← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

(ترجمة عمران بن غازي المغربي وولده) (١) ٤٥ - الخواجا التاجر زين الدين عمران بن غازي (٢) بن محمد بن غازي بن عزّ الدين المغربي، المالكي. نزيل القاهرة، وهو ذات حسنة، له شهرة في كبار التجار وصِيت وثروة ومال وافر، وينسب لطلب العلم، وعنده معرفة تامّة، وله بشاشة وطلاقة وجه، وتُؤَدة، وحُسن سمت، ومُلتقى. ٤٦ - وولدت فاطمة هذه للخواجا عمران المذكور ولده القاضي نور الدين علي بن عمران بن غازي في سنة أربع وخمسين وثمانمائة - على ما أخبرني به من لفظه، أعني النور المذكور إملاءً عليّ، لكنّه قال: أقول ذلك تقريباً لا تحقيقاً. ونشأ مشتغلاً بالعلم، وقرأ كثيراً، وحفظ بعض المتون، وصار والده يحرّضه على العلم ويحثّه عليه ويجعل له على كل متنٍ يحفظه مبلغاً يعطيه إيّاه، فحفظ ابن (٣) الحاجب الفرعي، وغيره، وأخذ في الاشتغال فحصّل طرفاً من العلم لا سيما من المعقولى، وأخذ عن جماعة من الأعيان الأفاضل، ولازم الشيخ حمزة العربي الذي تأتي ترجمته في سنة سبع وسبعين وثمانمائة إن شاء الله تعالى، واستفاد منه، وحضر دروس الكثير من علماء المالكيّة وغيرهم، وهو باق على طلب العلم، وله فيه رغبة ومَيل. ولما توجّه والده لبلاد المغرب للتجارة قبل الثمانين وثمانمائة وجعل ولده هذا متكلّماً على شيء مما يتعلّق به داخَلَه كثير من شياطين الإنس وحسّنوا بباله أن يعرف أهل الدولة ويُداخلهم، وأن يتولّى نيابة الحكم ويعرف الناس. ولا زالوا به حتى طاش لكلامهم لشبابه وصغر سنّه وقلّة دُربته، ولبعض طيش عنده، وعدم تجارب للأمور، فصار يتعرّف بالأعيان من أرباب الدولة ويُهاديهم، ويصحب من لا فائدة في صحبته. ثم عمّر الدار التي بشاطئ النيل بمصر تجاه المقياس، وصرف عليها نحو الخمسة آلاف دينار أو أكثر، ففتّحت له العيون، وبقي الكثير من الناس والأعيان يطلبون منه المال على وجه القرض ونحوه، وهو يبذل لكل من طلب ما طلب، وتصرّف في بعض الحواصل لبعض من لا يمكنه أن يخالفه من أكابر الأمراء إلى أن

стр. 247

حصل الخلل الكبير فيما تركه له والده وفرّط في جانب كبير منه، يقال فوق الثلاثين ألف دينار. وكان تولّى نيابة الحكم عن البرهان اللقاني مدّة، وتوجّه قاضياً على المحمل في بعض السنين إلى مكة المشرّفة. وضخم ورأس ومهر، وبالغ في تحسين هيئته ومركبه وملبسه وخدمه، وتعاظم جدّاً، وأساء التصريف في سائر ما يتعلّق بمال أبيه إلى أن حضر والده من المغرب فنقم عليه ذلك، وحصل له منه مِحَن متعدّدة من ضرب بين يدي الدوادار يشبُك، بل والسلطان وبعض الظَلَمة. والعجب أن بعضاً ممن كان لنور الدين هذا عليه الأيادي والخدمة ساعد أباه عليه في محنته، وما حُمد والده على ما بالغ به في حق ولده، إذ لا فائدة في ذلك ولا طائل تحته. ويقال إنّما فعل معه ذلك لظنّه أن المال باقٍ عنده، إذ استكثر ذهاب ذلك جميعه وتَلَفه، ثم خلص بعد الأنكاد الزائدة والمِحَن المتعدّدة، فانجمع عن الناس، ثم توجّه إلى مكة مجرّداً مختفياً، ثم عاد وأصلح بينه وبين والده، وكتب عليه مسطوراً بمال، ثم أخذ في الاشتغال على عادته، وهو الآن بهذه الصفة. وله سمت حسن، وبِشْر وطلاقة وجه لولا بادرة فيه. ولا يعاب بذلك، فإنه شهم النفس، مغربيّ الأصل، يسّر الله أموره فيما ينفعه في عُقباه، وعوّضه خيراً وإيّاناً. ٤٧ - محمد بن علي الدمشقي. شمس الدين، المعروف بأبي شامة (١)، لشامةٍ كانت به. لم أعرف ولادته لأُثْبتها. ووصفه الحافظ ابن حجر (٢) بالسكون وبالجرأة، وهو كما قال على ما أخبرني به أيضاً من أثق به ممن يعرفه بأنه كان جريئاً لا يهاب الموت من جُرأته، وله فيها أشياء يطول ذِكرها. وكان ينسب نفسه إلى الأنصار، وزعم أنه متّهم في ذلك، واللَّه أعلم بذلك. وكان بدمشق أميناً على الحكم بها قبل دخوله القاهرة. ثم لما قدم القاهرة ناب في الحكم بها عن الشافعي، ولم يترك جرأته (٣) وحصل له بذلك التشويش البالغ، فإنه كان يبالغ في الإقدام في الجرأة ويقتحم الأهوال، إلى أن آل أمره في أواخر دولة الأشرف بَرسْباي إلى الخمول، ثم اختفى مدّة لكائنة

стр. 248

اتفقت له. فلما مات الأشرف وتسلطن الظاهر بعد ولده العزيز ظهر وعاد لما كان عليه، ثم ولي وكالة بيت المال بدمشق فتوجّه إليها. وتوفي بها في هذه السنة، ولم أحرّر شهر وفاته حتى أُثبتْه. ٤٨ - محمد بن عمر بن عبد الله بن محمد بن غازي الدنجاوي (١)، الدمياطي، القاهري، الأزهري، الشافعي. الشيخ شمس الدين المعروف بنسبته الأولى. ولد سنة ست، وقيل اثنتين وثمانمائة تقريباً بدمياط. ونشأ ذكياً، نجيباً، وقرأ، وحصل، واشتغل كثيراً، وأتقن فقه الشافعية والعربية، وبرع فيهما، وشارك بذكائه في فنون كثيرة، ثم تعانى الأدب فمهر فيه، ونظم الجيد من الشعر. وممن شهد له بجودة شعره الحافظ ابن حجر، ﵀، حين ترجمه في تاريخه "إنباء الغمر" (٢)، وناهيك بمن شهد الحافظ المذكور له. وكان فقير الحال، وله كتابة وحُسن محاضرة لا يُملّ منه. وكان الشيخ شرف الدين يحيى بن العطار قرّره في وظيفة خزانة كتب الخانقاه المؤيَّديّة، وكان قد توعّك في أوائل شهر شوال، فذُكر عنه أنه كان يخبر في مرضه ذلك بأمورٍ فتقع كما قال، وذكر في مرضه ذلك أنه رأى مناماً، وهو أنه أمّ بالناس وهم جمع وافر، وأنه قرأ في صلاته التي أمّ بها بسورة نوح ﵊ وعلى نبيّنا معه، ووصل فيها إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، فاستيقظ مرعوباً وجِلاً وقصّ المنام على بعض أصحابه، وقال لهم: هذا يدلّ على أنه يموت في مرضه ذلك، فكان كما (قال) (٣) بعد قليل. وله نظم كما ذكرناه، فمن ذلك، وفيه تورية بألقاب بعض خلفاء هذا [العصر]: وصالُك "مُعتزٌّ" وحُسنك "حاكمُ" (٤) … ولحظك (٥) "منصورٌ" وخدّك (٦) "قاهرُ" وصبري "مأمون" وقلبي "واثقٌ" … ود معي "سفّاحُ" ومالي "ناصرُ"

стр. 249

وهو حَسَن في معناه. توفي في أوائل شوال بعد وعكه بيسير، رحمه الله تعالى وإيّانا. (ترجمة المحبّ بن الأوجاقي) (١) ٤٩ - محمد بن محمد بن أحمد بن العزّ الأوجاقي (٢)، القاهري، الشافعي. الشيخ محبّ الدين، أبو الفضل، وأبو عبد الله، المعروف بابن الأوجاقي. ولد تقريباً -على ما كَتبه إليّ صاحبنا ولده الشيخ تقيّ الدين، حفظه الله تعالى بخطّه- في سنة سبعين وسبعمائة. ولنذكر ما كتبه إليّ ولده المذكور في ترجمة أبيه هذا، قال: حضر وسمع وقرأ بنفسه على مشايخ الإسلام رواية ودراية، كالسراج البُلقيني، والسراج ابن الملقّن، وحافظ العصر الزين العراقي، والصدر المناوي، وابن أبي البقاء السُبكي، والبرهان الإبناسي، والولوي ابن خلدون، والبرهان ابن (٣) نصر الله البغدادي، وعبد المنعم البغدادي الحنبلي، والشمس الديري، والعمادي، والمحبّ ابن (٤) هشام. ولازم بعد مشايخه المذكورين شيخ الإسلام أبا زُرعة وليّ الدين أحمد العراقي، وصحِبه أكثر من عشرين سنة ليلاً ونهاراً، وأخذ عنه جميع مصنّفاته، وكتب أكثر ذلك بخطه وقرأه أو سمعه إلى أن توفي شيخ الإسلام المذكور، فانقطع الوالد عن الناس في مسجده الذي بالشارع بجوار باب الأنسية وأقام به عشرين سنة لا يخرج منه إلّا لصلاة جنازة، أو عيادة مريض، أو دخول إلى منزل سكنه، أو غرض أخروي، لا يدخل في المدّة المذكورة سوقاً ولا يبتاع منه حاجة، ولا يتردّد إلى أحدٍ من أهل الدنيا بسبب دنياهم، وربّما تردّد إليه الكبير منهم، ملازماً لإشغال الناس بالعلوم الشرعية والعقلية والقراءات (٥) الشريفة، والإصلاح بين الناس، مع مزيد بِرّ وصدقات وإحسان حتى للأغنياء. ولم يقبل وظيفة من وظائف الفقهاء ولا شيئاً من مَبرّات أهل الدنيا من ديوان من دواوينهم. وكان كثير الصيام جدّاً، ويقرأ

стр. 250

في كل يوم ختمة على الدوام، كثير التهجّد، ولا زال على ذلك حتى عرض له مزمن الإسهال فأقام به نحو السنة. ثم توفي -رحمه الله تعالى - في يوم الإثنين الخامس عشرين من شهر رجب الفرد سنة خمس (١) وأربعين وثمانمائة. ودُفن في صبيحة ذلك اليوم بتربة صهره والد زوجته السيد الشريف شهاب الدين البسطي الحسيني بالقرافة بجوار مقام الإمام الأعظم الشافعي، وكان له مشهد من أعظم المشاهد المعدودة لم يتخلّف عنه أحد من مشايخ الإسلام وقضاة القضاة المتّصلين والمنفصلين وعلماء البلدة من المذاهب الأربعة (٢)، والطلبة، وأرباب المناصب، والولايات، ومن سائر طوائف المسلمين. عامَله الله برحمته وعنايته، وجمع بيني وبينه في دار إحسانه وكرامته. انتهى كلام ولده فيه. وكنت أنا قد سألت ولده المذكور أن يوقفني على ترجمته وترجمة نفسه وإخوته أيضاً. وكان الموجب لذلك أنني رأيت في "تاريخ" (٣) البدر العيني، ﵀، ترجمة المحبّ هذا بأنْ ذكر فيه ما هذا نصّه: "وفيها في يوم الإثنين ثالث عشرين رجب مات الشيخ محبّ الدين بن الأوجاقي الشافعي". ثم وصفه بالخيّر والديّن، واعتقاد الناس له، ولم يذكر اسمه ولا اسم أبيه وجده. ثم رأيت في "تاريخ" (٤) ابن تغري (٥) بردي أيضاً ما نصّه: "وتوفي الشيخ محبّ الدين بن الأوجاقي الحنفي"، وذكر التاريخ الذي ذكره الشيخ بدر الدين العيني بعينه، فكأنه نقل منه، ثم ترجمه مختصراً. أقول: وقد وهِم كِلاهما في تاريخ وفاته على ما هو ظاهر، فإنّ ولده أضبط. ووهم ابن (٦) ثغري بردي في مذهبه أيضاً، وما علمت من أين جاءه (٧) هذا الوهم البعيد، ولعلّه سبْق قلم، فإنه نقل ترجمته من تاريخ البدر العيني، ثم ما أمكنني أن أنقل عنهما، وأقتصر على ما ذكراه مع وجود ولده الشيخ تقيّ الدين المذكور مع صحبة بيننا، فسألته عن ذلك وعن نفسه وأخيه المُسند وغيره، فكتب إليّ ما ذكرته، وهو كلام ظاهر حق صدق. ثم ذكر لي أولاده الذين خلّفهم، فقال:

стр. 251

أولاده الثلاثة الذكور الذين توفي عنهم، أمّهم السيدة الكبرى الشريفة خديجة ابنة السيد الشريف أحمد المذكور، تغمّدهم الله برحمته. - • أولهم سيدنا الشيخ المسند المعمَّر رضيّ الدين أبو عبد الله محمد. مولده: أول سنة ثمانمائة، أو قبل ذلك بقليل، سمع مع والده، تغمّدهم الله تعالى، ترجمته كثيراً، وقرأ على شيخ الإسلام الولوي العراقي، وعلى رفقته قضاة القضاة بعصره عرْضاً. وحضر دروس الولوي، وسمع من العلّامة المسنِد ابن (١) الكوَيك، ومن خاله قاضي القضاة الحنبلي ومن غيرهم ممن هو مسمَّى في ثبته. وأجاز له في ضمن إجازة والده الشيخ العلّامة محمد بن عبد الله بن ظَهيرة في مكة المشرّفة، والحافظ زين الدين المراغي، والمسندة رُقيّة ابنة مزروع وغيرها من المدينة الشريفة، وصار الآن مسند الديار المصرية، وتفرّد بأشياء، أحياه الله الحياة الطيّبة. انتهى كلامه في أخيه الأكبر. أقول: وحجّ هذا الأخ هو وأخوه الشيخ تقيّ الدين أيضاً في سنة أربعين، كان الوالد أمير المحمل، وهي سنة أربعين، وكان يتأنّس به الوالد في طريقه فتعارفا وكان بينهما محبّة أكيدة. قال الشيخ تقيّ الدين المذكور: كنت في تلك السنة مع أخي، وكمان يجيء إليه الوالد الأمير غرس الدين وهو راكب فيتحادثان ثم يلتفت إليّ ويمازحني بالكلام، فكنت من كثرة حيائي منه أُطرق إجلالاً له ولصغر سنّي، فإذا تولّى يقول لي الأخ: الأمير يحادثك ويكلّمك ولا تردّ عليه، فأعتذر بالحياء، ثم صار بيننا صحبة بعد ذلك. (ترجمة التقي الأوجاقي) (٢) ثم إن الشيخ تقيّ الدين ترجم الأخ الثاني وهو شهاب الدين أحمد بترجمة مختصَرة، وسنذكرها في محلّها في سنة وفاته إن شاء الله تعالى في سنة اثنتين (٣) وستين. وأمّا هو فترجم نفسه بهذه العبارة فقال حفظه الله تعالى وكلأه، وبعين عنايته رعاه. - • الثالث من أولاده وهو آخرهم وجوداً، الفقير الحقير، المعترف بالعجز

стр. 252

والتقصير، والمعتذر عمّا لا يخفى على الخبير، راجي رحمة ربه الحَكَم العدل، عبد الرحيم محمد المكنّى بأبي الفضل، ولم يذكر لقبه حياءً منه وأدباً، فإنه من أهل ذلك، حفظه الله تعالى. وقد عرفت من أثناء كلامنا أنه - سلّمه الله تعالى - تلقّب بتقيّ الدين، وهو من نوادر ألقاب محمد أيضاً، واسمه المركّب من عبد الرحيم ومحمد من نوادر الأسماء بهذه البلاد، وهو أيضاً من نوادر الناس، ذو (١) فضل كبير، وعلم غزير، ودين وخير، وسكون وتُؤَدَة، وأدب وحشمة، وتواضع وحُسن سمت، ومحاضرة ومذاكرة ومعاشرة، عارف بأخبار الناس، لا يُملّ منه ولا يُرغَب عنه، منطرح النفس، عديم التكلّف. وكان شيخنا الشيخ نجم الدين القَرْمي كثيراً ما يُثني عليه ويصفه بغزير الفضل والعلم والذكاء والفطنة. قال حفظه الله تعالى بعدما ذكر ما قلناه ونقلناه عنه أعلاه: مولده في منزل والده بدرب جدّه بشارع القاهرة المحروسة قُبيل التسبيح في ليلة الإثنين المسفر صباحها عن سادس عشر صفر سنة خمس (٢) وعشرين وثمانمائة. قال - أعني التقيّ المذكور -: كذا رأيته بخط الوالد - تغمّده الله برحمته - ثم قال عن نفسه: حضر عند والده كثيراً، ثم سمع منه وعليه، وقرأ عليه بنفسه كثيراً، ولازم دروسه في العلوم الشرعية والعقلية إلى حين انقطاعه بسبب ضعف موته، وأجازه قبل، وأحضر له إلى المنزل المذكور بسبب وليمة الولادة مشايخ الإسلام: الولوي العراقي، والزين التفهني، وغيرهم، وأجازوا له جميع مرويّاتهم وما لهم من تصنيف وتآليف، وأحضر له المسند العلّامة مُلحِق الأصاغر بالأكابر زين الدين أبا ذَرّ عبد الرحمن الزركشي الحنبلي آخر أصحاب البياتي صاحب الفخري البخاري إلى مسجده، فأسمعه عليه الكثير من "صحيح" الإمام مسلم غير مرة، وأجاز له جميع ما يجوز له روايته، وأسمعه من شيخ الإسلام شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني قاضي القضاة بالديار المصرية المسلَسَل بالأوليّة سنة أربع وأربعين إلى وفاته، تغمّده الله برحمته. وسمع بقراءته عليه مشايخ الإسلام: العلاء القلقشندي، وابن القطّان، (والشمس بن حسّان، والبرهان بن جعفر، والسراج العبّادي، والتقيّ القلقشندي) (٣) وغيرهم. ثم قرأ بنفسه، وسمع على المشايخ المذكورين في الأبيات التي نظمها إجازة للمقرّ الأشرف الكريم العالي

стр. 253

المسمّى تاني بك قرا عين الأمراء المقدَّمين بالديار المصرية لما قرأ عليه من "صحيح" الإمام البخاري في أواخر سنة ست وثمانين وثمانمائة. انتهى. أقول: والأبيات المذكورة طويلة جدّاً قد كتبها لي بخطّه، وهي فوق الأربعين بيتاً أو نحو الخمسين، وأولها هذا: ألا بعد حمدي الله في الوِرْد والصدر … وشكري له والفوز للعبد إنْ شَكَرْ أجازأبو الفضل الوشَاقي محمد … عبد الرحيم الشافعي وقد اشتهر بسِبط الشريف السبطي السيد أحمد … لسيدنا تاني بك قرا الأشرف المَقر رواية ما أرويه عمّن أجاز لي … وما لي من جَمْعٍ ونظمٍ وما انتثر ثم أخذ يذكر مقدار ما أقرأه لتانِبَك المذكور من "البخاري"، ثم ذكر مولده ثم مشايخه إلى أن فرغ من عدّتهم، ثم قال: فأكرم بهم من أربعين أئمّة … تراهم نجوماً والعراقي كالقمر قرأت عليهم أو سمعت لما قرئ … وخاض بهم إلّا العراقي للصغر فمن جملة من ذكر في الأبيات من المشايخ والده، والولي العراقي، والحافظ ابن (١) حجر، والسعد بن الديري، والبدر العيني، والشمس البساطي، والبدر التنيسي، والشمس القاياتي، والعَلَم البُلقيني، والشرف المناوي، والجلال المحلّي، والأمين الأقصرائي، والتقيّ الشُمُنّي، والعزّ عبد السلام البغدادي، وآخرين إلى تمام الأربعين. ثم ذكر قصيدة أخرى فيها طول. فقال من نظمه في آخر عُمره وسمّاها "شكري الحال قرب الارتحال"، فلنذكر نموذجاً منها، فمن ذلك قوله: يا ربّ حلّ مشيبي والشبابُ مضى … والجسمُ منّي وهَى والعظْمُ في وَهَنْ والعيشُ بدَّلَ بعد الصفْولي كَدَراً … والقلبُ بعد سرور عاد في حزن وقد تبدّلت الأعضاءُ من زمنٍ … مضى بقوّتها ضعفاً من الزمن وهمّتي نقصتْ والهمُّ زاد وقد … تصرّم العُمُرُ بالأيام والمِحَن والقلبُ من شَرك الأهواء مُرتبِك … والنفسُ مُنقادة للغَيّ والدخَن وللممات رسولٌ لجَّ في طلبي … يريد نقلي إلى الأجداث من وطَن ومنها: هل عاقلٌ هذه أحوالُ لسَفْرته … يرجو السلامةَ من هولٍ ومن مِحَن

стр. 254

وليس لي عمل يرجى النجاةَ سوى … رجاء رحماك يا مولاي والمنن ومنها: وارحم مَبيتي على فرشِ الفَنَاء إذا … قام الأنينُ مقام المنطق اللسن وارحم منازعتي للروح منتزعاً … ربّي وكن لي إذا أُدرِجتُ في كفنِ وارحَمْ تنكُّس رأس في النزول إلى … قبر أعوضه عن واسع السكنِ وارحمْ تعفّر وجهي في التراب إذا … أُودِعتُ لحداً وسُدَّ البابُ باللّبِنِ وارحم مُلازمتي بيتَ النبلاء إذا … عُوِّضتُ عن ناعم المفروش بالخشن وارحمْ تمزُّقَ أوصالي إذا غَدَتْ (١) … منّي العظامُ لنهش الدودِ والعفنِ ومنها: واقبل بوجهك لي ربّي لمسكنتي … تفضّلا وعذاب النار ذب قرني وهي طويلة نحو الأربعين بيتاً، أو هي. ثم كتب في آخرها: وبالجملة والتفصيل فليس لكتابته خبر يخبر، ولا قدر يذكر. أعتق الله من الجحيم شيبته، وأغدق في النعيم سنينه، وبصّره عيب نفسه، وجعل يومه خيراً من أمسه، وكفاه شرّ أبناء جنسه، وأعانه على حلول رمسه. إلى هنا انتهى كلام الشيخ تقيّ الدين المذكور. وإنّما طوّلت في هذه الترجمة لأنها تتضمّن عدّة تراجم، ولأن محبّة الآباء وصحبتهم قبلة في الأبناء، فقد كان الوالد، ﵀، محبّاً لابنه وأخيه، بل وله. وبيننا نحن أيضاً محبّة وصحبة وتودّد بالسلام وحُسن الملتَقى، على أنّنا تركنا كثيراً من الأبيات خوفاً من الإطناب، وإلّا فهو أهل لأن يطنب في حقّه لخيره ودينه وفضله، عامله الله بلطفه الجميل، وعمّه بجوده وكرمه الجزيل، حفظه وأبقاه وعلّاه ورقّاه، وأدام بقاه. (ترجمة الآثاري) (٢) ٥٠ - محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق بن عيسى بن عبد المنعم بن عمران بن حجّاج الأنصاري، السفطي (٣)، القاهري، المصري، الآثاري، الشافعي. الشيخ ضياء الدين ابن (٤) شيخ الآثار النبوية الشيخ صدر الدين.

стр. 255

ولد في سنة سبع وثمانين وسبعمائة. ونشأ نشأة حسنة تحت كنف أبيه في صيانة وديانة وعفّة وأمانة وخير، مشتغلاً بالعلم، وأخذ عن جماعة من علماء تلك الطبقة، وظهر فضله. وكان والده شيخ المكان المعروف بالآثار الذي أنشأه الصاحب ابن (١) حِنّا، وهو مشهور مذكور يحتاج إلى بيانه لشهرته، وهو من أنزه أمكنة مصر معبد حسن عليه رونق أكثر فيه الشعراء ممن تقدّم وتأخّر، بل وشعراء العصر (٢) هذا. ولما توفي والده تقرّر هو في مشيخة هذا المكان، ولا زالت بيده فوق الثلاثين سنة. وكان بشوش الوجه، حسن الملتقى، كثير البِشر. وكان إذا توجّه إنسان ممن له وجاهة أو غيره لزيارة الآثار النبوية والتنزّه هناك أنس به وحاضره المحاضرة الجيّدة. توفي في ذي القعدة. وولي المشيخة بعده محمد بن أحمد بن محمد الآثاري. لعلّ تجيء ترجمته فيما بعد إن شاء الله تعالى. ٥١ - وبهذا المعبد الآن شيخ به وخطيب (٣) الشيخ الفاضل البارع الكامل القاضي وليّ الدين أحمد بن محمد بن عمر البارنباري الآثاري. كان أولاً في المكان من صوفيّته، ثم وُلّي المشيخة بعد ذلك عن أبيه، وهو ذات حسنة، له سمت حسن وتؤدة وحُسن ملتقى، وله به علم وفضل، وهو من أعيان الفضلاء ونواب الحكم الشافعي، ومن الأخِصّاء لدى الشيخ الإمام شيخ الإسلام، قاضي القضاة، الشيخ شرف الدين زكريّا الأنصاري، وممن أخذ عنه وحضر دروسه، بل ولازمه، وقد ولّاه قضاء دمياط في هذه الأيام التي هي من شهر رمضان سنة ثمان (٤) وثمانين وثمانمائة، وخرج إليها في شوال. ولقاضي القضاة المذكور به مزيد الاعتناء لكونه من طلبته وجماعته وممن ينتمي إليه. ولعلّنا نترجمه فيما بعد بأوسع من هذا إن شاء الله تعالى. (ترجمة البَالسي المسنِد) (٥) ٥٢ - محمد بن محمود بن محمد بن [أبي] الحسين بن محمد بن أبي الحسين البالسي (٦) الأصل، الرِبعي، القاهري، الشافعي.

стр. 256

الشيخ شمس الدين، المسنِد العالي السند. ولد سنة أربع وخمسين وسبعمائة. ونشأ في عزّ ورياسة، مشتغلاً بالعلم، لكنه لم يَنْجَب ولا تمهّر في ذلك. وكان صهر الشيخ الإمام شيخ الإسلام سراج الدين ابن (١) الملقّن على ابنته، وكان معدوداً من رؤساء القاهرة المشار إليهم، وبيده عدّة وظائف دينية ما بين أطلاب ومباشرات وشهادات وغير ذلك بعدّة أماكن. وناب في الحكم عن الشافعي بعدّة بلاد، وسمع الحديث من جماعة وعليهم، وأكثر من ذلك على السراج ابن (٢) الملقّن وغيره. وكان السراج قد اعتنى به فاستجاز له في شوال سنة سبعين وسبعمائة، وله إذ ذلك نحو الستة عشر سنة. فمّمن أجاز له: عمر بن أميلة، والشهاب بن السيف، والصلاح ابن (٣) أبي عمر، والشهاب ابن المهندس، والبدر بن هلال، وغيرهم من مُسنِدي الشام من أصحاب الفخر بن البخاري، ومنهم: زينب بنت القاسم، وآخرون من غير أصحاب الفخر. ولما ظهرت هذه الإجازة حدّث في أواخر عمره عن المذكورين وغيرهم، ولم تطُل مدّته. وتوفي ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من صفر. وقد جاوز التسعين، وهو صحيح السمع والبصر، سالم الأسنان لم يسقط له منها ولا السنّ الواحد، ويكاد أن يُعدّ ذلك من النوادر لا سيما بهذه البلاد الحارّة الموجبة بقدرة الله تعالى لأضداد ما ذكرناه. فسبحان الله صاحب القدر [ة] المحيّرة لبعض عقول البشر. ٥٣ - محمد البُصْرَوي (٤). القاضي ناصر الدين. لم أقف على تاريخ مولده، ولم يذكره أحد لأذكره، أعني مولده، وعلمت أنه كان تولّى قضاء القدس الشافعية في الدولة الأشرفية البَرسْبائية، وصُرف عنها في دولة الظاهر جقمق. وكان حشماً، كثير الوقار، ذا رياسة كبيرة وعراقة وشهامة، ولديه فضيلة، وله علم.

стр. 257

وقال الحافظ ابن حجر (١) لما وصفه: قليل البضاعة في العلم، لكنّه ذكر رياسته، وأنه تولّى كتابة السرّ في دمشق في إمرة نَوروز الحافظى. توفي في هذه السنة بغزّة، ولم أقف على شهر وفاته (٢) ولا مقدار سنّه حتى أذكر ذلك، ولا ذكَرهما الحافظ ابن (٣) حجر، ولا تلميذه الحافظ السخاوي، بل ولا ذكروا نسبه (٤). ثم وقفت على هامش بعض التواريخ عند ذِكلر وفاته فوجدت من ذكرها في ثاني عشر صفر ونسب ذلك للحافظ السخاوي. ٥٤ - محمد البُرُلُّسي (٥)، ناصر الدين. أحد أعيان موقّعي الدَّست، أقام على ذلك فوق الأربعين سنة، وكان بيده أيضاً توقيع الخليفة المعتضد باللَّه، وكان عارفاً بصناعته، ذا خط حسن، وكانت مكاتبات الخليفة المذكورة ترد إلى الوالد بخطّه، وهي عندنا إلى الآن بعبارات رائعة، ومعانٍ متناسقة فائقة، وأظنّه وقّع لأخي الخليفة أيضاً أمير المؤمنين المستكفي باللَّه بعد ولايته الخلافة، وكان يوقّع للجمال ابن (٦) كاتب جَكم أيضاً. ولم أقف له أيضاً على تاريخ مولد، ولا شهر وفاة، ولا ذكر الحافظ ابن (٧) حجر ولا تلميذه أيضاً ذلك، وإنّما أعرف أنه توفي في هذه السنة. (ترجمة الفالي) (٨) ٥٥ - مُكرَّم بن إبراهيم بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى بن مكرم الفالي (٩) الشيرازي، الشافعي. الشيخ سراج الدين، أبو المكرّم. ولد بفالة من أعمال شيراز، وبينهما عشرة مراحل في سنة ٧٦٦. ونشأ مشتغلاً بالعلم، وأخذ عن جمع جمّ من علماء عصره، وكان من بيت

стр. 258

"العلم والجلالة في الأصل، وبرع ومهر، وفاق في العربية، وله فيها مصنّف جيّد كنت وقفت عليه بدمشق في سنة خمس وستين مع بعض فضلاء العجم من أهل شيراز قدم إليها حاجّاً، واسمه عبد العزيز بن عبد الحق، وكان يصف الشيخ بالعلم الغزير والفضل الكبير، وأخذ العربية عن أخيه الأكبر جلال الدين يحيى، وسمع الحديث على الشرف الجرمي وكان مشتغلاً به في غالب أوقاته مع تصدّيه للفتوى والتدريس والقضاء، وانتفع به كثير من الناس وتخرّج به الأفاضل. توفي في أحد (١) الجمادين. ذكره الحافظ السخاوي في "تاريخه" (٢) وذكر أنّ حفيده العلاء محمد بن العزّ إبراهيم ممن أخذ عنه ودعا له بأحسن الله إليه. ثم وصفه بأنه نِعم الرجل.

стр. 259

سنة ست وأربعين وثمانمائة [خليفة الإسلام] استهلّت هذه السنة وخليفة الإسلام بمصر والشام عبد الله، ووليّه، الإمام الأعظم، والخليفة المكرّم، أمير المؤمنين المستكفي باللَّه أبي الربيع سليمان ابن (١) أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عبد الله محمد ابن (٢) أمير المؤمنين المستكفي باللَّه أبي الربيع سليمان العباسي، المصري. وقد عرفت بقيّة نسبه الشريف في ترجمة أخيه. وستأتي ترجمته هو في محلّها من هذا التعليق إن شاء الله تعالى. وقد وافق هذا الخليفة جدّه في الاسم والكنية واللقب للاسم واللقب بالخلافة، فلعل هذا من النوادر. [السلطان والملوك والأمراء] وأمّا بقيّة الملوك من السلطان وغالب ما ذكرنا من ملوك الإسلام، وأمرائهم، وقُضاتهم، ووُلاة أمورهم بمصر والشام والحجاز، وما ذكرنا من بلاد الإسلام شرقاً وغرباً الجميع على حالهم في ممالكهم وولاياتهم ببلادهم على ما بيّناه في السنة التي قبلها. [ملك اليمن] ما عدا صاحب اليمن، فإنه في هذه السنة الملك المظفّر يوسف بن عمر بن الأشرف إسماعيل بن العباس. [أمير مكة] وما عدا أمير مكة، فإنه في هذه السنة علي بن حسن بن عجلان على ما عرفته في متجدّدات الخالية.

стр. 260

[بقية الأمراء] وما عدا الأستاذ بمصر فإنه في هذه السنة الأمير زين الدين عبد الرحمن بن علم الدين بن الكُوَيز. وما عدا نائب الإسكندرية، فإنه في هذه السنة الأمير شهاب الدين أحمد بن علي بن إينال. وستأتي تراجم كل من ذكرنا من هؤلاء في محلّها إن شاء الله تعالى. [شهر المحرَّم] ذِكر نُبَذٍ (١) من المتجدّدات اليومية في هذه السنة القمريّة كان أول هذه السنة يوم السبت، ووافق ثاني بشنس من شهور القِبط، وثامن عشرين نيسان من شهور الروم، وثامن عشرين إبريل من شهور الفُرس. [التهنئة بالعام الجديد] ففيها في أول يوم من المحرّم منها طلع القضاة والمشايخ والأعيان ممن له عادة الطلوع إلى القلعة لتهنئة السلطان بالعام والشهر. (الأمر بإصلاح الطرقات) (٢) ووقع منه بعض كلام في أمر الطرقات وتنظيفها وقطع أراضيها لإصلاحها، فأجيب بجوازه إذا لم يضرّ وكان فيه النفع. وفيه في يوم الأحد ثانيه أمر السلطان والي الشرطة بإصلاح الطرقات بأن ينادى من قِبَله بتنظيفها بعد قطع أراضيها لإصلاحها، فألزم الوالي أصحاب الحوانيت والدُّور كل بقطع ما حدّه له من أمام داره وحانوته. وبقي الفعلة يقطعون والحمّارة تشيل ما يقطع شيئاً فشيئاً، وغاب الكثير من أهل الدُّور والحوانيت خوفاً على أنفسهم من الضرب والبهدلة، لا سيما الفقراء، وبقي غالب الناس في هذا اليوم في غاية النكد ممن له تعلّق بذلك، ومن لا تعلّق له أيضاً لازدحام الناس لأجل الفَعَلَة والعمال في ذلك من حمّارة وغيرهم بواسطة القطع، وحمل ما يقطع لرميه بالكيمان، وحصل للمارّة في هذا اليوم وفيما بعده غاية النكد والتشويش، فإن من غاب بقي ما يتعلّق به من الأرض المستطرقة أمام داره أو

стр. 261

حانوته بغير قطع، فتوعّرت الطرقات بسبب ذلك، وقاسى الخلق من المازة بسبب ذلك غاية الضرر الذي ما عنه مزيد، لا سيما من يمشي ليلاً، وخصوصاً ضعفاء البصر والشيوخ (١). (التنبيه على ما فعله يشبُك من الهدم وقطع الطرقات) (٢) أقول: وقد جرى مثل ذلك في زمننا هذا في سنة أربعٍ وخمسٍ وثمانين (٣)، بل وفي التي قبلهما، وتمادى الأمر على ذلك في أيام يشبُك من مهدي الدودار حين ألزم الناس بإصلاح الطرقات وتوسعتها، وهدم الكثير مما أحدث أولم يحدث بالطرقات، فكان الهدم ودام ذلك مدّة، وحصل للمارّة الضرر والتشويش بسبب ذلك، وعطب كثير من الناس، وكُسرت جُمان مُحمّلة لكنّه داوم على ذلك، وقام فيه القيام التام، وبقي إذا غاب الواحد ممن له تعلّق نظف من ماله، ثم أخذه منه بعد ذلك ظنّاً منه أن ذلك حقّاً لازماً للغائب حتى أصلح عامّة الشوارع والطرقا [ت]، ووسّعها وهدم الكثير من الدُّور والحوانيت بحق وبغير حق، لكن فيما يظهر لي أن الذي بالحق أكبر، ولقد حصل بذلك للمارّة بعد ذلك غاية الراحة. ولقد كشف بسبب الكثير من ذلك غمّة عظيمة، وسيأتي الكلام على ذلك في سِنيّ فعله بأتمّ من هذا إن شاء الله تعالى. (ختم كنيسة النصارى الملكيّين) (٤) وفيه أعني هذا اليوم بعينه ختم على كنيسة النصارى الملكيّين لما وجد بداخلها بعد أن كُشف أعمدة من الحجر الكيران النحيت، وبعض أكناف متجدّدة، وسُئلوا عن ذلك، فأخبروا أن بيدهم مستندات بذلك، فطُولبوا بها، فسوّفوا في إحضارها وتباطأوا في ذلك، فختمت بواسطة الشيخ العلّامة أمين الدين الأُقصُرائي على ما عرفت ذلك في الخالية (٥). [الكشف عن دار لليهود] وفيه كُشف في حارة زويلة عن دار لبعض اليهود كان عيناً منهم وحَبْراً لهم على

стр. 262

زعمهم، وكانوا يجتمعون عنده فيها للاشتغال بأمور دينهم، ثم جعلها مجلسه لمثل ذلك، وآل الأمر إلى أن جُعلت في حكم الكنيسة، فرُفع عنهم أنهم أحدثوا كنيسة، فكان ما ذكرناه من الكشف، وأمروا أن لا يجتمعوا بها، وأن تؤخّر الدار للسُكنى، ثم آل أمرها أنْ ثبت أنها لجهة بيت المال لأن اليهود أحدثوها كنيسة، وثبت ذلك على بعض نواب الحكم الحنفي، وأن لا حقّ لليهود في رقبتها، فحكم بها لبيت المال (١). [الأمر بإبطال إصلاح الطرقات] وفيه في يوم الأحد ثالثه أبطل السلطان ما كان أمر به من إصلاح الطرقات لما رُفع إليه أن الكثير من الناس قد هربوا، لا سيما من لا شيء له، وحصل بذلك الضرر بواسطة طلب الوالي، إلى غير ذلك. ولعلّه أشير إليه بأن ذلك ليس بشرعي، إذ الطرقات العامة لا دخْل لصاحبي الأملاك فيما يتعلّق بها، ولا ملْك لهم عليها، ولا يلزمهم مؤنها. ولما أبطل ذلك بُنيت الطرقات موعدة بواسطة قطع بعضها وترك البعض، وقاسى الناس من ذلك الشدايد (٢). [الفتنة باليمن] وفيه في أوله أيضاً كانت الفتنة باليمن بأن ثارت المماليك السلطانية بها على المظفّر بزَبِيد، فخالفوه، وآل أمرهم إلى ما نذكره هاهنا قريباً (٣). [فراغ والد المؤلف من كتاب زبدة كشف الممالك] وفيه في يوم الثلاثاء رابعه بمَلَطْية فرغ الوالد من تصنيفه للكتاب الذي سمّاه "زبدة كلشف الممالك" (٤) اختصاراً من كتابه الكبير "كشف"، وكتبه قاضي مَلطْية القاضي محمد الحنفي، وهو كتاب جليل في فنّه في بيان ترتيب ملك مصر وأحواله وما يتعلّق بذلك. (سلطنة المفضَّل باليمن) (٥) وفيه في يوم الأربعاء، وكان خامسه باليمن أيضاً اتفق المماليك المتقدّم

стр. 263

ذكرهم على إقامة محمد بن عثمان بن الأفضل عباس بن علي بن داود سلطاناً، فبايعوه ولقّبوه بالمفضل أسد الدين، واستمرّ بزَبيد حتى وصل إليه العساكر من المظفّر صحبة القاضي شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن الصباحي والطواشي الخادم اختيار الدين محسن، ففرّ المماليك عن السلطان المذكور، فقُبض عليه وحُمل إلى بعض الحصون فأُدخل إليه، وكان آخر العهد به (١). ثم كان من أمر المماليك ما سنذكره قريباً إن شاء الله تعالى. [قضاء المالكية بالإسكندرية] وفيه في يوم السبت ثامنه أو تاسعه، استقلّ في قضاء المالكية بثغر الإسكندرية الشيخ شهاب الدين أحمد بن سعيد التونسي المغربي المالكي، وكان قد قدم من دمشق، واتفق وفاة الجمال الدماميني على ما أسلفناه فيما تقدّم، فوُلّي هذا عِوضه، وسار في القضاء سيرة حسنة، وحُمدت أحكامه وقضاياه على ما عرفت ذلك في ترجمة الدماميني (٢). ووهِمَ البدر العَيني (٣)، ﵀، لما ذكر هذه الولاية فسمّاه - أعني من تولّى -: يحيى ظنّاً منه بأنه العجيسي. (موت اليهودي من التعزير) (٤) وفيه في يوم الجمعة خامس عشره بالرؤية ثبت على قاضي القضاة الحنفي الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، سعد الدين ابن الديري [عـ]ــن يهود الكنيسة التي تقدّم ذِكرها في متجدّدات الخالية، وذكرنا أنـ[ـــه] وجد بها كتابة في منبرها وهي: "محمد" و"أحمد"، ثبت عنده أنهم كانوا يصعدون على المنبر ويطأون ذلك الخط بأقدامهم، فعزّر ثلاثة من اليهود الذين كانوا يباشرون ذلك بالدروس بعد أن أراد قطع يد أحدهم بنقل احتجّ به على ذلك، فأسلم واحد منهم من غير إكراهٍ باختياره ظاهراً، ومات الواحد من التعزير، ووعك الآخر ومات بعد أيام إلى حيث ألقت وإلى سعير وبئس المصير. والمسألة معلومة أن الإمام أو القاضي إذا عزّر فمات المعزَّر من ذلك فلا شيء عليه إذا لم يقصد إتلاف نفسه ولو كان مسلماً، فما ظنّك باليهوديّ (٥)؟

стр. 264

[تتبُّع الكنائس والكشف عليها] وفيه تُتُبِّعت الكنائس كلّها فوُجد بها عدّة قد جُدّدت بالأحجار الجديدة، فوقع الكلام في عدم جواز ذلك، وأنه لا يجوز أن يعاد إلّا بالمِثل لا بالجديد، وبالجملة فقد حصل بذلك أنكاد لليهود والنصارى - خذلهم الله تعالى - ونُقض الكثير مما تجرّأوا بإحداثه والناس عنهم غافلون، لكنْ حصل من ذلك لبعض أكلة الظَلَمة المعاش من تقويم اليهود والنصارى من أهل الذمّة، وحصل عليهم من الإهانة والذلّة، والصغار ما لا مزيد عليه. ثم كتب مراسيم سلطانية إلى سائر بلاد الإسلام من ملك مصر بتتبّع الكنائس والكشف عليها، وكانت هذه من أعظم المَهمّات وأولاها بالقيام فيها، وكان فيها إعلاء كلمة الله وذلّة أعدائه ونُصرة أوليائه (١). [تقدّم النصارى الملكية بمحضر القاضي بشأن كنيستهم] وفيه أحضر النصارى الملكية الذين تقدّم خبر (٢) ختْم كنيستهم محضراً بالإذن لهم بذلك بعد أن حُرقت في سنة ثلاثين وسبعمائة، وكان الحاكم إذ ذلك قاضي القضاة، شيخ الإسلام، الشيخ جلال الدين القزويني الشافعي، وهو صاحب "تلخيص المفتاح" ﵀، وكان قاضياً بمصر في الدولة الناصرية، وكان تاريخ المحضر سنة أربع وثلاثين، ووقع الفراغ في هذه القضية، وكبر وطال الأمر فيه، وأخذت ما آل إليه الحال في ذلك أن جميع ما حكم فيه الشافعي تكمل على مقتضى مذهبه، وما عدا ذلك يتولّى الحكم فيه قاضي القضاة. المالكي، وانفصل الحال على ذلك (٣). (أخْذ دار ابن (٤) سميح لبيت المال) (٥) وفيه في هذا اليوم أيضاً ثبت عند بعض القضاة أن داراً بحارة زويلة تعرف بدار ابن (٦) سميح كانت مرصَدة لتعليم أطفال اليهود وسُكنى لهم اتُخذِت كنيسة أحدثوها، وحكم بذلك، واتصل ذلك بقاضٍ آخر نفّذ فيه حكم هذا الحكم. ثم

стр. 265

ادّعى في هذا اليوم عند القاضي نور الدين البرتي أحد نواب الحكم الحنفي أن تلك الدار التي ثبت أن اليهود أحدثوها كنيسة لا حق لليهود في رقبتها، وأنها لجهة بيت المال، بحكم أن صاحبها ابن سميح المذكور لما هلك لم يترك ولداً ولا أسفل منه ولا عاصباً ولا من يحجب بيت المال عن استحقاقها سُفلاً وعُلواً، وثبت ذلك عنده وتكامل في السابع من الشهر ثاني يوم من هذه الدعوى، وسأل المدّعي بذلك القاضي نور الدين البرقي الإشهاد على نفسه بالثبوت والحكم باستحقاق الدار المذكورة لجهة بيت المال بجميع حقوقها ومرافقها داخلاً وخارجاً، عُلُواً وسُفلاً، وعلى العذر إليهم يرفع أيديهم عنها وتسليمها لبيت المال، فاستخار الحاكم المذكور الله تعالى في ذلك، وفعل ما يجب فِعله شرعاً، ثم سأل مستنيبه قاضي القضاة الحنفية، وشيخ الإسلام الشيخ سعد الدين بن الديري، ومن حضر من أهل العلم، وأجاب السائل المذكور إلى ما سأله وحكم به بعد أن أشهد عليه بثبوته، واستوفى جميع الشرائط في ذلك، وسُلّمت الدار لوكيل بيت المال، وكانت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السُّفْلى (١). [سفر إينال الأجرود للغزو من ساحل بولاق] وفيه في أواخره سافر الأمير إينال العلائي الأجرود المعيّن للغزو هو ومن معه من الأمراء والأجناد، وكان معهم جمع وافر من المطّوّعة، وخرجوا من ساحل بولادتى خروجاً هائلاً بأُبّهة زائدة مسلَّحين وعليهم آلة الحرب. وعُدّ ذلك اليوم من الأيام المشهودة (٢)، وكان منهم فيما بعد ما سنذكره إن شاء الله تعالى. [شهر صفر] (المقتلة بين بركات وعلي بجُدّة) (٣) وفيها في يوم الإثنين ثاني صفر، وصل السيد بركات بن حسن بن عَجلان

стр. 266

صاحب مكة كان إلى جُدّة فاستولى عليها، وبلغ الخبر على المتولّي بمكة فخرج إليه بجدّة وبالتُرك الذين بمكة ومعهم الأمير سودون المحمدي، فالتقيا ووقع بينهما حرب كسر فيه السيد بركات، وقُتل جمع عظيم، وقُطعت رؤوس (١) جماعة من قوّاده وغيرهم. وخرج فيها سُودون المحمدي باش التُرك، وتوجّه بركات لعدن. وعاد الشريف علي بعد أن طيف بالرؤوس (٢) التي قُطعت على الرماح بجدّة، ثم دُفنت مع أجسادها، وكان يوماً مهولاً وحرباً كبيراً (٣). (ولاية حميد الدين قضاء الشام) (٤) وفيه في يوم الإثنين تاسعه، استقرّ شيخنا الشيخ حميد الدين محمد بن تماج الدين أحمد البغدادي، النُعماني، الحنفي، في القضاء الحنفية بدمشق بعد صرف الشمس الصفدي (٥)، وهذه أول ولايات الحميد لقضاء دمشق، وسيأتي تكرّره في الولاية والعزل بعد ذلك على ما سنذكره في محالّه إن شاء الله تعالى (٦). [قضاء الإسكندرية] وفيه أيضاً استقر في القضاء بالإسكندرية شيخنا الشهاب أحمد بن سعيد التلمساني بحكم موت الجمال عبد الله بن (٧) الدماميني الماضي حرّر موته في الماضية. (ثوران الجُلْبان على الظاهر) (٨) وفيه، في نصفه، على ما قاله البدر العيني، ﵀، وسادس عشره على ما قاله الجمال ابن (٩) تغري بردي، ﵀، وقعت فتنة كبيرة من جُلبان

стр. 267

السلطان، وثب جماعة كبيرة منهم وطلعوا إلى أسطحة طباقهم ومعهم الحجارة والقسيّ والسهام النشاب، فأخذوا في رجم الداخل والخارج إلى القلعة ومنها، وأُفحشوا في ذلك، بحيث لم يقدر أحد في ذلك اليوم على المرور داخل القلعة، ومنعوا الأمراء وغيرهم من أعيان المباشرين وكبار المملكة من طلوعهم إلى الخِدم السلطانية وخرجوا عن الحدّ في إفحاشهم في ذلك. قال البدر العيني (١)، ﵀،: ثم كسروا زَرَدْ خاناه السلطان وأخذوا كل شيء فيها، وكان قيمته مبلغ عشرين ألف دينار. وقال ابن تغري بردي (٢): وكسروا باب الزَرَدخاناه السلطانية وأخذوا منها سلاحاً كثيراً، وضربوا جماعة عند باب الزردخاناه من أهلها، ووقع منهم أمور قبيحة في حق أستاذهم الملك الظاهر ولهجوا بخلعه، وتحرك من في قلبه مرض في ذلك اليوم، وتفتّحت الأعين بكائنة تحلّ بالسلطان. قال العيني (٣): فطلب السلطان الأمراء فطلعوا عنده فأمرهم بأن يركبوا على هؤلاء المماليك، فقالوا له: وهذا لا يكون وهم أكثر من ألفي نفس، وأيضاً فيه نقص في حق السلطان، فآخر الأمر تكلّم الأمراء معهم ولم يرجعوا وزاد الشرّ، وانقسموا فرقتين من فوق ومن أسفل، وقُتل جماعة من الخلق ثمانية من مماليك ابن (٤) السلطان محمد، وقُتل من خاصكيّته ثلاثة أنفس، ومن العوامّ فوق الثلاثين، وكان كاتب السرّ البارزي طُلب إلى القلعة، فلما طلع ضربه مملوكان منهم بالدبابيس حتى أشيع موته من كثرة ما حلَّ به وشدّته، فلم يصحّ تلك الإشاعة، وسلّمه الله تعالى، ثم نزل الأمراء من القلعة، وبقيت المماليك على حالهم، وامتنعوا عن القتال. ثم فعل مماليك الدوادار بأستاذهم كفعل مماليك السلطان. ثم فتر عزم السلطان عن قتال المماليك بعد أن همّ به، لعلّه شفق عليهم، أو خاف من أمرٍ يحدث، فاجتهد في تسكين المتحرّك، ولم يحرّك الساكن. ثم سكنت الفتنة بعد أمورٍ جرت بين السلطان والمماليك (٥).

стр. 268

(التنبيه على ما جرى مثل ذلك بعد ذلك) (١) أقول: وتشبه هذه الفتنة ويقرب منها في زمننا هذا عدّة فِتَن وقعت بعد ذلك، منها في زمن تأليفنا هذا التاريخ في هذه الأيام في دولة الأشرف قايتباي سلطان عصرنا هذا حين موت جانم قريبه أحد مقدّمي الألوف الذي كان يُعرف بناظر الجوالي. وكان السلطان أشهده وأظهره، ثم حدّثته نفسه بشيء يقال عنه، وأنه اتفق مع جمع جمّ على ما قيل عنه، وأن ذلك وصل إلى السلطان، وبلغه، فيقال إنه دسّ إليه من سقاه، أو شقي في دار يشبُك من مهدي الدوادار حين أضافه. وعقبت إضافته موت المذكور فلم تشُكّ الجُلبان أن يشبُك قتله، وثاروا بالقلعة وفعلوا أفعالاً شنيعة، واستعدّ بالفتك بيشبُك، وبلغ يشبُك ذلك فاستعد بمماليكه (٢)، وجرى ما سيأتي إيضاحه في محلّه إن شاء الله تعالى. وتشبه هذه الفتنة أيضاً الفتنة الكائنة في قضيّة بَرسْباي قَرا رأس نَوبة النُوَب في هذا القرب في سنة ثمانٍ (٣) وثمانين، وهي قريبة العهد مشهورة. وأراد السلطان الأشرف قايتباي قتال مماليكه مظهراً ذلك، وأظنّه من غير أن يريد ذلك، ثم أشير عليه بتسكين ذلك لئلّا تنفتح الأبواب، ففتر عزمه من تخويفهم، وبعث الأتابك أُزبَك بأن يفلّ الجمع الذي جمع عنده، وكان قد بعث إليه بذلك، فركب الأمراء من مقدّمي الألوف وغيرهم والقرانصة من الجند، وكثر الجمع لولا تلافي السلطان الأمر وإلّا لربّما كان أمراً يؤدّي إلى زوال السلطان، فيكون حاله في ذلك كحال الباحث عن حتفه بظلفه. وبلغني أن الذي خيله من ذلك وأشار عليه بالمبادرة لإبطاله هو البدر ابن (٤) مزهر كاتب السرّ (٥). وسيأتي تفصيل ذلك في محلّه من هذا التعليق في سنة ثمان وثمانين إن شاء الله. [شهر ربيع الأول] (قدوم مازي نائب الكَرك) (٦) وفيها في يوم الخميس عاشر ربيع الأول، قدم مازي نائب الكَرك وطلع إلى القلعة وخلع عليه باستمرار على عادته، وأنزلى بالميدان، وبعث إليه السلطان بجميع

стр. 269

ما عمل في المطبخ السلطاني في ذلك اليوم ومن الأسمطة. وكان مازي هذا وُلّي نيابة كرَك الشَوبك (عِوَضاً) (١) عن أقبُغا التركماني الذي وليها عن الوالد، وعن الوالد أخذ مازي هذه التقدمة التي كانت بيده في دمشق بعد أن استعفى الوالد منها بعد مدّة من هذا الزمان، على ما سيجيء ذلك في محلّه (٢). ويقال إن مازي هذا كان ذبّاحاً للآدميّين بين يدي الناصر فرج. وستأتي ترجمة مازي هذا وزيادة التعريف به في سنة وفاته من هذا التعليق. [تقدمة مازي للسلطان] وفيه في يوم الأحد ثالث عشره، قدم مازي المذكور للسلطان تقدمة هائلة، وكانت شيئاً بحيث استكثر ذلك، وُعدّت من نوادر تقادم نواب الكَرك في هذه الأعصار (٣). (كسر البحر في هذه السنة) (٤) وفيه في يوم الإثنين رابع عشره، كان الكسر للنيل عن الوفاء فنزل المقام الناصري محمد ولد السلطان وعدّى جزيرة الروضة وباشر تخليق المقياس، ثم عاد إلى السدّ ففُتح بحضوره، وصعِد القلعة وبين يديه جماعة من وجوه الدولة والأعيان، وأُلبس خلعة هائلة، ونزل إلى داره، وكان يوماً مشهوداً (٥). [الخازندارية الكبرى] وفيه في يوم الأحد عشرينه، استقر قَراجا الظاهري أحد مماليك السلطان في وظيفة الخازندارية الكبرى، وكان قبل ذلك من جملة الخازندارية الصغار، فنُقل إلى هذه عِوضاً عن قانِبَك الأبوبكري المعروف بالساقي (٦) بحكم صرفه عنها لابتلائه بمرض الجذام وظهوره به، عافانا الله من ذلك، فإنه داء عُضال لا سيما الصفراوي منه، وقد استعاذ منه رسول الله ﷺ ، نعوذ باللَّه منه.

стр. 270

وقد ذكر بعض العلماء أنه أسوأ الأمراض وأردأها وأقلّها بروءاً وأوداها وأنه هو الداء العُضال. وذكر الأطباء أنه إذا استحكمه، لا سيما البلغمي منه فإنه لا يبرأ. (ترجمة المحبّ أبي (١) الوليد ابن (٢) الشحنة والد قاضي القضاة محبّ الدين) (٣) ٥٦ - وفيه في هذا اليوم أيضاً استقرّ ابن الحاضري الحنفي في قضاء الحنفية بحلب، وصُرف ابن الشحنة، وكان إذ ذلك الشيخ الإمام، العالم، العلّامة، قاضي القضاة، وشيخ الشيوخ بالخانقاه الشيخونية الآن في زمننا هذا. - • الشيخ محبّ الدين، محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمود بن غازي بن أيوب بن محمود بن خلف الحلبي، الحنفي، أبو الوليد بن المحب، أبو الوليد أيضاً، المعروف بابن الشحنة الموجود الان في قيد الحياة بمصر (٤). والشحنة: بفتح الشين المعجَمة، والكسر غلط، مستعمل (٥). والشحنة هو الجدّ الأعلى محمود الأول كان شحنة حلب. وبنو (٦) الشحنة بيت رياسة وفضل وعراقة من قديم الزمان وإلى الآن. ووالده الشيخ محب الدين أبو الوليد كان من كبار العلماء ولد سنة ست وأربعين وسبعمائة. ونشأ مشتغلاً بالعلم، وأخذ عن كبار العلماء، ونبغ ومهر في فنون من العلم وطار صيته واشتهر، ووُلّي قضاء حلب، وجرى عليه أمور ومِحَن مشهورة في محالّها في ترجمته فلا نطيل بذِكرها وآل آمره أنْ وُلّي قضاء الديار المصرية وهو بدمشق، ثم لم يتنم له ذلك، (واللَّه الهادي للصواب، وإليه المرجع والمآب، رحم الله مؤلّفه آمين) (٧).

стр. 271

(١) سنة ثمانٍ وأربعين وثمانمائة [شهر المحرّم] استهلّت هذه السنة وجميع من ذكرنا في التي قبلها من الخليفة والسلطان، وغالب ملوك الإسلام وأمرائهم، وقضاتهم، وحكّامهم، ووُلاة أمورهم ومباشريهم على حالهم ببلادهم لم يبلغنا وفاة أحدٍ منهم شرقاً وغرباً، بل الجميع على ما هم عليه في الخالية، ما عدا ناظر الجيش فإنه في هذه السنة المحبّ ابن (٢) الأشقر، وما عدا نائب مَلَطْية فإنه في هذه السنة قِيز طوغان وليها عن الوالد على ما عرفتَ ذلك في المتجدّدات. ذِكر نُبَذ (٣) من المتجدّدات اليومية في هذه السنة القمريّة [التهنئة بالسنة] أول هذه السنة الإثنين، ففيها في هذا اليوم مستهلّ المحرّم طلع القضاة ومن له عادة بالطلوع إلى القلعة لتهنئة السلطان بالعام والشهر على العادة في ذلك. (ذِكر طاعون سنة ٨٤٨ هـ) (٤) وفيه في أوائله فشا الطاعون بمصر وبقي يتزايد في كل يوم إلى أن بلغ عدد الأموات في كل يوم فوق المائة والعشرين (٥) نفساً. هذا ما ضُبط في ديوان المواريث الحشرية حتى قيل إنه كان أكثر من المائتين بمن لا ترسم في الديوان، وأظنّ أنه كان أكثر من هذا أيضاً على ما قيل، فإن الموت كان أكثر ما يكون في الأطفال والرقيق، وغالب الأطفالى لا يرد الديوان وكذا الرقيق، فبالضرورة إنه فوق ما يدخل الديوان فلا شك أنه أكثر من الثلاثمائة، بل والأربعمائة على طريق الحزر والتخمين بالحدس العقلي، ولم يزل متزايداً مشتعلاً واشتدّ اشتعاله، وخصوصاً في العشر الأواخر من هذا

стр. 272

الشهر، لا سيما بعد دخول الحاج. ومات من أطفال الحاج ورقيقهم العدد الكبير حتى جاوز الموتى الألف في اليوم، واستمر إلى ما سنذكره (١). (قيام العبيد على المحتسب العجمي) (٢) وفيه في يوم الجمعة ثاني عشره، ركب الشيخ علي المحتسب العجمي وتوجّه إلى جهة بولاق، فكبس على المعاصر بها، فثار به العبيد وخرجوا عليه فرجموه رجماً ذريعاً كاد أن يهلك، ولولا فرّ (٣) بنفسه إلى منزل الكمال بن (٤) البارزي لكان قُتل منهم (٥). [التجريدة إلى رودس] وفيه، أعني هذا الشهر، عيّن السلطان تجريدة عظيمة لغزو رودس بعد أن اهتم بذلك غاية الاهتمام، وكان من أمرهم ما سنذكره ونذكر المعيّنين يوم خروجهم (٦). [إحضار المراكب من دمياط] وفيه في هذه الأيام توجّه طائفة كبيرة بأمر السلطان لإحضار المراكب من ثغر دمياط إلى الإسكندرية وينتظرون بها توجّه العساكر إليهم للسفر من الإسكندرية (٧). [الخروج لغزوة رودس] وفيه في يوم الإثنين ثاني عشرينه - على ما ذكره الحافظ ابن (٨) حجر (٩) - خرج الأمير إينال العلائي الأجرود.

стр. 273

ومن عُيّن معه لغزاة رودس. ولعلّ ذلك سهو، فإنه إنّما خرج في ربيع الأول كما سيأتي ذلك، أو هذا هو الوهم، وما ذكره الحافظ هو الواقع. واللَّه أعلم. [شهر صفر] [نظر الأوقاف] وفيها في يوم الخميس ثاني صفر، استقرّ في نظر الأوقاف إبراهيم بن ظهير بعد صرف العلاء بن أقبرس عنها. [هبوب ريح ونزول مطر] وفيه في يوم الجمعة ثالثه، بعد أن صلّى الناس الجمعة هبّت ريح ونزل مطر وكان يسيراً بغير رعد، لكنْ قويت الريح بعد ذلك وعصفت وحملت أبخرة كثيرة عمّت الأفق وغمّت، ثم سكن المطر والريح في الحال، فأصبح الناس يتحدّثون بأنّ الطاعون قد خفّ عمّا كان وتناقص جدّاً للَّه الحمد (١). [مرض الحافظ ابن حجر] وفيه في ليلة الأحد خامسه، وَعَكَ الحافظ ابن حجر، ﵀، بوجع تحت إبطه، ثم تمادى به ذلك أياماً إلى عاشر هذا الشهر، ثم ظهر به طلوع تحت إبطه، وجرى (٢) ذلك مقدار الخوخة اللطيفة على ما ذكره هو عن نفسه في "تاريخه" (٣)، ثم آل الأمر إلى ضمور والعافية منه مع تجلّده على ذلك وعدم إظهاره. [تناقص الطاعون] وفيه تناقص الطاعون تناقصاً ظاهراً جداً حتى بلغ العشرين والثلاثين بعد أن كان قد زاد على الألف في اليوم (٤). [نفي كسباي الشِشْماني] وفيه في يوم الثلاثاء حادي عشرينه، غضب السلطان على كُسْباي الششْماني المؤيَّدي أحد الدوادارية الصغار فنفاه.

стр. 274

قال بعضهم لما ذكر ذلك: وعُدّ ذلك من الأشياء التي وضعها السلطان في محلّها لسوء سيرته وقُبح فعاله (١). انتهى. [نفي المملوك شاهين] وفيها نفي شاهين أحد مماليك السلطان أيضاً (٢). [شهر ربيع الأول] [ثبوت أول الشهر] وفيها ثبت أول ربيع الأول بالرؤية الواضحة في ليلة الخميس بالخميس، ووافق ذلك الرابع والعشرين من بؤونة (٣) من شهور القِبط. [نفي أميراخور] وفيه في يوم الجمعة ثانيه، ووهِم من قال أوله، نفى السلطان يونس أميراخور (٤). [تفقّد المقياس] وفيه تفقد ابن أبي الرذاذ المقياس واختبره، وأخبر بأن القاعدة جاءت ستة أذرُع وأربعة عشر إصبعاً (٥). [البشارة بالنيل] وفيه في يوم السبت ثالثه، وهو الثامن والعشرون (٦) من بؤونة (٧) من شهور القِبط بُشر بالنيل المبارك ونودي عليه في يوم الأحد رابعه (٨).

стр. 275

[رخاء الأسعار بالحجاز] وفيه وصل هجّان من الحجاز لأمرٍ من الأمور وأخبر برخاء الأسعار وكثرة الخير هناك (١). [اِرتفاع الطاعون] وفيه ارتفع الطاعون بالقاهرة كأنه لم يكن، وبقي بالضواحي متزيداً، ثم خفّ بعد قليل أيضاً (٢). [خروج العسكر لرودس] وفيه، في يوم السبت سابع عشره - وقال ابن (٣) تغري بردي (٤) -: سادس عشره خرج الأمير إينال العلائي الأجرود مقدَّم العسكر الغازي لرودس، وكان معه من الأمراء على ما ذكره ابن (٥) تغري بردي المذكور الأمير يِلخُجا من مامن الساقي أحد الطبلخانات، وتغري بَرْمَش الزَرَدكاش، وتغري بَرْمَش الفقيه، ولعلّ هؤلاء كذلك (٦)، وعندي نظر في خروجهم في هذا اليوم، فإن الحافظ ابن (٧) حجر أثبته في اليوم الذي قدّمنا ذِكره قريباً في محرّم، قال: وسُودون الإينالي المؤيَّدي قراقاس (٨)، وتمربُغا الظاهري جقمق، ونوكار الناصري، وهؤلاء أيضاً لعلّهم كذلك. ثم قال: وتمراز النوروزي المعروف بتعريص (٩)، وفي هذا نظر، فإننا ذكرنا وفاته في الخالية، فلعلّ اشتبه عليه أو على من ذكر وفاته في الخالية، ولم أشتغل بتحرير هذا وما قبله لأنّني في شك منه، أو الظاهر ما قدّمناه، وهذا أمر لعلّه هيّن لا كبير أمر في عدم تحريره، وكان للغزاة ما سنذكره فيما بعد (١٠). [نفي سودون] وفيه، أعني هذا اليوم، تغيّظ السلطان على سُودون السُودوني الحاجب، ونفاه إلى قوص، وقرّر في إمريّته ألْطُنْبُغا العلم زيادة على ما بيده (١١).

стр. 276

(كائنة ابن العطار) (١) وفيه، أعني هذا الشهر في يوم الإثنين منه، وأظنّه خامسه، أمر السلطان بإخراج الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن صالح الحلبي، المعروف بابن العطّار الحنفي، أحد السادة الصوفية الحنفية بالخانقاه الشيخونية وأعيانهم إلى مَلَطية. فأخرج إلى الخانقاه السرياقوسية. ثم قام الإمام شيخ الإسلام الكمال بن الهُمام، شيخ الشيوخ بالخانقاه الشيخونية في قضيّته، فكتب ورقة إلى السلطان يقول فيها: "من الفقير محمد بن الهمام إلى مولانا السلطان الملك الظاهر، أما بعد، فإن شهاب الدين ابن العطار وإن كان فيه شدّة فهو من أهل العلم، وقد حصل له من التعزير زيادة على المبالغة، وكونه أساء على خصمه فلا بد أن خصمه أساء عليه أيضاً، ولو أرسلتموها إليّ لكنيتهم همّهما وأصلحت بينهما، اللهمّ لا إنْ كنتم تستصغروني وتستضعفون حالتي، فترك الوظيفة لي أعزّ من التكلّم فيها، والقصد الصفح عنه والعفو من النفي وترك هذه الشناعة العظيمة التي حصل له بسببها الردع عن العود لمثلها". فلما قرأها السلطان أمر بإعادته. وكان السبب في تغيّظ السلطان عليه الشمس الكاتب، فإن الشهاب ابن العطار تنافس هو وآخر من صوفيّة (٢) الخانقاه المتقدّم ذكرها، وكان من جهة الشمس الكاتب، وكان الشمس الكاتب يُغضي من ابن العطار، فاجتهد في إيصال الخبر إلى السلطان حتى كان ما كان (٣). (سقوط الجدار على ابن (٤) سعد الدين ناظر الخاص ابن (٥) كاتب جَكَم) (٦) وفيه، في يوم الثلاثاء سابع عشرينه سقط جدار على ولد سعد الدين إبراهيم

стр. 277

ابن (١) كاتب جَكَم أخي (٢) الجمال يوسف ناظر الخاص هو والسعد أيضاً، فعمّ الجدار الساقط هذا الولد ومات من ذلك في الحال. ومن غرائب أمره أنه كان قد طعن بحبتين في الطاعون وأُرجف بموته ثم عوفي، وحصل لأهله به الفرح الزائد لكونه سلم من الموت، فبغته الأجل بالهدم، فكان ذلك عبرة لأولي الأبصار. وكان هذا الولد شاباً حسناً، مراهق البلوغ، فأسف عليه عمّه وأهله، وكانت جنازته حافلة. ومن لم يمت بالطعن مات بغيره، تعدّدت الأسباب والداء واحد (٣). [شهر ربيع الآخر] [الأمر بلزوم ابن حجر بيته] في يوم الأحد ثالث ربيع الآخر، وكان قد ثبت الشهر بالجمعة بالرؤية، حضر إلى الحافظ قاضي القضاة ابن (٤) حجر أحد خاصكيّة السلطان من الدوادارية الصغار، فأمره على لسان السلطان بأن يلزم بيته، وأريد بذلك عزله. ثم عقيب توجّه ذلك الخاصكي حضر إلى الحافظ أيضاً شمس الدين الكاتب الرومي، وكان إذ ذلك جليس السلطان وأحد خواصّه وندمائه، وجرى له معه ما جرى على ما سيُعرف ذلك في محلّه، فأخبر الحافظ عن السلطان بأنه ندم على ما كان منه، وذكر أنه لم يُرِد بذلك العزل، وأمر بأن يبكّر الحافظ إلى السلطان في يوم الإثنين غد هذا اليوم - أعني الأحد -. وكان السبب في ذلك كله أن شخصاً من نواب الحكم الشافعية يقال له القاضي محب الدين أبو البركات محمد بن عبد الرحيم الهيثمي الشافعي أثبت شيئاً لم يلق (٥) بخاطر السلطان، واستراب من ذلك الإنباء، فأمر بإحضار القاضي وإحضار بعض شهود القضية، فكان من حضر من الشهود وقع في كلامهم اختلاف لدهشة حصلت لهم من إحضار السلطان لهم وتخوّف (٦)، فتغيّظ السلطان وحنق من

стр. 278

بطش بنائب الحكم، وهو القاضي المذكور وضربه ضرباً مؤلماً بين يديه، وأمر بكشف رأسه من عنده إلى باب القلعة، وهو في تسليم والي الشرطة، وأمره بسجنه بالمقشرة سجن أهل الجرائم، وحصلت له محنة شديدة، ثم شفع فيه من الحبس. وكان هذا القاضي من أهل العلم والوجاهة، له في نيابة الحكم مدّة سنين، وكان مظلوماً في هذه القضية على ما أُخبرتُ به فيما بعد ممن اطّلع على ذلك برمّته وعرفه في وقته، فاللَّه تعالى يأخذ حقّه ممن ظلمه. ثم عزل السلطان الحافظ ابن (١) حجر لكون هذا نائباً عنه، ثم أعاده. فانظر إلى هذه الأحكام الصادرة عن الإمام ترى العجب، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون، أين معاملة كل أحدٍ بما يليق به، وإقالة ذوي العثرات إذا عثروا، فضلاً عن أن يكون صدر عنهم الشيء الهافت. ولما وقع ذلك وعاد الحافظ من يومه حصل له التغيّظ والحنق فالتزم أنه لا يستنيب إلا عشرة من النواب لا غير، ولا يصدّ من أخرجه عن نيابة الحكم إلّا من شافهه السلطان في ذلك بعد أن اعتذر الحافظ عند السلطان عن النائب المذكور. ثم حضر النائب أيضاً عن السلطان فرضي عليه وخلع عليه فرجيّة، وأذِن للحافظ أن يعيده إلى نيابة الحكم على عادته، فما هذا التلاعب والتناقض الذي يقضي لدهرك العجب منه، نعوذ باللَّه من شرور أنفُسنا (٢). [شهر جمادى الأول] (ولاية المحمدي نيابة قلعة دمشق) (٣) وفيها، في يوم الإثنين ثاني جماد الأول - ووهِم من قال ثالثه - خلع السلطان على سُودون المحمدي، وكان أحد العشرات بالقاهرة، وقرّره في نيابة قلعة دمشق عِوَضاً عن جانِبَك الناصري الذي كان داودار بَرسْباي حاجب الحجّاب الناصري أيضاً، وولّي نيابة طرابلس، وكذا جانبك أيضاً ولي نيابة طرابلس فيما بعد. وكان السلطان قد قرّر جانِبك هذا في نيابة قلعة دمشق بعد موت فارس الذي تقدّمت وفاته فيما أظنّ، ثم نقله إلى حجوبية الحجّاب بدمشق. ووُلّي سُودون نيابة

стр. 279

القلعة عِوَضه، ووُلّي برسْباي حجوبية دمشق عوضاً عن سُودون النوروزي بحكم وفاته على ما سيأتي ذلك في ترجمته في وفاته (١). (النزول على رودس) (٢) وفيه، في يوم الخميس رابعه، سافر الغُزاة المتقدّم ذِكرهم من ساحل الإسكندرية ودِمياط متوجّهين إلى جهة طرابلس فتجمّعوا بها، وساروا منها في هذا الشهر حتى وصلوا إلى ردوس ونزلوا على برّها بالقرب من المدينة، ونصبوا خيامهم بأحوازها، ووجدوها مستعدّة للقتال استعداداً هائلاً، من ترميم عمائرها وأسوارها وأبراجها وتحصينها بآلات الحصار والسلاح والمقاتلة. وكان سائر طوائف الفرنج من سائر البلدان قد أمدّوا رودس لما علموا بقصدها المسلمين، وأعانوهم بأشياء كثيرة ما بين سلاح ومقاتلة وغير ذلك، فشرع المعكسر الإسلامي المجهّز إليهم في حصارها بكل ما تصل إليه قدرتهم ونصبوا عليها المناجيق والمكاحل ورموا على أبراجها، ودام القتال أياماً، وهي لا تزداد إلّا قوّة لشدّة مقاتليها وما قدّمناه من استعدادهم. وكان المسلمون قد افترقوا فرقة في البحر على المراكب لأجل حفظها، والمقدَّم عليهم يلْخُجا من مامش الناصري المتقدّم ذِكره رأس نوبة ثاني، والأمير إينال العلائي مقدَّم العسكر بالبرّ مع الفرقة العظمى المقاتلة لأهل رودس، وفرقة أخرى من العسكر متفرّقة في جزيرة رودس ينهبون قراها وبساتينها، ويأسرون من يجدون. ودام الحال والقتال أياماً كثيرة، وقُتل من الطائفتين خلق كثير وجمع وافر غزير. وبيّت يلخُجا تقدّم العسكر البحري وما في مراكبه هو وأصحابه، وإذا بعدّة كثيرة من المراكب الفرنجيّة قد هجموا على مراكب المسلمين، ووقع بينهم القتال الشديد إلى أن نصر اللُّه تعالى جنده المسلمين وخذل أعداءه الكافرين وهزمت (٣) مراكب الفرنج، وحصل للمسلمين منهم بعض غنيمة. وأمّا رودس فعفي ما هم عليه، والقتال عمّال في كل يوم وهم على ما هم عليه من الشدّة وإظهار الجلادة، والمسلمون بعساكر في غاية الاجتهاد ومما هم بصدده من الحصار والمقاتلة، وكان ما سنذكره (٤).

стр. 280

(وقعة المسلمين) (١) وفيه اتفق للمسلمين محنة عظيمة بجزيرة رودس، وكان من خبر ذلك أن جماعة من العسكر الإسلامي لما أرسوا على رودس، نزلوا بكنيسة تجاه رودس، وكانت هذه الكنيسة بين العسكر الإسلامي وبين رودس وبينها وبين العسكر الإسلامي مخاضة ماء من البحر الملح، فلما نزلها الطائفة من العسكر منفردين من رفقتهم من العسكر الإسلامي، وبقي بينهما المخاضة من الماء تحيّل الكفار من أهل رودس عليهم وأعملوا فكرهم فيهم وهم في طمأنينة وقد أضاعوا الحزم لنفوذ القضاء المحتوم. وكانت الطريق من رودس إلى الكنيسة سالكة من غير مخاضة، والمخاضة إنّما هي بين الطائفة ورفقتهم النازلين بالكنيسة وبين بقيّة العسكر الإسلامي، فبيّت أهل رودس هذه الطائفة وخرجوا إليهم على حين غفلة لعلمهم بأن العسكر لا يصل إليهم إلّا بعد الفتك بهم، فما شعروا إلّا وهم معهم بالسيوف المصلتة والسلاح، وكان المسلمون في غفلة ولا سلاح معهم ولا عليهم في تلك الحالة وهم في قلّة بالنسبة إلى من حضر لهم من الفرنج فهجموا على المسلمين وحطموا عليهم حطمة واحدة، ولما وقدت العين بالعين بدر المسلمون أسلحتهم، فمنهم من وصل إلى سلاحه وتمكَّن منه وقاتل به بعد أخذه إلى أن قتل ومنهم من لم يصل إليه، وقُتل دون ذلك مع عدم استسلام وكثرة المناوشة والمهاوشة حتى قيل إن من المسلمين من قتل من الكفّار عدّة من غير سلاح لما رأيت عين الهلال، فاقتحم الأهوال، وألقى بعض المسلمين بأنفسهم إلى الماء فنجوا إلى رفقتهم وقتل من الفرنج جماعة كثيرة أيضاً قبل أن يقتلوا المسلمين، وذلك أن المسلمين الآخذين أسلحتهم هجموا بأنفسهم على الكفّار لما عاينوا الهلاك وبقوا يحرّضون (٢) بعضهم البعض وصار يقول بعضهم للبعض إن قاتلتم أم لم تقاتلوا فأنتم مقتولون بين هؤلاء فلا يمت الواحد منكم حتى يقتل منهم، وموتوا في حبّ دينكم، وشجّع بعضهم البعض، واقتحموا الأهوال لما عاينوا الموت، فما مات الواحد منهم ومعه السلاح إلّا بعد موت عدّة من العدوّ، وربّما سلم البعض بشجاعته، فجزاهم الله تعالى أحسن الجزاء، فإنهم ماتوا شهداء لما بلغ العسكر الإسلامي رفقتهم ما حلّ بأولئك من العدو، وما وقع لهم من المحنة بادروا إلى النجدة وهرعوا إلى إصحابهم فانتهوا إليهم وقد انتهى القتال قبل وصولهم، ولما عاين العسكر الإسلامي جماعة الكفر هرعوا إلى ردوس، فأسرع طائفة من أعيان الخاصكية من

стр. 281

ذوي القلوب، والخِيَم وراءهم، فأدركوا منهم عدّة قبل دخولهم إلى ردوس ووضعوا فيهم السيوف وقتلوا منهم جماعة. ويقال مع ذلك إن عدّة قتلى الفرنج كانت تزيد على قتلى المسلمين، فانظر إلى هذه البركة، نصر الله الإسلام ووصل علوّه ببقاء أهل الذائدين (١) عنه أبدالاً بدين إلى يوم الدين يا رب العالمين. ولا زال يعلو بصوته منصوراً بدولته ولا يُعلَى عليه ثم لم يزل العسكر منازلاً (٢) هذه البلدة ومحاصرها والقتال مستمر في كل يوم وهي لا تزداد إلّا قوّة وشدّة وحصانة إلى أن كان ما سنذكره (٣). [شهر جمادى الآخرة] [نيابة مَلَطْية] وفيه في جمادى الآخرة - وأظنّه يوم الإثنين ثانيه - استقرّ قانصوه النوروزي في نيابة مَلَطية عِوَضاً عن قزطوغان الذي تقدّم خبر ولايته لها عن الوالد، وعاد قزطوغان إلى أتابكية حلب، عوضاً عن الوالد (٤). [سجن والد المؤلّف] وصرف الوالد وحُمل إلى سجن قلعة حلب مقيَّداً فسُجن بها بغير جرم ولا ذنب إلّا مرافعة نائبها قانِباي الحمزاوي، وكان بغض من الوالد لما قدّمنا ذِكره من مداخلته وأمره له بالمعروف وإقامة ناموس الشريعة والشفاعة في مظلوم يظلمه قانِباي هذا، فما أحبّ منه ذلك ووسع الحيلة في إبعاده عنه وفساد صورته عند الظاهر فكاتبه يشكو إليه من الوالد، ومن جملة ما عده عليه من الذنوب أنه لما ورد إلى حلب أتابكاً بها لم يدخلها حتى نزل بظاهرها، وعُمل له الموكب، ودخلها دخلة هائلة، وسناجقه منشورة، وطبوله وزموره ونقّاراته وبوقاته عمّالة تضرب، واجتاز على باب قلعة السلطان بحلب وهو على تلك الهيئة، وما تأدّب ولا احتشم. وكان الظاهر إذا ألقى إليه الشيء أصغى إليه، فظنّ أن ذلك من الذنوب لعدم تأهّله أن ذلك من لوازم قيام ناموس السلطنة، وأنه العادة المستمرة، فاستشاط من ذلك وحنق، وأمر به فصُرف وكتب بسجنه مقيّداً بقلعة حلب، ففعل به ذلك وهو لا يعلم

стр. 282

ما السبب حتى بعث قاصداً من عنده بمكاتباته إلى الأمراء الأعيان وغيرهم من أرباب الدولة كالأتابك والدوادار الكبير، وكان إذ ذلك الأمير إينال العلائي، وكان من أعظم أصحابه حينئذٍ، وبعث إلى الحافظ ابن (١) حجر، والعَلَم البُلقيني، والسعد الديري، وغيرهم من مشايخه وأحبابه وأصحابه وهو يسألهم التحرير عن خبر ذلك وتعريفه بإذنه، وإن أمكن الشفاعة فليفعلوا، فبادر كل من غالبهم إلى ذلك وعرّفوا السلطان أن الذي فعله من لوازم ناموس الملك ولعلّه كان إن لم يفعله مذنباً أو نحو ذلك. وقام الحافظ ابن (٢) حجر، ﵀، في ذلك أشدّ قيام حتى كان هو السبب الأعظم في الإفراج عنه، ثم عرّفوه بمقصد نائب حلب وأنه إنّما فعل ذلك لما كان يأمره به من الخير ويشفع عنده في المظلوم، ويقوم في الحق، ولم يزالوا بالسلطان حتى اتّضح له الأمر وعرف حقيقته، فأمر بإطلاقه، وكتب له بذلك وأن يقيم بحلب حتى تُعمل مصلحته، فبعث هو - أعني الوالد - يستأذن السلطان في الإقامة بمدينة سيدنا الخليل على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فأجيب إلى ذلك وحضر إلى الخليل بعد أن زار البيت المقدس، ثم بعث يستأذن السلطان في التوجّه إلى الحج فأذِن له، وبعث إليه بمبلغ جيد، فتوجّه الوالد مجرّداً، وحجّ من عامه ذلك كما سيأتي (٣). [كسر مقياس النيل] وفيه - في تاسع عشره في يوم الثلاثاء - كسر البحر عن الوفاء، ونودي فيه بزيادة عشرين إصبعاً، وكان قد نودي في يوم الإثنين أيضاً بزيادة عشرين أيضاً، وقبل ذلك أيضاً في يوم الأحد نودي بزيادة عشرين، ثم نودي في صبيحة يوم الأربعاء ثاني يوم الكسر تكملة السبعة عشر ذراعاً، وهذا من النوادر. قال الحافظ ابن (٤) حجر، ﵀،: ولم يُعهَد قطّ أنه نودي يوم الوفاء بزيادة عشرين إصبعاً، منها إصبعان تكملة الوفاء وثمانية عشر زيادة أول يوم فيه (٥). (رجوع الغُزاة من رودس) (٦) وفيه، في أواخره، حصل للعسكر الإسلامي المتوجّه لرودس النازل عليها

стр. 283

للحصار لها على ما قدّمناه فشل وضاقت عليهم أنفسهم، وبعثوا يطلبون المدد، وجهّز السلطان إليهم المدد فلم يدركهم إلّا وقد رجعوا بعد أن حصل بينهم الاختلاف والخلل والفتنة على آدابهم في مثل ذلك، فإن العساكر المصرية كثيرة الاختلاف، ولو عددنا ما لهم من الاختلافات في مثل هذه الأمكنة والمَحَالّ لطال المجال، ولما توجّه إليهم المدد وبلغهم رجوعهم رجعوا هم أيضاً. وفيه في أواخره تتابع دخول العسكر الغازي، وجاؤوا (١) أرسالاً شيئاً فشيئاً، وآخر من وصل منهم الأمير إينال الأجرود مقدَّم العسكر دخل إلى ثغر الإسكندرية في أواخر جمادى الآخرة (٢). [شهر رجب] [الطواف برؤوس عرب الكنوز] وفيها في يوم الخميس ثاني شهر رجب أحضر إلى القاهرة عدّة رؤوس (٣) مقطَّعة من عرب الكنوز وطيف بهم القاهرة على الرماح، وكان قد توجّه إليهم العسكر السلطاني قبل ذلك في شهر ربيع الآخر (٤). (القبض على بُردُبَد العجمي) (٥) وفيه في رابعه قدم بُرْدُبَك العجمي نائب حماة إلى القاهرة، فلما طلع إلى القلعة وقبّل الأرض بين يدي السلطان نهره وتغيّظ عليه، وأمر بأن يُقبض عليه، ثم أمر به أن يُسجن بالبرج من قلعة الجبل، ففُعل به ذلك، ثم أُخرج بعد ذلك إلى ثغر الإسكندرية فسُجن بها، وكان سبب ذلك كائنة اتفقت له مع أهل حماة وقتل فيها جماعة عديدة منهم (٦).

стр. 284

(ولاية قانِباي البهلوان نيابة حماة) (١) وفيه قُرّر في نيابة حماة عِوَضاً عن بُرْدُبَك المذكور قانِباي البهلوان نائب صفد (٢). [نيابة قلعة دمشق] وفيه قُرّر في نيابة صفد (٣) بيغوت نائب حمص الأعرج المؤيَّدي، وهو والد إبراهيم بن بيغوت الذي ولي نيابة قلعة دمشق فيما بعد، ثم حجوبية الحجّاب بدمشق (٤)، وستأتي ترجمتهما كلّ في سنة وفاته إن شاء الله تعالى. [سفر الحاجّ الرجبي] وفيه في أوائله سافر الحاج الرجبي إلى مكة المشرّفة وخرج صحبتهم الشيخ برهان الدين السُّوبيني قاضياً بمكة، وكان من تلامذة الحافظ ابن (٥) حجر، وكان السلطان قد عزل قاضي مكة وتغيّظ عليه وطلب من يولّيه قضاء مكة، وذكر جماعة منهم: الكمال السيوطي والد الجلال الموجود الآن الذي ادّعى الاجتهاد في هذا الزمان. ثم أشار الحافظ بولاية البرهان، فوُلّي، وخرج صحبة الركب الرجبي (٦). [إبطال الرمّاحة بدوران المحمل] وفيه أبطل السِلطان الرمّاحة في دوران المحمل ودار من غير أن تلعبه الرمّاحة على العادة (٧). (ولاية تنم نيابة الإسكندرية) (٨) وفيه، في يوم الإثنين سادسه، استقرّ في نيابة الإسكندرية تَنَم من عبد الرزاق

стр. 285

الذي كان محتسباً، ثم صار فيما بعد نائب الشام في دولة خُشداشه الظاهر خُشقدم على ما سيأتي في محلّه، وولّي الإسكندرية عِوَضاً عن ألْطُنْبُغا اللفّاف المعلّم الظاهري برقودتى، وكان قد وليها ألطُنْبُغا عن الشهابي أحمد بن إينال، ولم تطُل مدّته بها، واستقدم القاهرة على إقطاعه، وزيد عليه عدّة زيادات، فصار الطُنْبُغا كالمقدَّم ألف (١). (دخول الغُزاة للقاهرة) (٢) وفيه، في يوم الخميس ثاني عشره، وصل الأمير إينال الأجرود الدوادار الكبير ومقدَّم العسكر الغازي، وتبِعه جميع من سلم من الأمراء والغزاة، ودخلوا القاهرة. وكانت غزوة العام الماضي وهي غزوة قشتيل أجْوَد من هذه الغزوة لأنهم أخذوا ذلك الحصن المنيع وخرّبوه، ونهبوا شيئاً كثيراً وسبوا وغنموا في الحملة، بخلاف هذه، وللَّه الأمر من قبل ومن بعد. ومن الغريب الذي يحكى ويخبَّر به في أمر هذه الغزوة أن تغري بَرْمش الفقيه الجلالي نائب القلعة كان فيها، وكان قد نسب الغزاة في العام الماضي إلى غاية التقصير وقلّة المروءة والرأي، وكان يصرّح أنه لو كان معهم لدبّر وفعل ثم فعل، حتى عيّنه السلطان في هذه النوبة فكانت أكثر تقصيرًا من تلك، وكانت تلك خيراً من هذه، فندم تغري بَرْمش على ما كان صدر منه من الكلام (٣). [شهر شعبان] [قدوم علي باي الأشرفي إلى القاهرة] وفيها، في يوم الإثنين ثاني عشر شعبان، قدم إلى القاهرة علي باي الأشرفي من بلاد [هـ]، وكان قد قُبض عليه بعد خلع الملك العزيز، وأخرج إلى الحبس بالبلاد الشامية، ثم أطلق بها بطّالاً إلى هذه الأيام (٤).
следующие страницы →