← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

[التقرير في إقطاع قانصوه] وفيه أيضاً قرّر السلطان في بعض إقطاع قانصوه المذكور قانصوه اليحياوي الظاهري الماضية ترجمته (١). [وصول الركب الأول من الحاج] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثالث عشرينه، وصل يحيى ابن (٢) الأمير يشبُك الفقيه بالركب الأول من الحاج. ثم في يوم الأربعاء، رابع عشرينه، وصل الشهابي أحمد بن العَيْني بالمحمل، وصُحبته الخَوَند شُكرْ باي جدّته، وطلع للسلطان فخلَع عليه خلعة هائلة، ثم على يحيى بن يشبُك، ونزل الشهاب إلى داره في موكب حافل، وكان لدخوله يوماً مشهوداً، وهرع الناس إليه للسلام عليه (٣). [القبض على زين الدين الأستادّار] وفيه، في يوم الخميس، خامس عشرينه، قبض السلطان على زين الدين الأستادّار، ووُكّل به بالقلعة إلى آخر هذا النهار، ثم أمر به أن ينزل في التوكيل به إلى دار الحسام بن حُرَيز القاضي المالكي، وادّعى عليه الشرف الأنصاري عن السلطان بعشرين ألف دينار باقية في ذمّته إلى يوم هذه الدعوى، من مال الديوان المفرَد، فلم يثبت ذلك عليه بالطريق الشرعي [فأخِذ] (٤) إلى منزل القبّابي الوزير، بعد أن فرض السلطان عليه مبلغاً له صورة يقال عشرة آلاف دينار، وقيل خمسة آلاف، واستمر محمد الببائي يتكلّم في تعلّقات الأستادّارية ( ...... ) (٥) ما سنذكره بعد ذلك (٦). [فكّ أسر سودون المنصوري] وفيه، في يوم السبت، سابع عشرينه، وصل سودون ( … ) (٧) المعروف

стр. 772

بالمنصوري (١) الماضي خبر أسره، ففُكّ وبُعث به إلى القاهرة، وكان فكّه على يد الملكة أخت جاكُم متملّك قبرس، وأرادت أن يكون لها أيادٍ عند السلطان، ليصفح عنها، ويسمح لها بعَودها إلى ملكها كما كانت، مع جِدّها في السعي في ذلك (٢). [نيابة بلاط بالكرَك] وفيه، في يوم الإثنين، تاسع عشرينه، استقر في نيابة الكرَك بلاط حاجب الحجّاب بدمشق، عِوضاً عن حسن بن أيوب، واستقر على تقدمة سودون قندورة، مضافة، إلى نيابة الكرك، بمالٍ كثيرٍ بذله في ذلك، يقال اثنا عشر ألف دينار (٣). [حجوبية الحُجّاب بدمشق] وفيه أيضاً استقر في حجوبية الحجّاب بدمشق شرامُرد العثماني المؤيَّدي، خُشداش السلطان، بمالٍ بذله في ذلك، عِوَضاً عن بلاط المنتقل لنيابة الكرَك، واستقر في دوادارية السلطان بدمشق تنبك الحمزاوي بمالٍ بذله أيضاً (٤). [أتابكية طرابلس] واستقرّ في أتابكية طرابلس تمراز (٥) الشرفي بمالٍ بذله في ذلك أيضاً. واستقرّ أركماس الجاموس (٦) على تقدمة تمراز بطرابلس بمالٍ بذله أيضاً في ذلك. ذكر بعض المؤرّخين أن جملة ما حصل للسلطان من المال في هذه التنقّلات نحو الخمسة وثلاثين ألف دينار، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه العليّ العظيم، ما

стр. 773

شاء الله كان. انظر إلى شَرَه هذا السلطان ولا عليه من كَسْر الناموس، فقلّ إنصافه وكثُر طمعه وجمعه للمال من أيّ وجهٍ كان، وباللَّه المستعان، ومع ذلك فلقد بُكي بعده على زمانه، وأقول كما قيل: قالت الضفْدَعُ قولاً … فهمَتْه الحكماء في فمي ماءٌ وهل ينـ … ـطِقُ مَنْ في فِيه ماء؟ [شهر صفر] [التضييق على صاحب غَرناطة] وفيها، في أوائل صفر، ورد الخبر إلى تِلمسان بأن المستعين باللَّه صاحب غَرناطة بعث إليه ولده الذي مَلَكَ بعده من حمله إلى بعض حصون الأندلس، مضيّقاً عليه به، ثم كان من أمره ما سنذكره بعدُ (١). [تخوّف صاحب تلمسان من صاحب تونس] وفيه، في هذه الأيام ورد الخبر على صاحب تِلمسان محمد بن أبي ثابت من تونس، بأنّ صاحبها السلطان أبا (٢) عمرو عثمان في قصد تحدّره إليه ثانياً، فحصل عنده الباعث بسبب ذلك، وأخذ في أسباب تدبير أمره، وكان ما سنذكره (٣). [اجتماع مباشري الدولة بين يدي السلطان] وفيه، في يوم الثلاثاء، سابعه، أمر السلطان باجتماع مباشري دولته بين يديه لعمل مصلحة الأستادّارية، ويبدي رأيه فيمن يولّيه الأستادّارية، فجُمِعوا عنده، وطال الكلام في هذه القضية. وآل الأمر إلى أن يلي الأستادّارية الشمسُ منصورُ بنُ الصَّفيّ بعد أن يسدّ الببائي جوامك الجُند في هذا الشهر، وزين الدين في منزله، ثم ينقل منصور من ربيع الأول. فعيّن للأستادّارية بهذا الشرط، ولم يخلع عليه في هذا اليوم بهذا السبب، وكان له ما سنذكره. [زيارة صاحب تلمسان للوليّ الزاهد أحمد بن الحسن في داره] وفيه، في يوم الجمعة، سابع عشره، خرجتُ من منزلي بتِلمسان متوجّهاً إلى

стр. 774

جامعها الأعظم لصلاة العصر، وإذا أنا بالسلطان صاحب تلمسان بالشارع الذي به أحد أبواب هذا الجامع، وهو الباب المقابل لباب المكان الذي به الشيخ الصالح، الولي، الكبير، الشهير، الخطير، العابد، الزاهد، السالك، الناسك، سيدي أحمد بن الحسن (١)، نفع اللَّه تعالى به، فترجّل - أعني السلطان المذكور - عن فرسه، ووقف بباب الشيخ المذكور، ثم طرق الباب بلطف، فقال الشيخ من داخل المكان: مَن؟ فقال له: عبدك ابن (٢) أبي ثابت. بهذه العبارة. ففتح له الباب، فساعة وقوع بصر السلطان عليه أهوى لتقبيل يده، ثم دخل إليه فزاره، ثم خرج وتوجّه. وقد تقدّم شيء (٣) من ذِكر الشيخ هذا، ويأتي أيضاً شيء من ذلك، ثم لعلّنا أن نترجمه فيما بعد السبعين إن شاء اللّه تعالى. (أخذ الفرنج جبل الفتح من الأندلس) (٤) وفيه - أعني هذا الشهر - أخذ الفرنج البرطُقال (٥)، البلد المعظّم، أحد أعزّ حصون الإسلام وبلدانها بالأندلس، المسمَّى بجبل الفتح، وذلك في هذه الفتنة الكائنة بين الأب والابن، أعني أبا النصر سعد بن الأحمر وولده أبا الحسن الماضي خبرهما، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فإن ذلك من أعظم المصائب في الإسلام، لأن من هذا الحصن كانت بداية أخذ بلاد الأندلس من الكُفّار في الزمن الأول، وهو أعظم معاقل الإسلام بالأندلس، وخرج أهلها منها بالأمان، وباللَّه المستعان، ولما بلغ هذا الخبر تِلِمسان وغيرها من بلاد الأنلس بهذه الجهة، عظُم ذلك عليهم، وكثُر التأسّف على ضعف الإسلام بالأندلس واشتغالهم عن حفظ الحصون الإسلامية، بما هم فيه من الفِتن وطلب العزّ والسلطان المُفضي إلى الذلّ والهوان (٦). وبَلَغَنا أن الكفّار احتالوا (٧) بعض حيلة على أهل جبل الفتح، ثم أمّنوهم،

стр. 775

فخرجوا ولم يتعرّضوا لهم البتّة، بل أعانوهم على نقل الكثير من أمتعتهم واجتيازهم إلى حيث مأمنهم. [استبدال جماعة من الأمراء والعشرات] وفيه، في يوم الخميس، ثالث عشرينه، استقر السلطان بجماعة من الأمراء العشرات في ولايات كشف الجسور، الذين يقال لواحدٍ منهم كاشف النواب، فاستقر بُرْدُبك التاجي الأشرفي في كشف البَهْنَساوية بالوجه القِبلي، وخيربك من حديد الأشرفي في كشف الشرقية، وسِيباي الظاهري الأميراخور الثالث في كشف الجيزية. [استقرار الشمس منصور بالأستادّارية] وفيه في يوم الإثنين، سابع عشرينه، خُلع على الشمس منصور بالأستادّارية ونزل إلى داره في موكب حافل (١). (وصول قاصد ابن (٢) قَرَمان لمصر) وفيه - أعني هذا اليوم - قدم قاصد إسحاق بن إبراهيم بن قَرَمان سلطان قونية وما والاها من بلاد الروم القَرَمانية، بمكاتبة من مرسله للسلطان، وبمشافهة أيضاً، من محصول ذلك أن إسحاق يذكر للسلطان أن والده إبراهيم قد مات بعد أن عهد بملكه إليه دون غيره من إخوته، وأن إخوته خرجوا عن طاعته، وانتموا لابن خالهم محمد بن مراد بن عثمان صاحب الروم، وهم يحضّونه في قيامه معهم عليه، وأن يقصد بلاده لإخراجه منها، وأنه مظلوم مع من قام عليه، وليس له من ينتمي إليه سوى السلطان، وأنه مملوكه وقت أوامره ونواهيه وطاعته، وأنه متخوّف من ابن (٣) عثمان للعداوة القديمة، لا سيما وقد خرج إخوته عن طاعته، وتوجّهوا لابن عثمان المذكور، ونحو هذا من كلمات في هذا المعنى. فرحّب السلطان بالقاصد المذكور، ووعده بنُصرة مرسله، والقايم معه حيث أحوج الأمرُ إلى ذلك، وخلع على القاصد، وعلى شخص يقال له قَرَمان من الخاصكية، وعيّنه أن يتوجّه رسولاً عنه إلى ابن (٤) قَرَمان مع قاصده، وأمره أن يكتب الجواب بما قلناه،

стр. 776

ويهنّيء فيه بالمُلك، ويعزّي بأبيه، ثم أضاف السلطان القاصدَ المذكور في يوم الأربعاء تاسع عشرينه بالقلعة، وخلع عليه بسفره وعلى رفقته، وعيّن لمرسله إسحاق خلعة هائلة ومركوباً بالسَرْج الذهب والكَنْبوش الزركش، ووعده بكل خير (١). (الإرجاف بالأندلس بغزو الفُنْش) (٢) وفيه ورد الخبر إلى تِلمِسان من الأندلس، بأن ألْفُنْش صاحب قشْتالة وإشبيلية وقُرطُبة وباقي ما في ذلك من بلاد الفرنج وممالكها، قد عزم على الزحف على الأندلس لغزوها وأخْذها ( … ... ) (٣) الخلاف الكائن بين الأب والابن، أعني ملك الأندلس سعداً وولده أبا الحسن، وما وقع لهما، وأرجف بذلك في تلك البلاد. ولما بلغ أبا (٤) الحسن ذلك بعث باستقدام أبيه من الحصن الذي كان به، ولما خرج الأب توجّه إلى مدينة أرية فأقام بها، ولم يعارِضْه ولدُه في ذلك، بل بعث إليه يطلب رضاه والاعتذار إليه، وأنه الملك وهو في معنى وزيره، ونحو ذلك من الكلمات. وكان بالمدينة القائد محمد بن سيدهم، فقام بأمر المستعين باللَّه سعد هذا أتم القيام، وخدمه، ولم يزل بالمدينة كالمتصافي مع ولده حتى مات بها في آخر السنة هذه على ما بلغني (٥). وستأتي ترجمته في التراجم إن شاء اللَّه تعالى. [ربيع الأول] [تهنئة السلطان بالشهر] وفيها استهلّ ربيع الأول بالخميس، وطلع القضاة وغيرهم لتهنئة السلطان به، أعني الشهر. [تعاظُم أمر اليهود بفاس] وفيه -أعني ربيع الأول هذا في أوائله- تواترت الأخبار من قبِل فاس ونحن

стр. 777

بتِلمِسان، بعِظَم أمر اليهود بها وشأنهم، بواسطة الوزير اليهودي الذي أقامه صاحب فاس عبد الحق المريني، بعد قتْل عدّة من الوزراء من بني وطاس، ومعاداته لآخرين، وإخراج جماعة من بني وطاس وقيامهم عليه بخارج فاس، وأن اليهود بفاس تسلّطوا على المسلمين بالظلم والأذى، وعظُم شأنهم وكبرت شوكتهم، حتى كان من أمر السلطان والوزير المذكور واليهود ما سنذكره، إن شاء اللَّه تعالى (١). [خروج صاحب تلمسان إلى بعض أعماله] وفيه - أعني هذا الشهر، في هذه الأيام - خرج السلطان صاحب تِلمسان إلى بعض أعماله ثم عاد بعد العشرين يوماً. [نزول السلطان إلى جهة مطعم الطير] وفيه، في يوم الإثنين، خامسه، ووافق تاسع هاتور، ركب السلطان من القلعة ونزل في موكب حافل إلى جهة مطعم الطير، ومعه الأمراء وأعيان الدولة ووجوه المملكة بين يديه، فنزل بالمطعم، ولبس به الصوف، وألبس الأمراء على العادة، ثم عاد والخاصكيّة مُشاة بين يديه من أطراف الحسينية حتى دخل من باب النصر، شاقّاً القاهرة، إلى أن صعد القلعة على تلك الهيئة، وقعد الناس لرؤيته، وكان له يوماً مشهوداً (٢). [إمرة الحاج] وفيه، في يوم الخميس، ثامنه، استقر في إمرة الحاج بالمحمل جانبك قلقسيز، أحد مُقدَّمين (٣) الألوف وخلع عليه بذلك (٤). [عمل المولد النبوي بالقلعة] وفيه في يوم الأحد حادي عشره عُمل المولد النبوي بالقلعة على العادة، ثم عُمل المولد الثاني لخَوَند في ثاني يوم على عادة هذا السلطان في ذلك. (ولاية جانبك التَنَمي نيابة الكرَك) (٥) وفيه، في يوم السبت سابع عشره، استقر في نيابة الكرَك جانبك التَنَمي،

стр. 778

وصُرف حسن بن أيوب (١)، ووُلّيها جانبك هذا بمالٍ بذله فيها، مع قُبح سيرته وعدم أهليّته. [إمرة الركب الأول] وفيه، في يوم الإثنين تاسع عشره، استقرّ في إمرة الركب الأول خُشْكلدي القوّامي، أحد أمراء الطَبْلخاناه (٢). [تجريد الجند إلى تلمسان] وفيه، في يوم الثلاثاء عشرينه، استُفِيض الخبر بتِلمسان بتجريد عثمان صاحب تونس إليها، وزاد الإرجاف بذلك بتلمسان. وكان ما سنذكره (٣). (كائنة الشرف موسى) (٤) وفيه، في هذه الأيام، كائنة الشرف موسى ابن (٥) كاتب غريب (٦) القبطي ناظر الديوان المفرَد، أو المتكلّم على بعض جهاته، وهي طويلة لو استقصيناها، مُحَصّلُها أنه بُهدل وضُرب بين يدي الأستادّارية ضرباً مُبرحاً، ثم بين يدي السلطان بالمقارع. وآل أمره أن أُثبت عليه عند القاضي بدر الدين حسن الرهوني (٧) لجهة الديوان المفرَد أو للسلطان مبلغ خمسين ألف دينار أو أكثر، وهو مع ذلك مُصرّ على أنه لا قدرة له ولا موجود. وكان هذا سبب تأكّد (٨) العداوة بينه وبين منصور الأستادّار، إلى أن كان من أمرهما ما سنذكره (٩). [قتال الإخوة من بني قَرَمان] وفيه أيضاً وردت مكاتبة حسن الطويل صاحب آمِد وما والاها من ديار بكر بأنه سار نجدة لإسحاق بن قَرَمان على إخوته لما قصدوه، وقاتل هو

стр. 779

وابن (١) قَرَمان الإخوة وهزمهم بعد حرب كبير كان بينهم، وأخذ عدّة قلاع أو بلاد لابن قَرَمان كانوا ملكوها إخوته (٢) منه، من ذلك قونية، وآقصراي (٣)، وآق شهر (٤)، وغير ذلك، وأنهم انهزموا بعد الحرب العظيمة لجهة ابن (٥) عثمان، فسُرّ السلطان بذلك (٦). [ربع الآخر] [تحصين تلمسان خوفاً من صاحب تونس] وفيها، في أوائل ربيع الآخر، لما زادت الإشاعات وكثُرت الأراجيف بتلمسان بحركة صاحب تونس لجهة تلمسان، أخذ صاحبها في أسباب تحصين تلمسان، وأنه يتفقد سورها بالبنيان، وكذا يبني برجاً على بابها أو نحو ذلك، كل ذلك خوفاً من عثمان صاحب تونس بعد تثبّت في ذلك، فلم يجِد لذلك صحّة في هذه السنة، بل كان في التي تليها على ما سنذكره فيها إن شاء اللَّه تعالى. [خروج الأمير مُغُلْباي طاز للسرحة] وفيه، في يوم الخميس سادسه خرج مُغُلْباي طاز أحد مقدَّمين (٧) الألوف إلى جهة الوجه القِبْلي للسرحة ومسح أراضي تلك البلاد. [سفر جانبك الزيني إلى بلاد الشام] وفيه، في يوم الجمعة، سابعه، سافر جانِبَك الزَيني المؤيَّدي (٨) أحد العشرات، إلى البلاد الشامية لعرض العساكر بها (٩). [مهاجمة ملك البندقية جزيرة رودس وتخليص الأسرى المسلمين بها] وفيه، في يوم السبت ثامنه، ورد الخبر من كُسْباي المؤيَّدي نائب الإسكندرية، بأن ملك البُندقية الفرنجي صاحب بِنِيزِيَة (١٠) لما بلغه أن السلطان

стр. 780

ضيّق على تجار الفرنج البنادقة بسبب ما أخذه كفّار رودِس من تجار المسلمين وأموالهم وبضائعهم، جهّز إلى جهة رودس عدّة مراكب يطلبون إعادة ما أخذوه أو يقاتلوهم، فأجابوه إلى ما طلبه، وأُطلق التجار وما أُخِذ لهم، بل وأطلقوا الكثير من أسرى المسلمين قبل ذلك، بل وجماعة من أسرى اليهود أيضاً برودس، وأن الجميع وصلوا في كَنَف الأمن والسلامة إلى الإسكندرية، فسُرّ السلطان بذلك غاية السرور. ثم أخذ في الإفراج عن البنادقة الذين ضيّق عليهم بسبب ذلك قبل تاريخه، وعلى غيرهم من طوائف الفرنج. وكان السلطان قد قام في ذلك قياماً تامّاً، وأفرغ فيه جَهده، حتى أشيع بأنه وُعد من الفرنج بمائة ألف ألف دينار، على شكايته لما أخذ أهل رودس تجار المسلمين وأموالهم، فلم يرض وصمّم على ما فعله، حتى كان ما ذكرناه، وللَّه الحمد، وعُدّ ذلك من محاسن خُشقدم هذا (١). [نيابة القدس] وفيه، في يوم السبت، خامس عشره، استقر في نيابة القدس حسن بن أيوب عوضاً عن تغري بردي (٢). [خروج جانبك التَنَمي إلى الكرَك] وفيه، في يوم الإثنين، سابع عشره، خرج جانبك التَنَمي (٣) نائب الكرَك إلى محلّ نيابته. [استقرار أُلماس الأشرفي في نيابة البيرة] وفيه، في يوم الإثنين، رابع عشرينه، استقرّ أُلْماس الأشرفي (٤)، دوادار السلطان بحلب، في نيابة البيرة بعد موت قانباي البكتمُري المعروف بطاز (٥). واستقرّ علي الشيباني في الدوادارية بحلب عوضاً عن أُلماس المذكور.

стр. 781

[دخول المؤلّف مدينة وَهْران] وفيه، في يوم الإثنين المذكور ( … ... ) (١) قصدت واهران (٢)، فدخلتها في سابع عشرينه آخر النهار، ثم [زرت الشيخ عبد الرحمن بن عزّوز] (٣) إمام زاوية سيدي إبراهيم التازي الماضي ذِكره وذِكر زاويته ( … ... … ) (٤) الشيخ الإمام، العالم، الكامل، سيدي أبو العباس أحمد بن العباس المالكي، مفتي واهران ( ............ ) (٥) وهما من كبار أهل العلم والفضل بهذه البلدة، فاستفدت ( … ... ) (٦) الكثير من ( … ) (٧) منهما ( … ) (٨). [جمادى الأول] [ضيافة الأمير قانَم التاجر للسلطان] وفيها استهلّ جماد الأولى بالأحد، وفيه ( … ... ) (٩) ونزل السلطان بغير قماش الموكب، وسار إلى جهة مَرْبع خيول الأمير قانَم التاجر أمير مجلس، بناحية أراضي بهتيم (١٠)، ولما أن وصل إليه نزل عنده، وكأن قد هيّأ (١١) له المذكور ضيافة هائلة، ومدّ له أسمطة حافلة، فأكل وتنرّه، ثم قدّم له بعد ذلك تقدمة هائلة ما بين خيول ومماليك وغير ذلك. ودام السلطان عنده إلى ما بعد الزوال ثم ركب عائداً إلى القلعة مجتازاً على قنطرة الحاجب ودخل في عوده إلى دار الوزير محمد الببائي، ثم خرج منها فدخل من باب النصر متوجّهاً إلى جهة حارة بهاء الدين حتى وصل إلى دار منصور الأستادّار، وأحسّ بمجيئه فبسط الشقف الحرير تحت مواطئ مركوبه، ونثر خفائف الذهب على رأسه، وقدّم له تقدمة بنحو الألفي دينار. وسار لما خرج من عنده قاصداً القلعة حتى طلعها (١٢).

стр. 782

[التجريدة إلى عرب محارب] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثالثه، خرج يَلَباي الأميراخور الكبير إلى إقليم الجيزية، مضافاً لمن سبقه من العسكر قبل ذلك، ثم خرج بعد ذلك لاحقاً بيَلَباي هذا بُرْدُبك هجين أمير جاندار تجريدة لأجل عربان محارب لما عاثوا بتلك النواحي (١). [وصول قاصد ابن قَرَمان] وفيه، في يوم الخميس، خامسه، وصل إلى القاهرة قاصد ابن (٢) قَرَمَان، وعلى يده مكاتبة من مرسله، تتضمّن الإخبار بالكائنة التي اتفقت مع إخوته ونُصرته عليهم، على ما قدّمنا ذلك، وأن عسكر ابن (٣) عثمان كان مع إخوته وقد انهزموا. فخلع السلطان على القاصد المذكور وترحّب به، وسَرّه نُصرة ابن (٤) قَرَمان (٥). [تقرير معلّمية المعلّمين] وفيه - أعني هذا اليوم - استقر في معلّميّة المعلّمين البدر حسن التَنَمي (٦)، عِوَضاً عن البدر حسن بن الطولوني بعد صرفه، ثم صُرف بعد أربعة أيام من ولايته، وقُرّر عِوَضه يوسف شاه العلمي (٧)، واستقر حسن المذكور في نظارة حرمين (٨) القدس والخليل، على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والتسليم كما كان قبل ذلك (٩). (أخْذ حسن قلعة كَركَر باسمه) (١٠) وفيه، في يوم الأحد، ثامنه، ورد الخبر إلى القاهرة بأنّ أعوان حسن

стр. 783

الطويل بن قرايُلُك تسلّموا قلعة كركر، وكان من خبر ذلك أن العساكر الحلبية كانت قد توجّهت من حلب لقتال أهل كركر بعد أخْذها، فحاصروهم مدّة حتى أبادوهم السر (١)، وعجزوا عن قتال العسكر وحصارهم، فبعثوا إلى حسن بن قرايُلُك المذكور تسليمَها إيّاه، فندب حسن في الحال سريّة عدّتها أربعمائة من خوّاص جنده وجيادهم، فتسلّموها وأقاموا بها، وعادت عساكر حلب إليها بعد أن أقاموا على حصارها نحو العشرة أشهر، حتى إذا أشرفوا على أخذها عمل أهل كركر معهم ما ذكرناه، فعادوا بغير طائل، لأنه لم يبق لإقامتهم فائدة. ولما بلغ السلطان ذلك قامت قيامته، لا سيما وقد أظهر حُسن الموافاة والمصافاة والاتفاق على عداوة ابن (٢) عثمان، ولم يَسَعْه أن يُظهْر ذلك، فأخذ يلوّح لقاصد حسن بك الذي ورد إليه بأن يسلّم قلعة كركر، وفطن القاصد لذلك، فعامله بالمواربة وبما يزعمه، فقال إن حسن أحد مماليك السلطان، وهو نائب عنه بكركر وبغيرها من بلاده نفسه، فضلاً عن كركر، فصار السلطان كالمُلزَم، وهذا الجواب مع ما هو فيه من شدّة الحصر من حسن المذكور والحيرة في أمره، إذ كان قصْده أنه لما بعث إليه أهل قلعة كركر أن يبعث إليهم بقوله: أعطوه إمرة بها، أو إذا بعث من أخذها يُسلّمها عقيب ذلك العسكر حلب. ولما لم يفعل ذلك لا شك أنه عدوّ وغدّار. وحصل عند السلطان بهذا الأمر الباعث الشديد الذي ما عنه من مزيد. ثم أخذ بعد ذلك في تلافي أمره مع ابن (٣) عثمان واستدراك فارطه، فعيّن السيد الشريف نور الدين أبا (٤) الحَسن علي القَصيري المعروف بالكردي، وخلع عليه بالتوجّه رسولاً عنه إلى ابن (٥) عثمان، وندبه بأن يهتم غاية اهتمامه في إبرام الصلح بينه وبين ابن (٦) عثمان. وكان بعد ذلك ما سنذكره (٧). [تسديد الأستادّار الجامكية وتفرقتها] وفيه - أعني هذا الشهر - أظهر الشمس منصور الأستادّار الاحتفال الزائد في شأن سداد الجامكية وتفرقتها، وبقي ينادي في كل جامكية بمُنادٍ من قِبله، أن يأتي الضعفاء والفقراء لأخْذ جوامكهم قبل الأقوياء والأغنياء. وأُلبس خلعة بعد خلعة

стр. 784

للسداد، ثم أخذ السلطان في شكره وإطرائه، حتى كان من أمره معه أنْ قتله بعد ذلك، كما ستعرف ذلك إن شاء اللَّه تعالى (١). (عقد الصلح والهدنة بين صاحب قشتالة والأندلس) (٢) وفيه - أعني هذا الشهر - ثار (بعض) (٣) ملوك الفرنج بصاحب قشتالة، فأشغله اللَّه تعالى عن المسلمين وما كان قصده، وردّ اللَّه تعالى كيده في نحره، حتى بعث يلتمس الصلح بينه وبين المسلمين من أهل الأندلس، واتفق الحال على عقد الصلح بينه وبينهم في هذه السنة إلى مدّة خمس سنين، وحصل لبعض الناس بل لعامّة أهل الأندلس بعض الطمأنينة، وأمِنوا شرّ صاحب قشتالة. وفيه أخذ الفرنج - في أثناء التكلّم في الصلح قبل أن يُعقد - حصناً للمسلمين بالأندلس (٤)، وكنت أعرف اسمه وإنّما أَنسيته الآن وأظنّه حصن لوشا (٥)، وما حرّرت ذلك إلى الآن لبُعد العهد بتلك البلاد. [طلوع والد المؤلف إلى السلطان] وفيه، في يوم الجمعة سلْخه، طلع الوالد إلى السلطان على عادته، فأنس به جدّاً، ثم قال له: ما سألتني حاجةً لنفسك قَطّ، وإنّما تسألني حوائج الناس. وكان الوالد قد سأله في أمر إرث المغاربة بدمشق بأن يُنفق فيهم لفقرائهم، فأجابه لذلك وقال له هذا القول عقيب ذلك، فانتهز الوالد -رحمه الله تعالى - الفرصة، فإنه كان دائماً يخطر بباله أن ينزل عمّا بيده من الإقطاع بدمشق باسم أولاده، فسأله في ذلك، فأجابه إلى سؤاله، وكتب له المنشور باسم أولاده، وهم: أمير حاج، وأحمد، وعبد الباسط، - وهو الفقير مسطّره - ومحمد وهو أخي أبو الفضل الماضي، ويوسف، وإبراهيم، وعبد الرحمن، والكل في قيد الحياة الآن ما

стр. 785

عدا إبراهيم. ثم لما جرى للوالد مع الظاهر هذا ما جرى وأمر بإخراجه إلى مكة المشرَّفة على ما سيأتي في متجدّدات سنة إحدى وسبعين أخرج هذا الإقطاع عنّا وتركنا بغير شيء، ثم قطع مرتّبنا على الذخيرة بالبيت المقدس، وللَّه الأمر. [جمادى الآخرة] [ورود قاصد صاحب تونس إلى تلمسان] وفيها، في أوائل جمادى الآخرة، ورد قاصد صاحب تونس عثمان إلى تلمسان لصاحبها، فأعاده سريعًا من غير جواب شافٍ عمّا جاء بسببه، من سؤاله عن نقضه الصلح، أو عن كونه لم يُعرف بما وقع عليه القرار بينهما. وكان ما سنذكره بعد ذلك (١). [وفاة ولد للسلطان خُشقدم] وفيه، في يوم السبت، تاسع عشره، مات للسلطان الظاهر خشقدم ولد ذَكَر، له دون السنتين. [وصول يَلَباي] وفيه -أعني هذا اليوم- وصل يَلَباي بمن معه. [وصول قاصد حسن الطويل ومعه مفاتيح كركر] وفيه، في يوم الإثنين، حادي عشرينه، وصل قاصد حسن الطويل، وعلى يده مفاتيح قلعة كركر للسلطان، من غير أن يسلّمها لأحدٍ من جهة السلطان، ومكاتبة بين الناس بأن حسن طلب في مقابلة تسليم قلعة كركر عشرة آلاف دينار وقلعة خَرْتَ برْت، ولعلّ ذلك كما أشيع، فإن الظاهر هذا تأثّر في هذه الأيام من حسن هذا غاية التأثير، وندم على ما صدر منه من موافقته ومصافاته، على أن قلعة خرْت برْت كانت بيد ملك أصلان بن دُلغادر نائب السلطان، وهو وحسن مُتعاديَيْن، فحار السلطان في أمره من هذه الحوادث (٢). ثم كان بعد ذلك ما سنذكره إن سمح لنا الدهر بمناسبة ذكره إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 786

[عزل القاضي الرهوني] وفيه، أعني هذا اليوم، عزل السلطان القاضي بدر الدين حسن الرهوني، أحد نواب الحكم المالكي، وكتب عليه قسامةَ أنه لا يتولّى الحكم في مدّة عُمُره، لكائنةٍ اتفقتْ غَضِب السلطان منها، وفعل ذلك، ثم عُزل مدّة من نوّاب في الحكم أيضًا (١). [الخلعة على منصوب الأستادّار] وفيه، في يوم الإثنين، ثامن عشرينه، خلع السلطان على منصور الأستادّار، لكونه غَلّق الجوامك، وشكره في الملأ العام، ثم كفّره بعد ذلك، بل قتله كما سيأتي ذلك في محلّه. [شهر رجب] وفيها استهلّ شهر رجب بالأحد. [الإشاعات بعزم ابن عثمان مهاجمة بلاد الفرنج من جهة المغرب] وفيه، في هذا اليوم أشيع بتلمسان أن ابن (٢) عثمان ملك الروم قد تهيّأ، وعزم على المشْي على بلاد الفرنج من جهة المغرب لإبادتهم، وزادت هذه الإشاعة وكثُرت في هذا الشهر بكثير من بلاد المغرب وبلاد الكفّار، حتى يقضي اللَّه، ذلك أن هذه الإشاعة دخل رعبها في قلوب الكثير من الفرنج النائيين عن بلاد ابن (٣) عثمان، حتى النائيين ببُعدٍ كبير عن بلاد ابن (٤) عثمان. (الزينة ودوران المحمل وما حدث من فساد) (٥) وفيه نودي بزينة القاهرة لدوران المحمل على العادة، فزُيّنت، ونشأ في هذه الزينة التشويش على الناس من الجُلبان الخُشقَدَمية، وأخذوا في التمرّد والتنمرُد، حتى زادوا بعد ذلك في الحدّ، كما سيأتي ذلك إن شاء اللَّه تعالى (٦). وفيه، في يوم الإثنين، ثالث عشره، أدير المحمل على العادة، لكنْ حصل من الجُلبان من الأحوال والأنكاد والتشاويش والتسلّط على الخلق ما لا عنه مزيد،

стр. 787

وقاسى الناس منهم أنواعًا من الشدائد، وصاروا يخطفون العمائم، وفعلوا أشياء لا تُحدّ ولا تُعدّ ولا تحلّ ولا تجوز من فسق وفساد وأذى، وبدأوا في هذه الأيام بشَيْل رؤوسهم (١) حتى كادوا بعد ذلك أن يبلغوا ما بلغ جُلبان الأشرف إينال، بل فعلوا أفعالًا مثل أفعال أولئك، لكنْ عاجَلَهم اللَّه تعالى بأخذ أستاذهم وموته قبل كمالة السنتين من بداية أمرهم وشرّهم، وإلّا كان الحال قد عظُم (٢). [قدوم قاصد صاحب تونس إلى تلمسان] وفيه، بعد نصفه، قدم إلى تِلمسان قاصد صاحب تونس أيضًا، وهو إنسان من عين جماعته، ومعه جماعة أُخَر بطلب جوابٍ شافٍ عن نقض ما كان اتفق الحال عليه، وعرض في مكاتبته بأنه ماش عليه وقاصده بعساكر عن قريب، ثم كان ما سنذكره (٣). [خلعة السفر على قاصد حسن الطويل] وفيه، في يوم الخميس سادس عشره، خلع السلطان على قاصد حسن الطويل، وبعث معه أشياء كثيرة من الهدايا المرسلة، طمعًا في تسليم قلعة كركر للسلطان خصوصًا، وقد ترادفت الأخبار بمشْي جهان شاه على حسن وثورانه به، متّفقًا هو وولده بير بُضاغ صاحب بغداد، وكان قد بلغ السلطان خبرهما على حسن، فعيّن أربعة من الأمراء مقدَّمين (٤) الألوف بسبب ذلك احتياطًا لأجل حفظ حلب. وكان ما سنذكره (٥). (كائنة نهب مصر العتيقة) (٦) وفيه، في يوم الخميس، ثاني عشرينه، كائنة نهْب مصر العتيق (٧) من جُلبان السلطان، بأنْ ثار منهم جماعة توجّهوا إلى مصر القديم (٨) غايرين عليها، فنهبوا الكثير من حاراتها وحوانيتها وأفحشوا في ذلك غاية الفحش. وكان السبب في ذلك أن جماعة من الجُلبان توجّهوا في أمس هذا اليوم إلى جهة جزيرة الصابوني، وخاضوا النيل إليها، وأراد بعضهم أخْذ شيء من القِثّاء

стр. 788

ببعض المقاثي (١) بالجزيرة المذكورة، فردّه بعض الحرّاس بالمقاثي (٢)، فوقع بينهما معارضة ومغايظة، وضرب المملوك الحارس، حتى يقال إنه مات من ذلك. ولما بلغ أهل الجزيرة ذلك ثاروا بأجمعهم ثورة رجلٍ واحد لما رأوا ما حلّ بصاحبهم، فتحاملوا على الفاعل لذلك، ووقع بينهم ضرب وخبْط، وثارت فتنة كبيرة، اتفق فيها فراغ أجل ذلك المملوك، فمات من ضربهم، فقامت قيامة المماليك الجُلبان لهذا الشأن، فقصدوا مصر بعد تحزّبهم في هذا اليوم، وفعلوا ما ذكرناه، وبلغ السلطان ذلك، فمال مع مماليكه، وراعى جانبهم، وأمر والي الشرطة أن يحصّل له من فعل ذلك، فغار الوالي على مصر، ثم أحضر ثلاثة نفر من أعراض الناس لا دخْل لهم في هذه الكائنة. وكان الذي قد قتل فرّ هاربًا من جهته لجهة البلاد القِبلية بالصعيد، فاختشى الوالي بأن يحضر لا بغير أحد معه، لا سيّما وقد أكّد عليه السلطان، فأخذ هؤلاء الثلاثة الأنفار وجدهم بالجزيرة وهم مظلومون، فأحضرهم إلى السلطان ليسدّ مخزومته معه، فلما (٣) وصل بهم لحضرة السلطان شهد جماعة بأن هؤلاء ليسوا من القاتلين ولا يقربون لهم، ولا كانوا في الثائرين فضلًا عن غير ذلك من القتل أو نحوه، فلم يلتفت السلطان لذلك، وأمر بالثلاثة فوُسّطوا في الحال بعد أن قطّع أيديهم. فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه، إنا للَّه. وحصل التأسّف الشديد من المسلمين على هؤلاء المساكين، وأُعيب ذلك على السلطان، لا سيما وقد قطع أيديهم. وكان ذلك في يوم السبت خامس عشرينه. ثم أخذ السلطان بعد ذلك في ردع الجُلبان وأمرهم بأن يردّوا ما نهبوه، وندب مملوكه خيربك الخازندار الذي وُلّي الدوادارية الكبرى، وتسلطن ليلة على ما سيأتي، بأن يتوجّه إلى مصر لعمل مصالح من نُهب منهم، ولم يحصّل لهم من ذلك الربع مما أُخذ لهم، وللَّه الأمر (٤). [سفر القصيري رسولًا لابن عثمان] وفيه، في يوم الإثنين، سابع عشرينه، خرج نور الدين علي القصيري الشريف (متوجّهًا) (٥) في الوسيلة لابن عثمان.

стр. 789

[سفر ابن رمضان إلى بندر جُدّة] وفيه سافر علي بن رمضان القبطي (١) إلى بندر جُدّة، متكلّمًا عليه بعناية أحمد بن العَيني وقيامه معه، بعد أن التزم بمالٍ كبير، قدّره على نفسه من هذه الجهة (٢). [وصول سيف جانبك نائب طرابلس] وفيه في يوم الخميس، سلْخه، قدم الحاجب الثاني بطرابلس -وأظنّه علي المعروف ببساط (٣) - وعلى يده سيف جانبك الناصري، وأخبر بموته (٤). [شهر شعبان] [نزول السلطان إلى مصر العتيقة لامتصاص غضب الناس] وفيها، في يوم الأحد، ثالث شهر شعبان، نزل السلطان من القلعة بغير قماش الموكب، وتوجّه إلى مصر العتيق (٥)، وهو يظنّ أن أهل مصر لا بدّ وأن يستغيثوا إليه، ويتشكّوا له ما وقع لهم وحصل عليهم، وقصد أنه إذا وقع منهم ذلك، فأخذ في تطييب خواطرهم، وأخمد ذلك في نزوله، وما نزل إلّا بسبب ذلك، وذلك لما كان من بعض الأمراء من أهل الجند، فإنه خوّفه من دعاء العامّة ومن ثورتهم، وأن ذلك مما لا يتلافى إلّا بتعبٍ كبير. فلما نزل بهذا القصد، واجتاز شوارع مصر، وجدها قد زُيّنت لمروره. ثم لما رأوه (٦) العوامّ ضجّوا بالدعاء له بالنصر، ولم يذكروا ولا الواحد من الكائنة، ولا ما وقع لهم، ولا تكلّم بكلمة واحدة في مثل ذلك، حتى حصل لذلك الأمير الذي خوّف السلطان من عواقب العوامّ غاية القهر. ثم عاد السلطان ودخل في عَوده لمنزل أحمد بن العَيني، سِبط زوجته الخوند شُكْرباي الأحمدية، وكان يسكن بدار نائب جُدّة،

стр. 790

فأضافه ضيافة هائلة من أنواع أصناف الحلوى والفواكه، وقدّم له عدّة من الخيول الخاص، ثم خرج من عنده فدخل إلى دار بُردُبك هجين، وهي قريبة من دار جانبك المذكور، فقدّم له بُردُبك ثمانية من الخيل، فقيل أخذها ثم خرج، واجتاز بقناطر السباع، وعطف على يُسرته من طريق قنطرة عمر شاه والمارستان العتيق، وسار إلى جهة قنطرة طُقُزدمُر، واجتازها إلى قنطرة سُنْقُر، فلما وصل إلى باب دار محمد بن أبي الفرج نقيب الجيش دخل إليه، فقبّل له الأرض، ثم حمل له من غده خمسمائة دينار. واعتذر بأنها ضيافة السلطان. ثم خرج السلطان من دار نقيب الجيش متوجّهًا إلى دار نانَق الظاهري شادّ الشراب خاناة التي بالقرب من المدابغ فدخلها ثم خرج منها فصعِد القلعة (١). [نيابة طرابلس] وفيه، في يوم الخميس سابعه استقرّ السلطان بالناصري محمد بن مبارك في نيابة طرابُلُس، نقلًا إليها من نيابة حماة. وكان محمد هذا لما مات جانبك نائب طرابلس بعث بالسعي في نيابته. يقال بمالٍ كثير بذله في ذلك، فأجيب إلى ذلك (٢). [تعيين سودون الأفرم مسفّرًا لنائب طرابلس] وفيه عيّن السلطان سودون الأفرم (٣) الظاهري الخازندار، بأن يكون مسفّرًا لمحمد بن مبارك بنيابة طرابلس، بنقله من حماة إليها، ويحمل إليه تقليده. (ولاية يشبُك البُجَاسي نيابة حماة) (٤) وفيه أيضًا استقر في نيابة حماة يشبُك البُجاسي (٥) أحد أمراء حلب، عوضًا

стр. 791

عن ابن (١) مبارك، وعيّن كُسْباي الشِّشْماني (٢) المؤيَّدي لحمل تقليده إليه (٣)، ثم وقع الصلح عن تسفير سودون الأفرم وكُسباي هذا، ولم يخرجا من القاهرة، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه، ذهب ناموس ملك مصر بذهاب القواعد الملوكية، فإن المقصود كان بالمسفّر إقامة الناموس بنقل المتولّي إلى ولايته مع قاصد السلطان الحامل إليه تقليد الولاية وتشريفها إلى أن يوصله لمحلّ ولايته. وأمّا ما يحصل له من المال فكان ضمنًا لا قصدًا، فانعكس الأمر، بل لم يصر العكس موصلًا للأمير الضمني أيضًا، فصار المقصد أخْذ المال للمسفّر، وبهذه الفعلة وأنظارها كاد مُلْك مصر أن يتلاشى، وبهذا وأنصاره طمع فيه الطامع. [توسيط السلطان لاثنين من الغلمان] وفيه، في يوم السبت تاسعه أمر السلطان بتوسيط اثنين (٤) من الغلمان، أحدهما بالخِيَميّين بالقرب من الجامع الأزهر، وكان هذا من غلمان بعض المماليك، فاتفق أنْ سكر هذا الغلام، فعربد على الناس، فأحضر لبعض القضاة فحدَّه، فتوجّه لأستاذه وأحضره، فحصل منه تشويش لأهل الجامعٍ الأزهر وغيرهم، وبلغ السلطان ذلك، فأحضرهما وضرب المملوك بين يديه ضربًا مبرحًا، وأمر بغلامه فوُّسّط. وأمّا الغلام الثاني فكان من كبار المفسدين الشِّرّيرين على ما قيل (٥). [ختان ولدي كاتب السرّ] وفيه، في يوم الأربعاء، تاسع عشره، كان ختان ولَدَي الزين ابن (٦) مزهر كاتب السرّ، وهما: بدر الدين الذي وُلّي فيما بعد نظارة الخاص، وهو المحتسب الآن. والآخر إبراهيم، وأحفل لختانهما غاية الاحتفال، وكان هائلًا وختانًا حافلًا ويومه يومًا مشهودًا (٧).

стр. 792

[لبْس السلطان القماش الأبيض] وفيه، في يوم الجمعة، ثاني عشرينه، ووافق رابع عشرين برمودة، لبس السلطان القماش (١) الأبيض. [عزل ابن الخيضري عن كتابة سرّ دمشق] وفيه كُتب بعزل ابن (٢) الخيضري عن كتابة سرّ دمشق، وأن يلزم داره ولا يكاتب أحدًا من المصريّين جملة كافية (٣). [تأثر السلطان من أخبار الحرب بين ابن عثمان وابن قرمان] وفيه، في أواخره ترادفت الأخبار بأن ابن (٤) عثمان بعث عساكره مع أحمد بن قرمان وإخوته لقتال أخيهم إسحاق الماضي خبر تملّكه بعد أبيه، فتأثّر السلطان لذلك غاية التأثّر (٥). [غضب السلطان على يشبك الساقي] وفيه، في يوم السبت ثالث عشرينه غضب السلطان على يشبُك الساقي (٦)، أحد أعيان خاصكيّته وسُقاته الخاص ومماليكه الأجلاب، فأمر بإخراجه إلى البلاد الشمالية (٧). [ختْم ولد خطيب وهران القرآن العظيم] وفيه عُملت وليمة عظيمة بمدينة واهران في منزل خطيبها لأجل ختم ولده القرآن العظيم، وحضرها جماعة من الأعيان بواهران، وأكل منها غالب أهل البلد. وحصل للشيخ عبد الرحمن بن عزّوز إمام زاوية إبراهيم التازي، وفقيه المكتب الذي أنشأه الشيخ المذكور، وهو فقيه هذا الولد الذي أحفظه القرآن، زيادة على المائة دينار ذهبًا، كل دينار زنة مثقال، وكان مهمًّا حافلًا في يوم مشهود بتلك البلدة.

стр. 793

[شهر رمضان] [تهنئة السلطان بالشهر] وفيها استهلّ شهر رمضان بالسبت بالرؤية، وهُنّيء السلطان به. [قراءة الحديث الشريف] وفيه، في يوم الأحد ثانيه قُرئ الحديث بالقصر (١). [اختفاء الأستادّار زين الدين] وفيه، في يوم الخميس سادسه، أمر السلطان بإخراج زين الدين الأستادّار إلى القدس، ولما استحسّ الزين بذلك اختفى، فلم يُعلم له خبر، ولا وُقف له على حال، ولا عُرف مكانه (٢). (إخراج الأتابك جَرِباش لدمياط) (٣) وفيه، في يوم الثلاثاء، ثامن عشره، أُخرج الأمير الكبير الأتابك جَرِباش المحمدي، الناصري، المعروف بكُرْد (٤)، إلى ثغر دمياط بطّالًا، وأُخرج ولده محمد معه، فأُركبا من داره الملاصقة لسيّدي خَلَف (٥) بقرب جامع أُلْماس، ومعه حاجب الحجّاب، والدوادار الثاني، والوالي، ونقيب الجيش، وتوجّه به إلى شاطئ النيل، فأُركب مركبًا وانحدر به، وكثُر أسف الناس عليه، وأقامت الخَوَند شقراء (٦)، ابنة الناصر فرج زوجته المَقْرأ في منزله، ودام جَرِباش هذا بدمياط، إلى أن كان من خبره بعد ذلك ما سنذكره (٧).

стр. 794

(ولاية قانَم التاجر الأتابكية) (١) وفيه، في يوم الخميس، العشرين منه، استقر في الأتابكية الأمير قانَمْ من صَفَر خُجا المؤيَّدي، المعروف بالتاجر (٢)، أمير مجلس، وعُزل عن أمير سلاح، وهو قَرْقَماس الجَلَب (٣) لأمرٍ ما، وخُلع على قانَم بذلك عِوَضًا عن جَرِباش الماضي ذِكره، وكانت (خلعةً) (٤) هائلة سنيّة، ونزل إلى داره في موكب حافل جدًّا، وهرع الناس إليه لتهنئته والسلام عليه (٥). [إمرة مجلس] وفيه، في يوم الإثنين، رابع عشرينه، استقرّ في إمرة مجلس عِوَضًا عن قانم المذكور تَمُربُغا الظاهري، نقلًا إليها من رأس نوبة النُوَب (٦). [رأس النوبة الكبرى] وفيه استقر في الرأس نوبة الكبرى أُزبَك من ططخ، حاجب الحجّاب، عِوضًا عن تمُربُغا المذكور، وخُلع عليه بذلك (٧). [حجوبية الحجّاب] وفيه أيضًا خُلع على جانبك الأشرفي قُلَقْسيز باستقرار حجوبية الحجّاب، عِوَضًا عن أُزبك المذكور (٨). [استقرار ابنُ العَيني في مقدَّمية الألوف] وفيه أيضًا استقرّ السلطان بالشهابيّ أحمد بن العَيْني في جملة مقدَّمين الألوف بمصر، على تقدمة قانَم التاجر، وهذا أول تقدمته (٩). وهو أولُ ولدِ فِقْهٍ يُقدَّم في مصر، وعُدّ ذلك من النوادر، بل أول من تخلّق

стр. 795

بأخلاق الفقهاء تقدّم بمصر، أو من الصوفية، فإنه كان من صوفية الأشرفية البَرْسْبائية، وبيده غير ذلك من وظائِف الفقهاء، وهؤلاء الأربعة الذين ذكرناهم آل أمرهم إلى عُلُوّ ورفعة، وبُعْد صِيت وسُمعة، فأحدهم وهو تَمُربُغا صار سلطانًا بعد ذلك، والآخران وهما أُزبَك وجانِبَك وُلِّيا الأتابكية ونيابة الشام، بل وترشّحا للسلطنة، وأحمد بن العَيني وُلّي الأميراخورية الكبرى، ثم إمرة مجلس، بل وترشّح لإمرة سلاح، بل وللسلطنة بعد موت خُشْقَدم، فلعلّ في ذلك ردّ على من يتشاءم باليوم الرابع والعشرين من الشهر. [خروج المؤلّف من وهران لتِلِمْسان] وفيه -أعني شهر رمضان هذا- خرجت متوجّهًا من واهران لتِلمسان، فدخلتها في اليوم السابع والعشرين منه، ونزلت بمنزل عبد الرحمن بن النجار صاحب الأشغال بها، بل مدبّر المملكة لسلطانها محمد بن أبي ثابت، وكان قد اختصّ به وقرّبه وأدناه في سلطنته دون كل أحد، وذكره له واطمأنّ إليه، ولم يكن للوزير ولا لغيره معه كلام، والأمر في مملكة تِلمسان والنَّهي إليه، فأنس بي هو وولداه (١) عبد اللَّه الأكبر، وعبد الواحد الأصغر، وكان عبد اللَّه نائبًا عن والده ومن الكتبة، وأمّا عبد الواحد فكان في هيئة الجند، ويركب وينزل مع السلطان، ولم يكن بعبد الرحمن هذا بأس بالنسبة لغيره، فإنه كان سَيوسًا عاقلًا، وكذا ولده عبد اللَّه، مع مَيله لطلب العلم، ومحبّة الفضل والفضيلة وأهل العلم، ذاكرًا للناس. فسألني عبد الرحمن في شيء من النظم في مدح صاحبه، أعني صاحب تِلمسان، يُلقيها عنده بالقصر في المجلس العام، في يوم عيد الفِطر، بحضرة قاصد صاحب تونس، فأجبته إلى ذلك بعد أن أكد عليّ فيه، وأن أعرّض فيه بأشياء ذكرها لي، فنظمت قصيدة نحو الأربعين بيتًا، جيّدة في معناها، وكتبت بها إليه، فلما وقف عليها دعاني إليه، ورفع من محلّي لديه، وشكري على ذلك، وكتب لي ظهيرًا بمسامحتي في كل ما أتصرّف فيه من نوع المتجر، وإنزالي بمكانٍ بواهران إلى حين سفري، ورتّب لي بها شيئًا، ما بين لحم ودقيق وعدس. وسألني عن مواضع في القصيدة أُشكلت عليه، فأجبته عنها، فأخذ في مباحثات في ذلك، فوجدته ممن يُنسَب للعلم والفضيلة التامّة، ومعرفة الأدب، ونقد الشِعر، ثم أمر بالقصيدة فكُتبت بخط أحد من يكتب الكتابة، الجيّدة بتلمسان، ثم أمر بأن يقرأها

стр. 796

عليّ إنسان من أهل تلمسان، ممن له حُسن صوت وطِيب نغمة ليصفصحها (١)، حتى ينشدها بين يديه في يوم العيد، بحضور قاصد صاحب تونس. وقد كانت هذه القصيدة مُثْبتة عندي، فلما أن تصوّفت غسلتها في جملة ما غسلت من شِعري والكثير من أوراقي وتعاليقي التي ندمت بعد ذلك على كثيرٍ منها، لِما كان بها من الفوائد، ولم يحضُرْني من تلك القصيدة الآن إلّا ذَين (٢) البيتين من مديحها، وهما: أعني المليكَ الذي شاعتْ مكارمُه … من آلِ زيّان أقيالٌ أماجيدُ هُمُ الملوكُ وأبناءُ الملوكِ ومَن … يقُل سوى ذا فذاك القولُ مردودُ [ختم البخاري بالقصر] وفيه في يوم الأربعاء، سادس عشرينه، خُتم البخاري بالقصر، وخُلع على القضاة والقارئ والمشايخ، ومن له عادة بذلك، وفُرّقت الصُرَر على العادة في ذلك. [خلعة النظر على البيمارستان] وفيه، في يوم الخميس، سابع عشرينه، خُلع على الأتابك قاتَم خلعة النظر على البيمارستان المنصوري (٣). [شهر شوال] [إنشاء قصيدة المؤلّف بقصر صاحب تلمسان] وفيها، في أول يوم من شوّال، عيّدنا الفِطر بتِلمسان، وبلّغني ابن (٤) النجّار أن القصيد قُرئت بحضرة السلطان صاحب تلمسان، مع حضور قاصد صاحب تونس، وسمعها هو والملأ العام ممّن حضر القصر عند السلطان، وأثنوا على قائلها، وانبسط لها السلطان، ووقعت منه الموقع، لا سيما وبها تعريض بصاحب تونس، فإنني كنت في نظمي لها صرّحت بأن محمدًا هذا أخذ تلمسان بشيعته، من غير قيام قائم معه في ذلك، حتى يكون له أيادٍ وفضل يوجب الإقامة بدعوته، ونحو ذلك من أشياء فيها التعريض الظاهر.

стр. 797

[التجريدة إلى جهة المنوفية والغربية] وفيه، في يوم الخميس، خامسه، خرجت تجريدة من القاهرة، عليها أُزبَك رأس نوبة النُوَب، ويشبُك الفقيه الدوادار الكبير، لجهة المنوفية والغربية، لإخراج العربان منها، لإفسادهم بها، وهم في هيئة الطائعين، والحال أنهم أنحس من العُصاة (١). [إحضار طائفة من عرب الجيزية إلى القاهرة] وفيه، في ليلة السبت، سادسه، خرج الوزير محمد البِبَائي، وتمُر الوالي، وخشكَلْدي البَيْسَقي، أحد الأمراء، ورؤوس (٢) النُوَب، فبيّتوا طائفة من عرب الجيزية المفسدين بها، وأحضروهم للقاهرة (٣). (كائنة قتل اليهود بفاس وذبح سلطانها عبد الحق المريني) (٤) وفيه، في حادي عشره، ورد الخبر من جهة مدينة فاس لتِلمسان، بقيام أهل فاس من السواد الأعظم على اليهود بفاس، وقتْلهم عن آخرهم، وأنه لم يخلُص منهم إلّا خمسة ذكور وست إناث، أو أقلّ من ذلك، وهم الذين اختفوا بحيث لم يُطَّلَع عليهم. وكانت كائنة عظيمة ومقتلة كبيرة، آل الأمر فيها إلى ذبح عبد الحق المَرِيني (٥) سلطان فاس وصاحب المغرب الأقصى، مع جلالة قدره وعِظَم شأنه ومملكته، وولي عِوَضه رجل من شرفاء فاس يقال له الشريف محمد بن عِمران (٦). وكان من خبر هذه الكائنة أن عبد الحق هذا أقام على مُلك فاس مدّةً تزيد على الثلاثين سنة، وكان مغلوبًا فيها مع بني وَطّاس الوزراء، وكان ذلك دأبُهم ببلاد المغرب وبفاس. وجرت العادة أن تكون الغلبة بها والأمر للوزراء، وهم مُلّاك العباد والبلاد، وإليهم الأمر والنهي، ولا يصدر شيء بهذه المملكة إلّا عن رأيهم وإنّما السلطان من بني مَرِين كالآلة معهم، مثل الخلفاء بمصر الآن مع السلاطين من التُرك، بل أولئك أقوى شوكةً من الخلفاء ها هنا. فلا زال عبد الحق

стр. 798

هذا يحتال بكل حيلة، ويتوسّل بكل وسيلة، حتى أباد بأخرة الكثير منهم، وقتل الوزير يحيى بن يحيى الماضي في محلّه، وشيء (١) من ذِكر عبد الحق في تراجم سنة ثلاثٍ وستين (٢)، وذبح معه ولد أبي (٣) حسّون الوزير قبله من بني حسّون أيضًا علي بن يوسف بن زيّان بن عمر الوطاسي، وتشتّت شمل بني وَطّاس بسبب ذلك، وغلب عبد الحق على الأمر، واستبدّ به، وأقام وزيرًا من بني وَطّاس ملائمًا لمُراده، ولم يُخَلِّ له كلمةً، بل صار في الوزارة كما كان عبد الحق قبل ذلك في السلطنة، لا ذِكر له ولا شُهرة، بل ولا اسم، وأقام شخصًا من يهود فاس، يقال له هارون بن طبش، كان صرّافًا، أو كالصيرفي عند الوزراء، فجعله كالنائب عن الوزير، واختصر الوزير، وقصد بذلك نكاية بني وَطّاس، بعد أن أباد جمعًا منهم، وحبس آخرين بمكناس، وأقام منهم هذا الوزير الذي لا ذِكر له، وكان اسمه أبو الحسن علي أيضًا، وكان أولًا قد غلب عليه بعض غَلَبَة، حتى آل أمره إلى الغلب، فَزَاوَاه عبد الحق بفاس في شبه الموكَّل به، ولم يمكِّنْه من الكلام في المملكة ( … ... ) (٤)، وفي غيره من الغائبين بالسجون، وآخرين تغلّبوا على بعض أعمال فاس من الفارّين ( … ... ) (٥) أقام اليهودي معرِّضًا بأنه كهُم في الاحتياج إليه، وبقي اليهوديّ هذا ( … ... … ... ) (٦) وزير غيره، وله التكلّم في الوزارة، وهو باقٍ على دينه، وذلك ( … ... … ... ) (٧) أبلغ في النكاية والإيذاء لبني وَطّاس، وأخذ عبد الحقّ هذا ( … ... ) (٨) اليهودي هذا. واختص به جدًّا، حتى صارت المملكة في يده، وعبد الحق به ( … ... … ) (٩) اليهودي أن يتجاوز حدّه، ولا يتعدّى طوره، على ما رغبه عبد الحق، وصار ( … ... … ... ) (١٠) الذين في مملكة فارس، مع تلبُّسه بدين اليهودية، وصار يخاطب ( … ... … ) (١١) فتطاولت اليهود في أيامه بناس، بل بسائر الأعمال منها، وصار ( … ... … ... … ) (١٢) وعبد الحق راضٍ بذلك، بل مسرورٌ به، منبسط له ( … ... … ) (١٣) السيف بالحمائل الحرير، المنقوش عليها كتابة آيتي الكرسي ( … ... ) (١٤) لا إله إلّا اللَّه محمد

стр. 799

رسول اللَّه، وكان يركب الخيول المسوّمة بشعار الوزراء ( … ... … ) (١) ويسلّم الجهلة بالوزارة، ويحضر مع السلطان في يوم الجمعة إلى الجامع، فينزله، ويقف هو على باب الجامع إلى دخول السلطان. وظهرت لهذا اللعين قبائح كثيرة وفضائح ومَظالم، وكثُر تسلط اليهود على المسلمين من أهل فاس بواسطته، فلم تحملهم العامّة، وأبغضوا عبدَ الحق بهذه الواسطة، وتمنّوا زواله. على أن بني وطّاس أيضًا كانوا كثيري المظالم على العباد، لكنْ أولئك وزراء مسلمين، بخلاف هذا اللعين الذي من غير الدين. ثم اتفق أنْ خرج عبد الحق في هذه السنة من فاس لبعض شؤونه (٢)، ومعه الوزير اليهودي، وقد أقام اليهوديُّ هذا متكلّمًا عنه بفاس، إنسانًا (٣) من اليهود أيضًا من أقاربه أو معارفه، يسمّى شاول بن بطش، وهو ملازم دار السلطنة بفاس الحرير، فاتفق أنْ طلب اليهودي هذا امرأة من شرفاء فاس لقضيّة من القضايا، وأغلظ عليها في الحَول بها، يقال إنه بهدلها بضربٍ أو نحوه، وبلغ ذلك خطيبَ فاس سيدي أبا (٤) عبد اللَّه محمد، وكان والمسلمون (٥) في قهرٍ عظيم من قضية اليهود، وظهورهم وتحكّمهم في المسلمين، وكان دائمًا يعرّض في خطبته في يوم الجمعة بجامع فاس الأعظم، الذي يقال له جامع القَرَويّين، بأمورٍ في حق اليهود، بل ويعرّض بتحريض العامّة، وتشجيعهم، عسى يقومون في هذه القضية للَّه تعالى، وعلَّهم يثوروا فيها، حتى شاع أمره، وذاع في ذلك. ولما وقعت هذه الكائنة من إحضار هذه الشريفة، بايع نفسه للَّه، فخرج من داره وهو رافعٌ صوته بأعلى ما تصل إليه قدرته في رفْعه في شوارع فاس وطُرقاتها، بقوله: من لم يقُم للَّه، فلا مروءة ولا دين له، ويعقب ذلك بقوله: الجهاد، الجهاد، وأمر من ينادي بذلك أيضًا في شوارع فاس، فتسامع العامّة بذلك، فثاروا معه في الحال، واجتمع عليه السواد الأعظم من كل فجٍّ عميق بفاس، وأخذوه قاصدين دارَ الشريف محمد بن عِمران، وهو مزوار الشرفاء بفاس، كنقيب الأشراف بهذه البلاد، ولكنْ مع حُرمة وافرة، وكلمة نافذة، وشهامة ظاهرة، فدخل إليه الخطيب واستشاره معه، فلم يُجبه، واعتذر إليه بأنه لا يُحسن القيام وحده، ولا ينهض بأعباء هذا الأمر مع وجود العلماء بفاس، وقبل أن يستفتوا عن هذه الكائنة، فبادروا إلى علماء فاس وجمعوهم، ومنهم، بل أجلّهم يومئذٍ عالمهم ومفتيها سيدي الشيخ

стр. 800

الإمام العالم، العلّامة أبو عبد اللَّه محمد القوري، فأحضروه ومن جمعوه إلى منزل السيد الشريف، فبدر الخطيب بأنْ قال لهم: جاهِدوا معنا واغْزوا، وأغزوا الإسلام، وتبعه العامّة على مقالته، ثم قالوا: وإن لم تُغزوا معنا وإلّا فأول ما نغزوا فيكم، لأنكم شرفاء وعلماء، وأنتم راضون بحكم اليهود عليكم، ثم نادوا: الجهاد الجهاد ثانيًا، وبالغوا في الحث على ذلك، وطلبوا من القوري أن يُفتيهم، فامتنعٍ من ذلك، واعتذر لهم بالخوف من الشوكة، فتكاثروا عليه، بعد أن كتبوا سؤالًا بواقعة الحال، وما يصدر من اليهودي، وكذا اليهود، وأن ذلك نقض العهد بعينه، بل هو فوقه، وسلّوا السيوف من أغمادها، وقالوا للقوري: نحن أيضًا أُولُوا شوكة وقوّة، قمنا للَّه وبايَعْنا بأنفُسنا، وهذا سؤال، نريد منك أن تُفْتينا فيه بحكم اللَّه تعالى، وإلّا أرَحْنا الدنيا منك، لا بل عالم لم تعمل بعلمك، إلى غير ذلك من كلمات نحو هذه الكلمات. فلم يَسَعْه إلّا كتابة خطّه بجواز قتل اليهود، ثم بجواز القيام عليهم، بل وعلى السلطان. وحين فرغ من خطّه بدروا إلى حارة اليهود، ووضعوا فيهم السيف، وقتلوا منهم ما شاء اللَّه أن يقتلوا، ولم يكفّوا عن أحدٍ منهم حتى أفنوهم عن آخرهم، بحيث أخْلوا الحارة منهم، وكان يومًا مشهودًا بفاس، وملحمة عظيمة، قُتل فيها جمع (١) كثير العدد من اليهود، ثم قصدوا دار السلطنة فهجموها، وقتلوا اليهوديّ الدي كان بها نائبًا عن الوزير، ثم أقاموا السيد الشريف محمد بن عِمران المذكور، وأنزلوه بالدار المذكورة، وأرادوا مبايعته، فأشار عليهم ذوو (٢) التجارب والحنكات من أرباب العقول وأهل البصائر بعدم الاستعجال في ذلك، حتى يظفروا بعبد الحق السلطان، وإلّا أعياهم أمره. ثم دبّروا بأن يكاتب الأعيان من أهل فاس والشريف لعبد الحق، الغائب عن فاس، فيذكرون له الكائنة، وقيام السواد الأعظم وثورانهم، ويعرّفونه أن دار السلطنة كانت آيلة إلى النهب والخراب، لولا تطمين خواطر السواد الأعظم، نجعل السيد الشريف فيها، وهو ينوب عنكم إلى حين حضوركم، وعمل مصالح المسلمين والسواد الأعظم، لا يخرج شيء عن أمركم، وبعثوا إليه بذلك وبنحو هذا من الكلمات. فحين بلغه ذلك أخذ في الحال في أسباب التهيّؤ (٣) للعود إلى فاس، فبدر إليه وزيره اليهوديّ وقال له: ليس عَودك بمصلحة، فإنّ هذا الذي كتبوه حيلة على مولانا، وإنْ رأى مولانا -نصره اللَّه- أن ينحاز إلى مدينة تازا أو غيرها من المدن حتى تنطفئ هذه الجمرة، ويقوى أمر مولانا، ثم يتوجّه إلى فاس، وهو

стр. 801

الأَوْلَى. وكان الرأي مع اليهودي، لكنْ إذا نزل القضاء عمي البصر، فنَهَرَه عبد الحق وقال له: هذا هو رأيك الفشيش أولًا وآخرًا، وهذا كلّه لأجلك، لا بُورك فيك. وكان إنسان (١) من بني مَرِين بهذا المجلس، ورأى السلطان قد حنق من اليهودي، فبدر إليه بحربةٍ معه طعنه بها بحضرة السلطان، فوقع ميتًا لوقته بين يدي عبد الحق، وقصد بذلك إرضاء أهل فاس إذا بلغهم ذلك. وأشار هذا الطاعن على عبد الحق في سرعة تدارك هذا الأمر، بعَوده إلى فاس، ووافقه على إشارته آخرون (٢) من خواصّ عبد الحق، وكان رأيًا فاسدًا، لغَلَبة القضاء والقدر، وفراغ أجل عبد الحق، وحضور مَنِيّته، فأخذ في ( … ... … ) (٣) سبق عساكره، ووصل إليها في قليل من العسكر، وأكثر عساكره أحسّوا بما ( … ... … ... ) (٤) في سيرهم خوفًا على أنفسهم من السواد الأعظم (٥). ولما بلغ أهل فاس أن عبد الحق [قام إليهم] (٦) خرج السواد الأعظم إليه، وهم مُظهرون أنهم خرجوا لملاقاته [ومنهم] (٧) الطائفة، الذين يقال لهم الوكسارة، وهم نحو الزُعر بهذه البلاد، فساعة [رأوه وهو في] (٨) الطريق ثاروا به ونادوا: الجهاد الجهاد فيما بينهم، وحين تسامع من كان [معه من جماعة] (٩) العسكر بذلك انفلّوا عنه وفرّوا، وأُخِذ هو باليد، وأنزِل من على فرسه ( … ... … ... … ) (١٠) وباشر يحاكي بمجزرة كما يُفعل بالغنم، وذُبح صبرًا في وقته، وذلك في الثاني والعشرين من شهر رمضان من هذه السنة، وقتلوا الكثير من عساكره [وبعد ذلك عاد الجميع] (١١) إلى فاس، فبايعوا السيد الشريف محمد بن عِمران، وعقدوا له البيعة، وملّكوه عليهم. [فلما بلغ] (١٢) بني وطّاس ذلك أرادوا الرجوع إلى فاس ودخولها، فلم يمكنهم [دخول] فاس [بعد] ذلك، وحسُن ببال الشريف بقاؤه بالمُلك، وجمع

стр. 802

له جموعًا من غير طائفتي [بني مَرِين] (١) الملوك [و] من بني وطّاس الوزراء. واختلفت الكلمة بين أهل فاس وخارجها. ثم شاع [في البلاد] النائية عن فاس بهذه الكائنة، فثاروا بيهود البلدان، وفعلوا بهم نحو فِعل أهل فاس بيهودها، وكانت كائنة عظيمة على اليهود، لعلّها لم تقع لهم قبل ذلك نظيرها، وفني منهم ما شاء اللَّه تعالى. ووقع بعد ذلك بفاس وأعمالها خُطوب، وحروب، وفِتَن، وأهوال، وفساد عظيم، وخراب بلاد، وهلاك عباد (٢). [استيلاء الفرنج على طنجة وأصيلا] وأخذت الفرنج في تلك الفترات عدّة مدن من برّ العُدْوة، منها طَنْجة، وأصيلا، وغير ذلك. [عودة بني وطاس لمُلك فاس] ثم آل الأمر بعد ذلك أيضًا إلى أنْ مَلَك بنو (٣) وطاس فاس، وأخرجوا السيد الشريف محمد بن عِمران منها بعد مدّة سنين، نحو الأربع (٤) وكان الشريف هذا بفاس لا يملك إلّا داخلها فقط، ولا حكم له على ما عداها من البلاد خارجها، والأعمال كلّها بيد بني وطاس، وهم أيضًا على قسمين مختلفين، وعُربان الخليط مع قسم، والشاوية مع قسم آخر، فوقع الاتفاق فيما بين القسمين على أخْذ الشريف، فأخذوه ولم يقتلوه، وإنّما أمروه بالمُضِيّ إلى حيث شاء رعاية لشرفه، ثم تعادت الطائفتان (٥) من بني وطاس، وأخرجت إحداهما الآخرى، وتقاتلوا فيما بينهم. ولا زالت الفِتَن والشرور قائمة مستصحبة بتلك البلاد مدّة سنين، بل إلى يومنا هذا، ولعلّنا ننبّه على هذه الحوادث في متجدّدات سِنِيّ ما بعد الخمس والستين (٦) وثمانمائة إن شاء اللَّه تعالى، فإنها مُحال وقوعها. وبالجملة فكانت هذه الكائنة من أعظم الكائنات.

стр. 803

[إنفعال صاحب تلمسان لقتل عبد الحق] ولما بلغ صاحب تلمسان ما وقع لعبد الحق وقتْله على ذلك الوجه المشروح، حصل عنده بذلك الباعث، لِما كان بينه وبين عبد الحق من المواددة وإظهار الصُحبة، وأنه معه فيما عساه يَدهمه، وكان يظنّ أنه ينجده على صاحب تونس. فلما بلغه ما حلّ به انفعل لذلك. [عُدول المؤلّف عن التوجّه إلى فاس] ولقد كنت في عَودي لتلمسان هذه المرة عزمت على التوجّه منها لجهة فاس لأراها، فلما بلغني ما وقع بها من هذه الفِتن والخطوب، فَتَر عزمي عن ذلك، فعدت إلى واهران بشيء، فسوّقته من تِلمسان لأجل بيعه بالأندلس، وعزمت على التعدية والجواز من برّ العَدْوَة لبرّ الأندلس، وكان لي ما سأذكره في التي تليها إن شاء اللَّه تعالى. [خروج الحاج من القاهرة] وفيه، في يوم الإثنين سابع عشره، خرج الحاج من القاهرة، وأميرهم على المحمل جانبك قلقسيز الأشرفي حاجب الحجّاب، وبالأول خُشْكَلدي القوامي المؤيَّدي. وتوجّه للحج في هذه السنة قانِبَك المحمودي أحد مقدَّمين (١) الألوف (٢). [التجريدة إلى عربان لَبيد بالبحيرة] وفيه عيّن السلطان تجريدة للخروج بجهة البحيرة لأجل عربان، لَبِيد، لما ورد الخبر بنزولهم بها (٣). [تفقّد مقياس النيل] وفيه، في يوم الأربعاء خامس عشرينه، الموافق لسادس عشرين بؤونة (٤) أيضًا تفقد ابن (٥) أبي الرذّاذ أمين المقياس القاعدة، فأخذه قاع النيل المبارك بشّر

стр. 804

بأنها جاءت سبعة أذرُع سواء. ثم أصبح من غده فنودي بزيادة البحر، ومع ذلك فكانت الغِلال مرتفعة الأسعار في هذه السنة. [خروج التجريدة إلى البُحيرة] وفيه، في سلْخه، خرجت التجريدة المعيّنة للبحيرة وعليها تمربُغا أمير مجلس، وجانبك الناصري المرتدّ، ومُغلباي طاز، وهما من مقدَّمين (١) الألوف، وعدّة من الأمراء الطبلخاناة والعشرات (٢). [شهر ذي القعدة] [خروج قاصد صاحب تونس من تلمسان] وفيها، في أوائل ذي القعدة، خرج قاصد صاحب تونس من تلمسان عائدًا لمرسله، وأعقبه صاحب تلمسان بعد أيام ببعث القاضي محمد بن العقباني (٣) قاضي الجماعة بتلمسان رسولًا إلى صاحب تونس، وخرج في عاشر هذا الشهر، فيما أظنّ، متوجّهًا لصاحب تونس بمكاتبته من مرسله إليه، وكان له ولمرسله وصاحب تونس ما سنذكر في سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، الآتية بعد التي تليها إن شاء اللَّه تعالى (٤). (تسليم حسن قلعة كركر لإينال الأشقر) (٥) وفيه، في يوم الثلاثاء خامس عشره، ورد الخبر من حلب بأن أتابكها إينال الأشقر توجّه منها إلى آمِد، حسْب ما أمره به السلطان، قيل ذلك حتى اجتمع بصاحب آمِد حسن بن قرايُلُك بسبب تسليم قلعة كركر، وأن حسن لما ورد عليه إينال المذكور أكرمه جدًّا، ثم سلّمه القلعة المذكورة، ثم أسلمها إينال لعثمان بن أُغْلُ بَك (٦) الحلبي، حسْب ما كان رسم به السلطان وعيّنه لذلك (٧).

стр. 805

(أخْذ ابن (١) عثمان بلاد ابن (٢) قرمان) (٣) وفيه، أعني هذا الشهر، في هذه الأيام، صحّ عند السلطان أن عساكر ابن (٤) عثمان قد وصلت لبلاد ابن (٥) قَرَمان مع بني قَرَمان الذين خالفوا إسحاق أخاهم، ونزحوا عنه إلى ابن (٦) عثمان على ما أسلفنا ذلك، وأنهم ملكوا بلاد ابن (٧) قرمان، وأخرج إسحاق منها، وفرّ منهزمًا إلى جهة ديار بكر، وأن أحمد بن قَرَمان ولي المُلك بنجدة ابن (٨) عثمان، وكان من أمرهم بعد ذلك ما سنذكره (٩). (كائنة ملك أصلان بن دُلغادر مع حسن الطويل) (١٠) وفيه، في يوم السبت سادس عشرينه، ورد الخبر من (حلب بأن) (١١) حسن الطويل نزل بعساكره على خَرت بِرْت، وهو يحاصرها ليأخذها من ملك أصلان بن دُلغادر (١٢)، وذلك لِما قد أسلفناه من أن حسن كان بعث بطلبها، في مقابلة تسليمه قلعة كركر، وأن السلطان اعتذر إليه بأنها مضافة لابن دُلغادر المذكور، وفي إخراجها عنه تكدير لخاطره وتشويش عليه. ثم إن السلطان أراد عمل المصلحة من الجهتين، خوفًا من مثل هذه الكائنة، فبعث إلى حلب فأخرج بعض معاديها بمشترى من بيت المال، وأضيفت هذه البندر إلى حسن، وهي التي دامت بيده مدّة حتى يملك العراقين، وكان منه ما يؤذن بانعزاله على هذه المملكة بعد الخمس والسبعين (١٣). فأخرجها الأشرف قايتباي سلطان العصر عنه، على ما سيأتي بيان ذلك في محلّه. وكان الظاهر خُشقَدم لما فعل ذلك، أسكت به حسن، مع ما بعث به إليه من الهدايا الجليلة، وخمسة آلاف دينار من الذهب النقد العين، إلى غير ذلك من الأشياء، بحيث أرضاه. ثم تغيّر خاطر السلطان على ملك أصلان، وكان ذلك التغيّر سببًا لفسادٍ كبير

стр. 806

لم تزل شرارة عمالته إلى يومنا هذا، فإنه لما تحرّك ابن (١) عثمان لجهة هذه البلاد، وبعث عساكره نجدة لابن قَرَمان، نقل للسلطان أن ملك أصلان هذا مُباطنه ومُمالئه على مصر، ولعلّ ذلك لم يكن كذلك، وإنّما كان الظاهر كثير التوهّمات، من مثل هذه الأمور. وكان ملك أصلان فطن بتغيّر خاطر خُشْقَدم عليه، فأرسل إليه يعتذر له بأنه إنما يداهن ابن (٢) عثمان ويصانعه خوفًا منه على بلاده، فإنها متاخمة لبلاده وقربه لها، وجعل السلطان كأنه قبل عُذره ظاهرًا، وفي الباطن خلافه ( … ) (٣) حسن جملة ذلك، فانتهز الفرصة ونازل خَرْت بِرْت بعساكره، حتى أخذها من ( … ... ) (٤) بهذه المندوحة (٥). [الحرب بين خشقدم الزيني وعرب قطّاب والهوادجة] وفيه، أعني هذا الشهر، جرت حرب عظيمة بين خُشَقْدَم الزيني كاشف البُحَيرة، وبين عرب قطّاب والهوادجة (٦) بخارج دمنهور، والتقى (٧) خُشقدم بالطائفتين، فقتل منهما خلقًا لا يُعدّون، فيقال بلغ عدّة من قتل منهما فكانت ثلاثمائة، ويقال: خمسمائة (٨). [الحرب بين هوّارة وعربان الوجه البحري] وفيه كانت حرب أيضًا بين هوّارة وعربان الوجه البحري من الوجه القِبلي، وفيهم عرك، وقتيل، وفزارة، وجماعة محارب، اتفق الكل على هوّارة وتحاربوا، فكانت بينهم مقتلة عظيمة، قُتل فيها زيادة على الخمسمائة، ويقال نحو الألف، واللَّه أعلم. وكانت الفِتَن الهائلة (٩). [شهر ذي الحجّة] [عيد النحر بالقاهرة ووهران] وفيها استهلّ ذو (١٠) الحجّة بالخميس، وهُنّيء السلطان بالشهر.

стр. 807

وفيه كان عيد النحر بالقاهرة بالسبت، وكان عندنا بواهران بالجمعة، وخرجنا لمُصلّى واهران بظاهرها، وكانت الأضحية بها في غاية الرخاء، فأبيع بها كل أربعة من جياد الغنم بدينار. [وفاء النيل] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثالث عشره، بالقاهرة، ووافق أيضًا ثلاثة عشر (١) مِسْرَى، من شهور القبط، كان وفاء النيل المبارك، ونزل السلطان لتخليق المقياس بموكبٍ حافل، علىٍ ما قدّمناه في الخالية، فخلّق المقياس، وعاد ففتح السدّ بين يديه، وركب صاعدًا القلعة على الهيئة الماضية في الخالية، وكان لنزوله يومًا مشهودًا (٢). [وفاة المستعين باللَّه صاحب غَرناطة] وفيه، في هذه الأيام ورد الخبر لواهران بموت المستعين باللَّه سعد بن الأحمر (٣) صاحب غرناطة، الماضي شيء (٤) من ذِكره مع ولده، وأنه مات بالمدينة بعد أن تمرّض أيامًا، واستبدّ حينئذٍ ولده بالمُلك زيادة استبداد. [بشارة الحاج] وفيه ورد مبشّر الحاج، وأخبر بالأمن والسلامة. [تعطّل أحوال الناس بسبب الفلوس العُتق] وفيه، في يوم السبت، رابع عشرينه، نودي على الفلوس العُتْق، كل رِطلٍ بثلاثين درهم نُقرة. والجُدُد كل أربعة بالعدد بدرهم نُقرة، فحصل على الناس بواسطة هذه المناداة التشويش البالغ، والنكد الذي ما عنه مزيد، ووقفت أحوالهم وتعطّلت، ثم أصبح من الغد فنودي بإبطال ما كان قد نودي بالأمس، وعاد كل شيء لأصله. واستمر الحال على ما كان عليه أولاً (٥).

стр. 808

[ملخّص حوادث السنة] وخرجت هذه السنة على ما بيّنّاه من الفِتَن والشرور العامّة، بكثيرٍ من الأقاليم والممالك الإسلامية، بل والكُفرية، على ما عرفت ذلك. فيما بين ابن (١) عثمان وابن (٢) قَرَمَان. وبين صاحب مصر وأولئك باطنًا. وبينه وبين حسن الطويل وبين ابن (٣) دُلغادر، وبين حسن. وبين صاحب تونس المغرب وصاحب تِلِمْسان. وبين الأب وابنه بالأندلس. والفتنة العظمى بفاس، وبين ملك قشْتالة وبعض ملوك الكفّار. وبين جهان شاه وولده مع المشعشع. إلى غير ذلك من فِتَن وفساد، وهلاك عباد وخراب بلاد. هذا ما بلَغَنَا، وما لا فلعلّه أكثر، وبالله المستعان على فساد الزمان وطمع السلطان. وكانت جُلبان (٤) الظاهر خُشْقَدم قد تنمردوا أيضًا، بل وتمرّضوا، وأخذوا في أذى الخلق، والله تعالى فعّالٌ لِما يريد.

стр. 809

ذِكر نُبذٍ من تراجم الأعيان ووَفَياتهم في هذا الزمان [سنة ٨٦٩ هـ .] ٢٥٩ - أحمد بن محمد بن علي بن طُرُنطاي (١). الأمير الوجيه الرئيس، شهاب الدين المنكلي، الخطائي، التركيّ الأصل، القاهري، المهمندار، المعروف بابن الخطائي. وهو طُرُنطاي المنكلي الخطائي جدّ أبيه. ولد الشهاب هذا بالقاهرة فى سنة (. . .) (٢). وبها نشأ في وجاهة وعزّة، وصاهر الخليفة المتوكل على الله محمد، أمير المؤمنين، على ابنته الست مريم (٣)، أخت الخليفة المعتضد بالله، واستولدها ولَدَها محمد الماضي في محلّه. وكان قد ضخُم وعظُم ورَأَس، ووُلّي المهمندارية فباشرها مباشرةً حسنة، وكان له ذِكر وصيت وشهرة وبعد ( … ) (٤)، ولا زال وجيهًا حتى بَغَتَه الأجل. وكان حَسَن الهيئة والملتقَى، كثير الحشمة والأدب، ذا ثروة ظاهرة وكرم نفْس وسخاء، وكان لا بأس به في سيرته، مع بعض إسرافٍ على نفسه. وهو ثقة على ما نُقل لي عنه. توفي في سابع عشر شوال. وأُخرجت جنازته حافلة (٥).

стр. 810

٢٦٠ - أحمد المَنَسْتيري (١)، المغربي، التونسي. العلّامة، أبو العباس المالكي، أحد علماء تونس وأئمّة النحو بها. كان إمامًا بارعًا، عارفًا بكتاب سِيبويه غاية المعرفة، وله في النحو الأنظار الدقيقة. أخذ عنه جمع جمّ (٢) من علماء تونس وأفاضلها، ممن انتهت إليهم الرياسة، وهو بقيد الحياة بها. أدرك ابن (٣) عَرَفة وأخذ عنه، وعن جماعة من أكابر العلماء بتلك البلاد. رأيته بتونس، واستفدت من فوائده وجالسته، وكان يأنس إليّ ويرتاح لأخبار بلادنا وأنا بتونس. وتوفي بعد ذلك فيما بلغني أنها كانت في هذه السنة، على شكٍ عندي في ذلك. وكان سنّه يوم مات نحو المائة، أو أكملها، أو جاوزها، والله أعلم. ٢٦١ - أصيل (٤) ابنة يشبُك طَطَر الجركسيّة. أخت الخَوَند جُلُبّان (٥)، زوجة الأشرف بَرْسْباي، أم العزيز يوسف، الماضية في ترجمة ولدها يوسف في التي قبلها جهة الوالد، أعني أصيل هذه. ولدت ببلاد الجركس، وما مسّها الرِق، وإنّما أُحضِرت من بلادها مع عدّة من أقاربها، على ما ذكرناه فيما أسلفناه. وكان والدها أيضًا قد أُحضر قبل ذلك. كل ذلك بعناية أختها الخَوَنْد جُلُبّان (٦) المذكورة، وأُحضِرت وهي كبيرة بالغة، فأُزوجت للأمير تَنِبَك، ( … ) (٧) ومات عنها بآمِد في سنة ست وثلاثين وثمانمائة حين توجّه الأشرف
следующие страницы →