← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

تُسمَّى دعاء الكرْب فاستوفِ ذِكرها … ثلاثاً وقابلْ بالقبول نصيحتي وصلِّ على الأملاك والأنبياء والـ … مطيع ثلاثاً وادعَوَنْ للصحابة كذاك وهلِّل (١) بعد عشرٍ ثمانياً … وذلك حدّ للأقلّ المؤقّت وهلّل واقرْر بالرسالة مرّة … لأفضل مرسول (٢) إلى خير أمّةِ وحيّ بدعاءٍ بعد ذلك مرة … ودوما عشراً وجيء بالشهادة ثلاثاً وقد تمّ الذي رُمتُ نظْمه … بحمد إلهي ضابطاً للوظيفة وصلِّ (٣) إله العرش بدءاً (٤) وعودة … على المصطفى والآل ثم الصحابة وقد ذكرت هذه القصيدة بالرسالة التي جمعتها للأعلام بهذه الوظيفة، وذكرت القصيدة المعروفة بمرادي الماضي سياقها التي أشار الشيخ إليها في هذه القصيدة أن يقال بعد ذكر الوظيفة، وذكرت العُشْر الذي يقرأ وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] وذكرت أنه هو الأولى مع جواز قراءة غيره. وللشيخ، ﵀، أيضاً قصيدة مطوّلة أنشدنيها ابن (٥) القصّار بحقّ إنشاد الشيخ إيّاها له لنفسه، وهي من أبدع القصائد وأنفعها، سمّاها الشيخ "النُصْح التامٍ للخاصّ والعام"، وهي كما قال، ولْنذكُر بعضَ أبياتٍ منها هاهنا، تكون نموذجًا على الباقي فيها، وهذا من أوائلها: إن شئتَ عيشاً هنيّاً واتباع هدى … فاسمَعْ هُدِيتَ وكُن باللَّه معتضدا (شرور نفسِك باعِدْها تَجِدْ رشدا) (٦) … فمن يُطِع ربّه والمصطفى رشدا (دنياك دار غرور حُبُّها سَفَهُ) (٧) … رأس الخطايا فمن يُغرم (٨) بها بعُدا (والغَيظ مِسْعر شرّ ما) (٩) استطعتَ فلا … تغْضَبْ بذاك حكيمُ الرسل قد عهدا

стр. 632

(سلامة المصدر من خير الخلال) (١) فمن … أتى بقلبٍ سليم ربّه سَعِدا (والحِقد طبْغ ذميم عدّ عنه وعُذْ (٢) … باللَّه ربّ العُلى من شرّ مَن حقدا ( … وهي قصيدة طويلة) (٣) فلولا الخوف من الإطالة لذكرتها وهي مُثبتة عندي برمّتها. (ومن نظمه ما أنشدنيه ابن القصار) (٤) ما أنشده الشيخ أيضًا لنفسه وسمعه منه، هذه القصيدة: (ما حال من فارق ذاك) (٥) الجمال … وذاق طعْم الهجر بعد الوصال (والعقلُ منه ذاهبٌ) (٦) والحشا … ملتهبٌ، والجسمُ يحكي الخيال (أمسيت أرقب) (٧) الشُهبَ في أُفقها … وليل أهل الحب رحبٌ طوال (والدمع كالمدرار من مُقلتي (٨) … تجري على الوجنة يا للرجال (وليس لي عَيشٌ) (٩)، ولا راحةٌ … والحال يُغْني ذا الحِجا عن سؤال (يا قبَّح اللُّهُ (. .) (١٠) إنه (١١) … قتْلٌ بلا سيف وداء عُضال (ويا رعى الله زماناً) (١٢) مضى … بالأنس في وارف تلك الظلال (ظلال تَيْماي التي تَيَّمَت (١٣) … عقلي (١٤) وخلّت مهجتي في نكال (آهٍ لها مَن لي بأنسي) (١٥) بها … جَوفَ الدُجَى ما بين تلك الجبال

стр. 633

(ألزَمُها أبُثُّ سرّي لها) (١) … أنعّم الطّرْفَ بذاك الجمال (الله ما أحسن خالاً لها) (٢) … تقبيله المحرّم عين الجلال وما ألَذّ العيش في قربها … فجُدْ به يا ذا العطا والنوال فيا سادتي (يا صفوتي يا ذوي) (٣) … بزي وشكري يا كرام الفعال كان سروري مستجدّاً (٤) وافراً … وبدرُ سعدي يشرق في كمال (٥) فانخسف البدر ولاح الهنا … ما كان ذا يخطر منّي ببال (يا جيرة الحيّ وأهلِ الحِمَى) (٦) … أنتم من قلبي على كل حال (وليس لي صبر ولا سلوة) (٧) … عنكم، ولو شط المدى واستطال فارعَوْا زمامي (٨) واجهدوا في الدعا … للمدنَف المُضنَى عسى ذو الجلال أن يجمع الشمْل بكم عاجلاً … بذاكُمُ المغَنى العديمِ المِثال وهذا ما حضرني الآن من نظمه، وله غير ذلك من نظْم حسن وأكثره في طريقة القوم. ولم يزل في واهران بزاويته معظَّماً موقَّراً، نافعاً للناس من سائر الأجناس في دينهم ودُنياهم، متنزّهاً عن الدنيا، معرضاً عنها وهي تقبل عليه، ويصرفها في وجوه البِرّ والخير، ونفْع الخلق، ووضع الأشياء في محلّها، مع ظهور الكرامات، وإقبال الخلق عليه، وتوجّههم إليه، ومحبَّتهم له. ولعلّي لم أسمع في المغاربة من بني جنسه في القريب من عصرنا هذا بمثله، ولا من يُدانيه في عصره ولا القريب منه. وكنت قد علّقت الكثير من أخباره وأحواله. ولما أخذت في التَّثبُّت بما لم يثبت لي من الحال ضيّعتُ جميع أوراقي، بل وغسّلتُ الكثير منها فضاع من جملتها ما كان متعلّقاً بالشيخ، وهذا الذي ذكرته لفّقْته بعد ذلك بنحو العشرين سنة بفكري الفاتر وعزمي القاصر، وأنا أرجو من الله تعالى أن ينفعني بصاحب هذه الترجمة، وأن يرضى عنه ويرحمه بمنّه وكرمه.

стр. 634

١٨٣ - (أبرك بن محمد (١) شاه الظاهري، الخاصكي. كان من مماليك الظاهري جقمق وصيِّر خاصكياً في دولة الظاهر خُشقدم، وأُقطع إقطاعاً جيداً، وخرج لقبرس في جملة من خرج في هذه السنة، وبها توفي شهيداً من جرح أصابه وكان (. .) (٢) به. وكان إنساناً حسناً، متفقّهاً، خيّراً، ديّناً، عارفاً بأنواع الأنداب والآداب والتعاليم، وعنده شجاعة وإقدام. وله تُؤَدة وحُسن سَمْت (. .) (٣) وحُسن سيرة وثروة. واسمه إن كان عربياً فهو أفعل من البَرْك. وإن كان جركسياً فمعناه: المهاجر أو هاجر (. .) (٤) هذا. ١٨٤ - أُزْبَك المحمودي (٥) الأشرفي، المعروف بقَراسقل. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي وخاصكيّته (في أيامه) (٦) ولم ينكب بعده (مع صحبة) (٧) كانت بينه وبين الظاهر جقمق في حال إمرته، ولعدم مداخلته لأحد من خُشداشيه. وزاد الظاهر في مرتبته وإقطاعه، ودام إلى سلطنة الأشرف إينال فصيّره من الخمسات لضيق الأقاطيع، فدام على ذلك حتى تسلطن الظاهر خُشقدم، فعيّنه لتجريدة قبرس، فتهيّأ للخروج، بل وخرج إلى ساحل بولاق، وركب بمركب ليتوجّه فيه إلى ثغر دمياط، وما بقي إلّا انحداره، فاعتراه شيء في المركب شبه القولنج، فما مضى عليه اليسير من الوقت إلّا وقد توفي بذلك في أوائل رجب منها. وكان حسن السمت والشكالة، لا بأس به (٨). ١٨٥ - تَنَم من بخشايش (٩) الظاهري.

стр. 635

محتسب القاهرة، وأحد الطبلخاناة، المعروف برصاص. كان من مماليك الظاهر جقمق، وممّن صُيِّر خاصكيّاً في أيامه. وكان أنْياً لجانِبك نائب جُدّة ومختصّاً به، وسافر معه إلى بندر جُدّة غير ما مرة. ولما جرت كائنة تمراز نائب جدّة المعروف بالمصارع وهربه من جُدّة بمالها على ما أسلفنا ذلك في محلّه. ثم مات تمراز بالحُدَيّدة بعث جانبك تَنَم هذا فأحضر جميع ما ترك تمراز من المال من غير أن ينقص منه شيء (١)، وشُهر من حينئذٍ، ثم ترقّى بعد موت أستاذه في دولة الأشرف إينال بعناية جانِبك أيضًا حتى وُلّي حسبة القاهرة على خاصكية بغير إمرة، مع أنه بذل فيها المال، وغير ذلك من النوادر. ثم لم يزل على ذلك إلى سلطنة الظاهر خُشقدم، فأُمّره عشرة بعناية جانبك، وصار له به مزيد الاختصاص -أعني بجانبك-، وصار أحد أعوانه في كل ما يفعله، وزاد اختصاصه به، وعيّنه الظاهر خُشقَدم في عدّة مهمّات، من ذلك القبض على جانَم نائب الشام، وما قدر على ذلك. ثم أمّره طبلخاناه بسفارة جانِبَك، وزادت شهرته، ولم يكن بالمحمود في حسبته (في بعض الأحوال، على أنه باشرها مباشرة جيدة) (٢)، واستغاث العامّة منه للظاهر خُشقدم غير ما مرة، وأُرجف بصرفه، ثم لم يمكّنه جانبك من ذلك، ولم يزل على ما هو عليه حتى قُتل مع جانبك على العبارة الماضي شرحها. وكان شاباً حسناً في شكله وهيئته، متجمّلاً، حسن الهيئة والملتقى، ذا أدب وحشمة وتؤدة، ومعرفة بأنواع الفروسية وغيرها، وذا رأي وتدبير وكرم نفْس، فصيحاً باللسان العربي، ذكيّاً، يقِظاً. وقد عرفت غالب تنقّلاته وأحواله فيما تقدّم من المتجدّدات الماضية في السنين الخالية. وله من الآثار: الجامع بالقرب من داره بالسبع سقايات، وتربة لطيفة بالقرافة بالقرب من مشهد الليث بن سعد (٣) ﵁، وغير ذلك. توفي قتيلاً مع جانِبك في يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجّة أو مستهَلّها كما تقدّم. وله من السنّ زيادة على الثلاثين سنة.

стр. 636

وأُخرج هو وجانبك معاً، ودُفنا. وعُدّ ذلك من نوادرهما كونهما ترافقا حتى في القتل والتجهيز. ١٨٦ - / ٦٥ ب/ جانِبَك الظاهري (١)، المعروف بنائب جُدّة. الدوادار الكبير. كان في الأصل من مماليك الخَوَنْد شقراء أو زوجها الأتابك جرِباش بعد أن تنقّل قبل ذلك في عدّة أملاك. وتنقّلت به الأحوال حتى ملكه الظاهر جقمق ورقّاه في أيامه إلى الخاصكية، ثم ولّاه شادّية جدّة فباشرها عدّة سنين وهي سبب سعادته وثروته وذِكره وشُهرته، لا سيما ببلاد الحجاز فإنه شُهر بها جداً وعظُم أمره، وعرف الناس وعرفوه، حتى ملوك الأطراف مما يلي الحجاز وكافأوه (٢) وهادوه من الهند، واليمن، والحبشة. وغير ذلك. وتردّد إليه قُصّاد ملوك تلك البلاد، ونال من الخدمة والوجاهة بجدّة ما لم ينله قبله ولا بعده إلى يومنا هذا غيره، وصار حاكم الحجاز في وقته لا سيما بعد كائنة تمراز المصارع، فإنه كان صُرف عن جُدّة بتحسين البجاسي ذلك للظاهر. ووُلّي تمراز، فلما جرى منه ما جرى ندم الظاهر على صرفه وأعاده مسؤولاً في ذلك، فزادت شُهرته وعظمته وقام بأعباء كثيرة من الأمور بتلك البلاد، بل وقام بولاية صاحب مملكة (٣) محمد بن بركات الموجود بها الآن، وكان إليه المرجع هناك، ولم يزل على ذلك حتى مات أستاذه الظاهر، وولي ولده المنصور فولّاه الأستادّارية عوضاً عن زين الدين على ما أسلفنا ذلك في محلّه واضحاً بيّنًا بسببه في أول سلطنة المنصور عثمان في سنة سبع وخمسين، وباشر الأستادّارية مباشرة أرضت المنصور وقام قومة كبيرة في تحصيل النفقة السلطانية على الجُنْد حتى سدّ ذلك. ثم لما جرت فتنة المنصور و [أراد] جانبك زواله انحاز إلى جهة الأتابك إينال بحيلته ورأيه إليه جماعة من خُشداشيه فلم يُنكب بعد خلع المنصور بل قرّبه الأشرف إينال وأخذ هو في السعي إلى جمع كثير من مقدَّمين الألوف، وباشر جُدّة وهو على التقدمة فزادت وجاهته وبقي حاله على ذلك حتى مات الأشرف إينال بعد

стр. 637

أن صُرف عن جُدّة، ثم أعيد إليها أيضاً. ولما مات إينال وتسلطن ولده قام جانبك هذا عليه أشدّ القيام على ما عرفت ذلك (. .) (١) في حين ذكرنا ذلك فيما أسلفناه، وتحيّل تحيّلاً (٢)، وفعل أفعالًا يعجز عنها الكثير من أرباب العقول وأهل الحِيَل والتدابير، وقام بسلطنة الأتابك خُشقدم، وقاتل بين يديه، ولا نال قائماً بها حتى وليها خُشقَدم هذا بضروب من حِيَل وتدابير وقعت من جانبك هذا، وأنت على معرفة من ذلك، لما بيّنّاه في محلّه. ويعرف المتأمّل فيها ما كان عليه جانبك هذا من المكر والخداع والحِيَل، ومعرفة الأمور وتدابيرها، وما كان عليه من وفور العقل وجودة الرأي. حتى استعان بأعدائه الأشرفية البَرْسْبائية على مقصده، واستمالهم معه في قيامه بدولة خُشقدم بضروبٍ من تلك الحِيَل التي عرفتها، مع إظهاره النجوم لهم، وأنه معهم حتى بلغ مقصده، ثم كرّ برأيه على زوالهم، وأخذ جانَم نائب الشام، ولم يزل حتى انفرد بطائفته بعد أن خادع واحتال بحِيَل يعجز عنها (. .) (٣) ولو عددناها لطال المجال واتّسع المقال، فإنّما قدّمناه بعض (٤) من كلّ منها، لكنْ من له خبرة ببعض أحوالهم يدري ما أقوله. ووُلّي الدوادارية الكبرى في أول سلطنة الظاهر خُشقدم عوضاً عن يونس الأقبائي بحكم وفاته، فزادت صحابته، وتوفّرت حُرمته، ونَفَذَت كلمته، وطار صيته في آفاق الممالك القاصية والدانية، وصار مدبّراً للمملكة الظاهر خُشقدم وبيده حلّها وعقدها، وإليه المرجع فيها، وخُشقدم معه كالآلة، وهو المتصرّف بما شاء كيف شاء، وهابته الناس وخدموه، وتردّد الأكابر والأعيان إلى بابه، ووقفت الخاصكية في خدمته (٥) وبين يديه، بل والأمراء، وكان من جملة من كان في خدمته وواقفاً بين يديه يشبُك من مهدي، ومنه اكتسب، وعلى منواله نَسَج حين صارت إليه الدوادارية فيما بعد على ما سيأتي ذلك في محالّه. وفي ترجمته في سنة خمس وثمانين إن شاء الله تعالى. ولم يزل جانبك هذا على ما هو عليه، وهو تولّى في الحقيقة لنفسه حتى نقل على الظاهر خشقدم لمزاحمته له في آرائه وأحكامه، بل ومعارضته له في كثير من ذلك، لكنْ بلباقة ولياقة مع اطلاع خشقدم على ذلك ومعرفته بأنه مثل المجبول عليه، بل ربّما صرّح به لبعض خواصّه على ما عُرف ذلك بعد قتل نائب جُدّة، ولما عمل جانبك هذا تلك الوليمة على ما تقدّم ذِكره، وأشيع عنه ما قدّمناه بادر الظاهر خشقدم هذا بترتيب الحيلة في قتله حتى

стр. 638

تمّت، وقُتل على الكيفية (١) التي تقدّمت في غلس صبيحة يوم الثلاثاء مستَهَلّ ذي الحجة على ما عرفت ذلك فلا نعيده. وكان سِنّه يوم قتْله نيّفاً وخمسين (٢) سنة. وكان قصير القامة، أشقر (٣)، ذا همّة عالية، وحزم وعزم وشجاعة وإقدام، وعقل تامّ، ومعرفة ويقظة وحذْق وفطنة، وتدبير وسياسة. ومن سياسته وتدبيره بقاؤه (٤) على جهته وعدم نكبته بعد موت أستاذه، بل وترقّيه في مظنّة تديّنه، مع وجاهته في طائفته. ومن سياسته قيامه تجاه خشداشيه حين مظنّة زوالهم أيضاً لوجود أعدائهم الكثير عددهم بعد أن آلت دولتهم إلى الزوال فأعادها بتدبيره وحيلته ودهائه ومعرفته، وقيامه في أسباب ذلك بكل ما تصل إليه قدرته. ففي الحقيقة إن كل من وُجد الآن منهم فوجوده في ظلّ تدبير جانِبك هذا، مع مساعدة المقادير. وكان محبّاً في الظهور والاستعلاء والرياسة، متناهياً في ذلك، له الاقتحام التام على ذلك. وكان ذا كرم نفْسٍ إلى الغاية، يعطي العطايا الوافرة كعطاء من لا يختشي الفقر لسائر أصناف الناس، على تباين الأنواع والأجناس، وكانت أقلّ عطاياه العشرة دنانير لآحاد الفقراء ولمن قصده بغير مناسبة، ووهب الآلاف، بل والدُّور. وأمّا الخيول والأقمشة والأمتعة والأسلحة، فكان يهب منها الشيء الكثير. وكان كثير التجمّل في شؤونه (٥) وأحواله ومساكنه وملابسه، ومأكله وخَدَمه وحشمه، واقتنى من نفائس الأشياء كثيراً وبناء الأملاك الهائلة، والعمائر الطائلة. وله عدّة اَثار دالة على علوّ همّته. منها داره المعظّمة، وما بجانبها من البستان الذي أوله بداره بالسبع سقايات. وآخره بشاطئ النيل من المُنْشأة. ومنها تربته المتقدّم ذِكرها بالقرافة، وهذا ما حضَرَنا من محاسنه، وأشياء غير ذلك. فكان كثير المكر والغدر والحِيَل والخداع، مع حدّة في مزاجه وبعض طيش في بعض الأحيان، وعَسَف وعُنْف، وظُلم وجور، وجمْع الأموال من غير وجهها. ويُحكى عنه أمور ارتكبها، وهو بحدّة غريبة عجيبة في الجرأة والإقدام والجسارة، وتناول ما لا يحلّ له، مع بعض طمع ممن لا يطمع، وفيما ظنّك بغيره. ولو عدّدنا ذلك أو بعضاً منه لطال المجال واتسع المقال. وكان متكبرًا

стр. 639

متجبراً، كثير التعاظم والشمم. له خبرة بإثارة الفِتَن وحِيَل في ذلك. وبالجملة فكان من العجائب، زواله كان أغرب وأعجب. ومن يوم قتْله استقلّ الظاهر خُشقدم بتدبير المملكة والأمور، واستبدّ بالمُلك في الحقيقة. وما ذكرناه من ترجمة جانِبك هاهنا فهو على جهة الاختصار والاقتصار. ١٨٧ - جانِبَك القوامي (١)، المؤيَّدي. أحد العشرات. كان من مماليك المؤيَّد شيخ، وتنقّلت به الأحوال بعده حتى صُيّر من الخاصكية، ثم صيّره الظاهر من أمراء دمشق ودام بها مدّة، ورأيته أنا في تلك الأيام بدمشق، وكان مجاوراً للوالد. ثم لما تسلطن الظاهر خُشقدم خُشداشه استقدمه إلى القاهرة، وصيّره من العشرات. وكان يأنس به وإليه، وصار له شهرة في دولته وذِكر، ودام كذلك إلى أن بَغَتَه الأجل. وكان إنسانأ حسناً، خيّراً، ديّناً، كثير التواضع والسكون. توفي في يوم الجمعة ثماني عشرين جمادى الأولى. وجُهّز وأُحضرت جنازته إلى سبيل المؤمني، ونزل السلطان فحضر الصلاة عليه. وكان سنّه يوم مات زيادة على السبعين سنة فيما أظنّ. ١٨٨ - جانَم من عيني (٢) الأشرفي. نائب الشام، كان من مماليك الأشرف برسباي وأقاربه، فيقال إنه كان ابن (٣) عمّه، ويقال: بل كان أخاً له من أمّه، وبالجملة فكان من أقاربه، وأحضر إليه من بلاد الجركس لا كما يُحضر بالمماليك، فيقع عليه البيع والشراء، بل أحضر إليه بحشمة وتنويه، وصيّره الأشرف من الخاصكية، ثم لا زال يرقّيه إلى أنْ ولّاه الأميراخورية الكبرى بعد تغري بَرْمش لما بعثه إلى نيابة حلب، وعظُم جانَم هذا في دولة الأشرف، روجّه وصار له (. .) (٤)، ثم عيّنه الأشرف في آخر دولته

стр. 640

مع من خرج لأَرْزَنْجان، وعاد إلى القاهرة ( … ... ) (١) تسلطن الظاهر جقمق بعد قبضه عليه في حين تدبيره للمملكة وسجنه وامتحنه. ثم نقله من سجن الإسكندرية إلى سجن قلعة الصُبَيْبة، ودام بها مدّة سنين، حتى أضرّ السجن بعينه، ولهذا كان يكحّلها، حتى قيل له: "المكحّل"، بل ربّما عُرف بذلك في تلك البلاد. وقاسى أنواعًا من الذُلّ والهوان، ثم أمر الظاهر بإطلاقه وإخراجه إلى مكة، ثم استقدمه إلى البيت المقدس، ثم قبض عليه وأعاده إلى السجن ثانيًا، ودام إلى سلطنة الأشرف إينال فأطلقه، واستقدمه إلى القاهرة، وصيّره حين القرب من قدومه من جملة مقدّمين (٢) الألوف بها على تقدمة قَراجا، وقد أخرجها عنه لا لذنبٍ صدر منه. ثم نقله من هذه التقدمة إلى نيابة حلب، عِوَضًا عن قانِباي الحمزاوي، لما نُقل إلى نيابة الشام عِوَضًا عن جُلبان بحكم موته، وخرج جانَم هذا إلى حلب على كرهٍ منه، وباشرها مباشرةً بحُرمةٍ وافرة، وعظَمة زائدة، وقمع بها أهل الشرّ والفساد، لا سيما الزُعْر بها، فظّع فيهم حتى خافوا من سطوته ومهابته وحُرمته، ثم نُقل من نيابة حلب إلى نيابة الشام بعد موت قانباي الحمزاوي، على ما عرفته في محلّه في متجدّدات سنة اثنتين (٣) وستين، ورافقه الوالد بها في تلك الأيام على إمرة طبلخاناةٍ بها طرخانًا، وكان يُجلّه ويعظّمه ويتجمّل معه، على أنه كان يُغضي منه بخلاف سائر الأشرفية. وكان السبب في ذلك أنه كان خَطَب المصونة أصيل أخت الخَوَنْد جُلبان أمّ العزيز، فلم يُجَب إلى ذلك، وزُوّجت للوالد عقيب ذلك. ودام جانَم هذا على نيابة دمشق إلى أن تسلطن المؤيَّد أحمد بن إينال بعد والده، ووقع الكلام بالقاهرة بين الأشرف وغيرهم في إثارة فتنة، وجرى ما جرى ما عرفتَه قريبًا من الاتفاق على سلطنة جانَم هذا و ( … ) (٤) إليه بالحضور، وحضر ولده ليرى حال العسكري في رضاهم عن أبيه، وأحسّ المؤيَّد بذلك، وكتب الملطّفات إلى حاجب دمشق ونائب قلعتها وغيرهما من أمرائها، بأنهم إن قدروا على جانَم فليقبضوا عليه، ولو كان في ذلك موته، وأحسّ هو أيضًا بذلك، فتحرّك لمجيئه إلى القاهرة، لا سيما وقد كاتبه العسكر بذلك، وبينا هو في أثناء ذلك إذ فطن به بدمشق، فرمى عليه من قلعتها بالمدفع لدار السعادة، وكان آخذًا حذره، فخرج منها على حميّة، وقصد العامّة دار السعادة فنهبوها، وأطلقوا فيها النار، وهُتك حريمه، وجرى عليه من ذلك ما لا خير فيه، ولولا تيقّظه لأُخِذ أو قُتل،

стр. 641

وكانت كائنة من أفظع (١) الكوائن بدمشق، ولا زال على فوره فارًا من دمشق قاصدًا القاهرة، ومعه تمراز الماضي خبره، وأخذ بذله صورة (٢) في بعث من يمنع وصول خبره إلى القاهرة قبله، حتى يكون هو جرّ نفسه على ما أسلفنا ذلك، وكان في تدبيره تدميره، إذ لو لم يفعل ذلك لربّما كان خرج إليه الكثير من العساكر ولاقوه، وأدخلوه القاهرة سلطانًا، وقاتلوا به المؤيَّد فلم يقدّر ذلك، بل كان من سلطنة الظاهر خُشقدم ما تقدّم خبره، وحضر جانَم عقيب ذلك بأيام، ولو تدارك الأشرفية فارطهم وخرجوا إليه لأمكنهم أن يَقْلعوا خُشقدم من المُلك، لا سيما وهو في بداية الحال لكنْ لم يقدّر ذلك، وقد عرفتَ ما وقع من جانِبك نائب جُدّة من الحِيَل التي كان فيها ضدّ مقاصد الأشرفية، من غير شعورهم بها، وآل الأمر إلى عَود جانَم هذا على نيابة الشام، بعد أن أرضاه الظاهر خُشقدم بكل ما تصل قدرته إليه، على ما عرفت تفاصيل ذلك فيما تقدّم. ولما عاد إلى دمشق عاد بكل من عنده وتفرّس ماَل حاله، فلما دخلها أظهر الإغضاء عن أهلها وغاية العدل والإنصاف الذي ما عنه مزيد، واستمال قلوب الناس إليه بعد نفرتها عنه، ونَفَعَه ذلك فيما بعد حين هربه من دمشق لأنه لم يقم عليه أحد، وفاز بالنجاة، ودام بدمشق بعد دخوله إليها حتى جرى على الأشرفية بالقاهرة ما جرى، ثم عُزل جانَم هذا بتَنَم، وبعث الظاهر لجانَم بجماعة من الخاصكية عليهم تَنَم رصاص للقبض عليه، ولما أحسّ بذلك يوم دخول تَنَم إلى دمشق خرج منها على حميّة، ولحِق بديار بكر، وأنزله حسن عنده، ثم جمع جموعًا وجرّده لحلب فلم ينتج له أمر في تجريده ذلك، وعاد من تلّ باشر لأمورٍ وقعت له يطول ذِكرها قد أشرنا إليها فيما تقدّم. ولما عاد أقام في قلعة الرُها وفي عزمه العَود أيضًا إلى حلب وحصل على الظاهر خشقدم من ذلك غاية الباعث، ولا زال يتلطّف بحسن، ودسّ إليه بدسائس في حق جانَم وحسّن له القبض عليه، فما أفاده ذلك، ودام جانَم حتى اغتاله مملوك (٣) له بتدبير جانِبك التاجر نائب حلب على ما تقدّم وقتله غيلة في ليلة الثلاثاء تاسع عشرين ربيع الأول. وقيل: قاتله ومعه إنسان آخر كان متفقًا معه على ذلك. وكان سنّه يوم مات قريبًا من الثمانين أو بلغها فيما أظنّ. وكان إنسانًا قصير القامة، منوَّر الشيبة، حسن الشكالة، خيِّرًا،

стр. 642

ديّنًا، صادق اللهجة، محبًّا لأهل العلم والخير والصلاح، حشمًا أدوبًا وقورًا، حسن السمت والملتقى، عفيفًا، نزهًا، سخيًّا، كريمًا جدًّا، عارفًا بفنون الفروسية، شجاعًا، جريئًا، قويّ القلب مع حدّة مزاج وبعض طيش وخفّة. وكان وجيهًا في الدول، وعنده تهوّر زائد وسرعة حركة. وترك بعد موته عدّة أولاد تقدّم ذِكر بعضهم. وكان تزوّج بالخَوَنْد جان سوار ابنة كرتباي زوجة الظاهر جقمق الآتي والدها قريبًا، وهي موجودة إلى يومنا هذا بالقاهرة هي وولدها محمد أحد أمراء دمشق، شاب، حسن السمت والملتقى، لا بأس به، وابنتها خديجة (١) أخت محمد هذا، وهي زوجة الأمير تمراز الشمسي أمير سلاح زمننا هذا المشهور، الماضية ترجمته، وأمّها وأخوها مقيمان عندها بدار تمراز المذكور. ١٨٩ - سعد بن محمد (٢) بن عبد اللَّه بن سعد بن مصلح (٣) بن أبي بكر بن سعد العبْسي، المقدسي، الدَّيري، القاهري، الحنفي. شيخنا، الشيخ الإمام، والحَبْر الهُمام، شيخ مشايخ الإسلام، ملك العلماء الأعلام، وعالم الملوك، قاضي القضاة، وشيخ الشيوخ، سعد الدين ابن (٤) شيخ الإسلام شمس الدين قاضي القضاة أيضًا، المعروف بابن الدَيري، ووالده الشمس قاضي القضاة كان من أجلّ علماء الإسلام، وهو مشهور الترجمة. ولد ولده السعد هذا بالبيت المقدس في رجب سنة ثمان وستين وسبعمائة. وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم في حالة صغره وعدّة من المتون، كـ"الكنز"، وبعض "منظومة" و"جميع مختصر" سعد بن الحاجب الأصلي، و"المشارق"

стр. 643

للقاضي عياض، وغير ذلك. ثم أخذ في الاشتغال بفقر حاله الفقير جدًّا بذكاء مفرط وحذق تام، ودُربة ويقظة، وسُرعة فهم وحِفْظ، فلازم والده واعتنى به فجد بالعلم جدًا، وحبّبه فيه وإليه، فأخذ عنه الكثير وتفقّه به وبغيره. ومن مشايخه غير والده: الكمال الزالجي، والعلاء بن النقيب، والشهاب ابن (١) الحافظ العلائي، وغيره. وأجاز له جماعة منهم: الشمس القُونَوي، والحافظ البزاري، ولم يزل مشتغلًا محصّلًا، مجدًّا، مجتهدًا حتى فضل وشُهر وذُكر، وتميّز وبرع، وصار مُعيدًا في حالة صِغره. ونزل منتهيًا بالمدرسة المعظّمية بالبيت المقدس وله نحو الثلاث عشرة (٢) سنة. حكى عن نفسه في ذلك قال: كان الشيخ علاء الدين بن الرصاص الحنفي قد سافر من القدس، وغاب في سفره مدّة سنين، ووُلدت، ونشأت في حالة غيبته، ولما عاد كان لي نحو الثلاث عشرة سنة، وكنت بالمعظميّة من منتهى الطلبة بها، فرآني الشيخ -يعني ابن (٣) الرصاص المذكور- فقال للوالد: هذا ولدك الذي وُلد في غيبتي؟ فقال: نعم، وهو منتهى في المدرسة المعظّمية. فقال له: قد تغيّرتم بعدنا، صبيّ هذا سِنّه يكون منتهيًا بالمعظّمية. فقال له الوالد: إمتحِنْه. فإن كان أهلًا كان ذلك منك إجازة له، وإلّا جعلته في الطبقة التي تشير إليها. فقال الشيخ: غلامي الذي هذا غاية الإنصاف. ثم استعرضني من محفوظاتي "الكنز" و"الحاجبيّة" في النحو فسَرَدتُ عليه منهما ما شاء اللَّه أن أسرُد، فقال: واللَّهِ إنّ حفظه لجيّد، وقرأ (٤) قراءة من يفهم. قال: ثم قال لي: أتعرف تُعرِب شيئًا؟ فأجبت بنعم. فقال: لو، ما هي؟ فقلت: حرف امتناع لامتناع. فقال: ولولا؟

стр. 644

فقلت: حرف امتناع لوجوب. فقال: فجواب لو بماذا؟ فقلت: باللام إمّا ظاهرة أو مقدَّرة. قال: فما تقول في قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ - • لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٥، ٦]. فأردت أن أقول إن جوابها "لَتَرَوُنّ" ثم وُفّقت إلى معرفة أنه لو كان جوابها نفى قولي إن جواب لو باللام لما سألني عنها، فلم أسرع في الكلام وأفكرت (١) في ذلك. فاتفق أن أَقيمت الصلاة وأنا في أثناء تفكّري، وشرعنا في الصلاة، فألهمني الله تعالى أنّني إن تفكّرت في ذلك في أثناء صلاتي لا يفتح اللَّه عليّ بشيء، فأُلهمتْ الجواب. فلما قضينا الصلاة قال له الوالد: سلْه عن سبب نزولها. قال: وكنت أضبط عبارة الواحدي في "الوجيز"، فقلت: اختلف في سبب نزولها، فقيل: إنها نزلت في بطنين من قريش سهم وغيرهم، وقيل: في طائفتين من اليهود، تكاثروا وتعادوا الأحياء، فغلبت إحداهما الأخرى، ثم تعادوا الأموات، فأنزل اللَّه تعالى هذه السورة ذمًّا لهم وتقريعًا: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] أي شغلكم التكاثر حتى زرتم المقابر تعدّون الأموات. ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] عند النزع سوء عاقبة ما كنتم عليه. ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] تكرير للتأكيد. ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٥] طريق الحق لسلكتموها، وواللَّهِ ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦]. فقال الشيخ علاء الدين بصوته العالي: أشهد أنك إمام، أشهد أنك إمام. قال السعد، ﵀: هذا ما كان عندي إذ ذاك، وأمّا الآن فعندي في ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] جوابان آخران، أي كلّا سوف يعلمون عند الموت. أو كلّا سوف تعلمون عند الموت، ثم كلّا سوف تعلمون عند البعث، فيكون التكرار على هذا هاهنا للتأسيس لا للتأكيد (٢). وقد عرفتَ بهذا ما كان عليه صاحب الترجمة من الفضل والعلم، ولقد فاق على أبيه في حال حياته. وكان إمامًا بارعًا في الفقه والتفسير، غاية في السِيَر، وله فيه اليد الطولى،

стр. 645

وفي الوعظ. وكان صوفيًّا على طريقة أهل السُنّة والجماعة، إمامًا في ذلك، بل مسلِّكًا، وله كرامات ذُكرت عنه، وأفتى ودرّس في حالة صِغره، ثم قُصد للأخْذ عنه من أقاصي الدنيا، وقُصد للكتابة على الفتاوى، وازدحمت عليه الورّاد في ذلك، وبعُد صيته. وكان جيّد الكتابة على الفُتْيا مع غاية الوجازة والاختصار والاقتصار على المقصود من غير أن يتمحّل عوض المستفتي، بل يكتب الجواب بنظر دقيق وجودة تحقيق. ووُلّي عدّة من الوظائف السنيّة الدينية، كمشيخة المؤيديّة، وقضاء الحنفية، وولّي القضاء في سنة إحدى وأربعين كالمُكْرَه عليه، وكان لولايته إيّاه يومًا مشهودًا، وباشره بحُرمة وافرة، وشهامة وعَظَمة ومهابة. ثم تحدّث الظاهر جقمق في أن يكون هو رأس الميمنة، وأن يكون خطيب الخطباء وما إلى قضاة القضاة الشافعية إليه، فتلطّف بجقمق في ذلك وامتنع. وكان وجيهًا في الدول، معظَّمًا عند الملوك، قائمًا في الحقّ، وإليه انتهت رياسة الحنفية بمصر، بل بالدنيا، ودُعي بسلطان الفقهاء وملك العلماء، وقصده الأعيان من طلبة سائر المذاهب للأخذ عنه، وافتخروا به، وصنّف وألّف عدّة من التصانيف والتواليف الجيّدة المفيدة، فمن ذلك: "تكملة شرح الهداية" للسروجي في خمس مجلّدات، ولم يكمله أيضًا، كتب فيه من حيث قطع السروجي من الإيمان، وانتهى إلى السِيَر، فكتب على الإيمان مجلَّدين، وعلى الحدود مثلهما، ومن السِيَر مجلَّد. وله "المنظومة النُعمانية" وهي كبيرة جدًا، ولم يكملها. وله عدّة رسائل وغيرها. وله في الفقه اختيارات جيّدة، منها "القَصْر والجمع في السَفر" حيث المشقّة خاصّة. بل ذلك مع الدين المتين والصلاح، بل والولاية، والعفّة والأمانة، والتواضع، ولِين الجانب، وحُسن السمت والملتَقَى، والبشْر والبشاشة، وعُلُوّ الهمّة، وكرم النفْس، والتؤدة، والنفع التام، والشفقة علىَ خلق اللَّه تعالى. وله النظْم الحسن المقبول. فمنه ما أنشدنيه في شوال سنة خمس وستين وثمانمائة بقاعة سكنه بالمؤيَّدية، والوالد يسمع معي. وكنت أنشدت ذلك عنه قبل ذلك بطرابلس، ثم أنشدنيه لنفسه بعد حضور الوالد إلى القاهرة في التاريخ المذكور: هي الدنيا الدنيّةُ فاحذروها … فليس لها على أحدٍ ثبات فأوّلها وأوسطها انقلابٌ … على كدَر وآخرها شتات وغايتها المماتُ و (حب هذا) (١) … إذا ما لم يكن إلّا الممات

стр. 646

ولكن لعدّة أشياء منها … تفرّ من البنين الأمّهات فويلٌ عند ذلك أيُّ أجلٍ … لعاصٍ أوهَنَتْه السّيئات ويا فوز العبد ( … ) (١) خرجت … عن النار المسعَرة النجاة ومن نظمه ما أجازني وقرأته عنه قوله: لم أنس إذ قالت وقد أزِف النَوَى: … أفديك بالأموال بل بالأنفُسِ ماذا الفراق؟ فقلت: أنتِ أردتِ … قالت: كذا فِعْلُ الجوارِي الكُنَّسِ فكأن تبْر دُموعِها بخدودها … طَلٌّ على وردٍ هما من نرجسِ وله مما أجازني بروايته عنه أيضًا: أرْخ ( … ) (٢) براحات الأملِ … وتعلّل بعَسَى ثم لَعَل واحتمل أَوصاب دهرٍ كدِرٍ … فغريقُ البحر لا يخشى البَلَل وابْد للبلوى بوجهٍ طلقِ … واترك الشكوى ودع عنك الملل فمعالجات (٣) صروفِ الدهر لا … تُبعد البلوى ولا تُدني الأجل وإذا ضاق بك الأمرُ فقُل: … قدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فعل ماتناهى الخَطْب إلّا وانتهى … وبدا النقصُ به حين كمل ومما أرويه عنه قصيدة حائيّة مطوّلة نحو السبعين بيتًا، مدح بها النبيَّ ﷺ مخمّسة غريبة، عذبة، وهي مثبتة عندي وهذا أولها: ما بالُ سرّكَ بالهوى قد باحا (٤) … وخفيُّ أمرِك صار منك فوّاحا (٥) ألِفَرْط وجْدك من حبيب لاحا (٦) … ضمّ (٧) السقَامُ على المحبّ فباحا ونما (٨) الغرام به فصاح وناحا ولما وقف على بَيْتيَّ من الفنّ في صريح الطلاق وبائنِهِ في لحوق ما يلحق منه وما لا يلحق، وهما:

стр. 647

صريحُ طلاق المرء يلحق مثلَه … ويلحق أيضًا بائنًا كان قبله كذا عكسُه لا بائنٌ بعد بائنٍ … سوى بائنٍ قد كان على فعله نظم الشعر بهذا المعنى جميعه في بيت مفرد، رويته عنه بالإجازة، وهو هذا: وكلّ طلاقٍ بعد آخَرَ واقعٌ … سوى بائنٍ مع مثله لم يعلق وغير ذلك من النظم والنثر أيضًا. وكان بينه وبين الوالد محبّة أكيدة وصحبة قديمة، وأخذ عنه قديمًا. وأجازه من مدّة مديدة. وأجازني أيضًا. ولم يزل في عزّ وخير وديانة على منصبه إلى أن كبُر سنّه واعتراه في أواخر شبه ذهول. وهو الذي كان المندوحة في صرفه عن القضاء، بتدبير بعضٍ ممن له الغرض والوصول إلى القضاء، ظنًّا منه أنه يليه، فأشار عليه بالتنصل من القضاء، بأن يبعث إلى السلطان مستعفيًا منه، لكونه عجز لكِبَر سنّه، وما حصل له من شبه الذهول. ولا زال هذا المشير عليه به حتى فعل ذلك، فوُلّي القضاء بعده المحبّ بن الشِحنة، وما حصل ذلك المشير على مقصده، وجاء الأمر بعكس قصْده، واطّلع الشيخ على ذلك فدعا عليه، فما تهنّأ (١) بعده، وعدم مالًا طائلًا، ثم بعد مدّة وُلّي القضاء، ولم تطُل فيه إقامته، وصُرف أيضًا، وراح الشيخ بعد صرفه عن القضاء بدار زوجته بمصر العتيقة، وزاد به ذلك الشيء الذي يشبه الذهول، إلى أن توفي بعد ذلك بقليل في ليلة الجمعة تاسع ربيع الأول من هذه السنة. وقد أكمل مائة عام إلّا عامًا وبعض شهور. ويُحكى عنه في سنّه غريبة نادرة بأنه قال: رأيت في منامي ما يدلّ على أن عدد سِنِيّ حياتي بعدد أسماء اللَّه تعالى الحُسنى. أو ذكر أنه كُوشف به من بعض الصالحين، ولم أحرّر هذا، واللَّه أعلم. وأُخرجت جنازته في مشهد حافل جدًّا، وأُحضرت إلى سبيل المؤمني. ونزل الظاهر خُشقدم فحضرها هو ومَن دونه، وأمر بأن يُدفن بتربته التي أنشأها بالصحراء -أعني السلطان- فحُملت جنازة الشيخ إليها ودُفن بها، وتأسّف الناس على فقده، وتحمّلت منه الكثير من الموالي، ولم يخلفْه بعده مثلُه، رحمه الله تعالى ورضي عنه.

стр. 648

١٩٠ - شادبك الصارمي (١). نائب غزّة. كان من مماليك المقام الصارمي الأمير صارم الدين إبراهيم ابن (٢) المؤيَّد شيخ. وهو مشهور الترجمة، وكان من أجلّ أولاد الملوك حُرمة ووجاهة، ومعرفة وكياسة وفروسية. يُذكر أن والده سمّه لأمر ما بتحسين بعض أرباب دولته ذلك له، وندم على ذلك بعد وقوعه، وكاد أن يبطش بالمشير عليه بذلك. ويقال إنه عمل له ذلك المشير عليه يومًا حافلًا ببولاق، وببعض الدُور بها، عقيب موت إبراهيم ليشغله بالنزهة عنه عساه يسلاه، فلما أحضر إليه السماط وجلس على رأسه للأكل، نظر إلى مكان كان يجلس ولده إبراهيم، فلم يمدّ يده للسماط، بل نظر إلى من حضر إلى المشير عليه، فقال له: ما كان ينقص هذا السماط إلّا إبراهيم، ثم أمر به، فهرب من بين يديه، ولم يأكل شيئًا، لا هو ولا من حضر من خواصّه وله حكايات تطول. وهو الذي أحضر ابن (٣) قَرَمَان مأسورًا من بلاده إلى مصر. وكان شادبك هذا من خواصّ مماليكه، ونزل بعده في ديوان الخدمة السلطاني، ثم صُيّر خاصكيًّا، ثم تنقّلت به الأحوال حتى صيِّر من العشرينات بطرابلس، ثم صُيّر حاجب الحجّاب بها، وكانت إمرته بسعي الوالد ونحن بطرابلس، يأكلها الوالد طرخانًا على ما تقدّم ذلك، فكان كثير التودّد والتردّد إلى الوالد ونحن بطرابلس. ثم آل أمره أنْ وُلّي نيابة غزّة بمالٍ بذله فيها. وقد قدّمنا خبر ولايته لها. وقدم غزّة، فلم ينشَب أن بَغَتَه الأجل بها قبل أن يستوفي ما بذل فيها. وكان شيخًا منوّر الشيبة، حسن الهيئة، ساكنًا، حشمًا، أدوبًا، ذا سمت حسن وتؤدة، وعقل تام، ولا بأس به. قارب الستين، فإنّي أعرفه جدّ المعرفة، بل ربّما أكمل السبعين.

стр. 649

١٩١ - طوخ الأبوبكري (١)، الناصري. أحمد الخمسات. المعروف بكسّا. كان من مماليك الناصر فرج، وتنقّلت به الأحوال بعد قتله في خدم عدّة من الأمور، كنوروز الحافظي، بل وغيره، وآل به الأمر أن نزل إلى ديوان الجند السلطاني جَمْدارًا في دولة الأشرف بَرسْباي، ثم صيّره خاصكيًّا بعد ذلك على إقطاع جيّد. ولما تسلطن الظاهر جقمق زاده على إقطاعه، فصلح لأن يقال له أمير خمسة، بل كان يقال له "الأمير"، ودام على ما هو عليه مدّة حتى بَغَتَه أجله. وكان إنسانًا حسنًا، خيّرًا، ديّنًا، عاقلًا، حشمًا، ساكنًا، سيوسًا، من خيار طائفة الجركس. توفي في هذه السنة ولم يحضُرْني شهرُ وفاته. - • وترك ولده الناصري محمد أحد أجناد الحلقة الآن. إنسان حسن السمت والملتَقَى، كثير السكون، لا بأس به في أبناء جنسه. ١٩٢ - عائشة بنت جقمق (٢). الخَونْد ابنة الظاهر، وأخت المنصور، وزوجة الأتابك أُزبك ططخ. أعني أتابك زمننا هذا. قد تقدّم ذِكر زواج أُزْبَك بها في دولة أبيها، وهو من العشرات. وذكرنا كيف جُهّزت، وكيف دخل عليها أُزبَك المذكور في منزل خالها أخي (٣) أمّها الخَوَند ابنة البارزي، فإنها مولودة منها، وكانت أمّها مطلّقة من السلطان على ما تقدّم في ذلك، ودامت بعصمته، ونزل السلطان إلى دارها لزيارتها غير ما مرة. وكانت جميلة، حسنة الذات، شابّة، رئيسة، مشكورة. توفيت في عصر يوم الإثنين عاشر جمادى الأول، وسِنّها دون الثلاثين سنة. وكان زوجها غائبًا بالسرحة وما حضر جنازتها. وكان ( … ) (٤) مقدّميّة الألوف. وأُخرجت جنازتها حافلة جدًّا، فأُحضرت إلى سبيل المؤمني، ونزل السلطان فحضر الصلاة عليها، ودُفنت بتربة قانباي الجركسي حيث دُفن أبوها (٥)

стр. 650

الظاهر. وأسِفت أمّها عليها أسفًا شديدًا، وعملت لها المأتم الهائل. وتركت ولدًا من الأتابك أُزبك المذكور الناصري محمد الموجود الآن، وكان رضيعًا إذ ذاك، ونشأ بعدها في حجر السعادة، وقرأ القرآن وشيئًا من الرسائل الفقهية، وتعلّم الَاداب والأنداب والتعاليم، وشهر وذُكر. وهو ذات حسنة، متميّز في الفضائل، ملازم لزيارة الإمام الليث (١)، وقراءة القرآن، وبيده إمرة عشرة الآن، وله سمت حسن وسيرة محمودة. ١٩٣ - عبد الرحيم بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن يحيى بن أبي المجد اللخمي، الأميولي (٢) المكي، الشافعي. الشيخ المسنِد، زين الدين ابن العلّامة جمال الدين، المعروف بالأميولي. ولد بمكة المشرَّفة في يوم الإثنين ثاني شعبان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة. ووهِم، أو سها (٣) (من قال) (٤) إنه ولد في سنة ثمانٍ وتسعين، فإنّ الحافظ ابن (٥) حجر ﵀، ذكر وفاة أبيه في سنة تسعين (٦)، فمن المحال أن يكون وُلد له ولد بعد ذلك بثمان سنين. ونشأ بمكة وسمع الكثير. توفي بمكة أيضًا في شعبان أو رمضان. ١٩٤ - علي بن [أحمد (٧) بن محمد، العلاء البغدادي الأصل] (٨)، الغزّي، [الحنفي] (٩).

стр. 651

إمام السلطان الأشرف إينال. كان قد عرف إينال المذكور من غزّة حين كان نائبًا بها، ولما تسلطن صيّره من أئمّته. وكان لديه فضيلة بالجملة، مع طيش وخفّة، وكثرة الإسراف والتخليط. كذا قاله ابن (١) تغري بردي (٢) عنه. وأمّا أنا فلا علم عندي بشيء من أحواله. غير أنه توفي في ثالث جمادى الآخرة وهو في عشر الستين، أو قارَبَها على ماقيل. ١٩٥ - عنبر الطَّنْبذي (٣)، الحبشي، الخادم، الطواشي. () (٤) الدين، نائب المقدَّم. كان من خدّام الخواجا نور الدين على الطَّنْبَذي، أحد تجار الكارِم، وهو مشهور الترجمة، وتنقلت به الأحوال بعد موته حتى اتصل ببيت السلطان، وتنقّلت به الأحوال إلى أن صيّر نائب المقدَّم، فباشرها مدّة ثم صُرف عنها ولزم داره، ودام بها بطّالًا حتى بَغَتَه أجله. وكان إنسانًا لا بأس به. وله من الآثار المدرسة التي أنشأ بخط سوق الغنم، وهي مدرسة كيّسة أنيقة كان قد شرع فيها قبل موته بمدّة يسيرة فأكملها. وتوفي عقيب ذلك في يوم السبت ثامن المحرَّم، ودُفن بمدرسته المذكورة. ١٩٦ - قَرَدم (٥) الأبوبكري المؤيَّدي. أحد الخمسات وأمير جان دار (٦). كان من مماليك المؤيَّد شيخ، وصار خاصكيًّا في دولة الأشرف بَرْسْباي،

стр. 652

ودام على ذلك مدّة في عدّة دول حتى تسلطن خشداشه الظاهر خشقدم فزاده على إقطاعه فصار من الخمسات، وولّاه إمرة الخازندارية، وكانت قديمًا من أجلّ الوظائف، ودام على ذلك حتى بَغَتَه الأجل. وكان شيخًا طُوالًا، به غتمة في لسانه، وعنده أدب وحشمة، وكان لا بأس به. توفي في أواخر هذه السنة، (أو التي بعدها) (١) فيما يغلب على ظنّي. واسمه تركيّ: ومعناه "نَصَبْتُ"، فإن الميم فيه كـ"نا" المتكلّم في لغة العرب. ١٩٧ - كمشبُغا المؤيَّدي (٢). أحد الخمسات، المعروف بشبشق. كان من مماليك المؤيَّد شيخ، وترقّى إلى الخاصكية بعده بمدّة في سلطنة الظاهر جقمق. ولما تسلطن الأشرف إينال أمّره خمسة لضِيق الأقاطيع، ودام كذلك إلى دولة الظاهر خُشقدم، فكان يأنس إليه ويتفقّده، من غير أن ينقله إلى شيء ولا يرقّيه. وتوفي في دولته في هذه السنة. وكان رأسًا في رمي النشّاب ومعرفة فنونه. يُحكى عنه فيه ما يشبه الكذب. وهو الذي بنى القبّة والمصطبة وأقام بهما العمود بأواخر الريدانية، وبه يُعرف ذلك البناء الآن. واسمه مركَّب من "كمش" وهو الفضّة بالتركية، و"بُغا" قد تقدّم أنه اسم للثَور، فكأنه قيل ثور فضّة، ثم جُعل عَلَمًا على الشخص كالْطُنْبُغا وهو الثور الذهب. وطاش بُغا، ونحو ذلك. ١٩٨ - ماهر بن عبد اللَّه (٣) بن نجم بن عِوض بن نُصَير بن نصّار الأنصاري، الهِلّاوي، المقدسي، القاهري، الشافعي.

стр. 653

الشيخ الإمام، العالم، العلّامة، الصالح، زين الدين. ولد بهِلّية (١)، قرية بالقرب من سَفْط رشيد من أعمال البَهْنَسَاوية، في سنة (تسع وسبعين وسبعمائة) (٢)، وبها نشأ. ثم قدم القاهرة فاشتغل بها بعد حفظه القرآن العظيم، فأخذ عن جماعة، منهم: البرهان الإبناسي، وغيره، وحجّ وعاد إلى القاهرة، ثم رحل إلى البيت المقدس فلازم به الشهاب بن الهائم، وأخذ عنه الكثير. وانتفع به في فنون، وبرع في الفقه والنحو، وشُهر وذُكر، وشارك الناس، وقطن بالقدس، وشُهر بها بالعلم، والفضل والدين، والخير والصلاح، وأخذ عنه جماعة وانتفعوا به، منهم، الأعيان كالشمس بن حسّان، وعبد الكريم النقشبندي، والبرهان البقاعي، وآخرون (٣)، وكان مقصدًا للناس في مَهَمّاتهم والكثير من أمورهم، وبه النفع العام، ولم يزل بالقدس إلى أن بَغَته أجلُه به. وكان إمامًا عالمًا، عاملًا، فاضلًا، كاملًا، خيّرًا، ديّنًا، صالحًا، رأسًا في الفرائض والفقه والعربية، بل وغير ذلك، كثير التواضع، ملازمًا للخيرات، منجمعًا عن الناس جدًّا، ذا سمت حسن وتؤدة، وبشاشة، وحسن محاضرة، كثير التثبّت في نقله، غير مجازف ولا متهوّر، له اقتدار على تأدية الكلام مع حسن التصوّر واستقامة الفهم. وبالجملة فكان من نوادر وقته، كما كان اسمه من نوادر الأسماء، مطابقًا لمُسمّاه. توفي بالبيت المقدس، على خيرٍ كثير في ليلة الأربعاء سلْخ ربيع الأول. وكانت جنازته حافلة، ولم يخلُفْه بعده مثله. ولما بلغني موته أنشدت في ذلك من غير تدوين بل على البديهة ارتجالًا بحسب الحال هذه الأبيات في رثائه (٤)، ﵀: أحييتَ بالعلم رسمًا … قد كان قبلك داثرْ وقد تمهّرْتَ فيه … فطابَقَ الاسم مماهرْ وزدْتَه بصلاح … لكم وخير المآثر ودمت دهرًا مُعينًا … للناس نَفْعُك ظاهر

стр. 654

والآن غُيّبْت عنّا … وصرْتَ رهْن المقابر عين إمام التُّقى … على النوائب ناصر جزاه المولى خيرًا … فإنه في الأخاير ( … ... … ) (١) … منكم بسُحُبٍ مواطِر ١٩٩ - محمد بن أحمد بن عمر بن شَرَف القرافي (٢)، المصري، المالكي. الشيخ العالم، الفاضل، القاضي شمس الدين، المعروف بالنسبة إلى القرافة. أحد أعيان السادة المالكية ونوّاب الحكم، وسِبط الشيخ الصالح (الإمام) (٣) العارف عبد اللَّه بن أبي جمرة. ولد في العشر الأخير من شهر رمضان سنة إحدى وثمانمائة بالقاهرة. وبها نشأ ذكيًّا فطِنًا، فحفظ القرآن العظيم في حالة صِغره وبعض المتون. واشتغل أخيرًا فأخذ عن جماعة من علماء عصره، وحضر دروس الأعيان من بني مذهبه، وتمهّر وشُهر وتميّز، وناب في القضاء وحُمدت فيه سيرته، وكان له خبرة تامّة بالصناعة. وله طريقته بكتابة الشروط مع جودة الخط وحُسنه. وكان فاضلًا، مشاركًا، ذكيًّا، يقِظًا، فطِنًا، حذِقًا، فَهْمًا، أدوبًا، متواضعًا، حشمًا، وافر الحرمة، له شهرة في القضاء، يُذكر بالخير، وعنده تؤدة وحُسن سمت، وبالجملة فكان من الأعيان. توفي في ليلة الإثنين ثلاث عشرة (٤) ذي الحجّة. وأُخرجت جنازته مشهودة وافرة بالأعيان، وصُلّي عليه بجامع المارداني، وتقدّم في الصلاة عليه العَلَم البُلقيني، وحُمل إلى القرافة وبها دُفن، وعظُم تأسّف الناس عليه ولم يخلفه مثله، وترك ولده بدر الدين () (٥) وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى.

стр. 655

٢٠٠ - محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن عبد الرحيم الحلبي، الشافعي. الشيخ شمس الدين بن شهاب الدين، أبو جعفر، قاضي القضاة بحلب، المعروف بابن الضياء (١)، ويُعرف بابن العجمي أيضًا. ولد بحلب في ربيع الأول سنة خمس وسبعين وسبعمائة (٢). وبها نشأ واشتغل، وولي قضاءها (٣)، وكان من ذرّية الكرابيسى صاحب الإمام الشافعي. وكان الكرابيسي من ذريّة عثمان بن عفّان ﵁. وتوفي صاحب الترجمة بحلب أيضًا في يوم الأربعاء خامس عشر شهر رمضان. ودُفن بالمدرسة الكاملية بالجُبيل الصغير. (ترجمة الشمس بن العماد) (٤) ٢٠١ - محمد (٥) بن أحمد بن عماد بن يوسف بن عبد النبي الأقفهسي (٦)، القاهري، الشافعي.

стр. 656

الشيخ شمس الدين ابن (١) الإمام، العلّامة، شهاب الدين، المعروف بابن العماد. ولد بالقاهرة في سنة ثمانين وسبعمائة تقريبًا. وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم في حالة صِغره، ثم حفظ "العُمدة" و"المنهاج الفقهي والأصلي"، و"ألْفيّة ابن (٢) مالك" و"الشاطبية" وغير ذلك، وعرض على السراج البُلقيني وغيره من الأعيان في ذلك العصر، واعتنى به والده فأسمعه في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة "جزء ابن (٣) فيل" والمجلس بأخرة على البرهان ابن (٤) الشامي. ثم أخذ في الاشتغال فأخذ عن جماعة، وبحث "الشاطبية" على الفخر الضرير، إمام الجامع الأزهر، وتكسّب بالشهادة بحانوت بين السورَيْن. وله عدّة تصانيف وقفتُ على بعضها. وكان شيخًا منوّر الشيبة، حسن الهيئة والشكالة، من بيت أصالة في العلم. ووالده مشهور الترجمة، معروفها. توفي الشمس هذا في يوم السبت خامس ربيع الأول. (ترجمة الحُمَيد النعماني) (٥) ٢٠٢ - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن ثابت بن عثمان بن محمد بن عبد الرحمن بن ميمون بن محمود بن حسّان بن سمعان بن يوسف بن إسماعيل بن حمّاد ابن (٦) الإمام الأعظم أبي (٧) حنيفة النُعمان بن ثابت البغدادي الأصل، الفَرغاني، المَرَاغي، الدمشقي، النُعماني (٨)، الحنفي. الشيخ الإمام، العلّامة، الحبر، البحر، الفهّامة، شيخنا حميد الدين، أبو الفضل بن تاج الدين بن حسام الدين، قاضي القضاة بدمشق. ولد بمَرَاغة من أعمال تبريز في سابع عشرين صفر سنة خمس وثمانمائة.

стр. 657

ونشأ ببغداد نشأة حسنة، ذكيًّا، يقظًا، فطِنًا، حذِقًا، فهْمًا، فقرأ القرآن العظيم، ثم اشتغل فتفقّه بأبيه التاج قاضي بغداد، وكان من أفاضل العلماء وأعيانهم، وهو الذي جذع قرا يوسف أنفه، وقدم القاهرة بعد العشرين وثمانمائة قاصدًا المؤيّد موليًا عنده على قَرا يوسف المذكور، فرثا المؤيّد لحاله وهَمّ بغزو بغداد. وترجمته مشهورة مذكورة. معروفة، مسطورة في غاية التواريخ. وممن أخذ عنه الحُميد هذا ببغداد أيضًا السيد الشريف عبد المجيد البخاري وغيره، وحج مع أبيه في سنة ثماني عشرة (١) وثمانمائة، ثم قدم معه إلى دمشق أيضًا في سنة إحدى وعشرين، ثم قدم القاهرة في أواخر سنة اثنتين (٢) وعشرين. وأخذ بها عن: الشمس بن الدَّيْري وآخرين، منهم العزّ عبد السلام البغدادي، ثم عاد إلى دمشق في سنة أربعٍ وعشرين فقطنها، ولازم بها العلاء البخاري نحو العشر سنين وأخذ عنه كثيرًا في كثير من الفنون العقلية والنقلية والتصوّف، واقتصر على ملازمته. ومن مشايخه أيضًا الشرف قاسم العلائي. ولم يزل مُجِدًّا حتى حصّل وبرع ومهر وشُهر وذُكر، وأفتى ودرّس، وسمع الحديث من جماعة، بل وأسمعه بمكة وغيرها. وصنّف وألّف عدة تصانيف في عدّة فنون، وله عدّة رسائل أيضًا. ووُلّي عدّة تداريس جليلة بدمشق كالخاتونية، والقصّاعية، والعزيزية وغير ذلك. ثم آل به الأمر أن وُلّي القضاء الأكبر بدمشق بعد صرف الحسام الغزّي، ثم صرف ثم أعيد غير ما مرة، وحُبّب إليه منصب القضاء، وعادى الناس بسببه، وصار مُغرَمًا به وقاسى الأهوال، وجرت له أمور قبله وبعده يطول الشرح في ذكرها. وقد تقدّم ما وقع له مع الشهاب الكوراني ونُبَذٌ (٣) من ما جريات اتفقت له مع آخرين. وولايته القضاء في عدّة مواضع من تاريخنا هذا. ولا زال على ذلك حتى بَغَتَه أجله. وكان من أهل العلم والفضل والأصالة والعراقة ومن الأعيان، ذا أدب وحشمة وحُسن هيئة وشكالة، إلّا أنه كان يعاب ببعض لجاج وطيش وقيام في كثير من أغراض نفسه، ومحبّته المجادلة، وكثرة المجاورة، ولو بغير طريق، مع التصحيح على ما يجنح إليه، وعدم الرجوع إلى الناس فيما نحا لقوله فيه. وكان كثيرًا ما ينكر على الناس أشياء لا يليق بمثله التكلّم فيها. وكان شهمًا لا يحتمل

стр. 658

النُّصح، وهذا هو الذي كان يوجب له ما ذكرناه، مع اعتقاده نفسه ومع تديّنه. وكان بينه وبين الوالد محبّة أكيدة وصحبة زائدة، لا سيما ونحن بدمشق، وكان يكثر من التردّد على الوالد، وربّما تردّد إليه في الأسبوع مرتين أو ثلاث. وهو من أشياخي الذين أخذت عنهم إجازة، وقرض (١) لي على بعض تصانيفي في تلك الأزمان، وأخذ عنه الشاميّون ( … ) (٢) بالتلمذة له وإقراء. وأقرأ القطعة التي عملها على "الهداية" وما أكملها، وكذا شرح ( … ) (٣) بالجملة. وما ذكرناه من نسبه هاهنا عن المقريزي كتبناه، فإنه ساقه في تاريخه (دُرَر العقود الفريدة) (٤). فقال الحافظ ابن (٥) حجر في "إنبائه" (٦) في حوادث سنة أربع وأربعين وثمانمائة ( … ) (٧) في كائنته مع الشهاب الكوراني (٨): وكان تاج الدين والد هذا يدّعي (أنه من ذرّية الإمام) (٩) أبي حنيفة أملى لنفسه نسبًا إلى يوسف بن أبي حنيفة يَعرِف مَن (له أدنى ممارسة) (١٠) بالأخبار تلفيقه، وكتبه عنه الشيخ تقيّ الدين المقريزي. انتهى. وقد ذكر ابن حجر هذا النسب في "إنبائه" أيضًا في ترجمة الحسام النُعماني (١١) وما تعرّض له (هناك كما) تعرّض له بذلك.

стр. 659

وقد بلغني أن جماعة من أهل بغداد طعنوا في هذا النَسَب. كما بلغنى أن ممّن شهد به في هذه البلاد العلّامة عبد السلام البغدادي. واللَّه أعلم. ( … ... ) (١) قال بعض الفضلاء: وما ذكره الحافظ ابن (٢) حجر من التلفيق فيه، فمن الأسامي ما يأتي ( … ) (٣) وسحان، وحسان، قال: فإن أحدًا من أهل تلك البلاد لم يُسَمّ بهذه الأسماء لا قديمًا ولا حديثًا كما سترى ذلك. هكذا قال. واللَّه أعلم. توفي الحُمَيد هذا في ليلة الأحد سادس ربيع الأول بدمشق، ودُفن صبيحة في سفح قاسيون. وكان له مشهود حفل (٤)، ﵀. ٢٠٣ - محمد بن أحمد بن محمد بن محمد القاهري، الشافعي. الخطيب شمس الدين بن الخطيب شهاب الدين، المعروف بابن الخلّال (٥)، بالمُعْجَمَة والتثقيل. ولد سنة ست وسبعين وسبعمائة. ونشأ حذِقًا، فطِنًا، ووُلّي مشيخة (مدرسة في) (٦) ابن (٧) نصر اللَّه (؟) بمدينة فُوَّه، وخطب أيضًا بمدرسة ابن (٨) سُويد بمصر العتيق (٩). ولا عِلم عندي بشيء من حاله غير ما ذكرت. وتوفي بمدينة فُوَّه على مشيخته في شهر شعبان على غالب الظنّ. ٢٠٤ - محمد بن سعد (١٠) بن خليل بن سليمان الروميّ الأصل، (القاهري، الشافعي. العالم الفاضل، شمس الدين بن سعد الدين ( … ... ) (١١) بالخانقاه

стр. 660

الشيخونية، المعروف بابن سعد الدين. وهو والده سعد، وربّما عُرف بابن الخادم، لكون والده كان الخادم الكبير بالخانقاه المذكور، وكان بيده أيضًا ( … ) (١) قد كتبها. كان روميًّا عالمًا، فاضلًا ( … ) (٢)، وله عدّة تصانيف [بالعر] بية والصرف وغير ذلك. وأخذ عنه الذكر عمر بن قديد (؟). [ … ] (٣) ومات قتلًا في سنة أربع وستين وثمانمائة، [وما] ت ولده صاحب الترجمة. وكان مولده [سنة] السبعين وسبعمائة. ونشأ نشأة حسنة، [واشتـ]ـــغل بالعلم، وأخذ عن جماعة، منهم: أبو بكر تلميذ والده، و ( … ... … ) (٤) عبد السلام البغدادي، و ( ...... ........................... ) (٥) ويعيد به بالجامع ( … ... … ) (٦) وأخذ عنه الجمع الجمّ من الجامع الحاكمي ( … ) (٧)). ٢٠٥ - يَرَش الخاصكي (٨). تقدّم في المتجدّدات كائنته (٩)، وأنه كان من مماليك نائب جُدّة مدّة حالة صِغَره، ربّاه وأعتقه، ورقّاه وقرّبه وأدناه، واختصّ به، حتى نُقل عنه أنه اتفق مع آخرين من خاصكية السلطان على اغتياله، فقبض عليه، ثم أمر بضربه بين يديه، وقاسى الذل والهوان. وآل أمره أن غُرّق في بحر النيل في ليلة من ليالي أواخر ذي الحجة هو وآخرون (١٠) معه. وله من السنّ دون العشرين سنة.

стр. 661

وكان شكلًا حسنًا، شابًا، متجمّلًا، كيّسًا، حذِقًا، فطِنًا. نادرة في بني جنسه. واسمه مفرَد بلغة التُرْك معناه: "تُصاحِبْ" أمرٌ من المصاحبة، هنا إذا كان بفتح الراء. أمّا إذا كان بكسرها -والأول هو المستعمل- فيكون معناه: "إلْحَقْ" أمر من اللّحوق والوصول إلى الشيء. وربّما يكون له معانٍ أُخَر إذا أمعن عارفُ لغة التُرك في النظر، ولسنا بصدده.

стр. 662

سنة ثمانٍ وستين وثمانمائة [حال الخليفة والسلطان والقضاة والنواب] استهلّت هذه السنة والخليفة والسلطان، وسائر ملوك الإسلام وأمرائهم وقُضاتهم وحكّامهم والنواب وسائر وُلاة أمور الإسلام على ما هم عليه في الخالية على ما وصل لعِلمنا. ما عدا قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، فإنه في هذه السنة العَلَم البُلقيني، وُلّيه عن الشرف المناوي بعد صرفه على ما مرّ بيانه. وما عدا قاضي القضاة الحنفية أيضًا بها، فإنه في هذه السنة الشيخ بدر الدين حسن بن الصوّاف الحموي، وُلّيه عن المحبّ بن الشِحنة كما تقدّم ذلك أيضًا. وما عدا الدوادار الكبير، فإنه في هذه السنة بلاط اليشبُكي دوادار الحاج إينال، وُلّيها بعد خيربك بعد صرفه. وما عدا نائب غزّة، فإنه في هذه السنة جَكَم الأشرفي خال العزيز. وما عدا نائب الكَرَك، فإنه في هذه السنة حسن بن أيوب. وما عدا نائب مَلَطْية فإنه في هذه السنة يشبُك البجاسي. وما عدا ناظر الخاص فإنه في هذه السنة التاج بن المَقْسي. وما عدا الوزير، فإنه في هذه السنة المجد بن البَقَري. وما عدا الأستادّار، فإنه في هذه السنة زين الدين. وقد عرفت كيفيّة هذه التنقّلات في الماضي في الخالية من المتجدّدات.

стр. 663

ذِكر نُبَذٍ (١) من المتجدّدات اليوميّة في هده السنة القمريّة [شهر محرّم] [التهنئة بالشهر والسنة] كان أول هذه السنة بالخميس. ففيها وفي هذا اليوم مستَهَلّ محرّم طلع القضاة ومن له عادة بالطلوع إلى السلطان وهنأوه (٢) بالشهر والعام. (كائنة ابن الأهناسي) (٣) وفيه -أعني هذا اليوم- وقع لعليّ بن الأهناسي أمور يطول الشرح في ذِكرها لا طائل تحتها لمن كان السبب في ذلك، بل كان فيه خسارة المال لمن قام بذلك في حظ نفْس، نعوذ باللَّه من ذلك، وآل أمر ابن (٤) الأهناسي هذا بعد الدعاوى عليه إلى إخراجه إلى مكة كما سنذكره، ومن حينئذٍ فُتحت الأعيُن زيادة على ما كانت قبل ذلك للذي قام بتلك الكواين الكائنة على عليّ بن الأهناسي هذا، ولم يكن هذا القائم خيرًا بعد عليّ هذا، بل وكان ذلك سببًا لطمع الطامع فيه، بل الطامعين إلى أن قرُب حاله من الإنكشاف لولا ستر اللَّه عليه بالموت بعد ذلك قبل فحش الحال واتساع الخَرق، وأعقب شؤم ذلك من خَلَفَه من بعده، بل هو مستصحب بعدُ في يومنا هذا (٥). (وصول تمُربُغا ومن معه من سجن الإسكندرية) (٦) وفيه -أعني هذا الشهر- في يوم الإثنين خامسه، وصل الأمراء الذين حُملوا إلى سجن ثغر الإسكندرية على ما قدّمناه، ثم أمر بإطلاقهم كما في محلّه من

стр. 664

أحداث الماضية بيّنّاه، فدخلوا القاهرة في هذا اليوم، وهم تمُربُغا، وأُزبَك، وبرقوق، وقانباي، وباتوا في هذه الليلة بدار يشبُك الفقيه الدوادار الكبير، ثم طلعوا إلى القلعة في صبيحة يوم الثلاثاء، واجتمعوا بالسلطان، وخلع عليهم كوامل بفرو سمَّور مسبولة الأطواق، وأمر باستمرارهم على ما كان بأيديهم من أقاطيعهم ووظائفهم. وكانت لم تخرج عنهم لأحد لأنّ غضبه عليهم إن كان من قبله فكان يومًا واحدًا، ولذا كان سجنهم بالإسكندرية يومًا واحدًا، وعُدّ ذلك من النوادر ومن الفرج السريع بعد الشدّة، ونزلوا إلى ديارهم، وكان لطلوعهم ونزولهم وقتًا مشهودًا، وهرع الناس للسلام عليهم وتهنئتهم (١). [وزارة يونس بن عمر] وفيه -أعني هذا اليوم- استقرّ في الوزارة شخص يُسمّى يونس بن عمر بن جَربُغا من أولاد الناس، وهو الذي كان دوادارًا عند الطواشي فيروز النَوروزي، وكان بزي الأجناد، فخلع عليه أطلَسَين متمَّر [ين] (٢) لذلك، ولم يخلع عليه الخلعة التي جرت العادة بخلعها على الوزراء، ووُلّي الوزارة عِوَضًا عن ابن (٣) الأهناسي بعد صرفه على ما بيّنّاه من قبل (٤). [إعادة ابن الشِحنة إلى قضاء الحنفية بمصر] وفيه، في يوم الخميس ثانيه أعيد المحبّ بن الشِحنة إلى وظيفة قضاء القضاة الحنفية بالديار المصرية عِوَضًا عن الفقيه ابن (٥) الصّوّاف بحكم موته ولم تطُلْ ولايته حتى مات، وهذه ثانية ولاية ابن الشِحنة هذا للقضاء (٦). [منْع أهل الذمّة من مباشرات الأمراء] وفيه، في يوم الإثنين ثاني عشره برز أمر السلطان بأن يمنع أهل الذمّة من

стр. 665

التكلّم في المباشرات، والتحدّث على ديوان الأمراء وغيرهم ونودي بذلك في شوارع القاهرة بكفّ أهل الذمّة قاطبة من الأقباط وغيرهم من التصرّف والمباشرة ( … ... … ) (١) واستقرّوا على ذلك بوجهٍ من الوجوه، وكُتب بذلك إلى سائر الممالك ( … ... … ) (٢) بشان ولي حكمه (٣)؟ [إنعقاد المجلس بالمدرسة الصالحية بشأن أهل الذمّة] وفيه أيضًا أمر السلطان بعقد مجلس بالمدرسة الصالحية بالقضاة الأربعة (٤) ونوابهم وحضره جماعة من المشايخ، والدوادار الكبير بسبب أهل الذمّة. والحضور بالعهود المكتوبة قديمًا لأهل الذمّة وقُرئَت فوُجد ببعضها، وأن أحدًا منهم لا يباشر في ديوان أحد من الأعيان بقلم الدَّيْوَنة ولا في عمل من الأعمال ( … ... … ) (٥) إلى أن وجد فها، وأن لا يتعمّم على رأسه بأكثر من عشرة أذرُع، ( … ... … ) (٦) هم عن نساء المسلمين بالأزرق للنصارى، والأصفر لليهود على أن يلتزمن بلباسهنّ بالأسواق والشوارع حين خروجهنّ إليها، وكذا يتميّزون في الحمّامات. ووقع كلام كثير لهذا المجلس. ثم اتفق الرأي أن يلزم أهل الذمّة بذلك فأُلزموا جميع ذلك، وحكم به العَلَم البُلقيني، ونفّذه الآخرون (٧) من رفقته القضاة، وألزموا به ما عَدا الطبّ والصرف بشروطهما، وصمّم السلطان على ذلك. وساء ذلك أهلَ الذمّة وأنِف عنه جمع (٨) منهم فأسلموا وداموا على مباشراتهم، وعظُم الأمر على قبط مصر، وما أحسن ذلك لو دام، لكنّه لم يدم إلّا نحو السنة. ثم عاد كل شيء إلى ما كان عليه. قبل هذه الحادثة، وبلغ السلطان فلم يكترث به ولا اهتم له أصلًا، بل ولا سأل عنه، فأين ذلك التصميم العظيم والتفتيش مع هذا السُكات، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون (٩).

стр. 666

[سجن المؤلّف في طرابلس الغرب] وفيه، في يوم الخميس نصفه، وصل إلى طرابلس الغرب قارب فيه اثنان من الأسرى من المسلمين فرّا (١) هربًا من رودس بهذا القارب، ووصلا (٢) إلى طرابلس في هذا اليوم فأخبرا بأن شخصًا نزل من شواني البنادقة بعدّة جوارٍ من طرابلس وباعهنّ برودس، وارتدّ عن الإسلام وهو مقيم به، ودسّ يطلب السفر إلى سردانية. ولما بلغ هذا قائد طرابلس الماضي ذكره بعث يطلبني لأجل الألف دينار التي كنت التزمتها على ما تقدّم ذكر ذلك على ذلك الوجه الماضي بعد أن رتب أن يذكر المخبر بيع الجواري برودس فقط. ولا يذكر ارتداد البائع ولا غير ذلك، فلما حضرت أحضر إليّ الشخصين (٣) فأخبرا بأنهما رأيا (٤) شخصًا ووصفاه بأنه باع عدّة جواري مسلمات للكبار برودس، فعرفتُ أن هذه الصفات صفات ذلك المملوك الذي جَهَّزتُ معه الجواري، فأخذت في المرافعة في ذلك فما أفادني ولا سمع هذا الظالم شيئًا مما أقوله، وأمر في أن أسجن بقصبة طرابلس بسجنها، فحُملت إلى سجنها، ثم بعث إلى داري بجماعة فأخرج ما وجده بها من المتاع، وحُملت أمّ ولدي إليه. وبتُ بالسجن ليلة، ثم قام جماعة من أعيانها من غير أن أسألهم في شيء من ذلك، فكلّموا القائد المذكور في أن هذا ليس بمصلحة. وقام القاضي في ذلك قومة، وكان بلغه أن الذي باع الجواري ارتدّ عن الإسلام، فبعث يقول للقائد إن هذا أمر لا يلزم به شيء لهذا الإنسان شرعًا، كيف وقد ذهب ماله على يد إنسان كان يأتمنه فارتدّ عن الإسلام، ولما علم القائد أن الأمر على خلاف مقصده وعدهم بأنه في الغد من هذا النهار يفرج عنّي، فلما كان الليل أحضرني إليه وتوعّدني وأخافني، وحلف أن الجواري قد أبيعت (٥) برودس، ولا علم عندي أنا بارتداد ذلك المملوك إلّا بعد ذلك، وكان على وسطي نحو الثلاثمائة دينار فأخذها منّي بمكرٍ وخديعة، وحلّفني يمينًا على إبداء شيء (٦) من ذلك لأحدٍ من أهل طرابلس، وأنا لا عِلم عندي بما فعله الناس والقاضي في غيبتي، ثم أصبح فأطلقني، واطّلعت على الكائنة بعد ذلك، وتديّنت على إعطائه (٧) المبلغ، وسكتّ (٨) على مضضٍ كبير، ثم بلغني أن صاحبنا التاجر عبد الحميد العوّادي، كبير التجار بطرابلس، لما بلغه ذلك داهن القائد في أمري خوفًا من شرّه لما بيننا من الصحبة، فقال له: أهل الشرق

стр. 667

قليلون الذين يفعلون ما شاؤوا، وما راعى الصحبة، وراعى هذا الظالم، ولما بلغني ذلك تألّمت له. وكان عندي إنسان من ظرفاء سمرقند يقال له خليل العجمي ممن كان أقام بدمشق والقاهرة كثيرًا، وله إلمام بالنَظْم، فحنق من العوّادي هذا إلى الغاية ثم هجاه بقطعة غريبة في الأهاجي كأنه لسان حالي، أو قالها على لساني، وأنشدنيها ولم يحضُرني منها الآن إلّا ما أثبتُه هاهنا، وهو قوله: بني (١) العوّادي أقوامٌ لئام … حلالُ الشرعِ عندهُمُ حرام لهم فِتَن تُشاعُ بكلّ نادٍ … عليهم لعنةُ المولى دوام شويشوا مشهور … إذا حلّو شواش لا علموا منشور … بسوق الأوباش جَوَّعْ أُمّوا وأولادوا حتى صار ما لو موجود … في الغيبة يا ناس زاد وعوّادي اسمو من عود فلا عجبًا إذا افتخروا بعرضي … فإنّ العَرْضَ عندهمُ مُباح وإنْ قالوا: قليل الدين قلنا … فطيم، لا يريد سوى النكاح مشهور القَطْمة يؤذي من حاذاه … من ينظر عمّه يحسب بنتي أباه ما هو شيء إلّا خَرَيتُه … حاشاه من هو يسمعني ( … ... ) (٢) النّيّة من يقرا ينقل عنّي. وهي طويلة. ثم بعد أيام من هذه الكائنة ورد قارب من أسارى ورد من الأروام المسلمين هاربين منها، وكانوا زيادة على العشرة، فأخبروا بالقضية على جليّتها، وأن ذلك الكلب مملوكي كان باقيًا (٣) على دين النصرانية مُبطِن الكُفْر، مُظهر الإسلام، وأنه ذكر لهؤلاء الأسارى برودس أنه تحيّل عليّ وأخذ الجواري مُظهرًا الاتجار بهنّ في ساحل بيروت لي، وأنه أخذهنّ لنفسه وباعهنّ برودس بحيلةٍ تزيد على الخمسمائة دينار، وارتدّ عن ما كان يُظهره من الإسلام، وأنه ذكر لهم أنه متوجّه إلى جزيرة سردانية بلاده، وكان منه (٤) على ما تقدّم ذِكره، وذكر لهم أنه لما دخل البنادقة بالشواني لرودِس تحيّل على صاحب المركب الفرنجي الذي هو معه، وذكر له أنني ذكرت له أنه إن قُدِّر دخولهم إلى رودس فلْينزلْ بها هو والجواري ويحملهنّ إلى برّ التركية فيبيعهنّ ببلاد الروم لأنهنّ أغلى ثمنًا منهنّ ببلاد الشام، وأنه قال له إنّ

стр. 668

كِراك حاضر معي. وخدع الفرنجيّ صاحبَ المركب بذلك، وأنه كان قد تعامل هو وإنسان من اليهود على ذلك، وأن اليهودي قد أعطاه الكِراء من ماله سلفًا حتى باع الجواري بعد سفر الشواني من رودس. ثم شاعت هذه القصّة على هذا الوجه بطرابلس، وكان عند القائد بعض (١) منها لكنّه أخفاه بتواطئه مع الذين حضروا قبل ذلك من الإثنين الأسرى الماضي ذِكرهما (٢). ولما تحقّقت ذلك ذهبت إليه فأخفته بعودي إلى تونس وشكواه لصاحبها السلطان عثمان ولولده المنصور. ولا زلت أُضمر حق أعاد إليّ ما أخذه منّي، وذهبت الجواري والمحنة بالسجن، ونجّانا اللَّه تعالى من هذه المحنة، والخلف على اللَّه تعالى فيما نَزَلنا. فما أحسن قول من قال، وأحسن في المقال: كم يأسفُ المرءُ على فائتٍ … ما وجد الإسلامَ والعافيَهْ ما دام دينُ المرء مع عقله … دامت له النِعَمُ الكافيَهْ [إخراج ابن الأهناسي إلى مكة بطّالًا] وفيه، في يوم الأحد ثامن عشره أُخرج علي بن الأهناسي إلى الطور ليتوجّه مَنفيًا إلى مكة المشرَّفة يقيم بها بطّالًا (٣). [إسلام عدد من النصارى] وفيه -أعني هذا اليوم، ثم في الذي يليه، أسلم عدّة من مباشري النصارى بسبب الكائنة التي جرت الماضي خبرها، وكانوا من الأعيان، وللَّه الحمد على ذلك (٤). [القبض على الأستادّار] وفيه، في يوم الإثنين تاسع عشره قُبض على زين الدين الأستادّار ووُكِّل به بالقلعة على مالٍ طلبه السلطان منه (٥).

стр. 669

[وصول أول ركْب الحجّاج] وفيه، في يوم (١) الثلاثاء عشرينه، وصل رَكْب كبير قبل الركب الأول، وهم جماعة من المجاورين والعربان (٢). [وصول الركب الأول] وفيه، في يوم الأربعاء حادي عشرينه، وصل الركب الأول وهم في كنف السلامة، وطلع أميره أحمد ابن (٣) الأتابك تَنِبك إلى السلطان فخلع عليه خلعة فوق العادة إجلالًا له (٤). [التوكيل بالأستادّار] وفيه -أعني هذا اليوم أنزِل الزين يحيى الأستادّار إلى دار الشرف الأنصاري ليوكّل به بها إلى أن يقوم بما طُلب منه. [وصول المحمل من الحجّ] وفيه، في يوم الخميس ثاني عشرينه، وصل المحمل، ولقيته الحجّاج إلى القاهرة، ثم طلع أمير الحاج بُرْدُبك وطلع عليه ونزل، وكان قد أحضر معه جماعة من جماعة جانِبَك نائب جُدّة الدوادار، وهم الذين كانوا في التكلّم على بندر جُدّة، منهم علي بن رمضان الآتي في يومه وغيره أيضًا وصودروا (٥). على مالٍ كثير أُخِذ منهم (٦). [إخراج أزبك خاصكي السلطان منفيًّا إلى الشام] وفيه، في يوم السبت، رابع عشرينه أمر السلطان بإخراج أحد خواصّ مماليكه وخاصكيّته أُزْبك منفيًّا إلى البلاد الشامية، وكان عيّنه مسفّرًا للجماعة الذين أُخرجوا إلى الإسكندرية، تمربُغا ومن معه الماضي خبرهم آنفًا، ثم بلغه عنه كلام (٧) فأخرجه منفيًّا في هذا اليوم (٨).

стр. 670

- • وأُزْبك (١) هذا موجود إلى يومنا هذا، وهو الآن أحد الأمراء بطرابلس، ما علمتُ هل أُعطيها حين أُخرج مَنْفيًّا أو بعد ذلك. ويُذكر بحُسن السمْت والسيرة والسكون، وصدق اللهجة، وإنه لا بأس به، كذا أُخبِرتُ عنه ممّن أثق به. [ظهور ابن المزلّق بعد اختفائه] وفيه -أعني هذا اليوم- ظهر البدر بن المزلّق من اختفائه بعد مدّة طويلة فخُلع عليه باستقراره في نظر الجيش بدمشق على عادته، وصُرف ابن (٢) الرسّام. وكان قد وُلّيها عنه قبل ذلك (٣). (تحليف السلطان جماعة من المقدّمين الألوف) (٤) وفيه أيضًا طلب السلطان جماعة من مقدَّمين (٥) الألوف إلى داخل قاعة الدُهَيشة وحلّفهم أَيمانًا مغلَّظة على طاعته لأمرٍ ما أوجب ذلك (٦). (ولاية مغلباي باشيّة الجُند بمكة) (٧) ٢٠٦ - وفيه، في يوم الإثنين سادس عشرينه عيّن السلطان مُغُلْباي الساقي (٨) الأشرفي، أحد العشرات ورؤوس (٩) النُوَب بالخروج إلى مكة المشرَّفة باشًا على
следующие страницы →