← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

حتى توفي في ليلة الجمعة سلْخ محرّم. وهرع الناس لجنازته لما تسامعوا بموته، فجُهّز وأُخذ متوجّهًا به إلى الصحراء. وكان الظاهر خُشقدم أمر بأن يُحمل إلى تربته فيُدفَن بها، وصُلّي عليه ثلاث مرّات، وحُمل نعشه على الأصابع، وازدحمت الناس، ولا سيما العوامّ، على جنازته، وكانت حافلة جدًّا، رحمه اللَّه تعالى ونفعنا به. وكان له يوم مات نحو السبعين سنة. ٢٤٠ - قان بَرْدي الظاهري (١). الخاصكي، وأحد الدوادارية، المعروف بالصُّغيرَّ. كان من مماليك الظاهر جقمق، وصُيّر خاصكيًّا بعده، ودام كذلك إلى سلطنة الظاهر خُشقدم، فصيّره من جملة الدوادارية، وأقطعه إقطاعًا جيدًا، ودام على ذلك حتى بلغه الأجل. وكان إنسانًا حشمًا، أدوبًا، عاقلًا، سيوسًا، ذا خيرٍ وديانة. توفي في هذه السنة، ولم يحضُرني شهر وفاته. واسمه مركّب من "قان" وهو الخان أيضًا، وهو السلطان. و"بَرْدِي" بمعنى أعطى، وقد مرّ الإشارة إليهما معًا وما في "قان" من الكلام والسلام. ٢٤١ - قانَم الظاهري (٢)، الخاصكي والبوّاب. كان من مماليك الظاهر خُشقدم وأحد خواصّه، وصيّره خاصكيًّا في دولته وبوّابًا، وبلغه عنه شيء (٣)، وقد أشرنا إلى ذلك آنفًا، فقبض عليه وأمر بتوسيطه بين يديه بالحَوْش، فوُسّط، ووُسّط بعده بَرْسْباي الماضي في مرتبة الباء. وكان قانَم هذا شابًا له جرأة وعنده شجاعة، ويقال: إنه كان لا بأس به. ٢٤٢ - قَرَدَم الأبو بكري (٤)، المؤيَّدي. أحد الخمسات، وأمير جان دار.

стр. 737

تقدّم في التي قبلها (١). ولعلّه مات في هذه، بدليل كون بُرْدُبك هجين وُلّي الجان دارية في هذه السنة على ما عرفت ذلك في المتجدّدات فيها، في شوال، فقوي اليقين بأنه مات إمّا في شهر رمضان أو في شوّال منها، فلهذا أعدناه هاهنا، على أنّني ما حرّرت ذلك، ولا يخلو الأمر من هذا أو ذاك. ٢٤٣ - كَرْتَباي الجركسي (٢). حموُ الظاهر جقمق، ثم حمو جانَمْ نائب الشام (٣)، وأحد ملوك بلاد الجركس ببعض القلاع. قدم القاهرة في دولة الظاهر جقمق، ومعه ابنته جان سوار الماضية، فأكرمه الظاهر غاية الإكرام، وعرض عليه الإسلام وعرّفه محاسنه، فأسلم، وقيل: بل حضر مسلمًا. ثم عقد السلطان على ابنته جان سوار المذكورة على ما عرفتَ ذلك في يوم وقوعه في تاريخنا هذا. ثم عاد صاحب الترجمة إلى بلاده وبيده مُلْك بعض بلاد الجركس وحصونها، وأسلم على يده جماعة من أهل بلاده، ودام بها حتى تزوّج جانَم الأشرفيُّ ابنتَه، وصُيّر نائب الشام، فقدم عليه بدمشق في سنة أربع وستين، ودام عنده مدّة فأكرمه غاية الإكرام. ورأيته غير ما مرة بدمشق وهو يساير جانَم المذكور في بعض الأحيان حين ركوبه، شيخًا طُوالًا، منوّر الشيبة، حسن الهيئة والشكالة، مع وضاءة. وكان فارسًا، بطلًا، شجاعًا، من ذوي العراقات ببلاده، وله رياسة بها. وعاد إلى بلاده في سنة خمسٍ وستين معزَّزًا مكرَّمًا من جانَم، ودام على ما هو عليه حتى توفي بها في هذه السنة. واسمه مركّب من "كرت" وهو بمعنى: حقّ، أو اللَّه حق، ثم جُعل عَلَمًا على الشخص. ٢٤٤ - كمشْبُغا السيفي (٤) بخش باي (٥) الأشرفي. نائب البيرة. كان من مماليك بَخْش باي الأشرفي، أحد خواصّ الأشرف بَرسْباي، وهو

стр. 738

الذي ضُربت عنقه بسبب ما ذُكر أنه سبّ الشريف حسام الدين بن حُرَيز في بعض سفراته لمنفلوط، على ما زعموا، وأثبتوا ذلك بقيام الظاهر بذلك. وترجمته وكائنته مشهورة في محلّها من التواريخ، وذكرها الحافظ ابن (١) حجر في تاريخه "إنباء الغمر" (٢). ونزول مملوكه كمشبُغا هذا بعده في ديوان الجند السلطاني، ثم ترقّى إلى الخاصكيّة، ولم يزل على ذلك حتى سعى له في نيابة قلعة حلب بمالٍ بذله في ذلك، وتوجّه إليها فلم تُحمد سيرته، ولا شُكرت أفعاله بها فنقل منها بعد صرفه إلى نيابة البيرة عِوضًا عن أبي بكر بن صالح لما نُقل إلى حجوبية الحجّاب بحلب، ووُلّي نيابة القلعة عوضًا عنه (تغري بردي بن) (٣) يونس، على ما عرفت ذلك في متجدّدات هذه السنة في أوائل صفر، فلم تطُل مدّته بالبيرة. حتى توفي بها في أوائل شوال. وكان لا بأس به. ولما ترجمه تغري بردي قال في حقّه (٤): وكان لا ذات ولا أدوات، ولولا أنه وُلّي ذَين الولايتين لما ذكرته. هكذا قال. واللَّه أعلم. ٢٤٥ - محمد بن أحمد بن () (٥) البطونسي (٦)، السكندري، المالكي. الشيخ الإمام، العالم، البارع، تاج الدين. أحد أئمّة القصر، ومدرّس الحديث بالمدرسة الظاهرية البرقوقية. ولد سنة خمس عشرة وثمانمائة. وحفظ القرآن العظيم في حالة صِغره، وجوّده على جماعة بالسبْع، وزاد أيضًا على ذلك، واشتغل أيضًا، وأخذ عن جماعة. وكان أحد القرّاء بمصر، وانتفع به جماعة في القراءات (٧)، وأمّ بالقصر، وكان من جملة أئمّته غير سنة،

стр. 739

ووُلّي الحديث بالبرقوقية، وسمع الحديث على جماعة. ولم يكن ماهرًا في غير القراءات، ووجُه في أواخره وشُهر. وتوفي في نصف ذي القعدة. ٢٤٦ - محمد بن عطيّة (١) البَرْدَدار. المقتول بدمشق. تقدّم في المتجدّدات ذِكر كائنة قتْله فلا نعيد ذلك، وكان ظالمًا سيّئ السيرة، فلا جَرَم أخذه اللَّه تعالى على تلك الهيئة التي ذكرناها. ٢٤٧ - محمد بن محمد بن حسن بن علي بن سليمان الحلبي (٢)، الحنفي. شمس الدين المؤقّت بجامع حلب، المعروف بأمير حاج ابن (٣) شمس الدين المؤقّت أيضًا. ولد في سنة إحدى أو اثنتين وتسعين وسبعمائة بحلب. وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم، واشتغل شيئًا، وبرع في علم الوقت وعرفه المعرفة الجيدة التامّة. وكان والده مثله كذلك. وتوفي بحلب في سادس عشرين شوال. وهو والد العلّامة شمس الدين ابن (٤) أمير حاجّ الآتي في سنة ٨٨ (٥)، إن شاء اللَّه تعالى. (ترجمة أبي (٦) الفضل) (٧) ٢٤٨ - محمد بن محمد بن حسن التيمي (٨)، القاهري، (الشاذلي) (٩) الحنفي. الشيخ شمس الدين، أبو الفضل بن الشيخ الصالح القُدوة، المسلّك،

стр. 740

العارف، شمس الدين، صاحب الزاوية، الماضي ذكره في محلّه في تراجم سنة سبع (١) وأربعين من تاريخنا هذا. ولد الشمس صاحب الترجمة في سنة () (٢) بالقاهرة، وبها نشأ. فحفظ القرآن، وعدّة متودن، واشتغل شيئاً، وأخذ عن أبيه في طريقه، وسمع الحديث، وخَلَف والده في زاويته، وصار يحض (٣) الناس على طريقة أبيه (٤)، وإليه التكلّم على الزاوية وأوقافها، وخرج مرة لبعض جهات الوجه البحري وعاد من سفره موعوكاً فنزل بدارهم بجزيرة أرْوَى المعروفة بالوسطى، فاتفق أن بَغَتَه أجله بها. وكان من أهل الفضل، وله مشاركة في أشياء، ولم يكن بالخالي من الفضيلة. قال ابن (٥) تغري بردي (٦): لكنه لم يكن أميناً على الأوقاف. وذكره بعضهم فقال: وكان من المخلّطين، واللَّه أعلم. توفي بالجزيرة المذكورة في ليلة السبت ثامن ذي الحجة. وحُمل من الجزيرة في بكرة يوم السبت وجُهّز، وصُلّي عليه، ودُفن بزاوية أبيه. وترك ولده الشاب المشتغل المحصّل أبا (٧) اليَسَر محمد (٨)، وهو إنسان حسن، ساكن، ولد سنة اثنتين (٩) وخمسين وثمانمائة، ونشأ نشأة حسنة فحفظ

стр. 741

القرآن العظيم وبعض متون. وعرض على جماعة من الأعيان، ثم اشتغل بالعلم فأخذ عن جماعة منهم: الزين قاسم بن قطْلُوبُغا الحنفي، وكان جدّه لأمّه ولازم شيخنا العلّامة السيف الحنفي، ثم لازم بعده الصلاح الطرابُلُسي، وهو بصدد الاشتغال إلى يومنا هذا. وله ديانة وخير، نفع اللَّه تعالى به. وقد تقدّم ترجمة عدّة من إخوة (صاحب الترجمة) (١) وأولادهم، لا سيما في ترجمة الشيخ الحنفيّ. ٢٤٩ - مُغُلْباي البُجَاسي (٢). حاجب الحجّاب بطرابلس، ثم الأتابك بها. كان من مماليك تَنِبَك البُجاسي وتنقّلت به الأحوال بعده حتى وُلّي نيابة قلعة الروم، ثم الحجوبية الكبرى بطرابُلُس، ثم صُرف، ثم قرّر في الأتابكية بطرابُلُس، وخرج إلى غزوة قبرس، ثم عاد منها، ثم أعيد إلى قبرس، ثم عاد وأُخرج إلى القدس (بَطّالاً، فدام بها حتى توفي في هذه السنة) (٣). ٢٥٠ - يَرَش السيفي (٤) جانبك نائب جُدّة. الدوادار الكبير، الخاصكي، كان من مماليك جانبك المذكور، اشتراه صغيراً فربّاه وأدّبه وهذّبه وأعتقه، ورقّاه إلى خازنداريّته الثانية، ثم لما قُتل صار إلى خدمة السلطان وقرّبه وأدناه واختصّ به حتى نُقل عنه أنه اتفق مع آخرين من خاصكيّة السلطان على اغتياله فقبض عليه، ثم أمر به فضُرب بين يديه، وقاسى الذُلّ والهوان. وآل أمره أن غُرّق في بحر النيل في ليلة الخميس العشرين من ذي الحجة، كما تقدّم ذلك. وذكر [نا] هذه الكائنة في متجدّدات الحجّة من هذه السنة. وغُرّق معه أخرون (٥).

стр. 742

وله من السنّ دون العشرين سنة. وكان شكلاً حسناً، شاباً، متجمّلاً، كيّساً، حذقاً، فطِناً، نادرة في بني جنسه. واسمه مفرَد بلغة التُرك معناه: "تُصاحِب" أمر من المصاحبة، هذا إذا كان بفتح الراء، وأمّا إذا كان بكسرها فيكون معناه: "إلْحَق" أمر من اللحوق والوصول إلى الشيء. وربّما يكون له معان أُخَر إذا أمعن عارف لغة التُرك في النظر، ولسنا بصدده. ٢٥١ - يوسف بن بَرْسْباي (١) الدُّقماقي، الظاهري، الجركسي الأصل، القاهري، الحنفي. السلطان الملك العزيز، أبو المحاسن، جمال الدين ابن (٢) السلطان الملك الأشرف، أبو النصر، سيف الدين، صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية والأقطار الحجازية وما والى ذلك من الممالك وخلافه. ولد بقلعة الجبل في أيام سلطنة أبيه في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وثمانمائة. ٢٥٢ - • وأمّه أمّ ولد اسمها جُلُبّان (٣)، جركسية الجنس، أعتقها الأشرف أستاذها بعد ولادة ولدها هذا، وعقد عليها، وجعلها الخَوَند الكبرى بعد ذلك، وكانت مختضة بأستاذها، وتقدّمت عنده، وعظُم أمرها عنده جدّاً، وبعث إلى بلاد الجركس بإحضار أقاربها، فأُحضرت هي وجماعة من إخوتها ما بين رجال ونساء، وكانوا عدّة، فمن إخوتها الذكور: بيبرس، و () (٤)، وقانباي، وبايزيد، ومن

стр. 743

النساء: أرزي، وأصيل زوجة الوالد، وغيرهما. وأحضر أيضاً من أقاربها غير من ذكرنا. وحجّت جُلُبّان في سلطنة زوجها حجّة حافلة، ورأت من الجاه والحُرمة ونَفَاذ الكلمة ما لا يُعبّر عنه بوصف. وماتت بعد أن انتهت إليها رياسة الخَوَندات بمصر في يوم الخميس ثاني شوال سنة تسعٍ وثلاثين وثمانمائة. وتركت ترِكة هائلة جدّاً، ما بين آلات الخَوَندات من أمتعة وجواهر ويواقيت وفصوص مثمّنة، وغير ذلك من أقمشة وملابس وأثاث، وأشياء أُخَر يطول الشرح في ذكرها. وتركت من الذهب بالنقد العين سبعين ألف دينار على ما قيل. وماتت بعلّة الصرَع. وكان لها جنازة حافلة، ودُفنت بتربة زوجها وأستاذها بالقبّة المُعَدّة لها بالحَوش الذي خلف التربة المذكورة. وترجمتها مشهورة. ونشأ ولدها هذا في حجر السعادة والعزّ والإدلال، وكان عزيزاً عند أمّه جدّاً، وكذا عند أبيه. ولما وعك في الطاعون الكائن في سنة ثلاثٍ وثلاثين تُصدّق عنه بوزنه فضّة مضروبة. وكان سنّه إذ ذاك فوق الست سنين مع خصب جسمه. ولم يزل ينبت نباتاً حسناً إلى أن ترعرع، فأُقرئ القرآن العظيم، وكان المتولّي لقراءته الشيخ سراج الدين العبّادي، لهذا قيل له: فقيه سيدي. بل ربّما عُرف بذلك. ثم لما بلغ نحو السبع سنين خُتِن، واحتفلت أمّه بشأن ختانه، وكذا والده، وكان مَهَمّاً هائلاً، وخُتن معه جماعة من أولاد الأعيان، ثم أُقرئ شيئاً من الرسائل الفقهية وعُلّم الآداب والأنداب والتعاليم وأنواع الفروسية، ثم صُيّر أميراً كبيراً من مقدَّمين (١) الألوف. وكان يجلس على رأس ميسرة أبيه على عادة أولاد الملوك، وباشر في أيامه تخليق المقياس، وكسْر البحر غير ما مرة، في مواكب جليلة حافلة. وكان له ذِكر وشُهرة وعظمة زائدة في سلطنة أبيه، ولا زال في ذلك العزّ إلى أن تمرّض والده، فعهد إليه بالمُلك في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، بحضور الخليفة والقضاة الأربعة (٢) والأمراء وغيرهم من أهل الحلّ والعقد، والأكابر والأعيان والجُند، وأنفق فيهم الأشرف في ذلك اليوم نفقة أصاب كل إنسان من الجند ثلاثين (٣) ديناراً. ثم كُتب العهد بذلك، وشهد على الأشرف به، وأمضاه الخليفة. ثم جُعل الأتابك جقمق وصيّاً على ولده، ونظّاماً مدبّراً لمملكته، وكتب له بذلك سِجلّاً مفرَداً.

стр. 744

ثم لما مات والده الأشرف المذكور بويع له بالسلطنة، وعُقد له المُلك في يوم موته، وذلك بعد عصر نهار السبت ثالث عشر ذي الحجّة سنة إحدى وأربعين المذكورة، بعد حضور الخليفة، وهو يومئذٍ الإمام المعتضد باللَّه أبو الفتح داود، أمير المؤمنين، وحضر قضاة القضاة والأمراء وغيرهم من أهل الحلّ والعقد. وعُقد له المُلك بباب الستارة، وأُحضِر الشِعار وهو الخلعة السوداء الخليفتي، فأفيض عليه وتعمّم بالعمامة السوداء، وتقفد بالسيف، وأُحضر إليه فَرَس النَوبة بالقماش الذهب والزركشي، فركب من باب الستارة وقد تهيّأ الأمراء والجُند بقماش الموكب السلطاني على العادة، وسار والكلّ مُشاة بين يديه قاصداً القصر الكبير، ثم أُحضرت القبّة والطير فحملها الأتابك جقمق على رأسه، ومشى، والجاويشية تزعق بين يديه، وعملت الشبّابة والدفّ، ولُعب بالغاشية أمام فرسه. ولم يزل في سيره بذلك الموكب الهائل حتى وصل لباب القصر فأُنزل على بابه ودخل إليه، وقد هُيّيء التخت سرير المُلك لجلوسه عليه، فرفع إليه فجلس به وقام الكلّ بين يديه، ثم قبّلوا له الأرض على عادتهم في ذلك. ولُقّب بالعزيز، وكُنّي بأبي المحاسن. وهو ثاني سلطان لُقّب بالعزيز بمصر، والأول العزيز عثمان، وهو مشهور، وهذا اللقب باسم يوسف أقعَد وأَنسَب. وهو ثاني سلطان اسمه يوسف أيضاً بمصر، والأول الناصر يوسف بن أيوب أول ملوك الأكراد من بني أيوب المشهور أيضاً، ثم خلع على النظام جقمق وعلى الخليفة. وضربت البشائر بسلطنته. ونزل المنادي لها بشوارع القاهرة وطلب الدعاء له. وهو السلطان الثالث والثلاثون من ملوك التُرك وأولادهم بمصر، وخامس ابن (١) ناس يُسلطن من بعد برقوق. ولما تم أمره في المُلك فرّق النفقة السلطانية على العسكر بحكم العدل والتسوية من غير أن يفرّق بين أحدٍ من الجند، وكانت نفقته على قاعدة الملوك العظام ذوي الهِمَم العليّة القائمين بناموس المُلك والنظام، ولم تفرّق بعده النفقة على ذلك الوجه من غيره، وأخذ من السلاطين ولم يخلع على البعض منهم نفقة أصلاً. ودام العزيز هذا في المُلك ناهياً آمِراً، ظاهراً باطناً، ووُلّي مُلك والده ( … ) (٢) وكانوا عدداً موفوراً، وفيهم الأعيان والأمراء وغيرهم، إلى أن ثار به الأتابك جقمق بسبب تحالفٍ وقع بينه وبين مماليك أبيه، خاف على نفسه، فضيّق عليهم حين حضور قَرقُماس الشعباني (٣) من البلاد الشامية، وقام قَرقُماس

стр. 745

المذكور في إزالته أتمّ قيام، وحرّض الأتابك جقمق على ذلك، مع تطلّع الأتابك وتشوّفه لذلك، وكان المُنْبَغي له عدمه، لا سيما وقد قبض على من كان يخافهم. لكنْ خلَاله (١) المُلك فلم ينل (٢) عاطفة من الإعانات. وآل الأمر بعد ذلك إلى القال والقيل الكثير الذي يطول الشرح في ذِكره، حتى خُلع صاحب الترجمة من المُلك في يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الأول سنة اثنتين (٣) وأربعين وثمانمائة، وبويع فيه للظاهر جقمق على ما عرفته في ترجمة الظاهر، فكان مدّة ملك العزيز هذا ثلاثة (٤) شهور، تزيد يومين، ولم يكن له فيها من الأمر والمُلك إلّا مجرّد الاسم فقط، وقُبض عليه بعد خلعه، وأدخل إلى القاعة البربرية بالحريم السلطاني، وأُمر بأن يقيم بها مع جماعة من خدمه، وفيهم بعض طواشية أُمّه، وهو صندل (٥)، لتقاضي أشغاله، وكان له دون العشرين سنة، لكنه فطِن يقِظ حاذق (٦)، فكان كلّما بلغه عن العزيز هذا شيء (٧) يبلغه إيّاه. وكانت الإشاعات والأراجيف قد كثُرت بالقاهرة في حق العزيز، منها أنه سيُقتل، ومنها أنه يُحمل إلى سجن الإسكندرية، ومنها أنه يكحَّل، إلى غير ذلك من الإشاعات المخيفة، وصندل يبلغه جميع ذلك، فصار في تخوّف عظيم، لا سيما وهو صغير السنّ، وتوسّع خياله، فأخذ صندل يمنِّيه ويحسّن له الهروب من القلعة، واستبعد هو ذلك، ثم وافقه عليه بواسطة موافقة إبراهيم الطبّاخ (٨) مع صندل في ذلك، والتزام الطبّاخ بأنه ينقب من المطبخ إلى القاعة، ( … ) (٩) الطبّاخ ( … ... ) (١٠) صندل والعزيز ومن عنده من

стр. 746

الجواري موارياً لنقبه، حتى تهيّأ لهم ذلك، واتصل الثُقْبان، وكان ذلك في رمضان في آخر لياليه، فخرج العزيز من النقب ( … ... ) (١) عرياناً مكشوف الرأس، وزَيّاه إبراهيم الطبّاخ بزِيّ صبيان الملفدارية ( … ... ) (٢) على رأسه بالطعام، وأنزله من القلعة بين المغرب والعشاء في الغَلَس الكائن بعد المغرب. ولما نزل وجد طوغان (٣)، وأزدمر (٤)، وصندل، وشِرْذمة قليلة من الأشرفية ( … ) (٥) صندل قد قرّر عند طوغان، وهرب بروحه، وقرّروا أنهم يقومون معه من غير أن يتشاوروا في ذلك مع الأكابر والأعيان من الأشرفيّة، ومن غير رأي ولا تدبير سديد ( … ) (٦) نزول العزيز. ولما رأى العزيز ذلك أنكره ونَهَرَ صندل، وكان في ظنّه أنه في ساعة خروجه ( … ... … ) (٧) الظاهر حتى يعود هو إلى ملكه، ولما لم يجد شيئاً من ذلك، عَزم على عَوده لمكانه، فلم يمكنه ذلك، فندم على نزوله على هذا الوجه غاية الندم، فأخذ طوغان يُطمئنه ويَعِده ويُمنّيه، ثم أخذ في تدبيره في التوجّه إلى بلاد الصعيد بمن معه من الجماعة الأشرفية، ليُعْلمهم بأن يحضروا إليه حتى يقوموا معه، ثم توجّه من ساعته، وجرت عليه أمور، وكان له قصّة يطول الشرح في ذِكرها آل فيها الأمر إلى قتْله موسَّطاً شرّ قتْلة، ثم دخل جماعة من الأشرفية إلى إينال الأشرفي، وكان قد عيّن لإمرة الحاجة، فأخبره بالكائنة ليتأهّب للقيام مع العزيز، واختفى العزيز ببعض الدُّور بالمضيّع. ولما بلغ إينال ذلك وعده بالخيل، وعرف ذلك هذا مما يؤذن إلى التشويش عليه، فاختفى لوقته لئلّا يتنبّه الظاهر إلى شيء. ولما أصبح النهار، واتفق أنه لم يُرَ هلال الفِطر، خرج الظاهر ليركب ولا علم عنده بما وقع ( ...... ) (٨) وأمر السلطان ونهى، وعيّن التجاريد إلى البلاد الشامية لأجل إينال الجَكَمي، وتَغْري بَرْمش، وكانا قد قاما بتلك البلاد، وخرجا عن طاعة الظاهر، ودعيا للعداءات. وبينا الظاهر في أثناء ذلك، إذ بلغه خبر تسحُّب العزيز، فحصل عنده

стр. 747

الباعث الشديد من ذلك، وقلق قلقا زائداً، وظهرت عليه وعلى أمرائه الكآبة والخوف الشديد، وماجت المملكة واضطربت، واختلفت الأقاويل في أمر العزيز. وبينا السلطان في هذا الخَطْب العظيم وما دهمه منه إذ بلغه هروب إينال أيضاً، فزاد ما به وكثُر وهْمُه، ولم يشكّ في أن إينال هو الذي أخذه، وتوجّه به على الهُجُن للبلاد الشامية لإينال الجَكَمي، وتَغري بَرْمش، ولو فعل إينال ذلك لكان له شأن، لكنّ القضاء أغلب. ثم أخذ الظاهر في التوصّل إلى معرفة هذه الحادثة على جليّتها بعد أن حنق من الزمام، وعزله، حتى ظهر بخلاف ما (قاله) (١) الظاهر، وأسفر الحال بأن العزيز مختفٍ بالقاهرة، وكذا إينال، ولم يخرجا منها، وقبض الظاهر على دادة العزيز سرّ النديم، وكانت عنده بالدُّور السلطانية، ثم قبض بعد ذلك على جهّاله أيضاً. وكانت هذه الكائنة من أعظم الكواين، وحصلت فتنة عامّة، لا سيما في يوم هرب العزيز، وثانيه وهو يوم عيد الفطر، فإنه كان أبشع الأعياد، حتى لم يُصلِّ السلطان بالجامع، بل صلّى بالقصر، وخطب به الحافظ ابن (٢) حجر على منبر صغير هُيّيء في ذلك اليوم. وجرت أمور يطول الشرح في ذكرها. ووقع للعزيز في اختفائه مِحَن وأمور، وقضايا كثيرة يطول تعدادها ووصْفها، وحصل لكثير من الناس بواسطة ذلك ما لا خير فيه، ونُكبت جماعة كبيرة بسبب ذلك، وتسلّطت المؤيَّدية بالتشويش والأذى البالغ على الناس، وصاروا يركبون ويكبسون مظانّ اختفاء (٣) العزيز، بل وغير المَظَانّ لأغراضٍ فاسدة، وصار من له غرض عند آخر يلمزه بهذه الكائنة، وضرب الظاهر جماعة كبيرة بالمقارع وعاقبهم بالكسّارات، وفعل ذلك مع الكثير من المماليك الأشرفية، ووسّط طوغان، وغيره، وكُبست الكثير من الحارات، وهُجمت الدُّور، وقلق الظاهر وانزعج لذلك، وكذلك العزيز بسبب التفتيش عليه، وخاف أن يُظفر به، فصار ينتقل من مكان إلى غيره، وتفرّقت عنه أصحابه، ولم يبق معه غير مملوكه أزدمر. ثم بأخرة بعث إلى خاله بيبرس، وكان يسكن بحارة زقاق حلب بداره، فأعلمه بأنه سيجيء إليه ليختفي عنده، فخاف بيبرس المذكور عاقبة ذلك ورأى أنه يقبُح عليه إنْ قُبض عليه، واختشى العار، فنبّه عليه جاره يلباي الذي ولي السلطنة فيما بعد، ولُقّب بالظاهر، وأعلمه بوقت مجيئه إليه، فترصّده يَلَباي حتى قبض عليه وعلى مملوكه هو وآخرين معه، وطلع به إلى الظاهر ليلاً، ففرح الظاهر بذلك، وصيّر يَلَباي من الطبْلخاناة، ووجد مع العزيز مبلغاً نحو الثمانمائة دينار، فأعطى الظاهرُ يَلَباي

стр. 748

خمسمائة دينار منها، وفرّق الباقي على من حضر معه وأعانه. ثم أمر بالعزيز إلى الحريم، ودخل السلطان إلى زوجته نعل ابنة البارزي فأسلمه لها، وأمرها أن تجعله في المخدع المُعَدّ لنوم السلطان، وأن تتولّى هي ما يحتاج إليه بيدها، وحرّضها على ذلك، كل ذلك بعد أن أظهر الظاهر قبل ظفره به أنه ظفر به وأنه آتٍ. واتفق أن مات طواشيّ (١) من الخدّام بالقلعة، فجُهّز وأُخرج على أنه العزيز، على ما بلغني. ودام العزيز بالدّور السلطانية إلى أن أخرج إلى سجن ثغر الإسكندرية، فبقي بها بالبرج مدّة سنين، إلى أن أعياه ذلك، وهو مع ذلك متجلّد صابر، واشتغل بمطالعة الكتب والنظر في القرآن، ثم تعانى كتب الأدب حتى حفظ الكثير من الشعر، واجتهد في الفضائل، وحصّل الكمالات النفسانية، مع المواظبة على نوافل الطاعات والعبادات، وهو صابر متجلّد، حتى مضت الدولة الظاهرية الجقمقية والأشرفية الإينالية، وولي الظاهر خُشقَدَم بعث بإطلاقه هو والمنصور عثمان، وكان قد حُمل إلى الإسكندرية على ما تقدّم ذلك. وكان العزيز هذا يُحسن إليه، وما أظهر الشماتة به، ولا أخبره بفعل أبيه معه، لسيادته وعلوّ همّته، وسكن بمكانٍ من الثغر إلى أن بَغَتَه الأجل بها. وكنت لما دخلت الإسكندرية رأيته بها، ورأيت من حشمه وأدبه وفضله وعلمه وحلمه وجودة قريحته وحُسن سمته، وعقله وتؤدته، ورياسته وعراقته وأصالته، وأثالته ونبالته ونجابته، وكرمه وسخائه، وكبير مروءته، وعُلُوّ همّته، إلى غير ذلك من محاسنه الجمّة ما لا أقدر أن أعبّر عنه، ولو ذكرت شيئاً من ذلك على جهة التفصيل لطال المجال واتّسع المقال، حتى كان عنده من الثياب المخيطة التي تليق بسائر أجناس الناس الشيء الكثير يتسبّب بها من حضر إليه وقصده، أو نحو ذلك. فَما ظنُّك بغير ذلك؟! وكان وجيهاً في الثغر، وله ذِكر وصِيت حسن، وكان يذاكر بالكثير من الشِعر يحفظه بحيث خرج في حفظه عن الحدّ. ويُحكى عنه فيه العجب، حتى سمعت إنساناً يذكر لي عنه أنه كان إذا أنشده إنسان مثلاً بيتاً من المواليا أخذ في تصوّره من المواليا ما شاء اللَّه أن يقدر منها، حتى قال لي: لو دام ثلاثة أيام ينشدنا من هذا النوع (٢) فقط لما فرغ ما في حفظه من ذلك، فما ظنُّك بغير ذلك؟ ٢٥٣ • ولا يكثُر عليه ما ذكرناه من محاسنه، لأن والده كان أضخم مَن ملك من الجراكسة، وأجَلّ ملوكهم في الحقيقة، فإنه كان ملكاً ضخماً، شهماً،

стр. 749

جليلاً، شجاعاً، مقداماً، بطلاً، ضرغاماً، سيوساً، مدبّراً، ذا عقلٍ تامّ وخبرة وحنكة وتجربة، وديانة وأمانة، كامل الذات، حَسَن الهيئة والصفات، بهيّ الشكل، طاهر الذيل واللسان، مُستوياً (١) بظاهرُه وباطنُه، كثير المَيل لسماع القرآن العظيم، حتى رتّب عدّة أجواق من القرّاء تقرأ بالقصر في ليالي الموكب دواما، بمرتبات لهم على ذلك. وكان يحبّ العلماء ويُجلّهم، وُينزلهم منازلهم، بل كان ذلك دأبه مع كل أحد في تنزيله منزلته، وكان له المَيل الكلّي في أهل الخير والدين والصلاح والفقراء، كثير الصيام، عفيفاً عن القاذورات والمنكرات والمسكِرات، حريصاً على قيام ناموس المُلك. وكانت أيامه غُرَر الأيام، على ما حُكي لنا ورأينا في التواريخ. وكان شَرَهُه في المال بواسطة تحسين المحسّنين ذلك له حتى لو حلا (٢) وطبعه لما مال إلى ذلك، على أنّ من رأى مَن بعده من الملوك عرف قدْره، وأين ذاك وأيامه من هؤلاء وأيامهم: لم يأتِ من بعده ملك (٣) يُشابهُهُ … ولا يُقاربه أعظمُ منه ملكا ولم يُر (٤) مثلُهُ في عُلُوّ همّتِهِ … ولا طريقته من بعده سلكا وله من الآثار العظام والأبنية الهائلة المشهورة المذكورة ما يعرفها كل أحد، وكان يتحرّى في أوقافه وبرّه وخيره الحِلّ. وبالجملة فكان من أجلّ الملوك قدراً، وأعظمهم شهامة وذِكراً. وفي أيامه فُتحت الجزائر القبرسية، وله نوادر ومفردات لسنا بصددها ولا بصدد ذِكرها، فإنها خارجة عن شريطة تاريخنا هذا، وإنّما ذكرنا هذه النُبذة اليسيرة استطراداً في ترجمة ولده ليُعلمَ قدْرُ الولد أيضاً، فإنه سرّ أبيه. وتوفي ولده العزيز المذكور بثغر الإسكندرية في يوم الإثنين تاسع عشر المحرّم. وقد جاوز الأربعين. عوّض اللَّه تعالى شبابه الجنّة. ثم حُمل إلى القاهرة بعد مدّة من موته يسيرة فدُفن على أبيه في فسقيته. ويقال إنه سُمّ، واللَّه أعلم بذلك، ولعلّه ليس كذلك. أعني كونه سُمّ.

стр. 750

الصفحة الأولى من فهرس الجزء الثالث الموضوع بدار الكتب المصرية

стр. 751

الصفحة (٩٤ ب) وقد مُسِح قسم من وسطها

стр. 752

الصفحة (٩٨ ب) وقد مُسِح من وسطها أيضاً

стр. 753

الصفحة (١٠٤ ب) وقد طُمس طرفها الأيسر

стр. 754

الصفحة (١٠٧ ب) وفيها بداية حوادث عام ٨٧٠ هـ. وبأعلاها حاشية

стр. 755

الصفحة (١٠٨ ب) وقد طُمس طرفها الأيسر

стр. 756

الصفحة (١٠٩ ب) وهي سيئة الوضوح في أطرافها

стр. 757

سوء الوضوح في طرف الصفحة (١١٠ ب)

стр. 758

سوء الوضوح في الصفحة (١١٣ أ)

стр. 759

سوء الوضوح في الصفحة (١١٣ ب)

стр. 760

بياض وحاشية وبداية تراجم وفيات سنة ٨٧٠ هـ. في الصفحة (١٣٧ أ)

стр. 761

حاشية وطمس الجانب الأيمن من الصفحة (١٣٨ أ)

стр. 762

بداية حوادث عام ٨٧٤ هـ. في الصفحة (١٤٣ ب) وقد طمس طرفها

стр. 763

سنة تسعٍ وستين وثمانمائة [الخليفة والسلطان والقضاة والوُلاة] استهلّت هذه السنة وجميع من ذكرنا في الخالية من الخليفة، والسلطان، وغالب ملوك الإسلام، وقُضاتهم، ونوّابهم، وحكّامهم شرقاً وغرباً، وبُعداً وقُرباً على ما هم عليه، ما عدا صاحب قونية ولا رِنْدَة ومملكة الروم من بلاد ابن (١) قَرَمَان، فإنه في هذه السنة: إسحاق بك ابن (٢) السلطان صارم الدين، إبراهيم بن قَرَمان الماضي ترجمة والده في الماضية، وملك بعد أبيه بعهدٍ منه إليه، والخلاف بينه وبين إخوته، على ما سيأتي ذلك في متجدّدات هذه السنة إن شاء اللَّه تعالى. وما عدا قاضي القضاة الشافعية بمصر، فإنه في هذه السنة: الشرف المناوي، وُلّيها بعد موت العَلَم البُلْقيني. وما عدا قاضي القضاة الحنفية بمصر أيضاً، فإنه في هذه السنة: المحبّ بن الشِحنة، وُلّيها في أوائل الخالية عن البدر بن (٣) الصوّاف، على ما تقدّم كيفية ذلك. وعُدّ موت الشافعي والحنفي في سنة واحدة من النوادر. وما عدا نائب الشام، فإنه في هذه السنة بَرْسْباي البُجاسي، نُقل إليها من طرابُلُسَ بعد موت تَنَم، وولاية جانِبَك التاجي، ثم موته قبل مباشرتها، على ما تقدّم تفصيلُ ذلك في الخالية. وما عدا نائب حلب، فإنه في هذه السنة: بُردُبك البَجْمَقْدار الظاهري، وُلّيها عن جانِبَك، على ما عرفتَ ذلك. وما عدا نائب طرابُلُس، فإنه في هذه السنة: جانِبَك الناصري، وُلّيها عن بَرسْباي المتولّي نيابة الشام. وما عدا نائب حماة، فإنه في هذه السنة: بلاط، نُقل إليها من صفد، ووُلّيها عِوَضاً عن جانِبَك الناصري.

стр. 764

وما عدا نائب صفد، فإنه في هذه [السنة] (١): يشبُك أوش قَلق المؤيَّدي، نُقل إليها من تقدمة ألف بدمشق، ووُلّيها عِوضاً عن بلاط. وما عدا حاجب الحجّاب بمصر، فإنه في هذه السنة: أُزْبَك من طَطَخ، أتابك زمننا هذا الذي نحن فيه الآن، وُلّيها عن بُردُبَك لما نُقل إلى نيابة حلب. وما عدا نائب الكرَك، فإنه في هذه السنة حسن بن أيوب. وما عدا نائب مَلَطْية، فإنه في هذه السنة شادبَك المحمدي، الأشرفي، المعروف بيَسَق. وما عدا الوزير، فإنه في هذه السنة محمد البِبَائي، بعد أن تقدّمه يونس بُردُبُغا فيها في أوائل الماضية. وما عدا الأستادّار، فإنه في هذه السنة المجد ابن (٢) البَقَري، وُلّيها بعد اختفاء الزين ابن (٣) كاتب حُلوان. وقد عرفت هذه التنقلات والولايات غالباً في المتجدّدات من الماضية.

стр. 765

ذِكر نُبَذٍ (١) من المتجدّدات اليومية فى هذه السنة القمرية [٨٦٩ هـ] [شهر المحرَّم] [التهنئة بالعام والشهر] كان أول هذه السنة بالإثنين. وفيها في المحرّم في أول يوم منه، وهو يوم الإثنين المذكور هُنِّيء السلطان بالعام والشهر على العادة. [قدوم الخيضري من دمشق] وفيه -أعني هذا اليوم - قدم إلى القاهرة القاضي قُطب الدين الخَيْضري من دمشق، وهو على كتابة سرّها، فطُلب، وأشيع بأنه يولّى كتابة السرّ بالقاهرة، ولم يقع ذلك، وحمل ألف دينار. ثم عاد راجعاً إلى دمشق (٢). (فائدة ملوكية) [طلوع والد المؤلّف إلى الظاهر خُشقدم] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثانيه، طلع الوالد إلى الظاهر خُشقَدَم على عادته، فسأله الظاهر عن الفرق في الاصطلاح الذي وُضع في هذه المملكة بين ملك الأمراء وبين النائب، ما هو؟ فقال الوالد: ملك الأمراء وُضع بإزاء النوّاب الكبار الذين لهم اتساع معاملات، بل ويولّي البعض منهم نوّاباً من تحت يده، وهم ثمانية: كُفّال الممالك، وملوك الأمراء، لكون عندهم غالباً الأتابكية، وحجّاب الحُجّاب، ومقدّمين (٣)

стр. 766

الألوف، وأمراء طبْلخاناه، وعشرينات، وعشرات، ولهم كُتّاب سِرّ من قبل السلطان، ونُظّار جيش. بل وفي بعض البلاد الوزير، واستادّار السلطان، ودواداره، وهم: نائب الشام، نائب حلب، وطرابُلُس، وحماة، وصفد، وغزّة، والكرَك. وكان نائب الكرَك أولاً يلي نائب الشام ويكاتب السلطان في الورق الأحمر كنائب الشام، ثم تلاشى، لا سيما بعد موت الأشرف بَرْسَباي، لكنه مع ذلك ملك الأمراء، ونائب مَلَطْية، وهؤلاء هم كُفّال الممالك الإسلامية بالمملكة المصرية بالبلاد الشمالية، وما عداهم من النواب هناك لا يقال لهم ملوك الأمراء، بل يقال للواحد منهم: نائب فلان للمدينة التي هو بها، كنائب سيس، نائب طَرَسوس، نائب لارِنْدة، نائب دُوركي، نائب صهْيون، نائب جَبَلَة، نائب اللاذقية، نائب المَرْقَب، نائب القدس، نائب بيروت، نائب بَعْلَبكّ، نائب صيدا، ونحو هذه البلاد فإن الكلّ نوّاب (١) ( … ) (٢)، أمّا نائب الإسكندرية فيقال فيه أيضاً: ملك الأمراء، وكذا متولّي الوجه القِبلي كان يقال له ملك الأمراء، وهو تابع لكنه صار الآن يقال له: الكاشف، وإن قيل له ملِك الأمراء مجازاً ( … ) (٣) الإصطلاح، فعُلم من هذا أن كل ملك أمراء يقال له النائب، وليس كل نائب يُدعى ملك الأمراء. ثم أخذ الوالد بعد ذلك في بيان أحوال هؤلاء وطرائقهم وكيفية ذلك، مفصّلاً ذلك بكلام طويل، فأعجب الظاهر بذلك. وبالجملة فهو من الفوائد. نقلتُ هذا من خطّه ( … ... ) (٤). [إحضار أسرى إفرنج إلى تلمسان] ( … ) (٥) هذه الأيام أُحضر إلى مدينة تِلِمْسان - ونحن بها - أحد عشر نفراً من [الفرنج كانوا على] (٦) ساحل هني، وكانوا وردوا إليها بمركب لتخطف المسلمين والإغارة عليهم ( … ... … ) (٧) فأُخِذوا وجُهّزوا إلى تِلِمْسان للسلطان بها حتى يرى فيهم رأيه ( … ) (٨)، فلما فطن المسلمون (٩) بهم ثاروا

стр. 767

عليهم، فهرب منهم الكثير، وأُخذ من ذكرنا، وتقلّع الباقون بمركبهم ( … ) (١) ووقعوا، ولما أُحضر المأخوذون إلى صاحب تِلِمسان أمر بستة منهم، فعُلّقوا مشنوقين، [وعُلّقت] (٢) رقابهم على بعض أبواب تِلمِسان إلى أن ماتوا، وأُبقي منهم خمسة فذُكر أنهم من ذوي اليسار، ففادى الجميع أنفسهم بالمال (٣). [فتح سدّ بني مُنَجّا] وفيه، في يوم الأربعاء، ثالثه، ووافق ذلك ثامن توت، فتح سدّ بني مُنَجّا، وكان البحر يومئذٍ في ثلاثة عشر إصبعاً من عشرين من الذرعان. وكان ذلك نهاية نيل هذه السنة. [وصول الأستادّار ابن كاتب حُلوان من البُحَيرة] وفيه، في يوم الخميس، رابعه، وصل الزين يحيى ابن (٤) كاتب حلوان الأستادّار من البُحَيرة، وكان على كشفها، فبُعث بطلبه كما قدّمناه، وكان من أمره ما سنذكره في يوم السبت (٥). [زيارة المؤلّف رَبَض العُبّاد من تِلِمْسان] وفيه، في يوم الجمعة، خامسه، خرجت من تِلمسان قاصداً رَبَض تِلمسان الذي يقال له العُبّاد، ونسبته لتلمسان كنسبة ضاحية دمشق لها، وبه مقام الشيخ سيدي أبي (٦) مَدْيَن شعيب الإشبيلي (٧)، القُطْب الوليّ، العارف، نفعنا اللّه تعالى ببركاته ورضي عنه، فزرته.

стр. 768

٢٥٤ - • ثم اجتمعت بسيدنا وشيخنا الإمام، العالم، العلّامة، أبي عبد اللَّه محمد بن العباس (١)، شيخ تلمسان، وعالمها، وخطيب جامع العُبّاد، تغمّده اللَّه تعالى برحمته، فوجدته بحراً في الفنون العلمية، آية في ذلك، فأنس بي، ثم سمعت خطبته التي شنّف بها الأسماع، وموعظته التي بها الانتفاع، وتردّدت إليه بعد ذلك، وحضرت كثيراً من دروسه الحافلة في كثير من الفنون العلمية، واستفدت الجمّ من فوائده في مدّة ستة شهور. وكان أجلّ علماء تِلمسان في عصره ذلك، وله من السنّ نحو الثمانين سنة أو جاوزها، مع تمتّعه بحواسّه وسلامة بدنه. (ذِكر جماعة من علماء تلمسان) (٢) ٢٥٥ - • ثم لقينا من العلماء بتِلمسان قاضي الجماعة بها الشيخ العالم، الفاضل، سيدي أبا (٣) عبد الله محمد العُقْباني (٤)، وأخاه (٥) سيدي أبا (٦) سالم إبراهيم، خطيب جامع تِلمسان الأعظم وإمامه. ٢٥٦ - • وسيدي الشيخ العالم محمد بن مرزوق، وسيدي الشيخ محمد بن زكريّا مفتي تِلمسان، والسيد الشريف يحيى بن أبي الفرج قريب السيد الشريف التِلمساني قاضي غرناطة وعالم الأندلس الآتي ذكره إن شاء اللَّه تعالى. ٢٥٧ - • ولقينا بها جماعة أُخَر من الفُضَلاء والأدباء والأطبّاء، منهم سيدي علي بن قشوش أحد أطبّاء تلمسان في المزاولة والمدرسة، وسمعت من فوائدهم وحضرت دروس بعضهم ونقلت عنهم أشياء، وأجازوني. (ترجمة موسى اليهودي) (٧) ٢٥٨ - • ولازَمت في الطب الريّس الفاضل، الماهر، الأدري، الأقدري، موسى بن سمويل بن يهودا الإسرائيلي، المالقي، الأندلسي، اليهودي، المتطبّب،

стр. 769

المعروف بأبيه (وبابن الأشقر) (١)، هداه اللَّه تعالى للإسلام، لم أسمع بذِمّي، ولا رأيت كمثله في مهارته في هذا العلم وفي عِلْم الوِفْق، والميقات، وبعض العلوم القديمة مع التعبّد الزائد في دينه على ما يزعمه ويعتقده. وهو في الأصل من يهود الأندلس. وولد بمالِقة قبل العشرين وثمانمائة. وأخذ عن أبيه وغيره، ومَهَرَ في صناعة الطِّبّ، وانتقل إلى تِلمسان فقطنها، وقصده الكثير من الفُضلاء للأخذ عنه. لازَمتُه مدّةً وأخذت عنه نُبذة كبيرة نافعة في الطبّ وغيره، وأجازني، وبلغني عنه في هذه الأيام بأنه انتهت إليه الرياسة في الطب بتلمسان، وهو مقرّب ومختصّ بصاحبها من غير أن يداخله فيما يتعلق بالمملكة لعقله ورأيه. أسأل اللَّه تعالى أن يميته على ملّة النبي محمد ﷺ . [استادّارية ابن كاتب حلوان] وفيه، في يوم السبت سادسه، استقرّ الزين يحيى ابن (٢) كاتب حُلوان في الأستادّارية على عادته، وخُلع عليه بذلك، ونزل إلى داره في موكب حفل. [استمرار ابن مزهر بكتابة السرّ] وفيه - أعني هذا اليوم أيضاً - خُلع على الزين بن مزهر أيضاً خلعة الاستمرار على وظيفة كتابة السرّ على عادته، بسبب ما كان قد أشيع عن ابن الخيضري، كما تقدّم ذلك. [الاستقرار في نظر الإسطبل] وفيه أيضاً استقرّ في نظر الإسطبل تاج الدين عبد الوهاب ابن (٣) أمين الدين عبد اللَّه بن إبراهيم، رجل من أهل الشام، وصرف الشيخ يحيى بن البَقَري وهو مصادَر على مالٍ طُلب منه وأُلزم به، له صورة (٤). [خروج الناس لملاقاة الخَوَند شُكْرباي] وفيه، في هذه الأيام كثُرت الحركة بسبب خروج الناس من الأعيان وغيرهم

стр. 770

إلى عجرود لملاقاة الخَوَنْد شُكْرْباي الأحمدية، وولد ابنتها الشهابي أحمد بن العَيْني، أمير المحمل، وبلغ السلطان ذلك، فأمر بأن لا يخرج من مقدَّمين (١) الألوف أحد إلى ملاقاتها بالبِركة، ثم خرج البعض بإذنٍ من السلطان (٢). (تملّك أبي (٣) الحسن الأندلس) (٤) وفيه في هذه الأيام أيضاً، ورد الخبر إلى تِلمسان بأن صاحب غَرناطة وملك الأندلس أمير المسلمين المستعين باللَّه سعد بن أبي عبد اللَّه محمد بن أبي الحجاج يوسف بن أبي الوليد إسماعيل بن نصر المعروف بابن الأحمر قد وقعت الوحشة بينه وبين ولده أبي (٥) الحسن عليّ (٦)، وصار أبو الحسن المذكور على أبيه المذكور وأخرجه من غرناطة وملكها، وأن المستعين باللَّه توجّه بمالقة، وسبب ذلك الوزراء من بني السراج وغيرهم الذين حسّنوا هذا لأبي الحسن. وكان بعد ذلك ما سنذكره (٧). [وصول الأمير قرقماس من قبرس بثياب الصوف] وفيه، في يوم السبت، العشرين منه، وصل قرقماس ورفقته من جزيرة قبرس وصحبتهم ثياب الصوف، عِوضاً عن جزية قبرس المقرّرة عليهم، وكان وصولهم إلى القاهرة من البرّ من طرابلس (٨). [تقرير قانصوه المحمّدي مقدَّم ألف بدمشق] وفيه أيضاً قرّر السلطان قانصوه المحمدي الأشرفي أحد العشرات بمصر، المعروف بالساقي، في تقدمة ألف بدمشق، وخرج إليها بعد ذلك (٩).

стр. 771

[التقرير في إقطاع قانصوه] وفيه أيضاً قرّر السلطان في بعض إقطاع قانصوه المذكور قانصوه اليحياوي الظاهري الماضية ترجمته (١). [وصول الركب الأول من الحاج] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثالث عشرينه، وصل يحيى ابن (٢) الأمير يشبُك الفقيه بالركب الأول من الحاج. ثم في يوم الأربعاء، رابع عشرينه، وصل الشهابي أحمد بن العَيْني بالمحمل، وصُحبته الخَوَند شُكرْ باي جدّته، وطلع للسلطان فخلَع عليه خلعة هائلة، ثم على يحيى بن يشبُك، ونزل الشهاب إلى داره في موكب حافل، وكان لدخوله يوماً مشهوداً، وهرع الناس إليه للسلام عليه (٣). [القبض على زين الدين الأستادّار] وفيه، في يوم الخميس، خامس عشرينه، قبض السلطان على زين الدين الأستادّار، ووُكّل به بالقلعة إلى آخر هذا النهار، ثم أمر به أن ينزل في التوكيل به إلى دار الحسام بن حُرَيز القاضي المالكي، وادّعى عليه الشرف الأنصاري عن السلطان بعشرين ألف دينار باقية في ذمّته إلى يوم هذه الدعوى، من مال الديوان المفرَد، فلم يثبت ذلك عليه بالطريق الشرعي [فأخِذ] (٤) إلى منزل القبّابي الوزير، بعد أن فرض السلطان عليه مبلغاً له صورة يقال عشرة آلاف دينار، وقيل خمسة آلاف، واستمر محمد الببائي يتكلّم في تعلّقات الأستادّارية ( ...... ) (٥) ما سنذكره بعد ذلك (٦). [فكّ أسر سودون المنصوري] وفيه، في يوم السبت، سابع عشرينه، وصل سودون ( … ) (٧) المعروف

стр. 772

بالمنصوري (١) الماضي خبر أسره، ففُكّ وبُعث به إلى القاهرة، وكان فكّه على يد الملكة أخت جاكُم متملّك قبرس، وأرادت أن يكون لها أيادٍ عند السلطان، ليصفح عنها، ويسمح لها بعَودها إلى ملكها كما كانت، مع جِدّها في السعي في ذلك (٢). [نيابة بلاط بالكرَك] وفيه، في يوم الإثنين، تاسع عشرينه، استقر في نيابة الكرَك بلاط حاجب الحجّاب بدمشق، عِوضاً عن حسن بن أيوب، واستقر على تقدمة سودون قندورة، مضافة، إلى نيابة الكرك، بمالٍ كثيرٍ بذله في ذلك، يقال اثنا عشر ألف دينار (٣). [حجوبية الحُجّاب بدمشق] وفيه أيضاً استقر في حجوبية الحجّاب بدمشق شرامُرد العثماني المؤيَّدي، خُشداش السلطان، بمالٍ بذله في ذلك، عِوَضاً عن بلاط المنتقل لنيابة الكرَك، واستقر في دوادارية السلطان بدمشق تنبك الحمزاوي بمالٍ بذله أيضاً (٤). [أتابكية طرابلس] واستقرّ في أتابكية طرابلس تمراز (٥) الشرفي بمالٍ بذله في ذلك أيضاً. واستقرّ أركماس الجاموس (٦) على تقدمة تمراز بطرابلس بمالٍ بذله أيضاً في ذلك. ذكر بعض المؤرّخين أن جملة ما حصل للسلطان من المال في هذه التنقّلات نحو الخمسة وثلاثين ألف دينار، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه العليّ العظيم، ما

стр. 773

شاء الله كان. انظر إلى شَرَه هذا السلطان ولا عليه من كَسْر الناموس، فقلّ إنصافه وكثُر طمعه وجمعه للمال من أيّ وجهٍ كان، وباللَّه المستعان، ومع ذلك فلقد بُكي بعده على زمانه، وأقول كما قيل: قالت الضفْدَعُ قولاً … فهمَتْه الحكماء في فمي ماءٌ وهل ينـ … ـطِقُ مَنْ في فِيه ماء؟ [شهر صفر] [التضييق على صاحب غَرناطة] وفيها، في أوائل صفر، ورد الخبر إلى تِلمسان بأن المستعين باللَّه صاحب غَرناطة بعث إليه ولده الذي مَلَكَ بعده من حمله إلى بعض حصون الأندلس، مضيّقاً عليه به، ثم كان من أمره ما سنذكره بعدُ (١). [تخوّف صاحب تلمسان من صاحب تونس] وفيه، في هذه الأيام ورد الخبر على صاحب تِلمسان محمد بن أبي ثابت من تونس، بأنّ صاحبها السلطان أبا (٢) عمرو عثمان في قصد تحدّره إليه ثانياً، فحصل عنده الباعث بسبب ذلك، وأخذ في أسباب تدبير أمره، وكان ما سنذكره (٣). [اجتماع مباشري الدولة بين يدي السلطان] وفيه، في يوم الثلاثاء، سابعه، أمر السلطان باجتماع مباشري دولته بين يديه لعمل مصلحة الأستادّارية، ويبدي رأيه فيمن يولّيه الأستادّارية، فجُمِعوا عنده، وطال الكلام في هذه القضية. وآل الأمر إلى أن يلي الأستادّارية الشمسُ منصورُ بنُ الصَّفيّ بعد أن يسدّ الببائي جوامك الجُند في هذا الشهر، وزين الدين في منزله، ثم ينقل منصور من ربيع الأول. فعيّن للأستادّارية بهذا الشرط، ولم يخلع عليه في هذا اليوم بهذا السبب، وكان له ما سنذكره. [زيارة صاحب تلمسان للوليّ الزاهد أحمد بن الحسن في داره] وفيه، في يوم الجمعة، سابع عشره، خرجتُ من منزلي بتِلمسان متوجّهاً إلى

стр. 774

جامعها الأعظم لصلاة العصر، وإذا أنا بالسلطان صاحب تلمسان بالشارع الذي به أحد أبواب هذا الجامع، وهو الباب المقابل لباب المكان الذي به الشيخ الصالح، الولي، الكبير، الشهير، الخطير، العابد، الزاهد، السالك، الناسك، سيدي أحمد بن الحسن (١)، نفع اللَّه تعالى به، فترجّل - أعني السلطان المذكور - عن فرسه، ووقف بباب الشيخ المذكور، ثم طرق الباب بلطف، فقال الشيخ من داخل المكان: مَن؟ فقال له: عبدك ابن (٢) أبي ثابت. بهذه العبارة. ففتح له الباب، فساعة وقوع بصر السلطان عليه أهوى لتقبيل يده، ثم دخل إليه فزاره، ثم خرج وتوجّه. وقد تقدّم شيء (٣) من ذِكر الشيخ هذا، ويأتي أيضاً شيء من ذلك، ثم لعلّنا أن نترجمه فيما بعد السبعين إن شاء اللّه تعالى. (أخذ الفرنج جبل الفتح من الأندلس) (٤) وفيه - أعني هذا الشهر - أخذ الفرنج البرطُقال (٥)، البلد المعظّم، أحد أعزّ حصون الإسلام وبلدانها بالأندلس، المسمَّى بجبل الفتح، وذلك في هذه الفتنة الكائنة بين الأب والابن، أعني أبا النصر سعد بن الأحمر وولده أبا الحسن الماضي خبرهما، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فإن ذلك من أعظم المصائب في الإسلام، لأن من هذا الحصن كانت بداية أخذ بلاد الأندلس من الكُفّار في الزمن الأول، وهو أعظم معاقل الإسلام بالأندلس، وخرج أهلها منها بالأمان، وباللَّه المستعان، ولما بلغ هذا الخبر تِلِمسان وغيرها من بلاد الأنلس بهذه الجهة، عظُم ذلك عليهم، وكثُر التأسّف على ضعف الإسلام بالأندلس واشتغالهم عن حفظ الحصون الإسلامية، بما هم فيه من الفِتن وطلب العزّ والسلطان المُفضي إلى الذلّ والهوان (٦). وبَلَغَنا أن الكفّار احتالوا (٧) بعض حيلة على أهل جبل الفتح، ثم أمّنوهم،

стр. 775

فخرجوا ولم يتعرّضوا لهم البتّة، بل أعانوهم على نقل الكثير من أمتعتهم واجتيازهم إلى حيث مأمنهم. [استبدال جماعة من الأمراء والعشرات] وفيه، في يوم الخميس، ثالث عشرينه، استقر السلطان بجماعة من الأمراء العشرات في ولايات كشف الجسور، الذين يقال لواحدٍ منهم كاشف النواب، فاستقر بُرْدُبك التاجي الأشرفي في كشف البَهْنَساوية بالوجه القِبلي، وخيربك من حديد الأشرفي في كشف الشرقية، وسِيباي الظاهري الأميراخور الثالث في كشف الجيزية. [استقرار الشمس منصور بالأستادّارية] وفيه في يوم الإثنين، سابع عشرينه، خُلع على الشمس منصور بالأستادّارية ونزل إلى داره في موكب حافل (١). (وصول قاصد ابن (٢) قَرَمان لمصر) وفيه - أعني هذا اليوم - قدم قاصد إسحاق بن إبراهيم بن قَرَمان سلطان قونية وما والاها من بلاد الروم القَرَمانية، بمكاتبة من مرسله للسلطان، وبمشافهة أيضاً، من محصول ذلك أن إسحاق يذكر للسلطان أن والده إبراهيم قد مات بعد أن عهد بملكه إليه دون غيره من إخوته، وأن إخوته خرجوا عن طاعته، وانتموا لابن خالهم محمد بن مراد بن عثمان صاحب الروم، وهم يحضّونه في قيامه معهم عليه، وأن يقصد بلاده لإخراجه منها، وأنه مظلوم مع من قام عليه، وليس له من ينتمي إليه سوى السلطان، وأنه مملوكه وقت أوامره ونواهيه وطاعته، وأنه متخوّف من ابن (٣) عثمان للعداوة القديمة، لا سيما وقد خرج إخوته عن طاعته، وتوجّهوا لابن عثمان المذكور، ونحو هذا من كلمات في هذا المعنى. فرحّب السلطان بالقاصد المذكور، ووعده بنُصرة مرسله، والقايم معه حيث أحوج الأمرُ إلى ذلك، وخلع على القاصد، وعلى شخص يقال له قَرَمان من الخاصكية، وعيّنه أن يتوجّه رسولاً عنه إلى ابن (٤) قَرَمان مع قاصده، وأمره أن يكتب الجواب بما قلناه،
следующие страницы →