فأخذه الشافعي وتلّه بلحيته بحضور الجميع، وقال: يا شيخ نحس، وأمر بكشف رأسه وتعزيره. وأشهد على نفسه أنه منعه من الجلوس على الكرسي بالمسجد الحرام. وانفصل المجلس على ذلك ولولا أن الشريف لطّف قضيّته لكان الأمر أشدّ من ذلك. ثم إنه جلس للتدريس على عادته فمنعه الشافعي من التدريس ومن الكتابة على الفتوى، وحكم عليه، ونفّد المالكي، وشهّد الحاشية، فحصل له بذلك مشقّة زائدة، وعزم على التوجّه إلى القاهرة لإنهاء حاله إلى السلطان. قال الحافظ ابن (٢) حجر، ﵀،: واتفق قدوم المذكور يوم الخميس ثالث عشرين رمضان، وكان قد سبقه قاصد صاحب مكة علي بن حسن ابن (٣) عجلان، فنقل عنه أن الشريف تعصّب له لكونه كان يذكر له أن عليّاً ﵁

стр. 208

مقدَّم على أبي بكر، وأنه لما قدم علي بن حسن أميراً على مكة اجتمع به على أنه تزوّج عنده بذلك فجبهه وقال له: أنا رجل سنّي وأبو البركات زيدي، وأنهى ما اتفق له إلى السلطان، وأحضر المحضر الذي كتبه المالكي والشافعي، فتغيّظ السلطان منه على ما بلغني. فلما كان يوم الجمعة استشار المذكور بعض خواصِّ السلطان، فأشار عليه أن لا يُحدث أمراً لأن السلطان في أول كل قضيّة يكون مغمور الفكر بما يُلقى إليه ابتداءً إلى أن ينجلي الأمر، فسكت على مضض. انتهى كلام الحافظ (١). أقول: وستأتي ترجمة الشهاب القدسي هذا في محلّها إن شاء اللَّه تعالى. ثم إنه عاش بعد هذه الكائنة نحواً من خمسٍ (٢) وعشرين سنة. ﵀. [نيابة الإسكندرية] وفيه في العشر الأخير منه، خرج الأمير أحمد بن إينال متوجّهاً لثغر سكندرية محلّ نيابته، وكان تأخّر بسبب نائبها أسَنبُغا كان الشهابي، ذكر أنه لا يسافر حتى يعلم بخروجه منها، فسافر حين أُخبر بذلك في هذه الأيام. وفيه، في هذه الأيام قدم أسَنبُغا إلى القاهرة على تقدمته (٣). [هلال شهر رمضان بالقاهرة] وفيها كان أول شهر رمضان بالقاهرة تمام العدد يوم الأحد، وكان تأرّخها يوم السبت، عُلم ذلك بعد ذلك، ووقع فيه خبط، وحُكم للحنبلي، ولا حاجة لنا بالإطالة بذِكر ذلك، وقد بيّنه الحافظ ابن (٤) حجر، ﵀، في تاريخه "إنباء الغُمُر" (٥) في حوادث هذه السنة منه، فمن أراده فيراجعه هناك. (قدوم الحافي القاهرة) (٦) وفيها، في يوم السبت، إمّا سلخ شعبان أو مستهلّ رمضان، قدم إلى القاهرة

стр. 209

الشيخ الإمام العالم، العلّامة، الزاهد، العابد، الصوفي، المحقّق، شمس الدين أبو (١) عبد اللَّه محمد الحافي، الحنفي، عين العلماء الأجلّاء، الأعلام، وأوحد فضلاء الأنام، وقدوم الخلق، والموصل إلى الحق، وأجلّ فقهاء القان الأعظم، معين الدين شاه رُخ بن (٢) تيمور خان، وكذلك ولده ألُوغ بَك صاحب سمرقندى. وكان قدومه لأجل الحج، وتلقّاه حين الورود وقبل الدخول القاضي كمال الدين بن البارزي كاتب السرّ، والجمال ابن كاتب جَكَم ناظر الخاص، ثم اجتمع بالسلطان فأكرمه غاية الإكرام وأنزله وأجرى عليه الرواتب إلى أن خرج إلى الحج مع الحجّاج. وكان اجتمع أيضاً بولد السلطان الناصري محمد وسُرّ به، وأضافه مراراً، من ذلك مرة بربيع خيوله، وحصل منه فوائد جليلة (٣). ذكر لي ذلك شيخنا وسيّدنا ومولانا العلّامة، أستاذ العالم الشيخ محيي الدين الكافيجي، رحمه اللَّه تعالى، وكان يُثني عليه ويصفه بجلالة القدر. وستأتي ترجمة -أعني الشمس الحافي- هذا في محلّها من هذا التعليق إن شاء اللَّه تعالى. [شهر شوال] [خروج رَكْب الحاج] وفيها، في يوم الخميس ثامن عشر شوال، خرج الحاج إلى البِركة، فنزل أمير الحاج، وهو تغري بَرْمَش (٤) الزَرَدْكاش بها. وكانت العادة المستمرة القديمة إلى هذا اليوم الخروج إلى الريدانية، وكان هذا الخروج يسمَّى التبريز، ثم التوجّه منها إلى البِركة فأُبطِلت هذه العادة في هذه السنة (٥). واستمرت بعد ذلك إلى يومنا هذا، فصار الحاج يرحل من القاهرة فينزل بالبركة بمرة، ويقيم بها إلى أن يرحل منها في الثاني والعشرين من شوّال. وكان أمير الركب الأول يونس الأقبائي، وخرج أيضاً في هذا اليوم.

стр. 210

(القبض على جانِبَك) وفيه في يوم الثلاثاء ثالث عشرينه، قبض السلطان على جانِبَك المحمودي المؤيدي، وهو يومئذٍ أحد الأمراء العشرات ورؤوس (١) النُوَب، وهو أخو جانِبك المحمودي الذي وُلّي إمرة سلاح فيما بعد في دولة خُشداشه الظاهر خُشقدم له بسببه، وسيأتي (٢) كلٌّ من ذلك في ترجمة كل ممن ذكرناه إن شاء الله تعالى. ولما قُبض جانِبَك هذا سُجن بالبرج بالقلعة، وكان السبب في قبض جانِبك هذا كثرة مداخلة المذكور للسلطان في أكثر أموره وتهوّره (٣) وطيشه وخفّته مع قلّة دُربته وعدم سياسته وكثرة حدّته وسوء خُلُقه، وكثرة قاله وقيله وعدم مبالاته من أحد ورضاه عن نفسه. وكان قد ثقُل على الظاهر وهو متقحّم على القبض عليه، مُضْمِر له ذلك، ويتوقف عنده لكثرة المؤيّديّة خُشداشي المذكور وقيام شوكتهم، مع اعتقادهم أنهم لولاهم لما تمكّن الظاهر هذا من المُلْك، إلى غير ذلك مما يعتقدونه في أنفسهم من القيام بدعوة الظاهر، ولما أفحش جانِبك وخرج عن الحدّ بحيث علم خُشداشه أيضاً خروجه وفعله وقلّة حياه، وثب عليه السلطان فقبضه ولم ينتطح في ذلك عنزان، بل وعظُم الظاهر في أعين الجند وهابُوه، لا سيما المؤيّديّة حتى كانت هذه الفعلة سبباً لانفراده بكثير مما كان يُعارض فيه ولا يمكنه فِعله، وأتلف الكثير ممن كان يجترئ (٤) عليه ويُداخله في أموره، وأحجموا عنه. وحصل للسلطان بذلك الكثير من أغراضه التي كان يأملها ولا يتمكن أن يفعلها لمراعاة مداخلة هؤلاء له، وعظُم من يومئذٍ وكفّ كثير من المؤيديّة عن مداخلته (٥). [تقرير خير بك الأشقر في إمرة جانِبَك] وفيه قُرّر في إمرة جانِبَك هذا جنديّ (٦) من الدوادارية الصغار يقال له خيربك الأشقر المؤيَّدي من خُشداشي جانِبَك المذكور، ولم يك ترشّح للإمريّة قبل ذلك، بل ولعلّه لم يخطر ذلك بباله، وأراد السلطان بذلك إظهار عدله وأنه لم يُخرج عن المؤيّديّة شيئاً مما في أيديهم إلّا بموجب لا لغرض لأنه أعطاه لهم أيضاً.

стр. 211

[سجن جانِبك بالإسكندرية] وفيه في يوم الإثنين سابع عشرينه، نُقل جانِبك المذكور من محبسه بالقلعة إلى ثغر الإسكندرية ليُسجن بها، وفُعل به ذلك إلى أن كان له ما سنذكره في محلّه إن شاء اللَّه تعالى. (الاهتمام بغزو رودس) (١) وفيها -أعني هذه السنة- (٢) أظهر السلطان الاهتمام الزائد بالغزو لرودس، وصار يأمل أنه يفتحها كما فتح الأشرف قبرس، وأنه سيُنْسي الناس قضيّة قبرس وما فعله الأشرف، فعيّن من الأمراء إينال العلائي الأجرود والذي ولي السلطنة فيما بعد، ولقّب بالأشرف، والأمير تمرباي رأس نوبة النُوَب، وجعلهما مقدَّمي البرّ والبحر، وعيّن جماعة كثيرة من الأمراء العشرات وغيرهم، وكذا من الجند السلطاني، وأخذوا في التجهيز (٣). وكان من أمرهم ما سنذكر في التي بعدها إن شاء اللَّه تعالى. [ذو القعدة] (قضيّة تقي مع ابن (٤) ظهير فيما يتعلّق بولد السلطان) (٥) وفيها وقعت مشاحنة (٦) ومقاولة بين شخص من التجار يقال له تقيّ وبين إبراهيم (٧) بن ظهير، وكان شاهداً لولد السلطان المغادر الفخري عثمان الذي ولي السلطنة بعد أبيه، وتلقّب بالمنصور وكُنّي بأبي السعادات، وهو حيّ موجود إلى يومنا هذا بثغر دمياط. وسيأتي الكلام عليه عند ذكرنا سلطنته في سنة سبع وخمسين إن شاء اللَّه تعالى، وأدّى تقاول المذكورين إلى أن بلغ السلطان ذلك. وكان سبب تقاولهما في أمر يتعلّق بمطبخ سُكّر يتعلّق بتقيّ وبابن السلطان، فأمر السلطان بعقد مجلس بحضرته بسبب ذلك، فعُقد في يوم السبت رابع ذي قعدة، وحضره القضاة الأربعة (٨)، فادّعى التاجر على ابن (٩) ظهير بأنه ظلمه حين

стр. 212

اشترى حصّة سكّر من مطبخ، ولتقيّ المذكور الأكثر من ذلك المطبخ، وتنازع وإيّاه في ذلك الوقت، وأشهد تقيّ على نفسه أنه ملك ولد السلطان حصّته من القدور (١) النحاس الذي يطبخ فيه السكر، وكتب بينه وبين ابن ظهير مبارأة بذلك وثبتت، واستثنى في البراءة قدرة كبيرة من النحاس مختصّ (٢) بتقيّ المذكور، وأن ابن ظهير وضع يده عليها بعد ذلك ونقلها من مكانها في غيبته بغير طريق شرعي. وكان دعوى تقيّ بذلك على ابن (٣) ظهير بين يدي قاضي القضاة الحنفية السعد بن الديري، فأجاب قاضي القضاة بأن دعوى من إبراء لا تُسمع ولو كان وكيلاً، فأذِن السلطان لأحد أئمة القصر أن يدّعي عن ولده على تقيّ، وأمر أن يتوجّهوا إلى منزل القاضي فيدعو (٤) مجلسه ويفعل الشرع. قال الحافظ ابن (٥) حجر: فخشي تقيّ على نفسه من تغيّظ السلطان فقال: كلما يدّعي عليّ لولد السلطان أنا أملّكه لولد السلطان، فبادر من أعلم السلطان أن الحق غلب على تقيّ، فظنّ صحّة ذلك، فأرسل إلى القاضي أن لا يمكّن تقيّ من التصرّف ولا من التوجّه من مجلس الحكم حتى يزن المال، فظنّ القاضي أن السلطان يريد مصادرة تقىّ المذكور وأخبره بالرسالة، فصار يكاتب معارفه بالورق إلى أن حضل المال في عدّة أيام وهو في صورة الترسيم في مجلس القاضي (٦). أقول: وهذه من جملة مظالم الظاهر التي يُتبصَّر فيها. وله نحو هذه عدّة مظالم ما كلّفنا لبيانها. ومن له تأمّل وفي قلبه نور الإيمان إذا نظر في بعض أحواله وسيرته لا يخفى عليه ذلك. (وقوع غلاء بالينبُع على الحاج) (٧) وفيها وقع الغلاء بالينبُع حين قدوم الحاج إليه، وحصل به التشويش. قال الحافظ ابن (٨) حجر ﵀: قرأت بخط من أثق به لما وصل الحاج إلى مدينة ينبُع كان الدقيق في أول النهار كل جملٍ بسبعة دنانير، فارتفع الظُهر إلى اثني عشر، ثم العصر إلى ستة عشر. وكان العليق أربع ويبات بدينار فوصل إلى ويبتين، ووصل الحِمل الفولى الصحيح إلى عشرة. وكان البقسماط رخيصاً فوصل

стр. 213

إلى ستين درهماً كل عشرة، وكاد الجمّالة أن يهربوا، فقُدّر وصول الخبر بوصول المراكب إلى الساحل، فتراجع السعر إلى أن صار وسطاً بعد أن كان أولاً وآخراً. انتهى (١). أقول: ووقع عكس هذا في زمننا هذا في سنة سبع وثمانين في عَود الحاج. أخبرني من أثق به ممن كان مع الحاج في هذه السنة أنه لما وصل الحاج إلى الينبُع بيع الشيء في أول النهار بأغلى الأثمان، فمنع أمير الحاج، وكان يومئذٍ أزبَك اليوسُفي أحد مقدَّمي الألوف المعروف بناظر الخاص الناس من الشراء (٢) أولاً حتى يستكفي هو، فاشتري الدقيق والعليق وغير ذلك بأغلى (٣) ثمن، ولما استكفى نزل السعر في وسط النهار، ثم انحطّ في آخره بحيث قدم أمير الحاج المذكور ومن اشترى من الأتراك، وانتصف الفقراء بعد تكفية الأمراء. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. قال الحافظ ابن (٤) حجر: وتوجّه خلق كثير من الحاج في المراكب، وتوجّه خلق كثير من الركب إلى الساحل، فأحضروا الدقيق والعليق، ولزم من ذلك أن أقاموا بالينبُع أربعة أيام. ولما وصلوا إلى منزلة بدر لم يجدوا بها عليقاً، فبيع النوى كل ويْبة بثُلث أفلوري (٥)، والبقسماط بسبعين العشرة. وكان مع ذلك اللحم واللبن والبطّيخ كثيراً. قال حاكياً عن ذلك الخط: ومات شعبان بوّاب دار الضرب قبل رابع يوم. وكان وصول الركب إلى مكة بحر يوم الخميس، ولم يروا الهلال تلك الليلة لكثرة الغيم، وسألوا أهل مكة فلم يخبر أحد منهم برؤيته، وعادوا على ذلك. وأن الوقفة تكون يوم السبت. وأشار عليهم القاضي الشافعي أن يخرجوا يوم الخميس ويسيروا إلى عَرَفة ليدركوا الوقوف ليلة السبت احتياطاً، ويقفوا يوم السبت أيضاً، فبينا هم على ذلك إذ دخل الركب الشامي فأخبروا برؤية الهلال ليلة الخميس، وأنه ثبت عند قاضيهم، فبنوا على ذلك، ووقفوا الجمعة، ونفروا ليلة السبت على العادة. وذكر -يعني صاحب ذلك الخط- أنه وجد بمكة زخّاً كثيراً. قال- يعني صاحب الخط أيضاً-: ووصل إلى جُدّة عدّة مراكب، يعني من الهند وأسرعوا في تفريغها، فكان يدخل إلى مكة في كل يوم خميس مائة حمل.

стр. 214

وبيع الشاش بافلورين ونصف إلى ثلاثة، والأرز البيرمي من افلوري إلى ثلاثة. قال: ووصل إلى مكة من اللؤلؤ والعقيق واليزدي شيء كثير إلى الغاية. [ذو الحجّة] (الزحمة التي مات فيها بعض أُناس بمكة) (١) قال: وفي اليوم الثاني من ذي الحجة ازدحم الناس فمات أربعة عشر نفساً. ثم دخل الركب الغزّاوي، ثم الشامي، ثم الحلبي، ثم الكركي، ثم الصفدي، ثم البغدادي، ثم التركماني إلى أن امتلأت بيوت مكة وشعابها وجبالها وامتدّوا إلى مِنى. قال: ولما وصلوا إلى عرفات أرجف مُرجِف بأن السيد بركات هجم جُدّة ونهبها، ولم يظهر صحّة ذلك. ووصل قاسم أخو بركات حاجّاً فأمّنه الشريف علي ولم يحدث منه سوء، مع أنه أشجعهم وأفرسهم، وندب أخاه الذي يقال له: سيف ليأحذ جماعة ويتوجّه إلى جُدّة، ثم اتفق معه على أنه يحفظ الحاج بمنى وعَرَفة، وتأخّر هو عن الخروج مع الحاج ليلة التاسع. فلما كان بعد عصر عَرَفَة ثارت غبرة عظيمة ثم ظهر خلق كثير فرسان وغيرهم، فظنّ الناس أنه بركات جاء في جمعه لينهبهم، فانكشف الغبار، فإذا هو عليّ ومن معه أدركوا الوقوف بعَرَفة وصُحبته أخوه إبراهيم، وكان قد تغيّب عنه بمكة فلما وجده اعتذر بأنه قيل له إنه عزم على إمساكه فنصل من ذلك واستصحبه معه، فحصلت للناس الطمأنينة، ونزلوا مِنَى صبيحة اليوم العاشر، وتجهّز المبشّر في ذلك اليوم فدخل القاهرة ليلة الأحد خامس عشرين ذي الحجة (٢). انتهى كلام الحافظ برمّته وفيه من الفوائد التاريخية ما رأيت. [تعجيل السلطان بلبس البياض] وفيها في الثاني من ذي الحجّة، ووافق السابع عشر من برمودة من شهور القِبط، عجّل السلطان بلبس البياض وذلك بخلاف العادة نحو العشرين يوماً، كما عجّل لبس الصوف كذلك. وكان السبب في ذلك أن الحرّ كان قد اشتدّ قبل ذلك

стр. 215

بيومين، فعجّل بواسطة ذلك كما في لبس الصوف أيضاً على ما تقدّم (١). [الكشف على كنيسة اليهود بقصر الشمع] وفيه في رابعه أمر السلطان قاضي القضاة الحافظ ابن (٢) حجر، وقاضي القضاة السعد بن الديري والمحتسب الشيخ على الخراساني بأن يتوتجهوا إلى قصر الشمع بمصر فيكشفوا عن كنيسة اليهود الكائنة به، فتوجّهوا إليها بجماعة من العُدول وغيرهم، ودخلوا إليها فوجدوا بها منبراً علوه ثلاث عشرة (٣) درجة، وعليه أثر قرب العهد بالتجديد، فتشاوروا فيه وماذا يأمروا به في شأنه، وهم في أثناء ذلك وفي التأمّل في المنبر وإذا بكتابة يلوح أثرها في أعلى الدرجة التي يقف عليها الخطيب أو يجلس عليها، فأمر قاضي القضاة الشافعي بالتأمّل في تلك الكتابة فتداولها جماعة ممن حضر، فتبيّن أنها "محمد" وهي ظاهرة، و"أحمد"، وكانت خفيّة، فأجمع رأيهم على إزالة ذلك المنبر، فصوّرت دعوى شرعية، وأذِن قإضي القضاة الحافظ ابن (٤) حجر لنائبه القاضي عزّ الدين بن أقبرس، وكان ناظر الأوقاف أيضاً، فحكم بإزالته. ثم انفضّ المجلس، وبقي المحتسب هناك بعد ركوب الجماعة حتى يزال المنبر المذكور بحضوره (٥). (قيام الأمين الأقُضرائي في كشف الكنائس) (٦) وفيه، في هذه الأيام، قام الشيخ أمين الدين يحيى بن محمد بن إبراهيم الأقُصُرائي الحنفي شيخ الإسلام في كشف كنايس اليهود والنصارى، وختم على عدّة منها، ومنع فيها الرتبة حتى يتّضح أمرها، وأبطل عدّة منها، بل وجعل البعض منها مسجداً يصلّي به المسلمون، ومنها واحدة للملكيّين وُجد فيها أعمدة من الحجر النحيت السكران الغضّ الأبيض بناء يشبه المتجدّد، فسُئل عن ذلك من أهل الكنيسة فادّعوا أنها كانت قديماً ذات أعمدة رخام، وأنها احترقت في سنة ثلاثين وسبعمائة، وأخرجوا من أيديهم محضراً ثبت على القاضي جلال الدين
следующие страницы →