← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

حين طلعت إلى هذه المنار الذي جرت في (١) هذه الكائنة، فوجدته واسع الدرج جداً، عريضها (٢)، لا كما ببلادنا هذه، ومع ذلك وقع ما وقع، تعجّبت من ذلك، ولكنّ القدرة صالحة لكل شيء، ولعلّ ذلك انتقام من الله تعالى. فإنني أُخبرتُ أنهم لما تحقّقوا عدم رمضانهم في تلك الليلة أخذ الكثير منهم على الفِسْق والفساد ليلته تلك وفي صبيحتها،/ فأتاهم الله تعالى غرّةً لعلّهم يعتبرون. وكانت آية لمن بقي منهم، فهل من مدَّكر؟ نعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا (٣). [ختم البخاري بالقلعة] وفيه، في ليلة السابع والعشرين منه، أعني آخر نهار السادس والعشرين كان ختم البخاري بالقلعة على ما رأيته بخط بعض الفُضلاء، وخُلع على من له عادة بذلك من قضاة القضاة والمشايخ وغيرهم، وحُملت إليهم الصُرَر على العادة. [تعيين الطواشي مثقال في تقدمة المماليك السلطانية] وفيه- أعني هذا الشهر- وأظنّ في يوم الخميس نصفه، استقرّ في تقدمة المماليك السلطانية الطواشي سابق الدين مثقال الحبشي الظاهري البرهاني، وكان نائب المقدّم، وصُرف صندل المقدّم (٤). ١٧٩ - ومثقال (٥) هذا موجود الآن، وهو في الأصل من خدّام ابن (٦) البرهان، وهو معروف مشهور، ما عرفت هل أجرى عتقه عليه أم لا، ثم اتصل بجوهر اللالا، وأوصله إلى الظاهر جقمق فاختص به، وعيّنه مرة رسولاً إلى ملك الحبشة، وأثرى من ذلك، وحصل له المال ثم صُيّر شادّ المواريث، وحصل له أيضًا من ذلك نفع، ثم وُلّي نيابة تقدمة المماليك بعد صندل هذا، ثم ترقّى إلى التقدمة في هذا التاريخ، ثم صُرف عنها بعد مدّة وأعيد إليها بعد جوهر النوروزي، ودام بها مدّة مطوّلة كما سيأتي ذلك في محلّه، وعظُم جدّاً، وضخُم في دولة

стр. 597

الأشرف قايتباي سلطان العصر بزيادة عمّا كان، وشرع في بناء دار بالقاهرة بالقرب من المصبغة، وبينا هو في أثناء ذلك، وقبل تمامه غضب السلطان عليه لشيء قيل له عنه، فأخرجه مَنْفيّاً إلى طرابلس، ووُلّي التقدمة عِوضه خالص الآتي في محلّه أيضاً، فدام بطّالاً بطرابلس مدّة، ثم أعطي شيئاً من الجهات بسفارة الأتابك أُزبك. ثم لما توجّه الأتابك أُزْبَك إلى البلاد الشامية بعد كائنة باينْدُر التي قُتل فيها يشبُك من مهدي الدوادار، قدم عليه من طرابلس، وتشفّع به في أن يقيم بالقدس بطّالاً، فأحضره معه إلى القدس، ووعده أن يشفع فيه بدخوله القاهرة، وأمره أن يقيم بالقدس إلى أن يرد عليه ما يعتمده من ذلك، كل ذلك بغير إذْنٍ من السلطان. ولما بلغ السلطان ذلك أمر بنفيه من القدس إلى الكرَك، ثم عدل عن ذلك إلى إخراجه إلى مكة المشرّفة وقال: هو قصده الخير، بل مكة أفضل من القدس، فأُخرج إليها وهو مقيم بها الآن (١). إنسان حشم، حسن السمت، من مشاهير الخدّام، له أدب ولا بأس به فيما أُخبرت عنه. وستأتي غالب هذه التنقّلات وبعضٌ من أخباره أيضاً كلّ في محلّه إن شاء الله تعالى. [القصاص من عبدٍ وأَمَة قتلا امرأة بغير حق] وفيه، في ليلة الخميس، تاسع عشريه، اتفق عبد وأَمَة سوداء على مولاتهما بطرابلس الغرب، وكان قد غاب الزوج لها عنها، فقتلاها وأخذا ما وجداه لها من حُليّ ونحوه، وخرجا من البلد بكرة النهار هاربين، فأُخذا في ظُهر يومهما ذلك وأُحضرا، ثم أُمر بهما فذُبحا قصاصاً، وتولّى ذبحهما رجل من اليهود على عادتهم في تلك البلاد، إذا وقع مثل ذلك يحضرون يهوديًا من أعراض اليهود كائناً من كان، فيؤمر بذبح من وجب عليه القصاص، وأن يُمضي ذلك اليهودي الحكم فيه، سواء كان قتلًا قصاصًا أو غيره أو قطعاً، وليس عندهم هذا الذي يقال له المشاعلي في هذه البلاد الذي هو مُعَدّ لمثل هذه الأمور، تحاشياً عن أن يتولّى الواحد منهم شيئاً من ذلك (٢). [انتقال جماعة من أهل مُسْرَاتَة إلى مالطة لظلم قائد طرابلس] وفيه، في يوم الخميس هذا بَلَغَنا أن طائفة من أهل مُسْراتَة نحو الخمسة عشر

стр. 598

رجلاً توجّهوا إلى جزيرة مالطة في بعض القوارب بأهاليهم وأولادهم وآبائهم ليسكنوا بها تحت إيالة الفرنج أهل الحرب فراراً من ظلم قائد طرابلس، ثم جاء الخبر من مالطة بأنّ الفرنج أنسوا إليهم وبهم وأنزلوهم وأعطوهم أرضاً، وشرطوا عليهم أن يعطونهم من الخراج نحو الثلث أو الأقلّ مما كانوا يعطونه لقائد طرابلس وهم آمنون من المظالم وعلى أنفسهم وأموالهم. فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون (١). [شهر شوال] [صلاة العيد بجامع طرابلس الغرب] وفيها استهلّ شوّال بالسبت، وكنّا بطرابلس فخرجنا لصلاة العيد بها بخارجها بالمصلَّى، وركب صاحب طرابلس القائد أبو (٢) النصر الماضي ذِكره في موكب حافل، وخرج للصلاة ومعه أولاده وكثير من الفرسان، وكان يوماً مشهوداً من خروج الناس، ثم لما قُضيت صلاة العيد بدأ (٣) الناس للدخول للمدينة، وكان بابها مغلقاً على عادتهم الجارية بذلك هناك، فاجتمع على النائب جمع من الناس وازدحموا بقربه، فلما فُتح الباب أسرعوا في الدخول إليه وهم في ازدحام كبير، ومات من الزحمة نحو الخمسة أنفار فكانت من الغرائب أيضاً مع ما وقع في أول الشهر من تلك الكائنة الماضي ذكرها في أول شهر رمضان أو آخر شعبان (٤). [تفقد مقياس النيل] وفيه في يوم الإثنين ثالثه، ووافق سادس عشرين بؤنة (٥) من شهور القبط تفقّد ابن (٦) أبي الرذاذ القاعدة بالمقياس، ثم أخبر بأنها سبعة أذرع وعشرين إصبعاً، فبشّر بذلك في هذا اليوم. [عودة أُزْبك من التجريدة] وفيه، في يوم الثلاثاء أيضاً وصل أُزبَك من ططخ من تجريدة البحيرة، وكان قد خرج إليها قبل ذلك، ونودي في هذا اليوم أن النيل المبارك بالزيادة.

стр. 599

[اختفاء ابن الأهناسي] وفيه، في يوم السبت ثانيه أشيع بأن الوزير ابن الأهناسي، قد اختفى في هذه الليلة، ثم تحقّق صحة ذلك، وشغرت وظيفتا (١) الوِزْر والنظر الخاص، أعني هذا اليوم قُرّر في نظارة الخاص التاج ابن (٢) المُقْسي، وهي ( .. … ) (٣) أيضاً قُرّر في الوزارة القاضي مجد الدين أبو الفضل ابن (٤) البَقَري (٥). وقد وقفت على هذه الحادثة في بعض التواريخ ورأيت على الهامش من (. .) (٦) لصاحبه، ولا لمن ذَين البيتين: … (٧) وقالوا قد وزر … فقلت كلّا لا وَزَرْ … (٨) لكنّه لا … يدور إلّا بالبَقَرْ [خروج محمل الحاج] وفيه، في يوم الإثنين سابع عشره خرج الحاج من القاهرة، وأميرهم على المحمل بُرْدُبك هجين كما تقدّم، وبالأول (أحمد ابن الأتابك) (٩) تنِبُك البُردُبكي الآتية ترجمته، وأنه خرج أيضاً في دولة الأشرف قايتباي ( .... ((١٠) فلم يُعْف من التوبة، ومات ببركة الحاج، وسيأتي ذلك مبيّناً في محلّه (. .) (١١) إن شاء (١٢) الله تعالى، وتأتي ترجمة بُردُبك هجين هذا أيضًا (١٣). [زيارة المؤلّف للزاوية التي بثاها ولد صاحب تونس] وفيه، في يوم الثلاثاء ثامن عشره، خرج الحاج، خرجنا مع جماعة من أعيان

стр. 600

تجار طرابلس المغرب إلى خارجها للتنزّه بمنشآتها، وزيارة الزاوية التي أنشأها الأمير أبو عبد الله محمد ابن (١) السلطان الكبير الشهير الخطير أبي (٢) فارس عبد العزيز صاحب تونس، وهو عبد الله هذا هو والد عثمان صاحب تونس الآن. وهذه الزاوية التي مات بها أبو عبد الله هذا بمرضه الذي مات به. وقد ذكر هذه الزاوية الحافظ ابن (٣) حجر في تاريخه "إنباء الغمر" (٤) في ترجمة أبي عبد الله هذا في وَفَيات سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، وهي زاوية ظريفة جدّاً، مطلّة على بستان عظيم، كانت منتزهاً لابن عبد الله هذا هي والبستان، وما به من البناء الأنيق، والقصر الجيّد، لما كان حضر في سرحاته إلى طرابلس هذه. وله فيها الزاوية البرّيّة المعروفة، وهي من آثاره هناك، رحمه الله تعالى، فإنه كان من الأجواد ومن ذوي الشهامات، لا تُعرف له نقيصة غير غرامه بالصيد. ولما مات تأسّف عليه والده إلى الغاية، فإنه كان وليّ عهده. ثم تنزّهنا بهذا البستان ورأيناه والقصر الذي به، وهو في غاية الحسن ومن محاسن المباني في محلّه (٥). [انتهاء عمارة زاوية الأمير جانِبك نائب جدّة] وفيه- أعني هذا الشهر- كان نهاية الأمير جانبك نائب جدّة من عمارة زاويته التي أنشأها بشاطئ النيل من منشأة المهراني، وقرّر أمورها، وجاءت أنيقة بقبّة معظّمة من أحسن المباني وأتقنها، وبها شيخ (٦) من الأشراف أقامه بها جانِبك المذكور، وهو على مشيختها (٧) إلى يومنا هذا، وهو السيد مسعود ومعه إمام (٨) (بالمكان المذكور) (٩) السيد () (١٠) وهما إنسانان حسنان (١١). (إعادة البُلقيني إلى القضاء وصرف المناوي) (١٢) وفيه، في يوم الخميس العشرين منه، استقرّ في القضاء الشافعية شيخ

стр. 601

الإسلام العَلَم البُلقيني، وصُرف شيخ الإسلام الشرف المناوي (١). [ذو القعدة] وفيها استهلّ ذو (٢) القعدة بالإثنين، وطلع القضاة للسلطان ومن له عادة، فهنّوه (٣) بالشهر على العادة. [إصابة المؤلّف بوعكة في طرابلس الغرب] وفيه، في يوم الثلاثاء ثانيه، وعكتُ بطرابلس فأصبح من غده قاضيها الشيخ منصور البَنْجَريري (٤)، فجاء إليّ ليعودني ومعه إنسان من فضلاء الأطبّاء يقال له سيدي محمد الطبيب فعاداني، وخرجا بعد أن قرأ القاضي الفاتحة، ودعا بالدعاء المأثور بعيادة المريض. وكنت لم أتوجّه إلى منزل هذا القاضي قط من يوم قدومي عليه إلى طرابلس وإلى هذا الحين، بل كنت اجتمع به في الجامع بها، فكتبت إليه: لي سيّد قد زار وما زرتُهُ … فمنّي النقصُ ومنه التمامْ إنْ تحمل سهوي ففِقه مضى … لا في المأموم وهو الإمامْ وطالما (٥) زار الغمامُ الثَرَى … ولم يزُرْ قطّ الثرى لِلغمامْ ثم حصل الشفاء، وللَّه الحمد. [قائد طرابلس الغرب يأخذ ثوباً للمؤلف] وفيه، في يوم الأحد سابعه، بعث إليّ قائد طرابلس أبو النصر الماضي ذِكره يطلب منّي ثوباً من ثياب الصوف السميك الأرُجُوان ليشتريه، وكان معي عدّة من تلك الثياب أحضرتها من تونس للإتجار، فبعثت إليه ثوباً منها طوله أربعون ذراعاً كان قد قام عليّ بتونس بمبلغ ثمانية وعشرين (٦) ديناراً، ولم أقطع به قيمة وفي ظنّي أنه يبعث لي بثمنه وزيادة فأخذه وما أعاد عليّ جواباً، وكنت لم أجتمع به لِما هو

стр. 602

يتّصف به من الظلم والجور، وكأنه حسّ منّي عدم التفاتي إليه فأراد أن ينكيني بأخذ هذا الثوب، فلم أزل حتى أعاد إلي هذا الثوب على يد قاضيها منصور المذكور بعد أن أغلظ عليه في القول، وقال له: يجيء إلى بلدك رجل من أهل العلم والديانة غريب البلاد، وقد اجتمع بولد مولاك، يشير إلى المسعود باللَّه ولد عثمان صاحب تونس وأكرمه وعظّمه وأجازه، وتأخذ أنت ثوبه، فلم يكنه إلّا إعادة الثوب على يد القاضي المذكور، فأخذته ولم ألتفت إليه البتّة، وكان منه في حقّي ما سأذكره. (نزول ابن العَيني لكسر البحر) (١) وفيه، في يوم الثلاثاء سادس عشره، ووافق تاسع مِسْرَى من شهور القبط، كسر النيل عن الوفاء، ونزل لذلك الشهابي أحمد بن العَيني سِبط الخَوَنْد شُكْرُباي الأحمدية زوجة السلطان، وعدّى إلى الروضة فخلّق المقياس، وعاد إلى السدّ، فكُسر الخليج بحضرته، وركب المركوب المجهَّز من الإسطبل السلطاني وإليه بالسَرْج الذهب والكنبوش الزركش، وصعِد القلعة وخُلع عليه، ومعه تائب جُدّة الدوادار الكبير، وجماعة كثيرة من الأعيان والأمراء، وخلع السلطان عليه خلعة هائلة مثل خِلَع أولاد السلاطين في مثل هذا اليوم (٢). (ولاية حسن بن أيوب نيابة الكرَك) (٣) وفيه، في يوم الثلاثاء ثالث عشرينه استقرّ بدر الدين حسن بن نجم الدين أيوب في نيابة الكَرَك بمالي كبير بذله في ذلك، وصُرف مبارك شاه (٤). [احتيال المملوك على المؤلّف] وفيه شريت عشرة من الجواري الزنوج وأسلمتهم (٥) لمملوك لي كنت شريته بتونس، وأصله من علوج سردينية (٦) أُسِر وأسلم وصار مملوكاً، وتنقّلت به الأحوال بعدّة بلاد إلى أن شريته وأحسنت إليه وأنست به وأعتقته وصرت أركن إليه في كثيرٍ من أموري وتعلّقاتي وهو يُظهر المودّة الزائدة والمحبّة لي والخدمة خداعاً

стр. 603

منه ومكراً وأنا لا شعور لي بغرضه، ثم احتال عليّ بأن قال لي: إن الرقيق في غاية الرخص بهذه البلاد، وفي غاية ارتفاع السعر بساحل بيروت، فاشترِ لي عدّة من ذلك أتوجّه به (١) إلى بيروت صحبة الشواني للبنادقة مع التجار، فأبيع ذلك ببيروت، ثم أحضر مع الشواني أيضاً بمالٍ طائل. فأعجبتني المقالة عليّ بذلك مع ركوني إليه وعدم شعوري بشيء من حيلته، بل ولا توهّمت منه شيئاً من ذلك، فضلاً أن أتحقّقه، وهيّأت له ذلك، وصرفت مبلغاً جيداً في ثمن الجواري وفي زادهنّ وعمل يَرَقه، وأنزلته صحبة التجار، ثم ورد الخبر بعد مدّة لطرابُلُس بأن الذي توجّه بالرقيق فنزل بهنّ في جزيرة رودس وباعهنّ بها، وورد هذا الخبر على قائد طرابلس، وأن الذين أنزلهنّ قبض أثمانهنّ من إفرنج رودس، وارتدّ عن الإسلام، وخرج إلى سردينية (٢). ولما تحقّق قائد طرابلس هذا الخبر من بيع الجواري برودس وأنا لا علم عندي بشيء من ذلك، بعث إليّ من أحضرني إليه، وسأني عن الجواري وقال لي: بعثت بهنّ إلى أيّ مكان؟ فقلت: إلى بيروت. فقال: إنك بعثتَ بهنّ لرودس وأمرت بأن يُبَعن بها. فقلت: إن فعلت ذلك فعليّ ألف دينار لبيت مال المسلمين. فسكت عنّي حتى قمت (. .) (٣) مرزة، ثم لم ألبث إلّا وقد بعث إليّ ثانياً، وأحضر اثنين (٤) من الأسارى كانا هربا من رودس فأخبراه بحضوري بما ذكرناه. فقلت: أَأُبِعن في رودس للفرنج؟ فقالا: نعم، وذكرا البائع ووصفاه. فأخذت (٥) العجب من ذلك، وظننت أن هذا من وضع ذين الأسيرين بتعليم هذا الظالم واتفاقه معهما للإنتقام (٦) منّي لكونه بغض منّي. فقلت: أنا أَلتزم لبيت مال المسلمين بالعدول بألف دينار إن صحّ أنني بعثت بهنّ إلى رودس للبيع بها. فأحضر اثنين (٧) من يهود ديوانه منتظراً عليّ التزماً بذلك وأنا غافل عن ما هم فيه.

стр. 604

ثم قال لي: إن أتانا آتٍ فأخبر عبر ذَين الأسيرين بما لعله وجب عليك ما قد التزمت به. ثم انفضَّ الأمر وكان ما سأذكره بعد ذلك. (الوليمة لجانبك نائب جدّة) (١) وفيه، في يوم الخميس خامس عشرينه هيّأ جانِبك نائب جُدّة الدوادار الكبير أسباب وليمة عظيمة يعملها في ليلة الجمعة هذه التي هي صبيحة غد هذا اليوم الذي هو الخميس، وأمر بجمع القراء والناس إلى هذه الوليمة بالقبّة الزاوية التي تقدّم خبر نهاية عمارتها، واحتفل لهذه الوليمة غاية الاحتفال وهيّأها في هذا اليوم بهذا المكان، وكان لها شأناً عظيماً حضرها جميع أعيان الدولة وأكابر المملكة وأمرائها ما عدا بعض مقدَّمين الألوف لم يطلبهم فلم يحضروا. ثم عُملت هذه الوليمة في هذه الليلة، وكانت حافلة جداً، ثم أشيع عنه بأنه إنما فعلها لغرض من الأغراض، وبلغ ذلك السلطان فأسرّ ذلك في نفسه. ثم لهج الناس في يوم الجمعة صبيحة تلك الليلة والوليمة بأنها آخر سعدة، وتمام أمره لِما هالهم من أمرها وما وُقد فيها من القناديل على صفات غريبة بالمراكب وكثرتها بشاطئ النيل في تلك الليلة وكثرة الناس واجتماعهم فيها بحيث لم يُرَفي القرب من هذه الأيام مثل هذه الاجتماعية ولا نظيرها. ثم كان ما لهج به الناس، فإن جانِبك هذا قُتل بعد ذلك بخمسة أيام في غلس يوم الثلاثاء مستَهَلّ ذي الحجّة كما سنذكره (٢). [هرب الأسرى الفرنج من سجن طرابلس الغرب] وفيه، في يوم الأحد ثامن عشرينه اتفق الأسرى الذين بطرابلس من الفرنج وحفروا المطمور الذي يُحبسون به ليلاً ونزلوا من سور البلد، وقبل أن يتم أمرهم بهم (؟) فُطن بهم، وكانوا هيّأوا قاربًا لهربهم فيه، فبدر خمسة منهم بالركوب فيه وخرجوا هاربين، وأُخذ من بقي منهم فنُكّل بهم، ثم أصبح القائد أبو النصر فبعث بسلوقيّ في أثر الهاربين فعادت ولم يظفر منهم على طائل، وحصل عنده من ذلك غاية الباعث والقهر (٣).

стр. 605

[ذو الحجّة] وفيها كان استهلال ذي الحجّة بالثلاثاء بتمام العدد لعدم الرؤية، ثم ظهر أنه ثانية. [كائنة قتْل جانبك نائب جدّة] وفيه- أعني في ذي الحجة في يوم الثلاثاء المذكور- كان قتْل جانِبك نائب جدّة الدوادار، وكان من خبر ذلك أن السلطان بلغه ممن يثق به أن جانبك هذا في قصده وعزْمه الثوران به هو وجماعة من خُشداشيه وغيرهم ممن انتمى (١) له من أصحابه، وأنه في ليلة الوليمة قد تم اتفاقه وإيّاهم، وزاد الكلام في تفاصيل ذلك، وذكروا كيفية ما قيل عنهم إنهم يفعلونه بالظاهر خُشقدم وكيف شور على الأمر، وأشيع ذلك عنه إشاعة فاشية، وكان الظاهر من حركاته ليس من هذه الأيام فقط، بل من يوم سلطنة خُشقدم هذا، فإنه وطّأ (٢) بها لسلطنته لنفسه، ولا زال إلى أن ظهر ذلك في هذه الأيام خصوصاً من يوم عمل الوليمة، ولعلّها كانت وسيلة لذلك، بل كانت كذلك. فيقال إنهم اتفقوا على ذلك بأن يكون يوم الأربعاء ثاني أو ثالث ذي الحجة، ويصبح في يوم الخميس سلطاناً. فرتّب الظاهر خُشقدم بعض مماليكه في ليلة الثلاثاء واتفق معهم على قتله في يوم الثلاثاء إذا طلع إلى القلعة وقتل تَنَم رصاص معه فإنه كان أكبر القائمين معه والرأس في ذلك. ولما طلع جانبك في هذا اليوم على عادته في الطلوع للقلعة للخدمة بغير مباشرة للخدمة، وكان معه خمسة أنفار من جماعة منهم جانَم الذي وُلّي حماة فيما بعد الآتي في محلّه من سنة ثمان وثمانين، وكان إذ ذاك دواداره، وصل في طلوعه للقلعة لباب القلّة في الغلس قبل أن تترامى الوجوه، فوجد مقدّم المماليك وهو جالس بباب القلّة، فسلّم عليه على العادة ثم مشى حتى تجاوز العتبة الأخرى من باب القلّة، والتفت عن يمينه لجهة الجهة الموصلة إلى القصر، فوجد به جماعة من المماليك الجُلبان وهم وقوف، فظن أن وقوفهم لأجل أخْذ الأُضحية، فسلّم عليهم، ثم تجاوزهم في مَشْيه، وعطف إلى جهة يساره، والتفت إلى العتبة الكائنة تجاه باب الجامع الناصري، وإذا به جماعة من الجُلبان وهم وقوف على درَجه، فسلّم عليهم، وقبل أن يستتمّ سلاحه ابتدروه، فوصلوا إليه دفعة واحدة، وأحدقوا به وهم بالسيوف، وتناولوه بها

стр. 606

حتى وقع إلى الأرض، وهرب من كان معه من جماعته إلى جهة الحوش والدُهيشة، وكان غالب الضرب بالسيوف على رأسه، ولما سقط ضُرب بسيف على خاصرته، فنهض قائماً، ثم استند إلى حائط الجامع، ثم سقط في الحال، فسحب البعض منهم برجله إلى طريق المطبخ، ووُجد به بعض الرمق، فأخذ حجرًا هائلاً وحمله بجهد، ثم ألقاه على رأسه فردخه به فمات من وقته ذلك، ثم سلبوه، وألقوا على بدنه لستره حصيراً كان هناك ستروه به، ثم رجعوا إلى باب القلّة ليقتلوا من نُدبوا لقتله غيره أيضاً من خُشداشه، فوافوا تَنَم رصاص المحتسب وقد أقبل في أثر جانِبك فقصدوه، فاستجار بمقدَّم المماليك وبجماعة من أنْياته، فلم يلتفتوا (١) إليه ولا إلى من استجار بهم، ولا أغنى عنه ذلك شيئًا. ثم تناولوه بالضرب، ولما رأى عينها ثار بهم وطال عليهم، واستطال، فخرج من بينهم كالأسد الضاري وهو بغير سلاح، فعدّى (٢) إلى جهة القصر وهم في طلبه، كل ذلك والنجوم ظاهرة، والغَلَس باق، ثم طلبوه فعاد وهم في أثره إلى جهة الجامع، فرأى جانبك وهو مقتول مُلقَى، فجال، وظفر في غضون ذلك بعصا، فدافع بها عن نفسه أن ضربهم بها. وبقي يحطِم عليهم، وهم يُحجمون عنه مع كثرة عَدَدهم وعُدَدهم، وأظهر من الشجاعة في ذلك اليوم ما هو مذكور إلى الآن، ولا زال على ذلك حتى كاد أن ينجو منهم، ثم تكاثروا عليه بالأسلحة، وبدر إنسان منهم بأن ضربه بسيف فأطاح يده، ثم أخذته السيوف حتى ظُنّ أنه مات فتركوه، فأتى إليه جماعة من أنْياته وحملوه وبه بعض رمق، ثم مات بعد قليل. ولما وقع هذا وحصلت حركة بالقلعة بادر نائب القلعة بغلق بابها ولا عِلم عنده بالخبر، وكثُر الهَرَج والمَرَج، وماجت الناس. وهبّ كل من الأمراء والجُند والجامكية إلى جهة من جهات القلعة، وكان السلطان في ذلك لوقت بقاعة الدُهَيشة والفانوس موقد بالشمع بين يديه، بعد أن فرغ من صلاة الصبح، فدخل عليه جانَم دوادار جانبك ولم يعلم ما جرى على أستاذه، ولا عرف بقتله، بل أخبر السلطان أن الجُلبان قد اعترضوا أستاذه ومنعوه من الدخول على السلطان، فسكت السلطان لعلّه بباطن، ثم قال بعد ساعة: ما الخبر؟ فقال له: جانِبك كوهيه: خير يا مولانا السلطان. وقال مُغُلباي طاز: أيّ خبر؟ وقال بَلَبَاي الأميراخور الكبير: ما لقي اليوم خبرية للهرج الواقع، وما نعلم ما هو.

стр. 607

فقال السلطان: بلى خرج إلى الحوش، ثم قام وهم معه، وخرج إلى الحوش فجلس به على الدكة وذلك بعد طلوع الشمس، وجميع أبواب الحوش والقلعة مغلقة، فجلس السلطان ساعة، ولم يصح عنده شيء (١)، من أمر جانِبك إلى الآن. وبينا هو على ذلك إذ دخل عليه نائب المقدّم، فتقدّم إليه وأسرّ إليه خبر قتل جانبك، فتحقّقه السلطان، ثم جاء غيره فذكر ذلك، فلم يكترث بذلك. ثم ورد خبر قتْل رفيقه تَنَم رصاص أيضاً، فطلب السلطان الخازندار ثم قال له: أخرج ثوباً بَعْلَبكيّاً (٢) لتكفين جانبك وتَنَم، وندب جانبك كوهيه أن يمضي فيأخذهما، ويقف على غسلهما وتجميرهما، ويتولّى أمرهما إلى أن يدفنهما فخرج وفعل ما أُمِر به، ثم صلّى عليهما بباب القلّة، وأُخِذا على نعشين، وحُملا إلى محلّ دفنهما وليس معهما كثيرُ أُناس، بل جميع من كان معهما دون العشرة أنفس، فدُفن جانِبك بتربته قرب القرافة، ودُفن تَنَم رصاص بتربته أيضاً بالقرب من مشهد الليث بن سعد ﵁. ثم شاع خبرهما بالقاهرة، وكثُر أسف جماعة من الناس على جانِبك، وعظُمت مصيبته على أصحابه وخُشداشيه فقط (٣). وأمّا قول الجمال بن تغري بردي (٤): وكثُر أسف الناس عليه، فليس كما قال، بل ربّما سُرّوا بموته لظلمه وشدّة وطأته، وكذا قوله: وانطلقت الألسُن بالوقيعة في السلطان، ليس كما قال. نعم إن كان ذلك منه وممن له غرض عند جانبك فصحيح. بل رُبّما حُمد السلطان على ذلك لإزالته الغُمّة عن نفسه وعن المسلمين. وقوله: وخاف أكثر الظاهرية على نفسه وماجت المملكة وكثُر الكلام في الدولة. كل ذلك ممّن له غرض عند جانِبَك. وأمّا كثرة القال والقيل فهو عادة الناس، لا سيما أهل مصر في مثل هذه الحركات. وقوله: وطالت المذاكلرة في أمره قطع في كيفية قتلته وفي عدم وفاء السلطان له إلى آخر ما قاله كلام لا طائل تحته ولا نتيجة له، وما عرفت ما فيه من الزبدة وأيّ شيء يهم (٥) المذاكرية حتى يذكر أنهم قالوا قطعاً وصرّحوا بذمّ السلطان، وأنه

стр. 608

كان السبب أعني جانبك في تثبيت دولة الظاهر وسلطنته. نعم كان ذلك لا لأجل ذات السلطان، بل لأجل تمهيد الأمر لنفسه وقد كان في ضميره من الفعل بالظاهر نحواً ما فعله الظاهرية على ما عُرف بعد ذلك وشُهر. [القبض على ستة أمراء] وفيه، في بُكرة هذا اليوم لما وقع من قتْل جانِبك وتَنَم ما وقع قبض السلطان على ستة من الأمراء الظاهرية، وهم سودون الشمسي البرقي الأميراخور الثاني، وقانصوه اليحياوي، وأزدمر الإبراهيمي، وطومان باي، ودمرداش، وتغري بردي ططر، والجميع من العشرات ورؤوس (١) النُوَب ما عدا سودون، والكل ماتوا، وستأتي تراجمهم ما عدا تغري بردي ططر فإنه موجود الآن وهو حاجب الحجّاب بعصرنا هذا، فلنترجمه على عادتنا في تراجم الأحياء (٢). [ترجمة تغري بردي المعروف بططر] ١٨٠ - هو تغري بردي الشمسي (٣) الظاهري، المعروف بططر لكونه تتريّ الجنس، وهو في الأصل ممّن بقي من كتابية الأشرف برسباي، وملكه الظاهر، وصيّر خاصكياً في دولة ولده المنصور فيما أظنّ، ودام على ذلك إلى سلطنة الظاهر خُشقدم، فأمّره عشرة وصيّره من رؤوس (٤) النُوَب، ثم قبض عليه في هذا اليوم الذي ذكرناه، وأُخرج مَنفيّاً إلى طرابلس، ثم أعيد سريعاً، وأعيد إلى الإمرة على عادته، ودام على ذلك إلى سلطنة خشداشه الظاهر تمربُغا، فأمّره طبْلخاناة، واستقرّ به في نيابة القلعة بعد نفي سودون الفقيه، ودام على ذلك مدّة في صدرٍ من سلطنة خشداشه الأشرف قايتباي، وأثرى وحصّل مالاً طائلاً لمزيد اعتناء السلطان به وتقريبه وقضاء أشغال الناس قراجا الطويل بعد ولايته نيابة حماة قرّر صاحب الترجمة في تقدمة قجماس المذكور، ثم صيّر حاجب الحجّاب عوضاً عن برسباي قرا لما نُقل إلى الرأس نوبة الكبرى عوضاً عن تمراز الشمسي لما نُقل إلى إمرة

стр. 609

سلاح عوضاً عن يشبُك من مهدي بعد قتله في كائنة باينْدُر، وخرج أميراً على الحاج بالمحمل، ثم عُيّن في الأولى من غيلان النقلة (١) صحبة أزْدَمر أمير مجلس قريب السلطان، وهو مقيم بمصر إلى الآن مع العسكر. وهو إنسان حَسَن، خيّر، ديِّن، نزِه، عفيف النفس بالنسبة لغيره، كثير التحرير في أحكامه، ينتمي لطلب العلم، بل ويقرأ الفقه وربما حقّق فيه، وله ميل لأهل العلم وطلبته، كثير البِرّ في أيام الزكوات تزدحم الفقراء على بابه لأخذها وهو تركيّ كما قلت، مسلم الأصل، فعلى هذا لم يملكه الأشرف ولا الظاهر ولا مسّه الرقّ. وهو من أبناء القريب من الستين سنة. وكان بينه وبين الوالد غاية الصحبة الأكيدة والوداد، ويُذكر ببعض بُخل وشُح. [اجتماع والد المؤلف بالسلطان] وفيه، في عصر هذا اليوم طلع الوالد على عادته إلى القلعة فاجتمع بالسلطان فقال له: ما تقول في جانِبَك نائب جدّة؟ فقال الوالد: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢) (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠، ٣١]. فأعجبه ذلك، وعُدّ هذا من بديع الأجوبة التي فيها الموازنة. وقصد الوالد بذلك، لا سيما وحزب جانبك حزب موفور، فإنّه يمكن من قرأ هذه الآية جواباً عن هذا السؤال أن يقول في مرارة ما شاء. ثم لما قام الوالد من عند السلطان حمل عليه الجمال يوسف بن تغري بردي، فأعاد السلطان عليه ما قاله للوالد من توخّي ما يقول في جانبك. فقال: عاش سعيداً، ومات شهيداً، فلم يعجبه تخليطه. ثم لما قام قال السلطان لبعض خواصّه: أين ذاك الكلام؟ يشير إلى مقالة الوالد من تلاوته تلك الآية الشريفة من هذا؟ يشير إلى مقالة ابن (٣) تغري بردي. ذكر لي هذه الحكاية بعض من أثق به ممن سمعها من لفظ السلطان.

стр. 610

[سجن أمير وإخراج أمراء من السجن] وفيه، في يوم الأربعاء ثالثه حمل سودون البرقي إلى سجن ثغر الإسكندرية ليُسجَن بها، وأخرج قانصوه اليحياوي، وتغري بردي ططر إلى طرابلس، وألحق الثلاثة الأُخَر وهم: طومان باي، وأزدمر، ودمرداش (١). [ولاية يشبك الفقيه الدوادارية الكبرى] وفيه، في يوم الإثنين ثامنه استقرّ في الدوادارية الكبرى الأمير يشبُك الفقيه خشداش السلطان وخلع عليه بذلك، ونزل إلى داره في موكب خيل، وهرع الناس إليه، وباشر هذه الوظيفة بتواضع وحُسن سيرة وعفّة ونزاهة، وخبرة من له دين ويقين. وقد ذكر الجمال يوسف بن تغري بردي (٢) ولاية يشبُك هذا للدوادارية، ثم قال عقيب ذلك بعد قتل جانبك: فولي يشبُك وظيفته ولم يل مجده ولا ثناءه (٣) ولا همّته ولا حُرمته ولا شهامته ولا عَظمته (. .) (٤) كان به. دل فى الزمان. انتهى كلامه. أقول: وهذا كلام لعله صدر عن من لا يعرف الإيمان ولا بعقلٍ وبرهان. وأنت يا مخاطَب منصفي منه فدونك وهذا الشأن، وانظر بدين الإنصَاف واترك الاعتساف في النسبة بين جانبك ويشبُك الفقيه ( … ) (٥) وأدبه وحشمته وتواضعه، وصحبته لأهل العلم والفضل، وقربه ونجدته، وعدله وقلّة أذاه، فشتّان ما بينهما. فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه. اللهم اجعلنا ممن يقول الحق وينظر بعين الإنصاف. [تعيين سودون الفقيه في حسبة القاهرة] وفيه - أعني هذا اليوم - استقر في الحسبة بالقاهرة سودون البُرْدُبكي المؤيَّدي المعروف بالفقيه، عوضاً عن تَنَم رصاص (٦).

стр. 611

[الأميراخورية الثانية] وفيه استقر في الأميراخورية الثانية نانَق الظاهري، عِوضاً عن سودون البرقي (١). وستأتي ترجمته (. .) (٢). [الاختلاف في الشهر] وفيه، في يوم الخميس، كان عاشر ذي الحجة عندنا بطرابلس وعند النحر. وكان بالقاهرة بالأربعاء. [نظر الدولة] وفيه، في يوم السبت، ثالث عشره، استقر في نظر الدولة شخص كان من معاملي اللحم زفوري، ثم صار صيرفياً فيه يسمّى المعلّم محمد الببائي. وكان شيخاً سيّئاً، فظاً، غليظاً، عارياً من كل فنّ وفضيلة، وترك زيّه الذي كان يتزايا به وتزيّيه بزيّ السُوقة ونحوهم، وتزايا بزيّ الكُتّاب والمباشرين، وركب الفرس، ولبس الخفّ، واتخذ المهماز، وكثُر تشنيع الناس على السلطان بسبب ولاية هذا لهذه الوظيفة، وما كفاه ذلك حتى ولّاه الوزارة بعد ذلك كما سيأتي (٣). (القبض على تمربُغا وأمراء الظاهرية) (٤) وفيه، في يوم الإثنين حادي [أو] ثاني عشرينه، قبض السلطان على جماعة من أكابر الأمراء، ومن العشرات أيضاً من الظاهرية، وهم: تمربُغا رأس نوبة النُوَب. وأُزْبَك من ططخ أتابك زماننا الآن، وكان إذ ذلك من مقدّمين (٥) الألوف، وبرقوق الناصري أحد العشرات ورؤوس (٦) النُوَب، وقانِباي الساقي أحد العشرات أيضاً ورؤوس (٧) النُوَب. وكان السلطان قد بلغه عنهم شيء في قضية قتل جانبك نائب جُدّة. والكلام في ذلك في طول، فرتّب القبض عليهم باتفاقٍ منه مع جماعة من جُلبانه بأن يقبضوا على من ذكرنا بالقصر حين الخدمة، فلما قبض عليهم حُملوا إلى البرج من القلعة، فسُجنوا به مقيَّدين. ثم لما تعالى النهار أُنزلوا من القلعة على

стр. 612

البغال ومعهم الأوجاقية (١) رُدفاء لهم بالخناجر، ومعهم جماعة من العسكر من الجند السلطاني. حكى لي من أثق به من غُلمان الرَكَبْخَانَاه السلطانية أنه لما قُدّم لتمربُغا البغل حين أُخرج من البرج ليركبه للنزول عليه، قال للركَبْدار محضر البغلة: قدّم إليّ عادت الخزينة للعادة القديمة، وهو مَثَل يضربه العوامّ حين تكرُّر الفِعل بمن يُفعل معه شيء كان قد وقع له مثل ذلك قبله أو نحو ذلك، وإتيان تمربُغا بذلك إلى سابق محبّة على ما عرفت ذلك فيما تقدّم في محالّه، فلما نزلوا بهم من القلعة شقّوا بهم الصليبة مجتازين بهم منها، ولما جازوا على الخانقاه الشيخونية أظهر بعضٌ من أهلها الشماتة بتمربُغا، بل أسمعه ذلك، فإنه كان الناظر عليها، ولربما أساء في حق ذلك المتكلم الذي أظهر الشماتة به، وساروا بهم إلى أن أوصلوهم إلى شاطئ النيل، فأنزلوا إلى مركب، وانحدرت بهم في الحال لجهة ثغر الإسكندرية ليُسجنوا بها. ثم لما انفضّ الموكب أمر السلطان بقية الأمراء بأن يقيموا بالحوش السلطاني، ومنعهم من النزول إلى ديارهم مخافة حدوث حادث أو ثوران فتنة، لا سيما من بقيّة من بقي من الظاهرية. ثم أخذ الناس في القيل والقال في هذا اليوم، ولَهَجُوا بزوال الظاهرية عن آخرهم، وأُرجِف بوقوع فتنة، وكثُر هَرَج الظاهرية ومَرَجُهم واضطرابهم، وتخوّفوا غاية التخوّف، وأوصى الكثير منهم، وعمّ الخوف الناسِ جميعًا، حتى السلطان نفسه، فإنه صار يخشاهم كما كانوا يخشونه، وأخذ كلٌّ حَذره. وكان السبب في هذه الكائنة على جهة الاختصار، أن السلطان لما قتل نائب جُدّة، واستحسّ بتغلّث خواطر الظاهرية منه، واختشى من عواقبهم، أخذ يُظهر أنه لم يرتّب قتله، ولا كان يأمر به، بل ولا عن عِلمه، وإنّما جُلبانه هم الذين وثبوا عليه، وإنهم إنّما فعلوا ذلك للعداوة القديمة بين الظاهرية والإينالية، فإنّ الذين باشروا قتله كانوا من الطائفة الذين لقوا كتابته عن الأشرف إينال، وأجرى هو عتقه عليهم، وأظهر أنهم إنّما فعلوا ذلك للعداوة وأرادوا بذلك إرضاء الظاهرية من غير أن يأمل أن ذلك لا يطيب على خُواطر جُلبانه إذا بلغهم ذلك، لما بلغ الجُلبان ذلك لم يهن ذلك عليهم، وتوهّموا أن أستاذهم أراد بذلك أن يلقي العداوة بينهم وبين الظاهرية فانعدلوا (٢) فيه البواطن على أستاذهم، وأخذوا يدبّروا (٣) في أخذه،

стр. 613

فتواطأ (١) جماعة منهم على الهجوم عليه في ليلة الخدمة بمكان رقاده، وأن يغتالوه فيه ويقيموا من شاؤوا (٢)، إمّا من الإينالية أو الأشرفية الكبار من غير تأمّل في ذلك ولا رأي وتدبير ولا استشارة الأكابر ذوي الآراء والتجارب منهم. وقوي عزمهم على ذلك، فهجم منهم عدّة فوق الستة على السلطان في الخوخة بالقصر، وكان فيهم الاثنان اللذان وسطهما كما سنذكره قريباً. وكان السلطان قد أراد التَّهيُّؤ (٣) للخروج إلى القصر لجلوسه به للخدمة، فلما دخلوا عليه أُلقيت عليهم هيبته لتأخّر أجله () الله تعالى وعدم فراغه، فأحجموا عن قصدهم وتوقّفوا وغُلّت أيديهم، وجبنوا جدّاً، وأخذهم أمر عظيم. ولما رآهم السلطان استراب وقال: ما شأنكهم؟ فبدروا بأن قالوا نقبض على الأمراء بعد أن أحسّ منهم الغدر، وكأنهم هم لما أحجموا أخذوا يعهدوا مندوحة لهجومهم عليه، فكأنهم يُظهرون له النصيحة فقالوا: نقبض على الأمراء، فلم يصدّق أن قالوا ذلك، فقال: افعلوا، افعلوا، مكرّراً ذلك لدفعهم عنه، فخرجوا وهم يسرعون حتى فعلوا ما فعلوا كما شاؤوا (٤) من غير تعيين السلطان المقبوض عليهم هذا هو الصحيح، ورأى السلطان أن الشروع ملزم فما أظنّه إلّا لزوم غلطه، لا سيما وما وقع بعض مصدره للوهم الذين عنده من الظاهرية، بل وظنّ أن الذي فعله مماليكه هو النصيحة له وزال ما كان قد توهّمه من وثوبهم عليه، ثم لم يزل يتفحّص عن ذلك حتى تحقّقه في ليلة الثلاثاء تاسع عشرينه، فإنه لما صلّى العشاء الأخيرة جاء إليه من بلّغه أن جُلبانه، وذكر جماعة فيهم من دخل عليه في اليوم الذي قدّمنا ( … ) (٥) قد أبرموا الاتفاق، وأضمروا الهجوم عليه ثانياً، وأن يفعلوا ما تواصوا به بغيبته، وعلم أنهم في تلك المدّة إنما قصدوه، وأنه إن لم يتدارك هذا الفارط في هذا الليل وإلّا ذهبت روحه، فحار في أمره، وضاقت عليه الأرض بما رحُبت، فلم يجد بُدّاً من الصلح مع الظاهرية والاعتذار إليهم وتطييب خواطرهم، وحرص أن يكون ذلك في هذه الليلة قبل اتساع الخرق عليه أو فروط الفارط، فبدر بأن بعث ليلاً إلى الأمير قايتباي المحمودي شادّ الشراب خاناه يطلبه إليه، وكان يركن له كثيراً ويعتقد فيه الخير والأمانة، ويأمره أن يحضر إليه بجماعة موفورة من أصحابه وخُشداشيه بآلة السلاح، فلم يكن إلّا القليل من الزمن وقد حضر تجمّع وافر أثارهم، وطلع ليلاً من باب السلسلة ومرّ بأكبر جموعه، وتوصّل إلى السلطان من

стр. 614

الحدرة، ونزل عن فرسه، فدخل على السلطان بمن معه، وتركهم بالقرب من الدُهَيشة ودخلها، فلما رأى السلطان قبّل الأرض بين يديه، فقام له واعتنقه واعتذر إليه وتسارّ معه، فكأنه ذكر له جليّة الأمر، وأنّ ما وقع من قبضه على الظاهرية ليس بأمرٍ منه، ثم أمر بإحضارهم من الإسكندرية. ولما طلع النهار خرج السلطان من القاعة إلى مقعد البحرة من الحوش، وفعل ما أرضى به الظاهرية ما يطول الشرح في ذِكره، وخرجت الأوامر في الحال بإحضار من توجّه لسجن الإسكندرية، وكان حضورهم بعد ذلك في السنة التي تليها كما سنذكره في أوائلها إن شاء الله تعالى. ومن غرائب ما رأيت أنا بتعليقي (١) في نكتة من متعلّقات هذه القضية أن ما فعله الظاهر خُشقدم هذا من طلب قايتباي هذا في تلك الليلة مع ما فعله قبل ذلك بخُشداشيه من نوادر أفعال أهل التدبير، ومن الغَرر المحض لذي السلامة عقيبه على غير قياس، إذ طلوع هؤلاء الجمع على تلك الصورة والكيفية، وليس عند السلطان من يساعده ولا يحميه، لا سيما وقد خاف من مساعديه وذويه من أكبر الأسباب في الطمع فيه لمن لا غرض له عنده إذا انفتح له هذا الباب، فضلاً عمّن له غرض أو يتوهّم فيه بشيء من أمره، ولو وقع منهم أمر مما يوجب زوال ملك الظاهر، بل وأخذ روحه، وكذا لو ثبت قايتباي على الأمر لكان ذلك كله ممكناً، لأن جميع من كان عند خُشقدم في تلك الليلة بأسرهم كانوا لا قدرة لهم على دفع البعض ممن جاء مع قايتباي لو أراد الوثوب على الأمر، وانتهز الفرصة في تلك الحالة التي قد اتفقت للابن مع والده الملك لانتهزها، فضلًا عن أمرٍ قد بدّد شمل جماعة وأشيع عنه بإزالة الجميع. وأظن أن قايتباي لما ترك ذلك مع قدرته عليه لا سيما إن كان نفسه حدّثته بذلك، وردّ هؤلاء ذلك للوفاء بوعد من اعتقده وركن إليه، عوّضه الله تعالى ذلك الذي بذله بعينه بعد ذلك حتى آتاه إيّاه وأدامه معه، وهو الملك إلى يومنا هذا أضعاف ما كان مع الذي تركه له من المدّة. فصدق من قال: من ترك شيئاً للَّه عوّضه الله خيرًا منه. ولا شك أن ما ملكه قايتباي بعد ذلك أَدْوَم مدّة بأضعافٍ مضاعفة من مدّة خُشقدم. [تغريق السلطان خمسة من مماليكه] وفيه- أعني هذا الشهر، في هذه الأيام، في هذه الكواين غرّق السلطان خمسة أنفار من مماليكه، وهم الذين تقدّم خبرهم في الهجوم عليه، وبينهم يَرَش السيفي جانبك نائب جُدّة، وكان السلطان قرّبه وأدناه وجعله من أخِصّائه، ثم بلغه

стр. 615

ما قدّمنا ذكره من الاتفاق عليه، وكان يَرَش هذا من أكبر الثائرين بتلك الكائنة، فقبض السلطان عليه، وأحضره بين يديه وضربه وعصره، ووقع له معه أمور يطول الشرح في ذِكرها، حتى أقرّ على جماعة، بل وواجه السلطان بكلمات مُنكية في أنه هو الذي أمر بقتل جانبك إلى غير ذلك. ثم آل الأمر بعد ذلك إلى تغريقه مع آخرين. ثم أشيع بعد ذلك بأن الناصر بن محمد بن جرِباش الأتابك له دخْلٌ في هذه الكائنة، وأنه ممن مالأهم على ذلك. ونفى السلطان جماعة أيضاً في مماليكه، منهم أُزبَك (١) الذي هو الآن أحد الأمراء بطرابلس، إنسان يُذكر الآن بخير وعقل وحُسن سمت، وإنه لا بأس به. [النداء بزيادة النيل] وفيه، أعني هذا الشهر، في أول توت من شهور القبط نودي على النيل بزيادة ثلاثة أصابع من العشرين ذراع، وهي من غرائب الزيادات، ثم كانت نهايته في هذه السنة تسعة عشر ذراعاً وسبعة أصابع. [تحرّك حزب بني السراج على السلطان بغرناطة] وفيها- أعني هذه السنة- تحرّك حزب بني السراج المالكي الأندلسي، ووزيراها، وأعيان الأمراء بغَرناطة، وأخذو في الممالأة على صاحبها السلطان المستعين بالله منقذ بن الأحمر ملك الأندلس، ولا زالوا بولده حتى ثار بأبيه، وكان له معه ما سنذكره في التي تليها إن شاء الله تعالى (٢). [نقض السلطان المتوكل على الله صاحب تلمسان العهد مع صاحب تونس] وفيها أيضاً أشيع بنقض السلطان المتوكل على الله محمد بن أبي ثابت صاحب تلمسان ما كان قد بعث به من العهد على يد الولي القاسم منذر أحمد بن الحسن إلى صاحب تونس عثمان بالمصالحة على ما تقدّم ذِكره في محله. وأشيع بأن عثمان صاحب تونس أخذ في أسباب عودة آله (٣)، وكان من ذلك ما سنذكره في سنة تسع وستين.

стр. 616

[خروج السنة] وخرجت هذه السنة بما قد عَرَفْتَه فيها من الفِتن والشرور وكثرة الأهوال والأراجيف، لا سيما بالقاهرة، خصوصاً بعد قتْل جانِبك نائب جُدّة، وما وقع بعده، وما كان فيه السلطان من أخذه الذي على نفسه بما قد عرفتَ جميع ذلك، فلا نعيده. [مرض السلطان عثمان صاحب تونس] (وفيها، في هذه السنة وعك السلطان عثمان صاحب تونس عدّة أيام، وبَلَغَنا الخبر ونحن بطرابلس ثم جاء من ( … ) (١) عدّة أيام تزيد على العشرين، وبقي يُرجف في تونس بموته، وكثُر فيه القال والقيل، وزاره القاضي الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد الذلدوي قاضي الأنكحة بتونس، والعالم في الطب لعلاجه، هو وشيخنا عبد الرحمن بن أبي سعيد الصقلّي، واجتهدا في علاجه غاية الاجتهاد على القانون المعمول به، حتى قدّر الله تعالى بعافيته وحصل له الشفاء (٢). ثم ورد الأخبار إلى طرابلس بذلك فزيّنت لذلك، وتظاهروا بالفرح والسرور، وكانت زينة غريبة عجيبة رأيتها على وجه سياج ليس مما يفعل بالذين في هذه البلاد) (٣).

стр. 617

ذكر نُبَذٍ (١) من تراجم الأعيان ووَفَيَاتهم في هذا الزمان سنة ٨٦٧ ١٨١ - إبراهيم بن أحمد بن أحمد بن محمد بن عبد الواحد بن قاسم بن أبي بكر بن خليل بن عبد الخالق بن طاهر بن حسن بن حسين بن جرير بن عبد الله بن النُعمان بن المنذر بن ماء السماء اللخْمي، الحسني، الشاذلي، القاهري، الشافعي. الشيخ الإمام، العالم، العامل، البارع، الكامل، برهان الدين بن بدر الديّن. وهو من غريب ألقاب أحمد، المعروف بابن الميلق (٢)، وهو لقب لجدّه أحمد. وفيما ذكرناه من نسبه كلام وعند رفع هذا النسب، وقد طعن فيه جماعة، بل ذكر غير [هـ]، وأكّد أنه اختلقه، وصرّح بهذا عدّة من الأكابر. والحَسَني في نسبه نسبة لحسن في نسبه. ولد صاحب الترجمة في شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة بالقاهرة. وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم وبعض متون. ثم اشتغل فأخذ عن جماعة منهم: شيخا (٣) الإسلام، السراج البُلقيني، وابن (٤) الملقّن، والشيخ القليوبي، والنور الأدمي، والشمس البوصيري، وغيرهم. ولم يزل مُجِدّاً حتى برع وتمهّر،

стр. 618

وشُهر ذكره، وسمع الحديث على البرهان الشامي فيما أخبر عن نفسه على ما نقله عنه بعضهم، ونسَبَه إلى عدم الوثوق به فيما يخبر به، وإلى الجهل المفرِط والمتهوّر، واللَّه أعلم بما قاله، فإنّ الظواهر تكذّبه، وفيه تخايُل ظاهر. وناب إبراهيم هذا في القضاء وحُمِدت سيرته في ذلك، وصحِب الظاهر جقمق في حال إمرته، ثم ( … ) (١) وصرفه الحافظ ابن (٢) حجر مرة عن نيابة الحكم، أذِن له الظاهر (. .) (٣) ويحكم استقلالاً، ويفصل القضاء بغير إذن من الشافعي، أعني الحافظ ابن حجر ( … ) (٤) بغير تعيين، بل صار في معناه من وجه، وكان سببًا لوفور حُرمته (وأدّى إلى تغيّر) (٥) الظاهر على الحافظ ابن (٦) حجر لأمرٍ ما بعث إلى صاحب الترجمة (يأمره أن يخطب) (٧) بجامع القلعة وفعل، بل وعيّن للقضاء، ولم يبق إلّا ولايته وفصّلت خلعته (ثم) (٨) لم يتم ذلك، وفي خطابة الجامع الطولوني عوضاً عن أبي هريرة بن النقاش، وكان ذلك بعد أن صرف الظاهر ابن (٩) النقاش على ما تقدّم ذلك في محلّه في متجدّدات سِنيّ دولة الظاهر جقمق على ما ذكرنا هذا. وكان خطيباً مِصْقعاً، يُقصد لسماع خطبته، وكان إذا خطب سُمع على (. .) (١٠) حتى بلغني أنه كان إذا خطب بالجامع الطولوني ربّما سُمع من الشارع الموصل إلى الكبْش. ومع اختصاص الظاهرية وتقريبه، وصحبته كان يقول عنه إن جقمق هذا من الدجاجلة. وصحب البرهان هذا بأخرة قليلاً. فقال إن ذلك باختياره وبقصده لخيره ودينه. توفي قبل منتصف شهر رمضان. وكنت حين موته ببلاد المغرب.

стр. 619

١٨٢ - إبراهيم بن محمد بن (أحمد) (١) اللنتي (٢)، التازي (٣)، المغربي، المالكي. الشيخ الولي، العارف، القدوة، المسلّك، الإمام، العالم، العامل، البارع، الكامل، أبو سالم (نزيل واهران) (٤)، المعروف بالنسبة إلى تازة (٥)، وهي مدينة من مدن فاس. ولد الشيخ بها في سنة عشر (٦) وثمانمائة تقريباً. وبها نشأ (٧) نشأة حسنة فحفظ القرآن العظيم، واشتغل بالعلم، وأخذ عن جماعة، وشُهر بالفضيلة وذُكر، ثم حُبِّبتّ إليه طريقة القوم من متصوّفي أهل السُّنّة والجماعة، فطلبها وحرص على ذلك، وطوّف الكثير من البلاد، وأخذ الطريق عن جماعة من الأكابر، وقدم القاهرة حاجّاً فحجّ وجاور، ثم عاد إلى المغرب فقطن مدينة واهران، ملازماً بها الشيخ الصوفي العارف بالله تعالى سيدي محمد بن عمر الهوّاري صاحب الزاوية المعظّمة بواهران، وكان من كبار عباد الله الصالحين، وأوليائه العارفين، ومن حزبه المفلحين، ومن العلماء الأعيان، وكان به النفع العام في تلك البلاد لسائر الخلق، وأنشأ بها زاوية معظّمة تُعرف به، ودام صاحب الترجمة ملازماً له مدّة. وهو -أعني: الهوّاري- لعظَمه ويُجلّه ويقدّمه على جميع أصحابه، بل وعلى ولده لما رآه منه من الدين المتين والتوجّه التامّ إلى الله تعالى. ولما توفي الشيخ -ولعلّ وفاته كانت بعد الأربعين- فإنّني لم أحرّرْها، خَلَفَه صاحب الترجمة في طريقته. وكان الهوّاري قد ترك ولدًا، وهو مقيم بزاوية أبيه، ولصاحب الترجمة بها

стр. 620

خلوة أنزله بها الشيخ من أيام حياته، فكان الناس بعد موت الهوّاري يتردّدون إلى صاحب الترجمة بالزاوية المذكورة ولا يلتفتون إلى ولد الهوّاري مع كونه صاحب الزاوية وابن (١) مُنشِئها، فصار ابن (٢) الشيخ يغضّ من سيدي إبراهيم هذا في الباطن، وأحسّ هو بذلك، ولم يكن له قصد في قصد الناس إيّاه، ولا فيما يفعل معه، بل ربّما كان التفاته إلى ضدّ ذلك من عدم اعتناء أحدٍ بشأنه وتركه في حاله، فبدا له أن يخرج من الزاوية مراعاة لخاطر ولد شيخه، ليكون هو المقصود بإتيان الناس إليه، وسكن بمكانٍ بالبلد أنزله إيّاه بعضٌ من أهلها، به طبقة صغيرة جداً، فسكنها صاحب الترجمة، وظنّ انقطاع الناس عنه، وخفّة الأمر عليه من خداعهم وقصْدهم إياه، وقصد أن يتفرّغ لنفسه، فصرفت الناس وجوههم إليه بذلك المكان وقصدوه به، وتُركت الزاوية من ورود الناس إليها إلّا من يدخل لزيارة ضريح سيدي محمد الهوّاري، فبعد أن كانت تُقصد ويُقصد صاحب الترجمة بها صار يُقصد بمكانه فقط، ولا يقصد الزاوية إلّا زوّار الشيخ، ويخرجون سريعًا حتى ندم ابن (٣) الشيخ على ما كان منه غاية الندم، وصار يتمنّى لو دام الشيخ سيدي إبراهيم بالزاوية. ولما كثُر ترداد الناس إلى صاحب الترجمة، وضاق عليهم مكانه، وبقي هو في شبه الحصر، قام إنسان من أعيان أهله والعَرض ومُترفيها يقال له محمد بن موسى، وكان محبّاً في صاحب الترجمة، وله ثروة ظاهرة وأملاك وديار وأمكنة، فأشار على الشيخ أن يُنشئ زاوية له، وأعطاه أمكنة كثيرة من أملاكه، وأرضًا بالقرب إلى داره في أحسن أمكنةٍ من البلد، فتمنّع صاحب الترجمة من ذلك، وقال: إن هذا يحتاج إلى مال طائل وتعبٍ كبير، ونحن فقراء ما لنا وللبناء؟ فلم يزل به هو وغيره من أعيان أهل واهران، وألحّوا عليه في ذلك، وجمعوا مبلغاً فيما بينهم له صورة، وأحضروه إليه، فقال: دعوه مع ابن (٤) موسى، ثم شرعوا في العمارة، ووضع زاويته الموجودة الآن بواهران، وقاموا في ذلك بقلوبهم وقوالبهم وهِممهم. وبلغ ذلك صاحب تِلمسان، فأمّده بمالٍ وببعض ما يحاج إليه من وجه، بل وبعث إليه جماعة من مترفين (٥) تلمسان أيضاً بمال، وبقي يزداد الأمر في ذلك وينمو (٦) المال من غير طلب ولا سؤال، ولا تصوَّر يقال، وحُسِب فوُجد شيئًا كثيراً. وكان هذا المال في الحقيقة شيئًا لعمارة واهران، فضلاً عن الزاوية فقط.

стр. 621

فكان ذلك سبباً لشهرة واهران زيادة عمّا كانت، وللتنويه بها، وقصدها للسُكنَى، ثم أخذوا في العمارة والبنيان، وحكمت زاوية الشيخ معلّقة، وارتفاعها نحو العشرين درجة من السلالم، وبها منار حسن للتأذين عليه، وبنى تحت الزاوية سوقاً جيداً بعدّة من الحوانيت، صار ذلك المكان أعظم أمكنة واهران. وأنشأ بجوارها وأحوازها منذ زمن، وحمّاماً، (وأجرى الماء) (١) إليها إلى البلد، وكانت قليلة الماء جدّاً، بها قناة واحدة بمجرى واحد يستقي منه أهل البلد بالجرار والقلال، مع ازدحام عظيم، وساق في بعض الأحيان، فصارت وافرة المياه ببَرَكَة الشيخ، وأدخل منه للبلد (٢) مجراة جيّدة وللحمّام والميضأة الزاوية، وصارت هذه الزاوية وما بأحوازها من الأبنية من أعظم أخطاط مدينة واهران والخط المعتبر بها، وتوسّط البلد، وبقيت زاوية سيدي محمد الهواري في طرف البلد، وفاقت هذه الزاوية على تلك، وجاءت أنيقة، بديعة الصفات والوضع، وأنشأ جوارها منزلاً حسناً ظريفاً أنيقاً، غريب الهيئة، مرتفعاً بعدّة شبابيك، غريب الوضع، من أحسن المباني. أعدّه لسكنه، وجعل له بابين (٣)، أحدهما يُتَوَصّل به إلى هذه الزاوية، يخرج منه الشيخ إليها في أوقات الصلوات، والآخر خارج الزاوية، وأعدّ له مدفناً بأحواز الزاوية ابتغاء دفنه (٤) فيه بعد موته. ورتّب لهذه الزاوية إماماً ومؤذّناَ وقَوَمة من أصحابه، وجعل بها مكانًا عظيماً إلى جانب مسكنه، به باب يدخل منه إلى سكن الشيخ، جعله سماطاً بين العشاءين، ورتّب أذكاراً تُقرأ به و"الوظيفة المنصورة" التي عملها الشيخ، وأنشأ مكتباً هائلاً تجاه الزاوية تجوزها برسم قراءة جماعة من الأيتام به، وبه أحد أصحابه، وهو إمام الزاوية لإقرائهم، وصار أهل البلد وأعيانهم يبعثون أولادهم أيضاً إلى هذا المكتب للقراءة والتعليم به، وكملت هذه الأبنية كلها في أقرب الأوقات، وعُدّت من كرامات الشيخ، وطار صيت هذه الزاوية، وعُمِّرت المدينة بواسطتها، وأنيرت، وزاد حُسنها، ولَهَج الناس بذلك، لا سيما المدجَّنين من أهل الأندلس الذين هم تحت إيالة النصارى من الفرنج، فهرعوا إلى واهران واختاروا سُكناها، وزاد بها الأبنية والديار والعماير على نحو زيادة النصف مما كانت قبل ذلك، وانحشَتْ بالخلق، وأعمر خارجها بالكروم والأبنية بها، وامتدّت الكروم بها بظاهرها، واتسعت جداً، وكثُر إنْسها. وعظُم بها أمر الشيخ، وصار أكثر أهل البلد من مريديه وتحت نهيه وأمره، لا يخرجون عن إشارته، ويجتمع الكثير منهم من الأعيان بين العشاءين لقراءة "الوظيفة" بزاويته

стр. 622

بالمكان المُعَدّ لها، وهي وظيفة جليلة ذكرتُ سببَ جمعها في بعض رسائلي وذكرثها، ورويتها عن جماعة من أصحابه عن الشيخ. وكذا يجتمعون بها كل جمعة بغرفة لقراءة القصيدة التي أنشأها، فتُقرأ بعد صلاة الجمعة بجمع حافل، ويحضر أطفال المكتب أيضًا لقراءتها، ويُمَدّ لهم سِماط من الخبز والتين اليابس. وقُصد الشيخ بالزيارة من سائر الجهات، وتسامع به الملوك وبعثوا يلتمسون دعاءه (١)، وهادوه، وتفقّدوه، وقصده صاحب تِلِمسان للزيارة من تِلِمسان بنفسه، ودخل واهران وقصد زاويته، وترجّل مرةً عن فرسه وصعِد إليه بمكان سكنه واجتمع به، وجلس بين يديه بأدب وسكون ووقار، والتمس منه الدعاء، ووقف في يوم قدوم السلطان إليه جماعة من أعيان أهل واهران، وكانوا وقوفاً بين يدي الشيخ والسلطان، فالتفت السلطان إليهم وقال: أنا في بَرَكَة الشيخ، وهذه البلدة في الحقيقة هي للشيخ، إذ هو الذي أعمرها. ثم تكالما، وكان من جملة كلام الشيخ له أن قال: إذا زار الأميرُ الفقيرَ فنِعم الأميرُ ونِعَم الفقيرُ. وإن زار الفقيرُ الأمير فبئس الفقيرُ والأميرُ. فقال السلطان: عسى أن نكون من "نِعم" لا من "بئس". ثم سأله عن حوائجه ليتولّى قضاءها. فقال له الشيخ: أسأل الله تعالى أن يقضي حوائجي وحوائجك المقرِّبة إليه، ثم دعا له بالصلاح. فوادعه (٢) السلطان وخرج من عنده، فزادت وجاهة الشيخ وحُرمته، ولا سيما عند العوامّ، وصارت الطلبة تهابه وتخشاه جداً. ولم يزل على ما هو عليه من الدين والخير والصلاح ومع المسلمين حتى بَغَتَه أجَلُه. وكان له التوجّه التامّ إلى الله تعالى، وبه النفع العام جَمَالياً، سَنِيّاً، بهياً، له الأخلاق الرضيّة والشمائل المَرضيّة، ذا حُسن سمت، وتؤدة زائدة، وأدب وحشمة، ووقار وأُبَّهة، وهيئة حسنة، عليه الأنس والخَفَر، مع وضاءة ونورانية، ونزاهة ولطافة، متجمّلاً في شؤونه (٣) وملبسه، كثير التهجّد والتعبّد، وافر الخير، كثير البِرّ والإحسان إلى الخلق، كريم النفس جداً، سمح الأيادي، فقير في صفات الملوك، بشوش الوجه، طلْق المحيّا، غزير التواضع، كثير الحلم والعلم، فكِه المحاضرة، حلْو المذاكرة، فصيح اللسان، قويّ الجَنان، له شجاعة وإقدام.

стр. 623

وبالجملة فكان من محاسن الدنيا، فضلاً عن ذلك القطر الذي كان به، وانتفع به جمع جمّ وصلوا به إلى الله تعالى. وكنت سمعت بمحاسنه وقصدت زيارته ورؤيته، فلم يُقدَّر لي ذلك، فإنه توفي بواهران في هذه السنة، أظنّ في شوال (١). ولقد أنسِيتُ شهر وفاته، رحمه الله تعالى ورضي عنه. وكنت أنا بتونس إذ ذاك، وكان ليوم موته بواهران شأن عظيم في المصاب، وكثُر أسف الناس عليه، وأدركت بواهران حين دخلتُها بعد ذلك عدّة من أصحابه من أهل الخير والدين والصلاح والعلم. ورأيت آثاره الدالّة على عُلوّ مقامه وهمّته، وكان ممن يقرئ العلم لأصحابه، ووقف بزاويته خزانة كتب جليلة في جُمَل من سائر الفنون العلمية. وكنت أنا لما رجعت من الأندلس إلى واهران معي جملة من الكتب وقفتها بزاويته لما كنت تركت التعلّقات الدنيوية وحصل لي بعضُ توجُّهٍ إلى ذلك الجناب، فيا ليته لو دام، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون. وللشيخ -رحمه الله تعالى- نظْم حسن جيّد، رويت عن بعض أصحابه الكثيرَ منه بحق سماعه له، من إنشاء الشيخ لنفسه، فمن ذلك ما أنشدنيه صاحبنا الشيخ العالم، الصالح، أبو عبد الله ابن القصّار أحد تلامذة الشيخ، وأعزّ أصحابه عليه، قال: أنشدني الشيخ لنفسه: أما آن ارعواؤك عن شَنار (٢) … كفى بالشيب زجراً عن عُوارِ (٣) أبَعْدَ الأربعين ترومُ هزْلًا … وهل بعد العشيّة (٤) من عَرارِ فخلّ حظوظَ نفسك والْهُ عنها … وعن ذِكر المنازل والديارِ وعَدّ عن الرَباب وعن سعادٍ … وزينب والمعازف والعُقارِ فما الدنيا وزُخْرُفها بشيء … وما أيّامها إلّا غرارِ (٥) وليس بعاقلٍ من يصطفيها … أتَشْري الفوز (٦)، ويْحَكَ، بالتَبارِ فتُبْ (٧) واخلَعْ عِذارك في هَوى من … له دارُ النعيم ودارُ نار

стр. 624

جمالُ الله (١) أكملُ كل حُسنٍ … فللَّه الكمالُ ولا مُمَاري (٢) وحبّ الله أشرف كل أنسٍ … فلا تَنْسَ التخلُّقَ بالوَقارِ وذِكرُ اللَّهِ مَرْهَمُ كلِّ جُرحٍ … وأنفع من زُلالٍ للأُوَارِ ولا موجود إلّا الله حقّاً … فدع عنك التعلُّقَ بالفُشارِ (٣) قال شيخنا ابن القصّار المذكور: وكان خطاب الشيخ بهذه الأبيات لي، فإنني كنت قد تشوّقت إلى الوطن والأهل وغير ذلك بتلمسان، فذكرت له ذلك واستأذنته في التّوجّه إليهم، فنظم هذه القصيدة، وجعلها كالجواب لي. وأنشدني ابن (٤) القصّار المذكور أيضاً قال: أنشدني الشيخ لنفسه: مرادي من المولى وغايةُ آمالي … دوامُ الرضا (٥) والعفْوُ عن سوء أعمالي وتنويرُ قلبي بانْسِلال سخيمة (٦) … به أخلدتني عن ذوي الخُلُق العالي وإسقاط تدبيري وحولي وقوّتي … وصدقي في الأحوال والفِعل والقال وفي حبّه مع حبّ صَفوته الرضى … ملائكة والأنبياء وأرسالِ (٧) وحبّ النبي الهاشميّ محمدٍ … وأصحابه الغُرّ الأفاضل والآلِ وحبّ رجالٍ خالفوا النفسَ والهوى … وخافوا مقام الواحدِ الصمدِ العالي (٨) وهي طويلة مثبتة عندي. وأنشدني المذكور أيضاً قال: أنشدني الشيخ لنفسه أيضاً: رُويدُكم فما سمعي بقابل (٩) … لغا (١٠) لاع ولا يُصغي لعاذلِ وما لي -ويْحَكم- عن ذا انفصالٌ … ولو انّي أفصَّل بالمناجل (١١)

стр. 625

(١) ذي ذِكر الله سرًّا … وجهراً بالغُدُوّ وبالأصايل (بجمع صا) (٢) لحين ذوي اهتمام … بقاداتٍ، بساداتٍ أكاملِ (وحبّ) (٣) الله ممزوج بكلّي … بفضل الله وهّاب الفضائلِ (وحبّ) (٤) لمصطفين من البرايا … وشمس ضحى الأواخرِ والأوائلِ محمد الرسول بمعجزاتٍ … أحدّ من الصوارم والذوابلِ (إلى كل) (٥) الورى حُمرٍ وسودٍ … وأجناس العشائر والقبائل وهي طويلة أيضاً (٦). وأنشدني أيضاً قال: أنشدني الشيخ لنفسه في أحكام الزيارة وآدابها: زيارة أربابِ التُقى مرهم يُبْري … ومفتاح أبواب الهداية والجَبْر وتُحدِثُ في القلب الخَلِيّ إرادةً … وتُكسِب معدوماً وتجبر ذا كسْر وتنصر مظلوماً وترفَع خاملًا … وتشرح صدراً ضاق من سعة الوِزْر وتبسط مقبوضاً وتُضحك باكياً … وتوقد بالبذل (٧) الجزيل وبالأجر عليك بها فالقوم (باحوا بسرّها) (٨) … وأوصوا بها يا صاح في السرّ والجهر فكم خلّصت من لُجّة الإثم فاتكاً … فأ (لقته في) (٩) برّ الإنابة والبِر وكم من بعيدٍ قرّبته بجذبةٍ … ففاجاه (١٠) الفتحُ المبينُ من البَر وكم من مُريدٍ أظْفَرْته بمرشدٍ … حكيم خبير بالبلايا وما يُبْري فألقى عليه حلّة يمنيَّة … مطرّزةً باليُمن والفتح والنصرِ فزُرْ وتأدَّبْ بعد تصحيح نيّةٍ … تأدُّبَ مملوكٍ مع المالك الحرّ وهي عدّة أبيات (١١).

стр. 626

وأنشدني أيضاً قال: أنشدني الشيخ لنفسه: بإحسانِ ذي الطَّول أهلِ الكَرَم … له الحمد حمداً يوافي النِعَم جُعِلنا لخير الورَى أمّةً … فكنّا بذلك خير الأُمَمِ هنيئاً لنا أمَّةُ المجتَبَى … حَرَزْنا المعالي وحُزْنا العظم شريعتُنا سَمحةٌ سهلة … فلا إصْر فيها ولا مُقتَحَم نُجازَى بسيّئة مثلها … إذا العدلُ بالعدل فينا حكم وذات البها عشْر أمثالها … فأكثر (١) أعظمْ به من كرم وبالتَوب تُغْفَرُ أوزارنا … ولا أخدان جونبت (٢) باللَّمَم وهي أيضًا من قصائده الطوال. وأنشدني ابن (٣) القصّار أيضًا قال: أنشدني الشيخ لنفسه: رَوحي وراحةُ روْحي ثم رَيْحاني … وجنّتي من شرور الأنس والجان ومأمني وأماني من سعير لَظَى … ذِكر (٤) المهيمن في سرٍّ وأعلان ومدح أحمد أعلى العالمين حِمًى … وذو المقام الذي ما قامه ثاني (٥) وهي أيضاً طويلة. ومما أنشدنيه أيضاً لمذكور مما سمعه من لفظ الشيخ ﵀: أبت مهجتي إلّا الولوع بمن تَهَوى … فدع عنك لومي فالنفوس وما تقوى هوانُ الهوى عِزٌ وعذْبٌ أُجاجُه … وعاقبتي (٦) أحلى من المنّ والسلوى وتعذيبُه للصبّ عينُ نعيمه … وسعْي اللوامي (٧) في السُّلُوّمن العدوى ومن لم يجُدْ بالنفس في حبّ حبّه … فلوعتُهُ إفْكٌ وصَبْوتُه دعوى وليس بحُرِّ من تعبُّدُه الهوى … للهْو الدُنا فاختَرْ لنفسك ما تهوى

стр. 627

فما الحبّ إلّا حبّ ذي الطَّوْل والغِنَى … وأملاكه والأنبياء وأُولي التقوى وخيرة رُسُل الله أفضل خلْقه … محمد الهادي إلى جنّة المأوى (١) رسول وَصُول مجمّل متفضّل … فلامثله في الوصل والفضل والجدوى بشيرٌ نذيرٌ رحمةٌ نعمةٌ هدًى … سراجٌ منيز غايةٌ في التُقى قُصوَى رؤوفٌ (٢) عطوفٌ ليس بالفظّ ليّنٌ … وفي الحرب ليثٌ لا يطاق ولا يُقوَى جميلُ المُحيّا، أزهرُ اللون، رَبْعةٌ … وسيمٌ، قسيئم، ملجأ لأُولي اللأْوَى وفيٌّ، زكيٌّ، كاملُ الخلق والحِجَى … وليس له في العِلم والحِلْم من شَروى على السيّد المولى (٣) الشفيع وآله … وأصحابه أهل المَبرَّة والتقوى سلامٌ بتبليغ المُنَى متكفّل … وبالرفع في الدارين للنوء (٤) والبلوى ومما أنشدنيه أيضاً قال: أنشدنيه الشيخ ﵁ لنفسه: يا صاح من رُزق التُقى وقلا (٥) الدنا … نال السعادة والكرامة والغِنا (٦) فاصرفْ هوى دنياك واصرم حبلها … دار البلايا والرزايا والعَنَا وودادها رأس الخطايا كلّها … ملعونةٌ طوبى لمن عنها انثنا (٧) لا تغْترر بغرورها فمتَاعُها … عرَضٌ مُعَدّ للزوال وللفَنَا لعِبٌ ولهْوٌ، زينةٌ وتفاخرٌ … لاتخدعنّك جناها (٨) مُرّ الجَنا خدّاعةٌ، غدّارةٌ، مكّارةٌ (٩) … ما بلّغت لخليلها قطّ المنا (١٠) اليوم عندك جاهُها وحُطامُها … وغدًا تراه بكف غيرك مقتنا (١١) فاقبل نصيحةَ مخلصٍ واعمل بها … يُدنيك من رضوان ربك ذي الغنا (١٢)

стр. 628

يُدْخِلْك جنّاتِ النعيم بفضله … دار المقامة والمَسَرّة (١)، والهنا وأنشدني أيضاً قال: أنشدني الشيخ رحمه الله تعالى لنفسه: خذي رياح اليُمن عَم (٢) نسيمُها … أزْكى (٣) من المسك الفَتيق شميمُها وبحلول مولدِ أحمد قد بشّرت … واستنشقت ندّاً وتمّ نعيمُها نجم الهدى ( … ) (٤) قاسم العِدَى … ماحي الضلال، أخي العُلا (٥) وحميمها وهي قصيدة طويلة (٦). وأنشدني أيضاً قال: أنشدني الشيخ ﵀ لنفسه: أنوارسيّدنا النبيّ المرسَل … سطعت علينا في ربيع الأول بسعادةٍ أبديّةٍ وهداية … بعد الضلالة وانتشار الباطل (بُشْرَى لأمّته السُّراةِ لقد سَمَوا … بمحمدٍ) (٧) فوق السماك الأعزل ومنها: (هو رحمة للعالمين وعصمة) (٨) … وهو الشفاءُ لكلّ داءٍ مُعْضِل ومنها: (يا سيّد الرُسلِ الكرام وعَونَهم) (٩) … ومَلاذَهم ووسيلةَ المتوسّل (كن لي شفيعاً يا شفيعُ واسْقِني) (١٠) … من ماء حوضك في الرعيل الأول (أنا مسرفٌ أنا بالمثابة مسوِّف) (١١) … أنا خائف من جرأتي وتغافل (١٢) (رُحماك في الدارين بي مالي حِمًى) (١٣) … إلّا حمى ذاك الجناب الكامل

стр. 629

وهي قصيدة طويلة. وممّا أنشدنيه ابن القصّار أيضاً للشيخ رحمه الله تعالى وسمعها (هذه القصيدة … ) (١) التي تُقرأ في كل ليلة بزاويته بين العشاءين. [حصار الفرنج ميناء وهران] [وقد كان للفرنج حصار لميناء وهران] (٢) يطول الشرح في ذِكره، ملخصه أن عدّة من مراكب الفرنج (. .) (٣) وعاثوا بميناها وشرعوا في محاصرتها، وخرجوا إلى برّها (. .) (٤) أغلقت ( … ) (٥) الأبواب، ثم دحرهم الناس إلى زاوية الشيخ فدخل (. .) (٦) ثم خرج بعد أذان المغرب. وقد أنشأ هذه الوظيفة فصلّى (. .) (٧) بين العشاءين والناس في أمر مَريج من الفرنج وعد (. .) (٨) على المسلمين الأسوار للقتال فيما فرغ الشيخ من قراءتها ودعا (٩)، ثم صلّى العشاء الأخيرة وذهب مقدار (نصف الليل) أرسل الله تعالى رياحاً عاصفة أقلع الفرنج من خوفهم على مراكبهم منها، ومن كثرة عجلتهم تركوا عدّة منهم بساحل المسلمين، وما تمهّلوا لقلع المراسي الحديد، فقطّعوا حبالها وتركوها ووسّعوا إلى البحر خوفاً من جرف المراكب إلى البرّ وتكسّرها، فأصبحت صبيحة تلك الليلة وقد نصر الله أهل البلدة، وكفاهم الله شرّ أولئك، وقبضوا على من وجدوه من الفرنج، ثم أخرجوا المراسي وكانت تساوي مبلغًا كبيراً يقال: خمسمائة دينار. وصار لهذه الوظيفة شأن عظيم، وسمّاها الشيخ "الوظيفة المنصورة"، وكُتبت وقُصدت بالعناية، وهي مُثْبَتة عندي، وواظبت عدّة سنين على قراءتها بين العشاءين، ورأيت الكثير من بركاتها، وجوّدت لها رسالة مشتملة أوضحت الكلام فيها عليها وأوردتها برُمّتها، وهي مُثْبَتة في هذه الرسالة عندي، رويتها عن غير واحدٍ من أصحاب الشيخ عنه، ولها بواهران حين قراءتها بزاوية الشيخ بين العشاءين أُبَّهة وعظمة زائدة. وهذه القصيدة في ضائعها كما ذكرناه يمكن من يتأملّها أن يستخرج الوظيفة منها بتمامها وكمالها، وهي هذه القصيدة:

стр. 630

حسامي ومنهاجي القويم وشُرعتي … ومَنْجاتي في الدارَيْن من كل فتنةِ (١) محبّة ربّ العالمين وذِكره … على كل أحياني بقلبي ولهجتي وأفضلُ أعمالِ الفتى ذِكرُ ربِّهِ … فكُنْ ذاكراً بذكرك باري البريّة وما من حسامٍ للمريدين غيره … فكم حسموا من ظهرٍ زارٍ وباهتِ وكم بدّدوا شملاً لذي جيرة (٢) وكم … أبادوا عدوّاً مسّهم بمضرّة وكم عزلوا ذا إمرةٍ وولايةٍ … فأضحى مُهاناً بعد عزّ الإمارةِ وكم دافَعَ اللَّهُ الكريمُ بذِكرهم … عن الخلق من مكروهة ومَسَرّةِ (٣) وأفضل ذِكر دعوة الحقّ فلتكُنْ … بها لهِجاً في كل وقتٍ وحالةِ فكثرةُ ذِكر الشيء آية حُبّه … وحسب الفتى تشريفه بالمحبّةِ وداومِ على ذِكر الوظيفة إنها … لذاكرها أمن وأمنع جنّةِ وفيها من الذِكر المصون خزاين … مفاتيحها التقوى وصدق الإرادةِ (٤) وليس لها وقت يرجح فضلُه … على غيره بل كلّه وقتَ رحمةِ ولا حدّ في مرّاتها إن تكرّرت … وواحدة حسب المريد بدورةِ وإن (٥) تنفردْ في ذِكرها فهو فاضل … وأفضل منه ذِكرها بالجماعةِ وذِكر مُرادي بعد عشر بإثرها … مُرادي ولكنْ ليس شرطًا لصحّة وهاك زمامًا للوظيفة كاملاً … بترتيبها نَظَمْته في قصيدتي تعوَّذْ وبَسْمِل واقرأ (٦) الحمد جهرةً (٧) … وأمّن جَهراً إنْ ذكرت وظيفتي وسورة إخلاص ثلاثاً وبعدها الـ … مُعَوّذتين مرّة تثبّت وبَسْمِلْ لكلٍّ مطلقاَ في محلّه … وعند اختتام الناس فافصِل بسكْتةِ وسَلْ ربَّكَ الغفرانَ تُب صلّ سلّمن … على المصطفى الماحي ثلاثاً بقوّة وربَّك فاستغفِرْ عشراً وبعدها … ثلاثاً لذا التقييد منك بعدّة ومثلهما سبّحْهُ واحْمدْ وهلِّلَنْ … وكبّر وحَوْقِل ثم صلِّ سوى اللتي

стр. 631

تُسمَّى دعاء الكرْب فاستوفِ ذِكرها … ثلاثاً وقابلْ بالقبول نصيحتي وصلِّ على الأملاك والأنبياء والـ … مطيع ثلاثاً وادعَوَنْ للصحابة كذاك وهلِّل (١) بعد عشرٍ ثمانياً … وذلك حدّ للأقلّ المؤقّت وهلّل واقرْر بالرسالة مرّة … لأفضل مرسول (٢) إلى خير أمّةِ وحيّ بدعاءٍ بعد ذلك مرة … ودوما عشراً وجيء بالشهادة ثلاثاً وقد تمّ الذي رُمتُ نظْمه … بحمد إلهي ضابطاً للوظيفة وصلِّ (٣) إله العرش بدءاً (٤) وعودة … على المصطفى والآل ثم الصحابة وقد ذكرت هذه القصيدة بالرسالة التي جمعتها للأعلام بهذه الوظيفة، وذكرت القصيدة المعروفة بمرادي الماضي سياقها التي أشار الشيخ إليها في هذه القصيدة أن يقال بعد ذكر الوظيفة، وذكرت العُشْر الذي يقرأ وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] وذكرت أنه هو الأولى مع جواز قراءة غيره. وللشيخ، ﵀، أيضاً قصيدة مطوّلة أنشدنيها ابن (٥) القصّار بحقّ إنشاد الشيخ إيّاها له لنفسه، وهي من أبدع القصائد وأنفعها، سمّاها الشيخ "النُصْح التامٍ للخاصّ والعام"، وهي كما قال، ولْنذكُر بعضَ أبياتٍ منها هاهنا، تكون نموذجًا على الباقي فيها، وهذا من أوائلها: إن شئتَ عيشاً هنيّاً واتباع هدى … فاسمَعْ هُدِيتَ وكُن باللَّه معتضدا (شرور نفسِك باعِدْها تَجِدْ رشدا) (٦) … فمن يُطِع ربّه والمصطفى رشدا (دنياك دار غرور حُبُّها سَفَهُ) (٧) … رأس الخطايا فمن يُغرم (٨) بها بعُدا (والغَيظ مِسْعر شرّ ما) (٩) استطعتَ فلا … تغْضَبْ بذاك حكيمُ الرسل قد عهدا

стр. 632

(سلامة المصدر من خير الخلال) (١) فمن … أتى بقلبٍ سليم ربّه سَعِدا (والحِقد طبْغ ذميم عدّ عنه وعُذْ (٢) … باللَّه ربّ العُلى من شرّ مَن حقدا ( … وهي قصيدة طويلة) (٣) فلولا الخوف من الإطالة لذكرتها وهي مُثبتة عندي برمّتها. (ومن نظمه ما أنشدنيه ابن القصار) (٤) ما أنشده الشيخ أيضًا لنفسه وسمعه منه، هذه القصيدة: (ما حال من فارق ذاك) (٥) الجمال … وذاق طعْم الهجر بعد الوصال (والعقلُ منه ذاهبٌ) (٦) والحشا … ملتهبٌ، والجسمُ يحكي الخيال (أمسيت أرقب) (٧) الشُهبَ في أُفقها … وليل أهل الحب رحبٌ طوال (والدمع كالمدرار من مُقلتي (٨) … تجري على الوجنة يا للرجال (وليس لي عَيشٌ) (٩)، ولا راحةٌ … والحال يُغْني ذا الحِجا عن سؤال (يا قبَّح اللُّهُ (. .) (١٠) إنه (١١) … قتْلٌ بلا سيف وداء عُضال (ويا رعى الله زماناً) (١٢) مضى … بالأنس في وارف تلك الظلال (ظلال تَيْماي التي تَيَّمَت (١٣) … عقلي (١٤) وخلّت مهجتي في نكال (آهٍ لها مَن لي بأنسي) (١٥) بها … جَوفَ الدُجَى ما بين تلك الجبال

стр. 633

(ألزَمُها أبُثُّ سرّي لها) (١) … أنعّم الطّرْفَ بذاك الجمال (الله ما أحسن خالاً لها) (٢) … تقبيله المحرّم عين الجلال وما ألَذّ العيش في قربها … فجُدْ به يا ذا العطا والنوال فيا سادتي (يا صفوتي يا ذوي) (٣) … بزي وشكري يا كرام الفعال كان سروري مستجدّاً (٤) وافراً … وبدرُ سعدي يشرق في كمال (٥) فانخسف البدر ولاح الهنا … ما كان ذا يخطر منّي ببال (يا جيرة الحيّ وأهلِ الحِمَى) (٦) … أنتم من قلبي على كل حال (وليس لي صبر ولا سلوة) (٧) … عنكم، ولو شط المدى واستطال فارعَوْا زمامي (٨) واجهدوا في الدعا … للمدنَف المُضنَى عسى ذو الجلال أن يجمع الشمْل بكم عاجلاً … بذاكُمُ المغَنى العديمِ المِثال وهذا ما حضرني الآن من نظمه، وله غير ذلك من نظْم حسن وأكثره في طريقة القوم. ولم يزل في واهران بزاويته معظَّماً موقَّراً، نافعاً للناس من سائر الأجناس في دينهم ودُنياهم، متنزّهاً عن الدنيا، معرضاً عنها وهي تقبل عليه، ويصرفها في وجوه البِرّ والخير، ونفْع الخلق، ووضع الأشياء في محلّها، مع ظهور الكرامات، وإقبال الخلق عليه، وتوجّههم إليه، ومحبَّتهم له. ولعلّي لم أسمع في المغاربة من بني جنسه في القريب من عصرنا هذا بمثله، ولا من يُدانيه في عصره ولا القريب منه. وكنت قد علّقت الكثير من أخباره وأحواله. ولما أخذت في التَّثبُّت بما لم يثبت لي من الحال ضيّعتُ جميع أوراقي، بل وغسّلتُ الكثير منها فضاع من جملتها ما كان متعلّقاً بالشيخ، وهذا الذي ذكرته لفّقْته بعد ذلك بنحو العشرين سنة بفكري الفاتر وعزمي القاصر، وأنا أرجو من الله تعالى أن ينفعني بصاحب هذه الترجمة، وأن يرضى عنه ويرحمه بمنّه وكرمه.

стр. 634

١٨٣ - (أبرك بن محمد (١) شاه الظاهري، الخاصكي. كان من مماليك الظاهري جقمق وصيِّر خاصكياً في دولة الظاهر خُشقدم، وأُقطع إقطاعاً جيداً، وخرج لقبرس في جملة من خرج في هذه السنة، وبها توفي شهيداً من جرح أصابه وكان (. .) (٢) به. وكان إنساناً حسناً، متفقّهاً، خيّراً، ديّناً، عارفاً بأنواع الأنداب والآداب والتعاليم، وعنده شجاعة وإقدام. وله تُؤَدة وحُسن سَمْت (. .) (٣) وحُسن سيرة وثروة. واسمه إن كان عربياً فهو أفعل من البَرْك. وإن كان جركسياً فمعناه: المهاجر أو هاجر (. .) (٤) هذا. ١٨٤ - أُزْبَك المحمودي (٥) الأشرفي، المعروف بقَراسقل. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي وخاصكيّته (في أيامه) (٦) ولم ينكب بعده (مع صحبة) (٧) كانت بينه وبين الظاهر جقمق في حال إمرته، ولعدم مداخلته لأحد من خُشداشيه. وزاد الظاهر في مرتبته وإقطاعه، ودام إلى سلطنة الأشرف إينال فصيّره من الخمسات لضيق الأقاطيع، فدام على ذلك حتى تسلطن الظاهر خُشقدم، فعيّنه لتجريدة قبرس، فتهيّأ للخروج، بل وخرج إلى ساحل بولاق، وركب بمركب ليتوجّه فيه إلى ثغر دمياط، وما بقي إلّا انحداره، فاعتراه شيء في المركب شبه القولنج، فما مضى عليه اليسير من الوقت إلّا وقد توفي بذلك في أوائل رجب منها. وكان حسن السمت والشكالة، لا بأس به (٨). ١٨٥ - تَنَم من بخشايش (٩) الظاهري.

стр. 635

محتسب القاهرة، وأحد الطبلخاناة، المعروف برصاص. كان من مماليك الظاهر جقمق، وممّن صُيِّر خاصكيّاً في أيامه. وكان أنْياً لجانِبك نائب جُدّة ومختصّاً به، وسافر معه إلى بندر جُدّة غير ما مرة. ولما جرت كائنة تمراز نائب جدّة المعروف بالمصارع وهربه من جُدّة بمالها على ما أسلفنا ذلك في محلّه. ثم مات تمراز بالحُدَيّدة بعث جانبك تَنَم هذا فأحضر جميع ما ترك تمراز من المال من غير أن ينقص منه شيء (١)، وشُهر من حينئذٍ، ثم ترقّى بعد موت أستاذه في دولة الأشرف إينال بعناية جانِبك أيضًا حتى وُلّي حسبة القاهرة على خاصكية بغير إمرة، مع أنه بذل فيها المال، وغير ذلك من النوادر. ثم لم يزل على ذلك إلى سلطنة الظاهر خُشقدم، فأُمّره عشرة بعناية جانبك، وصار له به مزيد الاختصاص -أعني بجانبك-، وصار أحد أعوانه في كل ما يفعله، وزاد اختصاصه به، وعيّنه الظاهر خُشقَدم في عدّة مهمّات، من ذلك القبض على جانَم نائب الشام، وما قدر على ذلك. ثم أمّره طبلخاناه بسفارة جانِبَك، وزادت شهرته، ولم يكن بالمحمود في حسبته (في بعض الأحوال، على أنه باشرها مباشرة جيدة) (٢)، واستغاث العامّة منه للظاهر خُشقدم غير ما مرة، وأُرجف بصرفه، ثم لم يمكّنه جانبك من ذلك، ولم يزل على ما هو عليه حتى قُتل مع جانبك على العبارة الماضي شرحها. وكان شاباً حسناً في شكله وهيئته، متجمّلاً، حسن الهيئة والملتقى، ذا أدب وحشمة وتؤدة، ومعرفة بأنواع الفروسية وغيرها، وذا رأي وتدبير وكرم نفْس، فصيحاً باللسان العربي، ذكيّاً، يقِظاً. وقد عرفت غالب تنقّلاته وأحواله فيما تقدّم من المتجدّدات الماضية في السنين الخالية. وله من الآثار: الجامع بالقرب من داره بالسبع سقايات، وتربة لطيفة بالقرافة بالقرب من مشهد الليث بن سعد (٣) ﵁، وغير ذلك. توفي قتيلاً مع جانِبك في يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجّة أو مستهَلّها كما تقدّم. وله من السنّ زيادة على الثلاثين سنة.
следующие страницы →