ذوي القلوب، والخِيَم وراءهم، فأدركوا منهم عدّة قبل دخولهم إلى ردوس
ووضعوا فيهم السيوف وقتلوا منهم جماعة. ويقال مع ذلك إن عدّة قتلى الفرنج
كانت تزيد على قتلى المسلمين، فانظر إلى هذه البركة، نصر الله الإسلام ووصل
علوّه ببقاء أهل الذائدين (١) عنه أبدالاً بدين إلى يوم الدين يا رب العالمين. ولا زال
يعلو بصوته منصوراً بدولته ولا يُعلَى عليه ثم لم يزل العسكر منازلاً (٢) هذه البلدة
ومحاصرها والقتال مستمر في كل يوم وهي لا تزداد إلّا قوّة وشدّة
وحصانة إلى أن كان ما سنذكره (٣).
[شهر جمادى الآخرة]
[نيابة مَلَطْية]
وفيه في جمادى الآخرة - وأظنّه يوم الإثنين ثانيه - استقرّ قانصوه النوروزي في نيابة مَلَطية عِوَضاً عن قزطوغان الذي تقدّم خبر ولايته لها عن الوالد، وعاد قزطوغان إلى أتابكية حلب، عوضاً عن الوالد (٤).
[سجن والد المؤلّف]
وصرف الوالد وحُمل إلى سجن قلعة حلب مقيَّداً فسُجن بها بغير جرم ولا ذنب إلّا مرافعة نائبها قانِباي الحمزاوي، وكان بغض من الوالد لما قدّمنا ذِكره من مداخلته وأمره له بالمعروف وإقامة ناموس الشريعة والشفاعة في مظلوم يظلمه قانِباي هذا، فما أحبّ منه ذلك ووسع الحيلة في إبعاده عنه وفساد صورته عند الظاهر فكاتبه يشكو إليه من الوالد، ومن جملة ما عده عليه من الذنوب أنه لما ورد إلى حلب أتابكاً بها لم يدخلها حتى نزل بظاهرها، وعُمل له الموكب، ودخلها دخلة هائلة، وسناجقه منشورة، وطبوله وزموره ونقّاراته وبوقاته عمّالة تضرب، واجتاز على باب قلعة السلطان بحلب وهو على تلك الهيئة، وما تأدّب ولا احتشم. وكان الظاهر إذا ألقى إليه الشيء أصغى إليه، فظنّ أن ذلك من الذنوب لعدم تأهّله أن ذلك من لوازم قيام ناموس السلطنة، وأنه العادة المستمرة، فاستشاط من ذلك وحنق، وأمر به فصُرف وكتب بسجنه مقيّداً بقلعة حلب، ففعل به ذلك وهو لا يعلم
стр. 282
ما السبب حتى بعث قاصداً من عنده بمكاتباته إلى الأمراء الأعيان وغيرهم من أرباب الدولة كالأتابك والدوادار الكبير، وكان إذ ذلك الأمير إينال العلائي، وكان من أعظم أصحابه حينئذٍ، وبعث إلى الحافظ ابن (١) حجر، والعَلَم البُلقيني، والسعد الديري، وغيرهم من مشايخه وأحبابه وأصحابه وهو يسألهم التحرير عن خبر ذلك وتعريفه بإذنه، وإن أمكن الشفاعة فليفعلوا، فبادر كل من غالبهم إلى ذلك وعرّفوا السلطان أن الذي فعله من لوازم ناموس الملك ولعلّه كان إن لم يفعله مذنباً أو نحو ذلك. وقام الحافظ ابن (٢) حجر، ﵀، في ذلك أشدّ قيام حتى كان هو السبب الأعظم في الإفراج عنه، ثم عرّفوه بمقصد نائب حلب وأنه إنّما فعل ذلك لما كان يأمره به من الخير ويشفع عنده في المظلوم، ويقوم في الحق، ولم يزالوا بالسلطان حتى اتّضح له الأمر وعرف حقيقته، فأمر بإطلاقه، وكتب له بذلك وأن يقيم بحلب حتى تُعمل مصلحته، فبعث هو - أعني الوالد - يستأذن السلطان في الإقامة بمدينة سيدنا الخليل على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فأجيب إلى ذلك وحضر إلى الخليل بعد أن زار البيت المقدس، ثم بعث يستأذن السلطان في التوجّه إلى الحج فأذِن له، وبعث إليه بمبلغ جيد، فتوجّه الوالد مجرّداً، وحجّ من عامه ذلك كما سيأتي (٣).
[كسر مقياس النيل]
وفيه - في تاسع عشره في يوم الثلاثاء - كسر البحر عن الوفاء، ونودي فيه بزيادة عشرين إصبعاً، وكان قد نودي في يوم الإثنين أيضاً بزيادة عشرين أيضاً، وقبل ذلك أيضاً في يوم الأحد نودي بزيادة عشرين، ثم نودي في صبيحة يوم الأربعاء ثاني يوم الكسر تكملة السبعة عشر ذراعاً، وهذا من النوادر.
قال الحافظ ابن (٤) حجر، ﵀،: ولم يُعهَد قطّ أنه نودي يوم الوفاء بزيادة عشرين إصبعاً، منها إصبعان تكملة الوفاء وثمانية عشر زيادة أول يوم فيه (٥).
(رجوع الغُزاة من رودس) (٦)
وفيه، في أواخره، حصل للعسكر الإسلامي المتوجّه لرودس النازل عليها
стр. 283
للحصار لها على ما قدّمناه فشل وضاقت عليهم أنفسهم، وبعثوا يطلبون المدد، وجهّز السلطان إليهم المدد فلم يدركهم إلّا وقد رجعوا بعد أن حصل بينهم الاختلاف والخلل والفتنة على آدابهم في مثل ذلك، فإن العساكر المصرية كثيرة الاختلاف، ولو عددنا ما لهم من الاختلافات في مثل هذه الأمكنة والمَحَالّ لطال المجال، ولما توجّه إليهم المدد وبلغهم رجوعهم رجعوا هم أيضاً.
وفيه في أواخره تتابع دخول العسكر الغازي، وجاؤوا (١) أرسالاً شيئاً فشيئاً، وآخر من وصل منهم الأمير إينال الأجرود مقدَّم العسكر دخل إلى ثغر الإسكندرية في أواخر جمادى الآخرة (٢).
[شهر رجب]
[الطواف برؤوس عرب الكنوز]
وفيها في يوم الخميس ثاني شهر رجب أحضر إلى القاهرة عدّة رؤوس (٣) مقطَّعة من عرب الكنوز وطيف بهم القاهرة على الرماح، وكان قد توجّه إليهم العسكر السلطاني قبل ذلك في شهر ربيع الآخر (٤).
(القبض على بُردُبَد العجمي) (٥)
وفيه في رابعه قدم بُرْدُبَك العجمي نائب حماة إلى القاهرة، فلما طلع إلى القلعة وقبّل الأرض بين يدي السلطان نهره وتغيّظ عليه، وأمر بأن يُقبض عليه، ثم أمر به أن يُسجن بالبرج من قلعة الجبل، ففُعل به ذلك، ثم أُخرج بعد ذلك إلى ثغر الإسكندرية فسُجن بها، وكان سبب ذلك كائنة اتفقت له مع أهل حماة وقتل فيها جماعة عديدة منهم (٦).
стр. 284
(ولاية قانِباي البهلوان نيابة حماة) (١)
وفيه قُرّر في نيابة حماة عِوَضاً عن بُرْدُبَك المذكور قانِباي البهلوان نائب صفد (٢).
[نيابة قلعة دمشق]
وفيه قُرّر في نيابة صفد (٣) بيغوت نائب حمص الأعرج المؤيَّدي، وهو والد إبراهيم بن بيغوت الذي ولي نيابة قلعة دمشق فيما بعد، ثم حجوبية الحجّاب بدمشق (٤)، وستأتي ترجمتهما كلّ في سنة وفاته إن شاء الله تعالى.
[سفر الحاجّ الرجبي]
وفيه في أوائله سافر الحاج الرجبي إلى مكة المشرّفة وخرج صحبتهم الشيخ برهان الدين السُّوبيني قاضياً بمكة، وكان من تلامذة الحافظ ابن (٥) حجر، وكان السلطان قد عزل قاضي مكة وتغيّظ عليه وطلب من يولّيه قضاء مكة، وذكر جماعة منهم: الكمال السيوطي والد الجلال الموجود الآن الذي ادّعى الاجتهاد في هذا الزمان. ثم أشار الحافظ بولاية البرهان، فوُلّي، وخرج صحبة الركب الرجبي (٦).
[إبطال الرمّاحة بدوران المحمل]
وفيه أبطل السِلطان الرمّاحة في دوران المحمل ودار من غير أن تلعبه الرمّاحة على العادة (٧).
(ولاية تنم نيابة الإسكندرية) (٨)
وفيه، في يوم الإثنين سادسه، استقرّ في نيابة الإسكندرية تَنَم من عبد الرزاق
стр. 285
الذي كان محتسباً، ثم صار فيما بعد نائب الشام في دولة خُشداشه الظاهر خُشقدم على ما سيأتي في محلّه، وولّي الإسكندرية عِوَضاً عن ألْطُنْبُغا اللفّاف المعلّم الظاهري برقودتى، وكان قد وليها ألطُنْبُغا عن الشهابي أحمد بن إينال، ولم تطُل مدّته بها، واستقدم القاهرة على إقطاعه، وزيد عليه عدّة زيادات، فصار الطُنْبُغا كالمقدَّم ألف (١).
(دخول الغُزاة للقاهرة) (٢)
وفيه، في يوم الخميس ثاني عشره، وصل الأمير إينال الأجرود الدوادار الكبير ومقدَّم العسكر الغازي، وتبِعه جميع من سلم من الأمراء والغزاة، ودخلوا القاهرة.
وكانت غزوة العام الماضي وهي غزوة قشتيل أجْوَد من هذه الغزوة لأنهم أخذوا ذلك الحصن المنيع وخرّبوه، ونهبوا شيئاً كثيراً وسبوا وغنموا في الحملة، بخلاف هذه، وللَّه الأمر من قبل ومن بعد.
ومن الغريب الذي يحكى ويخبَّر به في أمر هذه الغزوة أن تغري بَرْمش الفقيه الجلالي نائب القلعة كان فيها، وكان قد نسب الغزاة في العام الماضي إلى غاية التقصير وقلّة المروءة والرأي، وكان يصرّح أنه لو كان معهم لدبّر وفعل ثم فعل، حتى عيّنه السلطان في هذه النوبة فكانت أكثر تقصيرًا من تلك، وكانت تلك خيراً من هذه، فندم تغري بَرْمش على ما كان صدر منه من الكلام (٣).
[شهر شعبان]
[قدوم علي باي الأشرفي إلى القاهرة]
وفيها، في يوم الإثنين ثاني عشر شعبان، قدم إلى القاهرة علي باي الأشرفي من بلاد [هـ]، وكان قد قُبض عليه بعد خلع الملك العزيز، وأخرج إلى الحبس بالبلاد الشامية، ثم أطلق بها بطّالاً إلى هذه الأيام (٤).
стр. 286
(قدوم قاصد شاه رخ ومعه كسوة الكعبة) (١)
وفيه في يوم الخميس خامس عشره، قدم إلى القاهرة رسول القان معين الدين شاه رُخ صاحب سمرقند ملك العجم ومعه جمع جمّ من جماعة شاه زخ فوق المائة نسمة، وكان قدم معهم امرأة من العجائز تذكر أنها من زوجات تمرلنك والد شاه رُخ، وقصْدها أن تحج، وأقامت بدمشق للحج من هناك، وقدم هؤلاء ومع القاصد كسوة الكعبة وهدية. وكانت هذه الكسوة مهيّأة عند شاه رخ على ما يقال مدّة سنين، وهي التي بعث يستأذن الأشرف برسْباي في تجهيزها وكسوة البيت بها، وأبى أن يأذن له، وجرى لقصّاده ما جرى، واستفتى الأشرف العلماء في أمرها، وعقد مجلساً بسبب ذلك على ما هو المشهور في محلّه من التواريخ، وضيّق الأشرف في ذلك غاية الضيق، فلما مات الأشرف وبعث شاه رُخ قاصده للظاهر أعاد الاستئذان في ذلك وأنه كان نذر ذلك، وأنه أقلّ ما يكون يكسي (٢) الكعبة بهذه الكسوة من داخلها، وأجاب الظاهر إلى ذلك بعد أن قال هذا من أنواع البرّ ويجوز أن يكسو الكعبة كائناً من كان، فبعث شاه رخ بها في هذه المرة مع هؤلاء القصّاد. ولما بلغ أرباب الدولة من الأمراء وأعيان الخاصكية والأجناد بل وغالب عوامّ مصر وأهلها أن كسوة الكعبة مع هذا القاصد استشاطوا وما سهل بينهم ذلك وعظُم عليهم إلى الغاية، وكان القاصد قد أنزل في حين قدومه إلى القاهرة بدار جمال الدين الأستادار بين القصرين، فلم يزل بها إلى أن كان ما سنذكره من أمره في يوم طلوعه إلى القلعة (٣).
(ملك جهان كِير ديار بكر) (٤)
وفيه، أعني هذا الشهر، ولّى ملك ديار بكر اَمِد وما والاها جهان كير بن علي بن عثمان المعروف عثمان بقرايُلُك بعد موت حمزة، على ما ستعرفه في التراجم.
стр. 287
[قدوم ابن حجّي من دمشق]
وفيه في يوم الإثنين تاسع عشره قدم بهاء الدين بن حِجّي من دمشق، وكان من أمره ما سنذكره لك (١).
[شهر رمضان]
[صعود ابن حجّي إلى قلعة الجبل]
وفيها في أول شهر رمضان صعِد بهاء الدين المذكور إلى القلعة وكان قد بيّت معه بأن يطلع إلى ناظر الجيش لما وليها قبل ذلك عن المحبّ بن الأشقر، ثم أعيد المحبّ على ما عرفَتَ ذلك في متجدّدات الخالية جملة وتفصيلاً، فأخذ خلعة منه وطلع بها ليلبسها وقطع وجزم بالولاية لا سيما أن خلعته معه، واتفق طلوع المحبّ بن الأشقر وهو لا علم عنده بذلك ولا شعور له به، فساعة وقوع بصر السلطان عليهما أشفق على المحبّ بن الأشقر فقال له: لا أولّي غيرك ولو أنهم يعطوني ثلاثين ألف دينار (٢).
قال البدر العيني، ﵀، لما ذكر هذه القصة (٣): فنزل (٤) ابن حِجّي مدحوراً وتوجّه إلى دمشق.
(طلوع قاصد شاه رخ إلى القلعة) (٥)
وفيه، في يوم الأحد حادي عشره طلع القاصد الذي تقدّم ذكره إلى القلعة ومعه رفقته وبين يديه الحمّالين بهدية مرسلة وكسوة الكعبة أيضاً على رؤوس (٦) الحمّالين في الأقفاص. وكان السلطان قد احتفل بهم غاية الاحتفال واهتمّ بهم غاية الاهتمام، وتقدّم أمره بعمل الخزنة السلطانية بالحوش مخالفاً للعادة في مثل ذلك، فإنها جرت أن تكون بالإيوان الكبير، ثم جُعلت في بعض الأوقات بالقصر، والآن فعُملت بالحوش (٧).
стр. 288
(كائنة قصّاد شاه رُخ وما جرى عليهم) (١)
ذكر لي بعض من عنده خبر من ذلك قال: إنّما قصد بذلك إدخال الكسوة إلى البحرة لقربها من الحوش، فإنه كان قد استحسن بعِظم أمرها على أهل الدولة وغيرهم، وكان أمر أن لا يشاع إحضارها، فلما مثُل القاصد بين يديه أمر السلطان بإدخال ما مع الحمّالين جميعه إلى البحرة ليلاً لئلّا يفطن أحد بالكسوة فيثور السرّ لأجل ذلك، ومع ذلك فوقع ما حزره، وكان ما خافه. ثم قبل القاصد المذكور وترحّب به السلطان وبمن معه، وقرئت مكاتبة مرسله، ثم نزل القاصد المذكور قاصداً محلّ نزوله بدار جمال الدين، فلما وصلها وقبل أن يدخلها برز العامّة لرجمه وأطلقت الألسُن فيه بالوقيعة، وتتابع الرجم. وبينا على هذا الحال وإذا بطائفة كبيرة من الجُلبان وقد نزلوا من القلعة وهم فوق الثلاثمائة، ومعهم جمع كثير من المماليك البطّالة والعوام والغوغاء، فهجموا على الدار المذكورة والقصّاد بها وتبعوا فيهم بالنهب، وأخذ جميع ما معهم حتى خيولهم وما أحضروا معهم مما هو برسم الاتجار به من مِسْك خاص وفيروزج وحرير وثياب وغير ذلك من متاجر تلك البلاد، مما قُوّم جميع ذلك يفوق العشرين ألف دينار، وبلغ السلطان ذلك فتشوّش من ذلك غاية التشويش، ثم أمر في الحال الأمير إينال العلائي الدوادار الكبير، وللأمير تنِبك البُرْدُبَكي حاجب الحجّاب بأن يدركوا هذه القضية وحرّجهم على الإسراع (٢) في ذلك. وكان يلْخُجا من مامش (٣) الرأس نوبة ثاني ساكناً بالقرب من دار القصّار، فلما بلغه ذلك ركب في الحال وتدارك القصّاد وردّ كثيراً من الغوغاء عنهم بعض الردّ، ثم لحقه الأميران المذكوران فأوقعوا بالعوامّ وبمن حضر من المماليك، وجرت فتنة كبيرة مهولة من مشاهير الفِتن ارتجّت منها القاهرة، واشتدّ حنق السلطان في ذلك اليوم وغضبه.
حتى حكى لي بعض أصحابنا ممن كان حاضراً ذلك المجلس في هذا اليوم أنه لم ير منه [منذ] ولي السلطنة أشدّ غضباً منه في ذلك اليوم. وقبض على جماعة كبيرة من الجند بسبب ذلك وقطع أرزاقهم، وأحضر جماعة من العوام وضربهم بالمقارع وأبدع فيهم وفي جماعة من المقطَعين وأولاد الناس، ثم أمر ببيع ما نهبوه من القصّاد وبعث إلى القصّاد يعتذر إليهم، ثم استرضاهم بجملة كبيرة من المال ما لا يزيد عليه، وخلص لهم من المنهوب بعض شيء، وأذهب (٤) في هذه
стр. 289
الكائنة من بيت المال ما هو في ذمّته ومطالَب به غداً. عفا (١) الله عنّا وعنه (٢).
(كائنة أقطوه الموساوي) (٣)
وفيه في أواخره تغيّظ السلطان على أقْطُوه الموساوي الظاهري برقوق، وكان أحد أمراء الطبلخانات بالقاهرة، فأمر بإخراجه إلى طَرَسُوس (٤)، فلم يزل بعض الأعيان يتلطّف بالسلطان في قضيّته حتى أذِن له في أن يتوجّه إلى دمشق فيقيم بها بطّالاً، فتوجّه إليها (٥).
[شهر شوال]
[وصول قصّاد الملك مراد إلى مصر]
وفيها - في أوائل شوّال - ورد إلى القاهرة قصاد الملك مراد بن عثمان متملّك بلاد الروم أدِرْنا وبُرْصا وما والاهما بالخبر على السلطان بأنّ مرسلهم خرج غازياً إلى بني الأصفر الذين (٦) يقال لهم الأُنُكُرس وأبلى فيهم بلاء حسناً، وانتصر عليهم وهزم جموعهم وقتل وأسر، وبعث عدّة منهم للسلطان. وسيأتي تمام خبرهم قريباً (٧).
[خروج الحاج]
وفيه في يوم الخميس تاسع عشره خرج الحاج من القاهرة وأميرهم على المحمل تمرباي، وعلى الأول قانَم التاجر الذي ولي الأتابكية فيما بعد في دولة خشداشه الظاهر خُشقدم، على ما سيأتي ذلك في محلّه. وتأتي ترجمته أيضاً إن شاء الله تعالى (٨).
стр. 290
[شهر ذي القعدة]
[استقرار ابن الشِحنة بوظائف بحلب]
وفيها، في يوم الإثنين مستهلّ ذي القعدة استقرّ في قضاء الحنفية بحلب وفي نظر جيشها وكتابة سرّها المحبيّ الشيخ محبّ الدين بن الشحنة الذي وُلّي قضاء الحنفية بمصر بعد ذلك وكذا كتابة سرّها. وقد قدّمنا ترجمته. وكان القائم بولايته لقضاء حلب وما ذكرناه من الوظيفتين مع ذلك الجمال يوسف ابن (١) كاتب جَكم ناظر الخاص وما مع ذلك (٢).
[إخراج ابن ظهيرة من مكة]
وفيه، في يوم الأحد سابعه، أمر صاحب مكة أبو القاسم بن حسن بن عجلان قاضيها جلال الدين أبا (٣) السعادات ابن ظهيرة بأن يخرج من مكة فتوجّه إلى جُدّة وأقام بها فتلطّف الخواجا التاجر بدر الدين حسن اليمني المعروف بالطاهر في قضيّته وأعاده بشفاعته إلى مكة فلم يلبث أن قدم الحاج فأخرج تمرباي مرسوماً من السلطان بأن أبا (٤) السعادات هذا لا يقيم بمكة بل يتوجّه إلى المدينة الشريفة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فيقيم بها، فزاد عليه الخطْب، وبقي يتمنّى أن لو كان بجدّة فما أمكنه إلّا التوجّه، فتجهّز وسار مع الحاج إلى المدينة المشرّفة (٥).
[عودة ناظر الجيش إلى القاهرة]
وفيه في يوم الخميس خامس عشرينه قدم القاضي زين الدين عبد الباسط ناظر الجيش كان إلى القاهرة ونزل بداره، وهرع الناس للسلام عليه على عادتهم في ذلك، لكنْ ليس كتلك السنة التي خلت، وتقدّم خبر قدومه فيها، وهذه القدمة الثانية.
وفيه، في يوم السبت سابع عشرينه طلع زين الدين عبد الباسط المذكور إلى
стр. 291
القلعة واجتمع بالسلطان وخلع عليه جبّة بفرو سمَّور، ثم قدّم تقدمة هائلة ومبلغاً جيّداً من النقد (١).
[الوقوف بعَرَفات]
وفيها كان الوقوف في ذي الحجة بعَرَفات في يوم الجمعة، وكان الجمع في ذلك اليوم جمعاً وافراً جدّاً، وأمطرت السماء في ذلك اليوم مطراً غزيراً كثيراً من وقت الزوال إلى وقت غروب الشمس، وتزايد فيه الرعد والبرق، وأشرف بعض الناس على الهلاك. وقيل إنه نزل الصواعق في ذلك اليوم، وهلك بسببها رجلان وامرأة وبعيران، وورد الخبر بذلك في مكاتبة بخط القاضي نور الدين علي ابن (٢) القاضي أمين الدين أبي (٣) اليُمن محمد بن النُوَيري والد الخطيب أبي (٤) الفضل، وكان قاضياً على مكة (٥).
[شهر ذي الحجّة]
[رؤية الهلال]
وفيه بعد أن استهلّ ذو (٦) الحجة بإكمال العدد بالخميس، ثبت أنه بالأربعاء بالقاهرة، وشهد بذلك جمع كانوا كتموا الشهادة لأجل ما شُهر وشاع بين الناس أن الخطبتين (٧) في يوم واحد توجبان خوفاً على السلطان فكتم الراؤون (٨) شهادتهم لذلك، وبلغ السلطان ذلك، فحنق على من ينسب إليه ذلك فتذكر له أن الشهابي أحمد بن نَوروز أحد خواصه ونُدمائه، ولم يخبر القاضي بذلك، فأحضره السلطان ثم استخبره عن ذلك، فاعترف بأنه رآه ليلة الأربعاء هو وجماعة، فأمر السلطان بأن يمضي إلى قاضي القضاة الحافظ ابن (٩) حجر ومعه المحتسب الشيخ علي الخراساني فأدّى عنده الشهادة وشاع ذلك، ثم أمر السلطان أن ينادى بالقاهرة من رأى هلال ذي الحجة ليلة الأربعاء فلْيؤدّ شهادته بذلك عند قاضي القضاة الشافعي،
стр. 292
فجاء إليه غالب من كان أشيع عنه بأنه رأى الهلال وادّعى رؤيته في تلك الليلة، فقبل الحافظ منهم من اعتمد عليه واستوفى الشروط وأثبت الشهر بالأربعاء، وأمر أن ينادى بأن عيد النحر في يوم الجمعة، فاعتمد الناس ذلك وصلّوا العيد يوم الجمعة، ثم ضحّوا، ثم صلّوا صلاة الجمعة خطبة أخرى. ولم يقع للسلطان ما شوّش عليه، وعاش بعدها نحو العشر (١) سنين على ما هو المعروف، وسنقف عليه (٢).
[وصول مبشّر الحاج]
وفيه، في يوم السبت خامس عشرينه وصل المبشّر من الحاج وأخبر بسلامتهم وأخبر أيضاً بأن أهل مكة وأهل عرفة تراؤا الهلال ليلة الأربعاء، ولم يتفق لأحدٍ منهم أنه أخبر برؤيته فاستعملوا العدّة واستهلّوا ذي الحجّة بالخميس، واستمر الأمر بينهم فيما عندهم على ذلك، وأن المبشّر هذا فارقهم آخر النهار يوم السبت، فقطع هذه المسافة كلّها في ثلاثة عشر يوماً غير يوم خروجه ويوم دخوله، ووصف الحجاز بالأمن، واليُمن وكثرة الرخاء والحاج وغير ذلك مما يسرّ ويفرح (٣).
وكان الوالد في هذه السنة معهم حاجّاً مجرّداً على ما قدّمناه لك معه بعض مماليكه نحو الأربعة، وجماعة أُخَر من الخَدَم، وتركَنَا وجماعة العيال بالخليل، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فإنه كان قد حضر إليه من سجن حلب مما تقدّم وأقام به، وأقطعه السلطان مدينة قاقون وأرزقه قرية يقال لها بطة بمربّعة باسمه من بيت المال بمبايعة. واتفق أن الوالد باعها بعد ذلك لأمرٍ أوجب ذلك، وكان يستغلّ منها في العام نحو الثمانمائة دينار، فباعها بألف دينار ثمن بخس لعارضٍ أوجب ذلك من قبل ببعض شأن.
[التجريدة إلى البُحيرة]
وفيه في يوم الأحد سادس عشرينه خرجت تجريدة إلى البحيرة، وكانت عُيّنت قبل ذلك عليها الأمير قراقجا الحسني أمير اخور كبير ومعه ستة من الأمراء (٤).
стр. 293
(قضيّة الفرّياني المدّعي أنه المهدي) (١)
٥٧ - وفيه، في أواخره، بعث السلطان إلى نائب القدس مكاتبة يأمره فيها بأن يقبض على القائم بجبال نابلس المدّعي بأنه المهدي، ويجهّزه إلى القاهرة، وحرّضه على ذلك. وكان من خبر ذلك أن شخصاً يقال له شمس الدين محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن المغربي الفُرّياني (٢) - بضم الفاء وتشديد الراء وبعدها ياء آخر الحروف وبعد الألف نون - قام بجبال حميدة. ونذكر التعريف به أولاً، ثم نذكر قيامه.
كان شمس الدين هذا مغربيّاً مالكياً، قدم إلى القاهرة من بلاد المغرب في سنيّ ثلاثين أو قبلها، ثم انتقل إلى المذهب الشافعي، وولي قضاء نابلس في سنة سبع وثلاثين وثمانمائة بعناية ابن البارزي كاتب السرّ، وكان قبل ذلك يتعانى عمل المواعيد بقرى مصر ودمياط وبلاد السواحل، وصار يُداخل الناس مع فكاهة وحُسن عِشرة وكثرة تودّد، وعفَّة ونزاهة نفْس، وكثرة استحضار لأشياء كثيرة، منها التاريخ. وكان قد تردّد إلى الشيخ تقيّ الدين المقريزي تردّداً كثيراً ولازمه مدّة طويلة حتى صار يستحضر الكثير من تخليط زائد، وكان يدّعي معرفة الحديث ورجاله، مع مبالغته في الدعوى لذلك عن من يستجهله، والسكات عند أهل الفنّ وعارفيه. وكان قد دخل حلب وحدّث بها عن البَطَرني.
قال الحافظ ابن (٣) حجر (٤): وما أظنّه سمع منه فإنه ذكر لنا أن مولده سنة ثمانين، يعني وسبعمائة ببلده. قال: وكان البَطَرني بتونس ومات بعد سنة تسعين. ثم ذكر عنه الحافظ اختلاقاً (٥) في أسانيد زعم أنها له، قال: وكلّها مختلفة. وذكر عنه نحواً من هذه الأشياء. وكان راج عند الناس بهذه الأشياء وصار مشهوراً بها عندهم. ولم يزل على ذلك مدّة طويلة، ثم صحِب الأمير عبد الرحمن بن الكوَيز، وتقرّب منه وانقطع إليه مدّة بعد أن ترك الكمال بن البارزي، وكان مقدَّماً عنده، وتنقّلت به الأحوال بعد ذلك إلى أن توجّه إلى الجبال المقدّسة التي يقال لها جبال حميدة وعندها (الجمع) (٦) الجم الغفير من العربان، فنزل عند بعض العشير منهم وداخَلهم وتمكّن من عقولهم واستليشهم في عينه واستخفّهم فدعا لنفسه بأنه
стр. 294
المهدي أو القحطاني على ما قيل، فراج بينهم وأطاعوه لدهائه ومكره وحِيَله وحُسن تصرَّفه، وتبعه جماعة من العرب وانضمّ إليه خلق عددهم كثير فاستغواهم ووعدهم ومنّاهم وملأ آذانهم من تلك المواعيد، فانتشر خبره وشاع ذِكره في أواخر هذه السنة حتى بلغت السلطان أخباره فاستشاط على عادته من غير أن يعلم من هو هذا حتى عرف بعد ذلك على ما نبيّنه، فكاتب نائب القدس بأمره بالفحص عنه والقبض عليه وتتبّع أحواله على أتمّ وجه، فبحث نائب القدس عن القضية حين ورد عليه أمر السلطان وفحص عن ذلك حتى بلغه أن شيخ العشير بنابلس وهو الذي يقال له ابن عبد القادر يعرفه فطلبه وسأله عن ذلك، فأنكر أن يكون على اطلاع (١) على مراده، وإنَّما وصل إليه وهو شخص في زيّ طلبة العلم معه عدّة أحمال تشبه أن تكون كتبًا علميّة، وأنه سأل منه أن يجهّز معه من يخفره إلى أن يصل إلى مقصده وفارقوه ولم يعلموا مراده، ولا اطّلعوا على ما في ضميره، ولا عرفوا شيئًا من حاله سوى ذلك، ولا علموا من هو ولا من أين هو، فكاتب نائب القدس السلطان يخبره بذلك، فاستدلّ الناس بأنه الفرّياني، وعرّفوا السلطان بحاله، وأنه كان يدور بقرى الريف ويعمل المواعيد، وذكروا له أحواله.
وأمّا الفُرّياني فلما بلغه تطلُّب السلطان له خاف على نفسه ولا زال حتى خمل وخمد ذِكره، وكان بأخرة يتنقّل بين دمشق وطرابلس، وكان لما يرد إلى طرابلس ينزل بدار ناظر جيشها شرف الدين موسى بن يوسف بن الصفيّ الكَرَكي، وكان يحسن إليه، وانتهى أمره أن مات باللاذقية في سنة اثنتين وستين وثمانمائة.
وكنّا إذ ذاك بطرابلس والوالد بها على إمرة عشرين طرخانًا، وكان عنده من الكتب الشيء الكثير، وكانت مودوعة عند ناظر الجيش المذكور، ومات وهي عنده.
وكان الفرّياني هذا داهية من الدواهي، يُحكى عنه أشياء، مهولة واقتحام أمور عجيبة. وكانت نفسه تحدّثه بأمور كثيرة، منها أنه سيلي الأمر، وأنه سيكون له شأن، ولم يكن يخفي ذلك، بل يصرّح به، لكنْ لأصحابه ومن يطمئنّ إليه.
وأظنّ أن الذي أوقعه في ذلك كثرة اطلاعه على أخبار الناس ومعرفته بأحوال من قام مثل المهدي عُبيد (٢) اللَّه بالمغرب، والمهدي محمّد بن تومرت وغيرهما، فتشبّث بمخيّلته أنه إذا قام جاء منه، على أن ذلك من الممكن، ولم يكن له
стр. 295
شيء (١) مما ظنّه وتخيّله، ومات خاملًا، فاستراح من تبِعات الدنيا التي لم ينلها أن لو نالها على زعمه، فرحم اللَّه امرءًا (٢) عرف قدره فلم يتعدّ طوره.
[قدوم السوبيني والسراج الحمصي إلى القاهرة]
وفيها، أعني هذه السنة، قدم البرهان السُّوبيني من مكة إلى القاهرة (٣).
وقدم أيضًا السراج الحمصي (٤).
ولهج أهل التنجيم أيضًا بأن دولة الظاهر تنقضي فيها، ولم يكن شيء (٥) مما ذكروا ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] جلّ وعلا.
стр. 296
ذِكر نُبَذٍ (١) من تراجم الأعيان ووفياتهم في هذا الزمان سنة ٨٤٨
[القاضي الحنّاوي]
٥٨ - أحمد بن محمّد بن إبراهيم، وسها (٢) الحافظ ابن (٣) حجر فقال: أحمد بن إسماعيل الفيشي الحسيني القاهري، المالكي، القاضي شهاب الدين، الشهير بالحِنّاوي (٤).
نسبه إلى الحِنّاء وهو الخضاب المعروف. والحُسيني: نسبة إلى الحُسينية محلّة بظاهرة الحنّاوي معروفة وكان يسكنها الشهاب هذا فنُسِب إليها.
ولد في شعبان سنة اثنتين (٥) وستين وسبعمائة بفيشا قرية بالغربيّة.
ونشأ ذكيًّا، يقظًا، فطِنًا، مشتغلًا بالعلم، وأتقن العربية وبرع فيها بل وفي غيرها، وأفتى ودرّس بعدّة أماكن كالمنكوتمُريّة وغيرها، وولّي مشيخة خانقاه الطنبذي بالصحراء، وناب في الحكم المالكي وكان خيّرًا ديّنًا، عالمًا، نزهًا، ذا
стр. 297
سمت حسن، وتؤدة، لطيف الذات، حشمًا، وقورًا، أدوبًا، ساكن النفس، كثير الصمت، قليل الشرّ، كثير البِشر، طلْق الوجه والمُحيّا، ذا فضل وبِرّ وعلم. انتفع به الطلبة في العربية وغيرها من الفنون العلمية، وسمع الحديث، وكان أعلى طبقة من الحافظ ابن حجر لعُلوّ سنّه، فإنه يزيد سنّهُ على الحافظ باثنتي عشرة سنة، وسمع من شيوخ الحافظ أيضًا وقرأ أيضًا، وطلب بنفسه وقتًا على ما ذكره الحافظ عنه في ترجمة له في تاريخه (١).
وقد ترجمه لي رجل ممن يعرفه وكان يتخدّم في بعض الأوقات إليه، فأطنب في ذِكر محاسنه وحُسن عِشرته وزيادة فضله ومروءته، وهو الذي أخبرني بسنة مولده. قال: سمعت منه، ثم رأيت الحافظ ابن حجر ترجمه، وذكر أنه مات وقد جاوز الثمانين بيقين، وإنّما الشك في الزيادة، فقال الحافظ: فقيل ست وقيل: أكثر، وهذا يساعد ما نقله لي عنه ذلك الناقل. ثم بعد ذلك كله رأيت في تاريخ الحافظ السخاوي (٢) إنه ولد في شعبان، لكنه قال في سنة ثلاث وستين. والحافظ هذا معتَمَد في مثل ذلك، فلعلّ من أخبرني وهِم، وبه أجزم لأنَّه ليس من أهل الضبط وإن كان ديّنا.
توفي صاحب الترجمة في ليلة الجمعة ثامن عشرين جمادى الأولى، ﵀.
٥٩ - تمراز المؤيَّدي (٣).
أحد مقدَّمي الألوف بدمشق.
كان من مماليك المؤيّد شيخ، وتنقّلت به الأحوال بعده إلى أن صار أمير طبلخاناه بدمشق وأحد الحجّاب بها أظنّه الثاني بقرينة كونه كان أمير طبلخاناه، ثم صار من جملة مقدَّمي الألوف بها.
توفي في ليلة الأربعاء عشرين ربيع الآخر.
وقد عرفت فيما تقدّم معنى اسمه وما فيه.
(ترجمة قرايُلك) (٤)
٦٠ - حمز ة بن عثمان بن قُطْلُبَك بن طرغلي التركماني المعروف بابن قرايُلُك (٥).
стр. 298
وقرايُلُك هو عثمان والد حمزة هذا. صاحب آمِد وماردين وغيرهما من ديار بكر. وأخبار قرايُلُك مشهورة، وسيرته معروفة مذكورة لا حاجة لنا إلى التطويل بذكرها. ولنذكر منها قدرًا يكون عونًا لمن غفل عن ذلك.
٦١ - إعلم أن قرايُلُك المسمَّى عثمان هو الذي خرج إليه الأشرف بَرسْباي إلى قتاله لآمِد، وجرى بينهما ما هو مشهور، وًال أمر قرايُلُك هذا إلى أن وقع بينه وبين إسكندر بن قرا يوسف أخي (١) جهان شاه حرب، وكان إسكندر لم يقصده بل كان وقع بينه وبين مروان شاه بن تيمورلنك قتال، وفرّ منه، وبلغ ذلك قرايُلُك فتبعه وكان من أمره أنه انهزم وقصد أرزَن الروم أحد بلاد مملكته، فحِيل بينه وبين قلعتها، فرمى بنفسه إلى خندق المدينة لينجو فوقع على حجر شجّ دماغه، فحُمل منه إلى المدينة فمات بها بعد أيام قلائل. ويقال بل غرق بالخندق ومات.
وكان عمره نحو المائة سنة، فجُهّز بعد موته ودُفن خارج المدينة، فوردها إسكندر ونبش قبره وحزّ رأسه وبعث بها إلى القاهرة، فسُرّ الأشرف بذلك، وأمر بها فطيفت بشوارع القاهرة، ثم عُلّقت على باب زويلة أيامًا. وكان أصل والده من الأمراء الأرتُقيّة الأتراك.
٦٢ - ونشأ ابنه عثمان هذا بتلك البلاد، وملك بعد أبيه، ووقع له مع ملوك الشرق الوقائع الكثيرة المشهورة، وعمل بعد ذلك بخدمة الطاغية تمر اللنك، وكان جاء ليسأله لما قدم دمشق في سنة ثلاث وثمانمائة، وطال عمره في الشرور والفِتَن والحروب، ووقع بينه وبين جَكَم الذي تسلطن بحلب ولقّب نفسه بالعادل الواقعة المشهورة، وقتل جَكَم قرا وسرّ قرايُلُك هذا وقوي أمره، ثم ملك ماردين وقتل صاحبها، وكان بينه وبين العربان من آل فضل ونُعَير، بل وغيرهم الوقائع الكثيرة، ولقي منه أهل ديار بكر وملوكها غاية الشدائد والأنكاد وخصوصًا ملوك الحصن من بني أيوب فإنهم كانوا في غاية الحصر والضنك منه وفي البلاء العظيم، ولم يزل يتداول الحروب والشرور مع الملوك ويتحرّش بهم مدّة مديدة. وكان طويل الروح صبورًا على الأهوال والقتال ومحاصرة القلاع والمدن يباشر القتال في الحروب بل وجلّ الأمور بنفسه، ويقتحم الأهوال والحروب لكثرة ممارسته وطول عُمره مع عدم شهرة بشجاعة، وكان أكبر أحواله الهزيمة بعد الثبات الشديد، وإظهار الجلادة والصبر، ثم يكرّ مرة بعد أخرى ويغزو ويكرّ، وكان كثير المكر والحِيل والخديعة والغدر فأخذ البرهان أحمد صاحب سيواس بغدره وحيلته، وكذا فعل
стр. 299
مع ابن عمر وقتلهما، وبالجملة فكان من الأشرار الفجّار، أحد المفسدين في الأرض، ومع ذلك كلّه، فكان أحسن حالًا من بني قرا يوسف، فإنه كان متمسّكًا بالإسلام في الجملة، وكان يحبّ الصالحين ويعتقدهم، ويحمث الفقراء والعلماء ويعظّمهم بخلاف أولئك على ما هو المشهور من سيرة كلِّ من الطائفتين. وهذه نبذة يسيرة من خبره.
ولما مات قرا يُلُك هذا خَلَفَه ولده صاحب الترجمة فملك ديار بكر بعده وكان أيضًا كأبيه في قُبح سيرته وكثرة شروره من أوباش التركمان الفَسَقة وأهل الشرّ.
توفي في أوائل رجب.
وكان قد ورد حين موته في شعبان وملك بعده ولد أخيه جهان كيرين علي، ولا زالوا - أعني بني قرا يُلُك هؤلاء - حتى صاروا بأخرة ملوك العراق بل العراقين وآذربيجان على ما سيأتي ذلك في محلّه إن شاء اللَّه تعالى من هذا التاريخ حين ذِكرنا قضايا حسن الطويل وما آل به الأمر إليه من قتْل جهان شاه وملْك بلاده، بل وقتل بو سعيد صاحب سمرقند وما جرى منه وله من الحروب، وتوتجهه للقاء السلطان محمّد بن عثمان صاحب الروم، وما وقع من الحرب بينهما وكذا بين العساكر المصرية وذِكر وفاته، وتحليف أولاده، وآل ملكه لولده يعقوب شاه الذي هو بيده الآن في زمننا هذا الذي علّقنا فيه تاريخنا هذا، ونذكر ماجريّة يشبُك من مهدي الدوادار مع عسكره الذي كان مقدَّمًا عليهم أميره بايندر وكيف قتل يشبُك ونفصل ذلك في محالّه أتمّ تفصيل، وإنّما ذكرناه لك هاهنا لتكون على بصيرة منه واستشراف لمحبّيه.
٦٣ - سُنقُر (١).
أحد الأمراء الطبلخاناة بدمشق وأحد حجّابها، وكان قبل ذلك نائبًا بحمص.
توفي بدمشق في هذه السنة.
وسُنقر: اسم بالتركية لطائر، ثم جُعل عَلَمًا على الشخص.
(سودون) (٢)
٦٤ - سودون النَوروزي (٣).
حاجب الحجّاب بدمشق. كان من مماليك نَوروز الحافظي، وتنقّلت به الأحوال بعد موت أستاذه بالبلاد الشامية إلى أن وُلّي دوادارية السلطان بحلب
стр. 300
بعد نقل منها إلى حجوبية الحجّاب بدمشق بمالٍ بذله فيها، ولم يتأمّر بمصر قطّ. وكان قليل الشرّ والأذى، متوسّط السيرة في غالب أحواله.
توفي في هذه السنة.
واسمه مركّب من "سُود" بإظهار الواو مشبَعَة، وإلّا فهي في الأصل "سُدْ" وهو اللبن الحليب وأمّا "أدن" الكلمة الأخرى فهي أيضًا كذلك في الإشباع بالواو. و"أدن" اسم للدقيق فكأنه قيل: حليب ودقيق.
وذكر لي بعضُ من أهل هذا اللسان التركي أنَّها محتملة بشيء آخر بأن تكون كلمة مقدرة سُودون ومعناها حليبة أو لبنة، فإنّ عادتهم في الضمير أن يؤتى بنون آخر الكلمة وكلامهما محتمل، والأول أرجح، وهو "سودأون" ثم خُفِّفت فجُعلت سودون بترك الهمزة وجُعلت علمًا على الشخص مع القطع في النظر عن المعنى.
٦٥ - طوخ (١) الأبوبكري المؤيَّدي.
نائب غزّة.
ذكره بعضهم في وَفَيَات هذه السنة، وأنه مات في أواخر ذي الحجّة، ووهِم في ذلك وهْمًا ظاهرًا، فإنه مات في أوائل محرّم من الآتية، وسنترجمه هناك إذا وصلنا إليه إن شاء اللَّه تعالى، وإنّما ذكرناه هاهنا تنبيهًا على وهْم الواهم.
و"طوخ" واوها زائدة لإشباع ضمّة الطاء وهي تقال بالخاء والقاف، ومعناها بالعربية: شَبْعان، وهو ضدّ الجَيعان بلغة التُرك، واستُعمل عَلَمًا على الشخص.
٦٦ - طوغان (٢).
دوادار الذي قبله.
مات معه في سنة واحدة، ووهِم من جعله في هذه السنة أيضًا.
وسيجيء مع طوخ في الآتية إن شاء اللَّه تعالى.
٦٧ - عبد الله الزُّرَعي (٣)، الدمشقي، القدسي.
стр. 301
الشيخ الصالح، القدوة، المعتقد.
توفي في هذه السنة بالبيت المقدس الشريف، ﵀ ونفع به.
(ترجمة ابن الحموي الخطيب الواعظ) (١)
٦٨ - عبد الرحيم بن أبي بكر بن محمود بن علي بن أبي الفتح بن الموفّق الحموي (٢)، القادري، القاهري، الشافعي.
الشيخ زين الدين. وسها (٣) الحافظ ابن حجر في اسم أبيه فقال: علي، وفي لقبه: فقال: ناصر الدين (٤).
ووهِم يوسف بن (٥) تغري بردي في اسمه ولقبه فقال: شمس الدين محمّد (٦)، وذا عجيب في الأوهام بل خطأ فاحش بين الإمام الخطيب، أعني الزين هذا بالأشرفية البَرسْبائية، والواعظ المشهور المعروف بابن الآدمي.
ولد بحماة بعد الثمانين وسبعمائة، على ما ذكره بعضهم في تاريخه.
ورأيت من قال: بعد التسعين. والأول أصحّ [و] أضبط.
ونشأ الزين هذا بحماة مشتغلًا بالعلم، فقرأ الفقه على ابن خطيب الروضة، وسمع الحديث بدمشق على جماعة، ثم انتقل في الفتنة إلى القاهرة، وقرأ الصحيح على حافظ العصر الزين العراقي، ولازم الشيوخ، ثم تعانى عمل المواعيد حتى مهر في ذلك وبرع وشُهر وطار صيته، وحصل له المال الطائل من ذلك، وكان له أمكنة ومواضع يعمل بها المواعيد ويقصده الناس ويهرعون إليه، ولا سيما النساء، وكان غالب وعده من كتاب يقرأ منه بنغمة طيّبة رخيمة، وأقرأ "صحيح [البخاري] ". وكان قد وُلّي الخطابة بالمسجد الأقصى، ثم عُزل عنها، واستمرّ على طريقته في عمل المواعيد، وكان قدومه للقاهرة بعد رحيل تيمورلنك عنها. وكان يقرأ "صحيح البخاري" أيضًا في شهر رمضان في عدّة أماكن، وكان له المرتّبات على ذلك من طلع ومبلغ كبير يحصل له في السنة، وتوئى خطابة المدرسة
стр. 302
الأشرفية أول ما فُتحت، فهو أول خطيب خطب بها، وكان للناس فيه حُسن الاعتقاد.
وتوفي فجأة في ثاني ذي الحجّة.
وكان قد عمل في يوم موته الميعاد على عادته في موضعين، وجاوز الثمانين. وخلّف.
أحدهم شيخ يقرُب الستين حين موت والده، وهو:
٦٩ - محمود والد إبراهيم الحموي (١).
الموجود في زمننا هذا، وهو رجل ساكن متديّن، متواضع، متَصَولح، ويُظْهر الزهد والعفّة.
أظنّه من أبناء الستين.
وهو أيضًا ممن رُزق القبول في وعظه فحُمِده لا سيما عند النساء ويهرعن إليه لسماعه من وإنٍ إلى مكان، وله عدّة أمكنة يعمل بها الميعاد، ويحضر مجلسه الجمع الوافر من النساء، بل ربّما كان كلّه أمن، النساء، وربّما طفن معه إذا قام من مكان وقصد غيره يتوجّهن معه منهنّ، وربّما سألنه في الطريق عن أسئلة سمجة أكثرها، وهو يجيبهنّ بما شاء، وله لديهنّ الحظّ يقف بينهنّ حتى صار يُدعى إلى ديار الأكابر الأعيان من أمراء وغيرهم، فيدخل الحريم ويجلس في حلقة النساء على كرسيّ، ويقرأ في أيام الحديث شيئًا من "البخاري"، ثم يتكلّم على ذلك بكلام في غاية الركاكة مع صوت منكر خلاف ما كان عليه صوت جدّه، ومع ذلك فيعجب النساء ويهرعن إليه، ويحصل له منهنّ الشيء الكثير.
أُخبِرت أن القاضي بدر الدين الدُمَيري الذي كان يُدعى بكتكوت كان يذكر عن إبراهيم هذا أنه يحصل له في كل عام من هذه الطريقة التي لزِمها نحو الألف دينار أو تمام الألف بما في ذلك من المبلغ والخلع من بندات صوف بفراء بسنجاب وغير ذلك، واللَّه أعلم بذلك ولا أستبعده. وبالجملة فإن له عند النسوة الحظ الأوفر بحيث لا يتحاشى من مكالمة الأجانب منهنّ لغير ضرورة، ويكرّرن الأسئلة عليه وهو يقرّر لهنّ الجواب ويطيل الخطاب. وله ولد ساكن النفس على سمت أبيه، دَرَبَ على طريقته، وكان وعك مرة فناب ولده عنه في أكثر مواضع مواعيده المرتّبة وغير ذلك.
وله أخ يُسمّى محمّد هو خطيب الأشرفية الآن.
• ولعبد الرحيم ولد آخر موجود الآن، وهو عمّ إبراهيم يقال له أحمد، كان ممن يتعانى الوقوف بباب السعد بن الديري قاضي القضاة من الأعوان. يُحكى عنه من
стр. 303
قلّة الدين وإدمان الشُرب ما لا عنه مزيد، مع أنه كبير السنّ، ستر اللَّه علينا وعليه (١).
أخبرني رجل من نواب الحكم الشافعي يُعرف بالبرديني عن عبد الرحيم هذا صاحب الترجمة أنه رأى النَّبِيّ ﷺ في المنام فقال له: الولد الصالح الذي تطلبه ليس من ولدك وإنّما هو من ولد ولدك.
قال: وكان عبد الرحيم هذا يتمنّى على اللَّه أن يكون له ولد صالح قال هذا الخبر. ويقال إن ذلك الولد الولد الولد هو هذا الذي يعرف بإبراهيم بن الحموي الآن. واللَّه أعلم.
٧٠ - عبد المحسن (٢) البغدادي، ثم المكي.
الشيخ المعتقد الصالح.
توفي بمكة المشرّفة في يوم الخميس ثالث عشرين صفر.
(ترجمة فيروز الساقي الزمّام) (٣)
٧١ - فيروز (٤) الجركسي، الساقي، الزمّام.
الطواشي الروميّ الجنس.
كان من خُدّام جركس القاسمي المصارع، وتنقّلت به الأحوال بعد موته إلى أن صُيّر ساقيًا في دولة المؤيَّد شيخ، وحظي عنده غاية، ثم عند الأشرف بَرسْباي، ثم انحطّ قدره عنده.
قال شيخ الإسلام البدر العَيني، ﵀، في تاريخه (٥) في ترجمته: ولم يكن مشكور السيرة، وكان عنده طمع زائد، وكان الأشرف ضربه ونفاه إلى المدينة النبويّة فأقام بها مدّة ثم استقدمه وولَّاه السقاية أيضًا على عادته ثم غضب عليه في مرض موته حين وسّط ابن العفيف وحضر وصرفه من السقاية وهدّده بالتوسيط.
стр. 304
وكان سبب ذلك أن الأشرف لما طال مرضه وانحطّ فيه قوي عنده أنه دُسّ إليه سُمّ وأن الأطبّاء لا ينصحونه، فاتفق أن أحضر إليه فيروز هذا في بعض الأيام بمغلى اليسريّة فأمره بأخذ الششني منه وكان صائمًا فامتنع من ذلك لأجل صومه، فزاد توهّم الأشرف واتّهمه، ولولا أجله لكان فيما وُسّط لكنّه أبعده، فلم يزل خاملًا إلى أن وُلّي الظاهر جقمق وهو أخو أستاذه جركس المذكور فطلب فيروز هذا وجعله زمام الآدرّ السلطانية والحريم دفعة واحدة بمرة عن جوهر اللالا، وظنّ به أنه ما بقي يقلع من هذه الوظيفة لكونه خادم أخي (١) السلطان، فكأنه أصيب بعين فلم يقم بها غير الستة أشهر أو دونها حتى صرف عنها بعد أن تغيّظ عليه السلطان لما صحب العزيز بن الأشرف من القاعة البربرية على ما هو مشهور في محلّه، ونسبه السلطان إلى العجز والتقصير وأراد نفيه فشفع فيه من النفي، فلم يزل مقيمًا بداره إلى آخر عُمره.
وذكر البدر العَيني (٢) أنه ولي الخازندارية أيضًا عن جوهر القنقبائي.
توفي في يوم الأربعاء رابع عشر شعبان، ودُفن بمدرسته التي أنشأها بحارة الوزيرية عند السوق الذي يباع به قرب السقّائين.
وكان قد أومى إلى خشداشه قانِبَاي الجركسي، فلما شرع قانِباي في التكلّم في ترِكته منعه من ذلك.
قال البدر العَيني (٣)، ﵀،: وفوّض أمره إلى شخص عامّي يسمّى أبو (٤) الخير النحاس عُقدت له الرئاسة في أيام هذا السلطان. انتهى.
أقول: وهذا كان من أعظم الأسباب في ظهور أبي (٥) الخير هذا وبداية ترقّيه والتنويه به وعظمه في الأعين كون مثل قانباي الجركسي يمنع، ومثل هذا يتكلّم في ذلك مكانه في هذه الجزئية وعوّضه في الزمامية بعده جوهر القنقباي.
وقال بعضهم في حقّه إنه كان لا بأس به بالنسبة إلى رفقائه، وأراد بذلك الفيروزان غيره، وهما: النَوروزي ورفيقه فيروز الركني.
(ترجمة ابن كمَيْل) (٦)
٧٢ - محمّد بن أحمد بن عمر بن كُمَيل (٧) بن عوض بن رشيد بن محمّد - وقيل علي - المنصوري، الشافعي.
стр. 305
الشيخ شمس الدين المعروف بجدّ أبيه كُمَيل، الفقيه البارع الكامل، الأديب، الشاعر الفاضل.
ولد بالمنصورة سنة خمس وسبعين وسبعمائة.
ونشأ مشتغلًا بالعلم بعد أدن حفظ القرآن العظيم، ثم حفظ "الحاوي"، ولازم الاشتغال كثيرًا حتى برع ومهر، ونظم الشِعر فأجاد في نظمه وفاق فيه على أقرانه، وكان ولي نيابة الحكم بالمنصورة هو وابن عمّه شمس الدين محمّد بن خَلَف بن كُمَيل فكأنَّما يتناوبان في ذلك مدّة. وكان هو يتعانى السفر إلى القاهرة في كل سنة مرة أو مرتين. وله نظم عال رائق في الذروة العليا. ومدح المؤيّد بقصيدة طنّانة لما رجع من سفره الذي خرج فيه لقتال نَوروز، وكان قد مدحه أيضًا حين سلطنته بمقطوع جيّد وهو هذا:
تملّك الشيخ وزال العنا … فالخلقُ في بِشْرٍ وتِيهٍ وفَيْح
فلا تقاتلْ بصبيٍّ ولا … تَلْقَ به جيشًا وقاتل بشيخِ (١)
وله الكثير من المدائح المفلقة الجيّدة في النَّبِيّ ﷺ ، ومدح جماعة أيضًا من أعيان الأكابر لا على طريق التكسّب بالنظم كما هو دأب غالب الشعراء بل على طريق المداراة أو تحصيل جاه الممدوح.
وكتب إلى الشهاب المنصوري (٢) مرة كأنّما يطارحه في سنة ستّ عشرة (٣)
стр. 306
وثمانمائة. وكان الشهاب إذ ذاك حدثًا صغير السنّ:
بُستانُنا زاهرٌ زَهِيّ … نُزهتُهُ الآن لن تَفُوتا
هل لك في أن تراه معنا … فسوف آتي وسوف تُوتا (١)
واستقلّ بقضاء المنصورة أيضًا فيما بعد وزيد عليها قضاء سلمون، ثم زاده الحافظ ابن حجر، ﵀، قضاء مُنية شيشين وباشر جميعها أحسن مباشرة، وظهرت سيرته المشكورة في قضائه، وكان قد انتشأ له ولد يقال له أحمد، وكان كثير الاغتباط به. ولم يزل ابن كُميل هو على ما هو عليه.
حتى توفي يوم الإثنين ثاني عشر شعبان غمًّا تحت الردم، وعلم من إخراجه من تحت الردم وهو غير مخدوش ولا مجروح بأنه إنما مات من الغمّ مستدلّين بما قلناه.
وكان من خبر موته تحت الردم أنه توجّه إلى سلمون لأمرٍ من الأمور التي هو بصددها وكان نزل بها في مسجد، وله به خلوة، وكان يعلو هذه الخلوة طبقة لطيفة لها سطح إلى جانب المئذنة (٢) التي للمسجد، فاتفق أن هبّت في تلك الليلة ريح (٣) عاصفة شديدة، واستمر في آخرها، وفي أول النّهار، فصلى الصبح ودخل إلى خلوته للراحة بها فاتفق أن قوي الريح على المئذنة (٤) فقصفها من نصفها وأسقطها على الطبقة لما وقع على سقفها، فنزل الجميع على سطح الخلوة التي هو بها وأخذ السطح ونزل به وبما نزل عليه من الطبقة والمئذنة الكل إلى الشيخ وهو قاعد بها لا شعور له بشيء من ذلك حتى ردمه الساقط فمات تحته غمًّا، وجاء الخبر إلى ولده فحضر من الكسوة في أسرع وقت ونبش عليه فوجده قد تصلّب الخشب عليه ولم يحصل له في جسمه لا خدش ولا جرح، فعرف بذلك أنه مات غمًّا لعجزه عن الخلاص من الردم، ﵀.
٧٣ - محمّد بن عبد اللَّه بن أحمد بن حسن المكي، الحنبلي.
الشيخ أبو الخير بن الزين الفضلائي.
стр. 307
لا أعرف مولده، وأعرف أنه كان له ثلاثة إخوة، كلٌّ اسمه محمّد، وهو الرابع، دخل الشام ومصر، وسمع على جماعة، وأجاز له خلق كثيرون.
توفي عصر طاعون هذه السنة.
٧٤ - محمّد بن عبد الرحمن بن محمّد بن عبد الناصر بن هبة اللَّه بن عبد الرحمن بن محمّد بن عبد الرحمن بن محمّد بن عبد الرحمن بن محمّد بن عبد المنعم بن ظاهر بن أحمد بن مسعود بن داود بن يوسف بن عبد اللَّه بن الزُّبَير بن العوّام الزبيري، القاهري، الشافعي.
الشيخ صدر الدين ابن (١) قاضي القضاة تقيّ الدين.
ولد سنة اثنتين (٢) وثمانين وسبعمائة تقريبًا.
ونشأ مشتغلًا بالعلم ولم يكثر، لكنّه كان لطيف الذات، حسن السمت والصفات، ذا تؤدة وحشمة ورياسة وعراقة، والحالة دنيا له، مليح المحاضرة، فكِه المذاكرة والمعاشرة وسمع الحديث على والدته ابنة الجمال بن العلاء التركماني، وعلي الفرسيسي.
توفي في هذه السنة، وما وقفت له على شهر وفاة.
ودُفن بتربة ابن (٣) جماعة.
(ترجمة الخواجا ابن المزلّق) (٤)
٧٥ - محمّد بن علي بن أبي بكر بن محمّد بن المزلّق (٥) الحلبي، الدمشقي.
الخواجا شمس الدين، التاجر المشهور الذي يُضرب به المثل في كثرة المال، كان كبير التجار الشاميين، ويقال إن أصلهم باعة رؤوس (٦) الضأن الغمة، واللَّه أعلم بذلك.
سمعته بدمشق غير مرة. وكان شمس الدين هذا من أهل الثروة الزائدة، وله صيت مشهور وحرمة وافرة عند عرب الحجاز حتى قطّاع الطريق منهم، وكانت ترد
стр. 308
إليه الحمول التي عليها اسمه فلا يقربها أحد من العرب، وربّما ساروا بها من مكان (١) إلى آخر، وكانت قفوله ترد إلى البلاد في وسط البا [دية] في بعض الأحيان على ما قيل وذلك لكثرة إحسانه إلى العرب، وكان يخيط لهم الثياب فيكسوهم بها يبعث إليهم ذلك في كل حين، فاستخدموه لذلك.
(كائنة غريبة عنه) (٢)
وأخبرني رجل من أعيان التجار بتونس وأنا بها في سنة سبع وستين وثمانمائة قال: أخبرني رجل من أهل بلادنا هذه اتفق له من ابن المزلّق هذا حكاية غريبة من النوادر فقال: كنت حججت ورجعت مع الحاج الشامي على دمشق لأنظرها قبل توجّهي إلى المغرب وعزمت على أن أقيم بها مدّة أقضي وطرًا من رؤيتها فيها ثم أتوجّه إلى القاهرة فأعود منها إلى المغرب، وكان خطر ببالي أن أشتري فصًّا من الياقوت أدفعه هدية لصاحب تونس تكون قيمته مبلغ مائة دينار أو ماية وخمسين، ولم أُعلِم أحدًا بما في ضميري من ذلك، بل بقيت أسأل عن الياقوت الجيّد وأنا أتطلَّب ذلك، فبقي الذي يسمعني أقول: أهديه لملك الغرب يظنّ أن ذلك من أغلى فصوص الياقوت الفاخرة، فأرشدني مرشد إلى ابن المزلّق فأتيته فرأيت أمرًا كبيرًا من الرياسة والعظمة والحشم والخدم والوكلاء، فأُدخلت إليه فرحّب بي ثم أخبرته بشأني، فقال لي: حبًّا وكرامة، وأنِس إليّ وأخذ يحادثني عن أخبار المغرب، وأمر بعض خدمه بإحضار الياقوت، فأحضرت إليه علبة فاخرة فيها فصّ (٣) ثم آخر، ثم آخر، ثم عدّد في يدي منها عدّة وقال لي: اختر أنت ما شئت، فاخترت واحدًا قال لي: هذا بستمائة دينار لك ولا أسومك فيه بل أراعيك، ثم حلف لي بأنه يسوى أكثر من ذلك، فاستحيت منه إذ لا قدرة لي على هذا الثمن، وعرق جبيني حياءً منه، فكأنه فطن بذلك فقال لي: من أثمان كم تريد الفصّ؟ فقلت: من مائة إلى مائة وخمسين، فضحك ثم أعاد تلك الأحجار إلى محلّها وأمر الغلام بإحضار علبة أخرى فأخرج لي منها فصًّا ذكر أنه يقرب من الماءتين في الثمن، وأعطاه لي وحلف أنه لا يأخذ ثمنه، وهذا غاية في الفضل والكرم والمروءة كما سمعت. ولما قدمت هذه البلاد بقيت أتفحّص عن أصل هذه الحكاية حتى بعثت إلى دمشق من يسأل عن ذلك من قدماء أصحاب الخواجا هذا لأقف على طرف من ذلك فما تيسّر لي تصديق ذلك المخبر، وسألت: هل أحضر له المغربي الثمن فقبله بعد ذلك أم لا.
стр. 309
(نادرة أخرى) (١)
ويحكى عنه أيضًا مما هو قريب من ذلك بل فوقها أنه باع مرة زيتًا بمبلغ كبير جدًا بقول المكثر فوق الخمسة آلاف دينار، وحمل ( .... ) (٢) وساروا به، ثم أخرجت من بئر الزيت فأرة ميتة، فركب بنفسه إلى أن لحق القافلة ومعهم ( … ) (٣) باعه فقال لهم: يا جماعة هذا الزيت بخس لا يجوز بيعه وقد أحضرت ثمنه إليكم، فإمّا أن تأخذوه وتمضوا في حال سبيلكم وتريقوا الزيت أو تريقوه وتحضروا معي أُعطِكم غيره، فأبى أهل القافلة من أخذ الثمن ومن الإراقة، وقالوا: ما عليك نحن رضينا، فلا زال بهم حتى أراقه وعاد بهم وأعطاهم زيتًا بدله، وهذه أيضًا لم أحرّرها من الثقات، بل سمعتها من الأفواه شائعة. وبالجملة فكان من المعدودين المشهورين من أهل الخير والبرّ والمعروف.
توفي في يوم الأحد سلْخ جمادى الآخرة، وقد ناف على الثمانين.
وكانت جنازته حافلة حضرها نائب الشام فمن دونه، وله مًاثر كثيرة وبِرّ وخير يُذكر به.
وهو والد السراج عمر، والبدر حسن ناظر جيش دمشق، وقد يُعرَف البدر هذا بالدولة وداخلهم، وتولّى نظر الجيش غير مرة، وتنقّلت به الأحوال حتى أتلف غالب مال والده، وكان ثقيل السمع، وبينه وبين الوالد صُحبة أكيدة، وكان يداوم التردّد إليه ونحن بدمشق، والوالد إذ ذاك من جملة مقدّمي الألوف بها.
وللخواجا شمس الدين هذا الدار التي على بابها الساعات بالهيئة الغريبة، وهي موجودة إلى يومنا هذا بدمشق، وقد بَطَلَت بعد موته. ولما مرض أوصى بثلث ماله يبدأ من ذلك تكملة عمارة الخان الذي (٤) أنشأه وما كمل وأن ينظّف منه وعسرة شعسع؟، ثم يقسّم ما فضل على أربعة أسهم، سهم لفقراء مكة، وآخر لفقراء المدينة، وآخر لفقراء البيت المقدس، وآخر لفقراء دمشق، فجزاه اللَّه تعالى خيرًا عن دينه وتقبّل منه سمته وفضله.
(ترجمة الشيخ شمس الدين ابن (٥) زُهرة) (٦)
٧٦ - محمّد بن يحيى بن أحمد بن أحمد بن دُغرة بن زُهرة (٧) الحِبراصي، الدمشقي، الطرابلسي.
стр. 310
الشيخ الإمام العالم العامل، الفاضل، الكامل، شمس الدين، أبو عبد اللَّه، المعروف بابن زُهرة.
ولد بحِبْراص في سنة ثمانٍ وخمسين وسبعمائة على ما أخبر به ولده شيخنا الشيخ تاج الدين عبد الوهاب.
ثم انتقل من حِبْراص (١) إلى طرابُلُس قبل بلوغه وقرأ بها القرآن العظيم، وحفظ "التنبيه" و"المنهاج الأصلي" و"ألفيّة ابن معطي"، و"عمدة الأحكام"، ثم اشتغل بالعلم فأخذ عن جماعة منهم: النجم الحسباني، والشمس الصرصري، والشرف الغزّي، والصدر الياسوفي، والشريشي، وأخذ في التفسير عن الزين القُرَشي، ولقي السراج البُلقيني فأخذ عنه وكان يسمّيه: شيخ الروضة، وأخذ أيضًا عن الشهاب الزُهري، وسمع الحديث على جماعة منهم ابن صدّيق، والكمال ابن النحاس، وكان يذكر أنه سمع على ابن قواليح، وحدّث، وكان من أعيان العلماء العاملين والمشار إليه ببلده ومفتيها وخطيب جامعها، وكان الناس ترجع إلى فتاواه، ودرّس وانتفع به الطلبة ونبغوا، ومن جملة طلبته الشيخ شمس الدين البلاطنسي، وغيره من العلماء المشاهير.
وله التصانيف الكثيرة في أنواع من الفنون، ورأيت تفسيره للقرآن العظيم وهو تفسير جيّد في عشر مجلّدات سمّاه "فتح المنّان في تفسير القرآن" وهو بخطّه، وله عدّة تصانيف أُخرى غيره كشرح المنهاج، والتنبيه، وغيره من المختصرات ( … ) (٢)، وكان ذا خير ودين وعلم وبرّ وقيام في الحقّ. وله قضية اتفقت مع السراج الحمصي قام عليه فيها أشدّ القيام، وقد ذكرها الحافظ ابن حجر في "تاريخه" (٣)، وهي مشهورة فيه.
стр. 311
توفي رحمه اللَّه تعالى في يوم الجمعة ثامن عشرين جمادى الأولى، ودُفن بتربة الجامع الكبير وتأسّف الناس على فقده، ﵀.
٧٧ - وترك ولده شيخنا العلّامة الشيخ تاج الدين عبد الوهاب (١) فقيه طرابلس الآن ومفتيها وخطيبها وابن خطيبها ومفتيها، وهو ممن أخذت عنه، بل وقرأت عليه وحضرت دروسه بجامع طرابلس. ونحن بها في سنة اثنتين (٢) وستين وما بعدها إلى أن خرجنا في سنة خمس وستين أو قبلها بيسير. وهو ذات حسنة وسمَتْ حسن.
ولد تقريبًا سنة سبع أو ثمان من هذا القرن بطرابلس، وبها نشأ في كنف أبيه. فقرأ القرآن العظيم، وحفظ "المنهاج" وغيره، والثشغل على أبيه ولازمه، وأخذ عن غيره أيضًا، وانتهت إليه رياسة مذهبه بطرابلس بعد أبيه، ووُلّي خطابة الجامع بها عِوضًا عنه، وأفتى ودرّس، وعلى ذهنه بعضٌ من أنواع الفروسية من الرمي بالنشاب وغير ذلك، وله نظم وسط، أستحضر منه هذا البيت من قصيدة، وهو قوله:
نحن المحبّين قد ضاقتْ مذاهبنا … فالقربُ ينعشنا والبُعد يَفنينا
وصنّف وألّف، وله تفسير القرآن اختصر فيه تفسير والده، وضمّ إليه أشياء من غيره سمّاه "التطريز في تفسير القرآن العزيز" رأيته بخطّه في مجلَّدين ضخمين، وله شروح عدّة على بعض مختصرات فقهية كالمنهاج، والتنبيه، والزبد، وغير ذلك، وهو الآن بتلك البلاد بصدد نفع الطلبة واشتغاله وقد كبُر سنّه، وكان يُلمَز بشيء يشينه اللَّه أعلم بصحّته، وكان ذلك في تلك الأمكنة، وأمّا الآن فيُذكر عنه الخير والدين والقيام في نفع المسلمين والصدع بالحق في خطبه والتبكيت على الظَلَمة
стр. 312
فيها، لا سيما ونواب طرابلس إنّما يصلّون بجامعها الأكبر، بل إنما يُعتَرف له بهذا في تلك الأزمان فإنه كان كثيرًا ما يبالغ في خُطبه ويُسمِع النواب ما ينكيهم، فجزاه الله خيرًا على ذلك.
٧٨ - يوسف بن خليل بن شاهين الشيخي.
أخي، مات في هذه السنة وهو صغير، فإنّ مولده في سنة ثلاث وأربعين.
٧٩ - وأمّه أمّ ولد اسمها يورباي أرضعتني مع ولدها هذا، وهي موجودة الآن وأكثر إقامتها عندي لمحبّتي إياها لمقامها عندي مقام الوالدة، ولكونها عتيقة الوالد، وهي خيّرة ديّنة، كثيرة الصيام والقيام، وكثرة الذكر والأوراد، وكانت ممّن تنتمي لوالدتي، وبينهما محّبة أكيدة.
أظنّها قاربت السبعين من السنّ.
٨٠ - يوسف بن محمّد بن أحمد بن يوسف الكَوْمي، القاهري، الشافعي.
الشيخ جمال الدين، المعروف بالكومي (١)، نزيل القانِبائيّة برأس سُويقة عبد المنعم.
كان خيّرًا ديِّنًا، مشكورًا، كثير العبادة، وله جلالة، ثم نزل بالخانقاه الصلاحية سعيد السُعداء، ولازم الوليّ العراقي مدّة، وسمع عليه وكتب عنه من أماليه (٢)، وأخذ بعضهم عنه.
توفي يوم الجمعة رابع رجب.
стр. 313
سنة تسعٍ وأربعين وثمانمائة
[حكام البلاد]
استهلّت هذه السنة والخليفة والسلطان وغالب من ذكرنا من ملوك الإسلام وأمرائهم وقُضاتهم وحكّامهم ووُلاة أمورهم، الجميع على حالهم ببلادهم، لم يبلغنا عن النائين من الملوك شرقًا وغربًا وفاة، فالكلّ على ما هم عليه، ما عدا صاحب آمِد وماردين وما والاهما من ديار بكر، فإنه في هذه السنة الأمير جهان غير بن علي بن عثمان بن قرايُلُك.
ومعنى "قرايُلُك": الحليق الأسود، فإنه كان أسمر اللون يحلق لحيته.
وقد عرفت، ولاية جهان غير هذا في المتجدّدات وفي ترجمة جهان، في الوفيات في السنة الماضية.
وما عدا نائب حماة، فإنه في هذه السنة قانِباي البهلوان نُقل إليها من نيابة صفد.
وما عدا نائب صفد فإنه في هذه السنة قانصوه النَوروزي، وُلّيها عن قِزطوغان.
وما عدا نائب الإسكندرية فإنه في هذه السنة تَنَم المحتسب الذي وُلّي نيابة الشام فيما بعد.
وقد عرفت ( … ) هذه التنقّلات فيما تقدّم في المتجدّدات.
ذكر نُبَذ (١) من المتجدّدات اليومية في هذه السنة القمرية
[شهر المحرّم]
[استهلال السنة]
كان أول هذه السنة في الابتداء بالجمعة بعد تكميل العدد، ثم ظهر بعد ذلك أنَّها بالخميس بالرؤية، وأُثبت ذلك.
стр. 314
ففيها في أول يوم من المحرّم وهو الجمعة، ثم ظهر أنه ثانيه طلع القضاة للسلطان يهنّؤنه بالعام والشهر على العادة في ذلك.
[ملاقاة الحجّاج]
وفيه أعني هذا اليوم خرجت الملاقاة مع الملاقين للحاج، وصحِبتهم الإقامات على العادة الجادية في مثل ذلك (١).
[إسلام أسرى صاحب بلاد الروم]
وفيه أسلم الأسرى الذين بعث بهم الملك ابن عثمان صاحب بلاد الروم حين بعث ( … ) (٢) مصرية على بني الأصفر لما غزاهم. وكانت الوقعة العظمى بينه وبينهم لتكون مبايعته مصداقًا لما أخبر به من النُصرة، وكانوا جماعة فأسلموا في هذا اليوم عن آخرهم، وذكروا المصاف الذي وقع بينهم وبين ابن (٣) عثمان ملك المسلمين هذا، وأن ملكهم قُتل في تلك المعركة مع وجود العسكر الكبير الوافر بحيث كان عسكرهم أضعاف عسكر المسلمين، وأن أحدًا لم يتوهّم فضلًا أن يحكم أو يجزم أن عسكرهم ينكسر ولا خطر ببال أحد ذلك، حتى ولا المسلمين، وذلك لأنّ الكفّار من بني الأصفر كانوا قد تحرّكوا حركة ظاهرة وواصلوا كثيرًا من الكفّار والفرنج في الاجتهاد في التجهّز ليوافيهم ملك بني الأصفر بعساكره لأخذ سواحل بلاد المسلمين، ثم التوصّل بعد ذلك إلى الاستيلاء على البيت المقدس، وجزموا بأخذ السواحل ورجوا بأنهم يأخذون البيت المقدس أيضًا، واهتفوا لذلك، ولم يشكّوا في غلبة المسلمين لا هم، بل ولا المسلمين لكثرة الجموع التي حضرت من غالب بلادهم وأنصارهم ممن يستطيعِ القتال، فما أمكن ابن عثمان لما بلغه ذلك التقاعد فخرج بجموعه لإعلاء كلمة اللّه تعالى بنيّة صادقة، وبايع نفسه هو وعساكره في ذلك، ناظرا إلى قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وكان من شأن أولئك الكفّار أنهم لما رأوا قلّة عراك المسلمين حيث قاربوهم، وعلم ملكهم بذلك، ورأى كثرة جموعه واتساع دائرة عساكره وكثرة الأمداد الواصلة إليه من كثير من البلاد من غير مملكته، بل نجدة لنصرة الدين على زعمهم إزاء عدوّ اللَّه أعني الملك أن يظهر نفسه بين قومه ومن حضر من العساكر القادمين عليه من الغرباء عن مملكته وبلاده، ويُريهم أنه مهتمّ
стр. 315
بشأن دينهم ليكون له المنّة (١) العظمى ويحمِّلهم بذلك جميله، لكونه لم يعبأ بالمسلمين في نفسه ولا رآهم في عينه. وكان ذلك يوم اللقاء وحين الحرب والقتال، وقد اشتدّ الأمر على المسلمين لِما رأوه من كثرة جمع الكفّار. وكانت الحرب بينهم بأرض فيها فسحة كثيرة الكوادي والرُها، ومن جهة الكفّار وكثير من عساكر الكفّار لم يحضر إلى ذلك الحين، بل هم في سَيرهم، وتلاحق بعضهم البعض، وظنّ المسلمون أن جموعهم من حضر فقط، ومع ذلك قد أحلّهم من الوهم من كثرتهم الأمر العظيم وبينا هم في أشدّ القتال حمل الملك بنفسه حملة واحدة طمعًا في المسلمين، وكان ذا أيدٍ وشجاعة وإقدام، فتوغّل في المسلمين وقتل منهم عدّة، ثم رجع، ثم كرّ ثانيًا حاملًا على المسلمين فصنع كصنيعه الأول، فاشتدّ الأمر على المسلمين وداخلهم أو كاد يداخلهم الرعب. وبينا هم على ذلك إذ تلاحق عساكر الكفّار إلى بعضهم أيضًا، وبقوا يبغوا من وراء تلك الجبال والوهاد والتلال ويتلاحقوا بجمعهم وينحازوا إليهم. ويقال ذلك عسكر الإسلام، وكادوا أن يهزموا، بل فرّ منهم جمع، ولاحت عليهم أمائر الفشل، وكادوا أن يجبنوا ويفشلوا على أنهم كانوا قبل ذلك على قربٍ من ذلك، فكيف الآن؟ وضاقت على ابن عثمان الأرض بما رحُبت في تلك اللحظة بل وظهر عليه أمارات الفشل، وخارت قوى الكثير من المسلمين، فبادر عصابة من أعيان أكابر الأمراء وأشياخهم من ذوي النكات والتجارب منهم ومن الجند الفرسان ذوي الآراء والهمم من الأشياخ وغيرهم ممن حنّكتهم التجارب وارتكبوا الأهوال وعرقوا الأمور فاجتمعوا عصابة واحدة وأخذوا في ملاطفة ملكهم بالكلام وتسكين ما به من شدّة ما وجّه من الأمر وخفّفوا عنه ما يجده وشجّعوه وقوّوا جَنانه وجأشه وهوّنوا عليه الأمر فكلّموا بلغتهم التركية ما معناه أنه إن وقعت هزيمة أو نحوها ذهب الإسلام من الروم، وركب الكفّار أقفية المسلمين فلم ينج منهم ناجٍ ويهلكوا عن آخرهم، ويبقى الإثم على الملك، وهيهات إن نجا هو أيضًا فإنه متوغّل في بلاد الكفر والرأي في إظهار الجلادة والصبر والثبات وتطمين الملك قلوب العساكر وتحريضه إياهم بنفسه وإن جهل الموت فليكن ونحن مقبلون لا مُدبرون، ولعلّ اللَّه تعالى يأتي بالفرج والنصر وكلمات أُخَر من جنس هذا المقال، ثم جاء جماعة فقيّدوا فرس ابن عثمان ثم احتاطوا به، وحرّض بعضهم بعضًا، وقالوا: أخلصوا النيّات ولا تخافوا، فإن اللَّه ينصر دين نبيّه وانظروا كيف بدأ دين نبيّكم وكان في غاية القفة مع جموع الكفّار وكثرتهم، اثبتوا تُنصروا وتؤجروا، وإن كانت
стр. 316
الأخرى فلتكن وأنتم في نصرة الدين بالإقبال ولا مُكْن بالإدبار تقتلوا وتُخْزَوا، والموت بجميلة خير منه بلا جميلة. فاشتدّ بذلك عضُد العسكر الإسلامي بعض الأشتداد. وبينا هم على ذلك إذ حمل الكافر عدوّ اللَّه تلك الكفّار، وكان اسمه قرال حملةً ثالثة كعادته الأولى والثانية. فكانت هذه الحملة هي القاضية التي هلك فيها، وقصد عصابة المسلمين المحيطة بالملك. ولما رأى ملك المسلمين ذلك أمر بأن يُفسحوا له في صورة قرب الانهزام أو التأخّر خوفًا منه ليتوغّل فيهم، وكان رأيًا سعيدًا مباركًا، بارك اللَّه فيه وعليه، ففسحوا له، فتوغّل فيهم وقصد نحو ابن عثمان، فبادر الرُماة فى استقباله بالسهام، واقتحموا عليه، وكثُر عليه الرمي فأصابه سهم أطاحة عن فرسه على أمّ رأسه فسقط إلى الأرض حين اشتدّ القتال، وتلاحم الحرب. وقد ملأ اللَّه تعالى قلوب المسلمين بالشجاعة، وذهب ذلك الذي اعتراهم أوّلًا كأنه لم يكن، وصاح ابن عثمان بنفسه على جنده محرّضًا لهم، مُقَوّيًا لقلوبهم بعد أن نزل إلى اللعين من حزّ رأسه في الحال وجعلها على رمح ورُفع، وصاحوا صيحة واحدة، وأعلموا بالتكبير، ومشوا على الكفّار، والرأس أمام فرس ابن عثمان. وقد حمل المسلمون حملة واحدة وحطموا في بقيّة الكفّار، وتراجع كثير من المسلمين ممن كان قد فرّ من قبل رأي الأشياخ، فولّى الكفّار الأدبار، وظهر من نصر اللَّه تعالى دينه، وأعلى (١) كلمته في ذلك اليوم ما لم يخطر ببال، ونودي في الكفّار بقتل ملكهم قرال، وكان معه مدبّره بال كو، وله أخبار غريبة عجيبة، وفُقد معه من العساكر لما شهدوا رأس الملك على الرمح، واشتهر قتله، وسمعوا المنادي به وولّوا الأدبار، وانهزموا بغير قتال، وركب المسلمون أقفيتهم بالأسلحة المصلتة والبرادعين والسيوف وغير ذلك فقتلوا وسبوا وأسروا وكسروا (٢).
ومن غريب الاتفاقات في ذلك اليوم أن قطيعًا من الغزلان ثار بتلك البرّيّة، وثار به جمع وافر (٣) من الوحوش الكاسرة لافتراس الغزلان، فثار بين الفريقين غبرة عظيمة هائلة ظنّها الكفّار مددًا ونجدة للمسلمين، فزاد رعبهم واشتدّ عليهم الأمر وهُزموا أقبح هزيمة وأشنعها لا يلوي أحد منهم على أحد، واشتدّ الغبار فيما بينهم أيضًا فحصل بينهم اصطدام وازدحام قتل بعضهم بعضًا، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]. أعزّ اللَّه تعالى الإسلام في
стр. 317
ذلك اليوم وأذلّ الكُفر، وكانت واقعة من أعظم الواقعات، وأشهر الغزوات تعرف إلى يومنا هذا بوقعة قرال.
أخبرني بغالب من ذكرته وأثبَتُّ هاهنا مَن حضر هذه الوقعة، وكان فيها ممّن لا أثّهمه في أخباره.
ولما استقرَّ الحال جهّز ابن عثمان بكل جهة من بلاد المسلمين مبشّرًا بنُصرته على الكفّار، وجهّز عدّة من الأسرى، وكان فيمن جهّزه العدّة التي أسلموا في هذا اليوم، فأسلمهم السلطان بعد إحضارهم لتغري بَرْمَش الزَرَدْكاش، فبقوا عنده وهو يجيّش لهم الأعلام إلى أن أسلموا كلّهم، فعرّفهم السلطان على الأمر ليخدموا عندهم على جوامك ترتّب لهم، ومنهم من هو موجود إلى يومنا هذا، وللَّه الحمد والمِنّة على ذلك.
[سقوط مئذنة المدرسة الفخرية]
وفيه، في ليلة الجمعة ثانيه، سقطت مئذنة المدرسة الفخرية العتيقة التي بسُويقة الصاحب بالقرب من سوق الرقيق، وكان قد أنشأها الأمير فخر الدين عثمان قزل الياروقي أستادّار الملك الكامل محمّد بن العادل بن أيوب، وكان نهايتها في سنة اثنتين (١) وعشرين وستمائة، وكان قد قدم بناؤها وعتق وأحسّ بمَيلان منارتها، وقدم إلى المكان بالربْع المجاور للمدرسة بأن يأخذوا حِذرهم من المئذنة، إذ ربّما سقطت فلم يأخذوا الحذر، فلما سقطت نزلت على واجهة الرَبْع، وسقط البعض منه على البعض، فارتدم وهلك تحته جماعة من السكان كثيرون، وأصبح يومًا مهولًا في ذلك الخُط: اجتمع فيه حاجب الحجّاب تَنِبَكُ البُرْدُبكي، ووالي الشرطة، وحفروا الردم فأخرجوا جماعة كثيرة من الناس موتى، وقليل من الأحياء، ولكن كل من أخرج حيًّا كان مصابًا مهشّمًا (٢) ونحوه، إمّا بيده أو رِجله أو ظهره، وسلم منهم بعض نادر. واتصل هذا الخبر بالسلطان فاستشاط على عادته، وحنق حنقًا زائدًا، واغتاظ غيظًا شديدًا، وأمر بإحضار الناظر على المكان المذكور، وكان شخصًا يقال له نور الدين القليوبي أمين الحكم الشافعي، فلما حضر عنده تغيّظ عليه.
قال البدر العيني (٣)، ﵀: وأمر بتوسيطه، فشُفع فيه. قال: وخاطب
стр. 318
القاضي شهاب الدين ابن (١) حجر أيضًا بخطابات مُنْكية بسبب ذلك، ثم عزله عن القضاء وجميع نوّابه أيضًا، وألزمه بمالٍ عظيم لم نتحقَّق كميّته.
قال: وولّي عوضه شمس الدين القاياتي، ثم بعد أربعة أشهر أيضًا عزله ابن حجر عن مشيخة خانقاه بيبرس، وأعطاها للقاياتي أيضًا وأعطاه إيّاه تدريس الشافعي لما مات رفيقه شمس الدين الونائي. انتهى كلامه.
قال: ذكر الحافظ ابن حجر، ﵀: هذه الواقعة بعينها (٢)، ثم قال بعد أن طلب الناظر المذكور تغيّظ عليه، وظنّ أنه ينوب في ذلك عن القاضي الشافعي، يعني نفسه، قال: فبسط لسانه في القاضي إنكارًا عليه في التفريط في مثل ذلك، ثم انكشف أن القاضي ليس له في ذلك ولاية ولا نيابة، ولا عُرف بشيء بذلك منذ وُلّي وإلى يوم تاريخه. انتهى.
أقول: ولما جرى هذا الأمر ووقعت هذه القضية وبلغ من بغض من الحافظ ويحسده تحزّب عليه وبقي يلقى أشياء حتى تبلغ السلطان ليزداد حنقه عليه، ودبّروا أشياء، وأغرى بعضهم السلطان، ونقل عن الحافظ بأنه يقول ويقول ويتبجّح بأشياء وينسب السلطان إلى الظلم، وأنه لا علاقة (٣) له في ذلك حتى يوجب تغيّظه عليه، فحنق السلطان من ذلك زيادة على حنقه وغضب مضافًا لغضبه وأوسقوه عليه من حين كائنة السقوط (٤).
[صرف ابن حجر عن القضاء]
وفيه، في يوم الإثنين حادي عشره، صرّح السلطان بصرف القاضي وهو حافظ العصر عن القضاء، وبعث إليه بذلك وأمره بأن يغرم دية الموتى، وهذا هو المراد بقول البدر العَيْني، ﵀، وألزمه بمال.
[ولاية القاياتي القضاء بمصر] (٥)
وفيه، في يوم الخميس رابع عشره، استقرَّ فيْ وظيفة القضاء الشافعية بالديار المصرية الشيخ شمس الدين محمّد بن علي بن محمّد القاياتي الشافعي بعد أن
стр. 319
طلبه إلى القلعة وقدّم له أن يتولّى القضاء فامتنع إلّا بشروط ذكرها، فأجابه السلطان إليها، فأُحضرت الخلعة ليلبسها فقال: قبلت الولاية ولا ألبس خلعة، فعفا عنه السلطان وأعفاه من لبسها، فإنه زعم أنَّها من جهة لا تطيب أو نحو ذلك مما ينبغي التورعّ عنه، وعُدّ ذلك من النوادر حتى قيل: بل لم يقع قطّ أن يتولّى القاضي ولا يلبس خلعة إلّا القاياتي هذا، أعني في هذه الدولة التركية غالبًا، فنزل من القلعة بثيابه البيض وعليه طيلسانة وقد أحضرت له بغلة من دار كاتب السرّ الكمال بن البارزي فركبها ونزل معه جماعة من أعيان الدولة ومباشريها، ومنهم الدوادار الكبير والثاني وهما بين يديه. ولما نزل بالمدرسة الصالحية قام بعض الرسل ليدّعى على الرسم المعهود في مثل ذلك فلم يسمع الدعوى وقال: هذه حيلة، ثم قام منها وتوجّه إلى داره، ثم طلب من له مباشرة في المودع الحكمي والأوقاف وغير ذلك بعد أن هرع الناس للسلام عليه وعلى المنفصل، أعني الحافظ، بل وسلّم كل من القاضيَيْن على الآخر بمنزله. ولما حضر الحافظ ابن حجر للسلام على القاياتي بمنزله تأدّب معه غاية التأدُّب، وأجلسه على مكرُمته، وجلس بين يديه وصار يُظهر غاية الحياء والخشوع، حتى إنه لما بلغ السلطان ذلك تعجّب من مشْي كلّ منهما إلى الآخر وأنكره، بل وصرّح بكلمات.
ومن غريب ما وقع في ذلك اليوم إنشاء الحافظ ابن حجر بأشهر من البيتين، وهما:
عندي حديث ظريف … بمثله يُتَغَنَّى
في قاضيَيْن يُعَزَّى … هذا وهذا يُهَنَّى
فذا يقول: أكْرَهُونا … وذا يقول: أُخرجنا (١)
ويُكرمان ونُهْزا (٢) … بمن يصدُق منّا (٣)
قال الحافظ السخاوي (٤)، أبقاه اللَّه تعالى، لما ذكر هذا: وكان كافّة الناس إلّا من شذّ توهم (٥) أنفا من إنشاد (٦) شيخنا - يعني بذلك الحافظ ابن حجر - قال: مع أنَّها في كتاب متداول بأيدي جمعٍ من الفضلاء، وهو "معيد النِعَم
стр. 320
ومبيد النِقم" (١) للتاج السُبْكي. قال: لكن البيت الرابع:
ويكذبان جميعًا … ومن يصدّق منّا
قال: وتأثّر القاياتي من إنشادها. إنتهى.
ولما ذكر ابن (٢) تغري بردي ولاية القاياتي قال: وظنّ كل أحدٍ أنه يسير في القضاء على قاعدة السلف لِما عهدوا منه. قال: فوقع الخلاف ما كان في الظنّ، ومال إلى المنصب وراعى الأكابر، وأكثَرَ من النوّاب، وظهر منه الميل الكلّي إلى الوظيفة حتى لو عُزل منها لَمَات أسفًا عليها (٣).
انتهى كلامه وهو كلام في غاية الفضول وقلّة الأدب والحياء لا طائل تحته، إذ عِلم القاياتي وخيره ودينه وتقشّفه وعفّته ظاهر لكل أحد، وليس مقام ابن تغري بردي أن يذكر مثل هذه الكلمات عن ذلك الرجل.
(تولية يلخُجا نيابة غزّة) (٤)
وفيه، في يوم الإثنين تاسع عشره، ووهِم من قال: ثامن عشره، استقرّ في نيابة غرة يلخُجا من مامش الساقي الناصري الذي كان أحد الطبْلخاناة ورأس نوبة ثاني، عِوَضًا عن طوخ الأبوبكري الذي قدّمنا ذِكره في التراجم والوفيات في الخالية (٥). وسيأتي مترجَمًا في وفيات هذه السنة، فإنه مات في أوائل هذا الشهر، ووهِم من قال في أواخر الحجّة.
[عودة أمير الحاج إلى مصر]
وفيه، في يوم السبت ثالث عشرينه، وكان على حساب الحاج ثاني عشرينه، وصل أمير الحاجّ بالمحمل وهو تمرباي، ودخل القاهرة على العادة (٦).