← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

[سجن المؤلّف في طرابلس الغرب] وفيه، في يوم الخميس نصفه، وصل إلى طرابلس الغرب قارب فيه اثنان من الأسرى من المسلمين فرّا (١) هربًا من رودس بهذا القارب، ووصلا (٢) إلى طرابلس في هذا اليوم فأخبرا بأن شخصًا نزل من شواني البنادقة بعدّة جوارٍ من طرابلس وباعهنّ برودس، وارتدّ عن الإسلام وهو مقيم به، ودسّ يطلب السفر إلى سردانية. ولما بلغ هذا قائد طرابلس الماضي ذكره بعث يطلبني لأجل الألف دينار التي كنت التزمتها على ما تقدّم ذكر ذلك على ذلك الوجه الماضي بعد أن رتب أن يذكر المخبر بيع الجواري برودس فقط. ولا يذكر ارتداد البائع ولا غير ذلك، فلما حضرت أحضر إليّ الشخصين (٣) فأخبرا بأنهما رأيا (٤) شخصًا ووصفاه بأنه باع عدّة جواري مسلمات للكبار برودس، فعرفتُ أن هذه الصفات صفات ذلك المملوك الذي جَهَّزتُ معه الجواري، فأخذت في المرافعة في ذلك فما أفادني ولا سمع هذا الظالم شيئًا مما أقوله، وأمر في أن أسجن بقصبة طرابلس بسجنها، فحُملت إلى سجنها، ثم بعث إلى داري بجماعة فأخرج ما وجده بها من المتاع، وحُملت أمّ ولدي إليه. وبتُ بالسجن ليلة، ثم قام جماعة من أعيانها من غير أن أسألهم في شيء من ذلك، فكلّموا القائد المذكور في أن هذا ليس بمصلحة. وقام القاضي في ذلك قومة، وكان بلغه أن الذي باع الجواري ارتدّ عن الإسلام، فبعث يقول للقائد إن هذا أمر لا يلزم به شيء لهذا الإنسان شرعًا، كيف وقد ذهب ماله على يد إنسان كان يأتمنه فارتدّ عن الإسلام، ولما علم القائد أن الأمر على خلاف مقصده وعدهم بأنه في الغد من هذا النهار يفرج عنّي، فلما كان الليل أحضرني إليه وتوعّدني وأخافني، وحلف أن الجواري قد أبيعت (٥) برودس، ولا علم عندي أنا بارتداد ذلك المملوك إلّا بعد ذلك، وكان على وسطي نحو الثلاثمائة دينار فأخذها منّي بمكرٍ وخديعة، وحلّفني يمينًا على إبداء شيء (٦) من ذلك لأحدٍ من أهل طرابلس، وأنا لا عِلم عندي بما فعله الناس والقاضي في غيبتي، ثم أصبح فأطلقني، واطّلعت على الكائنة بعد ذلك، وتديّنت على إعطائه (٧) المبلغ، وسكتّ (٨) على مضضٍ كبير، ثم بلغني أن صاحبنا التاجر عبد الحميد العوّادي، كبير التجار بطرابلس، لما بلغه ذلك داهن القائد في أمري خوفًا من شرّه لما بيننا من الصحبة، فقال له: أهل الشرق

стр. 667

قليلون الذين يفعلون ما شاؤوا، وما راعى الصحبة، وراعى هذا الظالم، ولما بلغني ذلك تألّمت له. وكان عندي إنسان من ظرفاء سمرقند يقال له خليل العجمي ممن كان أقام بدمشق والقاهرة كثيرًا، وله إلمام بالنَظْم، فحنق من العوّادي هذا إلى الغاية ثم هجاه بقطعة غريبة في الأهاجي كأنه لسان حالي، أو قالها على لساني، وأنشدنيها ولم يحضُرني منها الآن إلّا ما أثبتُه هاهنا، وهو قوله: بني (١) العوّادي أقوامٌ لئام … حلالُ الشرعِ عندهُمُ حرام لهم فِتَن تُشاعُ بكلّ نادٍ … عليهم لعنةُ المولى دوام شويشوا مشهور … إذا حلّو شواش لا علموا منشور … بسوق الأوباش جَوَّعْ أُمّوا وأولادوا حتى صار ما لو موجود … في الغيبة يا ناس زاد وعوّادي اسمو من عود فلا عجبًا إذا افتخروا بعرضي … فإنّ العَرْضَ عندهمُ مُباح وإنْ قالوا: قليل الدين قلنا … فطيم، لا يريد سوى النكاح مشهور القَطْمة يؤذي من حاذاه … من ينظر عمّه يحسب بنتي أباه ما هو شيء إلّا خَرَيتُه … حاشاه من هو يسمعني ( … ... ) (٢) النّيّة من يقرا ينقل عنّي. وهي طويلة. ثم بعد أيام من هذه الكائنة ورد قارب من أسارى ورد من الأروام المسلمين هاربين منها، وكانوا زيادة على العشرة، فأخبروا بالقضية على جليّتها، وأن ذلك الكلب مملوكي كان باقيًا (٣) على دين النصرانية مُبطِن الكُفْر، مُظهر الإسلام، وأنه ذكر لهؤلاء الأسارى برودس أنه تحيّل عليّ وأخذ الجواري مُظهرًا الاتجار بهنّ في ساحل بيروت لي، وأنه أخذهنّ لنفسه وباعهنّ برودس بحيلةٍ تزيد على الخمسمائة دينار، وارتدّ عن ما كان يُظهره من الإسلام، وأنه ذكر لهم أنه متوجّه إلى جزيرة سردانية بلاده، وكان منه (٤) على ما تقدّم ذِكره، وذكر لهم أنه لما دخل البنادقة بالشواني لرودِس تحيّل على صاحب المركب الفرنجي الذي هو معه، وذكر له أنني ذكرت له أنه إن قُدِّر دخولهم إلى رودس فلْينزلْ بها هو والجواري ويحملهنّ إلى برّ التركية فيبيعهنّ ببلاد الروم لأنهنّ أغلى ثمنًا منهنّ ببلاد الشام، وأنه قال له إنّ

стр. 668

كِراك حاضر معي. وخدع الفرنجيّ صاحبَ المركب بذلك، وأنه كان قد تعامل هو وإنسان من اليهود على ذلك، وأن اليهودي قد أعطاه الكِراء من ماله سلفًا حتى باع الجواري بعد سفر الشواني من رودس. ثم شاعت هذه القصّة على هذا الوجه بطرابلس، وكان عند القائد بعض (١) منها لكنّه أخفاه بتواطئه مع الذين حضروا قبل ذلك من الإثنين الأسرى الماضي ذِكرهما (٢). ولما تحقّقت ذلك ذهبت إليه فأخفته بعودي إلى تونس وشكواه لصاحبها السلطان عثمان ولولده المنصور. ولا زلت أُضمر حق أعاد إليّ ما أخذه منّي، وذهبت الجواري والمحنة بالسجن، ونجّانا اللَّه تعالى من هذه المحنة، والخلف على اللَّه تعالى فيما نَزَلنا. فما أحسن قول من قال، وأحسن في المقال: كم يأسفُ المرءُ على فائتٍ … ما وجد الإسلامَ والعافيَهْ ما دام دينُ المرء مع عقله … دامت له النِعَمُ الكافيَهْ [إخراج ابن الأهناسي إلى مكة بطّالًا] وفيه، في يوم الأحد ثامن عشره أُخرج علي بن الأهناسي إلى الطور ليتوجّه مَنفيًا إلى مكة المشرَّفة يقيم بها بطّالًا (٣). [إسلام عدد من النصارى] وفيه -أعني هذا اليوم، ثم في الذي يليه، أسلم عدّة من مباشري النصارى بسبب الكائنة التي جرت الماضي خبرها، وكانوا من الأعيان، وللَّه الحمد على ذلك (٤). [القبض على الأستادّار] وفيه، في يوم الإثنين تاسع عشره قُبض على زين الدين الأستادّار ووُكِّل به بالقلعة على مالٍ طلبه السلطان منه (٥).

стр. 669

[وصول أول ركْب الحجّاج] وفيه، في يوم (١) الثلاثاء عشرينه، وصل رَكْب كبير قبل الركب الأول، وهم جماعة من المجاورين والعربان (٢). [وصول الركب الأول] وفيه، في يوم الأربعاء حادي عشرينه، وصل الركب الأول وهم في كنف السلامة، وطلع أميره أحمد ابن (٣) الأتابك تَنِبك إلى السلطان فخلع عليه خلعة فوق العادة إجلالًا له (٤). [التوكيل بالأستادّار] وفيه -أعني هذا اليوم أنزِل الزين يحيى الأستادّار إلى دار الشرف الأنصاري ليوكّل به بها إلى أن يقوم بما طُلب منه. [وصول المحمل من الحجّ] وفيه، في يوم الخميس ثاني عشرينه، وصل المحمل، ولقيته الحجّاج إلى القاهرة، ثم طلع أمير الحاج بُرْدُبك وطلع عليه ونزل، وكان قد أحضر معه جماعة من جماعة جانِبَك نائب جُدّة الدوادار، وهم الذين كانوا في التكلّم على بندر جُدّة، منهم علي بن رمضان الآتي في يومه وغيره أيضًا وصودروا (٥). على مالٍ كثير أُخِذ منهم (٦). [إخراج أزبك خاصكي السلطان منفيًّا إلى الشام] وفيه، في يوم السبت، رابع عشرينه أمر السلطان بإخراج أحد خواصّ مماليكه وخاصكيّته أُزْبك منفيًّا إلى البلاد الشامية، وكان عيّنه مسفّرًا للجماعة الذين أُخرجوا إلى الإسكندرية، تمربُغا ومن معه الماضي خبرهم آنفًا، ثم بلغه عنه كلام (٧) فأخرجه منفيًّا في هذا اليوم (٨).

стр. 670

- • وأُزْبك (١) هذا موجود إلى يومنا هذا، وهو الآن أحد الأمراء بطرابلس، ما علمتُ هل أُعطيها حين أُخرج مَنْفيًّا أو بعد ذلك. ويُذكر بحُسن السمْت والسيرة والسكون، وصدق اللهجة، وإنه لا بأس به، كذا أُخبِرتُ عنه ممّن أثق به. [ظهور ابن المزلّق بعد اختفائه] وفيه -أعني هذا اليوم- ظهر البدر بن المزلّق من اختفائه بعد مدّة طويلة فخُلع عليه باستقراره في نظر الجيش بدمشق على عادته، وصُرف ابن (٢) الرسّام. وكان قد وُلّيها عنه قبل ذلك (٣). (تحليف السلطان جماعة من المقدّمين الألوف) (٤) وفيه أيضًا طلب السلطان جماعة من مقدَّمين (٥) الألوف إلى داخل قاعة الدُهَيشة وحلّفهم أَيمانًا مغلَّظة على طاعته لأمرٍ ما أوجب ذلك (٦). (ولاية مغلباي باشيّة الجُند بمكة) (٧) ٢٠٦ - وفيه، في يوم الإثنين سادس عشرينه عيّن السلطان مُغُلْباي الساقي (٨) الأشرفي، أحد العشرات ورؤوس (٩) النُوَب بالخروج إلى مكة المشرَّفة باشًا على

стр. 671

الجند الراكز بها، وعيّن معه خمسين نفرًا من الجُند السلطاني للإقامة بمكة، وعيّن خمسين أيضًا للإقامة بمدينة النبيّ ﵊، واستحثّهم على الخروج سريعًا. ومُغُلْباي (١) هذا موجود إلى زمننا هذا الآن، وهو إنسان حَسَن السَمت والملتَقَى، له ديانة، وعنده خير وعفّة، دام مدّة على هذه الباشيّة، ثم تكرّرت له في دولة الأشرف قايتباي أيضًا. وكان قد جرت عليه كائنة في كائنة خير بك (٢) وسُجن بالبرج أيامًا ثم أخرج خير بك من حديد إلى سجن قلعة دمشق، وبقي هو على ما هو عليه. ويُعرف بصِق، وبالساقي. وهو من مماليك الأشرف برسباي، وصُيّر خاصكيًّا (في دولته) (٣) ثم ساقيًا، ثم أُمِّر عشرة، وصُيّر من رؤوس (٤) النُوَب (في دولة الأشرف إينال وأعطي ( … ) (٥) في دولته، ثم أخرجه الظاهر خُشقدم في دولته باشًا على الجُند بمكة كما ذكرنا في هذا اليوم، ثم صيّره الأشرف قايتباي حاجب الحجّاب بحلب، ثم من مقدّمين (٦) الألوف بدمشق، ثم استُقدم إلى القاهرة ( … ) (٧) في ( ......... .... ) (٨) وعُرف ( … ) (٩) لقانصوه اليحياوي) (١٠) (وهو باقٍ على ذلك) (١١). [موت ولد قائد طرابلس الغرب] وفيه، في أواخره مات ( … ) (١٢) أحد أولاد أبي (١٣) النصر قائد طرابلس، فأسف عليه، زاده اللَّه أسفًا على أسف.

стр. 672

[شهر صفر] [تهنئة السلطان بالشهر] وفيها استهلّ صفر بالجمعة بالرؤيَة، وهُنّيء السلطان به في هذا اليوم. [نيابة كمشْبُغا البيرة] وفيه -أعني صفر هذا- في يوم السبت ثانيه استقرّ في نيابة البيرة كمشبُغا (١) السيفي بخش باي، نائب قلعة حلب الماضي خبر ولايته لنيابة قلعة حلب في محلّه (٢). [نيابة قلعة حلب] وفيه أيضًا استقرّ في نيابة قلعة حلب عِوضًا عن كمشبُغا هذا تغري بردي بن يونس (٣). [حجوبية الحجّاب بحلب] ٢٠٧ - وفيه أيضًا استقرّ في حجوبيّة الحجّاب بحلب أبو بكر بن صالح (٤) الكردي نائب البيرة، وهو باقٍ على هذه الوظيفة إلى يومنا هذا. إنسان حسن السمت والملتقى، كثير السكون والعفّة والأمانة، ولا بأس به، وقد صار من أعيان حلب الآن وأكابر الأمراء بها. [استقرار سودون الشمسي مقدَّمًا بدمشق] وفيه أيضًا استقرّ في جملة مقدَّمين الألوف بدمشق سودون الشمسي البرقي. وكان مسجونًا بثغر الإسكندرية، فخرج له الأمر بإطلاقه واستقدامه إلى القاهرة ليتوجّه منها إلى دمشق (٥).

стр. 673

(توسيط برسباي الدوادار بالحَوش) (١) وفيه، في يوم السبت، تاسعه، وسّط السلطان بَرْسْباي الخاصكي (٢) أحد (الدواداريّة) (٣) وأعيان مماليكه الذين ملكهم من تركة الأشرف إينال وأعتقهم، وكان أحد من تولّى قتل جانبك نائب جُدّة، ثم كان من أعظم القائمين بتلك الكائنة التي تقدّم الذِكر لها، من اتفاق جماعة على الغدر بالسلطان وقتْله غِيلة، وقبل أن يوسّطه أمر به، فضُرب بالحوش بين يديه ضربًا مبرحًا، وهو يقول في أثناء ذلك: أنت الذي أمرتني بقتل جانِبك نائب جُدّة. فقال: كذبتَ عليّ، وقد اعترفتَ بالقتل، فاقتلوه عِوضًا عن نائب جُدّة. ووُسّط بين يديه بالحَوش. وكان قد وُسّط منهم آخر يسمّى قانم (٤) من تمالأ (٥) مع بَرسْباي هذا في تلك القضية على ما يقال (٦). (إعادة ابن البقري إلى الوزارة) (٧) وفيه، في يوم الإثنين، حادي عشره، أعيد الصاحب مجد الدين ابن البقري إلى الوزارة بعد اختفاء يونس بن جَرْبُغا الماضي خبر ولايته لها (٨). [تخوّف سودون البرقي من الذهاب إلى دمشق] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثاني عشره، وصل سودون البرقي المتقدّم خبر تقرّره في جملة مقدّمين (٩) الألوف بدمشق، ووصل وهو متخوّف من توجّهه لدمشق، لئلّا يجري عليه ما جرى على أزْدَمر الإبراهيمي الطويل، فإنّ السلطان كان قد أخرجه

стр. 674

من القاهرة على إمرة طبلخاناة بدمشق، ثم بعث في أثره بالقبض عليه، وإيداعه سجنَ قلعة دمشق. وبلغ سودون هذا، فتوهّم أن يقع له مثله، وهو وهْم باطل، على أنه ولو وقع لكان في محلّه، فإنه أُخرج من سجن إلى سجن، فماذا التخوّف الذي يأباه المقام ظاهرًا. ثم أمر سودون هذا بالتهيّؤ (١) والتجهّز إلى دمشق وخرج إليها بعد ذلك، وكان من أمره ما سنذكره في سنة إحدى وسبعين، والتي تليها أيضًا، إن شاء اللَّه تعالى (٢). [ولاية شَرَمُرْد المؤيّدي دوادارية السلطان بدمشق] وفيه في يوم الخميس، رابع عشره استقرّ جارمُرد، الذي يقال له شَرَمُرد (٣) المؤيَّدي، أحد العشرات بمصر، في دوادارية السلطان بدمشق على الإمرة الطبلخاناة التي كانت أعطيت لأَزْدَمُر الطويل، وخرج إليها وجرى عليه ما تقدّم ذِكره (٤). [اليهودي والمؤلّف] وفيه، في يوم الإثنين، ثامن عشره، قدم إلى طرابُلُس الغرب شخص من القاهرة يقال له عبد الرحمن، كان أصله من اليهود من بلاد الفرنج، وقدم طرابُلُس هذه فتوطّنها مدّة، وتزوّج بها بحارة اليهود امرأة واستولدها، ثم سافر للقاهرة وتوجّه منها لزيارة القدس، فوُجد وهو يزني بمسلمة، فأسلم على كرهٍ منه، ثم عاد إلى طرابلس وأنا بها إذ ذاك، فصار يتودّد إليّ، وقمت معه في خلاص ولده من امرأته اليهودية، وحُكم بأخْذه، فأخذه متوجّهًا به إلى جهة بلاد المغرب الأقصى، بعد أن أحسنتُ إليه غاية الإحسان، ثم ظهر منه في حقّي بعد ذلك من الإساءة المؤدّية إلى الهلاك ما سأذكره في التي تليها إن شاء اللَّه تعالى. [المناداة على الفلوس العُتق] وفيه، في يوم الأربعاء، عشرينه، نودي على الفلوس العُتق بستة وثلاثين درهم الرطل، ونودي ببطلان المعاملة بالفلوس مفاردة وأُدخلت جميعها الميزان. وكانت الفلوس قد ضُربت جُدُدًا قبل ذلك، وتُعُومل بها بالعدد، فأبطل ذلك (٥).

стр. 675

[فرار جانبك العلائي من بلاد الصعيد] وفيه -أعني هذا اليوم- أشيع بالقاهرة بأن جانبك العلائي الأشرفي إينال المعروف بحبيب، الذي كان قد أخرج إلى الصعيد في جماعةٍ من خُشداشيه الإينالية، استحسّ بأنّ السلطان قد بعث بالأمر بالقبض عليه، فهرب فارًّا بنفسه من بلاد الصعيد، ومعه عدّة من خشداشيه الإينالية، وأشيع بأنه توجّه إلى جهة بلاد العَبيد (١)، وقيل إلى غيرها، ثم تحقق بأخرة بأنه توجّه لجهة بلاد المغرب. ولقد أجاد في ذلك وأرجل (٢). ٢٠٨ - وجانبك حبيب (٣) هذا موجود إلى يومنا هذا، وهو الأميراخور الثاني بعصرنا الذي نحن به، فلْنترجمه على عادتنا في تراجم الأحياء. هو في الأصل من مماليك العلاء ابن أَقْبَرْس (٤)، على ما تقدّم ذِكر شيء من ذلك في ترجمة العلاء هذا (٥)، وقدّمه للظاهر جقمق، ومات عنه كتابيًا، فملكه الأشرف إينال، في جملة كتابية الظاهر، ثم اختصّ به فرقّاه إلى الخاصكية، ثم صيّره خازندارًا صغيرًا، ثم من جملة الدوادارية. ومَهَرَ في دولة أستاذه وشُكر، وقُصِد لكثير من المهمّات، وخُدم من الناس، وكثُرت حماياته والدين، ودام وجيهًا في دولة أستاذه إلى أن مات، فتقرّب من ولده المؤيَّد زيادة تقرّب، لكنّه لم يؤمّره لاشتغاله بأول الدولة، وقصده ذلك مع اعتنائه به. ثم لما تسلطن الظاهر خُشقدم أخرجه مَنْفيًّا إلى الصعيد مع جملة (من أخرج) (٦) (٧) من خُشداشيه. وكما جرت كائنة نائب جُدّة -على ما تقدّم- تخوّف جانبك هذا على نفسه، فاختفى

стр. 676

بالصعيد، حتى أشيع عنه فِراره إلى بلاد السودان وغير ذلك. وأخذ هو في أسباب التوجّه إلى المغرب من على طريق بَرْقَة، وهو في غاية والحذر والتخوّف على نفسه، وما عرف بنفسه حتى دخل برقة، وله في ذلك حكاية تطول. ثم دَخل طرابُلُسَ، وكنت أنا إذ ذاك قد خرجتُ منها، ودخلها عقيب سفري بقليل، وبلغني خبر قدومه بتونس، ثم قدِمها وأكرمه صاحب تونس وأحسن إليه، حتى اتصل به وأكرمه، ورتّب له شيئًا يكفيه، وأقام بتلك البلاد إلى أن بلغه وفاة (١) الظاهر خُشقدم، فعاد إلى القاهرة بإذنٍ من ابن (٢) عثمان، ثم وصل إليها في أوائل سلطنة الأشرف قايتباي، وطلع إلى القلعة بزيّ الأروام وهيئتهم، فأكرمه السلطان. وأقطعه إنْبابه في الحال بعد أن أخرجها عن الخليفة، وهي إمرة عشرة. ثم صيّر من رؤوس (٣) النُوَب، ثم من الطَبْلخاناة عِوَضًا عن حَمْوه خير بك من حديد لما تقدّم. ثم رقّاه، إلى الأميراخورية الثانية عِوَضًا عن يشبُك جن (٤) حين تقدّم، وباشر هذه الوظيفة مباشرة حسنة، وهي بيده عدّة سنين، وتوجّه رسولًا عن السلطان لابن عثمان. وعاد. وهو إنسان حَسَن السَمت والملتقى، حَسَن السيرة، غزير العقل، تامّ المعرفة، فصيح العبارة، طلْق المُحيّا، بشوش الوجه، له معرفة وسياسة وكياسة، وحُسن هيئة وشكالة، ولذا قيل له حبيب. وله أدب وحشمة، وعنده سكون زائد ومحبّة لأهل العلم والفضل والفقراء، وله تقرّب للسلطان ويراكبه ويسايره غالبًا، وله عصبية. وخرج في نوبة باينْدُر، وأُسر في جملة من أُسر بعد قتْل يشبُك، وخلّص بعد ذلك، وعاد من تبريز مع من عاد من أكابر الأمراء. وهذه نبذة من ترجمته، وستأتي تفاصيل الكثير مما ذكرناه كلٌّ في محلّه من تاريخنا هذا إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 677

[المناداة بعودة المماليك الإينالية إلى الصعيد] وفيه، في يوم الخميس، حادي عشرينه، نودي من قِبل السلطان بأن من جاء من بلاد الصعيد من المماليك الإينالية يعود إليها، وإن وُجد بعد هذه المناداة وما عاد، يُنَكَّل به، ولا يلوم إلّا نفسه، وإن من أحضر منهم واحدًا فله خمسُمائة دينار (١). وكان سبب هذه المناداة أنه بلغ السلطانَ أن رفقة جانبك لما هرب هو حضروا للقاهرة، فشقّ ذلك عليه، وأمر بما أمر. (لبس السلطان الصوف على خلاف العادة) (٢) وفيه، في يوم الإثنين، خامس عشرينه، الموافق هاتور، لبس السلطان الصوف بالقصر، وألبس الأمراء على خلاف العادة في ذلك، وكان قد قصد أن يلبسه بمطعم الطير، فأشيع وقوع فتنة، وفشا ذلك حتى نقل الكثير من الناس شيئًا كثيرًا من أمتعتهم وأثاثهم من ديارهم، ثم لم تصحّ هذه الإشاعة (٣). [ربيع الأول] [تهنئة السلطان بالشهر] وفيها استهلّ ربيع الأول بالأحد، وهُنّيء به السلطان على العادة، ولم يقع فيه ما يؤرّخ. [غضب السلطان من عودة الغُزاة من قبرس] وفيه، أعني هذا الشهر، في يوم الثلاثاء ثالثه، أشيع بالقاهرة بأن الغزاة الذين توجّهوا إلى قبرس عادوا إلى سواحل البلاد الشامية وغيرها، وبلغ السلطان ذلك، فحصل عنده بذلك الباعث، وغضب غضبًا شديدًا، كونهم حضروا بغير إذنٍ منه. ثم ترادفت الأخبار في ذلك بصحة هذه الإشاعة (٤).

стр. 678

[عمل المولد النبويّ] وفيه، في يوم الأحد ثامنه، عمل السلطان المولد النبويّ على العادة، ثم عمل من عنده مولدًا آخر لزوجته الخَونْد شُكْرْبَاي (١). [إمرة الحاج بالمحمل] وفيه، في يوم الإثنين، سادس عشره، استقرّ في إمرة الحاجّ بالمحمل أحمد بن عبد الرحيم العَيني، سِبط الخَوَنْد شُكْرْباي، وذلك لكون الخَوَنْد المذكورة عزمت على الحج في هذه السنة، فأرادت أن تكون مع سِبطها هذا، ثم أخذت خَوَنْد في التهيّؤ (٢) والتجهّز في الحج (٣). [استقرار ابن يشبُك في إمرة الركب الأول] وفيه استقرّ الشرف يحيى بن يشبُك الفقيه الدوادار، سِبط المؤيَّد شيخ (في إمرة الركب الأول (٤)) (٥). [ولاية الأستادّارية] وفيه أيضًا استقرّ في الأستادّارية المجد (٦) بن البَقَري، عِوَضًا عن زين الدين بعد اختفائه (٧). [وزارة البِبائي] وفيه أيضًا استقر في الوزارة محمد البِبَائي (٨) الذي تقدّم خبر استقراره في نظر الدولة، بعد كونه معاملًا في اللحم زفوريًا، ولم يُخلع عليه في هذا اليوم، بل قُرّر فيها ثم خُلع عليه بعد ذلك في يوم الثلاثاء سابع عشر الشهر، فصار يقال له

стр. 679

الصاحب الوزير بعد أن كان يقال له المعلّم. وهو أول زفوريّ تولّى الوزارة فيما نعلم. وكانت وزارته من أعظم المصائب والعار والمعايب (١). [وصول الغزاة من قبرس] وفيه، في يوم الجمعة، سابع عشرينه، وصلت الغزاة من قبرس إلى القاهرة من عدّة سواحل، وطلع جانِبَك قُلَقْسِيز، وبُرْدُبَك، وخلع عليهما، وما أمكن السلطان غيرُ ذلك، لقُرب العهد بالفِتن وللإرجاف بها في كل قليل، فما حرّك ساكنًا، ولا أثار كامنًا، مع ما في نفسه من ذلك، ونزلا على الخيول بالسروج الذهب والكنابيش، وخلع على جميع من كان معهما من الأمراء، ونزلوا إلى دُورهم (٢). [ربيع الآخر] [شادّية عمارة المراكب] وفيها، في يوم الإثنين، ثامن ربيع الآخر، استقر بَرْسْباي قَرا (٣) المحمّدي الظاهري، الذي هو رأس نَوبة النُوَب في زمننا هذا (٤). وقد مرّت ترجمته ( … ) (٥) تولّى شادّية عمارة المراكب التي اهتم السلطان لعمارتها لأجل الجهاد. وكان بَرْسْباي هذا إذ ذاك أحد العشرات ورؤوس (٦) النُوَب. [أخبار بعزل قائد طرابلس الغرب] وفيه، في يوم السبت، خامس عشرينه، ترادفت الأخبار لطرابلس المغرب من تونس بإنّ القائد ظافر بن جاء الخير أخا أبي (٧) النصر قائد طرابلس، قد عُيّن

стр. 680

لقيادة طرابُلُس، وأُرجف بولايته لها، وبلغ الظالم أبا النصر المذكور ذلك، فحصل عنده الباعث الشديد والتخوّف الذي ما عنه مزيد، وأذِن في الانخفاض عمّا كان عليه من ( … ) (١) بعض ما يزعم له من العدل، وكفّ عن كثير من أسباب الأذى عمّا كان عليه قبل ذلك. ثم لم يكن شيء (٢) من ذلك، ولما تحقّق عدم صحّة ذلك أخذ ينكّل بمن أحسّ منه أنه سُرّ بما كان قد أشيع، وبمن أحسّ منه ( … ) (٣) وشماتة به في ذلك، وتسلّط على بعض أعيان بطرابلس بالأذى. منهم صاحبنا سيدي محمد الخطيب، بل طلبه وقصد أذاه، فخلّصه اللَّه تعالى منه وحماه. [مقصد صاحب تونس طرابلس الغرب] وفيه، في هذه الأيام، ورد الخبر أيضًا إلى طرابُلُس بأن صاحب تونس السلطان عثمان المتوكل على اللَّه خرج منها قاصدًا طرابلس، فعاد وهْم قائدها الماضي ذِكره، وزاد خوفه لكثرة ظلمه وأذاه. [نيابة طرسوس] وفيه، في يوم الإثنين، تاسع عشرينه، استقرّ دمرداش في نيابة طرسوس بعد موت () (٤) ابن (٥) جانبك] (٦) الجِكمي (٧). [جمادى الأول] [نيابة حلب] وفيها، في يوم الإثنين، سادس جماد الأول، استقر في نيابة حلب بُرْدُبك الفارسي (٨) الظاهري حاجب الحجّاب، المعروف بالبَجْمَقْدار، عِوضًا عن جانبك التاجي (٩)، بحكم صرفه عن نيابة حلب، وطلبه إلى القاهرة على إقطاع بُرْدُبك

стр. 681

المذكور (١). وكان من أمر جانبك هذا ما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى. [حجوبية الحجّاب] وفيه، في يوم الخميس تاسعه، استقرّ في حجوبية الحجّاب أُزبَك من طَطَخ الظاهري، عِوضًا عن بُرْدُبك البَجْمَقْدار (٢). [الشروع في عمارة المراكب] وفيه، في هذه الأيام، شرع بَرسْباي قَرا، الماضي خبر إقامته شادًّا على عمارة المراكب، في عمارة ما نُدب إليه من ذلك. [قدوم الخيضري إلى القاهرة] وفيه في يوم الإثنين عشرينه قدم القُطْب الخَيْضري (٣) من دمشق إلى القاهرة (٤). [قدوم قانصوه الجُلباني] وفيه، في يوم سلْخه، حضر من دمشق قانصوه الجُلباني الحاجب

стр. 682

الثاني، وعلى يده سيف تَنَم من عبد الرزاق (١) نائب الشام وأخبر بموته. [جمادى الآخرة] [التهنئة بالشهر] وفيها استهلّ جمادى الآخرة بالخميس وهُنّيء فيه السلطان بالشهر. [نيابة الشام] وفيه -أعني هذا الشهر- في يوم الخميس هذا، خرج الأمر باستقرار جانبك التاجي المعزول عن نيابة حلب في نيابة الشام، وبَطَل ما كان قصده السلطان من إحضاره على تقدمة بُرْدُبك البَجْمَقْدار، بل ولعلّه ندم شيئًا، كونه حرّك إخراج بُردُبك إلى حلب من غير مندوحة ظاهرة، حتى لو علم أن هذا يجري لآخر ذلك، ليكون بعد ذلك بمندوحة. وكان إخراج بُردُبك لحلب عنده من أعظم ذنوب الظاهر هذا وإساءته إليه. ومن حينئذٍ أخذ في مباينته بزيادة، وكان من أمره ما سنذكره بعد ذلك في كائنة شاه سوار، وما أشيع عنه من العصيان، وموافقة سوار ومواطأته (٢). [تقدمة الفقيه مُغُلباي طاز] وفيه قُرّر في تقدمة بُردُبك يشبُك الفقيه الدوادار، وقُرّر في تقدمته يشبُك الفقيه مُغُلباي طاز، فجعله من المقدّمين في هذا اليوم (٣). [تقدمة قايتباي المحمودي] وفيه استقر في جملة المقدّمين أيضًا الأمير قايتباي المحمودي شادّ الشراب خاناه، بأنْ قرّر السلطان إقطاع مُغُلباي طاز، وهو طبلخاناه، باسم قايتباي هذا مضافًا لِما بيده من الطبْلخاناة، فضُمّا وصُيّرا تقدمة. ولم يل قايتباي هذا تقدمةً مستقلّة من التقادم بالقاهرة، وهذا أول تقدّم قايتباي هذا وبين تقدمته ثم ولايته السلطنة بعد ذلك أربع سنين، وهي من النوادر الغريبة (٤).

стр. 683

[تعيين قانباي الحَسَني مسفّرًا] وفيه عيّن السلطان قانِباي الحَسَني المؤيَّدي (١) مسفّرًا لجانبك التاجى نائب الشام بحمل تقليده وتشريفه بذلك. [شادّيّة الشراب خاناه] وفيه أيضًا قُرّر في شادّية الشراب خاناه نانِق الظاهري (٢) الأميراخور الثاني، عِوضًا عن قايتباي (٣). وقُرّر في الأميراخورية الثانية جانِبَك من طَطَخ الظاهري عِوضًا عن نانِق (٤). ٢٠٩ - • وجانبك الفقيه (٥) هذا هو الذي وُلّي بعد ذلك الأميراخورية الكبرى ثم إمرة سلاح، ثم خرج أميرًا على الحاج في سنة ثلاث وثمانين، وبعث إليه بالعَقَبَة في عَوده بتوجّهه إلى القدس بطّالًا، حتى مات بها في سنة أربع وثمانين (٦). وستأتي ترجمته في ذِكرنا هذه السنة من تاريخنا هذا إن شاء اللَّه تعالى. (كائنة الجثّة) (٧) وفيه، في يوم الأحد، رابعه، وقعت نادرة غريبة من أغرب النوادر وأعجبها بالقاهرة، ما سمعنا بمثلها قبلها قطّ، وهي أن شخصًا كان له على آخر دَين يسير، وهو مبلغ سبعمائة درهم فلوس نُقرة، عبارة عن دينارين وثلاث (٨) في زمننا هذا، قضاه منها المديون شيئًا، وبقي خمسمائة، ومَطَله فيها، فاتفق أن مات المديون وعليه الدَّين بعد مدّة يسيرة. فجُهّز وأُخرج ليُدفن، وقبل وصولها إلى محلّ الدَّفن بلغ صاحبَ الدَّين ذلك، وأنه أُخرج، فتوجّه مسرعًا ومعه أربعة نقباء، حتى أدرك الجنازة قبل أن توضع عن أعناق الرجال، فأمسك نعشَ الميت ورجع به حتى دخل

стр. 684

بالميت من باب النصر، بعد أن عولج أشدّ علاج بأن يُمهل إلى أن يدخل الميت، ثم تُعمل مصلحته، ثم يُدفن بذلك، ولما رأى العامّة ذلك صاحوا: الشرع، الشرع. واجتمع جمع وافر (١) منهم، وأخذوا التفتيش بجثته والغريم حتى وصلوا بهما إلى المدرسة الصالحية بين القصرين، وقد زاد الناس، وتوفّر جمعهم، وكثُر السواد الأعظم من الناس لما تسامعوا بهذه الكائنة، وتزاحموا ودخلوا بالدائن المشتكي والجنازة إلى داخل المدرسة، حتى وقفوا عند القاضي جلال الدين ابن (٢) الأمانة (٣)، أحد نواب الحكم الماضي ذِكره، للحكم في هذه الحادثة. ولما رأى القاضي ذلك هاله الأمر، فأخذ يتلايق في ذلك بحسن سياسته، لئلّا يحصل الفساد ويقع الخَرق، فبدر أولًا بأن قام من وقته فتوضّأ، ثم صلّى على الجنازة، ثم عزّر ربَّ الدَّيْن أبلغ تعزير، وكان في ذلك خلاص مهجته، وإلّا فكانت العامّة قتلوه بأيديهم، على أنهم تناولوه بالضرب والشتم واللعن والتوبيخ، وضربوا النُقباء، ثم حُمل الميت إلى محلّ دفنه فدُفن، وعُدّ ذلك من سياسة هذا القاضي ودُربته وكياسته، وحُمد على ذلك (٤). [تجهيز قائد طرابلس المال لسلطان تونس] وفيه، في هذه الأيام، ونحن بطرابُلُسَ الغرب هيّأ (٥) قائدُها جملة من المال مستكثَرة، فوق المائة ألف دينار، وهي الحمْل المقرَّر عليه في كل سنة، جهّزه ليُحمل إلى صاحب تونس، على يد ولده شاشي. وكان شاشي هذا قد عزم على التوجّه لتونس بإعادة من حضر من النساء فيها، مع ابنة عمّه ظافر التي تزوّج بها شاشي هذا، وعمل لها بطرابُلُس عرسًا حافلًا عظيمًا قبل هذا التاريخ بشهور، وأقاموا مدّة، ثم أرادوا العَود (٦).

стр. 685

[خروج المؤلّف من طرابلس الغرب] وتهيّأت أنا أيضًا للسفر إلى تونس عائدًا إليها مع هذه الرفقة. وبلغ أبا النصر عزمي، فاختشى (١) من ذِكري له بسوء عند صاحب تونس، أو ولده المسعود، فبعث إليّ يستعطف خاطري، ويعتذر إليّ، حتى حلفت لقاصده يمينًا أنني لا أذكره بسوء. ثم بعث إليّ بشيء على جهة الهدية، فلم أقبله. فتوهَّم شيئًا، ولم يزل حتى قبلت ذلك. وفيه، في ثانيه خرج شاشي المذكور بجماعة، وخرجت أنا مع هؤلاء من جملة المتوجّهين إلى تونس. [تعيين تجريدة للبحيرة] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثالث عشره، عيّن الظاهر خُشقدم تجريدة للبُحَيرة، فكتب من الجُند السلطاني أربعمائة جندي، عليهم أُزبك من طَطَخ حاجب الحجّاب، وصُحبته عدّة من الأمراء، منهم جانبك [كوهيه] (٢) أحد الطبلخاناه، والدوادار الثاني، وكَسْبَاي الشِّشّماني (٣) المؤيَّدي، أحد الطبْلخاناه أيضًا، المعروف بالسمين. ومن العشرات أرغون شاه الأشرفي (٤) أستادّار الصحبة، [وقانَم نَعْجَة] (٥)، وجانَم أمير شُكار، وتَنِبَك الأشقر (٦)، وتَغْري بَرْدي الطيّاري (٧)،

стр. 686

وقانْصوه، وقانِباي الساقي (١)، وأخذوا في التجهّز للخروج (٢). [نزول السلطان لزيارة بعض الأمراء] وفيه، في يوم الأحد، ثامن عشره، خرج السلطان من القلعة ونزل إلى دار بُردُبك البَجْمَقْدار (٣) نائب حلب ودخل إليه [من باب زويلة] (٤) ثم خرج من عنده ودخل إلى دار برقوق الظاهري (٥) الذي بالرملة، فلم يجد برقوق بداره (٦). [موت جانبك التاجي المعزول عن نيابة حلب] وفيه، في يوم الإثنين، تاسع عشره، ورد الخبر بموت جانِبَك التاجي الذي عُزل عن حلب، ووُلّي بعد ذلك الشام على الكيفية التي تقدّم خبرها، وكان بعد بحلب، وبلغه عزْلُه عنها، ولم يبلغه ولايته للشام حتى بَغَتَه أجله، كما سنذكره في التراجم. وعُدّت هذه الحادثة من النوادر، كون هذا يُعزَل عن حلب، ثم يتولّىِ نيابةَ الشام عن قريب، ثم يموت عقيب ذلك قبل أن يبلغه، وما ذلك على اللّه بعزيز (٧). [نائب طرابلس ينقل إلى نيابة دمشق] وفيه، في يوم الثلاثاء، عشرينه، استقرّ السلطان ببَرْسْباي البُجَاسي نائب طرابُلُس في نيابة دمشق، عِوضًا عن جانِبَك التاجي، وعُدّ ذلك من النوادر، كون

стр. 687

نائب طرابُلُس يتولّى نيابة الشام دفعةً واحدة. وأمر السلطان قانِباي الماضي خبرُ تعيينه مسفّرًا لجانبك، مسفّرًا لبَرسْباي، يحمل تقليده وتشريفه إليه. وكان قانباي هذا قد خرج من القاهرة متوجّهًا لجانبك، فوافاه خبر موته بقَطْيا (١). [نيابة جانبك الناصري طرابلس] وفيه، استقرّ في نيابة طرابُلُسَ جانِبَك الناصري، المعروف بالحاجب (٢)، نقلًا إليها من نيابة حماة، وعيّن السلطان (مسفّره) (٣) لاجين الظاهري (٤) الذي وُلّي فيما بعد إمرة مجلس، ومات بعد ذلك في سنة ست وثمانين على ما سيأتي ذلك إن شاء اللَّه تعالى (٥). (ولاية إينال نيابة حماة) (٦) وفيه قُرّر بلاط (٧) دوادار الحاج إينال في نيابة حماة نقلًا إليها من صفد، وعُيّن لحمل تقليده إليه طُوخ الأبوبكري (٨) المؤيَّدي الزَّرَدْكاش (٩). (ولاية أوش قلق نيابة صفد) (١٠) ٢١٠ - وفيه استقرّ السلطان بخُشْداشيه يشبُك المؤيَّدي المعروف بأوش

стр. 688

قلق (١) في نيابة صفد، نقلًا إليها من تقدمة ألف بدمشق، وعيّن إليه لحمل تقليده خُشكَلْدي البَيسَقي (٢)، أحد مماليك السلطان من الخدّام عنده في حال إمرته، وهو الذي وُلّي الرأس نوبته الكبرى بعد موت أستاذه، ونُكب بعد ذلك. وهو موجود إلى يومنا هذا، فلْنُترجمه. كان أستاذه أولًا بَيْسَق اليشبُكي (٣) نائب قلعة دمشق، وهو الذي أعتقه. وقد مرّت ترجمته، في الماضي من سِنيّ تاريخنا هذا في سنة ثلاثٍ وخمسين (٤)، واتصل بعد موته بخدمة الظاهر خُشقدم في أيام إمرته من جملة مقدَّمين (٥) الألوف بدمشق، واختصّ به ورقّاه إلى عدّة وظائف عنده أيام الإمرة، إلى أن تسلطن، فصيّره خاصكيًّا على إقطاع هائل، وبعثه في هذا الشُغل الذي ذكرناه، وحصل له مال، ثم جعله رأس نَوبة الجَمْدارية، ثم إمرة عشرة، ثم صيّره من جملة رؤوس (٦) النُوَب، ثم ولّاه حسبة القاهرة بعد صرف سودون الفقيه (٧) عنها، ثم رقّاه إلى شاذية الشراب خاناة بعد نافق لما قدّمه، ومات أستاذه وهو على ذلك. ولما تسلطن الظاهر تمربُغا صيّره من مقدَّمين (٨) الألوف، أو تقدّم في دولة الظاهر يُلَباي على ما أظنّ، ثم صيّر رأس نوبة النُوَب، عِوضًا عن قايتباي سلطان العصر، لما نُقل إلى الأتابكية عِوضًا عن تَمُرْبُغا لما تسلطن بعد خلع يُلباي في فتنة يشبُك الفقيه. ولما جرت فتنة خيربك التي خُلع فيها تمربُغا، وتسلطن الأشرف قايتباي اختفى خُشْكَلدي هذا، ثم ظهر فقُبض عليه وصودر، وأُخذ منه المال الطائل، ثم نُفي إلى دمشق بطّالًا أو إلى القدس، ثم أذِن له بعد ذلك بالخروج إلى دمشق، وهو مقيم بها إلى يومنا هذا.

стр. 689

وكان قد تزوّج بابنة الخليفة المستنجد باللَّه وفُتح عليه بعد خروجه. وهو إنسان غير مشكور، وستأتي تنقّلاته المذكورة هاهنا محرّرة على التفصيل فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى. [تقرير شَرمُرد دوادار السلطان في تقدمة يشبُك] وفيه قرّر السلطان شرمُرد العثماني المؤيَّدي دوادار السلطان بدمشق في تقدمة يشبُك المنتقل إلى نيابة صفد (١). (كائنة أتابك جانبك الأبلق بالماغوصة) (٢) وفيه، في يوم الجمعة، ثالث عشرينه، ورد إلى القاهرة قاصد جاكم بن جُوان (٣) متملّك قبرس الماضي ذِكره آنفًا، لا سيما في الدولة الإينالية، وعلى يده مكاتبة من مرسله، بأنه أخذ مدينة الماغوصة وقلعتها من يد الفرنج، بعد أن أمّنهم على أنفسهم وأموالهم، وأنه سلّمها لجانبك الأبلق (٤) باش العسكر المقيم بقبرس، وأن جانِبَك المذكور أساء السيرة في أهل الماغوصة لما تمكّن منها، ونقض الأمان والصلح الذي وقع، ومدّ يده لأخذ أولاد الأعيان من أهل الماغوصة من الصبيان الأحداث الحِسان الوجوه، وأن ذلك شقّ عليهم وما احتملوه، وقالوا له: ليس هذا من شرط الأمان، فإنكم لم تأخذوا منّا البلد والقلعة إلّا بالمصالحة والأمان على أنفسنا وأولادنا وأموالنا، وبهذا الشرط دخلنا تحت طاعتكم، وقد نقضتم وغدرتم، فنحن أيضًا نغدر وننقض، وصمّموا أولًا على ذلك، وأنهم يقومون ويقاتلوا حتى يغلبوا أو يُغْلبوا، عساه يرعوي فما ارعوى، وتلطّفوا به إلى الغاية فما التفت إليهم بوجهٍ من الوجوه، واستمرّ على ما هو عليه، فبدروا بأن بعثوا إلى جاكُم بما وقع، وعرّفوه بالخبر، فبادر جاكُم أن بعث إليه يتلطّف به في هذا الشأن ويعرّفه أن ذلك مما يؤدّي إلى تقليل ناموس السلطان في هذه البلاد، وإلى اتساع الخَرْق، وربّما كُسِرت الحُرمة السلطانية وفشَت القضية، وأكّد في نهيه عن ذلك، خوفًا من حدوث ما حدث بعد ذلك من مخالفة، وأنه لما وصل إليه القاصد بهدله، وما ارعوى حتى ضربه وأوسعه سبًّا، وعاد إلى منزلته على هذه الهيئة، فاحتمل

стр. 690

الألم لأجل عمل المقرّر، وأعاد إليه بثانٍ من القُصّاد، وهو يتدخّل عليه ويخوّفه من عاقبة هذا الرأي، ففعل بقاصده الثاني كفعله بالأول وزيادة، فاضطر جاكُم للركوب بنفسه من الأفقُسيّة قبل اتساع هذه القضيّة عساه يعد لو كره ذلك، وجاء إليه، فلم يلتفت له ولا عرّج عليه، بل واستطال في حقّه بالقول في جماعته وأعيان قومه ومملكته، وبهدله بالفاحش من الكلام، فأخذ جاكم يتلطّف به، وكلّمه ثانيًا، فحنق جانِبَك منه، وضربه بشيء كان في يده، فسقط جاكم مغشيًّا عليه، ولما رأى ذلك من رجال جانِبَك أخذتهم الأنَفَة، لا سيما وهم بمملكتهم وبلادهم، فمدّوا أيديهم إلى جانبك ومن معه من المسلمين، وثارت فتنة كبيرة تقاتلوا فيها بالسيوف، وكان فراغ أجل جانبك من ذلك، وقُتل شرّ قتلة، وقتل معه خمسة وعشرون نفرًا من الجُند السلطاني. هذا ما كان من جاكم في كائنة قتل جانبك الأبلق على يد قاصده. وكان اسم القاصد يعقوب، وأخذ جاكم يعتذر إلى السلطان غاية الاعتذار، وكذلك قاصده يعقوب، وذكر أن ( ......... ) (١) ملكها جاكُم وأنها في يده، وهو نائبٌ فيها عن السلطان حتى يرى فيها السلطان رأيه، وأنه بافي على الطاعة، ولم يكن يودّ أن يقع ما وقع. وأوسع يعقوب أيضًا الاعتذار، وما ذُكر من الاختلاف بعد هذا، أي قتْل جانبك فليس كما ذكر. والأقرب ما ذكرناه وحرّرناه، ولا التفات لِما ذكر عداه من الوجوه العديدة في ذلك. ولما عرف السلطان بذلك وتحقّق الحال عيّن سودون المنصوري (٢) للخروج مع يعقوب قاصد جاكُم للكشف عن جليّة هذه الكائنة حتى يبني عليها السلطان ما يدبّره بعد ذلك. وتجهّز سودون هذا وخرج، ثم جرت عليه أمور يطول الشرح في ذكرها سنذكر شيئًا منها (٣). [دخول المؤلّف مدينة قابس] وفيه، في يوم الأحد خامس عشرينه، دخلت إلى مدينة قابس بالقرب من القيروان، فرأيت مدينة عجيبة، غير أنها خربت جدًا، وليس بها إلّا القليل من الناس والعمارة، فسبحان من لا يتغيّر.

стр. 691

[دخول المؤلّف مدينة القيروان] وفيه، في يوم الأربعاء ثامن عشرينه، دخلنا إلى مدينة القَيروان، وحللت بها للإقامة شيئًا، فأنزَلَنا الشيخ الإمام العالم، العلّامة أبو عبد اللَّه محمد بن محمد بن محمد البَلَوي الشهير بابن البكّوشَ، عالم القيروان ومفتيها وخطيبها، بدارٍ إلى جانب داره، وأنس إليّ جدًّا، وأخذت بعد ذلك في الحضور إلى مجالس دروسه، وأخذنا عنه العلم الكثير في الوقت اليسير باجتهاد وكثرة ترداد، ما بين قراءة بنفسنا عليه وسماع، واستفدنا منه نُبَذًا جيّدة في صناعة الطب، وحصّلنا الفوائد الجمّة الجليلة إلى الغاية والنهاية، وأجاز لنا. [شهر رجب] (إعادة المناوي للقضاء) (١) وفيه، في يوم السبت خامس شهر رجب أعيد الشرف المناوي إلى منصب القضاء الشافعية بالديار المصرية (٢)، بحكم وفاة شيخ الإسلام العَلَم البُلقيني. وستأتي ترجمته في الوَفَيات رحمه اللَّه تعالى. [دورة المحمل] وفيه، في يوم الإثنين، عاشره، أدير المحمل على عادة دورانه في كل سنة بعد أن زُيّنت القاهرة قبل ذلك على العادة أيضًا. [خروج تجريدة ثانية إلى البُحيرة] وفيه، في يوم الخميس، ثالث عشره، خرجت تجريدة ثانية إلى البُحيرة، عليها طومان باي الظاهري (٣)، وخُشْكَلْدي البَيْسَقي رِدْفًا وعونًا ومددًا لقَرْقَماس الجَلَب أمير سلاح، ومُغُلْباي طاز، وكانا قد خرجا إليها قبل ذلك. [ولادة مولود للسلطان] وفيه وُلد للسلطان ولد ذكَر أيضًا من بعض سراريه.

стр. 692

(كائنة ابن (١) عطيّة وحرْقه بدمشق) (٢) وفيه ورد الخبر بكائنة محمد بن عطيّة البرددار (٣) بدمشق، وهي قتْله ثم حرْقه بالنار في يوم الخميس ثاني عشرين جمادى الآخرة. وكان محمد بن عطيّة هذا برددار عند جانَم، ثم اتصل بعدها بينهم أيضًا برددارًا وظلم وعسف، وخرج في ظُلمه عن الحدّ، وكان من كبار الظَلَمَة رأسًا في تفتيق المظالم، وسنّ السُنَن السيّئة، وكان من جماعة الظلمة الذين أحرقوهم الشاميّين (٤) قبل هذا التاريخ أيضًا. ولما مات تَنَم ادّعى عليه بدعاوى (٥) كبيرة، بشعة شنيعة، فيها ما يقتضي الكفر. وجرت عليه خطوب يطول الحال في ذكرها، آل فيها الأمر إلى قَتْله، ثم حَرَّقته العامّة (٦). (كائنة قانبك المحمودي) (٧) وفيه، في يوم الإثنين، سابع عشره، اختفى قانِبَك المحمودي المؤيَّدي، أحد مقدَّمين (٨) الألوف وخُشداش السلطان، وكان من خبر ذلك أنه كان وقع بين مماليك السلطان ومماليكه فتنة كبيرة بسبب إسطبل كل من الطائفتين يريد سُكناه، فتعارضا، وأدّى ذلك إلى المقاتلة، وبلغ السلطان ذلك، فبعث لقانبك بأن يبعث إليه بمن قاتل مماليكه، فامتنع قانبك من ذلك، وتكلّم بكلام خشن فيه الجفاء وقلّة الأدب على السلطان، وذلك لطيشه وعادته في تهوّره وخفّته، ولاستدلاله على السلطان، ثم فكّر بعقله في عاقبة ما صدر منه، فاختشى وتخوّف من ذلك فاختفى. ولما بلغ السلطان ذلك أمّنه على نفسه، وأمر قانم التاجر أمير مجلس بأن يفحص عن مكانه ويتوجّه إليه بنفسه، ويبلّغه أمان السلطان وعفوه عنه وعدم مؤآخذته، بل

стр. 693

ويعرّفه بأنه يكون مُعْفَى عن الخدم بسبب ما يعتريه من مرض المفاصل، إلى أن يحصل له الشفاء التام، وأن يحضره إلى منزله، مع تطييب خاطره، ففعل ذلك (١). [تعيين تجريدة ثالثة إلى البُحيرة] وفيه، في يوم السبت، ثاني عشرينه، عيّن السلطان تجريدة ثالثة للبُحيرة أيضًا، نجدة ومددًا لمن توجّه قبل ذلك. وكان ورد الخبر عليه بالتقاء العسكر السلطاني بالعرب، وأنه مات جماعة من الجُند السلطاني قُتلوا من العرب. واستحثّ السلطان من عيّنه في هذا اليوم، وحرّضهم على الإسراع في التجهّز والخروج بسرعة (٢). (نادرة غريبة) (٣) وفيه ورد خبر من تونس إلى القيروان بأن شخصًا دخل إلى مدينة تونس مدّعي المعرفة بالطبّ، مع طعنه في من وُجد من أطبّاء تونس، وأنهم لا يعرفون شيئًا، وأنه سعى إليه ذوو (٤) الأمراض والعاهات، وهو يُظهر أنه يقاسم من جاءه. فاتفق أن جاءه إنسان كالمستشفي، فقال له بعد أن نظر إليه: أنت قد بلعت ثعبانًا وهو في جوفك، ومنه حصل لك هذا الحاصل، ثم سقاه دواءً معيّنًا، موهِمًا بأنه سيخرج الثعبان من جوفه، فتقيّأ في طشْت بعنف إلى أن سقط الثعبان من جوفه في الطشت حيًّا، وشاهده كل أحد. واستفيض ذلك لكثير من الناس حتى بلغ السلطان، فأكرم ذلك الشخص، وأشيع بأنه يجعله كبير الأطبّاء بتونس، وبلغ هذا الخبر شيخنا ابن (٥) البكّوش الماضي ذكره، فأنكر ذلك، وتعجب من السلطان في قبوله مثل ذلك، وأخذته الغَيرة، فكتب مكتوبًا لعثمان صاحب تونس يلومه على قبول عقله مثل ذلك، ويعرّفه أن هذا من الخلل في ملكه ونقص في حقه، وبيّن له أن الحيوان لا يدخل المعدة من غير شعور صاحبها، وعلى تقدير دخوله إليها لا يمكن أن يعيش فيها إذا ورد عليها من الخارج، وبيّن له ذلك. فلما وقف صاحب تونس على ذلك أحضر ذلك الشخص وقال له: قد أمّنتُك على

стр. 694

نفسك، وأعلِمني بهذه القضية، وإلّا كان لك ما لا خير فيه، فأعلمه أنه إنسان فقير الحال، وقصد أن يروّج نفسه بما فعله، ووجد هذا الإنسان المستشفي، فأوهمه بأنه ابتلع ثعبانًا، وناوله دواء فتقيّأ بعنف، وأن الثعبان كان مُعدّاً معه في كمّه حيّاً، ولما تقيّأه (١) أخذ يُظهر بأنه يمسّ رأس المريض أو نحو ذلك، وألقى الثعبان بالطشت، ولما نزل إلى الماء أخذ في الحركة والجولان فراراً من الإهلاك، وكان ما كان، فأمر السلطان بإخراج هذا الإنسان من تونس، وعظُم شيخنا في عينه، وبعث بطلبه إلى تونس، فامتنع من ذلك. وستأتي ترجمة الشيخ هذا في محلّها إن شاء اللَّه تعالى. [خروج التجريدة وارتكاب حادثة شنيعة] وفيه، في يوم الأربعاء (٢) سادس عشرينه، خرجت التجريدة المعيّنة للبحيرة لنجدة قَرقماس أمير سلاح ومن معه، ووقع في يوم سفره هذا وخروجهم حادثة شنيعة، وهي أنهم غاروا ظلماً وعدواناً على جمال السّقّايين ورواياهم وقِرَبهم، ليحملوا لهم الماء معهم في مهمّهم هذا، وأخذوا عدّةً من الجِمال والروايا في هذا اليوم ممن وجدوه من السّقّايين. ولما تفطّن السقاوُون (٣) لذلك تغيّبوا جملة كافية، وتعطّلت أحوالهم وأحوال الناس، ولم يوجد بمصر والقاهرة في هذا اليوم حمل من الماء، ووقع الضرر الزائد بسبب ذلك، وتكالب الناس على الماء، وازدحموا على الأسبلة لأخذ الماء، وعزّ وجوده بالقاهرة، وبعث الكثير من الناس ممن له مملوك بغلة أو حمارة مع عبده أو غلامه ليستقي له الماء بالجرار، وربّما أخذت في ( ..... ) (٤) وعطش الناس حتى أبيعت الراوية الماء فيه بأربعة أنصاف عبارة عن الخمسين درهماً ( ............ ) (٥) فضة، بل رئما أبيعت بستة أنصاف أيضًا، وحصل على الناس ما لا خير فيه، واقتصر الكثير من الناس على مياه الأبيار المالحة وشربوها، وزاد تكالبهم على الأسبلة بالمكيلات والجِرار وغيرها بقية هذا النهار. ودامت هذه الشدّة عدّة أيام حتى قال كثير من الناس: كنّا نخشى الغلاء ونعمل حسابه، وأمّا العطش فلم يكن لنا ببال (٦). ولعلّ هذه الكائنة من نوادر الحوادث المتجدّدة الجارية بمصر، وللَّه الأمر.

стр. 695

[خروج المؤلّف إلى جبّانة القيروان وزيارة قبور الصالحين] وفيه، في صبيحة يوم الجمعة، ثامن عشرينه، خرجتُ لجبّانة القيروان برسم زيارة من بها من الأعيان المشهورين، فرأيت جبّانة عظيمة، وزرنا جماعة من العلماء الصالحين وعدّة من الأولياء والمشايخ، وكنت أثبت أسماء الكثير منهم، وغاب ذلك عنّي الآن بذهاب ذلك التعليق، فكان من جملة من زرناه: الإمام سَحْنُون (١)، والشيخ أبو الحسن القابسي (٢)، وشُقرون (٣)، وآخرون (٤). ثم تجوّلت على القيروان بظاهرها، ورأيت بِركها المُعَدَّة لمياه الأمطار، وكانت عدّة ما بقي منها واحدة معمورة تمتلئ بماء المطر، ومنها يستقي أهل القيروان، والبقية خراب. وزرنا بداخل الجبّانة الشيخ ابن (٥) أبي وزير صاحب الرسالة. [دخول برسباي البجاسي نيابة الشام] (قلت: أعني الإثنين موافاته بالقاهرة، وأوله بدمشق، دخل بَرْسْباي، البُجاسي نائب الشام، الماضي خبر ولايته، إليها، وكان له يومًا مشهودًا (٦). [وقوع سقيفة فوق المقياس] واتفق فيه ( .................. ) (٧) أن الناس من ( .......... ) (٨) جاء منهم ( … ) (٩) المذكور، واجتمع منهم جماعة على سقيفة فوق المقياس فاتفق أن سقطت بهم السقيفة، وأصيب منهم جماعة ............... (١٠) من أثق به … (١١)).

стр. 696

[شهر شعبان] [التهنئة بالشهر] وفيها استهلّ شعبان بالأحد، وهُنّيء به السلطان. [لبْس السلطان البياض] وفيه، في يوم الجمعة، سادسه، ووافق ثاني عشر برمودة من شهور القبط، لبس السلطان البياض على العادة، لكنّه سبّق بها، فإنها جرت في بشنس الذي بعد برمودة (١). [تفرقة الكِسوة على الجند] وفيه، في يوم الثلاثاء، سابع عشره، فُرّقت الكِسوة السلطانية على الجند وحضرها السلطان فقطع في هذا اليوم كِسوة جماعة من ضعفاء الجند وأولاد الناس وغيرهم من المتعمّمين وغيرهم، وعُدّ ذلك من سيّئات الظاهر هذا (٢). [المطر الغزير] وفيه، في يوم الجمعة، عشرينه، ووافق ثاني بشنس من شهور القبط، أمطرت السماء مطرًا غزيرًا بحيث سألت منه الوديان والأزِقّة والشوارع، ودلفت البيوت، وكان الرعد والسحاب المطبق المتراكم في ذلك اليوم كله. ثم أمطرت في ليلة السبت. ثم عاود ذلك أيامًا وذلك خلاف عادة مصر (٣). (كائنة غريبة اتفقت بالقيروان) (٤) وفيه، في أواخره، اتفق بمدينة القيروان غريبةٌ من النوادر، وهي أن شخصًا له أخ تزوّجٍ وهيّأ أسباب البناء بزوجته، فقال لأخيه على جهة المباسطة: إنه لو وجد شيئًا مما يقوّي الباه ويُعين على الجماع في هذه الليلة لحصل له بذلك السرور. واتفق أن أخاه كان قد نظر في بعض المجاميع قبل ذلك خفية لمعجونٍ بهذا المعنى، فبادر بأن فزع إلى ذلك المجموع وراجعه، فرأى في أجزاء ذلك

стр. 697

الدواء، ومنها أفيون، وزن قيراط أو نحو ذلك. فبدر بأن جمع تلك الأدوية من غير أن يُعلِم أخاه بذلك، إلّا في وقت الحاجة، بعد أن يهيّئه له، ورأى برأيه أنّ القيراط من الأفيون قليل، فجعل منه زيادة على الدرهم، ولم يدر بحال الأفيون وما فيه من السُّمِّيّة، وحدّثَتْه نفسُه أن هذا المقدار يسير يفعل التقوية، فما بال الكثير! فهيّأ منه معجونًا لأخيه، ثم أحضره إليه وقال له وقت فراغه من الزفاف: كُل من هذا قبل الجِماع، فإنه مُتمنّاك الذي تمنّيته، وقد عملتُه لك وهو جيّد. فلما خلا (١) الزوج بالزوج بادر إلى استعمال المعجون، فحين حصل في جوفه حصل عنه الأذى البالغ في حقّه، وتغيّرت أحوال هذا المسكين، وآل به الأمر أن مات في القليل من الزمن، ولم يُسمع منه إلّا قوله: أخي أطعمني معجون (٢) قُتل به. وبلغ الأخ ذلك وخبر موته، فاختفى، فاستفتى جماعة في هذه المسألة (٣)، فأفتوا بأنه يُقتل به، إلّا شيخنا أبو عبد اللَّه محمد بن البكّوش، فإنه أفتى بالتفصيل، بأنه إن قال الميت: ناوِلني أخي السمّ فقُتل به، أو معجونًا مسمومًا، أو نحو ذلك، فما يدلّ بأن المتناوَل مما يقتل، وإن كان لم يقل ذلك، بل قال: معجونًا فقط، فلا يُقبل به. ورجع جميع من أفتى إلى شيخنا. ثم آل الأمر أنْ ظهر الأخ وما لزِمه شيء، وفرط الفارط في الميت وذهبت روحه، ولله الأمر. [شهر رمضان] (كائنة أخْذ قلعة كركر) (٤) وفيها استهلّ شهر رمضان بالإثنين، وطلع القضاة ومن له عادة بتهنئة السلطان للقلعة فهنّأوه (٥) بالشهر. وبينا هو في أثناء ذلك إذ ورد عليه الخبر بأن الأكراد بكركر احتالوا على نائب القلعة بها، وهو جَكَم، فقتلوه غدرًا غِيلةً، وملكوا القلعة، فحصل عند السلطان ما لا خير فيه بهذا الخبر، وتأثّر منه. ثم كان ما سنذكره من أمر كركر (٦). [طلوع والد المؤلّف إلى السلطان] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثانيه، طلع الوالد إلى السلطان على عادته في ذلك،

стр. 698

فوجده في غاية ما يكون من النكد والتشويش والهمّ، بسبب أخْذ قلعة كركر، فكان من كلامه للوالد: ما تقول في هذه الحادثة العظيمة والوهن والنقص في المملكة، هل وقع مثل ذلك في الأيام الماضية، كون كركر تكون بيد الاكراد الخارجين عن الطاعة، وهي بالقرب من حلب، وتكلّم بكلمات كثيرة، وهو في غاية الانزعاج من هذه الكائنة فأخذ الوالد يهوّن عليه هذه الكائنة ويخفض (١) ما به، فكان من جملة ما قاله: أن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، مع جلالة قدره وعِظَم ملكه وسلطنته، كان جارًا للبيت المقدس وبالقرب منه، لقربه من الديار المصرية، وهو بيد أعداء اللَّه تعالى الفرنج، وقد ملكوه من المسلمين، ثم قام السلطان ولا زال به حتى رجع إلى الإسلام، وكان المحرّك له الأبيات المشهورة التي بعث بها الخطيب الذي كان بالبيت المقدس قبل أخذ الكفّار له، وهي هذه: يا أيّها الملك الذي … لمعالم الصُلبان نكَّسْ جاءت إليك ظلامة … تسعى من البيت المقدّسْ كلّ المساجد طُهّرتْ … وأنا على شَرَفي مدنَّسْ (٢) ثم ذكر له قضيّة عكا وقربها من الشام، وكانت بيد الفرنج فضلًا عن الأكراد، وكيف ثار الأشرف خليل بن قلاون وأخذها، فعادت للإسلام، إلى غير ذلك من قضايا نحو هذه مما يهوّن عليه الأمر، فأعجبه ذلك بعد أن قال له وفي همّه السلطان وسعده ( ...... ) (٣) على مراده، وستعود هذه إن شاء اللَّه تعالى. [استخلاص كركر من الأكراد] ثم بعد مدّة قليلة ورد الخبر بأن حسن بن قرايُلك استخلصها ممن أخذها، وأعقب ذلك قاصد حسن المذكور، وعلى يده مفاتيح القلعة ( ......... … ) (٤) من حسن بإعلام السلطان، بأنه استخلصها لتعود إلى مملكة السلطان ( ............ ) (٥) بأن الخدمة له، وأنه قائم بما يتعلّق بأمور هذه المملكة، فأظهر الظاهر الفرح بذلك والسرور (٦).

стр. 699

واتفق أنْ طلع الوالد في يوم ورود هذا الخبر، ثم ذكر له ما ذكرناه. وقد نقلت هذا من بعض تعاليق الوالد، ﵀. [تعيين ابن الشِحنة قضاء الحنفية بمصر] وفيه، في هذا اليوم أو الذي ( … ) (١) الإثنين مستَهَلّ هذا الشهر، وهو الغالب على ظنّي، فإنّي ما اشتغلت بتحريره إلى الآن، استقرّ لسان الدين بن أثير الدين بن قاضي القضاة محب الدين بن الشِحنة في القضاء الحنفية ( … ... ) (٢) عن ولايته بحكم رغبته له فيه عن رضًى وطيب نفْس. وكانت ولايته بسفارة جدّه المذكور (٣). [عودة العسكر المجرَّد إلى البحيرة] وفيه، في يوم الأحد، سابعه، وصل العسكر المجرّد إلى البُحيرة، وخلع السلطان على مقدَّمين (٤) الألوف منهم خاصة في يوم الإثنين. [مسايرة ابن العَيني] وفيه، في يوم الجمعة سابع عشره، نودي بمدينة القاهرة لأجل مسايرة الشهاب أحمد بن العَيني، وقد احتفل لها. وفيه في ليلة الأحد، حادي عشرينه، كانت المسايرة المذكورة وكانت هائلة من نوادر المسايرات وأعجبها (٥). [وصول قاصد السلطان العثماني إلى القاهرة] وفيه، في يوم الأحد، ثامن عشرينه، وصل إلى القاهرة قاصد السلطان محمد بن عثمان ملك الروم. ولما طلع إلى السلطان لم يقبّل الأرض كجاري عادة القصّاد، فحنق منه السلطان ولم يخلع عليه، وكان قد أحضر هدية، ففرّقها السلطان، أو غالبها، بحضور القاصد على من حضر من الأمراء وغيرهم، وقُرئ كتابه الذي على يده من عند مرسله، فوجد به ألقابًا لم تجر العادة بكتابتها لصاحب

стр. 700

مصر، فزاد حنق السلطان من ذلك، ووقع بسبب ذلك القال والقيل الكثير، وكان هذا أول أسباب تغيّر خاطر كلِّ من السلطانين من صاحبه، واستصحب ذلك إلى يومنا هذا على ما ستعرف ذلك فيما يأتي من سِنيّ تاريخنا هذا (١). [شهر شوّال] [استهلال شوّال وعيد الفِطر] وفيها استهلّ شوّال بالقاهرة بالأربعاء، فكان في ليلة هذا اليوم الذي هو عيد الفِطر ليلة عيد بيكاييل (٢)، فاتفق عيد المسلمين والقبط في هذا اليوم، وكان ذلك من نوادر الغرائب التي يقال: إن من مائة سنة ما وقع مثلها ولا نظيرها إلّا في هذا اليوم (٣). [عيد الفطر بالقاهرة] (وفيه، أعني يوم عيد الفطر بالقاهرة طلع قاصد ابن (٤) عثمان إلى القلعة حين قدومه ذلك القاهرة بقصد العيد مع السلطان، وأدخله السلطان بعد الصلاة إلى القصر، فجلس على سرير المُلك، فقبّل له القاصد الأرض بين يديه، وكان قد اعتذر بأنه لا يعرف هذه العادة. ثم خلع السلطان في هذا اليوم على من له عادة في كل سنة. وخلع على القاصد من جملتهم. وهال القاصد ما رآه من كثرة الخِلَع في هذا اليوم، وكانت نحو الثمانمائة خلعة، لعلّ لم يقع مثل ذلك في مثل هذا اليوم في قطر من الأقطار ولا في مُلك غير صاحب مصر) (٥). [عيد الفِطر بالقيروان] وفيه، في يوم الجمعة ثالثه، بالقاهرة، كان يوم عيد الفِطر بالقيروان، فكان التفاوت ليلتان، ولا بِدْع في ذلك، فإن مسافة ما بين القاهرة والقيروان مقدار مسيرة مائة ليلة، فيختلفَ الطالع اختلافًا فاحشًا، أو لعلّ الاختلاف في ليلة والأخرى تعارض آخر في الشهور الماضية. وحضرنا في هذا اليوم صلاة العيد بالقيروان بجامع عُقْبة بن عامر، وهو الجامع الأعظم بها، وهو من بديع الجوامع وأحسنها.

стр. 701

ثم حضرنا صلاة الجمعة بها، ولَهَجَ بعضُ أهل القيروان والكثير من العوامّ بزوال عثمان صاحب تونس. ولم يكن إلّا خيرًا، وهو موجود من بعد ذلك التاريخ إلى يومنا هذا على ملكه وسلطنته. [ولاية بُرْدُبك هجين أميرجان دار] وفيه، في يوم الإثنين سادسه، بالقاهرة استقرّ بُردُبك هجين أحد مقدَّمين (١) الألوف أميرجان دار، وهي وظيفة قديمة كانت من أجلّ الوظائف فيما مضى من الأزمنة، ثم تلاشى أمرها وتلاشت إلى أن صارت بيد بعض الخاصكيّة من الأجْناد، بل صارت لا وجود لاسمها ولا شُهرة ولا ذِكر على تقدير الوجود. فلما مات قردم (٢) الماضي ذِكره في أواخر الماضية على غالب ظنّي، أو في هذه، فإنني ما اشتغلت بتحرير ذلك، لا سيما وقد كنت غائبًا عن هذه المملكة. فأراد السلطان أن يُحيي هذه الوظيفة فقرّر بها بُردُبك هذا، ونوّه بها لولايتها له، ومع ذلك فلم تشتهر ولا ذُكرت، بل ولا مرّت بعد ذلك. ولعلّ ذلك كان أن السلاطين كانوا في الزمن الأول كثيري (٣) الأستار الموجِب لظهور الجان دار، فإن معناه: "ماسك الروح" كأنه موكَّل بحفظ السلطان في لياليه لخيانةٍ في أستاذه، ولما لم يوجد ذلك في هذه الأزمنة كان ذلك سببًا بجمود ذكر هذه الوظيفة، وبه أجزم فلا يُشك في ذلك (٤). [الخلعة على قاصد ابن عثمان] (وفيه، في يوم الخميس، تاسعه، خلع السلطان على قاصد ابن (٥) عثمان خلعة السفر، وخلع على جماعة أُخَر من رفقته ( … ) (٦) عنهم، ( … ) (٧) بالسفر، وكان قد عيّن قبل ذلك سودون القصروي للتوجّه صحبة القاصد الأول عن السلطان ابن عثمان، ثم أبطل ذلك، بل بعث ما كان هيّأه من الهدية إلى ابن (٨) عثمان على يد قاصده فامتنع القاصد من حمل ذلك وقال: لم تجر العادة بذلك، وتوجّه إلى جهة مرسله) (٩).

стр. 702

[خروج الحاج من القاهرة] وفيه، في يوم السبت سابع عشره، خرج الحاجّ من القاهرة، وأميرهم على المحمل الشهاب أحمد بن العَيْني، حفيد الخَوَند شُكرْباي، وقد خرجت متوجّهة للحج معه، وأمير الأول يحيى بن يشبُك الفقيه. وفيه خرج يشبُك الفقيه الدوادار الكبير للحج أيضًا، لكنه لم يخرج مع ولده في يوم خروجه. وحجّ من الأعيان أيضًا قاضي القضاة المحبّ بن الشِحنة، ومعه ولده أثير الدين وخرجا ليحجّا حجّة الإسلام، فإنهما لم يحجا قبل ذلك (١). وكان الظاهر خُشقَدم دائمًا ينكّت على المحبّ بن الشِحنة في ذلك، وكثيرًا ما يذكر له ولغيره كونه لم يحجّ حتى قال السلطان يومًا للوالد: ما تقول في رجلٍ قاضٍ للشرع قادر واسع القدرة والغنى ولم يحجّ؟ قال الوالد: فعرفت مقصده بالتعريض، فأفكرت في جواب مُسكِت أراعي فيه جهة السلطان لئلا أكون كالرّادّ عليه مقصدَه، وأراعي فيه جهة المحبّ أيضًا، فقلت: يا مولانا السلطان، قد قيل في كتب الفقه إن الحج سقط فرْضُه عن الناس من غير زيادة على المائتي سنة، فما بال زمننا هذا لأمور منها: كون الطريق غير آمن. ثم بعثت بإحضار القول بذلك، فأحضر في المجلس ووقف عليه السلطان، فلم يعد إلى التنكيت بها. وبلغ ذلك القول عن الوالد، فأعجبه جوابُه حتى شكره على ذلك بعد ذلك. ثم أخذ للتجهيز في هذه السنة حتى خرج. [خروج المؤلّف من القيروان إلى تونس] وفيه، في يوم العشرين منه، خرجت من القيروان متوجّهًا إلى تونس، فوصلناها في يوم الثالث والعشرين آخر النهار، فلم نُقم بها إلّا بعض أيام قلائل، ثم خرجنا في أواخر شوال هذا صُحبةَ الركْب المتوجّه إلى المغرب تلمسان وتلك الديار، صُحبة شيخ الركب محمد بن إبراهيم الفيلالي العبد الصالح، ودخلنا باجَة، وكان العذاب في أثناء سفرنا، ورأينا أشياء يطول شرحها، وكان لنا ما سنذكره بعد ذلك. [القبض على الزين ابن كاتب حلوان] وفيه في يوم الخميس ثالث عشرينه قبض السلطان على الزين ابن (٢) كاتب

стр. 703

حُلوان الأستادّار، وكان بالبحرة، وكان المجد بن البقري أيضًا موكّلًا به بها (١) قبل ذلك، فاجتمعا بها معًا وآل أمرهما أن وُلّي المجد الأستادّارية والزين كشف البُحَيرة (٢). [شهر ذي القعدة] [الكشف على البُحيرة] وفيها في يوم الإثنين رابع ذي القعدة، سافر الزين الأستادّار إلى جهة البُحيرة على كشفها (٣). [نيابة البيرة وقلعة صفد] وفيه، في هذه الأيام من أوائله، استقرّ في نيابة البيرة قانباي البكتمُري (٤) نائب قلعة صفد، عِوضًا عن كمشْبُغا السيفي بَخْش باي (٥)، بحكم وفاته. واستقرّ في نيابة قلعة صفد جانبك السيفي تغري بَرْمَش (٦) الخاصكي، وكان قد عيّنه السلطان قبل ذلك للخروج إلى دمشق لضبط موجود تَنَم نائب الشام (٧). [دخول المؤلّف قسنطينة] وفيه، في سابع عشره، دخلتُ لمدينة قسَنْطينة، فرأيت مدينة عجيبة الموضوع، حسنة المجموع، على جبلٍ عالٍ، وتحتها وادٍ عظيم، كثير الخصب والأجنّة والبساتين، ذات الأشجار ذوي الثمار المتنوّعة، فيها النِعَم والخيرات والرخاء الغالب، وأعجبتني إلى الغاية، ورأيت أبنيتها وهي جيّدة ( … ) (٨) وأقمنا بها ثلاثة أيام، ثم سرنا في رابعها إلى جهة تلمسان.

стр. 704

[وفاء النيل وكسر الخليج] وفيه في يوم الخميس تاسع عشرينه، ووافق العاشر من مِسرَى حصل الوفاء للنيل المبارك، وتهيّأ السلطان للنزول لكسر الخليج بنفسه، وبات على ذلك، ثم أصبح في يوم ( .................. ) (١) بل بأبّهة السلطنة فتوجّه إلى مصر وعبر إلى الروضة ( ......... ) (٢) على عادة من تقدّم من الملوك في ذلك، وخُلّق المقياس بحضرته، ثم عاد ( ..................... ) (٣) وركب وعاد إلى القلعة من حيث جاء، وبين يديه أربعة ( ......... ) (٤) فدخلوا على الخيول المسرَجة بالسروج الذهب والكنابيش الزركش التي ( ......... ) (٥) من الإسطبلات السلطانية والأربعة هم الأتابك جَرِباش المحمدي كرد، وقَرقماس ( ..................... ) (٦) التاجي أمير مجلس، وتمُربُغا رأس نَوبة النُوَب، وعليهم الخلع. وأمّا [خدم] (٧) المقدّمين كانوا بين يديه بالخِلَعٍ لا غير، من غير أن يحملوا على الخيول السلطانية، وكان ( ...... ) (٨) حافلًا عجب فيه الناس من نزول السلطان لبُعد عهدهم من ذلك، فإنه كان في سنة ثلاثٍ وثلاثين في دولة الأشرف برسباي، ثم انقطع ذلك إلى هذا الزمان، فأعاده هذا السلطان في هذا اليوم في هذه السنة، وبين الفعلين زيادة على الأربع وثلاثين سنة (٩). [شهر ذي الحجّة] [دخول المؤلّف مدينة بجّاية] وفيه ( ...... ) (١٠) دخلنا مدينة بجايّا (١١)، وبادرتُ بالاجتماع بشيخنا الإمام العالمٍ، العلّامة الشهير، الخطير، الكبير، سيدي عبد الرحمن الثعلبي، وسمعنا شيئًا من فوائده، وسألته بعض أسئلة كانت تُشْكل علي فأجابها على أحسن وجه وأتمّه، ورأيت تفسيره، وقرأت عليه من أوله بعض سطور، وأجازني رحمه اللَّه تعالى. ثم دخلنا من الجزائر فاجتزنا بطريقنا إلى تِلِمسان بمدينة

стр. 705

مازونا، وقلعة هوّارة، والبنجا (١)، ودخلنا تِلِمسان في أواخره. [عيد النحر بتلمسان] وفيه، في يوم الأحد عاشره كان عيد النحر بتِلِمسان، فخرجنا للمصلَّى بظاهرها، وحضر محمد بن أبي ثابت صاحب تِلِمسان صلاة العيد في هذا اليوم، بعد أن خرج في موكب حافل، حين تعالى النهار جدًّا، ثمِ صلّى ونحر أُضحيته كَبْشًا أملحًا في المصلّىً بعد فراغه من الصلاة، وشُهر هذا الكبْش محمولًا على بغْل مع رجل مُعَدّ لذلك، فشقّ به المدينة لأجل أن يُتَيقّن بتضحية الإمام على قاعدة مذهب الإمام مالك ﵁، وكان هذا الرجل لما سار بهذه الذبيحة الأضحية مُجدًّا ببغله في سيره مُحِثًّا في ذلك، ولم أكن أعرف ذلك قبل هذا التاريخ، فسألت بعَض أصحابي عن ذلك، فأجابني بأن ذلك من عادة ملوك هذه البلاد، وأصل ذلك ما لحظته أنا من إعلام الناس بأن الإمام ذبح، ثم عاد محمد بن أبي ثابت المذكور إلى المدينة في موكبه الحافل. وسمعت امرأة فى غضون اجتيازه على الناس من العجائز تدعو له بدعوات، من ذلك أن يسخّر الله تعالى له سليمان بن موسى، فعجبت من ذلك. وكان سليمان هذا من كبار أمراء عرب تلك البلاد، وهو أمير عرب هلال أعظم من أمير آل فضل في هذه البلاد، ومن كان سليمان هذا معه من ملوك تِلِمسان راج أمره، ومن كان عليه، كان في إدبار وتخوّف. [ولادة مولودة للمؤلّف] وفيه، في طلوع فجر يوم الأربعاء، ثامن عشره، وُلدت لي ابنة بتلمسان من أمّ ولدي شُكْرباي أم الفتح، وسمّيتها عائشة أيضًا، واغتبطت بها بحيث كنت أتولّى أكثر أمورها في التربية بيدي. ودامت معي إلى أن دخلتُ بها القاهرة في عَودي من بلاد المغرب، ونشأتْ كيّسة فطِنة على صِغر سِنّها، وأقرأتُها شيئًا من القرآن، وتعلّمتْ الكتابة، فلما دخل الطاعون سنة ثلاثٍ وسبعين الآتي، ماتت مطعونةً في ليلة نصف شهر رمضان، ولم تُكمِل الخمس سنين، وكثُر أسفي عليها، عوّضني اللَّه خيرًا منها. (كائنة يَرَشْ وتغريقه مع أنفار) (٢) وفيه، في ليلة الخميس، عشرينه، غرّق السلطان يَرَشْ السيفي (٣) جَانبك
следующие страницы →