← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

[سجن جانِبك بالإسكندرية] وفيه في يوم الإثنين سابع عشرينه، نُقل جانِبك المذكور من محبسه بالقلعة إلى ثغر الإسكندرية ليُسجن بها، وفُعل به ذلك إلى أن كان له ما سنذكره في محلّه إن شاء اللَّه تعالى. (الاهتمام بغزو رودس) (١) وفيها -أعني هذه السنة- (٢) أظهر السلطان الاهتمام الزائد بالغزو لرودس، وصار يأمل أنه يفتحها كما فتح الأشرف قبرس، وأنه سيُنْسي الناس قضيّة قبرس وما فعله الأشرف، فعيّن من الأمراء إينال العلائي الأجرود والذي ولي السلطنة فيما بعد، ولقّب بالأشرف، والأمير تمرباي رأس نوبة النُوَب، وجعلهما مقدَّمي البرّ والبحر، وعيّن جماعة كثيرة من الأمراء العشرات وغيرهم، وكذا من الجند السلطاني، وأخذوا في التجهيز (٣). وكان من أمرهم ما سنذكر في التي بعدها إن شاء اللَّه تعالى. [ذو القعدة] (قضيّة تقي مع ابن (٤) ظهير فيما يتعلّق بولد السلطان) (٥) وفيها وقعت مشاحنة (٦) ومقاولة بين شخص من التجار يقال له تقيّ وبين إبراهيم (٧) بن ظهير، وكان شاهداً لولد السلطان المغادر الفخري عثمان الذي ولي السلطنة بعد أبيه، وتلقّب بالمنصور وكُنّي بأبي السعادات، وهو حيّ موجود إلى يومنا هذا بثغر دمياط. وسيأتي الكلام عليه عند ذكرنا سلطنته في سنة سبع وخمسين إن شاء اللَّه تعالى، وأدّى تقاول المذكورين إلى أن بلغ السلطان ذلك. وكان سبب تقاولهما في أمر يتعلّق بمطبخ سُكّر يتعلّق بتقيّ وبابن السلطان، فأمر السلطان بعقد مجلس بحضرته بسبب ذلك، فعُقد في يوم السبت رابع ذي قعدة، وحضره القضاة الأربعة (٨)، فادّعى التاجر على ابن (٩) ظهير بأنه ظلمه حين

стр. 212

اشترى حصّة سكّر من مطبخ، ولتقيّ المذكور الأكثر من ذلك المطبخ، وتنازع وإيّاه في ذلك الوقت، وأشهد تقيّ على نفسه أنه ملك ولد السلطان حصّته من القدور (١) النحاس الذي يطبخ فيه السكر، وكتب بينه وبين ابن ظهير مبارأة بذلك وثبتت، واستثنى في البراءة قدرة كبيرة من النحاس مختصّ (٢) بتقيّ المذكور، وأن ابن ظهير وضع يده عليها بعد ذلك ونقلها من مكانها في غيبته بغير طريق شرعي. وكان دعوى تقيّ بذلك على ابن (٣) ظهير بين يدي قاضي القضاة الحنفية السعد بن الديري، فأجاب قاضي القضاة بأن دعوى من إبراء لا تُسمع ولو كان وكيلاً، فأذِن السلطان لأحد أئمة القصر أن يدّعي عن ولده على تقيّ، وأمر أن يتوجّهوا إلى منزل القاضي فيدعو (٤) مجلسه ويفعل الشرع. قال الحافظ ابن (٥) حجر: فخشي تقيّ على نفسه من تغيّظ السلطان فقال: كلما يدّعي عليّ لولد السلطان أنا أملّكه لولد السلطان، فبادر من أعلم السلطان أن الحق غلب على تقيّ، فظنّ صحّة ذلك، فأرسل إلى القاضي أن لا يمكّن تقيّ من التصرّف ولا من التوجّه من مجلس الحكم حتى يزن المال، فظنّ القاضي أن السلطان يريد مصادرة تقىّ المذكور وأخبره بالرسالة، فصار يكاتب معارفه بالورق إلى أن حضل المال في عدّة أيام وهو في صورة الترسيم في مجلس القاضي (٦). أقول: وهذه من جملة مظالم الظاهر التي يُتبصَّر فيها. وله نحو هذه عدّة مظالم ما كلّفنا لبيانها. ومن له تأمّل وفي قلبه نور الإيمان إذا نظر في بعض أحواله وسيرته لا يخفى عليه ذلك. (وقوع غلاء بالينبُع على الحاج) (٧) وفيها وقع الغلاء بالينبُع حين قدوم الحاج إليه، وحصل به التشويش. قال الحافظ ابن (٨) حجر ﵀: قرأت بخط من أثق به لما وصل الحاج إلى مدينة ينبُع كان الدقيق في أول النهار كل جملٍ بسبعة دنانير، فارتفع الظُهر إلى اثني عشر، ثم العصر إلى ستة عشر. وكان العليق أربع ويبات بدينار فوصل إلى ويبتين، ووصل الحِمل الفولى الصحيح إلى عشرة. وكان البقسماط رخيصاً فوصل

стр. 213

إلى ستين درهماً كل عشرة، وكاد الجمّالة أن يهربوا، فقُدّر وصول الخبر بوصول المراكب إلى الساحل، فتراجع السعر إلى أن صار وسطاً بعد أن كان أولاً وآخراً. انتهى (١). أقول: ووقع عكس هذا في زمننا هذا في سنة سبع وثمانين في عَود الحاج. أخبرني من أثق به ممن كان مع الحاج في هذه السنة أنه لما وصل الحاج إلى الينبُع بيع الشيء في أول النهار بأغلى الأثمان، فمنع أمير الحاج، وكان يومئذٍ أزبَك اليوسُفي أحد مقدَّمي الألوف المعروف بناظر الخاص الناس من الشراء (٢) أولاً حتى يستكفي هو، فاشتري الدقيق والعليق وغير ذلك بأغلى (٣) ثمن، ولما استكفى نزل السعر في وسط النهار، ثم انحطّ في آخره بحيث قدم أمير الحاج المذكور ومن اشترى من الأتراك، وانتصف الفقراء بعد تكفية الأمراء. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. قال الحافظ ابن (٤) حجر: وتوجّه خلق كثير من الحاج في المراكب، وتوجّه خلق كثير من الركب إلى الساحل، فأحضروا الدقيق والعليق، ولزم من ذلك أن أقاموا بالينبُع أربعة أيام. ولما وصلوا إلى منزلة بدر لم يجدوا بها عليقاً، فبيع النوى كل ويْبة بثُلث أفلوري (٥)، والبقسماط بسبعين العشرة. وكان مع ذلك اللحم واللبن والبطّيخ كثيراً. قال حاكياً عن ذلك الخط: ومات شعبان بوّاب دار الضرب قبل رابع يوم. وكان وصول الركب إلى مكة بحر يوم الخميس، ولم يروا الهلال تلك الليلة لكثرة الغيم، وسألوا أهل مكة فلم يخبر أحد منهم برؤيته، وعادوا على ذلك. وأن الوقفة تكون يوم السبت. وأشار عليهم القاضي الشافعي أن يخرجوا يوم الخميس ويسيروا إلى عَرَفة ليدركوا الوقوف ليلة السبت احتياطاً، ويقفوا يوم السبت أيضاً، فبينا هم على ذلك إذ دخل الركب الشامي فأخبروا برؤية الهلال ليلة الخميس، وأنه ثبت عند قاضيهم، فبنوا على ذلك، ووقفوا الجمعة، ونفروا ليلة السبت على العادة. وذكر -يعني صاحب ذلك الخط- أنه وجد بمكة زخّاً كثيراً. قال- يعني صاحب الخط أيضاً-: ووصل إلى جُدّة عدّة مراكب، يعني من الهند وأسرعوا في تفريغها، فكان يدخل إلى مكة في كل يوم خميس مائة حمل.

стр. 214

وبيع الشاش بافلورين ونصف إلى ثلاثة، والأرز البيرمي من افلوري إلى ثلاثة. قال: ووصل إلى مكة من اللؤلؤ والعقيق واليزدي شيء كثير إلى الغاية. [ذو الحجّة] (الزحمة التي مات فيها بعض أُناس بمكة) (١) قال: وفي اليوم الثاني من ذي الحجة ازدحم الناس فمات أربعة عشر نفساً. ثم دخل الركب الغزّاوي، ثم الشامي، ثم الحلبي، ثم الكركي، ثم الصفدي، ثم البغدادي، ثم التركماني إلى أن امتلأت بيوت مكة وشعابها وجبالها وامتدّوا إلى مِنى. قال: ولما وصلوا إلى عرفات أرجف مُرجِف بأن السيد بركات هجم جُدّة ونهبها، ولم يظهر صحّة ذلك. ووصل قاسم أخو بركات حاجّاً فأمّنه الشريف علي ولم يحدث منه سوء، مع أنه أشجعهم وأفرسهم، وندب أخاه الذي يقال له: سيف ليأحذ جماعة ويتوجّه إلى جُدّة، ثم اتفق معه على أنه يحفظ الحاج بمنى وعَرَفة، وتأخّر هو عن الخروج مع الحاج ليلة التاسع. فلما كان بعد عصر عَرَفَة ثارت غبرة عظيمة ثم ظهر خلق كثير فرسان وغيرهم، فظنّ الناس أنه بركات جاء في جمعه لينهبهم، فانكشف الغبار، فإذا هو عليّ ومن معه أدركوا الوقوف بعَرَفة وصُحبته أخوه إبراهيم، وكان قد تغيّب عنه بمكة فلما وجده اعتذر بأنه قيل له إنه عزم على إمساكه فنصل من ذلك واستصحبه معه، فحصلت للناس الطمأنينة، ونزلوا مِنَى صبيحة اليوم العاشر، وتجهّز المبشّر في ذلك اليوم فدخل القاهرة ليلة الأحد خامس عشرين ذي الحجة (٢). انتهى كلام الحافظ برمّته وفيه من الفوائد التاريخية ما رأيت. [تعجيل السلطان بلبس البياض] وفيها في الثاني من ذي الحجّة، ووافق السابع عشر من برمودة من شهور القِبط، عجّل السلطان بلبس البياض وذلك بخلاف العادة نحو العشرين يوماً، كما عجّل لبس الصوف كذلك. وكان السبب في ذلك أن الحرّ كان قد اشتدّ قبل ذلك

стр. 215

بيومين، فعجّل بواسطة ذلك كما في لبس الصوف أيضاً على ما تقدّم (١). [الكشف على كنيسة اليهود بقصر الشمع] وفيه في رابعه أمر السلطان قاضي القضاة الحافظ ابن (٢) حجر، وقاضي القضاة السعد بن الديري والمحتسب الشيخ على الخراساني بأن يتوتجهوا إلى قصر الشمع بمصر فيكشفوا عن كنيسة اليهود الكائنة به، فتوجّهوا إليها بجماعة من العُدول وغيرهم، ودخلوا إليها فوجدوا بها منبراً علوه ثلاث عشرة (٣) درجة، وعليه أثر قرب العهد بالتجديد، فتشاوروا فيه وماذا يأمروا به في شأنه، وهم في أثناء ذلك وفي التأمّل في المنبر وإذا بكتابة يلوح أثرها في أعلى الدرجة التي يقف عليها الخطيب أو يجلس عليها، فأمر قاضي القضاة الشافعي بالتأمّل في تلك الكتابة فتداولها جماعة ممن حضر، فتبيّن أنها "محمد" وهي ظاهرة، و"أحمد"، وكانت خفيّة، فأجمع رأيهم على إزالة ذلك المنبر، فصوّرت دعوى شرعية، وأذِن قإضي القضاة الحافظ ابن (٤) حجر لنائبه القاضي عزّ الدين بن أقبرس، وكان ناظر الأوقاف أيضاً، فحكم بإزالته. ثم انفضّ المجلس، وبقي المحتسب هناك بعد ركوب الجماعة حتى يزال المنبر المذكور بحضوره (٥). (قيام الأمين الأقُضرائي في كشف الكنائس) (٦) وفيه، في هذه الأيام، قام الشيخ أمين الدين يحيى بن محمد بن إبراهيم الأقُصُرائي الحنفي شيخ الإسلام في كشف كنايس اليهود والنصارى، وختم على عدّة منها، ومنع فيها الرتبة حتى يتّضح أمرها، وأبطل عدّة منها، بل وجعل البعض منها مسجداً يصلّي به المسلمون، ومنها واحدة للملكيّين وُجد فيها أعمدة من الحجر النحيت السكران الغضّ الأبيض بناء يشبه المتجدّد، فسُئل عن ذلك من أهل الكنيسة فادّعوا أنها كانت قديماً ذات أعمدة رخام، وأنها احترقت في سنة ثلاثين وسبعمائة، وأخرجوا من أيديهم محضراً ثبت على القاضي جلال الدين

стр. 216

القزويني بمُدَّعاهم والإذن منه فيه في ترميمها، وأنها رُمَّت بالحجارة وهي دون الرخام (١). (نظر علاء الدين بن أقبرس) (٢) وفيه في التاسع والعشرين منه قُرّر في نظر أوقاف الجوامع والمساجد والزوايا سودون أمير مشوي، قرّر في ذلك بمصر والقاهرة والوجهين القِبلي والبحري -وكان نظر الأوقاف بيد الشيخ علاء الدين بن أقبرس، وشرف الدين أبو بكر المصارع، وأضيف إليهم هذا أيضاً، فصاروا به ثلاثة. وسودون هذا كان قبل ذلك دواداراً عند طوغان المؤيَّدي أمير اخور كبير كان، ثم تنقّلت به الأحوال إلى أن استقرّ في أواخر دولة الأشرف برسباي أمير مشوي، ثم ولّاه الظاهر هذه الولاية (٣).

стр. 217

ذِكر نُبَذٍ (١) من تراجم الأعيان ووفياتهم في هذا الزمان سنة ٨٤٥ ١٦ - أحمد بن أحمد العُمري المكّي. أحد قوّاد مكة، ونسبته أروى عمر، وهم معروفون. لم أقف على شيء من أحواله لأذكره. وإنّما توفي في يوم السبت تاسع عشرين ربيع الآخر بأبعد خارج مكة من جهة اليمن، ودُفن هناك. ذكره الحافظ السخاوي في "تاريخه" (٢) بنحو ما ذكرناه، وبه اقتدينا. ١٧ - أحمد بن (٣) حسين الخوارزمي (٤) الأصل، المكي. توفي بمكة المشرّفة في يوم الأربعاء ثامن عشرين ذي الحجة. ولم أقف أيضاً على شيء من حاله غير هذا. (ترجمة ابن الرسّام القاضي) (٥) ١٨ - أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن علي بن إسماعيل الحموي، الحنبلي. الشيخ شهاب الدين المعروف بابن الرسّام (٦)، قاضي القضاة الحنبلي بحلب. ولد بحماة في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة.

стр. 218

ونشأ مشغولاً (١) بالعلم. وكان والده رسّاماً من عباد اللَّه الصالحين، وأخذ ولده عن جماعة بحماة وغيرهما، وسمع الحديث على جماعة لم يحضُرني الآن منهم أحد. ووُلّي قضاء حلب، وكان يعمل الميعاد ويتكلّم على الناس كلاماً جيّداً، وكتب وألُّف، ومع ذلك لم يكن بالناجب. ووُلّي قضاء حماة بأخرة، وبها توفي وهو قاضٍ في هذه السنة، وما حرّرت شهر وفاته. (ترجمة التقيّ المقريزي) (٢) ١٩ - أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد بن أبي الحسن بن عبد الصمد بن تميم المقريزي (٣)،

стр. 219

البعلبكيّ الأصل، القاهري، المصريّ المولد والوفاة، الحنفي، ثم الشافعي. الشيخ المتقن المفنّن، تقيّ الدين، رأس المؤرّخين، وعمدة المحدّثين، علّامة عصره، ووحيد دهره في الحديث والتاريخ، بل وغير ذلك. ولد بالقاهرة سنة ست وستين/ ٥١ أ/ وسبعمائة. وكان والده قدم إليها قبل ذلك من دمشق وقطنها، وتولّى بعض ولايات مما يتعلّق بالقضاة، ثم تولّى التوقيع في ديوان الإنشاء، وتزوّج بأسماء ابنة الشيخ شمس الدين ابن الصائغ الحنفي، فأولدها الشيخ تقيّ الدين هذا في التاريخ المذكور، ونشأ بالقاهرة صيّناً، ديّناً، فطِناً، ذكيّاً، حافظاً، ضابطاً، متقناً، وحفظ القرآن العظيم في حالة صِغره، وشيئاً من المختصرات الفقهية في مذهب أبي حنيفة ﵁، تَبَعاً لجدّه لأمّه الشيخ شمس الدين المذكور، ثم لما شبّ وترعرع وناهز العشرين، ومات والده في سنة ست وثمانين وسبعمائة تحوّل هو إلى مذهب الشافعي لأمير من الأمور، مع أن والده كان حنبليّاً فحُبِّب إليه الحديث واتباعه فتعاناه واجتهد في ذلك غاية الاجتهاد، وسمع الكثير منه من جماعة كثيرة، ومنهم الطبردار، وحدّث ببعض مسموعاته. وكان خيّراً، ذا ديانة وأمانة، وضبط التواريخ للناس وأجازهم ناقداً لكن مع بعض أوهام تقع له في بعض مواضع في التاريخ وذلك سهل، وكان من كثرة ميله إلى الحديث مُتَّهم بمذهب الظاهرية. قال الحافظ ابن حجر (١)، ﵀: ولكن لم يُعرف به. وكان له همّة عليّة في التولّع بالفنون. وجمع في التاريخ كتباً مفيدة كالدّرر (٢)، [و] السلوك (٣)، والخطط (٤)، وتاريخ كبير سمّاه "المقفَّى" (٥) في عدّة مجلّدات، وغير ذلك، وكان من ولوعه الولوع الزائد بالتاريخ يحفظ منه الشيء الكثير، فكان بسبب ذلك حُلو المحاضرة، حسن المذاكرة والمعاشرة، كثير النوادر لا يُملّ منه ولا من صحبته، مع تعصّب كان فيه على الحنفية كرهتُ له ذلك مع أنه كان منهم حتى أنه كان يفحش في تعصّبه ويتغالى في ذلك، ومن وقف على تصانيفه ظهر له ذلك بأدنى

стр. 220

تأمّل سامحه اللَّه تعالى، فإنه لا فائدة في التعصّب في مثل ذلك، رضي اللَّه تعالى عن علماء الإسلام المجتهدين، أئمّة الذين الذين جلوا الطريق وأظهروا التحقيق، فلمصيبهم أجران، ولمخطئهم أجر ما لنا، والعصبية على من له الأجر على كل حال، أولئك الرجال فنحن من العصبية بريؤون (١)، ومقام كلِّ من علماء السلف ﵃ عارفون، ولكل منهم محبّون، فرحم اللَّه من أنصف ولم يتعسّف، وعن التعصّب توقّف. وكان التقيّ المذكور يكثر من الحج والمجاورة، وكان بعض الناس ينسبه إلى الفاطميّين من الخلفاء المصريين من بني عبيد اللَّه الذي يلقّب بالمهدي المشهور المعروف. قال الحافظ ابن حجر (٢)، ﵀: لقد رأيت بعض المكيّين قرى عليه شيئاً من تصانيفه فكتب في أوله نسبه إلى تميم بن المعزّ بن المنصور بن القائم بن المهدي عبد اللَّه القائم بالمغرب قبيل الثلاثمائة. والمُعِزّ هو الذي بُنيت له القاهرة، وهو أول من ملك مصر من العبيديّين، فاللَّه أعلم. قال -أعني الحافظ-: ثم إنه كشط ما كتبه ذلك المكي من أول المجلّد، وكان لا يتجاوز في نسبه في تصانيفه عبد الصمد بن تميم. ووقف على ترجمة جدّه عبد القادر بخط تقيّ الدين بن رافع، وقد نسبه أنصارياً، فذكرت ذلك له فأنكر ذلك على ابن (٣) رافع وقال: من أين له ذلك؟ قال -أعني الحافظ ابن (٤) حجر-: وذكر لي ناصر الدين ابن أخيه (٥) أنه بحث عن مُستند أخيه تقيّ الدين في الانتساب إلى العُبَيديين، فذكر له أنه دخل مع والده جامع الحاكم فقال له وهو معه في وسط الجامع: يا ولدي هذا جامع جدّك. انتهى. وقال الجمال بن تغري بردي (٦)، ﵀، في ترجمته: وأملى عليّ نسبه الناصري محمد ابن أخيه بعد موته إلى أن رفعه إلى علي بن أبي طالب ﵁ من طريق الخلفاء الفاطميّين. انتهى كلامه. أقول: وليس في الانتساب إلى الفاطميّين فخر، فإنّ جماعة من كبار علماء الإسلام والمؤرخين المعتمدين أجمعوا على أن بني عُبيد ليسوا بفاطميّين، بل

стр. 221

وليس أصلهم من المسلمين. وذكر بعضهم أن أصلهم من بني ديصان طائفة من المجوس. وذكر بعض الثقات أنه أثبت ببغداد محضراً فيه خط الشيخ أبي (١) الحسن القُدوري الحنفي، وناهيك بعلمه ودينه وخيره. وخط الإسفرائيني الشافعي، وناهيك بالآخر وغزير علمه أيضاً أن بني عبيد ليسوا بفاطميّين، وأن عبد اللَّه الملقّب بالمهدي ليس من ذرّية النبيّ ﵇، وهذا معروف مشهور مسطور، مفروغ منه، تكلّم عليه الأساتذة الأقدمون (٢) وممن ذكر ذلك ابن خَلّكان، والذهبي، وابن كثير، وغيرهم من المؤرّخين، وتكلّم فيه وصرّح ذلك القاضي أبو بكر الباقلّاني وغيرهم ممن يُعتبر قولهم من الأكابر. وقد أنكر علماء النسب منهم، وما ذكره المقريزي في بعض كتبه من الميل إلى ذلك بل التصريح به على الطريقة التي ذكرها بعد استيعاب كلام الكثير من الأفراد الطاعنين في ذلك فوق ما ذكرناه عنهم ودخوله إلى المقصود بحسن عبارة، بحيث لا يرد عليه سؤال بكلام مغرض متعصّب لا طائل تحته (٣)، وقد أعيب عليه ذلك وارتكابه إيّاه من ذلك الوجه الذي دخل إليه به غاية الإعابة، ونكّت (٤) عليه بعض العلماء في ذلك وأنه ولهاً به لنفسه، ولا فخر في ذلك في الحقيقة، اللهم إلا أن يفتخر بكونهم كانوا طوعاً فيمكن ذلك على أنهم كانوا بئس الملوك لحبّهم الظاهر. ولما ترجم شيخ الإسلام البدر العَيني، ﵀، التقيَّ هذا قال في أثناء كلامه في ترجمته (٥): وكان مشتغلاً بكتابة التواريخ، ويضرب الرمل، تولّى الحسبة بالقاهرة في آخر أيام الظاهر برقوق، ثم عُزل بمسطره (٦)، ثم تولّى مرة أخرى في أيام الأمير سودون ابن (٧) أخت الظاهر برقوق، ثم الدوادار الكبير أيضاً عوضاً عن مسطّره بحكم أن مسطّره عزل نفسه بسبب ظلم سودون المذكور. انتهى. ولما ذكر ابن (٨) تغري بردي ترجمة التقيّ هذا نقل عن العيني صدر هذا الكلام وهو قوله: وكان إلى قوله الرمل، ثم قال عقيب ذلك: وكلام الأقران في أقرانهم غير مقبول. انتهى. أقول: وهذا لعلّه كلام مهبول إذ هو في غاية السفالة وقلّة الأدب والحياء وعدم المعرفة، إذ لا نسلّم أن كلام الأقران في أقرانهم غير مقبول لأنه إن

стр. 222

لم يقبل كلام من كان مقارناً للإنسان عارفاً بأحواله فلا يقبل كلام غيره بطريق الأوْلى، وفي هذا من الفساد ما لا يخفى. وأيضاً كلام العيني في المقريزي كلام ليس بطائل حتى لا يقبل تعلّمنا قطعاً بصدق ما قاله، فإن أحداً لا ينكر كون المقريزي كان يكتب التاريخ ويعرف علم الرمل ويضرب، فكيف لا يقبل هذا وليس فيه ما يشين المقريزي ولا ما ينقصه، حتى لو ذكر العيني عن المقريزي ما يُنقِصه قبلناه لعِلمنا بثقته، فكيف بكلام مقبول عند الكافة يعرف صحّته كل أحد فلا نشك أن هذا القول صادر عن غير مسألة (١). وللجمال هذا مثل هذا وأشباهه شيء كثير (٢) يكاد لا يُحدّ ولا يُعدّ وإنّما الموجب لارتكابه عدم التأمّل ومعرفة قواعد التكلّم وما يرد على ذلك. وذكر لي بعض من ينسب إلى العلم والمعرفة بأحوال كثيرٍ ممن ذكرهم التقيّ في تواريخه (٣) أنه اطّلع على مواضع كثيرة من تواريخه ذكرها ولا حقيقة لِما ذُكر. أقول: لعلّ ذلك إنّ صحّ عنه إنّما هو على وجه الوهم لا على جهة وضع ذلك وافترائه، فإن مقام المقريزي يتحاشى عن ذلك لإجماعهم على دينه وأمانته، وأنه أعظم مؤرّخي زمانه. توفي ﵀ في يوم الخميس سادس عشرين شهر رمضان أو سابع عشرينه، ودُفن يوم الجمعة بمقابر الصوفية خارج باب النصر. وذكر شيخ الإسلام العَيني وفاته يوم الجمعة، وقال: تاسع عشر شعبان (٤)، وهو سهوٌ منه في العدّة، ولعلّه سبْق قلم في الشهر، أراد أن يكتب رمضان فسبقه القلم فكتب شعبان وبقي كذلك. وأمّا وهْمه في اليوم فلكونه دُفن فيه فظنّه يوم وفاته.

стр. 223

قال ابن تغري بردي (١): إنه توفي يوم الخميس سادس عشر رمضان. ثم ذكر ما قاله العَيني ووهّمه، والحال أنه هو الواهم، فإن أول رمضان في هذه السنة كان الأحد أو السبت على ما وقع فيه من الخلاف وقد عرفته فيما مرّ من محلّه من المتجدّدات. وذكر الحافظ ابن (٢) حجر، ﵀، وفاته في تاسع عشرين. وفي بعض نُسَخ تاريخه تاسع عشر، وكلاهما سهو. ونسبته بالمقريزي ذكر بعضهم أنها إلى محلّة ببغداد يقال لها محلّة المقارزة نُسب إليها لكون بعض جدوده كان منها. وذكر بعضهم أنها نسبة إلى المقريز كان يُعرف بها بعض جدوده لأنه من البربر، ولعلّ هذا أظهر فإنها لغة البربر، واللَّه أعلم. (ترجمة ابن حجّي عمّ سيّدي يحيى بن حجّي) (٣) ٢٠ - أحمد بن عمر بن حِجّي (٤) بن موسى بن أحمد الحسباني، السعدي، الدمشقي، الشافعي. الشيخ شهاب الدين المعروف بابن حِجّي، وهو عمّ المرحوم القاضي نجم الدين العلّامة يحيى بن حجّي الذي توفي في أول سنة من ابتدائنا هذا التأليف وهي سنة سبع وثمانين، وستأتي ترجمته رحمه اللَّه تعالى، فإنه أُسمِعت عليه الكثير من الناس. ولد صاحب الترجمة في ربيع الأولى سنة سبع وعشرين وثمانمائة بدمشق، و (نشأ) (٥) بها مشتغلاً بالعلم، وولي تدريس الشامية البرّانية برغبة أبيه له قبل تاريخه في سنة ثلاثين، وأنكر عليه ذلك لصِغَر ولده، فإن تدريس هذه المدرسة لم يليها (٦) إلّا الأساتذة الأساطين، والمستنيب فيها عنه، واستمرت باسمه. حتى توفي في رابع عشر جمادى الأولى.

стр. 224

واستقرّ في الوظيفة المذكورة بعده أخوه بهاء الدين، ثم ولده النجم المذكور، وناب عنه فيها الشمس البلاطُنسي (١)، والشيخ خطّاب، وغيرهما. [الأمير شهاب الدين المعروف بابن العطار] ٢١ - أحمد بن أحمد بن عمر بن يوسف بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر التنوخي، الحموي. الأمير شهاب الدين المعروف بابن العطار (٢) الخاصّكي، أحد الدواداريّة، وهو ابن أخي شرف الدين يحيى المشهور، المعروف. ولد في أوائل القرن تقريباً بحماة، ثم قدم القاهرة مع والده، فتنقّل والده في عدّة ولايات وهو معه حتى بغته أجله بالقدس وهو ناظره يومئذٍ. وعاد ولده الشهاب هذا إلى القاهرة وأقام بها في كنف صهره الكمال ابن (٣) البارزي كاتب السرّ، وصحب الزين عبد الباسط ناظر الجيش فأوصله إلى دوادارية تمرباي التمربُغاوي، وكان إذ ذاك دواداراً نائباً، فقرّب الشهاب هذا وأنس به، وباشر دواداريّته مباشرة حسنة. ثم لما تسلطن العزيز صيّره من جملة الدوادارية الصغار بعناية الأمير جقمق الأتابك وهو إذ ذاك مدبّر مملكة العزيز، وكان ذلك بواسطة زوجته مُقَل بنت البارزي التي صارت الخَوَنْد الكبرى بعد ذلك، وكانت هي السفيرة له عند زوجها جقمق المذكور. ثم لما تسلطن جقمق دام على ذلك لكن لم تطُل مدّته بعد أن ذُكر وشُهر عند الناس فبغَته أجله. وكان عاقلاً، سيوساً (٤)، مدبّراً، ذا رأي وحُسن سمت، وتُؤدة، وأدب وحشمة، ذكيّاً، يقِظاً، فطِناً، يحفظ الكثير من الشعر وأخبار الناس، مشاركاً في الفضائل والفنون. وله يد طولى في أنواع الأنداب والتعاليم، كالرمي بالنشاب وغيره مما يزينه.

стр. 225

توفي في المحرّم. [ترجمة الخطيب المعروف بدرّابة] ٢٢ - أحمد بن (١) يوسف بن ( … ) (٢) القاهري، الشافعي، شهاب الدين، الخطيب المعروف بدُرّابة (٣) بتشديد الراء بعد الألف باء موحّدة. ولد بعد الخمسين وسبعمائة. ونشأ مشتغلاً بالعلم. وقال الحافظ ابن (٤) حجر، ﵀: اشتغل قليلاً، وجلس مع الشهود دهراً طويلاً، وعمل توقيع الحكم، ثم توقيع الدّرج، ثم توقيع الدَّست، وكان سليم الباطن، قليل الشرّ، وفيه عقل. مات في رجب وقد قارب التسعين، انتهى كلامه (٥)، رحمهما اللَّه تعالى. (ترجمة الأشرف صاحب اليمن) (٦) ٢٣ - إسماعيل بن يحيى (٧) بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن عبد اللَّه بن إسماعيل بن علي بن داود بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول (٨) التركماني الأصل، اليمني. السلطان الملك الأشرف بن الناصر صاحب اليمن. ولي المُلك بعد أبيه، وكان فيه حدّة مفرطة وطيش زائد. أغلظ على جُنده وأساء التدبير فيهم، بل وفي غيرهم، فكان لا يخلو يوماً من الأمر بالقتل والعقوبة والمصادرة للناس، وكحّل أخاه أحمد شقيقه خوفاً منه على المُلك، ثم أخاه حسن، ثم جماعة من أقاربه وذويه فوق العشرة أنفس، وقتل عمّته وامرأة معها

стр. 226

كانت تصحبها، وقطع يد امرأة كانت تضرب الرمل، كل ذلك لأجل اتساع خياله بأنهم يسعون في المُلك. وكانت أيامه من أعجب الأيام وأغربها، كثيرة الفِتَن والشرور، وحارب العرب المفسدين وهُزم منهم غير مرة. وبالجملة فكانت سيرته من أسوأ (١) السِيَر. توفي بتعز في ثالث شوال. وولي المُلك بعده الملك المظفّر يوسف بن عمر بن الأشرف إسماعيل بن العباس. [ترجمة تَنِبَك الجقمقي] ٢٤ - تَنِبَك الجقمقي (٢)، نائب القلعة بمصر. كان من مماليك جقمق الدوادار نائب الشام، وتنقّلت به الأحوال إلى أن وُلّي نيابة القلعة، ثم صُرف عنها، ثم أخرج إلى البلاد الشامية فسُجن بها مدّة ثم أُفرج عنه، كل ذلك في دولة الظاهر جقمق. وكان بخيلاً مِسّيكاً. توفي في هذه السنة على ما ذكره ابن (٣) تغري بردي بالبلاد الشامية. وأنا أظنّ أنه ليس في هذه السنة، وما اشتغلت بتحرير ذلك. واسمه مركّب من كلمتين في الأصل ومماتين وهي لفظة جركسية اسم لماء في تلك البلاد، وأظنّه الذي تسمّيه التُرك طون أو طونة، وبَك لفظة تركية معناه الأمير. ورأيت من يكتبها غالباً بالألِف هكذا: تانِبَك، ويُحتمل أن يكونا معاً من لغة التُرك، فتان معناه البدن، وبك على بابها. ورأيت من يقول: بك، أيضاً يحتمل معنى آخر يمكن أن يكون أصلاً هاهنا وهو القويّ. ومنهم من يكتبها تاني بَك وهو الغالب في الكتابة، وقد جعله بعضهم من قبيل الغلط. وأنا أقول له وجه لأن معناها بدنه، فالباء كهاء الضمير، فيكون المعنى بدنه أمير أو قوي، وكذا الكلام في جانِبَك. وقد غلّطه ابن (٤) تغري بردي

стр. 227

في هذه، أعني جانبك حيث لم يجوّز كتابتها بالياء وأمعن في ذلك في كتابه الذي سقاه "مورد اللطافة"، ونسب الناس إلى الجهل، وهو الواقع فيه على أنه كان يعرف اللغة التركية، لكنْ لجمود ذهنه يقف عندما يقع في نفسه في أول وهلة فلا ينتقل إلى غيره، بل ولا يخطر بباله، والأرجح عندي في هذا الاسم أن يُكتب تان بك. [ترجمة جانَم الأشرفي] ٢٥ - جانَم الأشرفي (١). أحد العشرات بمصر، المعروف برأس نَوبة سيدي. كان من مماليك الأشرف بَرْسْباي ومن خاصّكيّته، وجعله رأس نَوبة لولده المقام الجمالي يوسف. فلما تسلطن بعد والده الأشرف صيّره من العشرات، فلما خُلع بعد ذلك وتسلط الظاهر جقمق أخرجه إلى غزّة على أتابكيّتها فتوفي بها في هذه السنة على ما ذكره ابن (٢) تغري بردي (٣)، ولعله وهِمَ في ذلك، ولم أحرّر هذا أيضاً. واسمه كلمة واحدة تركية معناها: روحي، فإنّ "جان" هي الروح بلغة التُرك والميم كياء التكلّم عند العرب. ومثله قانم، ومعنى "قان" هو الدم أو السلطان الكبير، والأول أظهر. و"تاني" مثله، و"باي" الأمير، أو معجمة ومعناها الدم السعيد أو السلطان السعيد، وقانِبَك مثله، فاعرفْ ذلك. [ترجمة بدر الدين البُهوتي] ٢٦ - حسن بن علي بن محمد البُهُوتي (٤)، القاهري، المالكي، العدل، بدر الدين. نزيل المدرسة الناصرية الحسنية بالرُميلة تجاه القلعة وأحد الشهود بالصليبة بالحانوت بقرب الخانقاه الشيخونية. ولد في سنة خمس وسبعين وسبعمائة بالقاهرة، وبها نشأ. بدأ (٥) فقرأ القرآن العظيم، وحفظ الرسالة لابن أبي زيد، ﵀، ثم

стр. 228

اشتغل فأخذ عن التاج بهرام، والشمسين ابن (١) مكين، والبساطي، وكذا الشطّنوفي، وسمع بعض شيء (على الشمس) (٢) بن سراج الكفر بطناوي. أنبأ الحجّار، وكذا سمع على العمادي، والعراقي، وحدّث، وسمع منه جماعة منهم الفُضَلاء، وحجّ، ودخل الإسكندرية للجهاد. توفي في أيام عيد النحر. [ترجمة الخليفة المعتضد باللَّه] (٣) ٢٧ - داود (٤) بن محمد بن أبي بكر بن سليمان بن أحمد بن حسين بن أبي بكر بن علي بن الحسين بن منصور بن الفضل بن أحمد بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطّلب الهاشمي، العباسي، المصري. أمير المؤمنين الخليفة المعتضد باللَّه أبي الفتح ابن (٥) الخليفة ابن الخليفة ابن الخليفة ابن الخليفة إلى خمسة به، ثم أربعة من آبائه لم يلوا الخلافة إلى علي والد محمد السفّاح إلى آخر نسبهم لم يل واحد (٦) منهم أيضاً لا علي ولا عبد اللّه ولا العباس. ووهم الجمال ابن (٧) تغري بردي في نسب أمير المؤمنين هذا (٨) تصحّف عليه المقتدر بالراء بالمقتدي بالياء. ولد بعد الخمسين وسبعمائة، استدلالاً بقول الحافظ ابن (٩) ﵀، حين ذكر وفاته فقال عقيب ذلك: وقد قارب التسعين (١٠).

стр. 229

كان أمير المؤمنين هذا من سادة بني العباس في زمانه ومن سراتهم وأكرمهم وأعقلهم وأحلمهم، شهماً محتشماً، وقوراً، أدوباً، ديّناً، خيّراً، متواضعاً، حسن السمت والملتقى، ذاهيبة وعفّة، وصدق لهجة، وحُسن عشرة ومحاضرة ومذاكرة، لطيف الذات، بديع الصفات، كثير الصِّلات، وافر الصدقات، وكانت مكاتباته تصدر عنه بما شاء من غير مُعارض. وكان كثيراً ما يجالس العلماء والفُضَلاء، مشاركاً، فهماً، فطِناً. وقد كان للوالد سريّة استولدها وكانت من أهل الخير والدين، كانت من بيت هذا الخليفة، فكانت تصفه لنا بصفات جميلة، وتذكر عنه خصالاً (١) حميدة يطول شرحها. وقد كان معظّماً عند الملوك. وولي الخلافة بعد خلع المستعين باللَّه الذي كان بيده السلطنة والخلافة، وكان قد عارضه المؤيَّد في السلطنة، ووليها ولم يزل خليفة حتى تحرّك المؤيدَّ للسفر الشام، فخلع المستعين وبايع لداود هذا، وحمل المستعين بعد ذلك إلى سجن الإسكندرية. واستمر هذا في الخلافة، فقلَّد السلطنة للمظفّر، ولططر، وللصالح، وللأشرف، ولولده، وللظاهر. وخرج مع الأشرف في نوبة آمِد. وكان كثير الأنس والإكرام في سفرته تلك بالحافظ ابن (٢) حجر، وكثير الاهتمام (٣) به وتفقّده دون غيره من رفقته قضاة القضاة. وفي ذلك أنشد الحافظ هذه الأبيات يمتدحه بها: يا سيداً ساد بني الدنيا فهم … تحت لوائه الكريم المقعد (٤) أمددتني فضلاً وشكري قاصر … فإن أردت الشكر منّي فاقتصِد أشبهت عباس الندى في المحل إذ … أطاعه العيب وكان قد فقد إلى أبي الفضل انتهى الجود وفي … أولاده بقيّة نسل تجد ماجد حتى حار حور خده … إلَّا أمير المؤمنين المعتضد وناهيك بهذه الأبيات من مثل هذا الإمام فإنه كان خليقاً للخلافة جديراً. وكان بينه وبين الوالد صحبة أكيدة ومحبّة قديمة، وكلانت مكاتباته ترد من القاهرة إلى الوالد حيث ترده عن هذه البلاد معنْوَنَة بالثناء التام عليه. وكانت مكاتبته إليه: "والده داود بن محمد". وكان يخاطبه بالخطاب المعظّم وينتصر له، ويقوم في أموره، رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه وعن سَلَفه الشريف وسُلالته الطاهرة.

стр. 230

كان لما مرض مرضه الذي مات فيه وطال به المرض عهد بالخلافة لأخيه شقيقه سليمان، وكتب عهده قبل موته، وأشهد عليه بذلك بعد أن ذكر أنه لا يعلم عليه كبيرة وأن الخط في ذلك. توفي ﵀ في يوم الأحد رابع عشر ربيع الأول. وكانت مدّة خلافته تسعة وعشرين (١) سنة، وأياماً. وولي بعده أخوه كما قد عرفته بعد أن قام في ذلك يحيى بن المستعين باللَّه، وادّعى أنه معهود إليه بالخلافة من أبيه، ولم يُفده ذلك على ما سيجيء في ترجمته، وحضر السلطان فمن دونه جنازة داود هذا، وحُمل إلى المشهد النفيسي فدُفن به هناك على العادة. (ترجمة الشيخ سرور المغربي) (٢) ٢٨ - سرور (٣) بن عبد اللَّه بن سرور بن أحمد بن عبد الحميد بن سعيد بن معروف بن خالد القُسنْطيني، التونسي، المغربي، المالكي. الشيخ العالم، الفاضل، أبو الوليد، المعروف باسمه. نزيل الإسكندرية. ولد بقسنطينة في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. ونشأ مشتغلاً بالعلم، وقدم تونس فأخذ عن علماء تلك الحَلَبَة، وكانوا من الأجِلّاء الأكابر، وأعيان الفضلاء الأعلام. ثم قدم إلى الإسكندرية فقطنها، وقدم القاهرة غير مرة، وجرى عليه بالإسكندرية من الخطوب والمِحَن ما لا يُحَدّ، وأخرج منها مَنفيّاً إلى تونس، ثم عاد ومعه مكاتبة من صاحبها عثمان بالشفاعة فيه، ومع ذلك فجرى عليه أيضاً الخطوب، ووُلّي قضاء الإسكندرية ونظرها. وقد ذكره الحافظ ابن (٤) حجر في مواضع من "تاريخه" (٥)، منها في حوادث سنة ست وعشرين، وبالجملة فقد امتُحن كثيراً، وآل أمره بعد ذلك أن قتل بيد بعض الفرنج بإغراء بعض الناس على ما سيأتي تفصيل ذلك في ترجمة الدماميني قريباً إن شاء اللَّه تعالى، ووصل خبر قتله على ما جزم به في شعبان. وكان خيّراً ديّناً، لكنّه كان حادّ المزاج، عنده باردة وطيش.

стр. 231

وكان قد صحِب الوالد في اسكندرية حين كان الوالد على نيابته، وكان يحتمله كثيراً لعلمه بطيشه ورعاية لفضله، فلم يقع بينهما ما يشين، ويعجب من ذلك. وكان الوالد يصفه لنا بمتانة الدين ومزيد الخير، وأنه من الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر. وكان لا صبر له على رؤية شيء من ذلك أو سماعه، ولهذا كان يُمتَحن، رحمه اللَّه تعالى. [ترجمة شعبان بوّاب دار الضرب] ٢٩ - شعبان ( … ) (١). بوّاب دار الضرب الذي تقدّم ذِكر وفاته بطريق الحج (٢)، وهو صِهر البدر ابن الحلاوي والد زوجته. أمّ ولده أبي بكر وغيره. توفي، كما قد أشرنا في المتجدّدات، وقُرّر في بوّابة دار الضرب بعده صهره المذكور، وهي هذه إلى يومنا هذا. ولا بأس به. وهو ممّن جاوز السبعين من العُمُر. ٣٠ - شُكر الحَسَني، المكي. والد الوزير بُدَيْد الآتي في محلّه إن شاء اللَّه تعالى. كان شُكر هذا أحد القوّاد. ونسبته إلى حسن بن عجلان أمير مكة، فإنه هو الذي أعتقه. توفي بمكة في يوم الجمعة ثالث عشرين شهر جمادى الأولى. ٣١ - طَيْبُغا البدري (٣). كان من مماليك الصاحب بدر الدين حسن بن نصر اللَّه. وكان قد تأمّر في دولة الأشرف بَرسْباي، وكان ذا سَمْتٍ حَسَن وعقل وسياسة ورأي وتدبير. توفي في ثاني المحرّم. واسمه مركّب من "طاي" وهي لغة تركية معناها المهر. و"بُغا": قدمه. (ترجمة الجمال ابن الدماميني) (٤) ٣٢ - عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن سليمان بن خالد بن

стр. 232

الوليد القُرشي، المخزومي، الدماميني، السكندري، المالكي، القاضي جمال الدين المعروف بابن الدماميني (١). قاضي الإسكندرية. ويلتقي (٢) مع العلّامة البدر ابن الدماميني المشهور، سِبطه (٣) محمد بن أبي بكر بن عمر في أبي بكر الأول من نسب هذا، إذ عمر وعبد الله أخَوَان. ولد صاحب الترجمة تقريباً في سنة أربع أو ثلاث وثمانين وسبعمائة. ولم يذكر الحافظ ابن (٤) حجر مولده حين ترجمه (٥)، بل قال لما ذكر وفاته: وأظنّه جاوز الستين، وكان قليل الاشتغال بالعلم في بدايته، فلهذا كان قليل البضاعة في علمه. وترجمه البدر العَيْني (٦) فقال: ولم يكن ممن له اشتغال بالعلم، وكان يحرم الناس كثيراً خصوصاً الظَلَمة الذين لا يستحقّون شيئاً من ذلك. ولهذا كان يترجمه الوالد أيضاً فإنه رافقه في نيابة الإسكندرية وهو إذ ذاك قاضيها، وكان بينهما صُحبة ومحبّة، لكنّه كان ريّساً عريقاً في الرياسة، كثير المروءة، سخيّ النفس جدًّا، واسع العطاء، كثير البذل. كان يحكي لنا الوالد عن سخائه ما يكاد يشبه الخرافات، ويعدّ من التبذير والإسرات المُفرِط، ولهذا أتلف مالاً عظيماً أكثره، بل الكلّ على منصب القضاء وعلى قيام صورته ورفع المعارضين له. وأقام متولّياً القضاء بالإسكندرية فوق الثلاثين سنة بما في ذلك من عزله عدّة مرار (٧). وكان لا يبالي من أيّ جهة حصل المال، ساغت أو لم تَسُع إليه (٨) وحلاوته عنده وشرهه فيه، فكان إذا حصل له شيء من الدنيا أبلغه في ذلك إلى أن ركبه الدَّين. وكان الشيخ سرور الذي قدّمنا ترجمته (٩) ووعدنا بإتيان شيء ممّا

стр. 233

يتعلّق به في هذه الترجمة لا يعجبه أحوال الجمال هذا في قضائه وسيرته، فقام في عزله أتمّ قيام بأن قدم القاهرة وأخبر السلطان الظاهر بأحواله وبجهله، ونسَبَه إلى كل سوء وشرّ، وأفحش في ذلك إلى أن تمّ أمر عزله، فعُزل بالشيخ شمس الدين بن عامر المالكي. وكان الشمس هذا أحد نواب الحكم في قضاء الشيخ شمس الدين البساطي. فلما وُلّي البدر التّنيسي بعد وفاة البساطي امتنع عن استنابته، فبقي معطّلاً إلى أن قام الشيخ سرور هذا وحسّن للسلطان توليته قضاء الإسكندرية حتى أجاب السلطان إلى ذلك. فلما بلغ الجمال ذلك كادت روحه أن تزهق، وخرج من الإسكندرية قبل أن يدخلها ابن عامر، ثم دخلها ابن عامر وباشر قضاءها (١)، وقدم الجمال إلى القاهرة وهو موعوك من قهره وشدّة حرصه على الرياسة، ومكالبته (٢) على المنصب، ومحبّته له. فلا زال يجتهد الاجتهاد الكلّي ويسعى السعي الحثيث (٣)، ويتوسّل بكل وسيلة، ويحتال بكل حيلة إلى أن أعيد إلى القضاء على عاداته وصُرف ابن (٤) عامر، وحصل له الخمول. ثم أخذ الجمال هذا يتحيّل أيضاً بكل ما أمكنه وصرف همّته، ولم يكن دأبه إلّا الشيخ سرور المغربي وإفساد صورته عند السلطان. وكان السلطان اذنا على ما هو المعروف من حاله فأمر بنفي الشيخ سرور إلى بلاد المغرب، وكتب بذلك إلى الإسكندرية، وكان بها بعض مراكب الفرنج فأنزل فيه الشيخ سرور مسلسلاً في الحديد على ما قيل ليسافر به إلى بلاد المغرب. واتفق في يوم إنزاله المركب أن حضر بربريّ من القاهرة إلى الإسكندرية بمكاتبة من السلطان يقتضي أنه شفع في الشيخ سرور وأنه يبقى، وكان قد شفع فيه بعض الأعيان، وبعث البربري بذلك فاتفق دخوله الإسكندرية مساءً، ففطن الجمال ومن وافقه على الحيلة على الشيخ سرور المذكور بالقضيّة، وأن البربري جاء بإطلاقه، فغالطوه بقراءة ما على يده من المكاتبة إلى صبيحة تلك الليلة، ثم دسّوا إلى الفرنجي صاحب المركب بأن يقلع بمركبه ليلاً، بل ويقال دسّوا إليه بقتله أيضاً، لا جزاهم الله خيراً، خوفاً من عَود سرور أيضاً، فإنه كان وقع له مثل ذلك مرة على ما أسلفناه في ترجمته، وعاد من تونس، فأقلع الفرنجي من ساعته. ثم لما أصبح النهار وقُرئت المكاتبة أمر بإحضاره، فذكر أن المركب سار وهو فيه، فاعتذروا بذلك. وعاد البربري بالخبر. واستمرّ سفر الشيخ سرور، ثم انقطع خبره بعد ذلك، وقد جزم بأنه اغتاله الفرنجي، وقيل بمواطأتهم، ولم يحصل القاضي بعده على طائل ولا انتفع بنفسه، بل دامت به العِلل والأمراض والرديء من الأمراض.

стр. 234

وأشيع موته بالقاهرة مراراً حتى تحقّق أنه توفي في يوم الأحد رابع ذي القعدة من هذه السنة. وانطفت جمرة ناره وخمدت وذهبت آثاره ودثرت فكأنه لم يكن، ولم ينفعه منصبه ولا تدبّره، بل كان في ذلك تدميره، وانتقم منه المنتقم، ولحق الظالم بمن ظُلم، كما جرت به عادة اللَّه تعالى في الغالب. وإلى نحو هذا أشار الحافظ ابن (١) حجر، رحمه اللَّه تعالى، في تاريخه (٢)، ومن بحره اغترفنا، وبفضله اعترفنا. وتولّى قضاء الإسكندرية بعده الشيخ شهاب الدين العدني التلمساني السوسي. وسيأتي ذكر ولايته في المتجدّدات من السنة الآتية إن شاء اللَّه تعالى. وولي فيما بعد قضاء دمشق، ودام بها مدّة. وتوفي بها بعد السبعين، فكان من أكبر أصحاب الوالد وأحبابه، ومن أصحابنا أيضاً كما سيأتي (٣) ترجمته في محلّها إن شاء اللَّه تعالى. ولما وُلّي هذا الإسكندرية باشرها مباشرة حسنة بعفّة وصيانة وأمانة وحُمدت سيرته وشُكرت قضاياه، وكان ذلك سبباً لظهوره وشُهرته فيما بعد، رحمه اللَّه تعالى. ٣٣ - عبد الله بن محمد بن عيسى بن محمد بن جلال الدين العوفي (٤)، القاهر، الزيتوني، الشافعي. الشيخ جمال الدين. يقال إنه منسوب لعبد الرحمن بن عوف أحد العشرة رضوان اللَّه عليهم أجمعين. هكذا قاله الحافظ السخاوي في تاريخه (٥). ولد في سنة خمس وسبعين وسبعمائة في مستهلّ المحرّم. وحفظ القرآن العظيم، و"الحاوي" و"التنبيه" و"منهاج الأصول"، وغير ذلك، ثم اشتغل بالعلم فأخذ عن جماعة، منهم: السراجَي البُلقيني، وابن الملقّن، والبرهان الإبناسي، وابن القطان، والشهاب الأشموني الحنفي، والمحبّ (بن) (٦) هشام، والشيخ قنبر، وأخذ في الحديث عن الزين القرافي، وسمع على جماعة، وناب في القضاء قديماً وحديثاً، وحُمدت سيرته وقضاياه، وأقرأ، وربّما أفتى، وخطب ببعض الجوامع.

стр. 235

وقال الحافظ ابن (١) حجر، ﵀، في حقّه حين ترجمه: أخذ عن شيخنا برهان الدين الإبناسي، وغيره، واشتغل كثيراً، وتقدّم ومهر، ونظم الشِعر الجيّد المقبول، وأفاد، وناب في الحكم وتصدّر، وكان قليل الشرّ، كثير السكون، فاضلاً (٢). انتهى. ثم انقطع بأخرة وترك ما بيده من كل شيء إلّا وظيفته في الخانقاه الصلاحية سعيد السُعداء، فإنها دامت بيده حتى مات، وقصد بذلك أن يندرج في شمول الدعاء له حين حضورها. وكان صالحاً ديّناً، خيّراً، انقطع عن الناس وانجَمَع عنهم بجامع نائب الكَرَك، فأعمره جوهر الخازندار لأجله. وكان عالماً، فقيهاً، فاضلاً، ورِعاً، مُنجمعاً، ثقة، عدلاً، كثير التواضح، قانعاً باليسير على طريقة السلف، مُداوماً على ما هو بصدده، ملازماً ذلك. ومن نظمه ما أخبرني به الوالد أنه سمعه منه: هديّة المرء على قدره … فالفضل أن يقبلها السيّد فإن قبول العين مع فضلها … قليل ما يهدي لها المزوّد وكان الوالد يعتقده ويزوره بجامع نائب الكَرَك في بعض الأحيان. توفي، رحمه اللَّه تعالى، في يوم الخميس ثامن عشر رجب. وسها (٣) الحافظ ابن (٤) حجر فقال: سادس عشر (٥). ٣٤ - عبد اللَّه بن محمد بن البُرُلّسى (٦). الشيخ جمال الدين. ولد تقريباً قبل تمام الستين وسبعمائة، ويدلّ على ذلك قول الحافظ ابن (٧) حجر في ترجمته حين ذكر وفاته، وأظنّه قارب التسعين -بتقديم المثنَّاة-. ونشأ متزايا بزيّ الصوفية، محبّاً للفقرء، كثير الملازمة لهم، ثم ترك زِيَّهم وتزيّا بزيّ الفقهاء، واشتغل بالعلم وأحبّه، وداخَل الفقهاء إلى أن ناب في الحكم قليلاً، ثم ناب في بعض البلاد.

стр. 236

قال الحافظ ابن (١) حجر، ﵀: ثم مُنع من ذلك لكائنة جرت، لأن الشافعي لما منعه ناب عن الحنفي، فعيّن عليه قضيّة تتعلّق بكنيسة اليهود، فحكم فيها بحكم يلزم منه نقض حكم سابق على حكمه من قاضي القضاة علاء الدين بن مُعلَّى الحنبلي، فأنكر عليه وقوبل على ذلك، وصُرف عن نيابة الحكم (٢). توفي في رجب. (ترجمة المُسنِد ابن (٣) الطحّان) (٤) ٣٥ - عبد الرحمن بن يوسف بن أحمد بن سليمان بن داود الدمشقي، الصالحي، الحنبلي. الشيخ زين الدين، أبو محمد، وأبو الفَرَج، كُنّي بهما تارة بالأولى، وأخرى بالثانية، المسنِد المشهور، المعروف بابن قُرَيج (٥) بالقاف والجيم مصغّراً، وبابن الطحّان أيضاً. وهو الذي تقدّم الوعد بإتيان ترجمته، وهو أحد المسنِدين الثلاثة (٦) الذين أُحضروا إلى القاهرة بعناية تغري برمش الجلالي الفقيه، نائب القلعة. ولد في خامس عشر المحرّم سنة ثمانٍ وستين وسبعمائة بدمشق، وبها نشأ. فحفظ القرآن واشتغل يسيراً، وكان عالي السند في "مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل، أسمعه والده إيّاه على الصلاح ابن أبي عمر، وأسمعه "جامع" التِرمذي، و"سُنَن" أبي داود، وغيرهما، على عمر بن أُمَيْلة المسنِد المشهور، وعلى المصونة زينب ابنة القاسم، وأسمعه "صحيح مسلم" على البدر بن قواليح في سنة سبع وسبعين وسبعمائة. ثم قرأ هو بنفسه على ابن (٧) المحبّ، وسمع من غيره كثيراً. وقد ذكر الحافظ ابن (٨) حجر، ﵀، مشايخه وما سمعه في تاريخه حين ترجمه (٩).

стр. 237

توفي بالقاهرة بقلعة الجبل بعد حضوره للإسماع من دمشق في يوم الإثنين سابع عشرين صفر بعد أن تمرّض أياماً يسيرة، غريباً شهيداً من هذا الوجه، رحمه اللَّه تعالى. (ترجمة ابن الصائغ المكتّب) (١) ٣٦ - عبد الرحمن بن يوسف الشيخ زين الدين، المعروف بابن الصائغ (٢). الأستاذ البارع في صناعته، صاحب الخط المنسوب الحسن الفائق. ولما ترجمه الحافظ ابن (٣) حجر سمّى (٤) والده عليّاً، وهو سهو، وإلّا فقد سمّاه في المواضع "بن يوسف" كتب عبد الرحمن هذا عليّاً (٥) الشيخ نور الدين الوسيمي، تلميذ الشيخ غازي، ومهر في جميع الأقلام كلها، وهو أعلى من أدركنا في زمننا هذا من أصحاب الخطوط المنسوبة وأميزهم، وأحلاهم خطاً، وأحسنهم طريقة، وأتقن قلم النسْخ إتقاناً كلّيّاً حتى فاق فيه على شيخه الوسيمي باتفاق من العارفين، بل وباتفاق من لا معرفة له بالخط بمجرّد نظره إلى خطّيهما في النسْخ. ثم أحبّ الشيخ عبد الرحمن هذا طريقة ابن (٦) العفيف، فمهر فيها باستفادته من الزفتاوي، واخترع طريقة منتزعة من طريقة ابن (٧) العفيف وغازي. قال الحافظ ابن (٨) حجر: وكان الوسيمي كتب على غازي وغازي كتب أولاً على ابن أبي رُقيّة (٩) شيخ شيخنا الزفتاوي، وهو تلميذ ابن العفيف، ثم تحوّل غازي عن طريقة ابن (١٠) العفيف إلى طريقة ولّدها بينها وبين طريقة الزكيّ (١١) العجمي، ففاق أهل زمانه، وتبع في عصره شيخنا الزفتاوي، لكنّه لم يحصل له نباهة لسُكناه بالفُسطاط.

стр. 238

قال: ومهر عبد الرحمن وشيخنا، وكذا شيخه، وصرّح كثيرٌ بتفضيله عليه، ونسخ عدّة مصاحف شريفة، وكُتُب (١). انتهى. أقول: وكان الحافظ ابن (٢) حجر أيضاً ممن يكتب الخط منسوباً، ولهذا قال في المتقدّم شيخنا الزفتاوي فإنه كتب عليه وأجيز بالخط، ومن تأمّل في كتابته علم ذلك، فإنّ النظر في خطّه بأول وهلة ببادئ الرأي، لا سيما لمن لا خبرة له ربمّا حكم برداءته (٣). فإذا تُؤمّل في ذلك الخط مع سرعة تلك الكتابة رأى محاسنه. وقد كتب على ابن (٤) الصائغ هذا جماعة كثيرة، منهم: البرهان الفرنوي، وأبو الفتح الحجازي، وغيرهم. وكان شيخاً ظريفاً، حُلو المحاضرة، حسن المعاشرة، محبَّباً إلى الناس، ذا أدب ووقار وحُسن سمْت وتُؤَدة. وكان بيده تصوّف بخانقاه سعيد السعداء، وولي التكتيب في عدّة مدارس معظّمة، منها: البرقوقية، وانتفع به الكثير من الناس من أهل عصره، وله نثر حسن، وقرّظ على سيرة ابن (٥) الناهض الذي (٦) جمعها للمؤيَّد شيخ تقريظاً حسناً. وكان بينه وبين الوالد محبّة وصُحبة، وكتب له دَرْجاً (٧) هائلاً، مليحاً جدّاً، فيه جميع الأقلام، حافلاً بخطه الحسن، وبالغ فيه، وقد رأيته وما فيه من المحاسن، التي ماؤها كير آسِن، يسُرّ الناظر، ويشرح الخاطر. ويُحكى عنه في سرعة الكتابة أمر عجيب (٨)، منها قضيّة اتفقت له بسوق الكُتبيّين كتب فيها ثلاثة كراريس، وهو مستند لبعض الحوانيت واقف على قدم واحدة وفرّعها من ابتداء السوق أو بعده إلى حين انقضائه. وانقطع في أواخر عُمُره عن الناس بداره بسبب ضعفٍ اعتراه. حتى توفي في رابع عشر شوال. قال الحافظ ابن (٩) حجر، ﵀: وهو في عشر الثمانين (١٠). ٣٧ - عبد الرحيم بن محمد بن أبي بكر الرومي (١١)، الحنفي.

стр. 239

الشيخ زين الدين، أحد نواب الحكم بالقاهرة. وسمّاه البدر العَيْني (١) عبد الرحمن. وهو وهمٌ منه. ولد في سنة خمس وسبعين وسبعمائة. ونشأ نشأة حسنة، مشتغلاً بالعلم، وأخذ عن جمع من أعيان عصره. وكان بيده عدّة وظائف، طلب بكثير من الواضح حضرها على أعيان العلماء، وولي نيابة الحكم فدام بها مدّة، وحُمدت قضاياه، وشُكرت سيرته. وكان يقرئ بعض الطلبة. وذكره الحافظ السخاوي في "تاريخه" (٢) وقال: عبد الرحيم ابن (٣) الإمام الحنفي، ولم يذكر اسم أبيه وجدّه، ثم ترجمه ونقل ما قاله الحافظ ابن (٤) حجر في ترجمته نحواً مما ذكرناه (٥). ثم قال: وما أظنّ هذا إلّا ابن الإمام، وإلّا فليس في بني الرومي في هذا الوقت من يُسمّى عبد الرحيم حسبما أخبرني به بعضهم. هذا ما قاله. ذكر العَيني في "تاريخه" (٦) ترجمة الرومي هذا، وسمّاه عبد الرحمن. قال الحافظ السخاوي (٧): وهو وهْمٌ منه. توفي صاحب الترجمة في شهر رجب. ٣٨ - عبد القادر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم (٨) بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم المطري، المكي، الشافعي. إمام مقام إبراهيم المعروف بابن أبي اليُمن. توفي في يوم السبت خامس عشرين صفر. ٣٩ - عبد الملك بن عبد الحق بن هاشم المغربي، الحربي، المكي، المالكي. الشيخ الصالح المعتقد بمكة، كان من عباد اللَّه تعالى الصالحين، وحزبه المفلحين. وللناس به بمكة الاعتقاد. توفي بها في سابع شوال. ٤٠ - علي بن محمد الويشي (٩) الشافعي. الشيخ نور الدين المعروف بنسبته، وهي بكسر الواو وسكون المثنّاة من تحت، بعدها شين معجَمة.

стр. 240

لم أقف له على تاريخ ولادة ولا ترجمة واسعة، بل أذكر ما قاله الحافظ ابن (١) حجر، ﵀، في ترجمته، وفيها كفاية. قال بعد ما ذكر اسمه واسم أبيه ونسبته بنحو ما ذكرناه: وكان قد طلب العلم واشتغل كثيراً، ونسخ بخطّه الحسن شيئاً كثيراً، ثم تعانى الشهادة في القيمة، فدخل في مداخل عجيبة، واشتهر بالشهادات الباطلة، واللَّه عفوّ غفور (٢). مات في ذي القعدة. ٤١ - كُزُل العجمي (٣)، الظاهري. حاجب الحجّاب في الدولة الناصرية. ذكره ابن (٤) تغري بردي في من مات في هذه السنة (٥)، وهو خطأ منه. بل مات في سنة تسع وأربعين. وترجمه الحافظ ابن (٦) حجر فيها، وهو الصحيح (٧). وسيأتي في محلّه إن شاء الله تعالى. (ترجمة ابن (٨) زين المادح) (٩) ٤٢ - محمد بن زين بن محمد بن زين بن محمد بن زين الطنبذائي (١٠) الأصل، النحريري (١١)، الشافعي، المقري.

стр. 241

الشيخ الأديب، الفاضل، البارع، الكامل، الخيّر، الدّيّن، الصالح، شمس الدين، مادح النبي ﷺ ، المعروف بابن زين. ولد قبل الستين وسبعمائة. وحفظ القرآن العظيم، و"التنبيه"، و"الألفيّة"، واشتغل بالعلم، فأخذ عن جماعة، منهم: العزّ القليوبي، والشمس القرافي، وحضر دروس الإبناسي، وسمع الحديث على جماعة، وقرأ بالسبع وأقرأ، وانتفع به الكثير من الناس في ذلك. وكان به صمم (١)، فلو دقّت عنده الطبول لما سمعها على ما قيل عنه (٢)، ومع ذلك فكان إذا قُرئ عليه القرآن ردّ القارئ إذا غلط، وعُدّ ذلك من كراماته. وشرح "ألْفيّة" ابن (٣) مالك، ونظم في أشياء علمه شيئاً كثيراً غير المدائح النبوية على الممدوح بها أفضل الصلاة والسلام، وأكثر منها. قال شيخ الإسلام بدر الدين العَيني في ترجمته له في "تاريخه" (٤): نظم أربعة عشر ألف قصيدة وخمسمائة قصيدة وثلاثمائة في قصص الأنبياء، وغيرها. وعاش تسعين سنة. فقيل إنه رأى النبيّ ﷺ تسعمائة مرة. انتهى كلامه. وأخبرني رجل من أصحابنا يسمّى شمس الدين محمد بن موسى بن سليمان بن خليل بن عبد الوهاب الفيّومي، القاهري، الحنفي، أحد السادة الصوفية بالخانقاه الشيخونية خطيب الجامع الزاوية القانبائية بالرُميلة، وهو من أهل الدين والخير انه سمع ممن يثق به عن ابن (٥) زين هذا أنه كان بمجرّد ما يُغمض عينه يرى النبيّ ﷺ . قال: وجاء إليه مرة رجل كان مسرفاً على نفسه فقال له: يا سيّدي انظر لحالي يسترشده، فقال له: أكثِر من قراءة سور الأنعام (٦)، فلازمها ذلك الإنسان مواظباً عليها، فمات بعد ذلك حين مات وهو ساجد. ولْنذكر قصيدة من قصائد ابن (٧) زين هذا في مدح النبي ﵇ تبرّكاً

стр. 242

بها، ولْتكُن نموذجاً لنا في كلامه، ولم يحضرني من كلامه الآن إلَّا هي، وإن كان في كلامه ما هو أقوى منها نظماً، وهي هذه: تذكّرتُ أياماً تقضّت بحاجِرِ … ففاضت دموعي عَنْدَماً من مَحَاجِرِي فلا تَعتبوا من أظهر الدمعُ سرَّه … ولا تعذلوا من بات في هجر هاجرِ على المرء صَعْبٌ أن يفارق إلْفه … ولو أنّ أدنى البُعد لمحة ناظرِ فكيف بمن أمسى غريبَ ديارِه … وبات على فرش الضنى دون زامرِ أنا العاشق المهجور والمغرمُ الذي … غرامي غريمي في الهوى ومُسامري سقى اللَّه أطلالاً شَرُفْنا بِعِشقها … وأنهلها من خير سُحُب مَوَاطرِ لقد كان لي عهدٌ بصحبة أهلها … وحفظ ودادي في ربوع عوامرِ وكنت أرى في حبّهم جودة لها … جمال جميل مُفتِن للنواظرِ إذا أقبلت تخطو ترى الغصن مطرِقاً … حياءً وبدر الأفق في زيّ باسِرِ يسمّونها في كل حيّ غزالة … وهيأتها فوق الليوث الكواسرِ ومن عجيبٍ أن الثابت باسمها … فما لي أرى نجمي بها كل شاطرِ ويسعى لها العشاق من كل وجهٍ … رجالاً ورُكباناً على كل ضامِرِ على وصلها الأموالُ تُنفق رغبةً … ويؤثر فقد الروح فوق المآثِرِ فما وصْلُها إلّا تجارةُ رابح … ومتجرُها لا شكّ خيرُ المشاعرِ وما شرُفت إلّا بأشرف مرسلٍ … وأكرمِ مبعوث وأفصحِ ذاكِرِ محمد المبعوث من نسل هاشم … إلى الخلق طُرّاً بالهدى والبشائِرِ هو ابن الذبيحين الذي لم يكن له … من الرسل كفُواً في العُلَى (١) والمفاخِرِ أمينٌ على وحي الإله وخَلْقه … ورحمته العظمى بأُولَى وآخرِ به أودع اللَّهُ الجمالَ بأسره … فليس له في حُسنه من مُشاطِرِ ولم تر عينٌ في الخلائق مثلَه … ولا شَكلَه في ورد الحمول الصوادرِ وتستغرق الأفكارُ في نعتِ وصْفِه … ويُغلِقُ نقْدٌ عندهم بالخواطرِ كذا خطباءُ الدين ميَّزَها اسمُه … إذا ذكرته فوق أعلى المنابرِ له معجزاتٌ في المشاهد شوهدت … وأخبارُها جاءت لنا بالتواترِ براحتِهِ الحصباءُ للَّهِ سبَّحَتْ … كتسبيح إنسان مع الوصف باهرِ

стр. 243

وأجرى له الخيلانُ (١) في رحب كفّه … عيوناً تُورد (٢) كالبحار الزواخرِ ومن نوره الأنوارُ لا شك كُوّنَتْ … ومن عِطْره الفيّاح عطر الأزاهرِ به ظهرت للمادحين نضارةٌ (٣) … وليس لهم بين الورى من مُناظرِ تساموا فَخَاراً في الأنام بمدحهِ … فمادحُهُ لا شك أشعر شاعرِ ولا سيما ذو الغَوص في بحر فِكْرِه … على دُرَر المعنى وأخْذِ الجواهرِ وإني بعون اللَّه جرت قريحة … تطاوعني فيما يدور بخاطرِ ولم يحتجب عن المعاني لساعةٍ … ولم يستطع مالي لشعري معاصري ولكنّ ذنبي زائدٌ متعاظمٌ … فكيلُ عيوني ينال من بحرٍ وافرِ وهل ثَمَّ عيب المرء إلّا ذُنوبهُ … ومنها على الاشهار يدعى بسائرِ إذا أفسد الإنسان بالذنب باطناً … فكيف له نفعٌ بإصلاح ظاهرِ وكيف له يُخفي عن الناس ذنبَه … ومولاه منه عالمٌ بالسرائرِ أيا خيرَ رحمانٍ ويا خير رازقٍ … ويا خير مأمولٍ ويا خير غافرِ بحقّك سامحْ لابن زينٍ ذنوبَه … ونوّلْه ما يرجو بأُولَى وآخرِ وصلِّ على خير النبيّين أحمد … وأصحابه والآل أهل المُسامرِ ٤٣ - وقد عارض ابن زين هذا في قصيدته هذه الشيخُ العالمُ، الرّباني، الأديب، البارع، الرحماني، الصالح، الخيّر، المفضّل محمدُ بن أحمد بن مهلهل الفيّومي، أحد المشهور [ين] (٤) بالصلاح والدين والخير والبِرّ والمعروف، ومدح النبيّ ﷺ ، فنظم قصيدة على وزن قصيدة ابن زين هذه وقافيتها، وهي أعلى نفساً من الأولى وأرجح وأغلى، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وأولها هذا: بدا برقٌ ما بين العُذَيب وحاجر … ففاض على خدّي دمع محاجري وهي طويلة، جيّدة، رحم اللَّه تعالى ناظمها وروّى ثراه، وجعل الجنّة قِراه. وستأتي ترجمته في محلّها إن شاء اللَّه تعالى. توفي ابن (٥) زين صاحب الترجمة في مستهلّ ربيع الأول وله تسعون سنة، بتقديم المثنّاة على السين.

стр. 244

وكان ديّناً، خيّراً، صالحاً، مُراعى (١) عند الناس ببركة ممدوحه ﵊. (ترجمة أبي (٢) أمامة بن النقاش) (٣) ٤٤ - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبد الواحد بن يوسف بن عبد الرحيم الدُّكاليّ الأصل، المصري، الشافعي. الشيخ أبو أُمامة بن أبي هُريرة، المعروف بابن النقاش (٤)، خطيب الجامع الطولوني، المشهور هو ووالده، وشهرة أبيه أكبر، وعلمه أوفى وأوفر. ولد أبو أُمامة هذا تقريباً في سنة أربع وسبعين وسبعمائة أو بعدها بيسير. وحفظ القرآن العظيم، واشتغل بالعلم، وحصّل، لكنّه لم يكن بالنسبة إلى أبيه، ولا بقي على حاله الأول لأنه اشتغل بما لا يعنيه على ما ذكره عنه الحافظ ابن (٥) حجر، رحمه الفَه، ودخل بنفسه فيما ليس له به حاجة من مخالطة الأمراء، لا سيما في أيام الفِتَن التي تمادت وطالت بعد الظاهر برقوق. وحصل له بسبب ذلك من المِحَن والمصائب ما لو عُدّت لطال المجال. وكان يخطب بالجامع نيابة عن والده في حال حياته، واستقرّ بها بعد وفاته، وعزله الظاهر جقمق في سلطنته بالبرهان ابن الميْلق، وذكر عنه أنه كان يصلّي خلفه أحياناً في حال إمرته وأنه كان لا يفصح في خطبته ولا قراءته، فحج مراراً فراراً من الفِتَن، بعد أنْ إليها رَكَن، ولها سكن، فلم يُفده ذلك عمّا حاذَرَه من المِحَن. قال الحافظ ابن (٦) حجر: وتمشيخ بعد والده ولم يَنْجَب (٧). انتهى. - • أقول: وأمّا والده فكان من الفضلاء الأعيان، ومن نجباء أبناء الزمان، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، مع المهابة والشهامة والحُرمة والصرامة، والقيام التامّ في ذلك والصدع بالحق في موعظته وخطبته، والمبالغة في نصيحته، حتى شاعت شهرته، وطار صيته، وعظُمت حرمته. وكان وجيهاً عند الكافّة، صادق اللهجة، جدّاً، جيّد الرأي، منعماً، مفضلاً، محبّاً لطلبة العلم، مجتهداً في

стр. 245

نفعهم ونفع الفقراء والمساكين، مقبلاً على شأنه، عارفاً بأمور دينه ودنياه، خائفاً من تبِعات عُقباه، وله مع الظلمة في قيامه للأمر بالمعروف حكايات طويلة، وامتُحن بسبب ذلك المرة بعد المرة، والكَرَّة بعد الكَرّة، ونُجّي سريعاً. حج مراراً وجاور. وبالجملة فكان من محاسن الدنيا، وكان مقتصداً في ملبسه، لا يتبختر ولا يتكبّر ولا يتجبّر ولا يتهوّر، ولا عُلم عليه ما يشينه في دينه ولا ما يعيبه، وتأسّف الناس عليه بعد موته في سنة تسع عشرة (١) وثمانمائة. وكانت جنازته من مشاهير الجنائز. وهو الذي أنشأ الدار المعروفة به في زيادة جامع ابن طولون. ووقع فيها بعد موته القيل والقال بواسطة كراهة الظاهر وغيره فيه وفي ولده صاحب الترجمة. وآل الأمر فيها بعد الخبط الكبير إلى الهدم، وهُدمت للأغراض الفاسدة، وإلّا فلأيّ فائدة؟ وقد ذكرت هذه الواقعة. وترجمة الشيخ أبي (٢) هريرة في كثير من التواريخ مفصلة، وهذا على جهة الاستطراد. (ذِكر سبيل جامع ابن طولون) (٣) وقد أنشأ الأشرف قايتباي سلطان زماننا هذا بالزيادة المذكورة مكان هذه الدار سبيلاً مشهوراً للماء، فكان حسناً نافعاً في محلّه. وجعل خازنه صاحبنا المرحوم الشيخ المبارك رَيحان الزنجي الحلبي، وكان من أهل الخير والدين، يتعانى حلق رؤوس (٤) الأكابر من الأمراء وغيرهم، وكان يسقي الماء بطاسة بين العشاءين بالخانقاه الشيخونية، دأبه على ذلك من مدّة سنين، ويكثر نوافل الطاعات من الصلوات وغيرها، مع بشاشة (٥). مات في سنة سبع وثمانين وثمانمائة، وكان به النفع، ﵀. توفي الشيخ أبو أمامة صاحب الترجمة بمرض الفالج بعد أن توافر به نحو الثمانية شهور، في يوم الثلاثاء سادس عشرين شعبان، ودُفن إلى جانب أبيه بباب القرافة. وكان أبوه لما مات تركه وترك ولداً آخر أسمر يسمّى محمد أبو اليُسر من أمّه، وبنتاً يقال لها فاطمة، وهي التي تزوّج بها صاحبنا.

стр. 246

(ترجمة عمران بن غازي المغربي وولده) (١) ٤٥ - الخواجا التاجر زين الدين عمران بن غازي (٢) بن محمد بن غازي بن عزّ الدين المغربي، المالكي. نزيل القاهرة، وهو ذات حسنة، له شهرة في كبار التجار وصِيت وثروة ومال وافر، وينسب لطلب العلم، وعنده معرفة تامّة، وله بشاشة وطلاقة وجه، وتُؤَدة، وحُسن سمت، ومُلتقى. ٤٦ - وولدت فاطمة هذه للخواجا عمران المذكور ولده القاضي نور الدين علي بن عمران بن غازي في سنة أربع وخمسين وثمانمائة - على ما أخبرني به من لفظه، أعني النور المذكور إملاءً عليّ، لكنّه قال: أقول ذلك تقريباً لا تحقيقاً. ونشأ مشتغلاً بالعلم، وقرأ كثيراً، وحفظ بعض المتون، وصار والده يحرّضه على العلم ويحثّه عليه ويجعل له على كل متنٍ يحفظه مبلغاً يعطيه إيّاه، فحفظ ابن (٣) الحاجب الفرعي، وغيره، وأخذ في الاشتغال فحصّل طرفاً من العلم لا سيما من المعقولى، وأخذ عن جماعة من الأعيان الأفاضل، ولازم الشيخ حمزة العربي الذي تأتي ترجمته في سنة سبع وسبعين وثمانمائة إن شاء الله تعالى، واستفاد منه، وحضر دروس الكثير من علماء المالكيّة وغيرهم، وهو باق على طلب العلم، وله فيه رغبة ومَيل. ولما توجّه والده لبلاد المغرب للتجارة قبل الثمانين وثمانمائة وجعل ولده هذا متكلّماً على شيء مما يتعلّق به داخَلَه كثير من شياطين الإنس وحسّنوا بباله أن يعرف أهل الدولة ويُداخلهم، وأن يتولّى نيابة الحكم ويعرف الناس. ولا زالوا به حتى طاش لكلامهم لشبابه وصغر سنّه وقلّة دُربته، ولبعض طيش عنده، وعدم تجارب للأمور، فصار يتعرّف بالأعيان من أرباب الدولة ويُهاديهم، ويصحب من لا فائدة في صحبته. ثم عمّر الدار التي بشاطئ النيل بمصر تجاه المقياس، وصرف عليها نحو الخمسة آلاف دينار أو أكثر، ففتّحت له العيون، وبقي الكثير من الناس والأعيان يطلبون منه المال على وجه القرض ونحوه، وهو يبذل لكل من طلب ما طلب، وتصرّف في بعض الحواصل لبعض من لا يمكنه أن يخالفه من أكابر الأمراء إلى أن

стр. 247

حصل الخلل الكبير فيما تركه له والده وفرّط في جانب كبير منه، يقال فوق الثلاثين ألف دينار. وكان تولّى نيابة الحكم عن البرهان اللقاني مدّة، وتوجّه قاضياً على المحمل في بعض السنين إلى مكة المشرّفة. وضخم ورأس ومهر، وبالغ في تحسين هيئته ومركبه وملبسه وخدمه، وتعاظم جدّاً، وأساء التصريف في سائر ما يتعلّق بمال أبيه إلى أن حضر والده من المغرب فنقم عليه ذلك، وحصل له منه مِحَن متعدّدة من ضرب بين يدي الدوادار يشبُك، بل والسلطان وبعض الظَلَمة. والعجب أن بعضاً ممن كان لنور الدين هذا عليه الأيادي والخدمة ساعد أباه عليه في محنته، وما حُمد والده على ما بالغ به في حق ولده، إذ لا فائدة في ذلك ولا طائل تحته. ويقال إنّما فعل معه ذلك لظنّه أن المال باقٍ عنده، إذ استكثر ذهاب ذلك جميعه وتَلَفه، ثم خلص بعد الأنكاد الزائدة والمِحَن المتعدّدة، فانجمع عن الناس، ثم توجّه إلى مكة مجرّداً مختفياً، ثم عاد وأصلح بينه وبين والده، وكتب عليه مسطوراً بمال، ثم أخذ في الاشتغال على عادته، وهو الآن بهذه الصفة. وله سمت حسن، وبِشْر وطلاقة وجه لولا بادرة فيه. ولا يعاب بذلك، فإنه شهم النفس، مغربيّ الأصل، يسّر الله أموره فيما ينفعه في عُقباه، وعوّضه خيراً وإيّاناً. ٤٧ - محمد بن علي الدمشقي. شمس الدين، المعروف بأبي شامة (١)، لشامةٍ كانت به. لم أعرف ولادته لأُثْبتها. ووصفه الحافظ ابن حجر (٢) بالسكون وبالجرأة، وهو كما قال على ما أخبرني به أيضاً من أثق به ممن يعرفه بأنه كان جريئاً لا يهاب الموت من جُرأته، وله فيها أشياء يطول ذِكرها. وكان ينسب نفسه إلى الأنصار، وزعم أنه متّهم في ذلك، واللَّه أعلم بذلك. وكان بدمشق أميناً على الحكم بها قبل دخوله القاهرة. ثم لما قدم القاهرة ناب في الحكم بها عن الشافعي، ولم يترك جرأته (٣) وحصل له بذلك التشويش البالغ، فإنه كان يبالغ في الإقدام في الجرأة ويقتحم الأهوال، إلى أن آل أمره في أواخر دولة الأشرف بَرسْباي إلى الخمول، ثم اختفى مدّة لكائنة

стр. 248

اتفقت له. فلما مات الأشرف وتسلطن الظاهر بعد ولده العزيز ظهر وعاد لما كان عليه، ثم ولي وكالة بيت المال بدمشق فتوجّه إليها. وتوفي بها في هذه السنة، ولم أحرّر شهر وفاته حتى أُثبتْه. ٤٨ - محمد بن عمر بن عبد الله بن محمد بن غازي الدنجاوي (١)، الدمياطي، القاهري، الأزهري، الشافعي. الشيخ شمس الدين المعروف بنسبته الأولى. ولد سنة ست، وقيل اثنتين وثمانمائة تقريباً بدمياط. ونشأ ذكياً، نجيباً، وقرأ، وحصل، واشتغل كثيراً، وأتقن فقه الشافعية والعربية، وبرع فيهما، وشارك بذكائه في فنون كثيرة، ثم تعانى الأدب فمهر فيه، ونظم الجيد من الشعر. وممن شهد له بجودة شعره الحافظ ابن حجر، ﵀، حين ترجمه في تاريخه "إنباء الغمر" (٢)، وناهيك بمن شهد الحافظ المذكور له. وكان فقير الحال، وله كتابة وحُسن محاضرة لا يُملّ منه. وكان الشيخ شرف الدين يحيى بن العطار قرّره في وظيفة خزانة كتب الخانقاه المؤيَّديّة، وكان قد توعّك في أوائل شهر شوال، فذُكر عنه أنه كان يخبر في مرضه ذلك بأمورٍ فتقع كما قال، وذكر في مرضه ذلك أنه رأى مناماً، وهو أنه أمّ بالناس وهم جمع وافر، وأنه قرأ في صلاته التي أمّ بها بسورة نوح ﵊ وعلى نبيّنا معه، ووصل فيها إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، فاستيقظ مرعوباً وجِلاً وقصّ المنام على بعض أصحابه، وقال لهم: هذا يدلّ على أنه يموت في مرضه ذلك، فكان كما (قال) (٣) بعد قليل. وله نظم كما ذكرناه، فمن ذلك، وفيه تورية بألقاب بعض خلفاء هذا [العصر]: وصالُك "مُعتزٌّ" وحُسنك "حاكمُ" (٤) … ولحظك (٥) "منصورٌ" وخدّك (٦) "قاهرُ" وصبري "مأمون" وقلبي "واثقٌ" … ود معي "سفّاحُ" ومالي "ناصرُ"

стр. 249

وهو حَسَن في معناه. توفي في أوائل شوال بعد وعكه بيسير، رحمه الله تعالى وإيّانا. (ترجمة المحبّ بن الأوجاقي) (١) ٤٩ - محمد بن محمد بن أحمد بن العزّ الأوجاقي (٢)، القاهري، الشافعي. الشيخ محبّ الدين، أبو الفضل، وأبو عبد الله، المعروف بابن الأوجاقي. ولد تقريباً -على ما كَتبه إليّ صاحبنا ولده الشيخ تقيّ الدين، حفظه الله تعالى بخطّه- في سنة سبعين وسبعمائة. ولنذكر ما كتبه إليّ ولده المذكور في ترجمة أبيه هذا، قال: حضر وسمع وقرأ بنفسه على مشايخ الإسلام رواية ودراية، كالسراج البُلقيني، والسراج ابن الملقّن، وحافظ العصر الزين العراقي، والصدر المناوي، وابن أبي البقاء السُبكي، والبرهان الإبناسي، والولوي ابن خلدون، والبرهان ابن (٣) نصر الله البغدادي، وعبد المنعم البغدادي الحنبلي، والشمس الديري، والعمادي، والمحبّ ابن (٤) هشام. ولازم بعد مشايخه المذكورين شيخ الإسلام أبا زُرعة وليّ الدين أحمد العراقي، وصحِبه أكثر من عشرين سنة ليلاً ونهاراً، وأخذ عنه جميع مصنّفاته، وكتب أكثر ذلك بخطه وقرأه أو سمعه إلى أن توفي شيخ الإسلام المذكور، فانقطع الوالد عن الناس في مسجده الذي بالشارع بجوار باب الأنسية وأقام به عشرين سنة لا يخرج منه إلّا لصلاة جنازة، أو عيادة مريض، أو دخول إلى منزل سكنه، أو غرض أخروي، لا يدخل في المدّة المذكورة سوقاً ولا يبتاع منه حاجة، ولا يتردّد إلى أحدٍ من أهل الدنيا بسبب دنياهم، وربّما تردّد إليه الكبير منهم، ملازماً لإشغال الناس بالعلوم الشرعية والعقلية والقراءات (٥) الشريفة، والإصلاح بين الناس، مع مزيد بِرّ وصدقات وإحسان حتى للأغنياء. ولم يقبل وظيفة من وظائف الفقهاء ولا شيئاً من مَبرّات أهل الدنيا من ديوان من دواوينهم. وكان كثير الصيام جدّاً، ويقرأ

стр. 250

في كل يوم ختمة على الدوام، كثير التهجّد، ولا زال على ذلك حتى عرض له مزمن الإسهال فأقام به نحو السنة. ثم توفي -رحمه الله تعالى - في يوم الإثنين الخامس عشرين من شهر رجب الفرد سنة خمس (١) وأربعين وثمانمائة. ودُفن في صبيحة ذلك اليوم بتربة صهره والد زوجته السيد الشريف شهاب الدين البسطي الحسيني بالقرافة بجوار مقام الإمام الأعظم الشافعي، وكان له مشهد من أعظم المشاهد المعدودة لم يتخلّف عنه أحد من مشايخ الإسلام وقضاة القضاة المتّصلين والمنفصلين وعلماء البلدة من المذاهب الأربعة (٢)، والطلبة، وأرباب المناصب، والولايات، ومن سائر طوائف المسلمين. عامَله الله برحمته وعنايته، وجمع بيني وبينه في دار إحسانه وكرامته. انتهى كلام ولده فيه. وكنت أنا قد سألت ولده المذكور أن يوقفني على ترجمته وترجمة نفسه وإخوته أيضاً. وكان الموجب لذلك أنني رأيت في "تاريخ" (٣) البدر العيني، ﵀، ترجمة المحبّ هذا بأنْ ذكر فيه ما هذا نصّه: "وفيها في يوم الإثنين ثالث عشرين رجب مات الشيخ محبّ الدين بن الأوجاقي الشافعي". ثم وصفه بالخيّر والديّن، واعتقاد الناس له، ولم يذكر اسمه ولا اسم أبيه وجده. ثم رأيت في "تاريخ" (٤) ابن تغري (٥) بردي أيضاً ما نصّه: "وتوفي الشيخ محبّ الدين بن الأوجاقي الحنفي"، وذكر التاريخ الذي ذكره الشيخ بدر الدين العيني بعينه، فكأنه نقل منه، ثم ترجمه مختصراً. أقول: وقد وهِم كِلاهما في تاريخ وفاته على ما هو ظاهر، فإنّ ولده أضبط. ووهم ابن (٦) ثغري بردي في مذهبه أيضاً، وما علمت من أين جاءه (٧) هذا الوهم البعيد، ولعلّه سبْق قلم، فإنه نقل ترجمته من تاريخ البدر العيني، ثم ما أمكنني أن أنقل عنهما، وأقتصر على ما ذكراه مع وجود ولده الشيخ تقيّ الدين المذكور مع صحبة بيننا، فسألته عن ذلك وعن نفسه وأخيه المُسند وغيره، فكتب إليّ ما ذكرته، وهو كلام ظاهر حق صدق. ثم ذكر لي أولاده الذين خلّفهم، فقال:
следующие страницы →