← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الأخرى فلتكن وأنتم في نصرة الدين بالإقبال ولا مُكْن بالإدبار تقتلوا وتُخْزَوا، والموت بجميلة خير منه بلا جميلة. فاشتدّ بذلك عضُد العسكر الإسلامي بعض الأشتداد. وبينا هم على ذلك إذ حمل الكافر عدوّ اللَّه تلك الكفّار، وكان اسمه قرال حملةً ثالثة كعادته الأولى والثانية. فكانت هذه الحملة هي القاضية التي هلك فيها، وقصد عصابة المسلمين المحيطة بالملك. ولما رأى ملك المسلمين ذلك أمر بأن يُفسحوا له في صورة قرب الانهزام أو التأخّر خوفًا منه ليتوغّل فيهم، وكان رأيًا سعيدًا مباركًا، بارك اللَّه فيه وعليه، ففسحوا له، فتوغّل فيهم وقصد نحو ابن عثمان، فبادر الرُماة فى استقباله بالسهام، واقتحموا عليه، وكثُر عليه الرمي فأصابه سهم أطاحة عن فرسه على أمّ رأسه فسقط إلى الأرض حين اشتدّ القتال، وتلاحم الحرب. وقد ملأ اللَّه تعالى قلوب المسلمين بالشجاعة، وذهب ذلك الذي اعتراهم أوّلًا كأنه لم يكن، وصاح ابن عثمان بنفسه على جنده محرّضًا لهم، مُقَوّيًا لقلوبهم بعد أن نزل إلى اللعين من حزّ رأسه في الحال وجعلها على رمح ورُفع، وصاحوا صيحة واحدة، وأعلموا بالتكبير، ومشوا على الكفّار، والرأس أمام فرس ابن عثمان. وقد حمل المسلمون حملة واحدة وحطموا في بقيّة الكفّار، وتراجع كثير من المسلمين ممن كان قد فرّ من قبل رأي الأشياخ، فولّى الكفّار الأدبار، وظهر من نصر اللَّه تعالى دينه، وأعلى (١) كلمته في ذلك اليوم ما لم يخطر ببال، ونودي في الكفّار بقتل ملكهم قرال، وكان معه مدبّره بال كو، وله أخبار غريبة عجيبة، وفُقد معه من العساكر لما شهدوا رأس الملك على الرمح، واشتهر قتله، وسمعوا المنادي به وولّوا الأدبار، وانهزموا بغير قتال، وركب المسلمون أقفيتهم بالأسلحة المصلتة والبرادعين والسيوف وغير ذلك فقتلوا وسبوا وأسروا وكسروا (٢). ومن غريب الاتفاقات في ذلك اليوم أن قطيعًا من الغزلان ثار بتلك البرّيّة، وثار به جمع وافر (٣) من الوحوش الكاسرة لافتراس الغزلان، فثار بين الفريقين غبرة عظيمة هائلة ظنّها الكفّار مددًا ونجدة للمسلمين، فزاد رعبهم واشتدّ عليهم الأمر وهُزموا أقبح هزيمة وأشنعها لا يلوي أحد منهم على أحد، واشتدّ الغبار فيما بينهم أيضًا فحصل بينهم اصطدام وازدحام قتل بعضهم بعضًا، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]. أعزّ اللَّه تعالى الإسلام في

стр. 317

ذلك اليوم وأذلّ الكُفر، وكانت واقعة من أعظم الواقعات، وأشهر الغزوات تعرف إلى يومنا هذا بوقعة قرال. أخبرني بغالب من ذكرته وأثبَتُّ هاهنا مَن حضر هذه الوقعة، وكان فيها ممّن لا أثّهمه في أخباره. ولما استقرَّ الحال جهّز ابن عثمان بكل جهة من بلاد المسلمين مبشّرًا بنُصرته على الكفّار، وجهّز عدّة من الأسرى، وكان فيمن جهّزه العدّة التي أسلموا في هذا اليوم، فأسلمهم السلطان بعد إحضارهم لتغري بَرْمَش الزَرَدْكاش، فبقوا عنده وهو يجيّش لهم الأعلام إلى أن أسلموا كلّهم، فعرّفهم السلطان على الأمر ليخدموا عندهم على جوامك ترتّب لهم، ومنهم من هو موجود إلى يومنا هذا، وللَّه الحمد والمِنّة على ذلك. [سقوط مئذنة المدرسة الفخرية] وفيه، في ليلة الجمعة ثانيه، سقطت مئذنة المدرسة الفخرية العتيقة التي بسُويقة الصاحب بالقرب من سوق الرقيق، وكان قد أنشأها الأمير فخر الدين عثمان قزل الياروقي أستادّار الملك الكامل محمّد بن العادل بن أيوب، وكان نهايتها في سنة اثنتين (١) وعشرين وستمائة، وكان قد قدم بناؤها وعتق وأحسّ بمَيلان منارتها، وقدم إلى المكان بالربْع المجاور للمدرسة بأن يأخذوا حِذرهم من المئذنة، إذ ربّما سقطت فلم يأخذوا الحذر، فلما سقطت نزلت على واجهة الرَبْع، وسقط البعض منه على البعض، فارتدم وهلك تحته جماعة من السكان كثيرون، وأصبح يومًا مهولًا في ذلك الخُط: اجتمع فيه حاجب الحجّاب تَنِبَكُ البُرْدُبكي، ووالي الشرطة، وحفروا الردم فأخرجوا جماعة كثيرة من الناس موتى، وقليل من الأحياء، ولكن كل من أخرج حيًّا كان مصابًا مهشّمًا (٢) ونحوه، إمّا بيده أو رِجله أو ظهره، وسلم منهم بعض نادر. واتصل هذا الخبر بالسلطان فاستشاط على عادته، وحنق حنقًا زائدًا، واغتاظ غيظًا شديدًا، وأمر بإحضار الناظر على المكان المذكور، وكان شخصًا يقال له نور الدين القليوبي أمين الحكم الشافعي، فلما حضر عنده تغيّظ عليه. قال البدر العيني (٣)، ﵀: وأمر بتوسيطه، فشُفع فيه. قال: وخاطب

стр. 318

القاضي شهاب الدين ابن (١) حجر أيضًا بخطابات مُنْكية بسبب ذلك، ثم عزله عن القضاء وجميع نوّابه أيضًا، وألزمه بمالٍ عظيم لم نتحقَّق كميّته. قال: وولّي عوضه شمس الدين القاياتي، ثم بعد أربعة أشهر أيضًا عزله ابن حجر عن مشيخة خانقاه بيبرس، وأعطاها للقاياتي أيضًا وأعطاه إيّاه تدريس الشافعي لما مات رفيقه شمس الدين الونائي. انتهى كلامه. قال: ذكر الحافظ ابن حجر، ﵀: هذه الواقعة بعينها (٢)، ثم قال بعد أن طلب الناظر المذكور تغيّظ عليه، وظنّ أنه ينوب في ذلك عن القاضي الشافعي، يعني نفسه، قال: فبسط لسانه في القاضي إنكارًا عليه في التفريط في مثل ذلك، ثم انكشف أن القاضي ليس له في ذلك ولاية ولا نيابة، ولا عُرف بشيء بذلك منذ وُلّي وإلى يوم تاريخه. انتهى. أقول: ولما جرى هذا الأمر ووقعت هذه القضية وبلغ من بغض من الحافظ ويحسده تحزّب عليه وبقي يلقى أشياء حتى تبلغ السلطان ليزداد حنقه عليه، ودبّروا أشياء، وأغرى بعضهم السلطان، ونقل عن الحافظ بأنه يقول ويقول ويتبجّح بأشياء وينسب السلطان إلى الظلم، وأنه لا علاقة (٣) له في ذلك حتى يوجب تغيّظه عليه، فحنق السلطان من ذلك زيادة على حنقه وغضب مضافًا لغضبه وأوسقوه عليه من حين كائنة السقوط (٤). [صرف ابن حجر عن القضاء] وفيه، في يوم الإثنين حادي عشره، صرّح السلطان بصرف القاضي وهو حافظ العصر عن القضاء، وبعث إليه بذلك وأمره بأن يغرم دية الموتى، وهذا هو المراد بقول البدر العَيْني، ﵀، وألزمه بمال. [ولاية القاياتي القضاء بمصر] (٥) وفيه، في يوم الخميس رابع عشره، استقرَّ فيْ وظيفة القضاء الشافعية بالديار المصرية الشيخ شمس الدين محمّد بن علي بن محمّد القاياتي الشافعي بعد أن

стр. 319

طلبه إلى القلعة وقدّم له أن يتولّى القضاء فامتنع إلّا بشروط ذكرها، فأجابه السلطان إليها، فأُحضرت الخلعة ليلبسها فقال: قبلت الولاية ولا ألبس خلعة، فعفا عنه السلطان وأعفاه من لبسها، فإنه زعم أنَّها من جهة لا تطيب أو نحو ذلك مما ينبغي التورعّ عنه، وعُدّ ذلك من النوادر حتى قيل: بل لم يقع قطّ أن يتولّى القاضي ولا يلبس خلعة إلّا القاياتي هذا، أعني في هذه الدولة التركية غالبًا، فنزل من القلعة بثيابه البيض وعليه طيلسانة وقد أحضرت له بغلة من دار كاتب السرّ الكمال بن البارزي فركبها ونزل معه جماعة من أعيان الدولة ومباشريها، ومنهم الدوادار الكبير والثاني وهما بين يديه. ولما نزل بالمدرسة الصالحية قام بعض الرسل ليدّعى على الرسم المعهود في مثل ذلك فلم يسمع الدعوى وقال: هذه حيلة، ثم قام منها وتوجّه إلى داره، ثم طلب من له مباشرة في المودع الحكمي والأوقاف وغير ذلك بعد أن هرع الناس للسلام عليه وعلى المنفصل، أعني الحافظ، بل وسلّم كل من القاضيَيْن على الآخر بمنزله. ولما حضر الحافظ ابن حجر للسلام على القاياتي بمنزله تأدّب معه غاية التأدُّب، وأجلسه على مكرُمته، وجلس بين يديه وصار يُظهر غاية الحياء والخشوع، حتى إنه لما بلغ السلطان ذلك تعجّب من مشْي كلّ منهما إلى الآخر وأنكره، بل وصرّح بكلمات. ومن غريب ما وقع في ذلك اليوم إنشاء الحافظ ابن حجر بأشهر من البيتين، وهما: عندي حديث ظريف … بمثله يُتَغَنَّى في قاضيَيْن يُعَزَّى … هذا وهذا يُهَنَّى فذا يقول: أكْرَهُونا … وذا يقول: أُخرجنا (١) ويُكرمان ونُهْزا (٢) … بمن يصدُق منّا (٣) قال الحافظ السخاوي (٤)، أبقاه اللَّه تعالى، لما ذكر هذا: وكان كافّة الناس إلّا من شذّ توهم (٥) أنفا من إنشاد (٦) شيخنا - يعني بذلك الحافظ ابن حجر - قال: مع أنَّها في كتاب متداول بأيدي جمعٍ من الفضلاء، وهو "معيد النِعَم

стр. 320

ومبيد النِقم" (١) للتاج السُبْكي. قال: لكن البيت الرابع: ويكذبان جميعًا … ومن يصدّق منّا قال: وتأثّر القاياتي من إنشادها. إنتهى. ولما ذكر ابن (٢) تغري بردي ولاية القاياتي قال: وظنّ كل أحدٍ أنه يسير في القضاء على قاعدة السلف لِما عهدوا منه. قال: فوقع الخلاف ما كان في الظنّ، ومال إلى المنصب وراعى الأكابر، وأكثَرَ من النوّاب، وظهر منه الميل الكلّي إلى الوظيفة حتى لو عُزل منها لَمَات أسفًا عليها (٣). انتهى كلامه وهو كلام في غاية الفضول وقلّة الأدب والحياء لا طائل تحته، إذ عِلم القاياتي وخيره ودينه وتقشّفه وعفّته ظاهر لكل أحد، وليس مقام ابن تغري بردي أن يذكر مثل هذه الكلمات عن ذلك الرجل. (تولية يلخُجا نيابة غزّة) (٤) وفيه، في يوم الإثنين تاسع عشره، ووهِم من قال: ثامن عشره، استقرّ في نيابة غرة يلخُجا من مامش الساقي الناصري الذي كان أحد الطبْلخاناة ورأس نوبة ثاني، عِوَضًا عن طوخ الأبوبكري الذي قدّمنا ذِكره في التراجم والوفيات في الخالية (٥). وسيأتي مترجَمًا في وفيات هذه السنة، فإنه مات في أوائل هذا الشهر، ووهِم من قال في أواخر الحجّة. [عودة أمير الحاج إلى مصر] وفيه، في يوم السبت ثالث عشرينه، وكان على حساب الحاج ثاني عشرينه، وصل أمير الحاجّ بالمحمل وهو تمرباي، ودخل القاهرة على العادة (٦).

стр. 321

[الأمر بنفي قراجا العمري الوالي إلى حلب] وفيه، في يوم الإثنين خامس عشرينه، أمر السلطان بنفي قَرَاجا العمري الناصري الوالي إلى حلب، وذلك لِما بلغه عنه من سوء السيرة، لا سيما في الركب الرجبي لما توجّه بهم لمكة المشرّفة (١). [شهر صفر] [محاسبة ناظر الجيش بطرابلس] وفيها، في يوم الإثنين ثاني صفر، عيّن السلطان كاكاي السيفي بيبُغا المظفّري أحد الدواداريّة للسفر إلى طرابلس لمحاسبة ناظر جيشها موسى بن يوسف بن الصفيّ الكَرَكيّ الأصل على ما كان تحت يده من التعلّقات السلطانية (٢). [ربيع الأول] [دخول فصل الصيف] وفيها، في يوم الأحد سابع ربيع الأول، دخل فصل الصيف، فنقلت الشمس لبرج السرطان (٣). [قدوم تغري برمش الفقيه ثائب القلعة] وفيه قدم تغري برمش الفقيه نائب القلعة من حلب ومن بلاد ابن رمضان التركماني، وكان قد توجّه إليها قبل ذلك هو والبدر محمود بن عُبيد اللَّه بسبب الكشف عن إبراهيم بن رمضان هذا لِما رُفع إلى السلطان بأنه وقع منه الأمور المنكَرَة المقتضية تكفيره، وكان في عزم السلطان قتله بحجّة شرعية فعاد تغري بَرْمش هو وابن عُبيد اللَّه في هذا اليوم (٤).

стр. 322

(تغيّظ السلطان بسبب ابن (١) رمضان) (٢) وفيه عمل السلطان المولد النبوي بالقلعة على العادة، وحضره القضاة والمشايخ. وحنق السلطان في هذا اليوم على القضاة، وتغيّظ على الحنفي تغيّظًا زائدًا بسبب تأخيره الحكم في إبراهيم بن رمضان المذكور بسبب ما وقع منه من الأمور المنكَرَة المستشفعة الموجبة لقتله في زعم السلطان، وتقرّر الحال على أن يُعقد له مجلس، فعُقد في هذا الشهر بعد أيام، فلم يثبُت عليه ما يقتضي فعله، وأمر بتعزيره فعُرر وأعيد إلى السجن وكان به قبل ذلك، فمات بعد أيامٍ قلائل (٣). [تغيّظ السلطان على كاتب السرّ ابن البارزي] وفيه، في يوم الأربعاء عاشره، تغيّظ السلطان على كاتب السرّ الكمال بن البارزي، فعز ذلك عليه وتعب لما أن نزل لداره يستعفي من وظيفة كتابة السرّ فلم يُجَب إلى ذلك (٤). [زوال تغيّظ السلطان على الكمال ابن البارزي] وفيه، في يوم السبت ثالث عشره، طُلب الكمال المذكور إلى القلعة وخُلع عليه خلعة الرضا (٥)، وزال تغيّظ السلطان عليه، ونزل إلى داره والناس معه من الأعيان وغيرهم، ومن لم يحضر هرع للسلام عليه (٦). [ربيع الآخر] (ولاية السفطي نظر البيمارستان) (٧) وفيها في يوم الإثنين ثاني ربيع الآخر، استقرّ الشيخ وليّ الدين محمّد بن أحمد بن يوسف السفطي في نظر البيمارستان المنصوري، وكان بيد الشيخ محبّ الدين بن الأشقر فصُرف عنه، وخلع على الوليّ بذلك خلعة سنيّة ونزل بها

стр. 323

إلى داره ومعه بعض جماعة ليست بالكثيرة، وأخذ هو في الاعتذار عن ذلك بأنه إنما فعل ذلك حياء من الشيخ محبّ الدين، فإنها وُلّيها لا عن اختياره وما أمكنه مخالفة السلطان، واللَّه أعلم بحقيقة ذلك (١). [استمرار ابن الأشقر في نظر الجيش] وفيه، في يوم الخميس خامسه، خلع السلطان على القاضي الشيخ محبّ الدين بن الأشقر باستمراره على ما بيده من وظيفة نظر الجيش، وسبب ذلك أنه لما أخرج عنه نظر البيمارستان أُرجف بإخراج نظر الجيش أيضًا، وأن في قصد السلطان ذلك، ثم تحرّك جماعة بالسعي في نظر الجيش، فاقتضى الحال استمرار من هي بيده، فخلع عليه بذلك قطعًا لظنون الناس ولجمعهم، فنزل بخلعة ومعه دَست المملكة بين يديه، وسُرّ به أكثر الناس، ودُحر من تحرّك وسعى (٢). (ولاية السُّوبيني قضاء حلب) (٣) وفيه، في يوم الثلاثاء عاشره، خرج الشيخ برهان الدين السُّوبِيني المعزول عن قضاء مكة في العام الماضي إلى حلب على قضائها بعد صرْف السراج الحمصي. فكان صرف وقُرّر البرهان عِوَضه. وكان الحمصي قد قدم القاهرة كما بيّنّاه في الخالية واجتمع بالسلطان فتغيّظ عليه ونهره وهدّده، بل وبهدله بالكلام المُنْكي، فبادر وقدّم تقدمة هائلة فأسكته بها بعض الإسكات. ثم اتفق أنه طلع للتهنئة في بعض الشهور، فأعرض السلطان عنه، فبادر بأنْ حلف له أنه لا يسعى في القضاء بوجهٍ من الوجوه، وأظهر غاية التعفّف عن القضاء وأنه لا رغبة له فيه، وبقي يُغضي من منصب القضاء ويُظهر الزهد فيه والعفّة عنه إلى الغاية، ثم لزم داره مع ملازمته للأكابر والتردّد إليهم على عادته توطئة لأخذ ما حلف أنه لا يسعى فيه (٤). [المطر في آخر شهور السنة القِبطية] وفيه، في يوم السبت عشرينه، أظلم الجوّ بتراكم الغيوم، وهبّت ريح باردة، ثم أمطرت السماء مطرًا يسيرًا بعد العصر، ودام ذلك إلى قدر مغيب الشفق،

стр. 324

وزلقت الأرض بالوحل. ووافق ذلك ثاني مِسرَى آخر شهور السنة القبطية، وعُدّ ذلك من النوادر المستغربة التي قلّ وقوعها (١). (ولاية شاذبك نيابة حماة وولاية غيره أيضًا) (٢) وفيه، في يوم الإثنين ثاني عشرينه، ووهِم من قال عشرينه، استقرّ في نيابة حماة شاذ بك الجَكَمي أحد مقدّمي الألوف. وشاذ بك هذا هو أستاذ قانِباي صَلَق الذي يقوله العامّة سلاق، وهو الذي صار بعد هذا التاريخ بمدّة من أخِصّاء الأشرف قايتباي سلطان عصرنا هذا الذي نحن به، ومات بحلب في نوبة باينْدر قبل الوقعة والقتال بمرضٍ اعتراه. وكان من العشرات، ثم صار من الطبلخانات وكان لا بأس به، خيّرًا، ديّنًا، [ذا] عصبيّة. وستأتي ترجمته في محلّها إنْ قدّر اللَّه تعالى لنا بالوصول إلى سنة وفاته إن شاء اللَّه تعالى. ووُلّي شاذ بك هذا نيابة حماة عِوَضًا عن قانِباي البهلوان لما نُقل قانِباي هذا إلى حلب عِوضًا عن قانِباي الحمزاوي لما عُزل الحمزاوي عنها، وتقدّم الأمر إليه بأن يحضر إلى القاهرة على تقدمة شاذ بك المذكور. وعيّن السلطان يونس البوّاب الذي صار دوادارًا كبيرًا بعد ذلك أن يكون مسفّرًا لنائب حلب قانِباي البهلوان يحمله إليها من حماة، وخلع على يونس بذلك. وسها (٣) الحافظ ابن (٤) حجر، ﵀، لما ذكر هذه القضيّة فقال (٥): ويتوجّه - أعني يونس - بنائب حلب بطّالًا إلى القدس. ولعلّه قصد أن يفصّل ذلك أولًا، وما أظنَّ إلّا أنه أشيع، فنقله الحافظ على الإشاعة، ولم يقع ذلك. وكذا سها (٦) في نائب حلب قانِباي لما ذكر عزله فسمّاه جُلُبّان، فإنه قال في "تاريخه " (٧): وفي هذا الشهر عُزل نائب حلب جُلُبّان، ولم يكن إلّا قانِباي هذا. ثم ذكر الحافظ المذكور في "تاريخه" (٨) بعد ذِكره هذه القصة بأسطُر أنه يقال إن السلطان قرّر في تقدمة شاذ بك دَولات باي الدوادار الثاني، وقرَّر الشهابي

стр. 325

أحمد صغير إينال اليوسفي في الدوادارية الثانية، وهذا أيضًا لم يقع، فيُحمَل على أنه قيل به ثم رجع عنه إلى ما قلناه، فعلّقه الحافظ في وقته ثم لم يحرّره فإنه كان فيما هو بصدده، وكان التاريخ فضلة عنده ولا يتفرغّ لتحريره، رحمه الله تعالى (١). (السبب في عزل نائب حلب) (٢) أقول: وكان السبب في عزل قانِباي هذا عن نيابة حلب أنه اتفق لشاهين نائب قلعة حلب، وكان خصّيصًا عند السلطان وأحد أتباعه المقرّبين لديه، واقعة حلب مع القاضي علاء (٣) الدين علي بن (٤) مفلح الحنبلي الذي وُلّي القضاء الحنبلية وكتابة السرّ جميعًا فيما بعد بدمشق، وكان من أصحابنا وأصحاب الوالد. ولعلّ تجيء ترجمته فيما بعد في سنة وفاته إن شاء اللَّه تعالى، اتفق له مع شاهين أمر من الأمور ادّعى ابن مفلح أن شاهين امتنع من الشرع وأنه وقع في محظور يقتضي التكفير، وكُتب عليه بذلك محضر، ثم بعثوا إليه ثانيًا لينزل من القلعة ليسمع عليه قاني من ذلك، وامتنع. وكان شاهين المذكور بعث مكاتبته إلى السلطان يشكو فيها من نائب حلب ويتظلّم منه، وأنه تعصّب عليه مع القاضي الحنبلي. واتفق أن كاتب نائب حلب أيضًا بما وقع لشاهين، وجهّز المحضر، فصادف وصول قاصد شاهين قبل قاصد نائب حلب، فحين وردت مكاتبة نائب حلب والمحضر استشاط السلطان، فإن الدعوى عنده دائمًا لمن سبق ولا سيما وشاهين من أتباعه، وحنق على نائب حلب حنقًا لا يشبهه شيء، وعزله، وقال: هكذا يفعل مع جماعتي وأُمنائي ويتعصّب عليهم. ثم عزل الحنبلي أيضًا، وكتب إلى حلب بإبطال القاضي الحنبلي فيها رأسًا. ثم أُرجف بأنه سيفعل ذلك بسائر بلاد مملكته مما فيها قاضي حنبلي، ولم يكن ذلك (٥). [جمادى الأول] [ذِكر كنيسة النصارى الملكية بالقاهرة] وفيها، في أول يوم من جمادى الأول، حضر القضاة عند السلطان

стр. 326

للتهنئة بالشهر على العادة، فكان قد رؤي في ليلة الثلاثاء رؤية ثابتة، وثبت، فلما هنّأوه به أمر القاضي الشافعي، وهو الشيخ شمس الدين القاياتي إذ ذاك، بأن يتوجّه هو والكمال بن البارزي كاتب السرّ إلى مصر العتيق (١) بسبب كشف كنيسة النصارى الملكية، وكان قد رفع القاضي نور الدين بن أقبرس ناظر الأوقاف إلى السلطان بأنه إلى جانب هذه الكنيسة مسجد، وأن جدار الكنيسة عالٍ على المسجد المذكور، وأنه يجب هدم هذا (٢) الجدار. وكان السبب في ذلك أنه كان لابن أقبرس هذا بريد دار، وكان كثير السلاطة على خلق اللَّه بالتظلّم والأذى والسعاية، فتسفط على بطرك النصارى الملكية لما استَلْيَشه في نظره، فإنه كان ولّي البطركيّة في السنة الخالية لما هلك البطرك فيها، وقُرّر هذا عِوَضه، فطمع فيه، فرفع البطرك أمره إلى السلطان بقَصة أوصلها لكاتب السرّ، فحنق ابن أقبرس منه في الباطن حميّة وتعصُّبًا لبرد داره، فذكر هذه القضية وهي أمر الكنيسة للسلطان، فأمر بما أمر في اليوم المذكور، فلما توجّه الشافعي وكاتب السرّ رأيا ومن معهما جدار الكنيسة الذي إلى جهة المسجد (٣) مائلًا جدًّا، فحكم أحد نوّاب الحكم الشافعي بإذن مستنيبه بهدم الجدار لئلّا يسقط على المسجد، وكان في ظنّ السلطان أنه يجب هدم الكنيسة أصلًا. واتفق أن شيخ الإسلام البدر العيني، ﵀، كان حاضرًا في ذلك اليوم، فبادر بأن قال: ما يجب هدمها إلّا إذا كانت حادثة، وإن كان المسجد قديمًا وجب هدم الجدار الذي يعلو عليه. فحنق السلطان من هذا الكلام وتغيّظ على قائله وأسمعه الكلام المُنكي بأن قال له: لما كنت حاكمًا لِمَ لا فعلتَ ذلكَ بل كنت تفعل عليه، ونحو ذلك من الكلام. فانظر إلى هذا الفِعل من الإمام الأعظم وما يصدر منه حين التكلّم بالحق. ولقد كان الظاهر يُغضي من البدر (العَيني) (٤) غاية الإغضاء لكونه ممن ينتمي للأشرف برسباي، ولم يجد له عليه حجّة، فلما تكلّم بالحق وجد فرصة للكلام فحنق منه وأهانه بالكلام المُنكي. فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون (٥). (نزول عثمان ولد الظاهر لكسر البحر) (٦) وفيه، في يوم الأربعاء ثانيه كسر الخليج الحاكمي عن وفاء النيل المبارك،

стр. 327

وباشر تخليق المقياس، وفتح السدّ المقام الفخري عثمان ولد السلطان الذي تسلطن بعده ولُقّب بالمنصور فنزل إلى البحر وصحبته جماعة من الأعيان من الأمراء، والمباشرين، وكاتب السرّ، وركبوا معه. ولم تجر العادة بركوبهم. ثم عدّى إلى المقياس وباشر تخليقه، ثم نزل جماعة من الشبّاك إلى الحرّاقة، فامتنع قانِباي الجركسي، وكان إذ ذاك شادّ الشراب خاناه من إنزال ولد السلطان إلى الحرّاقة من الشبّاك، بل أركبه وعاد به، والجماعة صُحبته من البرّ، وأُحدرت الحرّاقة إليه إلى مقابلة الخليج، فركب إلى الخليج وكسر بحضوره، وهذا من النوادر. ثم قُدّم له المركوب المحضَر من الإسطبل السلطاني بالقماش الذهب والزركش، فركب الأمراء معه إلى القلعة، وخلع عليه خلعة هائلة، وزاد أربعة أصابع من سبعة عشر ذراعًا. وكان في العام الماضي في هذا اليوم كمل الذراع السابع عشر، وهذه ثاني رَكْبة ركبها عثمان ولد السلطان لكسر البحر عاليًا. وكانت ذات نوادر (١). (إخراج علي باي العجمي) (٢) وفيه، في يوم الثلاثاء خامس عشره، غضب السلطان على علي باي المؤيَّدي العجمي أحد العشرات ورؤوس النُوَب، وأمر بإخراجه إلى صفد، ثم حُوّل إلى دمشق بطالًا، وقُرّر في إمرية جانِبَك اليشبُكي والي الشرطة المعروف بالساقي، وقرّر في إمرة جانِبك جماعة من الخاصكية فرّقت عليهم ممن بدمشق وغيرها من الذين كانوا قد غُضب عليهم من الأشرفية البَرْسْبائية (٣). (سجن السيد صاحب مكة بسكندرية) (٤) وفيه، في يوم السبت رابع عشرينه، أُخرِج السيد علي بن حسن بن عجلان أمير مكة المشرّفة من محبسه بالبرج من القلعة إلى سجن ثغر الإسكندرية (٥).

стр. 328

[سجن ابن بقر شيخ العربان] وفيه، في يوم الأحد خامس عشرينه، أمر السلطان بسجن بيبرس بن بقر شيخ العربان بالشرقية بالبرج من قلعة الجبل (١). [جمادى الآخرة] [قدوم قانِباي الحمزاوي المعزول عن نيابة حلب] وفيها، في يوم الأحد رابع عشرين جمادى الآخرة، قدم قانِباي الحمزاوي المعزول عن نيابة حلب كما تقدّم إلى القاهرة، واستقر في جملة مقدّمي الألوف على تقدمة شاد بك المتوجّه على نيابة حماة على ما عرفته. وكان قد أشيع بأن قانِباي هذا لا يحضر إلى القاهرة البتّة، وأنه يخرج عن الطاعة ويعصي على السلطان وكانت هذه أول الإشاعات التي دخلت في أذُن قانِباي وفي ذهنه حتى صار ذلك سببًا لتعاظمه بعد ذلك، بل ولعصيانه في الباطن على ما سنذكره في محلَّه من دولة الأشرف إينال إن شاء اللَّه تعالى. ونذكره في ترجمة قانباي هذا أيضًا (٢). (ولاية جانِبَك نيابة جُدّة) (٣) وفيه، أعني هذا الشهر، قرّر السلطان جانِبَك أحد مماليكه وخاصكيّته شادّا على بندر جُدّة، وهذه أول ولاياته لها، وسافر إليها، وأقام بها الحُرمة وسار سيرة عجيبة، ثم استمر على التكلّم بها عدّة سنين إلى أن شُهر بها. وكان أولًا بيده شادّية الكنائس. وجانِبك هذا هو المعروف بنائب جدّة الذي ولي الدواداريّة الكبرى فيما بعد في دولة الظاهر خُشقدم، وضخُم جدًّا وصار مدبّر المملكة، وكان له ما كان على ما سيأتي ذلك في محلّه إن شاء اللَّه تعالى (٤).

стр. 329

[شهر رجب] [سفر ركْب الحجّاج] وفيها، في يوم الأحد مستَهَلّ رجب، سافر الركب الرجبي إلى مكة على العادة، وخرج للحج جماعة (١). [شهر شعبان] (ولاية إينال الأتابكية) (٢) وفيها في يوم الخميس ثالث شعبان، استقرّ الأمير إينال العلائي الأجرود أتابك العساكر بمصر بعد وفاة الأتابك يشبُك المشدّ نقلًا إليها من الدوادارية، وعُدّ ذلك من النوادر (٣). [تقرير الدوادارية لقانِباي الجركسي] وفيه قُرّر في الدوادارية قانِباي الجركسي عِوضًا عن إينال المذكور، وكان القائم بولاية إينال هو قانِباي لأخذ الدوادارية، وقدم إينال للأتابكية مع وجود أكابر الأمراء فرارًا من التنويه بالكبير، واستليش إينال لئلَّا يحدث منه حادث ولا يطمع آماله، فكان منه أن نُقل منها إلى السلطنة وقبض على تولية الأتابكية على ما سنذكره في محلّه. [تقرير في تقدمة وشادّية الشراب خاناه] وفيه أيضًا قرر في تقدمة إينال الشهابي أحمد بن علي بن إينال، واستقرّ يونس البوّاب في شادّية الشراب خاناه عِوضًا عن قانِباي (٤). (نزول السلطان بسبب تسكين القالة) وفيه، في خامسه، نزل السلطان من القلعة إلى خليج الزعفران، وكان تقدّم

стр. 330

منه الأمر بأن يضرب لديه الخاص، وتُهَيّأ له الأسمطة اليسيرة هناك، وكان معه جميع أمرائه، ودام هناك إلى قريب الزوال، ثم ركب وعاد إلى القلعة بعد أن أكل الأسمطة وما يلائمها من الفواكه والحلاوات وغير ذلك. وكان السبب في نزوله أن الكلام قد كثُر بعد ولاية الأمير إينال الأتابكية، وزاد القال والقيل لكون السلطان قدّم إينال هذا على الأمراء الأكابر الظاهرية أصحاب الوظائف التي تقتضي أن يُنقلوا منها إلى الأتابكية، كأمير سلاح، وأمير مجلس، وأميراخور كبير، وهم من أعيان الظاهرية برقوق بخلاف إينال، فإنه ناصري ولا يدانيهم ولا يقرب منهم لا في الإمرة ولا في القَرْنَصَة (١). وبلغ السلطان ذلك فكان سببًا حاملًا له على النزول ليظهر لهم بأسه، وأنّ لا قدرة لواحد منهم على شيء يفعله معه. وكان قد أشيع أيضًا بأنهم قصدهم الركوب عليه، فسكنت القالة بنزوله ولم يقع شيء مما قيل ولا ما أشيع. وعُدّت هذه الفعلة من أعظم فعلات الظاهر ودهائه (٢). حيث أظهر فيها الاستخفاف بمن أشيع عنه ما أشيع (٣). [الخلعة ينظر البيمارستان المنصوري] وفيه، في يوم الخميس سابع عشره، خلع على الأتابك إينال ينظر البيمارستان المنصوري على العادة، وخُلع أيضًا على الدوادار قانِباي خلعة الأنظار المتعققة بوظيفة الدوادارية كالمؤيّديّة والأشرفية (٤). [شهر رمضان] (ولاية المحبّ سبط الأُقصُرائي مشيخة الصرغتمشية) (٥) وفيها، في يوم السبت حادى عشر شهر رمضان، استقرّ الشيخ محبّ الدين محمّد بن أحمد ابن (٦) أخت الأمين الأُقصرائي وإمام السلطان في مشيخة المدرسة الصرغتمشية عِوَضًا عن ابن التَّفَهْني بعد وفاته، وخُلع عليه بذلك، ونزل إليها وحضرها (٧).

стр. 331

وقد رأيت بنسخة من "تاريخ" ابن تغري بردي يقول (١): استقرّ المحبّ بن الأشقر ناظر الجيش إلى آخره، وهو وهْم أو غلط من الناسخ، وما وقفت على نسخته بخطّه لأجزم بغلطه ووهْمه، ولعلّ قرينة ناظر الجيش مشعرة بأنه منه لا من الناسخ، وهو وهْم فاحش أو خطأ على الأظهر. [ختم البخاري بقلعة القاهرة] وفيه، في أواخره خُتم "البخاري" بالقلعة على العادة، وخُلع على القضاة والمشايخ، من له عادة بذلك، وفُرّقت عليهم صُرَرهم المرتّبة (٢). [شهر شوال] (وصول قاصد ابن (٣) عثمان) (٤) وفيها في يوم السبت ثالث شوال، وصل إلى القاهرة قاصدُ مرادبك بن عثمان متملّك الروم وعلى يده هدية للسلطان ومكاتبة من عند مرسله يذكر فيها أنه نزل لولده محمّد عن المُلك وإقامته مقام نفسه، وأنه يسأل السلطان أن يكون نظره عليه إلى غير ذلك مما يشبه هذا (٥). [وقوع المطر] وفيه، في ليلة الأحد رابعه، ووافق ذلك ليلة التاسع من شهر طوبة من شهور القبط، والخامس من كانون الثاني الأصمّ من شهور الروم، والخامس أيضًا من يَنَير من شهور الفرس غيّم الجوّ وأمطرت السماء مطرًا خفيفًا، فدام إلى أن حصل الوحل والزلق، ثم عاد في النهار، ثم في الليل أيضًا حتى جرى الماء وصارت الأرض كالبِرَك ثم عاد في صبيحة الإثنين، ثم كان كذلك في ليلة الثلاثاء، ثم أصبح كذلك في يومه فحصل للناس بذلك غاية الضرر، وتعطّلت غالب معاينهم، واستُغرب هذا المطر المتوالي ثلاثة أيام بلياليها في مثل هذه البلاد إذ لم يعتادوا ذلك متتابعًا في هذه المدّة (٦).

стр. 332

(ذِكر ركب المغاربة) (١) وفيه، في يوم الإثنين ثاني عشره، قدم للسلطان تقدمة هائلة من عند صاحب تونس أبي (٢) عمرو عثمان الموجود إلى الآن، وكانت ثلاثون فرسًا مغربية جيادًا غالبها الحجورة. وكان قد قدم الركب المغربي في هذه السنة وفيه من أعيان تونس جماعة، منهم السليماني المنفّذ بها، وهو عبارة عن كاتب السرّ بتلك البلاد. وقدمت امرأة يُذكر أنَّها من زوجات السلطان المرحوم أبي (٣) فارس عبد العزيز جدّ عثمان هذا، وقدم جماعة أُخر من فُضَلاء تلك البلاد وعلمائها. وكان ممن قدم في هذه السنة أيضًا أبو عبد اللَّه البيدمُري التركي لكائنة اتفقت له بتونس (٤). (ترجمة أبي (٥) عبد اللَّه البيدمُري) (٦) ولْنَذكر ترجمته فإنه في تيه الحياة موجود الآن بتونس. ٨١ - محمّد بن أحمد بن إبراهيم بن علي بن محمّد التونسي، المغربي، البيدمُري (٧)، الرتكي، المالكي. ولد بتونس بعد سنة خمس عشرة وثمانمائة. ونشأ بها فحفظ القرآن العظيم واشتغل بالعلم، وأخذ عن جماعة من علماء ذلك العصر بتلك البلاد، ونبغ وفضُل، ونظم الشعر، ثم حصل له قضية يذكر أنه كُفّر فيها، فإنه نظم أبياتًا لا تحضرني الآن يتغزّل فيها حتى قال من جملة تغزّله بيتًا معناه أن رضوان خازن الجنان غفل عن التغزّل به حتى خرج من الجنة على أنه سبق لذلك فأشيع عنه بأنه نسب المَلَك إلى الغفلة، وقد نطق القرآن العظيم بأنهم لا يفترون، والغفلة من لوازمها الفتور وشُنّع عليه وأريد أن يُدَّعى عليه بذلك فاختفى وخرج مختفيًا من تونس، فلما خرج الركب انضمّ إليه وقدم القاهرة في هذه السنة، فيقال: إنه أولى ما قدِمها بادر إلى الشافعي فادّعى عليه بما قاله، ثم حكم بحقن دمه وكتب له بحلّ ذلك أخذه عنده فبقي عنده إلى أن أعيد إلى تونس في واقعة أبي (٨) الخير النحاس، فانتفع بذلك السجلّ.

стр. 333

هذا ما سمعته مستفيضًا بتونس وأنا بها. وأمّا في هذه البلاد فلم نعرف بهذه القضية. ولما قدم الركب وحجّ أقام البيدمُري بهذه البلاد، وتنقّلت به الأحوال بها إلى أن وُلّي القضاء المالكية بدمشق، ثم آل به الحال إلى أن دخل في قضيّة مما تتعلّق بأبي الخير النحاس أدّته إلى أن أمر الظاهر الوالي بأخذه والتوكيل به بالشَرطة، وحمله إلى مجلس القاضي المالكي، وادّعى عليه مدّع عن السلطان بأنه التزم له بمائة ألف دينار أو أكثر عن أبي الخير المذكور، فأجاب بأن الدعوى صحيحة وأنه التزم ذلك بشرط أن يعاد النحاس إلى ما عيّنه البيدمُري من الوظائف، ولم يقع ذلك، والالتزام بالشرط لا يصحّ إلّا عند وجود الشرط ووقوعه، وما لم يقع فلا يقع للشروط ولا يلزمني بشيء، واستشاط وغوّش، فلم يُلتفت إلى كلامه. ثم آل به الأمر أن أُحضِر بين يدي السلطان، وامتُحن بالضرب، وأشيع عنه بأنه وقع له بدمشق كائنة، وأُحضِر عليه بذلك محضر، فضرب ثانيًا وبُهدل إلى غاية ما يكون، وطالت عليه الخطوب وسُجن، ثم آل به الأمر أن بُعث موكَّلًا به إلى ثغر الإسكندرية في سلسلة حديد، وأُخرج منفيًّا في بعض المراكب إلى تونس، وهو مقيم بها إلى يومنا هذا، وقد رأس بها ووجُه، ووُلّي عّدة وظائف سنيّة، منها نظر الحبْس، وهي الأوقاف، ونظر الجامع الأعظم، المعروف بجامع الزيتونة، والتدريس بالمدرسة المستنصرية بتونس، ثم وُلّي كتابة الحبس، ثم قضاء المحلّ، أعني العسكر السلطاني بتونس إلى غير ذلك. وله قرب واختصاص عند صاحب تونس، وهو الآن من أعيان تونس وأكابرها. حضرتُ درسه بالمستنصرية بتونس، وسمعت الكثير من فوائده في سنة سبع وستين، وأنِس لي وصار يسألني عن أخبار هذه البلاد. وهو ذات حسنة بسمتٍ حسن وبشاشة، وطلاقة وجه، [و] حُسن المحاضرة والمذاكرة من أهل العلم والفضل. وستأتي أخباره في قصّة النحاس في سنة ست وخمسين (١) إن شاء اللَّه تعالى. [خروج الحاج من القاهرة] وفيه، في يوم السبت سابع عشره، خرج الحاج من القاهرة إلى البركة على

стр. 334

العادة، وأميرهم على المحمل دَولات باي، وعلى الأول تمُربُغا، وخرج أيضًا علي باي نائب الجند بمكة المشرّفة (١). (المولود العجيب) (٢) وفيها، أعني هذه السنة، وقع من العجائب ما ذكره البدر العَيني قاضي القضاة، ﵀، في تاريخه أن امرأة من أهل جامع [ابن] طولون ولدت بنتًا لها رأسان، رأس فوق رأس أحدهما شعر، والآخر أقرع، وعينها ترى بالغصْب، أي بتكفف، وفي فمها نابان بارزان من عند شفتها العليا، كل ناب قدْر إصبع. ورجلها مثل رِجل الماعز، فسبحان من يخلق ما يشاء ويختار وهو على كل شيء قدير (٣). (قضيّة العبيد بالجيزة) (٤) وفيها ظهر أمر عجيب أيضًا قاله العَيْني (٥) وقال: ما وقع قطّ مثله في الأيام الماضية، وهو أنّ جمعًا من العبيد اجتمعوا ببرّ الجيزة ونصبوا فيما بينهم سلطانًا، ونصبوا له خيمة، ووضعوا فيها دكّة وبسطوا فيها بُسُطًا، وجعلوا له مثل ما يُجعل للملوك بمصر في الحركات والسكنات، ووسّطوا جماعة من العبيد الذين خالفوهم، وإن الذين قالوا إنه السلطان ولّى بعض تلك العبيد مملكة حلب، وولّى بعضهم مملكة الشام، وذكر أن عبدًا من عبيد مماليك السلطان هرب ودخل بينهم، فجاء سيده إلى المكان الذي هم فيه مجتمعين، وذكر أن عبده عندهم، فأدخلوه إلى سلطانهم بالإذن، فلما دخل رأى هيبة مهولة، وحصل له خوف منهم، فقال له سلطانهم: ما حاجتك أيّها المملوك؟ فقال: لي عبد هرب ودخل عسكركم. فأمر بإحضار عبد هذا، فأحضروه في ثانية فوسّطوه في الحال قدّام سيّده، فازداد خوف ذلك المملوك منهم، واستأذن للرواح، فأذن له بعد أن قالوا له: كم ثمن عبدك؟

стр. 335

فذكر لهم ثمنه الذي اشتراه، فأعطاه ملكهم ذلك وحصل له عناية حتى خلّص منهم، فطلع إلى السلطان بالقاهرة وأخبره بهذه القضية، فقال: هم يشوّشون على الرعيّة من الناس؟ فقال: لا. فقال: خلّهم يقتل بعضهم بعضًا. قال العَيْني (١)، ﵀،: وهذا قَطّ ما سُمع بمثله، ولا ملك يسمع هذا ويسكت عنه. انتهى كلام العَيْني برُمّته. قال: وقصّة هؤلاء العبيد من الغرائب. وممّا يُحكَى من تمامها أن سلطانهم هذا يسمّى بجقمق، ولُقّب بالملك الظاهر، وسمّى جماعة منهم بأسماء الأمراء في تلك الأيام من أرباب الوظائف والمقدَّمين وغيرهم. ولما زاد شرّهم وتعدّى لغيرهم ببرّ الجيزة توجّه إليهم وإلى الشرطة وجماعة من المماليك فعاركوا الوالي وقتل منهم جماعة، وهرب الكثير بعد ذلك أيضًا، وبقي العبد إذا رأى المملوك فارًّا (٢) بنفسه فيرميه المملوك بالسهم، وربّما قتله. حكى من أثق به قال: اجتزت بمعدّية إلى الجيزة، فبينا نحن في أثناء سيرنا في البحر وإذ بمعدية أخرى مجتازة وفيها عبد أسود جالس على الحافّة، ومعنا مملوك معه قوس نشّاب، فرمى على العبد الجالس وهو لا يشعر، فأصابه السهم وأقلبه إلى الماء، ثم بعد قليل انتهى أمر هؤلاء العبيد وخمدوا (٣). وجرى قريبًا من نحو هذه الحكاية فيما بعد الثمانين، ولعلّنا نصل إليه فنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 336

ذِكر نُبَذٍ (١) من تَراجِم الأعيان ووَفَيَاتهم في هذا الزمان سنة ٨٤٩ هـ . ٨٢ - إبراهيم بن حمزة (٢) بن أبي بكر بن يحيى بن أحمد بن خضر الهاشمي، الجعفري، الحنفي، السيد برهان الدين بن عز الدين. وهو من نوادر ألقاب حمزة. وُلد في سنة سبع وسبعين وسبعمائة بحلب وبها نشأ. ٨٣ - وكان والده من الرؤساء بحلب، وولي نظر الجامع الكبير بها والديوان، وكان يُذكر بالكرم الواسع والرئاسة. واشتغل ولده هذا يسيرًا فأخذ عن جماعة، ثم سمع الحديث على ابن صدّيق، وولي وكالة بيت المال بحلب، ونيابة نظر الجيش وغير ذلك، وحدّث، وسمع منه الفُضَلاء. توفي يوم الأحد سابع عشر المحرّم. ٨٤ - إبراهيم بن رمضان (٣) التركماني. تقدّم في المتجدّدات. (ترجمة المسنِدِ ناظرٍ الصاحبيّة) (٤) ٨٥ - أحمد بن عبد الرحمن (٥) بن الموفّق بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن محمّد الذهبي، الدمشقي، الصالحي، الحنبلي.

стр. 337

الشيخ شهاب الدين، المسنِد المعروف بابن ناظر الصاحبية، أحد المسندين الثلاثة (١) الذين قد عرفت من خبرهم ما تقدّم غير مرة. وهذا آخر الثلاثة وفاة، وهم الذين كانوا أحضروا إلى القاهرة بعناية تغري برمش الفقيه نائب القلعة، ووعدْنا بأن نترجمه في محلّه، وهذا محلّه. وُلد في سنة اثنتين (٢) أو ستّ وستين وسبعمائة. وسمع جماعة كثيرة مشهورين (٣)، وسمع "مُسند" الإمام أحمد بن حنبل جميعه على ابن الجوخي. وكان والده زين الدين من الثقات، نقل ذلك الحافظ ابن حجر (٤)، ﵀، عن الحافظ أبي عبد للَّه بن ناصر الدين، وكان هو خيّرًا، ديّنا، من عُدول دمشق، ولما قدم القاهرة مع رفقته ونزل بالقلعة حدّث بالمُسند وغيره، وأخذ عنه الناس، ثم رجع إلى بلاده. وتوفّي بها في شوّال. (ترجمة ابن الشِحنة) (٥) ٨٦ - أحمد بن محمّد بن أحمد المحلّي (٦) الأصل، القاهري، المالكي. الشيخ شهاب الدين المعروف بابن الشِحنة، وكان من شهود القسمة. ولد سنة سبع أو ثمانٍ وثمانين وسبعمائة. وكان ذا سَمتٍ حسن وتؤدة وسكون، كثير المروءة، كثير المداراة للناس، وكان شاهدًا في القسمة مدّة تزيد على الثلاثين سنة، وتلقّى الوظيفة عن والده، وولّي وكالة بيت المال في أول دولة العزيز يوسف بن الأشرف بَرْسْباي. ولما

стр. 338

تسلطن الظاهر جقمق صرفه عنها وبسط لسانه فيه لأنَّه كان ينتمي إلى دولة الأشرف، وكان قد حصل له في تلك الدولة من الشهرة ما يُغني عن الذِكر، وراج فيها الرواج البالغ. وكان من أصحاب الوالد، لكنّه كان يحدّثنا عنه بأشياء نعوذ باللَّه منها. قال الحافظ ابن حجر، ﵀، في ترجمته (١): وكان غاية في إبطال الأوقاف وتصييرها ملْكًا بضروب من الحِيل، وله في ذلك مهارة شُهر بها بحيث فادتى أهل عصره في ذلك، مع أنه كان يتمذهب لمالك، يشير الحافظ، ﵀، بذلك أنه ليس مقتضى مذهب الإمام مالك، ﵀، حلّ الأوقاف على الوجه، فضلًا عن غيره، مع أن هذا يباشر ذلك. ثم قال: كان يقدم في صناعته على أمرٍ عظيم. انتهى. أقول: وممن يشبه هذا في زماننا هذا الذي نحن به الآن الشخص الذي يقال [له]: (ترجمة الشارعي) (٢) ٨٧ - شهاب الدين أحمد بن [محمد] (٣) الشارعي (٤)، المالكي. الذي كان أحد نوّاب الحكم المالكيّة، وقد ترقّى في عصرنا هذا في المُدَد المتقاربة للاستبدال في الأوقاف بحيث صار ذلك دَيْدنًا ودأبًا له، مع قلّة دين وتقوى وإقدام على الأمور المهولة المعظّمة، كان في هذه السنين من منذ ولي الشمس الأمشاطي قضاء الحنفية امتنع من الاستبدالات بالكلّية إلّا نادرًا ممّا لا بد منه بشروطه الشرعية لما وقع في ذلك من المصائب العظمى التي لا حلّ في أيام قضاء المحبّ ابن الشِحنة بحيث حلّ غالب الأوقاف بغير وجهٍ شرعي بل بحيلة من الحِيَل مما لا يجوز ذلك ولا يحلّ فِعله، بحيث حُكي في ذلك من الحكايات ما يكاد يشبه الخرافات. وقد شاهدتُ وقفًا أرضًا بجزيرة أروى استُبدلت بمكان هدْم ساقط بمُنشأة المهراني، فانظر إلى هذه المصيبة العظمى.

стр. 339

ثم لما مات الأمشاطي (١) وولي الشرف ابن (٢) عيد (٣) المحضر من دمشق لم يقع منه ذلك أيضًا، وشرطه في ولايته. ثم لما ولّي بعده حين مات بعد أيام من قضائه بالزلزلة الكائنة في سنة ست وثمانين الشمس المعروف بالغزّي (٤) شدّد أيضًا في ذلك، لا ديانة، بل ليروج عند الدولة، وإن كان مقصدهم عكس ما هو في مراده، فسلّط اللَّه تعالى هذا المعروف بالشارعي لما كثر التشديد في مثل ذلك بالأوقاف، وبلغ في ذلك بحيث صار يتوجّه بالمكاتيب وشروط الواقفين إلى ثغر الإسكندرية ويعمل ما شاء من الاستبدالات بضروب من الحِيل والشهادات الملفّقة، إلى غير ذلك ممّا لا يحلّ فعله. وله حكايات تجدّدت في هذه الأيام في مثل ذلك ممّا لا يحلّ سماعها، فضلًا عن معرفتها، وعنده، المسكين، من الجسارة والإقدام على مثل ذلك وغيره حتى إراقة الدماء ما لا عنه مزيد. وهو الذي تولّى قضيّة تمراز الأشرفي (٥) الدوادار

стр. 340

الثاني، وحكم بقتله، على أنه كثير التودّد إليّ ويظهر لي منه المحبّة الزائدة، لكنْ نعوذ باللَّه منه ومن خصاله، أبعدنا اللَّه منها، وإنّما ذكرناها تحذيرًا منه لا لشيء آخر، واللَّه على ذلك شهيد. توفي صاحب الترجمة في ثاني عشرين صفر (١). ٨٨ - صَنْطَباي (٢). ويُكتب أيضًا بالسين والدال لكن المستعمل ما كتبناه. القُدسي، خليل الشيخي، خازندار الوالد. كان شابًّا حسنًا ذكيًّا، ذا تؤدة وحُسن سمت، وأدب، وحشمة، وفروسية، وعقل وافر، وحياء، وأمانة. ولهذا جعله الوالد، ﵀، خازنداره، وكان يكرمه إلى الغاية لعقله وأدبه وكياسته. وكان قد قرأ القرآن وشيئًا (٣) من الفقه. توفي بالخليل بعد أن حجّ مع الوالد في سنة سبع وأربعين. ولم أحرّر شهر وفاته، وأظنّه لم يكمل الثلاثين. واسمه مركّب من "صندي" و"باي" وهما لغتان مركّبتان، معنى "صَنْدي" حسِب، أو خال، أو ظنّ، فإنها تُستعمل في لغة التُرك بإزاء أحد هذه المعاني، وهي بفتح الصاد وسكون النون ودال مكسورة وياء، وهي فعل ماض. وفيها احتمالان آخران (٤)، صِنْدي بكسر الصاد، وبقيّة المادّة على حالها، ويكون معناها: مقصّ، وهو المقراض بلغة الترك. وصَنَدي بفتح النون وبقيّة المادّة من الأولى على حالها، ومعناها: عدّ من العدد. وأظهرُ ذلك الأول. وكُتبت بالصاد على ما استعملوها هكذا. و"باي" معناه الأمير على ما تقدّم وعرفته إذا كان مرقّقًا، والغِنَى إذا [كان] مفخمًا. وقد بيّنّا ذلك بما مرّ. ٨٩ - طوخ الأبوبكري (٥) المحمدي. نائب غزّة. هو من عُتقاء المؤيَّد شيخ، وترقّى في دولته إلى الخاصكيّة،

стр. 341

واستمرّ كذلك إلى أن تأمّر في أوائل دولة الأشرف برسباي أو الظاهر ططر بالشامٍ، ولم يتأمّر بالقاهرة شيئًا، ثم تنقّل إلى أتابكية غزّة، أظنّه في دولة الأشرف أيضًا، ولم يزل حتى أمّره الظاهر تقدمة ألف بدمشق، ثم نقله إلى نيابة غزّة بعد موت طوخ مازي، ولم يزل بغزّة حتى واقع بين القائد وحُرَم من العربان، وآل الأمر بينهم إلى حرب بين الطائفتين، فخرج طوخ مساعدًا للقائد متعصّبًا لهم بعد أن حذّره أبو طر أمير حرم الشاوري، وبعث إليه بأنه لا يدخل بين الفريقين فلم يوافقه لحضور منيّته، فاتفق أنه كسر العرب بعد أن حاربهم، فلما هزمهم تقاعد عن أمرهم واعتقد نفسه فلم يعبأ بهم بعد الكسرة، ونزل بمكان مطمئنًّا به عنهم وإذا بهم وقد كرّوا عليه وعادوا إليه وهو في غفلة، فقتلوه أشرّ قتلة وبقروا بطنه، ومثّلوا به بعد أن قاتل قتال الموت، وقُتل معه دواداره طوغان وجماعة أُخَر من مماليكه نحو الستة عشر نفسًا، ومن العرب نحو الثلاثين، وجُرح فيها طوغان نائب القدس. وكان قتله سببًا لفساد كبير بتلك النواحي فإنه من حينئذٍ اشتغل العربان العُصاة بقطع الطرقات والتشويش على الخلق بتلك البلاد، ومن ثمّ ظهر أنوطرون بن طوخ هذا لأناس له وعنده شجاعة وإقدام وجسارة لولا طمع فيه ومحبّة في الدنيا شديدة. توفي في آخر ذي حجة على ما قاله بعضهم من الحالية، وهذا تهيّأ عليه هناك. وقيل في أوائل المحرّم من هذه، وهو الصواب، وذلك وهْم. و"طوخ" كلمة مفرَدة، والواو فيها لإشباع كلمة الطاء كما في أمثاله في لغة التُرك. وقد يقال بالقاف بدل الخاء، ومعناها بالعربي: شابع، وهو ضدّ الجائع، واستُعملت علمًا لشخص. ٩٠ - طوغان (١). دوادار الذي قبله. قد تقدّم خبر قتله مع سيّده. وكان مشكور السيرة لا بأس به، وعنده حُسن سفارة. هكذا أخبرني به من يعرفه. ٩١ - عبد اللَّه بن محمّد بن موسى المغربي، التلمساني، العبد الوادي، المالكي، المعروف بالعبدوسي (٢).

стр. 342

وهو ابن أخي الشيخ أبي (١) القاسم العبدوسي المشهور كان. كان عبد اللَّه هذا عالمًا فاضلًا، متفنّنًا، كثير الحفظ، وُلّي الفُتيا بفاس وإمامة جامعها الأعظم المعروف بجامع القرويّين، وكان وجيهًا ببلاده وعلى جانب عظيم (٢) من الدين والخير. توفي فجأة وهو في صلاة المغرب من هذه السنة. ٩٢ - عبد الرحمن بن عثمان السكندري (٣). التاجر جمال الدين، الترجمان. كان من أصحاب الوالد وبينهما محبّة حيث كان الوالد نائبًا بسكندرية، وكان الوالد كلثير الركون إليه ويُثني عليه على أمانته في المتجر والترجمة، ومعرفته في التجارة، وحُسن سمته، وتؤدته، والقيام بقضاء حوائج أصحابه. وقد ترجمه الحافظ ابن حجر في"إنباء الغمر" (٤) مختَصرًا، ولم يذكر مولده ولا سِنّه، ولا وقفت أنا على ذلك. اتفق له أنْ حضر القاهرة من ثغر الإسكندرية وهو موعوك، فتمرّض مدّة، ثم نصل، ودخل الحمّام، ثم انتكس، وكانت منيّته. وكان له ولد اسمه محمّد مات قبله. وكان قد صاهر في بنت الشيخ محبّ الدين بن الأشقر على ما قاله الحافظ ابن حجر، ﵀. توفي في شهر رمضان بعد نكسته. ٩٣ - فاطمة (٥) بنت عبد الكريم بن أحمد بن عبد العزيز. القاضي كريم الدين. مات [أبوها] عن خمس بنات منهنّ هذه، وهي أخت الستّ أنس زوجة الحافظ ابن حجر، تغمّده اللَّه برحمته.

стр. 343

توفّيت فاطمة هذه في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة. قال الحافظ (١): وقد أكَملَت السبعين سنة. ٩٤ - قانِبَاي الجَكَمي (٢). حاجب حجّاب حلب. كان من مماليك جَكَم بن عوض نائب حلب المشهور الذي تطلّب عليها وتسلطن بها، ولقّب نفسه بالعادل. تنقّلت به الأحوال بعد موت جكم إلى أن صار من العدّة السلطانية، فلما تسلطن الأشرف بَرسْباي جعله خاصكيّا، ثم لم يزل على ذلك مدّة مطوّلة حتى رقّاه الظاهر فولّاه حجوبية الحجّاب بحلب مرة من غير أن يرشَّح لذلك، ولا عدّ من المشاهير، بل ولا من أعيان الخاصكية، ولا (٣) من شجاعة ولا إقدام ولا همّة ولا بفنّ من الفنون التي توجب له ذلك، بل لعنائه من بعض الأعيان. وعُدّت ولايته بحجوبية حلب من سيّئات الظاهر وغلطاته، وعيب عليه في ذلك، على أنه كان مسرفًا على نفسه. وكان الظاهر يظهر كراهة من هو على تلك الطريقة التي كان عليها قانِباي، فلعفه دلّس عليه في أمره أو رقّاه عارفًا بذلك. توفي بحلب غمّا من دخان نار وُقِدت بين يديه على عادة أهل حلب في التّدفيء بذلك في أيام الشتاء، في أواخر ذي حجة، وأُحضر محضر من حلب ذُكر فيه كيفيّة موته، وهو أنه سكر في ليالي الشتاء ومعه مملوك له، وأوقد النار بين يديه ببيت يُعدّ لمرقده، وغلب عليهما السُكر، فناما وعملت النار في البيت وملأته دخانًا بحيث استيقظا منه حين دخل خياشيمهما. وقاما يطلبان باب البيت، فلم يهتديا إليه لعظم ما نالهما وسدّ أنفاسهما من الدخان، وما قدر اهتداؤهما لمخلص باب البيت يخرجانه، فماتا غمًّا لضيق النفَس من كثرة الدخان، واستُدلّ على ذلك لما كشف عنهما، فكتب المحضر بذلك، وجُهّز للسلطان لئلّا يتوهّم خلاف ذلك. ولما وقف الظاهر على ذلك صرّح بلعنه وسبّه، بل ولعن من أشار إليه بتوليته حجوبية حلب. واسمه مركّب من "قان"، وهو اسم للسلطان كالخان أيضًا بلغة المُغل والتُرك. و"باي" معروفة.

стр. 344

ويقال: "قان" هو الدم وهو صحيح، لكن ليس المراد هنا إلّا الأول وهو الأظهر. ٩٥ - قرالي (١). صاحب مملكة الأندلس الكافر من بني الأصفر. تقدّم في المتجدّدات. وكان موته في الخالية، وإنّما ذكرناه هاهنا لأنَّه ذُكرت أخباره فيها. ٩٦ - كُزَل العجمي (٢)، الظاهري برقوق. حاجب الحُجّاب. وليها في دولة الناصر فرج وبقي عليها مدّة، وسافر أميرًا على المحمل عدّة مرار. وكان فارسًا شجاعًا، مقدامًا، عارفًا باللعب بالرمح، رأسًا فيه، وهو ممّن ساق المحمل مرارًا، وكان مكرمًا لأصحابه، قائمًا معهم، كثير التعصّب لمن ينتمي إليه ويقصده في ضرورة، كثير المروءة، من قرانيص الأتراك العتق، وبعث به خليفة السلطان المستعين بالله مبشّرًا بسلطنته إلى القاهرة. ابتُلي بمرض الفالج ولم يزل به مدّة على الستّ عشرة (٣) سنة، وبطل منه شقّه، ثم بطَل فمه وأولع لسانه واسترخى لحيه الأسفل بنكسة إلى صدره، ثم نصل من شدّة المرض وأفاق وهو أخرس لا قدرة له على النُطق والتكلّم أصلًا، وأُقعِد من تمكّن الفالج به. ولم يزل كذلك إلى أن توفي في يوم الخميس ثالث عشرين ربيع الأول من هذه السنة. وقد وهِمَ، (بل غلط) (٤) من أرّخ وفاته في سنة أربع وأربعين، وقد سها عليه هناك أيضًا. ومات وله من السنّ سبعون سنة، ودُفن بتربته التي أنشأها بالصّوّة تجاه صِهريج مَنْجك وبها بيضته التي كان يقال إنه يلبسها على رأسه من الزحام على أحد أركان التربة في آخر شرفاتها كالرمّانة، فإنه جعل رمّانة على أحد الأركان من

стр. 345

الحجر الكرّان النحيت، وركب بيضته هذه مقابلًا لها من جهة الغرب كرمّانة أخرى. وهو والد الستّ بدريّة زوجة يشبُك الفقيه، ولهذا المقتضى دفنت بدريّة هذه زوجها يشبك في هذه التربة ( .... ) (١). ٩٧ - [محمد بن إسماعيل بن محمّد بن أحمد القرافي، المعروف بالوَنَائي] (٢). ..... وجلب ذهبًا للنفقة، وكان هو مع القاياتي، وإبراهيم الإبناسي يحضرون دروس الشيخ علاء (٣) الدين البخاري، وكان مستعدًا، ولم يكن يكابد (٤) إلّا في بعض شيء من العلوم الأدبية. انتهى كلامه (٥). (شيء مما تعلّق بالغزّي استطرادًا) (٦) أقول: رحم اللَّه البدر، فإنه ما أنصف ولا يحلّ كلامه من التحامل في هذا الرجل الجليل القدر، وقد رأى ما فعله معه الظاهر مما يستكثر عليه، وهو مشهور

стр. 346

على كل حال، مترجَم على لسان الحافظ ابن حجر وغيره من شُهر بالحفظ والعلم، فليت تعدّي هذا مقاله في الوَنَائي مع جلالة قدره، فماذا كان يقول لو رأى محمّد بن المغربي الغزّي (١) قاضي القضاة الحنفية بمصر، فإنه ما ركب حمارًا ملْكًا بمصر، فضلًا عن البغل والفرس، بل أظنّ أنه لم يقع مثل هذه الثُلْمة بمصر قطّ بولاية هذا اللُكع ابن (٢) اللُّكع قضاء الحنفية بديار مصر، إذ ليس هو من العلماء الأعيان ولا من الرؤساء النبلاء الأُصلاء ذوي البيوتات، ولا من أهل الصلاح والدين المتين حتى يقال روعي جهة من هذه الجهات هي المندوحة لولايته، فلعلّ ولاية هذا عار عظيم على ملك مصر، بل وفيه طمع الطامع فيه بقول الوَنَائي خلا هذا الملك من كل شيء، حتى ممن له وجاهة لتولية القضاء، بل وأهلية، بل وفيه عار على ملوك مصر أيضًا حيث ولّوا مثل هذا، فاللَّه حسيب من كان السبب في ولايته، ولا أقول حسيب مولّيه، فإنه تمسّك بقول من ربّاه عنده وترجمه لديه، لا أحسن الله إليه، فلعلّه غشّ الإمام الأعظم، فإن جلّ غرض السلطان كان في ولاية من لم يكن من أهل مصر، ممن لا غرض له عند أحد، ولا يراعي (٣) جانب من له جاه أو وجاهة، وأن يكون موصوفًا بالعلم والدين والخير ولا عليه من فقره، فذكر من رباه هذا عنده وغطّى (٤) عليه، إذ هذا أصله من أراذِل المغاربة من أهل مسراته، وهم ببلاد إفريقية، ومملكتها كالقطويين بالنسبة إلى ملك مصر من كونهم فاقة متكالبين على الدنيا، لا وجاهة ولا رياسة عندهم، ولهم الحرص العظيم والتكالب السابغ في تحصيل الدنيا والاتجار في الأشياء الخسيسة للبلاد البعيدة في البراري والقفار كأوجلة ومكرة ونحوها من بلاد صحاري الرمال. ونسل هذا بغزّة من هذا الأصل، ونشأ بها في غاية الغلّ والخمول، وتعانى الاتجار في الفراء (٥) ونحوها، وداخل الباعة المصريّين ممّن يتّجر في هذا النوع الخسيس مخالطًا (٦) لهم، مداخلًا إيّاهم متردّدًا إلى مصر في هذه الصناعات، مخالطًا للسفلة، فهو في الحقيقة فوق أوباش المصريّين في الندالة إذ له يتردّد إليها مدّ [ة] مديدة. فهو مصري وزيادة، لم يذكر ولا كان عنده مخبر، وما نوّه به إلّا الأمشاطي أخرص من الأعراض، ولو علم الأمشاطي أو شعر بما يصل إليه لكان أكبر المُحِطّين عليه. أليس قد قيل له لما أُذِن له بالإفتاء والتدريس بالجامع الأزهر وله نيابة الحكم فإنه من الفقراء فامتنع،

стр. 347

بل وصرّح بقوله، فهذا سيئ الأخلاق ولا يطاق، ولا دُربة عنده لنيابة الحكم، على أنه كان ينبغي للإمام - أعني السلطان - المطّلع على أحواله والتثبّت في ولايته وأمره إذ كان لا يعرفه أصلًا، بل ولا خطر بباله ولا يكاد يدور بظنّه أنه لا يغشّ بشهامته في السلاطين، وقد أطرى إليه هذا الخمول الذي لا أصل ولا فصل ولا علم بذلك ولا مروءة ولا فتوّة ولا خير في دينه ولا دنياه، وحاله معلوم، فلا تظنّ يا من سمع كلامنا أنه من التحامل على هذا المسكين، كونه كان وقع بيننا شَنآن، حيث وثب على وظيفتي تدريس جامع من زاده (١)، وأخذها بغير طريق ظلمًا وعدوانًا، وأنه مما توجب ذلك التحامل، بل أنظر بعين بصيرتك في أحواله المعلومة. ومما يُنسب إليه مما لم أذكر بعض بعضه ولا الفاحش منه تعلم الإنصاف. ولعلّ ستقف على بعضٍ من أحواله وما حدث منه في ولايته وما ينسب إليه في أثناء متجدّدات سِنِيّ ولايته فيما بعد ستّ وثمانين من السنين إن شاء اللَّه تعالى. على أنه لا كبير علمٍ له سوى الطرف اليسير من الفقه، وشيء نذْر من العربية على ما عنه يقال إن صحّ المقال. ولقد حضر مرارًا بدروس البرهان الكرَكي بالمدرسة الأشرفية، فكان يصدر منه من الكلِم ما يكاد أن يشبه الكلم فصار (٢) في غاية الركاكة مع لكنة ومسألة (٣) سيئة في لسانه لا يفصح عن بيان، وباللَّه المستعان. ولنرجع إلى تكملة ترجمة [الونائي] (٤)، ﵀، فقد أطَلنا. توفي ﵀ في يوم الثلاثاء سابع عشر صفر بعد أن تمرّض مدّةً تقرُب من الشهرين، وصُلّي عليه بموضعين: بجامع المارداني، وبمصلَّى المؤمني، وتقدّم في الصلاة عليه الشمس القاياتي وهو قاضي القضاة، ودُفن بالقرافة من غد يوم وفاته. وكان عُيّن بقضاء مصر مرة، وفُصّلت خِلْعته، ثم لم يتمّ له ذلك على ما تقدّم ذلك فيما مرّ من كتابنا هذا. ٩٨ - محمّد بن أحمد بن كمال الدجوي (٥)، القاهري، الشافعي. الأديب الشاعر، الفاضل، الكامل، المعروف بالدجوي.

стр. 348

ولد سنة [سبع] (١) وسبعين وسبعمائة. ونشأ طالبًا للعلم، وحفظ القرآن وعدّة متون، وأخذ عن جماعة حتى تميّز وفضل وشُهر، وقال الشِعر الجيّد (٢). وتوفي ليلة الأربعاء حادي عشر الحجّة. (ترجمة الشمس بن التَّفَهني) (٣) ٩٩ - محمّد بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن علي بن هاشم التَفَهْني (٤)، القاهري، الحنفي. الشيخ العلّامة، شمس الدين ابن (٥) الإمام العلّامة، قاضي القضاة، شيخ الإسلام، زين الدين، المعروف بابن التَفَهْني، شيخ المدرسة الصرغتمشية وابن (٦) شيخها. ولد بالقاهرة قبيل الثمانمائة. وبها نشأ تحت كنف أبيه نشأة حسنة، ذكيًّا ذكاء مفرطًا، يقِظًا، فطِنًا، بذهنٍ ثاقب ورأي صائب، وفكرة وقّادة، وقريحة نقّادة، فحفظ القرآن العظيم في حالة صِغره، ثم عدّة متون، ولازم الاشتغال وداوم عليه زمنًا طويلًا، وأخذ عن جماعة من كبار العلماء من أهل تلك الطبقة، منهم والده، وناهيك به فهو فرد بجمع. وليس له بمستَنكر … أن يجمع العالم في واحد وناهيك بفضله وعلمه وشُهرته وصِيته كانت اتفقت إليه رياسة مذهبه بمصر، وترجمته مشهورة، مسطورة، مذكورة. ولم يزل ولده هذا ملازمًا للاشتغال إلى أن برع وشُهر وذُكر، وأفتى ودرّس في حياة أبيه، وتولّى عدّة تداريس

стр. 349

كالصرغتمشية وهي أعلى (١) تداريس الحنفية بمصر، وولي تدريس القانِبائية بسُوَيقة عبد المنعم أيضًا، ودرّس الحديث بالشيخونية. وسها (٢) الحافظ ابن حجر، ﵀، في قوله (٣) إنه ولي تدريس الفقه بالشيخونية عن أبيه، بل إنّما هو (٤) الصرغتمشية وليها عن أبيه لا الشيخونية، وولي أيضًا قضاء العسكر، وإفتاء دار العدل. وكان حسن السمت والملتقى، ذا تؤدة ورياسة وأدب وحشمة ونباهة ووجاهة ودربة ومعرفة ودهاء. وبالجملة فكان من محاسن الزمان ومن أعيان الأعيان بالدليل والبرهان، فسلْ عنه من عاشره ورآه يظهر لك فضله بمعناه وما انطوى عليه من المحاسن، وما اشتمل عليه من النوادر. وقد حصلت له محنة من جهة تغري بردي المؤذي لأذاه فلا لقي خيرًا على ما فعل به وما به جاراه، ولقد كان المؤذي هذا معترفًا بفضل أبيه عليه وعزوته وإحسانه إليه، لكنْ لخبثه ودناءة أصله أظهر ما هو منطوٍ عليه من الأذى ليطابق تحقيق التسمية بالمسمَّى ليتطابقا لفظًا ومعنَى. توفي في ثامن شهر رمضان بعد مرضٍ طال به، رحمه اللَّه تعالى. (ترجمة الشيخ محمّد الغمري) (٥) ١٠٠ - محمّد بن عمر بن أحمد الواسطي الأصل، الغمري (٦)، المحلّي، الشافعي. الشيخ الصالح، العابد، الزاهد، الخيّر، الديّن، الصّين، المعتقد، المسلّك الربّاني. ولد سنة ستّ وثمانين وسبعمائة (٧) بمُنْية غمر (٨). وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم، ثم "التنبيه"، ولازم الاشتغال، ناشئًا على

стр. 350

العبادة والخير، والدين المتين، والصلاح الظاهر، إلى أن شُهر وذُكر بذلك، وهرع الناس إليه، وبنى (١) زاوية عظيمة بالمحلّة الكبرى، واجتمع فيها من مريديه الفقراء ما شاء اللَّه أن يجتمع، وكان لازم في بدايته الجامع الأزهر للاشتغال مدّة، وتكسّب بالشهادة أيضًا، وكان يتكسّب بالشهادة ببلده بالخياطة، ثم ترك الكلّ وأقبل على شأنه وما يعنيه. وله تصانيف عديدة جيّدة مفيدة، وبرّ وخير ومعروف، وآثار حسان، وتجديد زوايا وجوامع، وهو أشهر من أن يُذكر، أو عنه يُخبر. سألت على فضائله دليلا … متى احتاج النهار إلى دليل؟ توفي، رحمه اللَّه تعالى ونفع به، بالمحلّة الكبرى، في يوم الثلاثاء سلْخ شعبان. (ترجمة ولده أبي (٢) العباس) (٣) ١٠١ - وترك ولده الصالح الذي خَلَفه، وهو الشيخ أبو العباس محمّد الغَمري (٤)، فإنه أربى على أبيه في حُسن السمت والتؤدة، والوقار، والدين، والزهادة، والعبادة، والخير، والتقوى، والصلاح، والحرص على نفع الخلق، وملازمة طريق السلوك والاجتهاد، وفي اتصال الخلق إلى اللَّه تعالى، فهو من أهل السلوك مع آداب الملوك. ولد في رجب سنة سبع وثلاثين وثمانمائة. وكان والده أنشأ الجامع الذي بوسط سوق أمير الجيوش المعروف الآن بسوق مرجوش. قال الحافظ ابن حجر (٥): وعاب عليه أهل العلم ذلك. وأنا كنت ممن راسلته لترك إقامة الجمعة [فيه] (٦) فلم يقبل واعتذر بأن الفقراء طلبوا منه ذلك، وعجّل بالصلاة فيه بمجرّد فراغ الجهة القِبلية، واتفق أن شخصًا من أهل السوق المذكور يقال له بُلَيبل (٧) تبرعّ من ماله بعمارة (٨) المأذنة، ومات الشيخ وغالب الجامع لم تكمل عمارته (٩). انتهى. أقول: وقد جدّد ولده - نفع اللَّه تعالى بحياته - ونفع به هذا الجامع وزاد فيه

стр. 351

زيادات حسنة، وجعل بابه مؤخّرًا قليلًا عن الباب الأول، ونوى بناء مأذنة عظيمة له غير أولئك، فإنها تشعّثت، وهو إلى الآن لم يكمل، وله عدّة سنين على ذلك، ولم يُقدّر إكماله، بل هو مشتغل به قليلًا قليلًا لوجوهٍ منها النفقة، ومنها مزاحمة الظلمة له في عمائرهم، لكنّه جاء بناءً حسنًا نيّرًا زاهرًا، سهّل اللَّه تعالى إكماله، وأعانه على ذلك بعونه وقوّته، فإنه الميسّر لكل عسير، وهو على كل شيء قدير. ١٠٢ - محمّد بن محمّد بن أحمد المصري، المنهاجي (١)، الشافعي. الشيخ شمس الدين ابن أمين الدولة. ولد سنة سبعين وسبعمائة. ونشأ ذكيًّا فحفظ القرآن العظيم، و"التنبيه"، واشتغل يسيرًا، وولي نيابة الحكم عن الجلال البُلقيني. قال الحافظ ابن حجر (٢): فصار يحكم بين الخصمين بمصر مع الجهل المفرط، ويجلس في دكاكين الشهود، ويتعانى التجارة والمعاملة، فكان يرتفع وينخفض. انتهى. وكان ذا ثروة ومال ورثه من أبيه. وله انتماء إلى البرهان المحلّي أحد تجّار الكارِم (٣) وكبيرهم بمصر، وتولّى حسبة القاهرة غير مرة. توفي [في هذه السنة] (٤). ١٠٣ - محمّد بن محمّد بن أحمد القليوبي (٥)، القاهري، الشافعي، المعروف بالحجازي. وهو والد أبي الفتح المكتّب صاحب الخط المنسوب. كان من أهل العلم، وأخذ عن جماعة، منهم: الوليّ العراقي، والنور الأدمي، والشهاب المحمدي، وأذِن له. ومن مشايخه أيضًا البدر العَيْني، وسمع

стр. 352

الحديث على جماعة منهم: الشمس بن الجَزَري، ومن قبله، وابن الكُوَيك ومن قبله أيضًا، وآخرون (١). وتصدّى لنفع الطلبة. وممن قرأ عليه الكمال إمام الكاملية، وغيره، وصنّف وألّف. وكان فاضلًا، ماهرًا في الفرائض والحساب والعربية، وكان خيّرًا ديّنًا، فكِه المحاضرة، حسن المعاشرة، كثير النوادر، مجيبًا في الأمر بالمعروف، حريصًا على تفهيم العلم. توفي في أواخر جمادى الآخرة. (ترجمة الشمس الديري) (٢) ١٠٤ - محمّد بن محمّد بن عبد اللَّه بن سعد بن مصلح الدّيري (٣)، العَنْسي، أبي بكر بن مصلح بن أبي بكر بن سعد القدسي، الحنفي. الشيخ شمس الدين ابن (٤) قاضي القضاة شيخ الإسلام شمس الدين، وأخو قاضي القضاة سعد الدين شيخ الإسلام أيضًا، وغيره من أخويه فقاضي القضاة برهان الدين المعروف بابن الدَّيري. وستأتي ترجمة إخوته في محلّها، بل وغيرهما من أهل هذا البيت. ولد بالقدس الشريف سنة سبعين وسبعمائة. وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم وبعض كتب، ثم اشتغل ولازم والده في ذلك وناهيك به، وترجمته مشهورة في محلّها من التواريخ فلا نطيل بذِكرها، فأخذ عنه الكثير في الفقه، وأخذ أيضًا عن الكمال الشريحي، وأخذ العربية عن المحبّ الفاسي، والكمال الزُعبي، وسمع الحديث على أبي الخير ابن العلاء (٥)، وقدم القاهرة مرارًا، وكان ذا فضيلة وحُسن تؤَدة. وله نظم، فمنه قوله: أصبحتُ في حُسنكُمُ مغرَمًا … وعنكُمُ واللَّهِ لا أسلُو إن شئتمُ قتْلي فيا حبّذا … القتْلُ في حبّكُم سهلُ

стр. 353

من مات فيكم نال كلَّ المُنَى … وزاده يا سادتي فضلُ فواصِلوا إن شئتُمُ أو دَعوا … فكلُّ ما لاقيتُهُ يحلُو من رام سُلواني فذاك الذي … ليس لهُ بين الوَرى عقْلُ (١) توفي، ﵀، بعد أن حجّ وعاد مريضًا، فطال به المرض بعد وصوله إلى البيت المقدس في ليلة السبت ثالث عشر شهر جمادى الآخرة. ١٠٥ - ناصر النُّوبي (٢)، المكي، الحَسَني. أحد القوّاد بمكة. كان عتيقًا للسيد الشريف حسن بن عَجْلان أمير مكة المشرّفة. وتوفي في ليلة الأحد سابع عشر شهر شوال (٣). (ترجمة الأتابك يشبُك المشدّ) (٤) ١٠٦ - يشبُك السودوني (٥). الأمير الكبير، سيف الدين، أتابك العساكر بالديار المصرية، المعروف بالمشدّ. كان من مماليك سودون الجلب الذي كان نائبًا بحلب، وإليه يُنسَب، وهو مشهور الترجمة معروفها. ثم لما مات سودون المذكور اشتراه الأمير ططر قبل سلطنته وصدر بيعه عن يشبُك الأعرج الذي ولي الأتابكية فيما بعد، وكان حين باعه إيّاه نائبًا لقلعة حلب ووصيًّا عن سودون الجلب. ثم بعد مدّة من مشترى ططر له قام أيتمش الخضري الذي تقدّم الكلام على ترجمته فادّعى أن يشبُك هذا باقٍ

стр. 354

على ملك مورّثي سودون الجلب وهم أولاد الناصر فرج بن برقوق وهو المتحدّث عليهم، فأجاب ططر بأنه اشتراه من وصيّ سودون، يعني يشبُك الأعرج، فلم تنفعه هذه الدعوى وقال له أيتمش: هذا البيع غير صحيح. وآل الأمر إلى أن جدّد ططر البيع ثانيًا، واشتراه بمائة دينار، ثم جعله شادّ شراب خاناته. فلما تسلطن رقّاه إلى إمرة طبْلخاناه وجعله شادّ الشراب خاناه السلطانية له كما كان عنده حين إمرته، فاستمرّ كذلك حتى ولي الأشرف بَرْسْباي فلم يغيّره من الشادّية، ولتكرّر شادّيته عُرف بالمشدّ. ثم نقله الأشرف بعد ذلك فجعله من مقدّمي الألوف بالديار المصرية، ثم رقّاه إلى الحجوبية الكبرى عِوَضًا عن قرقماس الشعباني لما ولي نيابة حلب، واستمرّ كذلك إلى أن تسلطن الظاهر جقمق، فولّاه إمرة مجلس عن آقبُغا لما ولي نيابة الشام بعد عصيان الجكم والخروج عن طاعة الظاهر. وكانت جميع هذه التنقّلات في مدّة يسيرة حتى عُدّت من النوادر. واستمرّ أتابكًا مدّة وعظُم وضخُم واشتهر. وكان قد تزوّج بابنة أستاذه ططر ونال السعادة والحُرمة الوافرة. وكان حشمًا وقورًا، عاقلًا، سيوسًا. ولم يُشهر بفضيلة سوى معرفته برمي النشّاب خاصة. وكان سيّئ الأخلاق، عنده حدّة مزاج وظلم لعائلته وحواشيه، بل وغيرهم. وكان ذا عُجمة بلسانه، يظنّ الظانّ إذا سمع كلامه أنه أحضر من الجركس في يومه ذلك. وكان غير مُهاب في النفوس في أتابكيّته لوجود من هو أعلى منه في الأمراء، وإن لم يكن في رتبته لكن في قدره، إذ فرق بينه وبين من كان في مقام أستاذه من الظاهرية البرقوقية، ولهذا قدّمه الظاهر جقمق لئلا يتمرغر. وكانت هذه عادة جقمق لا سيما في الأتابكين الامري إلى ولايته إينال الأتابكية مع وجود الجمع الموفور من أعيان أكابر الأمراء خُشداشيه ممن هو أكبر قدرًا من إينال، بل لا نسبة بينه وبينهم. ومما خافه وقع فيه، فإن إينال قام على ولده وخلعه، وتسلطن بعده. توفي صاحب الترجمة في يوم الخميس ثالث شعبان، وكانت جنازته حافلة، وذفن بتربته التي أنشأها بالصحراء بالقرب من تربة الأشرف بَرْسْباي، بل ومن تربة الأشرف قايتباي فإنها بينهما، وهي القرية التي أنشأ بها البرهان الكرَكي إمام السلطان مقصورة برسم دفنه، ونقل والده الشيخ زين الدين عبد الرحمن الكَرَكي إلى ما أنشأه بالمقصورة من الفسقية، وإنما توصّل لذلك بواسطة أمّه، فإنها كانت من جواري ابنة ططر زوجة يشبُك وتزوّج بها عبد الرحمن المذكور لكونه كان إمامًا، بل ومؤذّنًا ليشبُك هذا.

стр. 355

وولي الأتابكية بعد يشبُك هذا الأمير إينال العلائى الأجرود على ما عرفت ذلك في المتجدّدات الماضية. ١٠٧ - يوسف بن محمّد (١) بن أحمد الججِّيني (٢)، الدمشقي، الصالحي، الحنفي. الشيخ جمال الدين، أبو المحاسن القطّان، المعروف بنسبته الأولى، وهي بجيمين مكسورتين مع تشديد الثانية. ولد تقريبًا سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة. وحفظ القرآن، ثم اشتغل يسيرًا وسمع الحديث، وحدّث، وسمع منه الفُضلاء. وهو جدّ أحد فُضلاء دمشق الشهاب أحمد بن خليل اللبودي لأمّه. توفي في هذه السنة، وما عرفت في أيّ الشهور لأثبته.
следующие страницы →