← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ثم حضرنا صلاة الجمعة بها، ولَهَجَ بعضُ أهل القيروان والكثير من العوامّ بزوال عثمان صاحب تونس. ولم يكن إلّا خيرًا، وهو موجود من بعد ذلك التاريخ إلى يومنا هذا على ملكه وسلطنته. [ولاية بُرْدُبك هجين أميرجان دار] وفيه، في يوم الإثنين سادسه، بالقاهرة استقرّ بُردُبك هجين أحد مقدَّمين (١) الألوف أميرجان دار، وهي وظيفة قديمة كانت من أجلّ الوظائف فيما مضى من الأزمنة، ثم تلاشى أمرها وتلاشت إلى أن صارت بيد بعض الخاصكيّة من الأجْناد، بل صارت لا وجود لاسمها ولا شُهرة ولا ذِكر على تقدير الوجود. فلما مات قردم (٢) الماضي ذِكره في أواخر الماضية على غالب ظنّي، أو في هذه، فإنني ما اشتغلت بتحرير ذلك، لا سيما وقد كنت غائبًا عن هذه المملكة. فأراد السلطان أن يُحيي هذه الوظيفة فقرّر بها بُردُبك هذا، ونوّه بها لولايتها له، ومع ذلك فلم تشتهر ولا ذُكرت، بل ولا مرّت بعد ذلك. ولعلّ ذلك كان أن السلاطين كانوا في الزمن الأول كثيري (٣) الأستار الموجِب لظهور الجان دار، فإن معناه: "ماسك الروح" كأنه موكَّل بحفظ السلطان في لياليه لخيانةٍ في أستاذه، ولما لم يوجد ذلك في هذه الأزمنة كان ذلك سببًا بجمود ذكر هذه الوظيفة، وبه أجزم فلا يُشك في ذلك (٤). [الخلعة على قاصد ابن عثمان] (وفيه، في يوم الخميس، تاسعه، خلع السلطان على قاصد ابن (٥) عثمان خلعة السفر، وخلع على جماعة أُخَر من رفقته ( … ) (٦) عنهم، ( … ) (٧) بالسفر، وكان قد عيّن قبل ذلك سودون القصروي للتوجّه صحبة القاصد الأول عن السلطان ابن عثمان، ثم أبطل ذلك، بل بعث ما كان هيّأه من الهدية إلى ابن (٨) عثمان على يد قاصده فامتنع القاصد من حمل ذلك وقال: لم تجر العادة بذلك، وتوجّه إلى جهة مرسله) (٩).

стр. 702

[خروج الحاج من القاهرة] وفيه، في يوم السبت سابع عشره، خرج الحاجّ من القاهرة، وأميرهم على المحمل الشهاب أحمد بن العَيْني، حفيد الخَوَند شُكرْباي، وقد خرجت متوجّهة للحج معه، وأمير الأول يحيى بن يشبُك الفقيه. وفيه خرج يشبُك الفقيه الدوادار الكبير للحج أيضًا، لكنه لم يخرج مع ولده في يوم خروجه. وحجّ من الأعيان أيضًا قاضي القضاة المحبّ بن الشِحنة، ومعه ولده أثير الدين وخرجا ليحجّا حجّة الإسلام، فإنهما لم يحجا قبل ذلك (١). وكان الظاهر خُشقَدم دائمًا ينكّت على المحبّ بن الشِحنة في ذلك، وكثيرًا ما يذكر له ولغيره كونه لم يحجّ حتى قال السلطان يومًا للوالد: ما تقول في رجلٍ قاضٍ للشرع قادر واسع القدرة والغنى ولم يحجّ؟ قال الوالد: فعرفت مقصده بالتعريض، فأفكرت في جواب مُسكِت أراعي فيه جهة السلطان لئلا أكون كالرّادّ عليه مقصدَه، وأراعي فيه جهة المحبّ أيضًا، فقلت: يا مولانا السلطان، قد قيل في كتب الفقه إن الحج سقط فرْضُه عن الناس من غير زيادة على المائتي سنة، فما بال زمننا هذا لأمور منها: كون الطريق غير آمن. ثم بعثت بإحضار القول بذلك، فأحضر في المجلس ووقف عليه السلطان، فلم يعد إلى التنكيت بها. وبلغ ذلك القول عن الوالد، فأعجبه جوابُه حتى شكره على ذلك بعد ذلك. ثم أخذ للتجهيز في هذه السنة حتى خرج. [خروج المؤلّف من القيروان إلى تونس] وفيه، في يوم العشرين منه، خرجت من القيروان متوجّهًا إلى تونس، فوصلناها في يوم الثالث والعشرين آخر النهار، فلم نُقم بها إلّا بعض أيام قلائل، ثم خرجنا في أواخر شوال هذا صُحبةَ الركْب المتوجّه إلى المغرب تلمسان وتلك الديار، صُحبة شيخ الركب محمد بن إبراهيم الفيلالي العبد الصالح، ودخلنا باجَة، وكان العذاب في أثناء سفرنا، ورأينا أشياء يطول شرحها، وكان لنا ما سنذكره بعد ذلك. [القبض على الزين ابن كاتب حلوان] وفيه في يوم الخميس ثالث عشرينه قبض السلطان على الزين ابن (٢) كاتب

стр. 703

حُلوان الأستادّار، وكان بالبحرة، وكان المجد بن البقري أيضًا موكّلًا به بها (١) قبل ذلك، فاجتمعا بها معًا وآل أمرهما أن وُلّي المجد الأستادّارية والزين كشف البُحَيرة (٢). [شهر ذي القعدة] [الكشف على البُحيرة] وفيها في يوم الإثنين رابع ذي القعدة، سافر الزين الأستادّار إلى جهة البُحيرة على كشفها (٣). [نيابة البيرة وقلعة صفد] وفيه، في هذه الأيام من أوائله، استقرّ في نيابة البيرة قانباي البكتمُري (٤) نائب قلعة صفد، عِوضًا عن كمشْبُغا السيفي بَخْش باي (٥)، بحكم وفاته. واستقرّ في نيابة قلعة صفد جانبك السيفي تغري بَرْمَش (٦) الخاصكي، وكان قد عيّنه السلطان قبل ذلك للخروج إلى دمشق لضبط موجود تَنَم نائب الشام (٧). [دخول المؤلّف قسنطينة] وفيه، في سابع عشره، دخلتُ لمدينة قسَنْطينة، فرأيت مدينة عجيبة الموضوع، حسنة المجموع، على جبلٍ عالٍ، وتحتها وادٍ عظيم، كثير الخصب والأجنّة والبساتين، ذات الأشجار ذوي الثمار المتنوّعة، فيها النِعَم والخيرات والرخاء الغالب، وأعجبتني إلى الغاية، ورأيت أبنيتها وهي جيّدة ( … ) (٨) وأقمنا بها ثلاثة أيام، ثم سرنا في رابعها إلى جهة تلمسان.

стр. 704

[وفاء النيل وكسر الخليج] وفيه في يوم الخميس تاسع عشرينه، ووافق العاشر من مِسرَى حصل الوفاء للنيل المبارك، وتهيّأ السلطان للنزول لكسر الخليج بنفسه، وبات على ذلك، ثم أصبح في يوم ( .................. ) (١) بل بأبّهة السلطنة فتوجّه إلى مصر وعبر إلى الروضة ( ......... ) (٢) على عادة من تقدّم من الملوك في ذلك، وخُلّق المقياس بحضرته، ثم عاد ( ..................... ) (٣) وركب وعاد إلى القلعة من حيث جاء، وبين يديه أربعة ( ......... ) (٤) فدخلوا على الخيول المسرَجة بالسروج الذهب والكنابيش الزركش التي ( ......... ) (٥) من الإسطبلات السلطانية والأربعة هم الأتابك جَرِباش المحمدي كرد، وقَرقماس ( ..................... ) (٦) التاجي أمير مجلس، وتمُربُغا رأس نَوبة النُوَب، وعليهم الخلع. وأمّا [خدم] (٧) المقدّمين كانوا بين يديه بالخِلَعٍ لا غير، من غير أن يحملوا على الخيول السلطانية، وكان ( ...... ) (٨) حافلًا عجب فيه الناس من نزول السلطان لبُعد عهدهم من ذلك، فإنه كان في سنة ثلاثٍ وثلاثين في دولة الأشرف برسباي، ثم انقطع ذلك إلى هذا الزمان، فأعاده هذا السلطان في هذا اليوم في هذه السنة، وبين الفعلين زيادة على الأربع وثلاثين سنة (٩). [شهر ذي الحجّة] [دخول المؤلّف مدينة بجّاية] وفيه ( ...... ) (١٠) دخلنا مدينة بجايّا (١١)، وبادرتُ بالاجتماع بشيخنا الإمام العالمٍ، العلّامة الشهير، الخطير، الكبير، سيدي عبد الرحمن الثعلبي، وسمعنا شيئًا من فوائده، وسألته بعض أسئلة كانت تُشْكل علي فأجابها على أحسن وجه وأتمّه، ورأيت تفسيره، وقرأت عليه من أوله بعض سطور، وأجازني رحمه اللَّه تعالى. ثم دخلنا من الجزائر فاجتزنا بطريقنا إلى تِلِمسان بمدينة

стр. 705

مازونا، وقلعة هوّارة، والبنجا (١)، ودخلنا تِلِمسان في أواخره. [عيد النحر بتلمسان] وفيه، في يوم الأحد عاشره كان عيد النحر بتِلِمسان، فخرجنا للمصلَّى بظاهرها، وحضر محمد بن أبي ثابت صاحب تِلِمسان صلاة العيد في هذا اليوم، بعد أن خرج في موكب حافل، حين تعالى النهار جدًّا، ثمِ صلّى ونحر أُضحيته كَبْشًا أملحًا في المصلّىً بعد فراغه من الصلاة، وشُهر هذا الكبْش محمولًا على بغْل مع رجل مُعَدّ لذلك، فشقّ به المدينة لأجل أن يُتَيقّن بتضحية الإمام على قاعدة مذهب الإمام مالك ﵁، وكان هذا الرجل لما سار بهذه الذبيحة الأضحية مُجدًّا ببغله في سيره مُحِثًّا في ذلك، ولم أكن أعرف ذلك قبل هذا التاريخ، فسألت بعَض أصحابي عن ذلك، فأجابني بأن ذلك من عادة ملوك هذه البلاد، وأصل ذلك ما لحظته أنا من إعلام الناس بأن الإمام ذبح، ثم عاد محمد بن أبي ثابت المذكور إلى المدينة في موكبه الحافل. وسمعت امرأة فى غضون اجتيازه على الناس من العجائز تدعو له بدعوات، من ذلك أن يسخّر الله تعالى له سليمان بن موسى، فعجبت من ذلك. وكان سليمان هذا من كبار أمراء عرب تلك البلاد، وهو أمير عرب هلال أعظم من أمير آل فضل في هذه البلاد، ومن كان سليمان هذا معه من ملوك تِلِمسان راج أمره، ومن كان عليه، كان في إدبار وتخوّف. [ولادة مولودة للمؤلّف] وفيه، في طلوع فجر يوم الأربعاء، ثامن عشره، وُلدت لي ابنة بتلمسان من أمّ ولدي شُكْرباي أم الفتح، وسمّيتها عائشة أيضًا، واغتبطت بها بحيث كنت أتولّى أكثر أمورها في التربية بيدي. ودامت معي إلى أن دخلتُ بها القاهرة في عَودي من بلاد المغرب، ونشأتْ كيّسة فطِنة على صِغر سِنّها، وأقرأتُها شيئًا من القرآن، وتعلّمتْ الكتابة، فلما دخل الطاعون سنة ثلاثٍ وسبعين الآتي، ماتت مطعونةً في ليلة نصف شهر رمضان، ولم تُكمِل الخمس سنين، وكثُر أسفي عليها، عوّضني اللَّه خيرًا منها. (كائنة يَرَشْ وتغريقه مع أنفار) (٢) وفيه، في ليلة الخميس، عشرينه، غرّق السلطان يَرَشْ السيفي (٣) جَانبك

стр. 706

نائب جدّة ومعه أربعة أنفار من أعيان الخاصكية بسبب ما قدّمنا من الخبر في كائنة هجومهم على السلطان، وكان يَرَشْ أكبر القائمين بتلك الفتنة، ثم قيل عنه إنه اتفق على هجومه على السلطان بقاعة الدُهَيشة هو وآخرون (١) لاغتياله بها وقتْله، فأبلغ بذلك السلطان، فقبض على يَرَشْ هذا وأمر بضربه وعصْره بالكسّارات حتى كاد أن يهلك، ثم قرّره فأقرّ على جماعة، وأنه كان اتفاقه معهم، بل وواجههم بذلك. ثم لما علم أنه لا يبقى كلّم السلطان بكلمات مُنكية، منها أنه هو الذي أمر بقتل جانبك، إلى غير ذلك. ثم آل أمره بعد ذلك إلى تغريقه مع من أقرّ عليهم في هذه الليلة. ثم أشيع بعد ذلك بأن الناصري محمد ابن (٢) الأتابك جرباش أدخل في هذه الكائنة، وأنه ممن مالًا (٣) يَرَشْ وغيره على ذلك، وكان من أمره وأمر والده ما سنذكره (٤). (محنة ابن (٥) البَقَري) (٦) وفيه، في يوم الثلاثاء، خامس عشرينه، قبض السلطان على المجد بن البَقَري الأستادّار وضربه ضربًا مبرحًا وحبسه بالقلعة على أن يقوم بتكفية جامكيّته السنة. ثم وقع له أمور لعلّ نذكر شيئًا منها إن شاء (٧) اللَّه تعالى (٨). [زيادة النيل] وفيه، في يوم الأربعاء، سادس عشرينه، ووافق أول توت من شهور القبط، كانت زيادة النيل فيه ثلاثة أصابع من الذراع والعشرين، فكانت هذه من نوادر الزيادات، ولعلّ ما وقعت في القريب من هذه الأزمنة (٩). [تولية الأستادّارية] وفيه، في هذه الأيام، طُلب زين الدين الأستادّار من البُحيرة ليولَّى الأستادّارية.

стр. 707

[إختباء اثنين من السرّاق يسكن المؤلّف] وفيه، في أواخره دخل لمكان سكني بتلمسان اثنان من السّرّاق واختفيا بالمنزل من غير أن أشعر بهما، ثم ثارا علينا ليلًا، وجرى لي معهما أنا ومملوك لي خَطْب كبير بعد أن أْحسسنا بهما قبل أن يأخذنا النوم، وسلّم اللَّه تعالى من شرّهما، وخلصا من أيدينا هربا بحيلة منهما، ولو ثارا بنا ونحن رقود لحصل ما لا خير فيه لعلّ على النفس، لكنْ سلّم اللَّه تعالى، وله الحمد على المهلة. [أوضاع البلاد عند خروج السنة] وخرجت هذه السنة على ما قدّمناه من الحوادث والفِتن، وعلى ابتداء الوحشة بين المصريين وابن (١) عثمان. وكانت أحوال الأندلس مضطربة، وقد ابتدأت الوحشة بين صاحبها المستعين باللَّه سعد بن الأحمر ملك غَرناطة وبين ولده أبي (٢) الحسن علي، وكان من أمرهما ما سنذكره في التي تليها. وكان أيضًا حال المغرب الأقصى من بين البرّ -أعني فاس وما والاها- مضطربًا (٣) أيضًا بين صاحب فاس السلطان عبد الحق، وبين وزارته من طائفة بني وطاس. واضطربت أيضًا أحوال أهل فاس بواسطة اليهودي من بني حَنَش الإسرائيلي الذي توزّر لعبد الحق المذكور، بعد قتل عدّةٍ من بني وطاس، وإخراج آخرين، وانحيازهم بتازا ومِكناس، وقيامهم على عبد الحق المذكور. ثم كان من أمر عبد الحق واليهودي ما سنذكره في التي بعدها إن شاء اللَّه تعالى. وكان من أحوال مملكة تِلِمسان أيضًا مصائب بواسطة الوحشة بين صاحبها محمد بن أبي ثابت، وبين عثمان صاحب تونس، حتى كان من أمرهما، وعَود صاحب تونس إلى تِلِمسان ثانيًا وأخْذها، بعد أن حصّنها صاحبها محمد بن أبي ثابت المذكور ما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 708

ذِكر نُبَذ (١) من تراجم الأعيان ووَفَياتهم في هذا الزمان سنة ٨٦٨ ٢١١ - إبراهيم بن محمد بن علي بن محمد بن قرمان (٢) القرماني، التركماني، اللارندي، الرومي، الحنفي. السلطان صارم الدين، أبو إسحاق صاحب قونية، ولارندَة، وقيصرية، ونكدة، وما والى ذلك من بلاد الروم التي يقال لها الآن بلاد ابن (٣) قرمان. ولد في أوائل القرن تقريبًا، (لعلّ بعد الثمان وثمانمائة، أو قبل ذلك بسنين (٤) وقيل: ولد سنة خمس) (٥). ونشأ (بلا رندة) (٦) وجيهًا في حِجْر السعادة حتى ملك بعد أبيه محمد بن علي. وهو الذي جرى بينه وبين عساكر (المؤيَّد) (٧) حروب، وآل أمره أن قبض عليه وحُمل مأسورًا إلى القاهرة، وكان لدخوله يومًا مشهودًا، وسُجن بها مدّة. ثم لما تسلطن الظاهر ططر أفرج عنه وأعاده إلى مملكته في أوائل سنة أربعٍ وعشرين، ودام بمملكته حتى توجّه لحصار بعض القلاع ببلاد الروم من متعلّقات مرادبك بن عثمان صاحب الروم أدِرْنا بل وبُرْصا وما والاهما، وجرت بينه وبينهم حرب، فأصابه حجر في جبهته من الحصار فصرعه، ومات في سنة خمسٍ وعشرين

стр. 709

وثمانمائة، وتملّك بعده ولده إبراهيم هذا، وله فوق الخمس عشرة (١) سنة، ودام ملكه نحوًا من ثلاثٍ وأربعين سنة أو هي. وكانت الملوك من بني عثمان وملوك مصر دائمًا تضايقه وهو مع ذلك متجلّد (٢). بل ويعيث في بلاد المملكتين في الأحيان، وجُرّد إليه من مصر في أيام الأشرف إينال على ما تقدّم في محلّه. وكان الباش على العساكر المجرَّدة إليه خُشقدم الظاهر الذي مات إبراهيم هذا في دولته، وكان إذ ذاك أمير سلاح على ما مرّ آنفًا. وأمّا ابن (٣) عثمان فجرّد إليه أيضًا غير ما مرة، وخرّب الكثير من بلاده من عسكر مصر في تلك التجريدة التي كان عليها خُشقدم كما تقدّم. ثم وقع الصلح بينه وبين المصريين. ولم يزل منعَّمًا إلى أن بَغَتَه أجله. وكان من عقلاء الملوك وضخمائهم. وله أصالة وعراقة ونَبَالة ورياسة، وعنده قلّة شرّ، وله عدل ومعروف، وتؤدة، وحُسن سمت، وسياسة وخبرة تامّة. وكان صحبًّا في أهل العلم، (كثير) (٤) التواضع لهم. وكان من أعرق الملوك أصلًا كابرًا عن كابر حتى يتصل نسبه بالسلطان السلجوقي. كذا ذكره البعض. وذكر لي بعض أصحابي من التُرك التتار من أهل الفضل والمعرفة أن بني قَرَمان سلطنتهم قبل الإسلام، وأن الكاهن الكبير رأس الأغوز (٥) الذين يقال لهم الغُز بالعربية، وهو الكاهن المسمَّى بقُرقُط، ذكر قَرَمان في كهانته أنه سيكون فيما بعد، ووصفه بأوصاف فوُجدت به. وقيل: إن أصلهم من ذرّيّة ماينْدُر (٦) أحد الأمراء الكبار لجنكزخان ملك الترك الأعظم. وبالجملة فعواقبهم غير مشكورة، وأصالتهم بالمُلك مشهورة. توفي إبراهيم هذا في أواخر ذي قعدة أو أوائل ذي حجّة من هذه السنة. وترك عدّة أولاد، مَلَك منهم بعده ولدُه إسحاق بك. ووقع بينه وبين بقيّة إخوته أحمد وغيره اختلاف. وكان أحمد من بنت ابن (٧) عثمان ملك الروم، وكان قد تزوّجها صاحب

стр. 710

الترجمة فاستولدها أحمد هذا وغيرَه، فالتجأ أحمد للسلطان محمد بن عثمان (١)، ووقع لهم أمور، وحروب يطول (٢) الشرح في ذكرها، آلت وكانت سببًا لزوال ملكهم عن آخرهم، واستيلاء محمد بن عثمان عليه بعد فرار إسحاق هذا إلى دياربكر، واتصاله يحسن الطويل، ودام بها حتى مات هناك في سنة ثلاث وسبعين (٣) وثمانمائة، كما ستأتي ترجمته إن شاء اللَّه تعالى في السنة المذكورة. ٢١٢ - أحمد بن برْسْباي (٤) الجركسيّ الأصل، القاهري، الحنفي. المقام الشهابي، شهاب الدين، ابن (٥) السلطان الأشرف سيف الدين. تركه والده حين مات حملًا. وأمّه أمّ ولد جركسيّة الجنس، اسمها مَلَكْ بَاي، وقد تقدّمت ترجمتها. ولد ولدها هذا في سنة اثنتين (٦) وأربعين وثمانمائة. ونشأ تحت كَنَف قريب والده الأمير قرقماس الجلب، فإنه تزوّج يملك باي المذكورة، وتولّى كفالة ولد أستاذه فربّاه أحسن تربية حتى نشأ (٧) نشأة حسنة، وكبُر، ومات أمّه. ودام مقيمًا بعدها بمنزل قرقماس أيضًا مستمرًا عنده، وما جَسَر أحد من الملوك أن يقتلعه من قرقماس ويبعث به إلى الإسكندرية، بل قصد غير واحد من السلاطين ذلك، وأن يزوره عند أخيه بالثغر السكندري، فلم يسمح قرقماس بذلك، بل كان يقول: إذا أخرج هذا فإلى أيّ جهة يَخرج أخرج أنا أيضًا معه، لعزّته عنده وتربيته ومحبّته فوق حجّة الأولاد، لا سيما وهو قريبه وربيبه، وولد أستاذه، فتركوه لجودة قرقماس وحُسن طاعته للملوك وسكونه، واطمأنّوا بإقامته بالقاهرة بهذا المقتضى، ولم يزل مقيمًا بها إلى أن بلغ مبالغ الرجال، وهو مع ذلك لم يره أحد، ولا نَظَرَه من له شُهرة، ولم يخرج من منزل قرقماس هذا حتى ولا إلى صلاة الجمعة والعيدين، وكان يسمع به ولا يرى شخصه، وكان على

стр. 711

ما يقال شابًا طُوالًا، جميل الصورة وحسن الهيئة والشكالة، بهيّ المنظر، وله فضل وطلب علم ومعرفة تامّة. كل ذلك بواسطة تربية قرقماس له وتعليمه له بمن أحضره إلى داره لتعليمه، فأحفظه أولًا القرآن العظيم، ثم أقرأه شيئًا من الفقهيّات وغير ذلك، واجتهد في ذلك، وفي تعليمه الأنداب والفروسية، وكان له محبّة في الفضيلة ومَيل للعلم وأهله، مع كثرة المواظبة على مطالعته الكتب ونَظَرها، وكتب بخطه المنسوب، ودام كذلك إلى أن بَغَتَه الأجَل، كون أخيه العزيز يوسف الآتي في رتبته من هذه التراجم تبِعه في ثمانية عشر يومًا (١)، ولم يسكن الطاعون حتى تُعُجّب من اتفاق أجلهما. ويقال إنه سُمّ بدسيسة من الظاهر خُشقدم لما مات أخوه، لما أنه في حياة أخيه لا يتوجّه إليه، وأمّا بعده فربّما يتوجّه إليه. واللَّه أعظم بصحّة ذلك، فلعلّها ليست ببعيدة، لأن خُشقدم كان كثير التوهّم، أسود الباطن، كثير المكر والحِيَل، واسع الخيال، فأين هذا من الأشرف قايتباي، وقد أحضر المنصورَ عثمانَ، وضرب معه الكرة بالصَّولجان بالقلعة بعد أن أمره أن يتزيّا بزِيّ السلطان بالبند وغيره، حتى صار كاجتماع سلطانين في آنٍ واحد موليان. وأين خُشقدم من قايتباي أيضًا، وقد أذِن بحضور المؤيَّد أحمد للقاهرة، وكانا وليا السلطنة، فضلًا عن أن يكونا مخبّأين لم ينظرهما أحد. وأين خُشقدم من قايتباي، ووَلَد خُشقدم هذا موجود في القاهرة بين ظهراني العسكر وبين ظهراني مماليك أبيه، وهو يركب وينزل. ثم قيل إنه دسّ إليه السُّمّ من جهة أن شاء (٢) اللَّه الموت في التراب هذا في يوم السبت سابع ربيع الأول ( … ) (٣) وأُخرجت جنازته من دار قَرقماس الجلب بالتبّانة، وأُحضر إلى سبيل المؤمني، ثم نزل السلطان وشهد جنازته وحضر الصلاة عليه، وحُمل إلى تربة الأشرف والده بالصحراء (فأنزل على أبيه) (٤) وأخيه في الفسقية بالقبّة وترك بناتًا صغارًا من الجواري، وهو آخر (أولاد الأشرف، فكان) (٥) أصغرهم سنًّا، عوّض اللَّه تعالى شبابه الجنّة. ٢١٣ - أحمد بن قرا (٦) (الموصلي، الدمشقي، القُبيباتي (٧)، الشافعي.

стр. 712

الشيخ الإمام، العالم، الفاضل، (البارع الكامل) (١) شهاب الدين، المعروف بابن قَرا، أحد أفراد عسكر دمشق وأعيانها. كان من كبار أهل العلم والفضل، وله خير وفضيلة. وللناس فيه الاعتقاد الحَسَن الزائد. وكان به النفع العام للناس، وله شهرة، وذِكر لدى جماعة، وأخذ عن جماعة، واتّسع ( … ) (٢) وكان كثير الديانة والخير، على جانب عظيم. توفي في يوم الخميس تاسع جماد الأول. ودُفن برأس القُبيبات، وكان له مشهد حفل ﵀ (٣). ٢١٤ - (أحمد بن محمود) (٤) بن عبد السلام بن محمود العدوي (٥)، البقاعي، الدمشقي، الشافعي. الشيخ (شهاب الدين، خطيب صَرَفَنْد (٦)) (٧). ولد بالبقاع العزيزي في أحد الجمادين سنة اثنتين (٨) (وثمانين وسبعمائة) (٩). … (ونقله أخوه) (١٠) عبد السلام إلى دمشق، فحفظ بها القرآن العظيم، ثم تلا (١١) لأبي (عَمرو على الشهاب ابن غياث) (١٢) ثم اشتغل فأخذ عن الشُهُب الثلاثة: الغزّي، وابن (١٣) (نشوان) (١٤) والزُهري، وحج غير ما مرة، وسمع

стр. 713

الحديث على عائشة ابنة عبد الهادي (وله نظم حسن جيّد) (١) لم يحضرني منه الآن شيء (٢). وقدم القاهرة غير ما مرة. وناب (في القضاء بدمشق) (٣). وكان إنسانًا حسنًا، خيّراً، ديّنًا، عاقلًا، ساكنًا، ذا ثروة زائدة (ووجاهة ورئاسة و) (٤) في الجملة ذا شهرة، وعنده بشر وبشاشة، وبيننا وبينه مودّة. وكان ( .................. ) (٥). توفي ليلة الثلاثاء ثاني ربيع الآخرة. وكانت جنازته حافلة. ٢١٥ - (أحمد بن البكيراني) (٦)، البَلَنْسي، الأندلسي، المدجّن. أحد أعيان كبار التجار بتونس (وحمو شيخنا العلّامة) (٧) أبي (٨) عبد اللَّه بن محمد الواصلي. كان من بَلَنْسية ممن تحت إيالة أهل (بيت) (٩) الحديث من موضع هذه المدرسة الذي قد بيّنّا خبرهم في ترجمة الخواجا غالب الذيول، أعني ما تقدّم الحديث ذلك (١٠). وخرج من بَلَنْسِيَة مهاجرًا ففطن بتونس، ووجُه بها مع وجاهته ببلده و ( ...... ) (١١) ومتاجره. وكان له ابنة رغب إلى شيخنا المذكور في أن يتزوجها ولا يكلّفه في ذلك، بل لالتماس بركته، فأجابه إلى ذلك، وكان واسع المال، كثير المتاجر بكثير من البلاد. وكان إنسانًا حسنًا، خيّراً، ديّنًا، له طلب ومَيل كبير لأهل العلم.

стр. 714

توفي في هذه السنة على ما بلغني، وكان في عشر السبعين. وقد رأيته بتونس، كثير الحشمة و ( ...... ) (١) له تجمّل وحُسن سمت. ٢١٦ - (بُرْدُبك) (٢) الأشرفي، القُبْرسي (٣). الدوادار الثاني، وصهر الأشرف إينال أستاذه على ابنته الخَوَنْد بدرية أخت بُردُبك هذا من سبي قبرس المحضَرين في سنة تسع وعشرين وثمانمائة. ولكن إينال من السبْي، وكان مراهقًا للبلوغ، وكان إينال ممن حضر فتح قبرس وأبلى في الفرنج البلاء الحسن، وأحضر عدّة من السبي، بينهم بُردُبك هذا، وقَراجا الطويل، وآخرون (٤) قد أشرنا إليهم في تاريخنا هذا، وربّاه إينال هذا فأحسن تربيته، ثم أعتقه وجعله خازنداره، ثم أزوجه بعد ذلك بابنته الكبرى من زوجته الخَوَند زينب وهي أمّ أولاده، أعني بدريّة، فإنّ بُردُبك هذا استولدها عدّة أولاد من الذكور ثلاثة (٥)، وهم: محمد، وأحمد، وإبراهيم، والثلاثة موجودن الآن، وقد قدّمنا ذِكرهم في ترجمة لمحمد الأكبر. ومن الإناث اثنتان (٦) أيضًا منهنّ وهما: سعد الملوك زوجة تَنِبَك قَرا أحد مقدَّمين الألوف بعصرنا هذا، من مماليك جدّها لأبيها الأشرف إينال ( … ) (٧) زوجة آقبردي الأشرفي أمير الحاج الأول أحد العشرات الآتي في محلّه، وتزوّجت قبله غيره أيضًا. وستأتي ترجمة الخَوَند بدريّة في سنة وفاتها إن شاء اللَّه تعالى. ودام بُردُبك هذا خازندارًا عند إستاذه مدّة، ثم نقله إلى دواداريّته، ودام إلى أن تسلطن، فأراد أن يصيّره دوادارًا ثانيًا، فعارضه تمراز في ذلك، ووُلّي الدوادارية، وأمّده أستاذه عشرة، وصيّره دوادارًا ثالثًا. ثم لما غضب على تمراز وأخرجه مَنَفّيًا نقل بُردُبك هذا إلى الدوادارية الثانية، عِوَضًا عنه، على ما بيّنّا ذلك فيما تقدّم، فباشر بُردُبك هذا الدوادارية الثانية مباشرة حسنة، وعظُم قدْرُه بها جدًّا،

стр. 715

وزادت وجاهته وحُرمته، ونفدت كلمته، ونالته السعادة، وصار من أعيان الدولة، بل ومن مدبّريها وأركانها، وقُصد في المهمّات وقضاء الأشغال، وخُدم من الناس، وقام هو أيضًا في حوائج الناس بقلبه وقالبه، وأنهى (١) القضايا المهمّة، وتكلّم في أشياء كثيرة كبيرة، وطار صيته، وبعدت شُهرته، وخرج في عدّة أشغال مهمّة، وقضايا كبيرة إلى جهة البلاد الشامية غير ما مرة، ونفع الكثير من الناس، مع عقل وعدل وسياسة وتعب (٢) وحشمة وحُسن سمت وتؤدة وتواضع، وبِرّ وخير ومعروف، ومحبّة في أهل العلم والفضل، ومجالستهم والقيام معهم في مرامهم ومقصدهم، والتعظيم لهم إلى الغاية والنهاية، والسعي إليهم بنفسه مع عظمته ووجاهته. وكان يردّ السلطان عن كثير من أغراضه الفاسدة، ويُرجعه عن ذلك، ويرشده إلى الخير، ويُحسِن سفارة الناس بينه وبينهم، مع عفّة وكرم نفْس وصدقات، لا سيما في شهر رمضان. وله عدّة آثار جليلة، منها الجامع المعظّم بخُط قناطر السباع، وقد تقدّم شيء (٣) من ذِكره. وله الجامع الجليل بدمشق أيضًا، والمدرسة بالقرب من رحبة الأيْدَمُري التي كان بها الشيخ علاء الدين الحصْني، وغير ذلك من الآثار الدالّة على علوّ همّته وكثرة معروفة. وكان إليه النَّهْي والأمر في مملكة أستاذه، فإنه كان الثالث من مدبّري المملكة، أستاذه، وولده أحمد المؤيَّد، ثم بُردُبك هذا. ولم يزل على ما هو عليه حتى مات أستاذه، وآل المُلك لولده أخي (٤) زوجته بُردُبك هذا، فدام على ما هو عليه من العظمة وتدبير المُلك إلى أن خلع ولد أستاذه أعني المؤيَّد أحمد، وكان معه في تلك الكائنة ( … ) (٥) فنُكب بعده، وصودر على مال كثير أُخذ منه على ما بيّنّاه. فيقال إن جملة ما تكلّفه وأُخِذ منه نحو المائتي ألف دينار. وكان يعاب بجمع ذلك من أيّ وجهٍ كان، ومع ذلك فكان لا بأس به. وكان كثير المحبة للوالد جدًّا، وبينهما صحبة أكيدة. وقد تقدّم كثير (٦) من ذِكرنا لتنقّلاته وأحواله فيما تقدّم من سِنِيّ سلطنة أستاذه، وكيف أخرج إلى مكة، ودام بها إلى هذه السنة، فاستُقدم إلى القاهرة. وبينا هو في أثناء قدومه مع الحجّاج إذ تُوُفي قتيلًا بخُلَيص (٧)، بيد

стр. 716

بعض العربان. طعنه بحربة في يوم الإثنين سادس عشر ذي الحجة. ويقال إنه سُلّط عليه، واللَّه أعلم بحقيقة ذلك. وكان سنّه يوم مات زيادة على الإثنتين (١) وخمسين سنة. واسمه مركَّب من "بُردي" بمعنى أعطى، و"بك" تقدّم الكلام عليه غير ما مرة، وهو الأمير على المشهور، وتُلُوعب بها في النُطْق والكتابة إلى ما كتبناه، وهو غلط عمّا ذكرناه. ٢١٧ - بَرْسْباي الظاهري (٢). أحد الدوادارية وأعيان الخاصكية. كان من مماليك الظاهر خُشقدم ممّن ملكه الأشرف إينال كتابيًّا، ومَلَكَه الظاهر هذا وأعتقه، ورقاه إلى الخاصكية، ثم صيّره من الدوادارية الصغار، واختص به جدًّا، وقرّبه وأدناه، وكان من نُجباء من عُيّن لقتل جانِبك نائب جُدّة، بل يقال إنه هو الذي تولّى قتْل جانِبَك المذكور، ثم بلغ عنه أستاذَه شيء (٣)، وقد عرّفناك غير ما مرة ذلك، فقبض عليه وضربه أشدّ الضرب، ثم وسَّطه بالحوش بين يديه، فكانت قتلته شرّ قتلة، عيب على السلطان فِعلُه ذلك، من ضرْبه الضرب الشديد، ثم توسيطه، إذ من يُتلف لا فائدة في ضربه. توفي موسّطًا كما قلناه في يوم السبت تاسع صفر وهو في شبوبيته. وكان شجاعًا مقدامًا. ٢١٨ - تَنَم الأبوبكري (٤) الناصري. أحد العشرات المعروف بالأعرج. كان من مماليك الناصري فَرَج بن برقوف، وتنقّلت به الأحوال بعد قتل الناصر في خدمة جماعة من الأمراء، حتى اتصل بخدمة الأمير ططر، فلما تسلطن أنزله في ديوان الجند كما كان، وكانت نيّته له ( ...... ) (٥) ثم لما تسلطن

стр. 717

الأشرف برسباي صيّره خاصكيًّا، ثم صيّره في أواخر دولته من العشرات بسفارة يشبُك الشادّ الذي وُلّى الأتابكية فيما بعد. وكان بينهما معرفة ( ......... ) (١) حتى بَغَتَه الأجل. وكان إنسانًا حسنًا، ساكنًا، خيّرًا، ديّنًا، من قدماء الأمراء ذوي المحنَّكات، والتجارب، ذا أدب وحشمة، وتؤدة، وحُسن هيئة. توفي في رجب. (وقرّر) (٢) الظاهر خُشقدم في إمرته مملوكه طرباي (٣) الذي صار محتسبًا فيما بعد، وسيأتي. ٢١٩ - تَنَم من عبد الرزاق (٤) المؤيَّدي. نائب الشام، المعروف بالمحتسب. (وعُرف بالخازن) (٥) كان من مماليك (المؤيَّد شيخ) (٦)، وصار خاصكيًا في دولته، ثم خازندارًا صغيرًا (مدّة) (٧)، ومات أستاذه وهو على ذلك، ولما تسلطن الأشرف صيّره رأس نوبة الجمْداريّة ثم أمَّرهُ عشرة، ودام على ذلك إلى سلطنة الظاهر جقمق، فولّاه الحسبة في أوائل دولته. وذكر الحافظ ابن (٨) حجر في تاريخه (٩) حين ولايته الحسبة، وذكر فيه أيضًا في غير ما موضع منه، ثم نقل إلى نيابة الإسكندرية، ثم صرف عنها، واستُقدم إلى القاهرة، ثم وُلّي نيابة حماة، ولم تطُل مدّته بها حتى نُقل منها إلى نيابة حلب بعد

стр. 718

صرف قانِباي الحمزاوي عنها، واستقدامه إلى القاهرة. ولم تُحمد سيرة تَنَم هذا بحلب ورُجم من أهلها. فصرفه الظاهر عنها واستقدمه إلى القاهرة من جملة مقدَّمي الألوف بها. ثم ترقّى إلى أمرة مجلس، ثم نُقل في دولة المنصور عثمان إلى إمرة سلاح عوضًا عن جَرِباش الكريمي لما صرف عنها لعجزه وكِبَر سنّه. ولما كانت الكائنة التي أدّت إلى خلع المنصور وسلطنة الأتابَك إينال انحاز تَنَم هذا إلى المنصور، فلما غلب وأخذ، ورأى تَنَم الغَلَبة أراد أن يجعل له يدًا عند إينال، فنزل من باب السلسلة للحوقه به، فقبل أن يصل إليه أخذ من الجُند التحاتي، وبُهدل بهدلة كبيرة قد بيّنّاها في محلّها في يوم نهاية الحرب بين المنصور وإينال، وقبض عليه إينال وسجنه بالإسكندرية، ودام بسجنها إلى أن تسلطن خُشداشه الظاهر خُشقدم، فبعث بإطلاقه وأن يتوجّه لثغر دمياط، ثم استقدامه إلى القاهرة، وولّاه نيابة الشام عوضًا عن جانَم، على ما عرفت ذلك في ما تقدّم، ونزل السلطان إلى داره بعد ولايته، ثم توجّه إلى دمشق بأبّهة زائدة، وباشرها، فلم تُحمد سيرته بها لطمعٍ كان عنده، ودام بدمشق إلى أن بغته أجلُه بها. وكان من قدماء الأمراء، وله وجاهة، لكنْ كانت مساوئه أكثر من محاسنه. على أنه كان بينه وبين الوالد صحبة أكيدة، لكن الحق يقال. وأخبرني الوالد بأنه كان يصرّح له فيما بينه بأنه لا بدّ له أن يلي الأمر، معتمدًا في ذلك على أخبار الكثير من الذاكرة ممن يدّعي الصلاح، وكذا أخبار بعض من يُنسب للنجامة ومعرفة الزايرجة وغير ذلك، طمعًا من قائل ذلك ورجمًا بالغيب، لما يتحقق هذا المحبذ بأنه لا يخلو (١) إمّا أن يكون ما قاله على طريق الاتفاق كما وقع لغيره، فيكون ما قاله مندوحةً لكثير من الأغراض، وقد كفى الله من ذلك. وكذب القائل أو لا يكون ذلك فيموت، فلا على قائله من الكذب، إذ لا يمكنه أن يقول لهم كذبتم ما وليتُ السلطنة. وكان قد رسخ ببال تَنَم أنه لا بدّ له من ذلك، حتى إنه لما مر قرب دمشق لم يهتم ولا توهّم موته، ولا عمل بمقتضى ذلك، فضلًا عن أن يظن أنه يموت أو يجزم به، إذ هو جازم أنه لا يموت إلّا بعد السلطنة فأنّى له باعتقادٍ يخالف ذلك؟ فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه، نعوذ باللَّه من مثل هذه الأحوال. وتوفي تَنَم هذا في يوم الأربعاء ثاني عشرين جمادى الأولى. وعُوّق عن دفنه لأجل جوامك مماليكه (وخدمه) (٢)، فإنهم ثاروا ثورة واحدة

стр. 719

وقالوا: لا يمكن من تجهيزه وإخراجه إلّا إذا غُلّقت ديونُنا المرتّبة بذمّته. وثارت العامّة أيضًا لما رأوا ذلك وقالوا: ونحن أيضًا ما نمكّن من دفنه حتى يعادلنا ابن شبل إلى الحسبة، وكان قد صرفه تَنَم هذا عنها، ولا زال بعض الناس يتلطّف بهم حتى دُفن بعد أيام على ما ذكره الجمال يوسف بن تغري بردي (١). وقد سألت أنا عن ذلك فقيل لي: لم يعوّق ولا تمام اليوم، بل عُوّق إلى حين اتفاق الحال على عمل مصالح أهل الجوامك والعامّة، وما حرّرت ذلك. وترك ولديه: محمد وفرج وسيأتيان. وكان فَرَج من زوجته سلطان نبخ المدعوّة دولات قريبة الظاهر الماضي ذكرها. وكيفية زواج تَنَم هذا لها في محلّه، وهي موجودة الآن. وكان سِنّه -أعني تَنَم- يوم مات نحو السبعين سنة إن لم يكن أكملها. ٢٢٠ - جانبك التاجي (٢)، المؤيّدي. نائب حلب والشام، المعروف بنائب بيروت. رواه بعض المؤرّخين، والمرشح لنيابة الشام. قول مُهمَل فإنه ما رُشح لها فقط بل وُلّيها. وخرج له الأمر بذلك غاية ما في الباب، باب قبل مباشرتها ووصول ذلك إليه، لكنه مات وهو متولّيها على ما عرفت ذلك في المتجدّدات من هذه السنة. كان جانبك هذا من مماليك المؤيَّد شيخ، ومات أستاذه وهو من جملة الجَمْدَارية، ثم صُيّر خاصكيًا بعده، ثم أُخرج في أوائل دولة الظاهر جقمق على نيابة بيروت، أظنّ في تلك الكائنة اتي جرت بعد قتل ابن (٣) بشارة الماضي ذكرها في محلّها، ثم نُقل إلى نيابة صفد، ثم حماة، وذلك ببذل المال لا بالاستحقاق الذي اصطلح عليه الأتراك، فإن جانبك هذا لم يكن له ذكر في الدول، بل ذِكْره مقدار يشهد به، ثم نُقل من حماة إلى نيابة حلب بعد موت الحاج إينال اليشبُكي وكان من مقولته، بل كان الحاج إينال أمثل منه، وله شُهرة وذكر. وكنت أنا في أيام ولايته لحلب بالمغرب، وبلغني ولايته، فبقيت متحيّرًا لا

стр. 720

أعرف من هو، مع وصوله هذا المنصب الجليل، ولا عرفت أنْ أَوَ قَعَ اسمُه على مسمّاه، مع معرفتي بكثير من الأتراك، وتفتيشي على تراجمهم كبارًا وصغارًا، وما عرفت هذا في الصغار، وهذا دليل ظاهر على كَونه وضيع القدر قبل ذلك. وباشر نيابة حلب إلى أن ولّاها الظاهر خُشقدم كما قلناه لبُردُبك البَجْمَقْدار، وبعث لجانبك هذا يستقدمه إلى القاهرة على تقدمة بُردُبك المولّى حلب، فاتفق وصول الخبر بموت تَنَم الماضي ذكره، فاستقر السلطان بصاحب الترجمة في نيابة الشام، وكتب تقليده إليه بذلك، وجُهّز إليه مع تشريفه ومركوبه، فاتفق أنْ بَغَتَه أجَلُه قبل وصول الخبر إليه بذلك، ووصل الخبر إلى حلب في ثاني يوم موته، فكان في ذلك من غريب الاتفاقات النادرة. وكان جانبك هذا متوسط السيرة في غالب أحواله وولاياته، يصلح أن يقال كان لا بأس به، لكنه وُلّي غالب ما ولّيه ببذل المال، فقسا وظلم زيادةً عن غيره لأخذ ما بذله من غير وجهه. وكان يُلمز باستعمال القاذورة (المسَمّاة بالحشيشة) (١) فإن صحّ ذلك فهو من نوادر الأتراك في ذلك، واللَّه أعلم بصحة ذلك. (وكان لما بلغه عزْلُه) (٢) عن حلب وطلبه التقدمة بالقاهرة تهيّأ للخروج منها، (وبينا هو في أثناء) (٣) ذلك قبل أن يخرج من دار سعادتها تمرّض بعض أيام. توفي يوم الخميس ثامن جماد الآخر. وله نحو السبعين سنة أو أكملها. ويقال إنه ( ......... ) (٤) كونه عُزل عن حلب وبه مات، واللَّه أعلم. وهو من الأصاغر الذين قرّبهم خُشقدم ورفعهم، وعيب عليه ذلك غاية كون نيابة حلب، بل ودمشق تولَّى إلى ( ............ ) (٥) وعزله الأعيان الأكابر، وعُدّ ذلك من سيّئات الظاهر. ٢٢١ - جانبك الظاهري (٦).

стр. 721

أحد العشرات، ورأس الجند الراكز بقبرس في تلك الفتنة ( ...... ) (١) المعروف بالأبلق. وتقدّم كيفية توجّهه لقبرس أولًا وهو خاصكي، ثم إقامته هناك، ثم عَوده في سلطنة الظاهر خُشقدم وتأمّره، ثم إعادته إلى قبرس، وإقامته هناك، وكيفية قتله بما يغني عن مزيد إعادة ذلك، فإنه قريب فى متجدّدات هذه السنة، وبقي التعريف به فقط. كان من مماليك الظاهر جقمق وخاصكيّته، وتأمّر في دولة الظاهر خُشقدم كما ذكرناه، وصُيّر باشا على العسكر الغازي بطلبٍ منه، فإنه كان له بتلك البلاد تعلّقات ومعاملات، وبها توفي قتيلًا كما ذكرناه، وذلك فى أحد الجمادين من هذه السنة. ولم يكن محمودًا ولا مشكور السيرة. ٢٢٢ - جَكَم نائب كركر (٢). قتله الأكراد وأخذوا قلعة كركر بحيلةٍ عليه، كما تقدّم في المتجدّدات، ولا عِلم لي بشيء من أحواله غير ما ذكرت. ٢٢٣ - حسن بن علي بن محمد بن علي الحصْني، ثم الحموي، الحنفي. الشيخ بدر الدين، المعروف بابن الصوّاف (٣)، قاضي القضاة الحنفية بالديار المصرية. وغلط ابن (٤) تغري بردي في نسبه حيث قال (٥): حسن بن محمد بن أحمد، بل كذب في ذلك. وُلد البدر هذا بحماة في سنة ثلاث وثمانمائة. وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم، ثم حفظ "المنظومة" و"المختار" و"الإخسيكتي" في أصول الفقه، واشتغل بالعلم بعد ذلك، فأخذ ببلده عن قاضيها الشيخ ناصر الدين الجيني (٦)، ثم قدم القاهرة فأخذ بها عن الشمس الدَّيْري،

стр. 722

والسراج قارئ "الهداية"، والكمال بن الهُمام، والأمين الأُقصُرائي، وغيرهم. وسمع الحديث بحماة على الشمس الأشقر. وكان من أولاد التجار، ولكنّه تعانى العلم، وجاء منه وتميّز، وشُهر بالفضيلة. وكان هو أيضًا يتبع طريقة التكسّب بالتجارة، فأثرى من ذلك، وحصّل أموالًا جمّة، ووُلّي قضاء بلده، لكنْ بمال بذله في ذلك، ودام على قضائها مدّة مطوّلة، مع كثرة تردّده إلى القاهرة للإتجار، وجعل القضاء وقاية له عن طمع الطامعين فيه. وصحب جماعة من الأعيان والرؤساء، منهم: الجمال ابن (١) كاتب جَكَم، وكان كثير الإهداء لهم وإتحافهم بما يحبّ من الهدايا الطائلة لسعة ماله. وكان سخيًّا، كريم النفس جدًّا لا قيمة للأموال عنده، مع تحصيله إيّاه بالإتجار لا بشيء هيّن كميراثٍ ونحوه، وهو خلاف غالب التجار، فإن الغالب الإمساك عندهم، فكان هذا من نوادرهم، وكان بينهما عالي الهمّة، قويّ العزيمة. قدم في بعض قدماته للقاهرة في سنة ست وستين الماضية قبل هذه لأمرٍ لا حاجة لنا بذكره، فقام البدر هذا في حظ نفس وسعي في القضاء بجماعةٍ، منهم: قانَم التاجر، إلى أن وليه بمالٍ كبير بذله فيه نحو العشرة آلاف دينار، واستقرّ فيه في التاريخ المتقدّم ذِكره في (رجب) (٢) سنة سبع وستين المذكورة، وكان قد بقي عليه بعض من ذلك المال فطولب به، وربّما لوزم أخاه بسبب ذلك، فحصل لصاحب الترجمة بذلك قهر وغُبن، لا سيما وقد قصد الاستعلاء على ابن (٣) الشِحنة، فما رضي بما فعل مع أخيه وأنِف من ذلك، فتأثّر له مزاجه، فمرض مرضًا ( … ) (٤) أدَّى إلى الجثماني، ودام مدَّة حتى بَغَته الأجل. وكان إنسانًا حسنًا، خيّرًا، ديّنًا، ذا صلاح وتواضع زائد، مع عفّة وحُسن سمت وتؤدة، وبشاشة وبشْر، وطلاقة وجه، وسلامة فطرة، وحُسن عِشْرة وفُكاهة محاضرة ومذاكرة، مع فضيلة تامّة. وكان له اليد في الأصول الفقهية. وأثنى عليه الشرف المناوي في مجلس الظاهر خُشقدم قبل ولايته القضاء وعلى علمه وخيره. وترجمه الجمال ابن (٥) تغري بردي بترجمة لا تليق به (٦)، بل ما عرف مقامه ولا القريب منه، فجازف فيما قال بما لا يسعه ذلك، وبيد اللَّه عاقبة الأمور. توفي البدر هذا في يوم الأحد رابع المحرّم بعد ولايته ببعض شهور تزيد على الخمسة.

стр. 723

ويقال إنه سُمّ، واللَّه أعلم بحقيقة ذلك. ثم أُخرجت جنازته وكانت حافلة، وحضرها قانَم التاجر، ثم حمله إلى تربته التي أنشأها بالصحراء، فدُفن بها. وعاد القضاء بعده إلى المحبّ بن الشِحنة على ما كان عليه. ٢٢٤ - حسن خُجا الجمالي (١)، الظاهري. الخاصكي، وأحد الأميراخورية. كان من مماليك الظاهر جقمق ومن خاصكيّته. ولم يزل على ما هو عليه إلى أن تسلطن الظاهر خشقدم فصيّره من الأميراخورية، ودام على ذلك حتى بَغَتَه الأجل. وكان إنسانًا حسنًا، ساكنًا، حسن الاعتقاد، سليم الباطن، تركيّ الجنس، مسلم الأصل. وعلى هذا لم يملكه الظاهر، وكان لا بأس به. توفي في هذه السنة، ولا أحرّر شهر وفاته لأُثبته. ٢٢٥ - سودون اليشبُكي (٢)، التركماني. أحد مقدَّمين (٣) الألوف بدمشق، المعروف بقَنْدُورَة. كان من مماليك يشبُك الجَكمي الأميراخور، وهو خشداش جانبك اليشبُكي الوالي. ولما مات سيّده نزل في ديوان الجُند السلطاني، ودام على ذلك مدّة، ثم انتمى للجمال ابن (٤) كاتب جَكَم بواسطة جانبك الوالي خُشداشه المذكور، فاعتنى به الجمال حتى وُلّي بعض قلاع البلاد الشامية، ثم تنقّل في عدّة ولايات في تلك البلاد غالبها أو كلها ببذل المال، وآل أمره أن صُيّر في دولة الظاهر خُشقَدَم من جملة مقدَّمين (٥) الألوف بدمشق، وخرج بأخرة أميرًا على الحاج بالمحمل الشامي، فلما حج وعاد وزار المدينة الشريفة ثانيًا، وخرج متوجّهًا للشام. توفي إمّا في أواخر ذي الحجّة من الماضية، أو في أوائل محرّم من التي تليها، ولم يتحرّر لي ذلك.

стр. 724

وكان سنّه زيادة على الستين سنة. وكان لا بأس به. ٢٢٦ - صالح بن عمر بن رسلان (١) نُصَير الكِناني، البُلقيني، القاهري، الشافعي. الشيخ، الإمام ( ...... ) (٢) شيخ الإسلام، عَلَم الدين، أبو البقاء ابن (٣) شيخ الإسلام سراج الدين قاضي القضاة، شيخ الشافعية بالديار المصرية. وبقيّة نسبه قد تقدّم. ولد بالقاهرة في ( ..................... ) (٤) ثالث عشر جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. ( ......... ) (٥) شيخ الإسلام، وحفظ القرآن العظيم وعدّة من المتون في ( ..................... ) (٦) وكان فهْما، حاذقًا، فطِنًا، ثم اشتغل بالعلم فأخذ شيئًا عن ( ..................... ) (٧) ولازمه وانتفع به، وأخذ أيضًا عن المجد البرماوي، والبرهان البيجوري، ( .................. ) (٨) من جماعة، والشمس الشطنوفي، وغيرهم. وأخذ في علوم الحديث ( ............ ...... ) (٩) كابن حجر. وسمع الكثير على جماعة منهم والده. هكذا رأيت ( .................. ) (١٠) الوالد، وذكر فيه الكثير من مسموعاته. وذكر بخطه

стр. 725

أيضًا محصِّلًا، مُجِدًّا حتى ( ...... ) (١) وشُهر وذُكر، وأفتى ودرّس، وقصد بالكتابة على الفتاوى مع الإيجاز في جوابه ( … ) (٢) وتثبُّته، وعظُمت شهرته، وناب في القضاء عن أخيه الجلال، وكان مختصًا بأخيه هو وولد ( ...... ) (٣)، وكانا في الحقيقة باب الجلال وإليهما المرجع في الأمور في القضاء، ولهما ( … ... ) (٤) في جميع الجهات. ووُلّي عدّة وظائف دينية وتداريس جليلة، إلى أن ترقّى إلى القضاء الأكبر، وتلقّاه عن الولي العراقي، وتكرّر ولايته له غير ما مرة إلى أن صار يتناوبه هو والحافظ ابن (٥) حجر، وحصل بينهما من المنافسات والضغائن، والعجائب والغرائب، والقيل والقال ما لا يعبّر عنه، وأكثر ما وقع بينهما مشهور، ثم تناوبه مع الشرف يحيى المناوي. ودام معظَّمًا ضخمًا، فخمًا، وجيهًا. وانتهت إليه رياسة الشافعية في زمنه، وأخذ عنه الفضلاء من كل مذهب، وافتخروا بتلمذته والأخذ عنه. وألَّف وصنّف. وتوفي في يوم الأربعاء سادس رجب. ووهم من قال: خامسه. وجُهّزت وأُخرجت جنازته حافلة جدًّا، وصلّي عليه بجامع الحاكم، وتقدّم في الصلاة عليه قاضي القضاة الحنفية المحبّ بن الشِحنة، وأعيد إلى حارة بهاء الدين فدُفن بها بمدرسة والده تجاه دارهم، وفقده الناس وعظُم به المصاب، ولم يخلفْه بعده مثلُه. وكان إمامًا عَلَمًا عالمًا بمذهب الشافعي وله فيه اختيارات كأبيه، بل وأنظار دقيقة. وهو من أشياخنا، وأخذ عنه الوالد أيضًا، فكان بينهما محبّة وصحبة أكيدة جدًا. وكانت والدته تسمّى صالحة. وقد ترجمها الحافظ ابن (٦) حجر في "إنبائه " (٧). ٢٢٧ - وترك العَلَم هذا ولده الشيخ العالم الفاضل فتح الدين أبا (٨) الفتح محمد، شاب حسن الذات والصفات.

стр. 726

ولد في () (١) بالقاهرة، وبها نشأ، فحفظ القرآن العظيم وعدّة متون، وعُرض على جماعة، واشتغل فأخذ عن أبيه وآخرين، وسمع الحديث، ووُلّي وظائف والده بعده. وهو من ذوي البيوتات والأصالة والأثالة والنجابة والنبالة والعراقة، حَسَن السمت والملتقى، كثير البشْر والبشاشة، واضح المحيّا، يواددنا بالسلام، سلّمه اللَّه تعالى. ٢٢٨ - طوخ الجَكَمي (٢). أحد الطبْلخانات والرأس نَوبة الثاني. كان من مماليك جَكَم من عوض المتغلّب على حلب والمتسلطن بها. وهو مشهور الترجمة. تنقّلت الأحوال بمملوكه هذا حتى صار إلى ما صار إليه، وآخر ذلك ترقّيه إلى إمرة طبلخاناة بالديار المصرية، ووظيفة الرأس نَوبة الثانية، ودام بها إلى أن بَغَتَه الأجل. وكان إنسانًا سيّء السيرة، مسرفًا على نفسه، مدمنًا على الشُرب. قال الجمال ابن (٣) تغري بردي في ترجمته (٤): ما أظنّه ترك الشرب إلّا في مرض موته، ثم وصفه بأوصاف غير مرضية. وكُفّ بأخرة وصُرف عن الإمرة والوظيفة، ودام بطّالًا مدّة ملازمًا لداره، ولم يتفق له أن حجّ حجّة الإسلام مع ثروته وغِناه وسعة أمواله وطول عمره، فإنه جاوز الثمانين فيما أظنّ. وتوفي في ليلة الأربعاء تاسع عشر ذي الحجة، ودُفن من غده بالصحراء. واسمه قد تقدّم الكلام عليه وأنه مفرَد معناه: "شَبْعان" خلاف "الجَيعان". ٢٢٩ - عبد اللَّه بن أبي إبراهيم المغربي، الصحراوي، الفيلالي (٥)، الأذرعاتي (٦)، (المالكي) (٧).

стр. 727

الشيخ الصالح العابد، المعتقد، أبو محمد، شيخ ركب المغاربة المصامدة. كان من مدينة أذرعات بالصحراء بالقرب من المدينة التي يقال لها بافيلال بصحارى المغرب، مما يقرُب من مزاكش، وسجلماسة، وهي من بلاد البربر. وكان الشيخ عبد اللَّه هذا وإخوته وأسلافهم من قبل من مشايخ تلك البلاد وأكابرها ورؤسائها، من أهل العلم والفضل والصلاح والخير، ولهم شهرة وذِكر بتلك البلاد، بل وبالمغرب جميعه. وكانت ملوك المغرب ولم تزل تعتقدهم ويعظّمونهم، ويلتمسون بركتهم. قدم عبد اللَّه هذا للقاهرة بالركب المغربي للحج غير ما مرة، آخر ذلك في سنة سبع وستين، وحج وعاد إلى القاهرة فبَغَتَه الأجَل. وكان عالمًا صالحًا، عابدًا، خيّرًا، ديّنًا، معتقدًا، حسن السمت، كثير السكون، ذا تؤدة ونفْع للناس في إقامة حَجّهم، وكانت العربان تعتقده وأسلافه، فيكرمون الحاجّ لأجله، ولا يحصل عليهم منهم الأذى والضرر. توفي بالقاهرة في أواخر هذه السنة. وقدم بالحاج إلى تونس أخوه أبو عبد اللَّه محمد، وكان قد حج معه. ٢٣٠ - • ومحمد هو الأصغر، ورافقته في توجُّهي للمغرب صُحبة الركْب المغربي من تونس إلى تِلِمسان، بل ورافقت (١) أخاه أيضًا قبل ذلك في بعض أسفاري. وكان سنّ صاحب الترجمة يوم مات نحو الخمسين سنة. وأمّا أخوه فهو موجود الآن ببلاده، قام مقام أخيه، وله الذِكر والشُهرة، وهو نحو (٢) من أخيه في ترجمته وأحواله وصلاحه، نفع اللَّه تعالى به (٣). ٢٣١ - (ظَهِيرةُ (٤) بن أبي حامد بن ظهيرة المكي، المالكي. القاضي بدر الدين، قاضي المالكية بمكة المشرّفة ولد بمكة وبها نشأ، واشتغل على جماعة ( .............................. … (٥)) إلى القضاء.

стр. 728

وكان ظهيرة هذا إنسانًا حسنًا) (١). ٢٣٢ - عبد اللَّه بن حسّان (٢) المغربي، الطرابلسي. منفّذ طرابلس، وهو في معنى كاتب السرّ بهذه البلاد. كان منفّذًا بها في أيام القائد أبي (٣) النصر الماضي شيء (٤) من أحواله أثناء فيما تقدّم. وكان عبد اللَّه هذا معينًا له على المظالم، متعاضدين (٥) على ذلك، ذاك بيده وساقه، وهذا بقلمه ولسانه. وكان ولده عبد الرحمن، وهو موجود الآن، منفِّذًا لشاشي (٦) ولد أبي (٧) النصر هذا على غريان، وكان شاشي (٨) قائدًا بغريان (٩). ولم يزل عبد اللَّه هذا على ما هو عليه من المظالم إلى أن توفي في هذه السنة، فيما يغلب على الظنّ. وكان عارفًا بصناعته، ماهرًا فيها، عارفًا بالضبط والحساب. ووئي بعده منفّذ طرابلس ولدُه عبد الرحمن المُكنَّى بأبي زيد، وهو باقٍ على ذلك إلى يومنا هذا. وهو كأبيه في ترجمته، بل فوقه في الظلم. ومات والده وقد جاوز الستين بكثير. ٢٣٣ - عبد اللَّه بن علي بن يوسف بن علي بن بدر بن علي بن عثمان الدمشقي، المخزومي. الماحوزي، الشافعي. الشيخ جمال الدين، خادم الخانقاه الصلاحية سعيد السُعداء، المعروف بابن أيوب (١٠)، وهو لقب على اسم عَلَم (١١). ولد في سِنيّ بعد الثمانين وسبعمائة (١٢).

стр. 729

ونشأ في خير. وكان والده الشيخ نور الدين أبو الحسن من الصالحين ومن أهل الخير والدين والسلوك واليقين، قدوة. واشتغل ولده بالعلم. وكان مشاركًا في كثير من الفضائل، حسن السمت والملتقى، كثير السكون، ذا بِرّ وبشاشة، وطلاقة كلام، وفصاحة لسان، وفكاهة محاضرة ومعاشرة، حَسَن الهيئة نيّرًا، وضيئًا، متجملًا، على أنه كان ( … ... ) (١) ومع ذلك فكان في غاية الزهارة والقوافة والنزاهة. ومما حُكي لي عنه أنه في ( ...... ) (٢) أعطاه بعض أصحابه دينارًا ذهبًا من الزكاة فجعله في رأسه وهو جالس بمكان ( ......... ) (٣) فرآه إنسان من الفقراء فقصده وقال له: باللَّه عليك لا تخيّبني فإنّني فقير ( ...... ) (٤) قصدتك في شيء من زكاة مالك، ظنًّا منه أنه من ذوي اليسار لحسن هيئته وتجمّله، فأخرج ذلك الدينار وأعطاه إيّاه. وله في خدمته بخانقاه سعيد السعداء من الحكايات المؤذنة ( … ) (٥) على الناس، ونفع الطلبة أشياء يطول الشرح في ذكرها. وكان كريم النفس جدًّا، وقد عرفت ذلك مما ( … ) (٦) مع انجماعه عن الناس وقناعة وتحسين هيئة كما قلناه، وسلامة الناس من يده ولسانه. وهو صهر السراج العبادي، ودام على خير. حتى توفي فجأة في ليلة الأربعاء سابع الشهر ربيع الآخر. وأُخرجت جنازته بعد حضور الخانقاه المذكورة إلى مصلّى باب النصر في مشهد حافل، وصُلّي عليه بالمصلَّى المذكور، ودُفن بمقابر الصوفية، وكثُر الثناء عليه. ٢٣٤ - عبد الرحمن بن عبد الوارث (٧) بن محمد بن عبد الوارث بن

стр. 730

محمد بن عبد العظيم بن عبد المنعم بن يحيى بن الحسن بن موسى بن يعقوب بن نجم بن عيسى بن شعبان بن عيسى بن داود بن محمد بن (نوح بن) (١) طلحة بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق بن أبي قحافة البكري، المصري، المالكي. الشيخ الإمام، العالم، العامل، الفاضل، البارع، الكامل، الريّس، الأجلّ، نجم الدين، المعروف بابن عبد الوارث. ولد في ثالث ذي الحجة سنة ثلاثٍ وثمانين وسبعمائة بمصر، وبها نشأ (٢). فحفظ القرآن العظيم، و"الإلمام" لابن دقيق العيد، وابن (٣) الحاجب الفرعي، وعرض على شيخَي الإسلام: السراجَين البُلقيني، وابن (٤)، الملقّن، والناصر التّنّيسي (٥)، والجمال الأفقهسي. واشتغل بالعلم فأخذ عن جماعة منهم الأخيرين، وسمع الحديث على الصلاح الزفتاوي، والنجم البالسي، والناصر بن الفرات، والزين العراقي، وآخرين. ولازم الاشتغال ودأب وجدّ واجتهد وبرع، وشهر بالفضيلة، وعُرف بالخير والديانة والصلاح والقيام في اللَّه تعالى بقلبه وقالبه، وناب في القضاء قديمًا عن الوليّ ابن (٦) خلدون فمن بعده، ثم ناب عن القضاة الشافعية أيضًا ببلاد الصعيد بمُنْية ابن (٧) خصيب عن الجلال البُلقيني فمن بعده، واختصّ به شيخ الإسلام الحافظ ابن (٨) حجر، وفوّض إليه جميع ما فوّضه السلطان إليه. وكان عالي الهمّة، وافر الحُرمة، نافذ الكلمة، ذا سطوة ونجدة وغلبة على أهل العناد، لا سيما في بلاد الصعيد جميعها، وخصوصًا عند كُتّابها ومباشريها ومشايخ عربانها وأمرائهم، فما ظنّك بمن عداهم. وكان يكثر ترداده ببلاد الصعيد لتعلّقات له بها وللنظر في مصالح المسلمين، فلا يزال يطوفها وينظر في كثير من مهمّات المسلمين وأمورهم، مع التواضع الزائد، والعفّة والنزاهة، والديانة والأمانة، وهضم النفس واطّراحها. وله في ذلك أخبار يطول الشرح في ذكرها، وكذلك في قيامه في الحق، وإقماع المفسدين. ولم يزل على ذلك لا تأخذه في اللَّه لومة لائم. حتى توفي في يوم الجمعة خامس عشر ذي القعدة.

стр. 731

ولقد رأيته وعليه الأمن والخَفَر، مع ما كان عليه من تمتّعه بإحدى عينيه، رحمه اللَّه تعالى. ٢٣٥ - علي بن جمعة (١) بن أبي بكر البغدادي، الخُريزاتي. نزيل القاهرة. ولد في سنة خمسين وسبعمائة أو بعدها بيسير. وكان والده خادم مقام الإمام أحمد بن حنبل ببغداد، وكان من كبار الصالحين، وممن تخضع له الأُسُودة ويركبها. قدم ولده علي هذا إلى القاهرة وقطَنَها، وتَعَانَى التكسّب تحت المدرسة الظاهرية العتيقة في عمل الشريط والحفر. وكان صالحًا ديّنًا مواظبًا على الأذكار والأوراد. وله في قصد الأسودة له ( … ) (٢) عصاتين ( ...... ) (٣) به في الملأ العام من الناس بالقاهرة بين القـ (ــصرين) (٤) مشهورة شاهدتها غير ما مرة والكثير من الناس، فلا أشك في خيره ودينه وصلاحه، من ذلك إنه كان إذا اجتيز بالأسد عليه وهو جالس بمقعده تحت الظاهرية، انحاز إلى جهته مع كونه مغلولًا، وانجذب حتى يقصده، ثم يعانقه ويمرّغ رأسه عليه، ويحوّل رأسه ووجهه من جهة يمينه إلى جهة يساره وبالعكس، وهو كالخاضع المستكِن له. وكانت الناس تجتمع عليه حين مرور الأسد به لرؤية ذلك، ويتعجّبون منه، وصار هذا دأب الأسد كلما اجتاز به، فصار هو يتضرّر من ذلك لكثرة اجتماع الناس عليه في ذلك، ثم صار بعد ذلك إذا أحسّ بمجيء الأسد قام من حانوته فدخل الظاهرية إلى أن يجوز الأسد، ليعود إلى الحانوت. وكان عنده ما يشبه البَلَه. وله حُسن اعتقاد وسلامة فطرة. وبالجملة فكان في قصته الشاهدة مع الأسد نادرة من العجائب. فيقال إنهم مع الأُسودة هكذا خَلَفًا عن خَلَف وذلك مشهور عنهم. توفي صاحب القصة بالقاهرة في عاشر رمضان. ٢٣٦ - عبد العزيز بن أحمد (٥) بن علي بن أبي بكر بن أبي السعادات بن

стр. 732

زكريا (١) بن يحيى بن أحمد بن عبد اللَّه الفارقي الأصل، اليمني، الربيعي (٢)، القاهري، عزّ الدين. ولد بعد الثمانين وسبعمائة تقريبًا. ودخل مع والده إلى اليمن وله نحو العشرين سنة، ثم قدم القاهرة في سنة سبع وثمانمائة، ثم عاد إلى اليمن، وتقرّب من صاحبها الأشرف إسماعيل بن الأفضل عباس ابن (٣) المجاهد علي، وحظي عنده جدًّا، وكان يصحبه في أسفاره ويرحل معه، وينزل حيث ينزل، فتارةً بتعِز وأخرى بغيرها، وكذلك كان والده قبله. أمّا عمّه فتَوزّر للأشرف المذكور. ثم قدم عبد العزيز هذا إلى القاهرة، وصار يتنقل في الإقامة، تارةً بها، وأخرى بثغر الإسكندرية، بل وغيرها. إلى أن توفي في يوم الجمعة سابع عشر (٤) جماد الأول بالقاهرة. وكان عارفًا بضرب الرمل، له فيه براعة ويد (٥) طُولى، وأظنّ حظوته بصاحب اليمن كان بسبب ذلك. ٢٣٧ - علي بن محمد بن () (٦) الأهناسي (٧)، القاهري. الصاحب الوزير علاء الدين ابن (٨) الصاحب الوزير شمس الدين. ولد بالقاهرة في سنة () (٩). وبها نشأ وتعانى البَرْدَدَارية في ديار الأمراء، وكذا كان والده قبله على ما سيأتي في ترجمته وتنقّلت به الأحوال في ذلك، حتى اتصل بخدمة الشهابي أحمد ابن (١٠) الأشرف إينال بَرْدَادارًا غيره، ثم ترقّى عنده حتى صار في هيئة أستادّاره.

стр. 733

وآل به الأمر أن وُلّي الأستادّارية دفعةً واحدة في دولة الأشرف إينال، من غير أن يترشح لها، ثم وُلّي الوزارة، وتكرّر له ذلك غير ما مرة. ثم وُلّي نظارة الخاص ( … ) (١). وقد ذكرنا تنقّلاته وما جرى عليه بتمامه وكماله فيما أسلفناه من سِنِيّ تاريخنا هذا، كلّ في محلّه. وآل به الأمر أن صرفه الظاهر خُشْقَدم عن الوزارة الصرفة الأخيرة، وأخرجه مَنْفيًّا إلى مكة، بعد أمور جرت عليه وخطوب ومِحَن، أولًا وثانيًا يطول الشرح في ذكرها. وكان أكبر ( ......... ) (٢) الحسام بن حُرَيز، وغرم في ذلك المال الطائل في حظّ نفس، ودام (مريضًا في) (٣) مكة المشرّفة، حتى توفي بها في ثاني عشرين ذي القعدة. وكان والده حيًّا فتأسّف على ولده. وكان ولده هذا كثير البشاشة، وعرف مباشرة الوزارة، وتدرّب ( .................. ) (٤) الرؤساء الأعيان، ووجُه وكثُر ظلمه وأذاه، ولم تُحمد سيرته لنذالة أصله ( ...... ) (٥) رياسته. وله من الآثار: المدرسة بالحسينية، وهي أنيقة جيّدة في محلّها. ٢٣٨ - علي بن محمد بن فلاح (٦) المشعشع (٧). السيد الشريف الحسني (العباسي) (٨) صاحب واسط وجزائر بني عليّان ( … ... ) (٩) إلى ذلك، ووالده محمد المشعشع هو القائم بتلك البلاد في سنة خمس أو ست ( ...... ) (١٠) وقد قدّمنا ترجمته، لكننا لم نحرّر موته فلهذا لم نذكره. بعد، ذلك ثار به صاحب ( ...... ) (١١) فامتلك المملكة منه، وصار والده من جملة أتباعه، ادّعى صاحب الترجمة أنه ( ...... ) (١٢) طالت وقال بنقل الأرواح، وقصد مشهد الإمام علي فهدمه وحفر القرين ( .................. ) (١٣) ثم نهبت (١٤) الحاج، ووقع منه أمور يطول الشرح في ذكرها ( ............ ) (١٥) لكن الأمر والنهي للولد، وصدّقه والده على مُدّعاه، وصار ( … ) (١٦) على ما هو عليه.

стр. 734

وكان بير بُضاغ بن جهان شاه قد ترفّض، وغلا (١) في رفْضه، حتى قال بإلهيّة عليّ بن أبي طالب، وعظُم المشهد جدًّا، واحتفل بشأنه إلى الغاية. ولما بلغه ما فعله صاحب الترجمة به، وبَلَغته دعواه قامت قيامته. ولم يزل حتى وصل من شيراز، فوصل إليه في مدّة قصيرة جدًّا، وكاد العقل لا يسعها، وكان وصوله إليه بحيَل عجيبة، وأمور غريبة، من طُرُق غير سالكة، وجبال شامخة قطعها بجماعة مُشاة، حتى وصل إلى ( … ) (٢) في مدّة يسيرة. واتفق قبل ذلك أن كان عليّ هذا قتل إنسانًا من الأكراد ظلمًا. وكان للمقتول أخ، فصار يترصّد صاحب الترجمة لقتله، لأخذ ثأر أخيه، فاحتال في ذلك بكل حيلة، حتى صار من رُعاة غنمه، وترصّده يومًا وقد نزل بشاطئ الدجلة للاغتسال. وكان الكردي مختفٍ في ( … ) (٣) فعاينه، ورماه بسهم أصابه به، وفُطن به، فحُمل وأُخرج بسهمه، وتسامع به عسكره وجماعته، فصاروًا يأتون إليه فيرونه في تلك الحالة، وبه بعض رَمَق، فيُخرجون سيوفهم من الأغماد، ثم يقيمون السيف، ويجعلون ذبابته في صدورهم، ويُؤكئون أنفسهم حتى يخرج السيف من قفا من يفعل ذلك منهم، ويقع على صاحب الترجمة، وازدحموا عليه لذلك، وهم يفعلون بأنفسهم ما ذكرناه، فأكملوا قتله، ومات منهم الجمع الوافر على تلك الهيئة. وبينا هم في ذلك إذ صادف مجيء بير بُضاغ، ووصوله إلى بلادهم، ولا عِلم عنده بما اتفق، فثاروا به وظنّوا أن ما وقع لصاحبهم من قِبَله، ووقع بينهم حرب كبير، انهزم فيها أصحاب صاحب الترجمة إلى الجزائر، بعد أن قتل منهم الجمع الوافر. وأخذ بير بُضاغ عليًّا هذا فاحتزّ رأسه، وبعث بها لأبيه جهان شاه، وحشا جثّته، وجُعلت بوا (؟) وعلّقت على باب بغداد أيامًا، وصار أعداؤه (٤) يقصدونه بالرمي بالسهام، إلى أن صار كالقنفذ بالسهام، وكان البعض يُنكِرونه، وأنه هو، ثم يعرفونه من إصبع رِجله، وكانت زائدة الطول، فيجزمون بقتله. وكان ذلك في هذه السنة فيما أظنّ أو في التي قبلها، واللَّه أعلم. وأراح اللَّه تعالى منه العباد والبلاد. ومَلَك بعده مملكتَه أخوه المحسّن، وكان أخّذه سببًا لرَفْع بير بُضاغ رأسه على أبيه، كما يأتي ذلك في محلّه من تاريخنا هذا إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 735

(ترجمة سيد (١) عمر الكردي) (٢) ٢٣٩ - عمر بن () (٣) البَبَاني (٤)، الكردي. نزيل القاهرة، الشيخ الصالح، الوليّ، المعتقد، المجذوب. هو من طائفة الأكراد الذين يقال لهم البَبَانيّة بباءين، ثانية الحروف، مفتوحتين، بعدهما ألف ونون. ولد بتلك البلاد بعد القرن بيسير. وقدم القاهرة من بلاده، وتنزّل في صوفيّة الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء، ودام على ذلك مدّة حتى بدا (٥) منه ما يشبه الاختلال، ثم تزايد به الحال حتى انجذب، وصار يخلّط في كلامه، فنقله أهل الخانقاه عنهم، فسكن ببعض الدُور، ثم انتقل إلى جامع قَيْدَان (٦) بنواحي قناطر الإوَزّ من ضواحي القاهرة، وأقام بمكانٍ هناك مدّة حتى شُهر بالصلاح، وقصده النار للتبرّك به، وكثُر اعتقادهم فيه، وطلبوا منه الدعاء، وازدحموا عنده، وهو مع ذلك لا يخلّ بالصلوات الخمس في أوقاتها، مع الطهارة الكبرى في الخمسة أوقات على مدى الأزمنة، لا يفتر عن ذلك، ولا يتركه غالبًا، لا شتاءً ولا صيفًا. واجتمع عليه جمعٌ حافل من الفقراء بزاوية هناك تُعرف به، وكان من أهل الطلب في مبادئه، ولعله قرأ شيئًا ببلاده، فإنه كان في بعض الأحيان يصحو من الجذْبة يتكلّم بكلام متين يدلّ على الفضل والعلم، ثم ذُكر عنه الكرامات والمكاشفات. وكاشف الوالَد غير ما مرة على ما نُقل لي عن الوالد. وكان لا يقبل من أحدٍ شيئًا، إلّا من نوع الأكل، من بعض الناس، لا من كل من يُحضر إليه ذلك. ولم يزل على ما هو عليه مدّةً مطوّلة.

стр. 736

حتى توفي في ليلة الجمعة سلْخ محرّم. وهرع الناس لجنازته لما تسامعوا بموته، فجُهّز وأُخذ متوجّهًا به إلى الصحراء. وكان الظاهر خُشقدم أمر بأن يُحمل إلى تربته فيُدفَن بها، وصُلّي عليه ثلاث مرّات، وحُمل نعشه على الأصابع، وازدحمت الناس، ولا سيما العوامّ، على جنازته، وكانت حافلة جدًّا، رحمه اللَّه تعالى ونفعنا به. وكان له يوم مات نحو السبعين سنة. ٢٤٠ - قان بَرْدي الظاهري (١). الخاصكي، وأحد الدوادارية، المعروف بالصُّغيرَّ. كان من مماليك الظاهر جقمق، وصُيّر خاصكيًّا بعده، ودام كذلك إلى سلطنة الظاهر خُشقدم، فصيّره من جملة الدوادارية، وأقطعه إقطاعًا جيدًا، ودام على ذلك حتى بلغه الأجل. وكان إنسانًا حشمًا، أدوبًا، عاقلًا، سيوسًا، ذا خيرٍ وديانة. توفي في هذه السنة، ولم يحضُرني شهر وفاته. واسمه مركّب من "قان" وهو الخان أيضًا، وهو السلطان. و"بَرْدِي" بمعنى أعطى، وقد مرّ الإشارة إليهما معًا وما في "قان" من الكلام والسلام. ٢٤١ - قانَم الظاهري (٢)، الخاصكي والبوّاب. كان من مماليك الظاهر خُشقدم وأحد خواصّه، وصيّره خاصكيًّا في دولته وبوّابًا، وبلغه عنه شيء (٣)، وقد أشرنا إلى ذلك آنفًا، فقبض عليه وأمر بتوسيطه بين يديه بالحَوْش، فوُسّط، ووُسّط بعده بَرْسْباي الماضي في مرتبة الباء. وكان قانَم هذا شابًا له جرأة وعنده شجاعة، ويقال: إنه كان لا بأس به. ٢٤٢ - قَرَدَم الأبو بكري (٤)، المؤيَّدي. أحد الخمسات، وأمير جان دار.

стр. 737

تقدّم في التي قبلها (١). ولعلّه مات في هذه، بدليل كون بُرْدُبك هجين وُلّي الجان دارية في هذه السنة على ما عرفت ذلك في المتجدّدات فيها، في شوال، فقوي اليقين بأنه مات إمّا في شهر رمضان أو في شوّال منها، فلهذا أعدناه هاهنا، على أنّني ما حرّرت ذلك، ولا يخلو الأمر من هذا أو ذاك. ٢٤٣ - كَرْتَباي الجركسي (٢). حموُ الظاهر جقمق، ثم حمو جانَمْ نائب الشام (٣)، وأحد ملوك بلاد الجركس ببعض القلاع. قدم القاهرة في دولة الظاهر جقمق، ومعه ابنته جان سوار الماضية، فأكرمه الظاهر غاية الإكرام، وعرض عليه الإسلام وعرّفه محاسنه، فأسلم، وقيل: بل حضر مسلمًا. ثم عقد السلطان على ابنته جان سوار المذكورة على ما عرفتَ ذلك في يوم وقوعه في تاريخنا هذا. ثم عاد صاحب الترجمة إلى بلاده وبيده مُلْك بعض بلاد الجركس وحصونها، وأسلم على يده جماعة من أهل بلاده، ودام بها حتى تزوّج جانَم الأشرفيُّ ابنتَه، وصُيّر نائب الشام، فقدم عليه بدمشق في سنة أربع وستين، ودام عنده مدّة فأكرمه غاية الإكرام. ورأيته غير ما مرة بدمشق وهو يساير جانَم المذكور في بعض الأحيان حين ركوبه، شيخًا طُوالًا، منوّر الشيبة، حسن الهيئة والشكالة، مع وضاءة. وكان فارسًا، بطلًا، شجاعًا، من ذوي العراقات ببلاده، وله رياسة بها. وعاد إلى بلاده في سنة خمسٍ وستين معزَّزًا مكرَّمًا من جانَم، ودام على ما هو عليه حتى توفي بها في هذه السنة. واسمه مركّب من "كرت" وهو بمعنى: حقّ، أو اللَّه حق، ثم جُعل عَلَمًا على الشخص. ٢٤٤ - كمشْبُغا السيفي (٤) بخش باي (٥) الأشرفي. نائب البيرة. كان من مماليك بَخْش باي الأشرفي، أحد خواصّ الأشرف بَرسْباي، وهو

стр. 738

الذي ضُربت عنقه بسبب ما ذُكر أنه سبّ الشريف حسام الدين بن حُرَيز في بعض سفراته لمنفلوط، على ما زعموا، وأثبتوا ذلك بقيام الظاهر بذلك. وترجمته وكائنته مشهورة في محلّها من التواريخ، وذكرها الحافظ ابن (١) حجر في تاريخه "إنباء الغمر" (٢). ونزول مملوكه كمشبُغا هذا بعده في ديوان الجند السلطاني، ثم ترقّى إلى الخاصكيّة، ولم يزل على ذلك حتى سعى له في نيابة قلعة حلب بمالٍ بذله في ذلك، وتوجّه إليها فلم تُحمد سيرته، ولا شُكرت أفعاله بها فنقل منها بعد صرفه إلى نيابة البيرة عِوضًا عن أبي بكر بن صالح لما نُقل إلى حجوبية الحجّاب بحلب، ووُلّي نيابة القلعة عوضًا عنه (تغري بردي بن) (٣) يونس، على ما عرفت ذلك في متجدّدات هذه السنة في أوائل صفر، فلم تطُل مدّته بالبيرة. حتى توفي بها في أوائل شوال. وكان لا بأس به. ولما ترجمه تغري بردي قال في حقّه (٤): وكان لا ذات ولا أدوات، ولولا أنه وُلّي ذَين الولايتين لما ذكرته. هكذا قال. واللَّه أعلم. ٢٤٥ - محمد بن أحمد بن () (٥) البطونسي (٦)، السكندري، المالكي. الشيخ الإمام، العالم، البارع، تاج الدين. أحد أئمّة القصر، ومدرّس الحديث بالمدرسة الظاهرية البرقوقية. ولد سنة خمس عشرة وثمانمائة. وحفظ القرآن العظيم في حالة صِغره، وجوّده على جماعة بالسبْع، وزاد أيضًا على ذلك، واشتغل أيضًا، وأخذ عن جماعة. وكان أحد القرّاء بمصر، وانتفع به جماعة في القراءات (٧)، وأمّ بالقصر، وكان من جملة أئمّته غير سنة،

стр. 739

ووُلّي الحديث بالبرقوقية، وسمع الحديث على جماعة. ولم يكن ماهرًا في غير القراءات، ووجُه في أواخره وشُهر. وتوفي في نصف ذي القعدة. ٢٤٦ - محمد بن عطيّة (١) البَرْدَدار. المقتول بدمشق. تقدّم في المتجدّدات ذِكر كائنة قتْله فلا نعيد ذلك، وكان ظالمًا سيّئ السيرة، فلا جَرَم أخذه اللَّه تعالى على تلك الهيئة التي ذكرناها. ٢٤٧ - محمد بن محمد بن حسن بن علي بن سليمان الحلبي (٢)، الحنفي. شمس الدين المؤقّت بجامع حلب، المعروف بأمير حاج ابن (٣) شمس الدين المؤقّت أيضًا. ولد في سنة إحدى أو اثنتين وتسعين وسبعمائة بحلب. وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم، واشتغل شيئًا، وبرع في علم الوقت وعرفه المعرفة الجيدة التامّة. وكان والده مثله كذلك. وتوفي بحلب في سادس عشرين شوال. وهو والد العلّامة شمس الدين ابن (٤) أمير حاجّ الآتي في سنة ٨٨ (٥)، إن شاء اللَّه تعالى. (ترجمة أبي (٦) الفضل) (٧) ٢٤٨ - محمد بن محمد بن حسن التيمي (٨)، القاهري، (الشاذلي) (٩) الحنفي. الشيخ شمس الدين، أبو الفضل بن الشيخ الصالح القُدوة، المسلّك،

стр. 740

العارف، شمس الدين، صاحب الزاوية، الماضي ذكره في محلّه في تراجم سنة سبع (١) وأربعين من تاريخنا هذا. ولد الشمس صاحب الترجمة في سنة () (٢) بالقاهرة، وبها نشأ. فحفظ القرآن، وعدّة متودن، واشتغل شيئاً، وأخذ عن أبيه في طريقه، وسمع الحديث، وخَلَف والده في زاويته، وصار يحض (٣) الناس على طريقة أبيه (٤)، وإليه التكلّم على الزاوية وأوقافها، وخرج مرة لبعض جهات الوجه البحري وعاد من سفره موعوكاً فنزل بدارهم بجزيرة أرْوَى المعروفة بالوسطى، فاتفق أن بَغَتَه أجله بها. وكان من أهل الفضل، وله مشاركة في أشياء، ولم يكن بالخالي من الفضيلة. قال ابن (٥) تغري بردي (٦): لكنه لم يكن أميناً على الأوقاف. وذكره بعضهم فقال: وكان من المخلّطين، واللَّه أعلم. توفي بالجزيرة المذكورة في ليلة السبت ثامن ذي الحجة. وحُمل من الجزيرة في بكرة يوم السبت وجُهّز، وصُلّي عليه، ودُفن بزاوية أبيه. وترك ولده الشاب المشتغل المحصّل أبا (٧) اليَسَر محمد (٨)، وهو إنسان حسن، ساكن، ولد سنة اثنتين (٩) وخمسين وثمانمائة، ونشأ نشأة حسنة فحفظ
следующие страницы →