← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

أحد مقدَّمين الألوف بمصر، وولد السلطان. ولد بالقاهرة ونشأ تحت كنف أبيه، وقرأ القرآن، وأُدّب وهُذّب، وأُمِّر عشرة في دولة أبيه، ثم تقدمة ألف على ما عرفت ذلك في متجدّدات بعض سِنِيّ دولة أبيه وكيفية خروجه للحج صُحبة أخيه وأبيه، وعرفت كيفية قدومهما وكيفية خروجه مع أخيه أيضًا للسرحة، ثم ما جرى له من إخراجه مع أخيه إلى سجن الثغر السكندري، ثم وفاته بها، وحمْل رُمّته بعد ذلك إلى القاهرة ودفنه بتربة أبيه. وأنه توفي في يوم الخميس مستهلّ ذي الحجّة، وله نحو السبعة عشر (١) سنة. عوّض اللَّه تعالى شبابه الجنة. وكان شابًا حسنًا، ذكيًّا، فطِنًا، أدوبًا، حشمًا، لم تُعرف له صبوة، وتأسّف عليه أخوه وأمّه غاية التأسّف. وقد عرفتَ جميع ذلك فيما تقدّم وأسلفناه فلا نعيده. ١٧٤ - محمد بن الفرعة (٢). الشاب الحَسَن، أبو عبد اللُّه المالقي، الأندلسي، المالكي. كان شابًا حسنًا من أبناء الأعيان ببلده. ولد بها قبل الخمسين بمدّة سنتين أو ثلاث. ونشأ بها، أعني مالقة، وقرأ القرآن وشيئًا، وكان قريبًا لقاضي مالقة وخطيبها الشيخ العالم أبي عبد اللَّه بن الفرعة أيضًا الموجود الآن، ربّما نترجمه قريبًا إن شاء اللَّه تعالى في الآتية، فقدم صاحب الترجمة حاجًّا ومعه شيء يتّجر به مع بعض جماعة من أعيان بلده، فحج وعاد إلى الإسكندرية ليعود منها إلى بلده، فأدركه أجله بها بمرض ذات الجَنْب. وكان من أبناء العشرين فما دونها. وله سكون زائد، وسمت حَسَن، وتُؤدة وأدب وحشمة، وبراعة وشجاعة فائقة في بني جنسه. توفي في شهر رجب. ١٧٥ - محمد الفُوّي (٣).

стр. 562

الشيخ الصالح، المعتقد، المسلّك، الربّاني، الصوفي، أبو عبد اللَّه، المعروف بالنسبة إلى فوَّه. كان من عباد اللَّه الصالحين وحزبه المفلحين. صحِب جماعة من الأكابر المسلّكين وانتفع بهم وتسلّك. وممّن صحب الشيخ المسلك العارف الربّاني، سيدي إبراهيم الأدكاوي (١)، وترقّى إلى أن شهر بمزيد الخير والصلاح، وكثُر اعتقاد الناس فيه. ولعلّه ولد بُعيد الخمس وثمانين وسبعمائة (٢) بيسير. وتوفي في ليلة السبت سلْخ ربيع الآخر. ودُفن من غده بالصحراء، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 563

سنة سبع وستين وثمانمائة [حال الخليفة والسلطان والقضاة والثواب والأمراء] استهلّت هذه السنة والخليفة والسلطان فيها على ما هما عليه من الخلافة والسلطنة في التي قبلها. وجميع ملوك الأطراف على ما هم عليه، وكذا النواب والأمراء والحكام ووُلاة أمور الإسلام وقضاة القضاة، الكلّ على ما هم عليه في الماضية، ما عدا صاحب الحصن -أعني حصن كَيْفَا من ديار بكر. فإنه في هذه السنة حسن الطويل بن قرايُلُك مَلَكَها بعد الخلف الكائن بعد قتل الملك على ما تقدّم ذلك وعرفتَه. وما عدا نائب الشام فإنه في هذه السنة تَنَم من عبد الرزاق وليها عن جانَم بحكم فراره على ما عرفت ذلك في الخالية. وما عدا نائب حلب، فإنه في هذه السنة جانِبَك التاجي، وُلّيها عن الحاج إينال الماضي، ذكر وفاته في الخالية. وما عدا نائب طرابلس، فإنه في هذه السنة بَرسْباي البجاسي، وُلّيها عن إياس المحمدي الطويل الماضي خبر القبض عليه وسجنه بالإسكندرية، ونقل برسباي هذا إليها من الأميراخورية الكبرى. وكان الأميراخور الكبير عوضه في هذه السنة بَلَبَاي الإينالي المؤيَّدي الذي تسلطن بعد ذلك، ولُقِّب بالظاهر على ما سيأتي. وما عدا نائب حماة، فإنه في هذه السنة جانِبَك الناصري، وُلّيها عن جانِبَك التاجي لما نُقل إلى نيابة حلب منها. وكانت العادة أن ينقل إلى حلب نائب طرابلس، فما اتفق ذلك. ونُقل جانِبك الناصري هذا إليها من صفد. وما عدا نائب صفد، فإنه في هذه السنة خيربك القصروي نُقل إليها من نيابة غزة. وما عدا نائب غرة فإنه كان في هذه السنة شادبك الصارمي وُلّيها عن خيربك نقلًا إليها من أتابكية حلب.

стр. 564

وما عدا نائب مَلَطْية، فإنه في هذه السنة إينال الأشقر، وُلّيها بعد موت جانِبَك الجَكَمي الماضي ذِكر موته في تراجم الماضية. (وما عدا نائب الكَرَك، فإنه كان في هذه السنة مباركشاه) (١). وأمّا الأمراء بمصر فعلى ما هم عليه ما عدا أميراخور كبير، وقد عرفته. وما عدا حاجب الحجّاب فإنه في هذه السنة بُردُبك الجمقدار الظاهري، وُلّيها عن بلباي لما نُقل إلى الأميراخورية كما ذكرناه نقلًا إليها من تقدمة ألف. وأمّا القضاة فعلى حالهم ما عدا قاضي القضاة الحنفية، فإنه في هذه السنة الشيخ محبّ الدين بن الشحنة، وُلّيها عِوضًا عن شيخ الإسلام السعد بن الديري بحكم استعفائه منها على ما شرحناه. وكانت هذه الوظيفة بيده مدّة مديدة من مدّة تزيد على سنة، وهذه أول ولايات ابن (٢) الشِحنة لهذه الوظيفة. وأمّا المباشرون فعلى ما هم عليه في الخالية، ما عدا كاتب السرّ، فإنه في هذه السنة الزين بن مزهر، وهو على ذلك إلى يومنا هذا، ووُلّيها عن البرهان الديري على الصفة الماضية في الخالية. وما عدا ناظر الجيش، فإنه كان في هذه السنة التاج بن المقسي، وُلّيها عن الزين بن مزهر لما نُقل لكتابة السرّ. وما عدا الوزير فإنه كان في هذه السنة الشرف يحيى بن الصنيعة، ولّيه عوضًا عن ابن الأهناسي بحكم القبض عليه على ما مرّ جميع ذلك.

стр. 565

ذِكر نُبَذٍ (١) من المتجدّدات اليومية في هذه السنة القمرية [شهر المحرّم] [تهنئة السلطان بالشهر والعام] كان أول هذه السنة بالسبت، ففيها في المحرّم في هذا اليوم طلع القضاة إلى القلعة وهُنّيء السلطان بالشهر والعام، وكانت جميع نواب البلاد الشامية حين استهلال هذه السنة بعساكرهم بحلب لحفظها من جانَم إنْ قصدها. [تماثُل السلطان للشفاء] وفيه -أعني هذا اليوم- نَصل السلطان من الوعك الذي كان حصل له وهُنّئ بالعافية حين هُنّئ بالعام والشهر، ودقّت البشائر بالقلعة وعلى أبواب الأمراء بعافيته. وكان قد لازم الفراش مدّة على ما أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم في الخالية (٢). [خلعة السلطان على الأطبّاء] وفيه، في يوم الخميس سادسه خلع السلطان على رئيس الطب وعلى آخرين من الأطبّاء وعلى جماعة من السّفارة وعلى جماعة ممن لهم عادة بذلك في مثل ذلك (٣). [حنق السلطان على مُغلباي البجاسي لعَوده من قبرس ذون إذن] وفيه، في يوم الجمعة رابع عشره ورد الخبر إلى القاهرة بأن مُغلباي البجاسي الماضي حين بعثه إلى قبرس وصل من جزيرة قبرس لثغر دمياط بغير إذن من

стр. 566

السلطان وترك بقبرس جانبك الأبلق، فحنق منه السلطان غاية الحنق وتغيّظ منه، وظُّن أن العسكر لما سمعوا بمرضه جاؤوا (١)، لا سيما وهم أشرفية وإينالية، وجرت أمور وخطوب يطول الشرح في ذكرها، ثم خرج أمره بعودهم من حيث جاؤوا (٢)، بعد أن كان رسّم بشنق مُغلباي وشُفع فيه، وفي عَوده وعَود العسكر لأنه ما بقي يمكن ذلك عادة، وآل الأمر بعد خطب عظيم إلى نفي مُغلباي إلى القدس بطّالًا، وأبطل عَود الغزاة. وباللَّه العجب من مُغلباي هذا، فإنه كان مع آياس حين جاء بغير إذن وهو أكبر شأنًا منه، ورأى ما جرى عليه من هذا السلطان في مثل هذه الكائنة بعينها، وحضر هو بغير إذن، لكن لا مفرّ من القضاء (٣). [وصول قايتباي المحمودي] وفيه، في يوم الإثنين، سابع عشره، وصل قايتباي المحمودي شادّ الشراب خاناه بعد تقليده جانبك التاجي نائب حلب (٤). [عودة الحجّاج بحمولهم] وفيه في يوم الثلاثاء، ثامن عشره، وصل جماعة كثيرون من الحاج بحمولهم وأثقالهم، وكان ذلك من النوادر في هذه الأيام، وقلّ أنْ وقع ذلك في القريب من هذا الزمان، ثم وصل أمر الأول في يوم الأربعاء تاسع عشره، وطلع الناصري محمد ابن (٥) الأتابك جَرِباش إلى القلعة، وخلع السلطان عليه، ووصلت أمّه الخَوَنْد شقراء في هيئة الأمن والسلامة (٦). [وصول المحمل] وفيه، في يوم الخميس، عشرينه، وصل المحمل، ودخل بُردُبك البَجْمَقْدار إلى القاهرة بجميع الحاج، وطلع بُردُبك هذا إلى السلطان فخلع عليه على العادة. ومن غريب ما وقع أن الحاج لما قدِموا القاهرة أخبروا بأنهم سمعوا وبلغه

стр. 567

مرض السلطان بتلك البلاد، وحسب يوم بلغهم ذلك وشهر عندهم الخبر بمرضه أنه كان قبل أن يمرض بيومين أو بيوم هكذا أشاعوا (١). ثم إنّني رأيت في تاريخ الجمال ابن (٢) تغري بردي يذكر عن نفسه أنه سأل من الناصر بن محمد بن جرِباش عن ذلك، وقد بلغهم ذلك فأخبره أنه بلغهم الخبر وشُهر بالمدينة الشريفة. قال: فحسبنا الأيام فكان يوم سمعوا فيه خبر مرض السلطان قبل أن يمرض بيوم أو يومين، وهذا من النوادر الغريبة (٣). وفيه ( ................................. ) (٤). [شهر صفر] [ضرب المحبّ الأسلمي ناظر الدولة] في يوم السبت، سادس هذا الشهر، وكان اليوم الثالث من ولايته، فلما حضر بين يديه ( … ) (٥) من أمر به فبُطح ثم ضُرب ضربًا مُبرحًا كاد أن يهلك منه، ثم أمر به فجعل في عنقه سلسلة من الحديد، وسُلّم لوالي الشرطة، وأمره أن يستخرج منه ستّة آلاف دينار، وقاسى من الشدائد والأهوال ما لا مزيد عليه، وآل أمره بعد اللُتيّا والتي إلى أن حُمل ثلاثة آلاف دينار بعد أن صار مُثْلة للناس، وأُقعد بسبب ذلك، لا جوزي خيرًا عن ذلك ( ...... ) (٦) بيع دينه بدنياه فذهبا معًا، وكان عظةً لمن يتّعظ، وكان مثله كمثل الباحث عن حتفه بظلفه، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه. وفي ذلك أنشدت: ( … ... … ) (٧) … بتأويل النفوس ( … ... … ) (٨) … وفيه تبدأ العكوس [وزارة الإهناسي ونظارة الخاص] وفيه، في يوم الخميس، حادي عشره، استقرّ العلاء بن الإهناسي في وظيفة الوزر ونظارة الخاص معًا، عِوضًا عن الوزير يحيى بن الصنيعة، وعن الشرف

стр. 568

الأنصاري في الخالص، وخلع عليه بهما، ونزل لداره ( … ... ) (١) وهرع الناس إليه للسلام عليه (٢). [ولاية ابن الصابوني وكالة بيت المال ونظر الجوالي] وفيه أيضًا استقرّ العلاء بن الصابوني في وكالة بيت المال ( … ... ) (٣) ونظر الجوالي، كل ذلك عوضًا عن الشرف الأنصاري، وكان العلاء ( … ) (٤) ثانيًا من دمشق (٥). [ولاية نظر البيمارستان] وفيه في يوم السبت، ثالث عشره، وُلّي العلاء بن الصابوني نظر البيمارستان المنصوري عوضًا عن الشمس محمد بن المزاحم بعد صرفه (٦). [إلباس ابن الكويز من ملابس السلطان] وفيه، في يوم الثلاثاء، سادس عشره، ظهر ابن (٧) الكُوَيز الزين عبد الرحمن من اختفائه وصعِد إلى القلعة، فأقبل السلطان إليه، وألبسه سلّاريًّا من ملابسه ونزل إلى داره (٨). [التوكيل بالشرف الأنصاري] وفيه وُكّل بالشرف الأنصاري بالبحرة من القلعة، وطُلب منه عمل الحساب، و ( … ... … ... … ... ) (٩) بعد أيام على سبعة آلاف دينار يحملها ( … ... … ) (١٠).

стр. 569

[إمرة هوّارة] وفيه، أعني هذا اليوم قُرّر في إمرة عربان هوّارة الأمير شرف الدين يونس بن إسماعيل، وصُرف سليمان بن علي ولد عمّه (١). [محنة ابن المزلّق] وفيه في يوم الثلاثاء ثالث عشرينه، قدم البدر حسن بن المزلّق من ( … ) (٢) جانِبَك دوادار نائب جدّة، وآل أمره أنْ قُبض عليه بعد ذلك في يوم الأربعاء رابع عشرينه. وكان من خبر ذلك أن السلطان كان بعث قبل تاريخه بالقبض على ابن (٣) المزلّق هذا وسجنه بقلعة دمشق، وكان بعض أصحابه بالقاهرة ( … ) الإسراع بالخروج إلى دمشق ( … ... ) (٤) قبل وصوله إلى دمشق، فخرج هو منها مسرعًا إلى القاهرة، فلما وصلها اختفى بها أيامًا، ثم ظهر وصعِد القلعة، فألزمه السلطان بحمل خمسة عشر ألف دينار، فأخذه جانِبك نائب جدّة إلى داره كالضامن له، وأظنّه شفق عليه، فما هو إلّا أن هرب من داره، فلما قبض عليه وأُحضر إلى السلطان غضب عليه جدًّا وحنق منه، ثم أسلمه لجانبك ثانيًا بعد أن وضع الحديد في عنقه، ثم آل أمره أن بعثه جانبك إلى دار أزبك من طَطَخ الظاهري، فحمل ما قدر عليه، وبقي على نظر الجيش بدمشق (٥). [ربيع الأول] [تعيين ابن جلود في كتابة المماليك] واستهلّ شهر ربيع الأول بيوم الثلاثاء، وفي هذا اليوم استقرّ علم الدين ابن (٦) جلود القِبطي، ( … ) (٧) المكنَّى بأبي الفضل في وظيفة كتابة المماليك (٨). وسيأتي التعريف بابن جلود هذا في سنة وفاته، وهي سنة اثنتين

стр. 570

وسبعين (١)، وبولده عبد الكريم (٢) في سنة إحدى وثمانين، إن شاء اللَّه تعالى. [إمرة الحاج] وفيه في يوم الإثنين، سابعه، قُرّر في إمرة الحاج بالمحمل بُردُبك المحمدي الظاهري، المعروف بهجين أحد مقدّمين الألوف (٣). [خلعة الرضا لابن المزلّق] وفيه خُلع على البدر حسن بن المزلّق خلعة الرضا (٤) بعد أن حمل جملة من المال مستكثرة، ومع ذلك فالمطالبة لم تنفكّ. (عمل السلطان مولدًا للخَوَند الأحمدية) (٥) وفيه، في يوم الأحد، ثالث عشره، عُمل المولد النبوي بالحوش على العادة في ذلك في كل سنة، ثم أصبح السلطان من غده فعمل مولدًا آخر لزوجته الخَوَند شُكْرْبَاي الأحمدية، ولم يحضره القضاة ومقدّمين (٦) الألوف، وعُدّ عمله من النوادر (٧). [تلمسان تدخل بحوزة السلطان المتوكل] وفيه في يوم الثلاثاء، ثاني عشرينه، وردت الأخبار إلى تونس من صاحبها السلطان المتوكل على اللَّه عثمان بأنه أخذ تلمسان وأقام بها صاحبها محمد بن أبي ثابت نائبًا عنه، وأنه عاد راجعًا بعد تقرير الحال، فدُقّت البشائر لذلك، وزُيّنت تونس زينة هائلة غريبة عجيبة على طريقة تلك البلاد بهيئة غريبة لم أرها بهذه

стр. 571

البلاد. ولم يزالوا على ذلك مدّة أيام وأظهروا من الفرح والسرور ما عنه مزيد (١). وكان من خبر أخذ تلمسان ما قدّمناه لك فقط. ثم كان من أمر صاحب تونس وقدومه إليها ما سنذكره. [اختفاء الأستادّار] وفيه في يوم الخميس، رابع عشرينه، اختفى زين الدين الأستادّار (٢). [تعيين قاسم الكاشف في الاستادّارية] وفيه في يوم السبت، سادس عشرينه، استقرّ في الأستادّارية قاسم الكاشف عوضًا عن زين الدين بعد أن طلب السلطان منصور بن الصفيّ حين اختفاء الزين، وأراد أن يولّيه الأستادارية فأخذ يشترط على السلطان شروطًا أنِف السلطان عنها ولم يرض بها، ثم طلب قاسم هذا فولّاه ولم يعرّج على منصور (٣). [ضيافة الخواجا البنيولي لكبار التجار بتونس] وفيه، في يوم الأحد، سابع عشرينه، جمع التاجر المعظّم والخواجا المكرَّم الحاج أبو القاسم البنيولي (٤)، الغَرناطي، الأندلسي، نزيل تونس وكبير التجار بها جماعة من أعيان التجار من أصحابه والحجّاج، منهم من أهل الأندلس وغيرهم، وعمل لهم ضيافة حافلة بمكان من أجِنّة تونس يقال له "رأس الطابية"، من متنزّهات ملوك تونس وأمكنة فُرَجهم (٥). [صفة الجنان رأس الطابية بتونس] وكنت في ذلك اليوم ممّن دُعي لهذه الضيافة، فرأيت هذا الجنان في غاية الإتقان والحسن، به مكان كالقصر برسم السلطان ثلاث طباق، عظيم إلى الغاية، أنيق البناء، فرج نزِه، بناء ملوكي على صفة غريبة، وهيئة عجيبة، وبه بركة ماء عظيمة كبيرة جدًّا، وبه شيء يقال له المحتشة برسم جريان الماء فيه نُقر في حجر كالرخام، يدخل الماء إليه من جهة ثم تجول في جولات يجرين في أوضاع

стр. 572

محفورة نقرًا في هذه البلاطة على هيئة دائرة واسعة، متداخلة النقور، بديعة الصفات، تسُرّ الناظر وتشرح الخاطر، وهي من النوادر، يجول فيها الماء كأنه حنش، وتتعاكس الجولان عدّة معاكسات، غريبة الهيئات، ثم هيّأوا من جملة هذه الضيافة مأكولًا يقال له المجبنة من مأكول الأندلس (١). (صفة المجبنة) (٢) وصفته جبن طريّ يُدعك بالأيدي حتى يصير كالعجين، ثم يُعجن الثميد عجنًا محكَمًا مملوكًا جيدًا حتى يصير في قوام عجين الزلابية بهذه البلاد أو أغلظ قوامًا به بيسير، ثم يؤخذ منه قطعة تبسَط بالكفّ بلطافة وشباقة، ثم يُجعل عليها قطعة من الجبن المدعوك، وتجمع حتى يصير الجبن حشوًا لها، ثم يُبسط قليلًا، ثم يُلقى في الطاجن وهو على النار بالدُهن فيُقلَى ثم يُرفع ويُرش عليه السُّكّر المدقوق ناعمًا، ومعه اليسير من الكمّون، وعُمل ذلك بين يدي الحاضرين. وتولى عمله بعضٌ من الجماعة من ظُرفائهم، وكان يومًا معدودًا من الأعمار، سالمًا من الأغيار، اجتمع فيه عدّة من ظرفاء أهل الأندلس وأعيانها من طلبة عِلم وتجّار كلّهم أهل ذكاء (٣). [مذاكرات علمية وأدبية وتاريخية في متنزّه تونس] ١٧٦ - وحصلت مذاكرات علمية أدبية تاريخية إلى غير ذلك، وكان من جملة الجماعة الكاتب المُجيد الباهر، والشاعر الفريد الماهر، الذكيّ النيِّر، محمد الخيِّر (٤)، المالقي، أحد أدباء بلاده، وشعراء عصره، فأنشدنا في هذا المجلس لنفسه بديهة، وكان قد هبّ النسيم فأنعش بهبوبه، وأذكر المحبّ بحبوبه: وقالوا: شفاء في النسيم الذي سرى … على مسقط الأنداء وهو بليلُ ولم يشفِني ذاك النسيم لأنّه … طبيبٌ يداوي الناسَ وهو عليلُ والخيّر هذا أحد الكَتَبَة بالأندلس من أعيانها، وفُصَحاء شعرائها. ولد بمالقة في سنة ٨٣١ وبها نشأ. فقرأ القرآن العظيم، وشيئًا في الفقه وغيره، وتعانى الأدب، وبرع في فنّه،

стр. 573

ونظم ونثر، وقال وشَعَر، وكتب الخط الحسن الجيّد على طريقة أهل بلاده، وكتب لبعض الملوك، ثم قدم تونس في سنة أربع وستين وثمانمائة واتصل بخدمة المنصور باللَّه محمد بن عثمان صاحب تونس وامتدحه، فقرّبه إليه وأدناه واختصّ به وجعله كاتبه، ثم عارضه في ذلك أحمد الخلوف حين قدم على المنصور هذا، وجعله أيضًا كاتبه، فتعارضا وبقي بُغْض كلٍّ من صاحبه، وداما على ذلك مدّة في تنافس ومعارضات بالتُهَم وغيره، إلى أن خرج أحمد الخلوف من تونس لأمرٍ أوجب ذلك سنذكره في محلّه في متجدّدات سنة سبعٍ وسبعين وثمانمائة إن شاء اللَّه تعالى، فعاد الخيّر إلى الاختصاص بالمنصور والابتدار بالكتابة له. ثم لما عاد الخلوف من القاهرة إلى تونس عاد لِما كان عليه، وعاد ما كان منهما من التشاجر. ثم بلغني في هذه السنة التي هي سنة ثمانٍ وثمانين بأنّ الخيّر هذا قد حصل له خلل في عقله، وأنه تجرّد عن ثيابه، فأشفقت عليه وعلى شبابه. أحسن اللَّه تعالى عاقبة أمره. وبلغني أن شخصًا كان في خدمة الخلوف هذا في حين حضوره للقاهرة إلى الحج يقال له ( … ... ) (١) قد استكتبه المنصور وانعزل على الخلوف وأبعده عنه مدّة حتى حصل له القهر الذي ما عنه مزيد. لكنْ بلغني أنه رضي عليه المنصور بعد ذلك وأعاده لِما كان عليه بعد أن ذاق ذلًّا وهوانًا، وأظنّ ذلك بذنب ذلك المسكين الخيّر. [ربيع الآخر] [التهيّؤ لاستقبال الملك عثمان] وفيها في أول ربيع الآخر (٢) وردت الأخبار لتونس بوصول صاحبها عثمان وقربه من تونس، فتهيّأ الكثير من الأعيان والناس للقائه. [قضية جُلَيل البغدادي] ١٧٧ - وفيه في يوم الخميس ثانيه بتونس خرج جُلَيل (٣) السيد الشريف البغدادي العراقي على زعْمه بأنه سُيّر لملاقاة عثمان صاحب تونس. وكان الخبر قد

стр. 574

ورد قبل ذلك بأن شخصًا من الأشراف حضر من القاهرة لاستحضار صاحب تونس، ثم ظهر أنه هذا الرجل الموجود الآن بالقاهرة المسمّى بيوسف المعروف بالقطب العراقي البغدادي نزيل القاهرة. ثم بلغني كيفية خروجه من القاهرة، وأنه لما بلغه تعظيم الشُرفاء بالمغرب وما هم فيه من الرفعة وجلالة القدر، وبلغه ما هو فيه جُلَيل العراقي الدَّعيّ أنه من الشرفاء من الحُرمة والوجاهة عند صاحب تونس، فأدّاه رأيه إلى السفر إلى تونس، فجمع جمعًا عظيمًا من أوباش العجم السِفلة والأطراف من القلندرية (١) وغيرهم من المُتَكدّين بالقاهرة، وأنه نصب خيمة عظيمة تحت الصور بالرُميلة بإزاء قلعة الجبل، ونشر أَلْوية وأعلامًا، وضرب طبولًا، وجمع عدّة من الجِمال وغيرها (٢) من الدوابّ بضروب من الحِيَل، وكثُر عليه الغوغاء. واتفق أن الظاهر خُشْقَدم جلس في بعض ليالي المواكب بالقصر، فرأى ما أهاله من ذلك الجمع وكثرة اللغط والعياط (٣) وضرْب الطبل، واجتماع السواد الأعظم من الناس، ورأى خيمة كبيرة وإلى جانبها عدّة من الخيام وكثير من الأعلام، فسأل عن ذلك، فأخبر بالقضية، فأمر بالنزول إليه وفَلّ جمعه، وضرْبهم، وقلْع خيامهم، وتخريق أعلامهم، فبدر هو لما بلغه ذلك بالطلوع إلى الظاهر بهيئته من كِبَر عمامته جدًا التي عمّها على قُبَع كبير جدًا، بحيث صارت مهولة، مع إرخاء عَذَبةٍ نازلة مسبولة خلف ظهره من تلك العمامة التي ما شُوهد مثلها في العمائم، وعليه الثياب الواسعة الأكمام بالغالب، المسبولة من وراء ظهره، فاجتمع بالسلطان وأخذ يداخله من باب ساسان، فقال له: أنا رجل غريب شريف من آل بيت رسول اللَّه ﷺ ، غازي، مجاهد في سبيل اللَّه، وقد جمعت طائفة من الفقراء مطّوّعة، وقصدت أن أتوجّه لبلاد المغرب لجهاد الكفّار، وأنا تحت حرم السلطان وفي جواره، وإليه التجائي واستنادي، فلِمَ هذا التشويش عليّ وما سببه؟ فكفّ الظاهر عنه وانخدع له، وأمره بأن يكون على ما هو عليه، بل وأعطاه مبلغًا، يقال: ثلاثمائة دينار، ثم بعد أيام من ذلك خرج من القاهرة وقد انضمّ إليه واجتمع عليه جماعة من صعاليك المغاربة أيضًا، وكبر جمعه، فتوجّه قاصدًا المغرب على طريق برقة، ولما اجتاز بها ثار به

стр. 575

عربان علي بن فايد وأرادوا أخذه، فلم يزل بهم وأظهر لهم أنه من الأولياء وأهل الصلاح حتى كفّوا عنه، بعد أن نهبوا شيئًا من متاعه ومتاع من معه لا يُعبأ به، فلما خلص نجيًّا حلّ بقومٍ من العربان يعادون هذه الطائفة فأثارهم على أولئك، وأركب كبيرَهم فرسه ووعده بإمراره ومعاونته بجماعته، ووعدوه هم بخلاص ما أخذ له أعداؤهم (١) من المتاع. وثارت بين هؤلاء وأولئك حرب هُزم فيها جماعة الشريف هذا ومن معه من العربان، ولا زالوا في الهزيمة إلى أن وصلوا بهم إلى حيث هو نازل، فنهبوه نهبًا ذريعًا، وهدّوا خيمته وغالب ما كان معه ومع جماعته، وحنقوا منه ولم يبق من قِبله إلّا اليسير، ثم تركوه لأجل شرفه على زعمه، ففرّ بنفسه، ولم يزل حتى دخل إلى طرابُلُس المغرب، وكان قائدها إذ ذاك أبو النصر بن جاء الخير، الآتية ترجمته في محلّها وشيء (٢) من أخباره قبل ذلك إن شاء اللَّه تعالى، فشكى إليه الشريف هذا ما حلّ به وما قاساه من علي بن فايد، وادّعى أنه أخذ منه شيئًا كثيرًا، من ذلك جوهرة كبيرة ثمينة أحضرها تحفةً لصاحب تونس، وكانت مخبّأة بعمامته، وأنه أخذ له مبلغًا من المال، وسمّى شيئًا له جُرم وصورة، وهو كاذب في ذلك جميعه، وما عند قائد طرابلس من كذِبه خبر، فظنّ الأمرَ على جليّته لمكان شرفه، فاختشى من غائلة هذا الخبر وعاقبة أمره، وأن يعود عليه العائد من قِبَل صاحب تونس، فإنّ ذلك كان بالقرب من عمل بلاده، فانتدب عدّة من الفرسان من جماعته كالقُصّاد إلى علي بن فايد، وهو يوبّخه على ما فعله مع الشريف ويخوّفه عاقبة ذلك من صاحب تونس، ويأمره بأن يعيد جميع ما أخذه منه، وإلّا حلّ به من صاحب تونس النكال، بعد أن تدخّل على القُطب هذا بأن يقيم بطرابُلُسَ إلى حين عَود الجواب، فبعث إليه ابن (٣) فايد بالخيمة التي أخذها وبعض أثاث، وحلف يمينًا أنه ما أخذ له غير ذلك، واستمرّ مصمّمًا على دعواه، ولا مَن يصدّقه عليها من جماعته، بل ربّما كذب خفية، واجتهد قائد طرابُلُس حتى اطّلع على كذبه، فتركه، وخرج هو من طرابُلُسَ قاصدًا تونس، فاتفق وصوله لإقليم تونس حين عَود صاحبها عثمان من تِلمِسان، وكان قد توجّه لأخذها كما بينّاه. ولما بلغ الشريف جُلَيلَ مجيءُ القُطب هذا وتحقّق أنه إنما جاء بسببه لأذاه لحسده إيّاه، فخرج من تونس وتلقّاه قبل اجتماعه بالسلطان، فترحّب به لأنه من

стр. 576

بلده، فيقال: إن جُلَيل هذا كان ببلده من أسافل الناس، وليس بشريف، وأن والده كان غاسل الأموات ببغداد، وأنه لما ضاق بولده جُليل هذا الحال خرج من بغداد، وتنقّلت به الأحوال حتى دخل بلاد المغرب، فادّعى الشرف، وراج بسبب هذه الدعوى على أهل المغرب، وجال الكثير من أقطارها وأثرى، وأحضر بأخرة لصاحب تونس، وحصل له منه المال الطائل والرواتب الجليلة، وصار له شهرة وذِكر، بل كان لأحد الأمراء الأكابر بتونس، وبلغ القطب ذلك وهو بالقاهرة فداخَلَه من الحسد من أمره ما لا يُعبّر عنه، واجتهد إلى أن وصل إلى تونس على ما بيّنّاه لك. وبلغ ذلك جُلَيل وعرف مقصده، فأخذ في تلافي هذا الأمر، فتلقّاه كما قلناه قبل أن يجتمع بأحد، وأخذ يتلطّف في شأنه بعد أن أحضر إليه مبلغ ثلاثمائة دينار، على ما قيل هناك، وبلغني. وقال لي القُطْب: لا بل كانت كيسًا فيه خمسمائة دينار، ولا أصدّقه على ذلك، لكونه كثير الكذب والمجازفة، فيقال إن جُليلٍ هذا قال له: خذ هذه وأنا وأنت غريبان، فاستُرْ عليّ، وأصير أنا وأنت شيئًا واحدًا، ونتعاضد على المقاصد، وأزكّيك عند صاحب تونس مع تعظيم لك، وأقول له: هذا من شرفاء بلدي، فإنني مقرّب إليه، مختصّ به. فاستشاط القطب هذا وأخذ في إساءته على جُليل المذكور والفحش في حقّه، ولكنّه في الملأ العام فإنه ليس بشريف، على أنه هو أيضًا من مقولته، بل وأفحش، فإنه قيل عنه إنه ليس من مسلمي الأصل، فضلًا عن أن يكون شريفًا، بل يقال إنه من المجوس، واللَّه أعلم. ثم بلغ صاحبَ تونس ذلك فكان سببًا لحطّ قدْر جُليل هذا عنده. ثم اجتمع القطب هذا بصاحب تونس قبل دخولهما إليها، فترحّب به وأركبه فرسًا من خيله بعد أن ألبسه جبّة وقابلارًا، وهو المسمّى بالرأس بتونس، وبالقابال بالأندلس، واستفسره عن حال جليل هذا، فأوضح له أنه ليس بشريف، وتكلّم في حقّه بكلام كثير، وأنه ليس من ذي وجاهة وعراقة، فضلًا عن الشرف، وأوسع المقال في ذلك على عادة طيشه وخفّته وتهوّره في كلامه بالزائد والناقص. ثم أخذ تعريفه نفسه ( … ) (١) وفي تعظيمها، فاستشعر منه صاحب تونس ما قال هو في حق غيره، بل وصرّح جليل بذلك وعكس المسألة، ووقع التعارض الكبير. ثم تنبّه صاحب تونس على السؤال عن أحوال شرفاء بلده، بل بلاده، واستشعر بأن كل من قام يدّعي الشرف يمكنه ذلك. وآل الأمر في ذلك بعد الخَبْط الكبير، وجمْع العلماء إلى أن أبعد من تونس في يوم واحد نحوًا من الأربعين نفرًا كانوا قد عُدّوا من الشرفاء،

стр. 577

وتسلسل الحال، وحصل بواسطة ذلك الضرر ما لا مزيد عليه. ثم أرجف بأن السلطان مُطالبٌ جُلَيل بما استأدّاه في مدّة أربع عشرة (١) سنة، وحُسِب ذلك فكان شيئًا كثيرًا. ثم لم يكن ذلك، لكن قطع ما كان مرتّبًا باسمه، وبقي في غاية الخجل من السلطان ومن أعيان تونس، وحصل عليه من النكد والتشويش ما لا عنه مزيد، بعد أن سأله السلطان في إظهار ما يشهد له بصحة نسبه، فاعتذر بما لا يفيد ولا طائل تحته. ثم بعث إلى القاهرة بولده بعد شهور، فأثبت له بها نَسَبًا اللَّه أعلم بصحّته. يقال إنه بَذل في ذلك مالًا كثيرًا (٢) وتكلّف فيه، ثم لم يشكر أحد القطب على ما فعله على هذه الصفة، بل كان ذلك سببًا لأن يُسأل هو أيضًا عن نسبه، فأجاب بأن معه مُحضر بذلك. فأمر صاحب تونس أحد أعيان دولته محمد بن الكمّاد صاحب الأشغال بتونس، وهو كناظر الخاص بهذه البلاد أو نحو [٥]، أن يحرّر له هذه القضية، وينظر ما بيد القُطب من المستند الشاهد له بالشرف، فأخرج له المحضر وعليه خطوط جماعة من المصريّين، وهو ثابت على العَلَم البُلقيني قاضي القضاة بشهادة جماعة من أهل العراق، فطلب من يشهد له على هذه الخطوط، فعجز عن ذلك، فبعث ابن (٣) الكمّاد إليّ يسألني في الحضور إلى عنده، فتوجّهت إليه ولا شعور لي بهذه القضية وإنّما اطّعلت عليه بأخرة، فأخرج لي المحضر وعليه خط العَلَم البُلقيني، فقال لي: أتعرف هذا خط مَن في بلادكم؟ فقلت: نعم هو خط شيخ الإسلام قاضي القضاة العَلم بن البُلقيني. فاكتفى بذلك استئناسًا لإعلام السلطان. ثم أوقفني على القضية برمّتها. ثم بلغ جُليل ذلك فطعن فيه وقال: إنه من بلاد أو من مصر (٤). ثم آل أمر القطب هذا أن أنزله صاحب تونس هو وجماعته بمكان، ورتّب له شيئًا يقوم به وبجماعته، ما بين لحمٍ ودقيق وشعير لعليق بهائمه، وستة ناصرية فضّية عبارة عن ربع دينار في هذه البلاد، فما أرضاه ذلك. وكان بعث إليه في حين قدومه بخمسين دينارًا عندما جاءه وما أركبه من الفرس. ثم إن القطب هذا واجه صاحبَ تونس بكلماتٍ فيها الجفاء وقلّة الأدب، فأهمله ولم يؤاخذه ولا التفت إليه، ولا زاده على ما رتّبه له أولًا، وانفلّ عنه جمعه

стр. 578

شيئًا فشيئًا، لأنه كان وعدهم بالإغناء ومنّاهم، وعلى (١) آذانهم بالمواعيد الباطلة، فعاد أكثر [هم] إلى القاهرة وهو غير راضٍ عنه، وخمل ذكره، وبقي في قليل من جماعة الأوباش، فتدارك فارطه، وعاد إلى القاهرة في البحر الملح خوفًا من عرب بَرْقَة، ولم يحصل على طائل ولا نال ما كان في أمله. وقد ذكر لي من أثق به من أصحابه أنه كان في قصده إثارة فتنة كبيرة عساه يحصل على طائل أو على أمرٍ من الأمور كالمهدي أو نحوه، بل كان يصرّح بذلك لبعض أصحابه. ولما عاد إلى القاهرة نزل بمكان خرِب من القرافة بالقرب من المجراة، وهو مقيم به إلى يومنا هذا. وكان قد تزوّج من مدّة واستولد أولادًا، ثم فارق الزوجة ومات أولاده، وبيني وبينه مواددة بالكلام والسلام، ولم أسأله عن مولده، ولا عن شيء مما يخبرني عنه من أحواله لمعرفتي بكذبه، وكثرة مجازفاته، وكثرة دعواه لأشياء كثيرة حتى العلم، وهو عَرِيّ عن كل فضيلة، عامّي، أي لا يقرأ ولا يكتب، وقد خمل في هذه الأيام، وافتقر جدًّا، حتى إنه عاجز عن قوته، وهو مع ذلك يجمع الأوباش والأطراف من العجم وغيرهم، بالمكان الذي هو به، وعنده فرس هزيل جدًّا، يركبه بما قدّمناه من الهيئة، ويقصد الأعيان والأكابر في رأس كل شهر، ويسألهم فيما يعينه على قوته، وقلّ من يجيبه إلى سؤآله لذهاب الناس، ومنهم من لا ينظر إليه، ومع ذلك فإذا حضر عندهم لا يجلس إلّا في صدور المجالس، ويدخل إلى دُورهم راكبًا، ويرفع نفسه بنفسه. وكان يفعل مثل ذلك مع السلطان أيضًا، فيطلع إليه في رأس كل شهر ويتكلّم بما أحب، فثقل على السلطان، فاتفق أنْ طلع إليه في بعض الشهور، فأمره بأن يقوم فينقض عمامته وينقصها من الشاش إلى مقدار نصفها، وأحضر جَلَبيًّا فأمره أن يقصّ شاربه ويحلق شعرًا كان برأسه، فكشف رأسه في الملأ (٢) العام، وحلق وهو في غاية الحنق من ذلك، وانقطع من يومه ذلك عن الطلوع إلى السلطان. وأظنّ أن السلطان قصد ذلك بما فعله. وله بَهْوَرات عجيبة وتطوّرات غريبة، من جملة ذلك أنه في يوم عاشوراء من محرّم سنة خمسٍ وثمانين بعث إلى غالب زوايا الأعجام يستحثّهم على الخروج بالأعلام، وركوب المشايخ منهم، وإظهار المأتم على الحسين بن علي ﵄ فاجتمع إليه جمع وافر (٣) من هذه الطائفة بالأعلام، وركب هو أيضًا بنفسه، ونشر على رأسه أعلامًا وألوية، وجمع جمعًا موفورًا من غوغاء

стр. 579

العجم، وغالبهم ممن يُلمز بالرفض، وسار بجموعه من الصليبة شاقًّا القاهرة، وهو وإيّاهم في غَوْش عظيم، وضجّة هائلة، وحركةٍ زائدة، وهم رافعون أصواتهم بقولهم: "يا حسين شاه حسين"، يكرّرون ذلك بصوت عالٍ جدًا وهم ينتحبون، حتى وصلوا المشهد الحسيني، وبلغ القاضي المالكيَّ ذلك، فقبْل أن يصلوا المشهدَ أو بصره بعث إليهم بدّد شملهم وفرّق جمعهم، ثم أحضره لتعزيره، ووبّخه على ذلك، وأراد أن يوقع به فعلًا، فذكر أن يشبُك من مهدي الدوادار الكبير هو الذي أمر بذلك. فأخبر القاضي عن مبالغة تعزيره، على أنه حصل له التعزير، وما كفاه ذلك حتى خرج من عند القاضي، فأعاد جمعه وسار بهم بعد تلك الفعلة خارجًا من باب النصر قاصدًا إلى الحسينية، وكان يشبُك المذكور مقيمًا بها لعمارة ما أنشأه هناك وهو مُجِدٌّ في ذلك مجتهد فيه لأجل حضور السلطان من الحج، ليرى بهجة تلك العمارة، وما عمله من الدِهليز الهائل من عند القبّة إلى عمائر الحسينية، وبينا يشبُك على ما هو عليه من الاستحثاث على العمارة، وإذا بأعلام كثيرة لائحة له على البُعد، مع غوغاء وصياح عظيم، فأرابه ذلك، وسأل عن الخبر، فأُخبر بالقضية، وبما وقع عند المالكي، وما قاله القطب هذا. فحنق يشبُك منه وأَراد أن يوقع به وبمن معه بعد أن بعث إلى المالكي يخبره بأن ما نقله عنه لا حقيقة له، ثم أخذ بعض الناس ممن له كلام مقبول لدى يشبُك يتلطّف بالقضية، وقال ليشبُك: هذا مجنون وهؤلاء فقراء وقد قصدوا، وهذا فأل حَسَن، ونحو ذلك من كلمات يسكّن بها غضب يشبُك حتى سكن الحال. وللقطب هذا من نحو هذه الحكاية أشياء أُخَر يطول الشرح في ذكرها. وإنّما ذكرت هذه القضايا والكوائن هاهنا وإن كانت وقعت فى أزمنة مختلفة وتواريخ متعدّدة غالبها سيأتي في محلّه إن شاء اللَّه تعالى إن قدّر اللُّه تعالى ذلك لتكون قصة هذا الأحمق منتظمة بعضها بالبعض ويكون ذكرها على هذا الاختصار نموذجًا على حاله، ولتكن قضيّته معلومة لكل أحد وليحترز منه ومن كذبه ومجازفاته، ولا يعتمد على شيء من أفعاله وأقواله فإنه من الغرائب والنودار. وسنّه نحو السبعين سنة أو أكملها فيما أظن. وهو قصير جدًّا، سيّئ الأخلاق، ذميم الشكل والهيئة، لكنّه حَسَن الملتقى، سَمح، كريم النفس جدًا، ومهما حصّل له لا يُبقي عليه، وعنده نوادر كثيرة. وأخباره تطول، سامحنا اللَّه تعالى وإيّاه.

стр. 580

[دخول السلطان عثمان تونس] وفيه، في يوم السبت، رابعه، بتونس، دخل صاحبها السلطان عثمان إليها في بكرة النهار، وقعد الناس لرؤيته، وكان يومًا مشهودًا، ورأيته في ذلك اليوم راكبًا وعن يمينه قاضي الجماعة الشيخ أبو عبد اللَّه محمد ابن (١) العلّامة عمر القَلجاني الذي قدم فيما بعد ذلك لهذه البلاد، وحج، وصار شيخًا بتربة السلطان الأشرف قايتباي على ما سيأتي في محلّه إن شاء اللَّه تعالى. وكان على يساره جُليل السيد الشريف بزعمه، الماضي خبرُه مع القطب، والعساكر خلفه. وعاد صاحب تونس هذا ولم يحصل على طائل مما توجّه بصدده من أمر تلمسان. وكان له بعد ذلك ما سنذكره في متجدّدات سنة سبعين وثمانمائة إن شاء (٢) اللَّه تعالى. (نادرة عجيبة) (٣) وفيه في يوم الثلاثاء، سادسه، طلع الوالد إلى الظاهر خُشقدم على عادته، فسأله: ماذا رأيت من عجائب النوادر؟ فقال: شيئًا كثيرًا، والذي يحضرني من ذلك الآن أنني رأيت بالبيت المقدس شخصين (٤) أحدهما بلحية سوداء لا بياض بها، والآخر بلحية بيضاء لا سواد بها، وهما بحانوت يصنعان عنابر النساء، وهما شَبَهان، فيجيء إليهما من يستعملهما في صناعة العنبر، فيقول لذي اللحية البيضاء: بحياة (٥) ولدك إلّا ما أسرعت في شغلي، ظنّا منه بأن ذا اللحية السوداء ولد (٦) لذي اللحية البيضاء. وكان الأمر بالعكس. وكان يعجب الكثير من الناس من ذلك، فهذا من النوادر. (نادرة أخرى) (٧) ثم قال: ورأيت من النوادر أيضًا، وكنت ببلاد الصعيد، فمات إنسان فُفتح له قبر لدفنه فوُجد فيه خمسة تماسيح. وهذا من العجب. قاله الوالد: فتعجب الظاهر من ذلك. [صلاة صاحب تونس بجامع الزيتونة] وفيه في يوم الجمعة عاشره بتونس حضر صاحبها المتوكل على اللَّه عثمان

стр. 581

للصلاة بجامعها الأعظم الذي يقال له جامع الزيتونة. وقد جرت العادة هناك أن السلطان إذا قدم من سفر صلّى أول جمعة دخوله بهذا الجامع وترك حضور الصلاة بجامع قصبته دار سلطنته، وحضر الشيخ شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد البيدمري التريكي الماضية ترجمته، وكان إذ ذاك ناظر الجيش بتونس وبيده نظر هذا الجامع، فأمر بقمّ (١) المقصورة التي جرت العادة بصلاة السلطان بها، وبشغْلها بالحصر الجيّدة الجديدة، وأطلق بها مَجَامر العود، وأغلق بابَيها وشبابيكها، ثم أحضرت سجّادة السلطان وهي من سَعَف رفيع، محكَمة الصنعة، ففُرشت بمكان جلوسه للصلاة، ثم حضر هو بأُبّهة زائدة وبين يديه ولده، وليُّ عهده محمد المنصور باللَّه، وجماعةٌ أُخَر من إخوته، وبنوهم (٢)، والناس تسلّم عليه بالسلطنة أو الخلافة على زعمهم، وكلّما اجتاز بجماعة رفعوا صوتهم بقولهم: "سلام، نصرك اللَّه" لا يزيدون على ذلك. ونزل بالجامع المذكور، وشهد الصلاة به، ثم ركب عائدًا لقصبته، وكان يومًا مشهودًا. [عيادة الظاهر خُشقدم للأتابك جرباش] وفيه، في يوم السبت، عاشره، بالقاهرة نزل الظاهر خُشقَدم من القلعة إلى دار الأتابك جرِباش بقرب جامع أُلْماس، وسيدي خَلَف، نفع الله به، فعاده ولم ينزل عن فرسه، لأن الأتابك لما بلغه مجيئه إليه خرج إلى حوشه، وجلس على دكّة به، فدخل إليه السلطان فأقامه مماليكه وهو يقول: دعوه يستريح فأُجلِس، ودام السلطان بقرب دكّته على فرسه وهو يكالمه ويسأل عن حاله. ثم قدّم جرِباش له أشياء تقبّل اليسير من ذلك، وردّ الباقي وعاد إلى القلعة (٣). (مقتل جانَم نائب الشام) (٤) وفيه، في يوم الثلاثاء ثالث عشره ورد الخبر إلى القاهرة من جانِبك التاجي نائب حلب بأن الأخبار ترادفت عليه بأن جانَم الأشرفي نائب الشام قتل بمدينة الرُها، وأن سبب قتله مختلَف فيه، وأنه لم يحرّره، وإذا حرّره بعث به ثانيًا، فحصل عند السلطان وجماعة من الظاهرية بهذا الخبر ما لا عنه مزيد من السرور والفرح.

стр. 582

وفيه، في يوم الإثنين تاسع عشره ترادفت الأخبار بقتل جانَم نائب الشام، وورد على السلطان عدّة مكاتبات من نواب (١) البلاد الشمالية بصحة هذا الخبر، وكلمن (٢) ورد على السلطان بهذا الخبر خلع عليه وأظهر غاية الفرح والسرور بذلك، وأمر بدقّ البشائر بالقلعة فدُقّت لذلك بها وبأبواب الأمراء، وحرّر كيفية قتله بعد ذلك، فكان على يد مملوك له يقال له () (٣) لا بُورك فيه ولا جوزي خيرًا عن مروءته (٤)، وكان ذلك بواسطة إغرائه جانبك التاجي نائب حلب لهذا المملوك، وكان هذا المملوك قد فارقه وجاء إلى حلب فأغراه به جانبك وأمره بأن يعود إليه كالطائع له النادم على ما كانَ به. واتفق هذا المملوك هو وآخر على ذلك، فثارا به حين وجدا فرصة على ذلك بغياب ولده وتمراز في الصيد، ولما قتلاه قُتلا هما أيضًا شرّ قتلة بالنظر لشقاوتهما كيف أذهبا أنفسهما، بل وعرّضا بفساد دينهما مما لا طائل لهما فيه (٥). [جمادى الأول] [ولاية بلاط اليشبُكي نيابة صفد] وفيه، في يوم الإثنين ثالث جمادى الأول استقر في نيابة صفد بلاط اليشبُكي الذي كان ( … ... ) (٦) الحاج إينال نائب حلب الماضي ذِكره بمال بذله في ذلك، ولم يكن أهلًا لذلك، وقد ترشح ( … ) (٧) وعيب ذلك على السلطان كونه يولّي نيابة صفد لمثل هذا اللُكَع دفعة واحدة ( … ... ) (٨) ولا تقدّم رياسة في الجملة توجب ذلك، وما وصل إليه بعد ذلك فأعظم ( … ) (٩) بموت ابنه بعد ذلك كله فأغرب. وسنذكر ذلك في محالّه بعد السبعين إن شاء اللَّه تعالى (١٠).

стр. 583

[تقرير مناصب بدمشق] وفيه ( … ... … ) (١) عن خير بك القصرُوي، وقرّر خير بك هذا في تقدمة ألف بدمشق عوضًا عن يشبُك المؤيَّدي المعروف بأوشق قلق، بحكم تقرير السلطان إيّاه في نيابة ( … ... … ) (٢) شادبك الصارمي الآتي خبر موته في التراجم، وبعث إلى يشبُك بذلك فما ( … ... … ) (٣) واعتمد على إمرته بدمشق وما أمكن إعادة خيربك إلى غزّة للعُرف عند التُرك ( … ) (٤) أن من العار كونه يهبط هذا المقدار فيعود إلى أدوَن منه مما تولّاه، وإن كان في التقدمة بألف دمشق تقرّر أيضًا، لكن لا كهذا، فإنه كان مدّة قبل ذلك على اصطلاحهم في ذلك، فصار خيربك من جملة البطّالين بدمشق ولا التُفت إليه. [إلزام شادبك الجلباني بنيابة غزّة أو السجن] وفيه- أعني هذا الشهر- في هذه الأيام خرج الأمر لشادبك الجُلْباني بإلزامه بعشرة آلاف دينار، وأن يتولّى في مقابلة بذلها نيابة غزّة، وأنه إذا امتنع من ذلك يُحمل إلى سجن قلعة دمشق وتؤخذ منه العشرة آلاف غصبًا، شاء أو أبى، وعُدّ هذا من نوادر أحكام الظاهر خشقدم هذا ومن مظالمه (٥). [تعيين أزدمر الابراهيمي مسفّرًا لنائب صفد] وفيه عيّن السلطان أزدمر الإبراهيمي المعروف بالطويل، الذي صار بعد ذلك حاجب الحجّاب بمصر، ثم أخرج منفيًّا إلى مكة، ثم أُحضر من على جهة القُصَير قبل أن يحج إلى الصعيد، ثم أُتلف بها في سنة خمس وثمانين كما سيأتي ذلك في ترجمته في السنة المذكورة إن شاء اللَّه تعالى، عيّنه السلطان مسفّرًا لبلاط نائب صفد، فحمل تقليده وتشريفه معه. [تعيين سودون البُردُبكي لحمل التقليد] وفيه عُيّن سودون البُردُبكي المؤيَّدي المعروف بالفقيه بحمل تقليد من يستقرّ بغزّة.

стр. 584

[تعيين جماعة من الجند للخروج إلى قبرس] وفيه، في يوم الأربعاء، خامسه، عرض السلطان الجند فعيّن منهم جماعة للخروج لقبرس، ثم عرض ثانيًا وثالثًا بعد ذلك، وهو يعيّن كلّما عرض حتى كمل جميع من عيّنه خمسمائة. وكان عيّن قبل ذلك عدّة من الأمراء سيأتي ذكرهم (١). [خروج بلاط إلى نيابة صفد] وفيه، في يوم الخميس، عشرينه، خرج بلاط نائب صفد لمحل كفالته منها، ولم يخرج بتطليب وتعبئة جُند كما هي العادة، ثم خرج إليه الزين بن مزهر كاتب السر لتحليفه على العادة في ذلك، فخلع عليه كاملية بسمّور، وأركبه فرسًا بسَرْج ذهب وكنبوش زركش على العادة. [القبض على قاسم الكاشف] وفيه في يوم الإثنين، رابع عشرينه، قُبض على قاسم الكاشف الأستادّار لعجزه عن حمل بعض مال ثم أُطلق (٢). [ولادة مولودة للمؤلّف ووفاتها] وفيه، في يوم الأربعاء، سادس عشرينه، وُلدت لي ابنة من أَمَتي أم الفتح شُكْرباي وسمّيتها عائشة، فلم تلبث أن ماتت في آخر هذا النهار، وتأسّفتُ عليها لاشتياقي إلى الأولاد، ثم دفنّاها بمكان يقال له الزلّاج جبّانة عظيمة بتونس فيها الكثير من الصالحين والأولياء، واللَّه تعالى يعوّضني خيرًا بمنّه. [نزهة المؤلّف بتونس] وفيه، في يوم الخميس، سابع عشرينه، خرجنا لظاهر تونس من باب الزلّاج للتنزّه لِما حصل عندي من ضيق الصدر بسبب موت الابنة، وخرج معنا الشاعر الأديب البارع، الفاضل، الكامل، الديّن، أبو عبد اللَّه محمد بن محمد بن المعروف بابن الرزين الخزرجي الأنصاري، الأندلسيّ الأصل، التونسي، فاجتزنا بممرّنا على زرع أخضر، ومعنا من الشعراء ثلاثة أيضًا أحدهم يسمّى محمد الجريدي، والآخر أحمد الورداني، والآخر شعيب البجائي، فقلت: ليُنشد كل من حضر شيئًا بديهة في هذا الزرع بشرط الإجادة في المعنى،

стр. 585

فبدر الفاضل ابن (١) الرزين وأنشد ارتجالًا وأنا أسمع ذلك: يا خليليّ قِفا واعتبِرا … كيف ماس الزرعُ حُسنًا واسترد وبدا منه غديرٌ أخضر … صنَعَتْ فيه يدُ الريحِ زَرَد فلما سمع الباقون ذلك من بديهته أحجموا عن المقال، وسألتهم المرة بعد الأخرى في إنشاد شيء، فاعتذروا وبفضيلة الأول اعترافًا وقالوا: لا قدرة لنا على هذا النفس ولا القريب منه، وسألوا في الكف عنهم، ووقع لنا في ذلك اليوم من البسط والمذاكرة في العلوم والأدب ما أنشأنا بعض ما يجده. وكان يومًا معدودًا من الأعمار، سالمًا من الأغيار. [استدعاء المسعود باللَّه ابن صاحب تونس للمؤلّف] وفيه، في يوم السبت، تاسع عشرينه، بعث إليّ محمد المسعود بالله بن المتوكل على اللَّه عثمان صاحب تونس وليّ عهد أبيه يستدعيني إليه بالحضور إلى بين يديه، وكنت لم أجتمع به، وبلغه عني أنني أنظم أو نحو ذلك، فلما حضرت عنده أنس بي ورفع من محلّي، ثم أخذ يتلطّف بي في المؤانسة بالكلام، وأنشدته البيتين اللَّذَين (٢) مرّا في أول تاريخنا هذا عند ترجمتنا للمسعود هذا، وهما: ألا يا آل حفص يا ملوكًا … ويا دُرّ حلى بهم نُظِمَت سلوك ألا فُقْتُم ملوكَ الأرض طُرًّا … فما من بعدكُمُ أحَدٌ مليك فأعجباه إلى الغاية وجاد وأثاب، جزاه اللَّه تعالى خيرًا، وكتب لي ظهيرًا بإعفائي عن المغارم واللوازم فيما أتّجر فيه، وتردّدت عليه المرة بعد الأخرى. واجتمعت به مرة وعنده الشيخ العالم الفاضل علي الكسلي من بلد العنّاب، الآتية ترجمته إن شاء (٣) اللَّه تعالى، فأخذ يسألني عن الشيخ يحيى العجيسي. ثم انجرّ الكلام إلى مشايخه وما قاله بعض أشياخه من المقصورة التي أولها: أنتم بقلبي وأنا أشكو النوى … إنّ حديثي لم يتُبْ في الهوى فأنشدني منها جملة أبيات، وقال: هل رأيت مثل حسنها؟ فقلت له: إنني أعرفها. فقال لي: العقل من همّة سيدنا أن يتفضّل عليّ بنظم مثلها، وكأنه قصد بذلك

стр. 586

الامتحان لأمرٍ ما له فيه الغرض. فقلت له: أنا لي بنَفَسٍ كهذا، لكنّني أقول شيئًا بديهةَ وارتجالًا بهمة مولانا صاحب المجلس، ثم أنشدته تسعة أبيات ارتجالًا، فقال لي عند نهاية التاسع: أنا أستغفر اللَّه في حقّك وأقطع. ثم كمل لي عليها ما شئت متى شئت، ففعلت بعد ذلك وجاءت طويلة جيدة، وهذا (١) أوائلها التسعة ومعها شيء مما قلته بعد ذلك، وهي جميعها مُثْبَتة عندي: يا سادةً قد سكنوا منّي الحشا … وبعد ذا فإنّني كمن هَذَى مولَعٌ ومُغْرمٌ وبي جَوًى … لا أستفيق دائمًا من الهوى ومَن أحبّ قد بَرَاني عشقُهُ … وأوهن العظْمَ وحَيْلي قد وهى فما احتيالي وهو لا يرْثي لما … قد حلّ بي من أجله وما دَهَى (٢) ولا أراه صاغيًا ولا له … من رحمة بل للحاظه منتَهى (٣) وخيل لي جواز مأمنها وقد … أوقعني في شرَكٍ من الردى … (٤) بُعده وطول صدّه … وهجره وبينه عنّي انثنَى … (٥) ذاك حتى إنه … أشْمَتَ بي الأعداءَ لما أنْ قَلَى وبِعْتُ ليلي في وصاله … أباعني بمرخصٍ وقد غلى واحتجبْن عن ناظري مغاضبًا … وهاجرًا وجاهزًا يُبدي الأسى … (٦) في بين عشقه … فهو على قلبي إذا مرّ حلا … ... (٧) والهلال إذ بدا … ووجهه كأنه بدر الدُجى ( … ... ) (٨) أعرض عنها لذلك. [جمادى الآخرة] [التهنئة بالشهر والنفقة للأمراء] وفيه استهلّ جماد الآخرة بالأحد، وهُنّئ السلطان بالشهر. وفيه -أعني هذا الشهر- في هذا اليوم حُملت النفقة إلى الأمراء المعيَّنين قبل

стр. 587

تاريخه ( … ... ) (١) فحُمل إلى بُردُبك الظاهري المعروف بالبَجْمَقْدار حاجب الحجّاب ومقدَّم العسكر خمسة آلاف دينار، ولجانبك قُلَقْسيز أحد مقدَّمي الألوف ثلاثة آلاف، وللأمراء العشرات -وكانوا عدّة- لكُلٍّ مائة دينار. وفُرّقت النفقة على الجند المعيَّن لكلِّ خمسة عشر دينارًا (٢). [تعيين الأستادّار] وفيه، في يوم الإثنين، ثانيه، استقرّ شمس الدين منصور بن القفي في الأستادّارية، وصُرف قاسم الكاشف. [هرب جماعة من أهل مُسراتة إلى مالطة] وفيه، في يوم الأربعاء، رابعه، ورد الخبر من طرابلس الغرب لتونس بأن جماعة من أهل مُسْراتَة نحو الستين نسمة ركبوا البحر الملح وتوجّهوا إلى جزيرة مالطة للفرنج، ليكونوا تحت إيالتهم هربًا من ظلم القائد أبي (٣) النصر عامل عثمان صاحب تونس على طرابلس، فلم يكترث صاحب تونس لذلك. فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه (٤). [نيابة مَلَطْيَة] وفيه، في يوم السبت، رابع عشره، قرّر يشبُك البجاسي أتابك حلب في نيابة مَلَطْية، وصرف إينال الأشقر. ثم قرّره في أتابكية حلب (٥). [خروج صاحب تونس للمتنزّه] وفيه، في يوم الأربعاء ثامن عشره خرج صاحب تونس إلى المكان الذي أنشأه بأرض من الجبّان العظيم به وما بناه به من القصور والمتنزّهات، فدام به ثلاثة أيام وعاد. [استغاثة المساجين من الجوع] وفيه في يوم الأحد، ثاني عشرينه، كثرت استغاثة المسجونين بتونس حتى

стр. 588

أعيوا السامعين، فسأل السلطان صاحب تونس عن حالهم فبُلغ بأنهم يشكون الجوع، فأمر لهم بطعام يُفرّق فيهم، وحصل لهم بذلك نوع رفق في الجملة. [زيارة زوجة السلطان الظاهر مقام السيد البدوي] وفيه، في سلْخه، خرجت الخَوَنْد شُكْرْبَاي الأحمدية، زوج السلطان الظاهر، متوجّهة إلى طنتدا في محفّة لزيارة السيد أحمد البدوي، وخرج معها جماعة من الخَوَندات كما فعَلَتْ قبل ذلك على ما تقدّم (١). [شهر رجب] وفيها استهلّ رجب بالإثنين وطلع القضاة للقلعة لتهنئة السلطان فيه. [سفر الجند المعيَّنين لقبرس إلى دمياط] وفيه- أعني هذا اليوم من رجب هذا خرج العسكر المعيَّن لسفر قبرس قبل تاريخه فساروا إلى شاطئ النيل وانحدروا منه لثغر دمياط وهم جماعة من الجند السلطاني نحو الخمسمائة نفر وعليهم من مقدّمين الألوف بُردُبك البجمقدار الظاهري حاجب الحجّاب، وهو الباش. وجانِبك قلقسيز أحد مقدّمين الألوف أيضًا، ومن الأمراء غير مقدّمين الألوف اثنا عشر أميرًا وهم من الأشرفية البرسبائية بُردُبك التاجي، وقانصوه المحمدي، وقانصوه الساقي، ويشبُك الأشقر، وخيربك من حديد، وقَطْلُباي. ومن الظاهرية الجقمقيّة: يشبُك القرمي، وقانصوه، وتمرباي السلحدار، ومن المؤيَّديّة: تَنَم الفقيه. ومن السيفية: مغلباي الجقمقي المعلّم، وتنبك السيفي جانبك الثور، وهذا خلاف المطوّعة والخدّام وجند الأمراء، وخلاف أرباب الصنائع وغيرهم (٢). (إعادة زين الدين للأستادّارية) (٣) وفيه- أعني هذا اليوم- ظهر زين الدين الأستادّار وصعِد القلعة فاجتمع بالسلطان وخلع عليه جبّة بسمّور، وقُرّر في الأستادّارية على عادته وصرف منصور ووكِّل به (٤).

стр. 589

[صعود جانبك نائب جُدّة ومعه شادبك الجُلباني إلى قلعة الجبل] وفيه، في يوم الثلاثاء ثانيه، صعِد جانبك نائب جُدّة الدوادار الكبير إلى القلعة ومعه شادبك الجُلُبّاني الذي كان دوادار جُلُبان نائب الشام، وكان قد حضر من دمشق خائفًا مترقبًا، وذلك عقيب البعث إليه بنيابة عشرة بعد أن يحمل عشرة آلاف دينار، وإن امتنع يُلزم بحملها أيضًا، ويودع سجن قلعة دمشق، وعلم هو أن ذلك مصادرة له، فقبل أن يُتمكّن منه أسرع في مجيئه إلى القاهرة، وترامى على بعض جماعة جانبك نائب جدّة حتى أوصله إليه وعطّفه عليه، فأخذه جانبك وصعد به إلى القلعة كما قلناه، وساعة وقوع بصر السلطان عليه نهره ووبّخه، ثم آل به الأمر أن عملت مصلحة بمبلغ كبير وغرم مالًا طائلًا لكنْ دون ما قُرّر عليه وأُعفي من غيره، وعاد إلى دمشق وسافر من غيره (١). (مولد () (٢) ولد الظاهر خشقدم) (٣) وفيه، في يوم الخميس رابعه، ولد للسلطان ولد ذكر من بعض سراريه، وسُمّي ( … ... … ... ) (٤) وله الكثير من التعلّقات. انتشأ نشأة حسنة (٥). [تزيين القاهرة] وفيه، في هذه الأيام نودي بزينة القاهرة لأجل دوران المحمل على العادة. [دوران المحمل] وفيه، في يوم الإثنين نصفه، أدير المحمل على عادته في ذلك (٦). (ولاية جَكَم نيابة غزّة) (٧) وفيه، في يوم الثلاثاء سادس عشره، استقرّ في نيابة غزّة جَكم الأشرفي خال العزيز بعد شغورها هذه المدّة المطوّلة (٨).

стр. 590

[لبْس السلطان البياض] وفيه، في يوم الجمعة تاسع عشره، ووافق ثالث عشرين برمودة لبس السلطان البياض وبكّر بذلك فسبق العادة في أوان لبسه بزيادة على شهر، وإنّما فعل ذلك لأجل ضرب الكرة قبل هجوم شهر رمضان (١). [تقدمة نائب الشام للسلطان] وفيه، في يوم السبت عشرينه، حضر قاصد تَنَم من عبد الرزاق نائب الشام وعلى يده تقدمة هائلة للسلطان، فقدّمها له، وكانت شيئاً كثيراً (٢). [قاصد من قرمان] وفيه وصل قاصد من قرمان (٣). [التجريدة إلى البُحَيرة] وفيه- أعني هذا الشهر، جهّز السلطان تجريدة إلى البحيرة وعليها جانبك الناصري المعروف بالمؤيَّد أحد مقدّمين الألوف وقانبك المحمودي المؤيَّدي أحد الألوف أيضًا وخشداش السلطان وجماعة من الطبلخانات والعشرات وجمعاً وافراً من الجند السلطاني (٤). [ثورة جماعة من الجلبان على أستاذهم] وفيه- أعني هذا الشهر أيضاً- ثار جماعة من جُلبان السلطان على أستاذهم وسعى الأمراء والمباشرون (٥) وغيرهم من الطلوع إلى السلطان للقلعة للخدمة، ثم أخرقوا الجوهر مقدَّم المماليك، بل وضربوه وهجموا على سودون القصروي نائب القلعة، وطال الأمر معهم في ذلك، ثم سكن الحال وخمدت الفتنة بعد أمور جرت. ومن جسر أخذ جُلبان هذا السلطان في النسْج على منوال جُلبان إينال، وكانت أهم فتن وشرور وأذى يأتي ذكره شيئاً فشيئاً كما سيأتي (٦).

стр. 591

[المطر في مكة المكرَّمة] وفيه أيضًا ترادفت الأخبار من مكة بأنه وقع بها مطر كثير استمر نحو الساعة فقط، وأنه سال منه سيل عظيم (١) فوق الحدّ والغاية، ودخل الحرم ( … ) (٢) وفي زيادته بأن وصل إلى قريب قفل باب الكعبة المشرَّفة، وأغرق مقام السيد إبراهيم الخليل، على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام حتى عمّه الماء بأجمعه، وأنه مات من السيل ( ........ ) (٣) وهدم الديار ما يزيد على المائتي دار، ويقال خمسمائة، وكان سيلاً مهولاً، ذكر (. .) (٤) أن رؤي مثله قبله، لكن جاء بعده بعد هذا التاريخ في سنة (. .) (٥) وثمانين (. .) (٦) هذا السيل، وسيأتي خبره في السنة المذكورة من تاريخنا هذا إن شاء الله تعالى (٧). [استقرار ابن الصّواف الحصني في قضاء الحنفية بالديار المصرية] وفيه، في يوم الإثنين تاسع عشرينه استقر في وظيفة القضاء الحنفية بالديار المصرية بدر الدين حسن بن الصوّاف الحصنيّ الأصل الحموي، وكان قد قدم القاهرة من بلدة حماة (. .) (٨) وفي أوائل هذا الشهر، ثم وقع بينه وبين المحبّ بن الشِحنة تنافس لا حاجة لنا (أن نذكره) (٩). وآل الأمر جرّاء ذلك أنْ ولي القضاء عنه بمال كبير بُذل في ذلك نحو العشرة آلاف دينار (. .) (١٠) وصُرف المحبّ المذكور. وكان من أمر ابن (١١) الصواف هذا ما سنذكره في التي تليها (. .) (١٢) فإنه مات مقهوراً في أولها ويقال إنه مات مسمومًا (١٣). واللَّه أعلم.

стр. 592

[شهر شعبان] وفيها استهلّ شعبان بالأربعاء. [تسلُّط جَكَم وإساءته بحق والد المؤلّف] وفيه -أعني هذا الشهر- تسلّط جَكَم نائب غزّة على الوالد بسبب أخته أصيل زوجة الوالد، وحصل منه قلّة أدب في حق الوالد، وبعث إليه من نقباء جانبك الدوادار نائب جدّة من أحضره ليدّعي عليه بتعلّقات أخته وكيلاً عنها، وطال الكلام بينهما، وخشن الوالد في ذلك المجلس على جانِبك كونه لم يُراعه ويحتشم معه، ووقع بين الوالد وبين السُّوهائي (١) أحد نواب الحكم الشافعي إذ ذاك -لا جزاه الله تعالى خيراً عن دينه ومروءته- كلام ومنازعة بسبب بيتٍ أنشده الوالد حين أُحضر لجانبك، وهو قول بعضهم: لقد هزُلتْ حتى بدت من هزالها … كلامها وقد شامها كل مفلس فبدر السُّوهائي بأن قال: هذا فيه تحقير مجلس الأمير، إلى غير ذلك من كلمات على عادة نحسه وقلّة دينه يلقى الله تعالى بها. وبلغ السلطان ذلك في غضون ذلك، فبعث إلى جانبك يعتبه على ذلك ويأمره أن يدعه وزوجته ولا يدخل بينهما. ثم بعث إلى الوالد يتعطّف بخاطره ويأمره أن يراجع أصيل المذكورة. وكان قد حنق الوالد من أخيها فصرّح بطلاقها، فما هان ذلك عليها، فسألت السلطان في ذلك وقالت: أنا امرأة كثيرة الأسقام وقد آن الرحيل، فلا ألقى الله إلّا وأنا متزوجة. واتفق أن ماتت بعد ذلك بقليل كما ستأتي ترجمتها في محلّها. [تطليب نائب غزّة] وفيه، في يوم الإثنين ثالث عشره خرج جَكَم نائب غزّة إليها وطلّب تطليباً حافلاً وعُمل له الموكب بالقصر السلطاني، وجلس السلطان بالشباك الكبير المطلّ على الرملة، واجتاز جكم المذكور بطُلبه وخرج في تجمّل زائد (٢).

стр. 593

[كسوف الشمس] وفيه في يوم الأربعاء ثالث عشرينه كُسفت الشمس كسوفاً ليس بتام، ودام من قبل الزوال بساعة إلى ما بعده بدرجات (١). [قدوم شواني البنادقة إلى تونس] وفيه ورد إلى تونس شواني البنادقة برسم الإتجار وحمل التجار من تونس ببضائعهم إلى ثغر الإسكندرية، وقوي عزمي على العَود، وتجهّزت لذلك، ثم خرجنا من تونس في يوم سلْخ شعبان. وكان لنا ما سنذكره. [شهر رمضان] وفيها استهلّ شهر رمضان بالخميس، وهُنّيء به السلطان، ولم يقع من الحوادث ما يؤرَّخ. [دخول المؤلّف جزيرة جربة] وفيه -أعني شهر رمضان هذا في يوم الخميس ثامنه- دخلنا إلى جزيرة جرْبة، ونزلنا من الشواني إليها فرأيت جزيرة عجيبة في الجزائر، قريبة من أحد جوانبها إلى البر الكبير، خصبة جداً، ذات كروم وزيتون وغنم كثير وخير وافر. وإلى قرب ميناها حصن منيع دخلت إليه ورأيته، وديارها في بساتينها، وليست بمدينة مسوّرة، بل مفرّقة الأبنية، أنيقة جداً، مربّعة الشكل في الجزائر بوضع غريب، فأقمنا بساحلها ثمانية أيام، فأوسق التجار منها الزيت الكثير وأنواع الأكسية، ثم أقلعنا عنها قاصدين طرابلس الغرب فوصلنا إليها بكرة نهار الخميس خامس عشر شهر رمضان، ونزلنا بها، وفتر عزمي عن السفر في البحر إلى جهة ثغر الإسكندرية، ونويت الإقامة بها، وهُيّئت لي أسباب الإقامة بها على يد تاجرها صاحبنا عبد الحميد العوّادي كلبير التجار بها، فأنعم وتفضّل بمكانٍ سكنّا به. ثم لم نلق بها من ينتسب للعلم، فضلاً أن يعلمه، وفضلاً عن العلماء، بل وجدناها مشحونة بالتجار طلبة الدنيا وأكثرهم عار عن الفضيلة إلّا في تحصيل الدنيا. ورأيتها بلدة كيّسة أنيقة على ساحل البحر، كثيرة الأرزاق والخصب في الرخاء، لكنها زائد [ة]، الظلم، والعامل بها من جهة صاحب تونس، قائدها أبو النصر ابن (٢)

стр. 594

جاء الخير، وهو من كبار الظلمة لا يخاف الله تعالى ولا يراقبه، والرعيّة معه في أسوأ (١) الأحوال، لا سيما أهل الأرياف. وذُكر لي إن عليه في العام لصاحب تونس فوق المائة ألف دينار من الذهب المستجدّ بدنانير تلك البلاد التي زنة الدينار منها مثقال (٢) من الذهب لا يريد الخالص، وأنه يحصل ذلك من جهات ومظالم يهلك فيها الحرث والنسل، ويحملها لصاحب تونس من عدّة معاملات، منها معاملة طرابلس، ومعاملة غريان، ومعاملة مُسْراتَة، ومعاملة فَزّان وعلى هذه المعاملات قوّاد وكُتّاب وجُبَاة وغير ذلك. وهي متّسعة لكنّ العلم بها غاية في العدم. (شيء من ترجمة البنجريري) (٣) ١٧٨ - ولقيت بها من الفضلاء قاضيها وخطيبها ومفتيها القاضي منصور البنجريري القَرَوي (٤)، وليس هو من أهلها وإنما هو من قرية بالقرب من القيروان تسمَّى بنجرير. وهو إنسان حسن من أهل العلم، ولديه فضيلة علمية وأدب، وله نظم حسن أنشدني منه الكثير. وله تخميس "الدّرّة" (٥) اجتمعت به عدّة مرار وأنس بي وأنا به، وسمعت الكثير من فوائده. وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى في ما يأتي إن قدّر الله تعالى ذلك. (كائنة جرت في مدينة طرابلس) (٦) واطّلعنا في هذه البلدة على كائنة عظيمة جرت بها في أول ليلة رؤية شهر رمضان، وكانت هذه الكائنة قريبة العهد لها من حين وقوعها عدّة أيام قلائل نحو الخمسة عشر يومًا، وهي موت جماعة من الأطفال والشبّان نحو الزيادة على الأربعين نفسًا في لحظة واحدة وكان من خبر ذلك على ما أخبرني به جمع وافر (٧). وكان مستفيضاً على الألسِنة، أنه لما كان يوم التاسع والعشرين من شعبان في آخر هذا النهار اجتمع الجمع لرؤية هلال شهر رمضان، عساه يرى لمظنّة رؤيته المانع لغالب من حضر من أغراضهم الفاسدة. ولما تكامل الجمع وقرُب غروب الشمس

стр. 595

طلع من له عادة مظنّة رؤية الهلال عساه يراه بمنارها من جامعها الأعظم، وحضر الغالب من أحداث أهل البلد، فأخذوا في الطلوع للمنار. وكانت العادة بالبلد في رؤية الهلال الاجتماع بالجامع، ثم صعود من له عادة برؤيته ليخبر القاضي ومن له النظر في ذلك إذا رؤي ويثبت الشهر. ولما صعِد من له عادة تبعَهم الأحداث وهم يزدحمون على باب المنار للطلوع شيئاً فشيئًا حتى ضاق أعالي المنار عمّن صعِد، وتكاثروا في درجه بحيث ملأوا الدرج من باب المنار لأعلاه، والكثير أيضاً مقتحم على باب المنار للطلوع، وكل من (١) حضر يأخذ في الطلوع، وكثر الازدحام جدّاً ولا لمخلص فوق المنار، ولا مكان يَسَع وحصْر. واتفق أن الشهر ما رؤي، ففرح غالب من كان على المنار، وبدروا بالهبوط منها، وعارضهم الصاعدون بقوّة عزْم الصعود، وأولئك بقوّة عزْم الهبوط، لا أولئك يرعوون فيقفون أو يرجعون، ولا هؤلاء عن الازدحام والاقتحام عن الصعود يكفّون، أو من حيث جاؤوا (٢) يعودون. فعارضت سرعة حركة الهابطين مع سرعة حركة الصاعدين، وحصل بينهما تزاحم عظيم، فما تنبّهوا إلّا وقد مات منهم بالزحام لبعضهم البعض جمعٌ وافر من الأحداث، ولا سيما الصغار، فانْوَهَجُوا وزاد توهّمهم، وضاقت أنفاسهم وانْعَصَر بعضهم بالبعض في قوائم المنار ودَرَجه حتى هلك غالبهم، وكان بينهم مقتله عظيمة بغير قتال، وفيها غمرة وفي البصائر والأحوال. ولما انجلى ذلك شاع بالبلد موت الأطفال والأولاد بالمنار، فانزعج غالب أهلها، لا سيما من له ولد، وكأنه قد أطلق في هذه البلد النار، وكثُر هرج الناس واضطرابهم وحركتهم (٣). وكان قد جنّ الظلام وهجم الليل، فهرع الناس لا سيما من له ولد، وامتلأ (٤) الجامع بالخلائق من أهل البلد، وخرجن (٥) النساء متهتّكاً على الأولاد، وكثُر الزحام بالجامع المذكور، فكان وقتاً مهولاً، ثم أخذوا في إخراج الموتى، الواحد بعد الواحد، وقد دعوا ورضوا وهلّلوا، وخرج الحَدَث من بطونهم، بل وأمعاء الكثير منهم من أدبارهم، وأوقدت الشموع، وبقي من له ولد يفتّش عليه بين القتلى ليعرفه فيحمله إلى داره، ولا زالوا على ذلك ليلتهم، ثم أصبحوا في تجهيزهم ودفنهم. وكانت ليلة مهولة عندهم ويوماً مهولاً إلى الغاية من نوادر الليالي والأيام وغرائبها وعجائبها. ولقد تعجبت أنا من ذلك لما قدِمنا طرابلس، وسمعت بهذه الكائنة الغريبة

стр. 596

حين طلعت إلى هذه المنار الذي جرت في (١) هذه الكائنة، فوجدته واسع الدرج جداً، عريضها (٢)، لا كما ببلادنا هذه، ومع ذلك وقع ما وقع، تعجّبت من ذلك، ولكنّ القدرة صالحة لكل شيء، ولعلّ ذلك انتقام من الله تعالى. فإنني أُخبرتُ أنهم لما تحقّقوا عدم رمضانهم في تلك الليلة أخذ الكثير منهم على الفِسْق والفساد ليلته تلك وفي صبيحتها،/ فأتاهم الله تعالى غرّةً لعلّهم يعتبرون. وكانت آية لمن بقي منهم، فهل من مدَّكر؟ نعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا (٣). [ختم البخاري بالقلعة] وفيه، في ليلة السابع والعشرين منه، أعني آخر نهار السادس والعشرين كان ختم البخاري بالقلعة على ما رأيته بخط بعض الفُضلاء، وخُلع على من له عادة بذلك من قضاة القضاة والمشايخ وغيرهم، وحُملت إليهم الصُرَر على العادة. [تعيين الطواشي مثقال في تقدمة المماليك السلطانية] وفيه- أعني هذا الشهر- وأظنّ في يوم الخميس نصفه، استقرّ في تقدمة المماليك السلطانية الطواشي سابق الدين مثقال الحبشي الظاهري البرهاني، وكان نائب المقدّم، وصُرف صندل المقدّم (٤). ١٧٩ - ومثقال (٥) هذا موجود الآن، وهو في الأصل من خدّام ابن (٦) البرهان، وهو معروف مشهور، ما عرفت هل أجرى عتقه عليه أم لا، ثم اتصل بجوهر اللالا، وأوصله إلى الظاهر جقمق فاختص به، وعيّنه مرة رسولاً إلى ملك الحبشة، وأثرى من ذلك، وحصل له المال ثم صُيّر شادّ المواريث، وحصل له أيضًا من ذلك نفع، ثم وُلّي نيابة تقدمة المماليك بعد صندل هذا، ثم ترقّى إلى التقدمة في هذا التاريخ، ثم صُرف عنها بعد مدّة وأعيد إليها بعد جوهر النوروزي، ودام بها مدّة مطوّلة كما سيأتي ذلك في محلّه، وعظُم جدّاً، وضخُم في دولة

стр. 597

الأشرف قايتباي سلطان العصر بزيادة عمّا كان، وشرع في بناء دار بالقاهرة بالقرب من المصبغة، وبينا هو في أثناء ذلك، وقبل تمامه غضب السلطان عليه لشيء قيل له عنه، فأخرجه مَنْفيّاً إلى طرابلس، ووُلّي التقدمة عِوضه خالص الآتي في محلّه أيضاً، فدام بطّالاً بطرابلس مدّة، ثم أعطي شيئاً من الجهات بسفارة الأتابك أُزبك. ثم لما توجّه الأتابك أُزْبَك إلى البلاد الشامية بعد كائنة باينْدُر التي قُتل فيها يشبُك من مهدي الدوادار، قدم عليه من طرابلس، وتشفّع به في أن يقيم بالقدس بطّالاً، فأحضره معه إلى القدس، ووعده أن يشفع فيه بدخوله القاهرة، وأمره أن يقيم بالقدس إلى أن يرد عليه ما يعتمده من ذلك، كل ذلك بغير إذْنٍ من السلطان. ولما بلغ السلطان ذلك أمر بنفيه من القدس إلى الكرَك، ثم عدل عن ذلك إلى إخراجه إلى مكة المشرّفة وقال: هو قصده الخير، بل مكة أفضل من القدس، فأُخرج إليها وهو مقيم بها الآن (١). إنسان حشم، حسن السمت، من مشاهير الخدّام، له أدب ولا بأس به فيما أُخبرت عنه. وستأتي غالب هذه التنقّلات وبعضٌ من أخباره أيضاً كلّ في محلّه إن شاء الله تعالى. [القصاص من عبدٍ وأَمَة قتلا امرأة بغير حق] وفيه، في ليلة الخميس، تاسع عشريه، اتفق عبد وأَمَة سوداء على مولاتهما بطرابلس الغرب، وكان قد غاب الزوج لها عنها، فقتلاها وأخذا ما وجداه لها من حُليّ ونحوه، وخرجا من البلد بكرة النهار هاربين، فأُخذا في ظُهر يومهما ذلك وأُحضرا، ثم أُمر بهما فذُبحا قصاصاً، وتولّى ذبحهما رجل من اليهود على عادتهم في تلك البلاد، إذا وقع مثل ذلك يحضرون يهوديًا من أعراض اليهود كائناً من كان، فيؤمر بذبح من وجب عليه القصاص، وأن يُمضي ذلك اليهودي الحكم فيه، سواء كان قتلًا قصاصًا أو غيره أو قطعاً، وليس عندهم هذا الذي يقال له المشاعلي في هذه البلاد الذي هو مُعَدّ لمثل هذه الأمور، تحاشياً عن أن يتولّى الواحد منهم شيئاً من ذلك (٢). [انتقال جماعة من أهل مُسْرَاتَة إلى مالطة لظلم قائد طرابلس] وفيه، في يوم الخميس هذا بَلَغَنا أن طائفة من أهل مُسْراتَة نحو الخمسة عشر

стр. 598

رجلاً توجّهوا إلى جزيرة مالطة في بعض القوارب بأهاليهم وأولادهم وآبائهم ليسكنوا بها تحت إيالة الفرنج أهل الحرب فراراً من ظلم قائد طرابلس، ثم جاء الخبر من مالطة بأنّ الفرنج أنسوا إليهم وبهم وأنزلوهم وأعطوهم أرضاً، وشرطوا عليهم أن يعطونهم من الخراج نحو الثلث أو الأقلّ مما كانوا يعطونه لقائد طرابلس وهم آمنون من المظالم وعلى أنفسهم وأموالهم. فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون (١). [شهر شوال] [صلاة العيد بجامع طرابلس الغرب] وفيها استهلّ شوّال بالسبت، وكنّا بطرابلس فخرجنا لصلاة العيد بها بخارجها بالمصلَّى، وركب صاحب طرابلس القائد أبو (٢) النصر الماضي ذِكره في موكب حافل، وخرج للصلاة ومعه أولاده وكثير من الفرسان، وكان يوماً مشهوداً من خروج الناس، ثم لما قُضيت صلاة العيد بدأ (٣) الناس للدخول للمدينة، وكان بابها مغلقاً على عادتهم الجارية بذلك هناك، فاجتمع على النائب جمع من الناس وازدحموا بقربه، فلما فُتح الباب أسرعوا في الدخول إليه وهم في ازدحام كبير، ومات من الزحمة نحو الخمسة أنفار فكانت من الغرائب أيضاً مع ما وقع في أول الشهر من تلك الكائنة الماضي ذكرها في أول شهر رمضان أو آخر شعبان (٤). [تفقد مقياس النيل] وفيه في يوم الإثنين ثالثه، ووافق سادس عشرين بؤنة (٥) من شهور القبط تفقّد ابن (٦) أبي الرذاذ القاعدة بالمقياس، ثم أخبر بأنها سبعة أذرع وعشرين إصبعاً، فبشّر بذلك في هذا اليوم. [عودة أُزْبك من التجريدة] وفيه، في يوم الثلاثاء أيضاً وصل أُزبَك من ططخ من تجريدة البحيرة، وكان قد خرج إليها قبل ذلك، ونودي في هذا اليوم أن النيل المبارك بالزيادة.

стр. 599

[اختفاء ابن الأهناسي] وفيه، في يوم السبت ثانيه أشيع بأن الوزير ابن الأهناسي، قد اختفى في هذه الليلة، ثم تحقّق صحة ذلك، وشغرت وظيفتا (١) الوِزْر والنظر الخاص، أعني هذا اليوم قُرّر في نظارة الخاص التاج ابن (٢) المُقْسي، وهي ( .. … ) (٣) أيضاً قُرّر في الوزارة القاضي مجد الدين أبو الفضل ابن (٤) البَقَري (٥). وقد وقفت على هذه الحادثة في بعض التواريخ ورأيت على الهامش من (. .) (٦) لصاحبه، ولا لمن ذَين البيتين: … (٧) وقالوا قد وزر … فقلت كلّا لا وَزَرْ … (٨) لكنّه لا … يدور إلّا بالبَقَرْ [خروج محمل الحاج] وفيه، في يوم الإثنين سابع عشره خرج الحاج من القاهرة، وأميرهم على المحمل بُرْدُبك هجين كما تقدّم، وبالأول (أحمد ابن الأتابك) (٩) تنِبُك البُردُبكي الآتية ترجمته، وأنه خرج أيضاً في دولة الأشرف قايتباي ( .... ((١٠) فلم يُعْف من التوبة، ومات ببركة الحاج، وسيأتي ذلك مبيّناً في محلّه (. .) (١١) إن شاء (١٢) الله تعالى، وتأتي ترجمة بُردُبك هجين هذا أيضًا (١٣). [زيارة المؤلّف للزاوية التي بثاها ولد صاحب تونس] وفيه، في يوم الثلاثاء ثامن عشره، خرج الحاج، خرجنا مع جماعة من أعيان

стр. 600

تجار طرابلس المغرب إلى خارجها للتنزّه بمنشآتها، وزيارة الزاوية التي أنشأها الأمير أبو عبد الله محمد ابن (١) السلطان الكبير الشهير الخطير أبي (٢) فارس عبد العزيز صاحب تونس، وهو عبد الله هذا هو والد عثمان صاحب تونس الآن. وهذه الزاوية التي مات بها أبو عبد الله هذا بمرضه الذي مات به. وقد ذكر هذه الزاوية الحافظ ابن (٣) حجر في تاريخه "إنباء الغمر" (٤) في ترجمة أبي عبد الله هذا في وَفَيات سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، وهي زاوية ظريفة جدّاً، مطلّة على بستان عظيم، كانت منتزهاً لابن عبد الله هذا هي والبستان، وما به من البناء الأنيق، والقصر الجيّد، لما كان حضر في سرحاته إلى طرابلس هذه. وله فيها الزاوية البرّيّة المعروفة، وهي من آثاره هناك، رحمه الله تعالى، فإنه كان من الأجواد ومن ذوي الشهامات، لا تُعرف له نقيصة غير غرامه بالصيد. ولما مات تأسّف عليه والده إلى الغاية، فإنه كان وليّ عهده. ثم تنزّهنا بهذا البستان ورأيناه والقصر الذي به، وهو في غاية الحسن ومن محاسن المباني في محلّه (٥). [انتهاء عمارة زاوية الأمير جانِبك نائب جدّة] وفيه- أعني هذا الشهر- كان نهاية الأمير جانبك نائب جدّة من عمارة زاويته التي أنشأها بشاطئ النيل من منشأة المهراني، وقرّر أمورها، وجاءت أنيقة بقبّة معظّمة من أحسن المباني وأتقنها، وبها شيخ (٦) من الأشراف أقامه بها جانِبك المذكور، وهو على مشيختها (٧) إلى يومنا هذا، وهو السيد مسعود ومعه إمام (٨) (بالمكان المذكور) (٩) السيد () (١٠) وهما إنسانان حسنان (١١). (إعادة البُلقيني إلى القضاء وصرف المناوي) (١٢) وفيه، في يوم الخميس العشرين منه، استقرّ في القضاء الشافعية شيخ
следующие страницы →