← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

لم تزل شرارة عمالته إلى يومنا هذا، فإنه لما تحرّك ابن (١) عثمان لجهة هذه البلاد، وبعث عساكره نجدة لابن قَرَمان، نقل للسلطان أن ملك أصلان هذا مُباطنه ومُمالئه على مصر، ولعلّ ذلك لم يكن كذلك، وإنّما كان الظاهر كثير التوهّمات، من مثل هذه الأمور. وكان ملك أصلان فطن بتغيّر خاطر خُشْقَدم عليه، فأرسل إليه يعتذر له بأنه إنما يداهن ابن (٢) عثمان ويصانعه خوفًا منه على بلاده، فإنها متاخمة لبلاده وقربه لها، وجعل السلطان كأنه قبل عُذره ظاهرًا، وفي الباطن خلافه ( … ) (٣) حسن جملة ذلك، فانتهز الفرصة ونازل خَرْت بِرْت بعساكره، حتى أخذها من ( … ... ) (٤) بهذه المندوحة (٥). [الحرب بين خشقدم الزيني وعرب قطّاب والهوادجة] وفيه، أعني هذا الشهر، جرت حرب عظيمة بين خُشَقْدَم الزيني كاشف البُحَيرة، وبين عرب قطّاب والهوادجة (٦) بخارج دمنهور، والتقى (٧) خُشقدم بالطائفتين، فقتل منهما خلقًا لا يُعدّون، فيقال بلغ عدّة من قتل منهما فكانت ثلاثمائة، ويقال: خمسمائة (٨). [الحرب بين هوّارة وعربان الوجه البحري] وفيه كانت حرب أيضًا بين هوّارة وعربان الوجه البحري من الوجه القِبلي، وفيهم عرك، وقتيل، وفزارة، وجماعة محارب، اتفق الكل على هوّارة وتحاربوا، فكانت بينهم مقتلة عظيمة، قُتل فيها زيادة على الخمسمائة، ويقال نحو الألف، واللَّه أعلم. وكانت الفِتَن الهائلة (٩). [شهر ذي الحجّة] [عيد النحر بالقاهرة ووهران] وفيها استهلّ ذو (١٠) الحجّة بالخميس، وهُنّيء السلطان بالشهر.

стр. 807

وفيه كان عيد النحر بالقاهرة بالسبت، وكان عندنا بواهران بالجمعة، وخرجنا لمُصلّى واهران بظاهرها، وكانت الأضحية بها في غاية الرخاء، فأبيع بها كل أربعة من جياد الغنم بدينار. [وفاء النيل] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثالث عشره، بالقاهرة، ووافق أيضًا ثلاثة عشر (١) مِسْرَى، من شهور القبط، كان وفاء النيل المبارك، ونزل السلطان لتخليق المقياس بموكبٍ حافل، علىٍ ما قدّمناه في الخالية، فخلّق المقياس، وعاد ففتح السدّ بين يديه، وركب صاعدًا القلعة على الهيئة الماضية في الخالية، وكان لنزوله يومًا مشهودًا (٢). [وفاة المستعين باللَّه صاحب غَرناطة] وفيه، في هذه الأيام ورد الخبر لواهران بموت المستعين باللَّه سعد بن الأحمر (٣) صاحب غرناطة، الماضي شيء (٤) من ذِكره مع ولده، وأنه مات بالمدينة بعد أن تمرّض أيامًا، واستبدّ حينئذٍ ولده بالمُلك زيادة استبداد. [بشارة الحاج] وفيه ورد مبشّر الحاج، وأخبر بالأمن والسلامة. [تعطّل أحوال الناس بسبب الفلوس العُتق] وفيه، في يوم السبت، رابع عشرينه، نودي على الفلوس العُتْق، كل رِطلٍ بثلاثين درهم نُقرة. والجُدُد كل أربعة بالعدد بدرهم نُقرة، فحصل على الناس بواسطة هذه المناداة التشويش البالغ، والنكد الذي ما عنه مزيد، ووقفت أحوالهم وتعطّلت، ثم أصبح من الغد فنودي بإبطال ما كان قد نودي بالأمس، وعاد كل شيء لأصله. واستمر الحال على ما كان عليه أولاً (٥).

стр. 808

[ملخّص حوادث السنة] وخرجت هذه السنة على ما بيّنّاه من الفِتَن والشرور العامّة، بكثيرٍ من الأقاليم والممالك الإسلامية، بل والكُفرية، على ما عرفت ذلك. فيما بين ابن (١) عثمان وابن (٢) قَرَمَان. وبين صاحب مصر وأولئك باطنًا. وبينه وبين حسن الطويل وبين ابن (٣) دُلغادر، وبين حسن. وبين صاحب تونس المغرب وصاحب تِلِمْسان. وبين الأب وابنه بالأندلس. والفتنة العظمى بفاس، وبين ملك قشْتالة وبعض ملوك الكفّار. وبين جهان شاه وولده مع المشعشع. إلى غير ذلك من فِتَن وفساد، وهلاك عباد وخراب بلاد. هذا ما بلَغَنَا، وما لا فلعلّه أكثر، وبالله المستعان على فساد الزمان وطمع السلطان. وكانت جُلبان (٤) الظاهر خُشْقَدم قد تنمردوا أيضًا، بل وتمرّضوا، وأخذوا في أذى الخلق، والله تعالى فعّالٌ لِما يريد.

стр. 809

ذِكر نُبذٍ من تراجم الأعيان ووَفَياتهم في هذا الزمان [سنة ٨٦٩ هـ .] ٢٥٩ - أحمد بن محمد بن علي بن طُرُنطاي (١). الأمير الوجيه الرئيس، شهاب الدين المنكلي، الخطائي، التركيّ الأصل، القاهري، المهمندار، المعروف بابن الخطائي. وهو طُرُنطاي المنكلي الخطائي جدّ أبيه. ولد الشهاب هذا بالقاهرة فى سنة (. . .) (٢). وبها نشأ في وجاهة وعزّة، وصاهر الخليفة المتوكل على الله محمد، أمير المؤمنين، على ابنته الست مريم (٣)، أخت الخليفة المعتضد بالله، واستولدها ولَدَها محمد الماضي في محلّه. وكان قد ضخُم وعظُم ورَأَس، ووُلّي المهمندارية فباشرها مباشرةً حسنة، وكان له ذِكر وصيت وشهرة وبعد ( … ) (٤)، ولا زال وجيهًا حتى بَغَتَه الأجل. وكان حَسَن الهيئة والملتقَى، كثير الحشمة والأدب، ذا ثروة ظاهرة وكرم نفْس وسخاء، وكان لا بأس به في سيرته، مع بعض إسرافٍ على نفسه. وهو ثقة على ما نُقل لي عنه. توفي في سابع عشر شوال. وأُخرجت جنازته حافلة (٥).

стр. 810

٢٦٠ - أحمد المَنَسْتيري (١)، المغربي، التونسي. العلّامة، أبو العباس المالكي، أحد علماء تونس وأئمّة النحو بها. كان إمامًا بارعًا، عارفًا بكتاب سِيبويه غاية المعرفة، وله في النحو الأنظار الدقيقة. أخذ عنه جمع جمّ (٢) من علماء تونس وأفاضلها، ممن انتهت إليهم الرياسة، وهو بقيد الحياة بها. أدرك ابن (٣) عَرَفة وأخذ عنه، وعن جماعة من أكابر العلماء بتلك البلاد. رأيته بتونس، واستفدت من فوائده وجالسته، وكان يأنس إليّ ويرتاح لأخبار بلادنا وأنا بتونس. وتوفي بعد ذلك فيما بلغني أنها كانت في هذه السنة، على شكٍ عندي في ذلك. وكان سنّه يوم مات نحو المائة، أو أكملها، أو جاوزها، والله أعلم. ٢٦١ - أصيل (٤) ابنة يشبُك طَطَر الجركسيّة. أخت الخَوَند جُلُبّان (٥)، زوجة الأشرف بَرْسْباي، أم العزيز يوسف، الماضية في ترجمة ولدها يوسف في التي قبلها جهة الوالد، أعني أصيل هذه. ولدت ببلاد الجركس، وما مسّها الرِق، وإنّما أُحضِرت من بلادها مع عدّة من أقاربها، على ما ذكرناه فيما أسلفناه. وكان والدها أيضًا قد أُحضر قبل ذلك. كل ذلك بعناية أختها الخَوَنْد جُلُبّان (٦) المذكورة، وأُحضِرت وهي كبيرة بالغة، فأُزوجت للأمير تَنِبَك، ( … ) (٧) ومات عنها بآمِد في سنة ست وثلاثين وثمانمائة حين توجّه الأشرف

стр. 811

إليها، ثم اتصلت بالوالد وهو على نيابة الإسكندرية في سنة سبع أو ثمانٍ وثلاثين، ولم يخطبها ولا كانت بباله، بل بعثت إليه أختَها الخَوَنْد جُلُبّان تخطبه لها، فأجابها إلى ذلك، وأمهرها ألف دينار، وحُملت إليه إلى ثغر الإسكندرية وأسكنها بدار السلطان بها، ونقل المُفترج والحلقية إلى تجاه رحبة الدار المذكورة، وكان لدخولها إلى الإسكندرية يومًا مشهودًا، وكذا ليلة بنائه بها كانت ليلة مشهودة تُذكر بالإسكندرية إلى يومنا هذا، ولم تزل في صحبة الوالد، ورأت معه عدّة بلاد في حين تنقّلاته في الولايات، كالكرَك، ومَلَطْية، ودمشق، وحصل بينه وبينها مرة منافرة ومفارقة، ثم أعادها إلى عصمته. وكان أجَلُها وهي تحته. وكانت خيّرة ديّنة، ذات مال طائل وأملاك، من ذلك القاعة العظمى بالبُندقانيّين، التي بها الآن بركات بن الجيعان، والبهاء أبو البقاء أخوه (١)، وهي من أوقافها على مصالح وجهات بِرّ وخير، ولها عليّ حق التربية. توفيت في هذه السنة وأنا غائب بالمغرب، ولم أحرّر شهر وفاتها. وكانت قد جاوزت الستين. ٢٦٢ - بُدَيْد (٢) بن شُكر الحَسَنيَ المكّي. وزير السيد الشريف محمد بن بركات أمير، مكة المشرّفة وصاحبها. كان من أكابر الشيوخ ذوي الوجاهات، ومن بقيّة الناس، محمود السيرة. ولي الوزارة لمحمد بن بركات المذكور، وكان حسن السفارة بين أستاذه والناس، وكان مرجع دار النفقات، وإليه غالب المهمّات، وكان مقصدًا للخير. وكان والده شُكْر من عسكر الحَسَن بن عجْلان (٣)، وإليه نُسب بالحَسَني.

стр. 812

توفي في ليلة السبت سابع جماد الأول بوادي الآثار (١) خارج مكة، وحُمل منها إلى مكة على الرقاب، في بقيّة ليلته، حتى أصبح بمكة، فأُدخِل به إلى الدار التي أنشأها أستاذه محمد بن بركات (٢) بمكة، فغُسّل بها وجُهّز وكُفّن، وأُخرجت جنازته حافلة جدًّا، وحضرها السيد محمد (٣) المذكور، ومشى أمام نعشه، وصلّى عليه بعد صلاة الصبح بالمسجد [الحرام] (٤)، ودُفن بالمعلّاة، وتأسّف الناس على فَقْده لخيره وجودته. واسمه بالباء الموحّدة المضمومة، وبعدها دال مهملة مفتوحة، ثم باء آخر الحروف ساكنة، ثم دال ثانية، وهو على صفة المصغّر، ويشبه أن يكون تصغير بُدّ. ٢٦٣ - بُطا الناصري (٥)، الخازندار. أحد الخمسات. (كان من مماليك) (٦) الناصر فرج بن برقوق، ومن خاصكيّته، وصُيّر خازندارًا صغيرًا في دولته، وكان مختصًّا به، وله ذِكر وشُهرة في أيامه. ولما قُتل اختفى، ثم فرّ لبلاد المشرق، وجال الكثير منها حتى مات المؤيَّد، وتسلطن الأشرف بَرْسْباي، فظهر بُطا هذا من اختفائه. وكان قد قدم القاهرة في أواخر دولة المؤيَّد، من غير أن يُشعر به، فأعاده الأشرف إلى الخاصكيّة كما كان، ودام إلى سلطنة الظاهر جَقْمق، فزاد في إقطاعه، وصيّره من الخمسات، واستمر كذلك حتى بَلَغَه الأجل. وكان إنسانًا حسنًا، عاقلًا، خيّرًا، ديّنًا، ساكنًا، متواضعًا. وهو ثاني من علِمْنا بأنه يُسمّى بهذا الاسم في هذه الدولة التركية، والأول بُطا الدوادار المشهور. توفي بُطا هذا في حدود هذه السنة فيما أُخبرت. واسمه مفرَد بلغة التُرك، ومعناه الغَرَضَ الذي يُرمى عليه.

стр. 813

٢٦٤ - بَكْتَمُر (١) الأبوبكري، الأشرفي. أحد العشرات، المعروف بالبوّاب. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، وصار خاصكيًّا بعده، ودام على ذلك مدّة في عدّة من الدول، إلى أن تسلطن الأشرف إينال، فصيّره بوّابًا، ودام على ذلك مدّة سلطنته، ولذا عُرف بالبوّاب. ولما تسلطن الظاهر خُشقَدم صيّره من العشرات، ودام على ذلك إلى أن حصل له خلْط فالج، فأُخرجت عنه الإمرة، ودام بطّالًا. حتى بَغَتَه الأجل، وتوفي في هذه السنة فيما أُخبِرت. ولم أقف على شيء من أحواله لأذكرها غير ما ذكرت وكان تركيًّا تتريّ الجنس. واسمه مركَّب من: "باك" وقد عرفتَ معناها، و"تَمُر" أيضًا، ولا حاجة إلى إعادة ذلك. ٢٦٥ - جانِبَك الناصري (٢). نائب طرابلس، المعروف بالحاجب. كان من أصاغر مماليك الناصر فرج بن برقوق، وتنقّلت به الأحوال بعد موته، حتى اتصل بخدمة خُشداشه وأغاته بَرْسْباي من حمزة (٣) الناصري، حاجب الحجّاب بدمشق، فقرّبه وأدناه واختصّ به وأحبّه، وصيّره دواداره، وعُرف به. ولم يزل في خدمته عدّة سنين، ويظنّه الظانّ مملوكًا لبَرْسْباي. ودام على ذلك عدّة سنين، حتى كانت كائنة إينال الجَكَمي (٤)، وهزيمته على يد العسكر المصري،

стр. 814

فاتفق أن هرب واختفى بقرية من ضواحي دمشق، وأُحِسّ به، فقبض جانبك هذا عليه بعد أن بعثه بَرْسْباي إليه، لما بلغه مظنّة اختفائه، وكان هذا سببًا للتنويه بذِكر جانبك هذا بعد ذلك، بأنْ بلغ الظاهر ذلك، فأنعم عليه بإمرة طبْلخاناة بدمشق، ثم تنقّل بعد ذلك حتى وُلّي حجوبية الحجّاب بدمشق بعد بَرْسْباي، وكان قد درّب الحجوبية بواسطة دواداريّته فيها لبَرْسْباي، وباشرها بحُرمة ونفاد كلمة، وأثرى في غضون ذلك، وحصل الأموال الطائلة، وصرف عنها مرة بالناصري محمد بن مبارك، ثم أعيد إليها وبها شُهر، ثم بذل المال حتى وُلّي نيابة صفد، عِوضًا عن تمراز الأشرفي، بحكم هربه فارًّا من صفد، على ما تقدّم ذلك في متجدّدات سنة ست وستين. وكان جانبك هذا قد صرف عن حجوبية الشام أيضًا بابن مبارك، ودام بصفد إلى أن نُقل منها إلى حماة، عِوضًا عن جانبك التاجي، لما نقُل إلى نيابة حلب بعد (١) (وفاة الحاج إينال) (٢)، ودام على نيابة حماة، حتى نُقل منها إلى نيابة طرابُلُس بمالٍ كبير، بذله فيها بعد بَرْسْباي البُجَاسي، لما نُقل منها إلى نيابة الشام، بعد موت تنم، وجانِبك التاجي، على ما تقدّم كتابته في محلّه، ووُلّي هذه النيابات الجليلة، مع عدم التنويه به قبل ذلك بغير حجوبية الحجّاب بدمشق، ولم يل شيئًا من الولايات بالقاهرة، ولا تأمّر بها، بل ولا صُيّر خاصكيًّا بها. ولم يزل على نيابة طرابُلُس حتى بَغتَه الأجل بها. وكان إنسانًا حسنًا، عاقلًا، ساكنًا، حشمًا، أدوبًا، سَيوسًا، ذا حُسن عشرة ومُداراة وبالجملة فكان لا بأس به. توفي في يوم الأربعاء حادي عشرين رجب، وقد جاوز السبعين. وترك أولادًا منهم: قاسم وهو الأكبر، وهو الآن متولّي فُوَّه، بعناية العلاء بن الصابوني بلديّه، ويُذكر فيها بحُسن سيرة وجميل. ومنهم أبو بكر (٣)، وهو أصغر من قاسم، وله نحو الأربعين أو فوقها، وهو عين على قاسم، فإنه من الأمراء بدمشق، وله رياسة وعراقة وثروة، وهو ساكن بدار بَرْسْباي، الناصري الذي كان بها والده في حالة حجوبيّته بدمشق، وعنده بعضٌ من إخوته، ولهم أرزاق كفاية لهم، لكنّهم (٤) تحت كنف أبي (٥) بكر هذا، وهو إنسان حشم أدوب، معدود الآن من أعيان دمشق.

стр. 815

٢٦٦ - خليل بن شيخ إبراهيم الدَرْبَنْدي (١). الأمير السلطان، غرس الدين، صاحب مملكة شَرْوان (٢) وشَمَاخي (٣) وما والاها. مَلَك هذه المملكة نحوًا من خمسين سنة. ٢٦٧ - * كذا رأيت في بعض تعاليق الوالد في قصّة الشيخ محمد الدَمْدَمَكي (٤)، المشهور بهذه المملكة المذكورة، فإنّ السلطان الظاهر خُشقدم سأل الوالد مرة على ما نقلته من خطّه عن الشيخ بيد محمد الدَمْدَمَكي هذا، وهل له حقيقة كما يشاع ذلك، أم لا، فقال الوالد: نعم له حقيقة وصيت مشهور، وقد سمعتُ جماعة من المسافرين إلى تلك البلاد، بأنه في مملكة شَمَاخي في مكانٍ في هيئة مَغَار، له به مدّة طويلة من حين مات، وعليه ثياب، وعلى رأسه تاج من لبِد كتاج البسطاية (٥) من الفقراء، وهو مستند إلى حائط، جالس، إذا دخل عليه إنسان وصلى على النبي ﷺ ، أو قرأ عنده شيئًا من القرآن تمايل وتحرّك كالمتواجد، ولا روح به، ولم تنقطع أوصاله في هذا الزمن الطويل. قال الوالد: وبينا أنا مع السلطان في هذا الكلام، إذ حضر الأمير نانَق الظاهري (٦)، فسمع طرفًا من الكلام، فأعاد السلطان عليه القصّة كما سمعها، متعجّبًا منها لتعجّب هذا أيضًا. فقال نانق: نعم هذا حق، وقد دخلت أنا لتلك البلاد، ورأيت هذا الشيخ مشاهدة بالبصر، وليس الخبر كالعيان، وأخذ يذكر عنه أشياء كثيرة، ثم قال: وسلطان ملك البلاد، ويقال له السلطان خليل، متملّك هذه المملكة نحو الخمسين سنة أو فوقها. انتهى كلام الوالد في ذلك. وأمّا ما سمعته أنا في قضية الشيخ المذكور، ﵀، فقد حدّثني الشيخ العالم الفاضل، البارع، الكامل، عبد الحميد بن موسى (٧) بن أبي يزيد الطالبي

стр. 816

الشرواني، قال: الذي هو مستفيض ببلادنا في أمر الشيخ الدَمْدَمَكي هذا، أنه كان مُريدًا لبعض أكابر الأولياء، وكان يؤذّن بزاوية شيخه، فاتفق أنْ قال له شيخه يومًا: قُم أذِّنْ، كأنّه ظنّ دخول الوقت. فقال له محمد هذا: دَمْ، ومعناه بالفارسية: ساعة أو لحظة، يعني: أصعد يسيرًا. فقال له الشيخ ثانيًا: قُم أذّدن. فأعاد الشيخ محمد قوله: دَمْ إلى ثالث مرة. فقال: دَدَك، يعني بقي سُوَيعة ديده، فإنّ الكاف علامة الصغير في لغة فارس. ولما رأى الشيخ ذلك من قول محمد هذا، كأنه تأثر منه، كونه لم يُجب أمره، وتغيّر منه، وظهر ذلك للشيخ محمد هذا بالفراسة، فقال لشيخه: اجعل رِجلك على رجلي، وانظر إلى جهة السماء، ففعل ونظر، فوقع بصره على الديك الذي يقال: إنه تحت العرش، باسط جناحيه خافضهما، كالمنتظر الإذن بالأذان. فلما رأى شيخه ذلك هاله الأمر، وعلم بولاية مُريده الشيخ محمد، فقال له: بارك الله فيك ولا بُليت. قال: وكان الشيخ محمد هذا فيما بَلَغَنا عنه يتعبّد بجبل ومَغَار بينه وبين الزاوية التي لشيخه مقدار ما بين الجامع الطولوني ومصر العتيق (١)، فاتفق أن مات الشيخ محمد هذا، بعد فراغ أجله، بذلك المغار، وهو جالس في حالة ذِكر وقراءة، فكان يُقصَد لأخذه وتجهيزه، فلم يقدر من قَصَد ذلك على ذلك، فتُرك على حاله، وسُجّي بقبره [وهو جالس مستقبل القبلة في] (٢) ذلك المغار كأنه من الأحياء، وجعل على باب المغار ( … ... … ... ) (٣) وغُلّق بابها عليه، وهو يُرَى من داخل الخُرداه للواقف بخارجها، وهو مُسجَّى بالثوب، ولا يُرى شيء (٤) من جسده مكشوفًا. ولا زال على ذلك عدّة سنين من مدّة ( … ... ) (٥) في كل من يغيّر ما سُجّي به بجديد، ويدخل الناس في كل وقت لزيارته، ويرونه من خارج الخركاة، وهو ظاهر بداخلها، غير أنه مسجّى كما قلناه. قال لي الشيخ عبد الحميد: وقد استُفيض بتلك البلاد أنّ تيمورلنك، لما ورد إلى بلاد شَمَاخي، وخرج السلطان خليل هذا إلى لقائه، أقرّه على مملكته، وزار الشيخ محمد هذا، وزاد على تلك الهيئة، فجمع من حضره حينئذٍ من العلماء، واستفتاهم في أمره، وأنه ميت، ولا يجوز أن يبقى على وجه الأرض من غير غُسْل ولا تكفين ودفْن، وأن ذلك يأثم به كل الناس بأنه كذلك، وأنه لا بدّ من تجهيزه

стр. 817

ودفنه. فدعا (١) تمُرلنك بمحتسبه، وكان من الأشراف، وأمره أن يتوجّه لمقام الشيخ فيأخذه، ويتولّى تجهيزه، ثم دَفْنه بمكانه من المغار، فأتى المحتسب المذكور، وفتح باب المغار الذي عليه الخركاه، ودخل إلى الشيخ، فأُخذ وحُمل مُسجَّى بثوبه، وعدّى به إلى البرّ الآخر، فإنه كان بين مقام الشيخ والبلدة نهر ماء، ويُتَعدَّى إليه لزيارته، ثم جُعل على سرير، وأراد الغاسل تجريده، وإذا بالجوّ قد أظلم جدًا، ولقيته رياح عاصفة مزعجة، وكثُر البرق والرعد، وتكاثف الظلام الشديد، ونزل ثلج عظيم، وصار من حضر لا يكاد يرى يده لو أقامها، وحيل بينهم وبين الشيخ، واشتغل كل من حضر بنفسه. ثم بعد ساعة عاد الأمر إلى ما كان عليه أوّلًا، ولم يوجد الشيخ على السرير. وجاء الخبر من أهل الغار بأنّ الشيخ بمكانه من الغار على هيئته التي كان عليها، فأُعلِم تيمورلنك بذلك، فتركه وما تعرّض له بعد ذلك، وقال: هذا شأن خارج عمّا نحن فيه، وكفّ (٢) عنه، وزاد اعتقاد الناس في الشيخ زيادة عما كان عليه قبل ذلك. ومات الشريف المحتسب بعد هذه الكائنة بثلاثة أيام. هذا ما حدّثني به الشيخ عبد الحميد. ثم أُخبرتُ به من جماعة من أهل تلك البلاد، وهذا من غرائب النوادر، والله على كل شيء قادر. ولْنَرجع إلى صاحب الترجمة، فيقال: إن أصله من ذرّية أنوشُرْوان، وأنهم يتوارثون المُلك بهذه البلاد من زمنه إلى يومنا هذا. ومملكة خليل هذا واسعة كبيرة، ويُسمّى الإقليم باسم أنوشُرْوان، وأسقطوا "أنو" تخفيفًا، وقالوا: "شُرْوان"، وهو بضم الشين المعجمة وسكون الراء. هكذا ضبطه، وتعلّق به أهل فارس، وهم أعرف بلغتهم. ومن العوامّ من يكسِر الشين، ومنهم من يفتحها مع الراء. وبهذا الإقليم مدن كثيرة، منها شَمَاخي، وهي كرسي هذا الإقليم، ومحلّ إقامة السلطان. ومنها مدينة دَرْبَنْد، وباكو، وغير ذلك. والإقليم به زيادة على ثلاثة آلاف كورة، وبه عدّة حصون وقلاع، منها قلعة كُلُسْتان. وأمّا جُند هذا السلطان وعساكره فكثيرون، نحو العشرين ألف، وله مماليك نحو الألف من الجراكسة وغيرهم يحملون الطيور بين يديه إذا خرج للصيد فقط. وكان خليل هذا مغرمًا بالصيد، وكان له زوجة واحدة، ومائة من السراري، وله ولد من هذه الزوجة، واسمه شروان شاه، وهو الذي مَلَك بعده وهو موجود إلى يومنا هذا، ملك تلك البلاد، يُذكر بالخير كأبيه. وملوك هذا الإقليم كخليل وغيره

стр. 818

قبله مُعظّمون، وإنّما عند ملوك الأقطار مُراعون، لا سيما خليل هذا، وما حصل عليه ولا على أسلافه من قبله أذَى ولا ضرر، ولا قُصد من أحدٍ من الملوك النائية، بل الملوك يراعونهم ويكارمونهم ويسألونهم، ويعتقدون ديانتهم وسيادتهم، ورسوخ قدمهم في المُلك، وأن مُلكهم موروث (١) لهم أبًا عن جدّ، ويرون معارضتهم من العار. وكانت الملوك النائية من سائر طوائف ملوك الإسلام تُهادي خليل هذا وتراسله وتبجّله وتعظّمه وتحترمه، حتى إن السلطان مراد بن عثمان أوصاه مع بُعده عنه على ولده السلطان محمد الذي ملك بعده، وناهيك من توصية مثل ابن (٢) عثمان على مثل ولده محمد، ولا زال على ملكه وسلطانه هذه المدّة المطوّلة حتى بَغَتَه أجَلُه. وكان ملكًا جليلًا شهمًا عاقلًا، مدبّرًا، سَيوسًا، عادلًا، خيّرًا، ديّنًا، شجاعًا، بطلًا، مقدامًا، ذا رأي وحنكة، وحزم وعزم، وفضل، وعلم، وذكاء، وفَهْم، يحبّ العلم والعلماء، ويجالسهم ويعظّمهم. وكان كثير التعظيم للشيخ فتح الله الشَرَواني (٣) عالم بلاده، الذي قدم القاهرة بعد السبعين وثمانمائة، أظنّ في سنة خمس وسبعين حاجًّا، وكان التمس منه مرة أن ينقل له كتاب "الأنوار" من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية، ليكون سهلًا عليه في الاستفادة منه، لكونه لسانه، ولا يدري العربية، ففعل له ذلك بعد أن تعب عليه العلّامة فتح الله المذكور التعب البالغ، ودام في ذلك نحو السبع سنين، حتى حرّره له، وكان دأب خليل هذا وعادته في كل سنة جَمْعَ علماء بلاده في شهر رمضان من سائر بلدان ممالكه، يقيمون عنده الشهرَ جميعه، ويتذاكر معهم العلم. ثم إذا كان أول العشر الأخير من الشهر، اختار منهم عشرة لوعظه، كل إنسان يومًا، حتى يفرغ الشهر، فيخيّر الجميع تمرينات لهم كأنها ( ...... ) (٤) ويخلع عليهم الخِلَع السنيّة، ويعيدهم بعد أن يعيّد معهم عيد (الفطر) (٥)، ثم يأمرهم بالإنصراف. وكان يحضّ عساكره على إقامة الصلاة وملازمتها، ويؤدّب من بلغه عنه تركُها أو تهاونه بها، ويزجره على ذلك. وبالجملة فكان من أجلّ الملوك و ( … ) (٦) عاملًا بالشرع متمسّكًا به،

стр. 819

ماشيًا (١) على سُنَنه. وكان آخر من بقي من أعيان ملوك الإسلام وأكابرهم. وكان يتغالى في جمع النفائس من كُتُب العِلم، وجمع منها الكثير، مع انعكافه على المطالعة والنظر في الكتب. وكانت رعَاياه راضية عنه. وتوفي في هذه السنة أو التي قبلها، فإن خبر موته بَلَغَنا في أوائل هذه السنة، وهو قرينة دالّة على موته في أواخر تلك، وما حرّرتُ ذلك، واللّه أعلم. ويُذكر أنه مات وقد قارب المائة أو جاوزها، وهو مع ذلك موفور القِوى، سالم الحواسّ، وهذا من النوادر. ٢٦٨ - • ومَلَك بعده ولده شُرْوان شاه، ويقال: شاه شروان أيضًا، وله على مُلك أبيه الآن عشرون سنة، وهو نحوٌ (٢) من أبيه في ترجمته. وقد بَلَغَنا عنه أنه تجهّز في سنة ثمانٍ وثمانين وثمانمائة ليحج، وخرج لذلك، حتى وصل إلى تبريز، واجتمع بملكها يعقوب شاه بن حسن (٣) بن قرايُلُك، فمنعه من ذلك، وقال له: إن بيني وبين صاحب مصر عداوة، ولا يمكن توجّهك، فإذا ثبت فاجتهد أن تمكّن من المجيء إلى الحج. فأصرّ يعقوب على منعه، فما أمكنه مخالفته، وعاد لبلاده، فثار به، ولذلك خرج من أعماله قاصدًا يعقوب في القيام معه على أبيه. فيقال إن يعقوب أمدّه بجيش، وعاد غازيًا أباه في أواخر سنة ثمانٍ المذكورة، وحصل بسبب ذلك فِتَن وخطوب وشرور بتلك البلاد ونكد، جرى على خلاف ما عُهد بذلك الإقليم وأولئك الملوك، وإنهم على ذلك إلى الآن. وما علمتُ ما جرى بعد ذلك. ولعلّنا يبلغنا شيء (٤) نذكره في محلّه، وهذه الكائنة أيضًا في سنة ثمانٍ وثمانين إذا وصلنا إليها إن شاء الله تعالى. (ترجمة السلطان المستعين بالله ملك الأندلس) (٥) ٢٦٩ - سعد بن محمد (٦) بن يوسف بن إسماعيل بن مفرّج بن إسماعيل بن

стр. 820

يوسف بن نصر الأنصاري، السعدي، العُبادي، الخَزَرجي، الأَرْجُونيّ الأصل، الأندلُسي، الغَرناطي. السلطان، أمير المسلمين، المستعين بالله، أبو النصر بن أبي عبد الله ابن (١) السلطان أبي الحجّاج ابن (٢) السلطان أبي الوليد، صاحب غرناطة وما والاها من بلاد الأندلس، المعروف بابن الأحمر. وبنو (٣) الأحمر هم ملوك الأندلس من مدّة مديدة، وهم في الأصل من أَرْجُونا، بلدة مشهورة بالأندلس، وهم من ذرّيّة سعد بن عُبادة (٤) على ما استُفيض ذلك بتلك البلاد، وهو نَسَب صحيح أثبته جماعة من علماء الأندلس المعتمدين. وُلد صاحب الترجمة بغرناطة قبل القرن، ولم يملك والده، بل عمومته، ومَلَك ابن عمّه أو قريبه الغالب بالله محمد بن الأحمر (٥)، وجرت له خطوب وحروب ووقائع طويلة مع أقاربه، ومع عدوّه من الفرنج المجاورين له، كصاحب قَشْتَالَة ألْفُنْش، وصاحب البُرطُقال، وكان دائمًا في الحروب، وأقيم الغزو في دولته إقامة جيّدة، وطالت مدّته في المملكة إلى أن ثار به ولده أبو الحسن علي، بتدبير وزراء تلك البلاد وبعض أمرائها، لما سئموا (٦) من صاحب الترجمة، وكان القائم بذلك بنو السراج، وآل الأمر أن أُخرج صاحب الترجمة من غَرناطة وملكها ولده، فتوجّه سعد هذا إلى مالقة، ثم بعث به ولده بعد ذلك لبعض حصون الأندلس مضيّقًا عليه. ثم لما بلغه تحرُّب الفرنج وتحرُّكه على الأندلس، بسبب الاختلاف الواقع بين الأب والابن، أطلقه، ثم بعث به للمَريّة، وصالحه، واعتذر إليه بأنه إنّما فعل ذلك من تملّكه بعده، ليَسْلم هو وإيّاه، وأن ذلك ليس باختياره. ولم يزل بالمَريّة وعنده ولده أبو الحَجّاج يوسف، وفي خدمته قائد المَرِيّة محمد بن سيدهم، وقام بخدمته أتمّ قيام، وهو كالملك للمرية المستعلية بها، ورسائله وقُصّاده تتردّد منه إلى ولده، ودام على ذلك حتى بَغَتَه الأجل بها بعد قليل. وكان إنسانًا حسنًا، ملكًا جليلًا، شجاعًا، قائمًا بغزو الكفّار، وله في ذلك

стр. 821

أيادٍ حسنة. وكان عاقلًا سيوسًا مدبّرًا، من أجلّ ملوك الأندلس همّة وحزمًا وعزمًا. توفي في هذه السنة، ولم أحرّر شهر وفاته. وقد ذكرت شيئًا من أخباره فيما تقدّم في المتجدّدات، واستقلّ بعده ولده بالمُلك من غير مزاحم، ووقع بينه وبين أخيه أبي (١) الحَجّاج المذكور فتنة، ثم تصالحا. وسيأتي في سِنِيّ ما بعد الثمانين ما وقع لأبي الحسن هذا أيضًا مع ولده أبي (٢) عبد الله نحو (٣) مما وقع له هو مع والده، وأخرجه ولده أبو عبد الله، وجرت بينهما أمور، ثم أعيد أبو الحسن إلى ملك غرناطة أيضًا، بعد أن أُخرج عنها، وأُسِر ولده وهو على مُلكه وسلطنته، وهو تحت أسر العدوّ الآن، وسيأتي تفاصيل ذلك في سنة سبع وثمانين وثمانٍ وثمانين (٤) إن شاء الله تعالى. (ترجمة ابن بني هلال العامري) (٥) ٢٧٠ - سليمان بن موسى (٦) العامري (٧)، الهلالي. شيخ عربان بني هلال بن عامر بتِلِمْسان، وأمير طائفته، بل أمير تلك المملكة، وعظيم عربان تِلِمْسان. كانت ملوك تِلِمْسان تخشاه جدًّا لكثرة جموعه. ومن الغرائب في أمره ما قدّمتُ لك ذِكره من سماعي تلك المرأة في يوم عيد النحر، وهي تدعو لصاحب تِلِمْسان بأن يسخّر الله تعالى لي صاحب الترجمة، وهذا يدلّك على غاية عَظَمَة سليمان هذا. وكان صاحب تِلِمْسان هذا -أعني المدعو له- وهو محمد بن أبي ثابت يخشاه بالخصوص. واتفق أن تمرّض مَرَضَه الذي مات به، فبعث إلى تِلِمْسان بطلب شيخنا في الطبّ موسى بن سَمْويل الإسرائيلي (٨)، الماضية ترجمته، ليُطِبّه، فتوجّه إليه، ثم عاد بعد أيام، فأخبر بأنّ مرضه مَخُوف، لعلّه لا يقوم منه، فكان كما قال.

стр. 822

وتوفي في أوائل هذه السنة على غالب ظنّي، أو أواخر الماضية، ولعلّ الأول أقرب. وكان في عشْر السبعين. وكان لا بأس به، وله رئاسة وضخامة وشُهرة وصِيت، وبُعد سُمعة. وكان كريمًا جدًّا، مُثْريًا من نوادر أمراء العربان، كثير الجموع، واسع الدائرة. ٢٧١ - عبد الرحمن بن خليل بن سلامة بن أحمد بن يونس بن شريف الأذرعي الأصل، القابوني (١)، الدمشقي، الشافعي. الشيخ الصالح، الخيِّر، الديِّن، زين الدين، إمام الجامع الأموي، المعروف بابن الشيخ خليل. ولد سنة أربع وثمانين وسبعمائة. ونشأ خيّرًا، ديّنًا، صالحًا، عابدًا، زاهدًا، ورِعًا، منجمعًا عن الناس، وحفظ القرآن العظيم في حالة صِغره، وأجاد حفظه، ثم جوّده على جماعة من القرّاء والأعيان بعصره، أظنّه قرأه للسبع أو ببعض الروايات وعسر شكره في ذلك، وأَمَّ بالناس مدّةً مطوّلةً بالجامع الأموي، مع انقطاعه ببيت الخطابة بالجامع المذكور. ورأيته وصلّيت خلفه كثيرًا. وكان نيّرًا، حسن الشكالة، منوّر الشيبة، متقشّفًا في ملبسه، مع عفّة، ونزاهة نفْس إلى العامّة، مع حُسْن سَمت وتؤدة، وكثرة سكون. وكان نزيلًا بالعنّابة يقيم بها، وينزل إلى دار الخطابة، فبقي بها مدّة، وكان له ابنة بالعنّابة، فاتفق لما أن مرض مرضَ الموت توجّه إلى العنّابة لمنزل ابنته، فتمرّض به. إلى أن توفي في يوم الخميس سابع شعبان. وأُخرجت جنازته حافلة، وتقدّم في الصلاة عليه الجمال يوسف بن الباعُوني (٢)، وهو إذ ذاك قاضي القضاة بدمشق. ومشى الناس في جنازته من العنّابة

стр. 823

إلى مقابر الباب الصغير فدُفن بها، وكان يومًا مَطيرًا، وكثُر ترحّم الناس وتنادمهم عليه. وقد ترجم ابن (١) حجر والده، فسمّاه: "خليل بن عبد الله" وهو سهْو، وإنّما هو ابن (٢) سلامة. كذا قال ولده صاحب الترجمة، وهو الأصوب. ٢٧٢ - عبد الحق بن عثمان (٣) بن أحمد بن إبراهيم بن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق بن أبي بكر بن حاتم بن محمد بن وصف بن ملوس بن كوماط (٤) بن مَرِين البربري، المَرِيني، المغربي، الفاسي، المالكي. السلطان، أمير المسلمين، أبو (٥) محمد ابن (٦) أمير المسلمين أبي سعيد بن أبي العباس بن أبي سالم بن أبي الحسن، صاحب فاس ومكناس، وما والاهما من الممالك والبلدان بالمغرب الأقصى. ومَلَك فاس مدّة تزيد على الثلاثين سنة. وكان مغلوبًا مع بني وَطّاس، وقد مرّ في المتجدّدات ما يُغني عن مَزيد ذِكره ها هنا من إمارة عبد الحق هذا مع وزرائه، واتخاذه اليهوديّ هارون وزيرًا، وما جرى عليهما بعد كائنة قتل اليهود. ثم أدّى (٧) الأمر إلى قتْل صاحب الترجمة، وعرفت جملة ذلك وتفصيله، وكيف مَلَك بعده السيد الشريف محمد بن عبد الحقّ، وأن صاحب الترجمة تُوُفّي مذبوحًا في ثاني عشرين شهر رمضان من هذه السنة. وبمدّته انقرضت دولة بني مَرِين بفاس كأنها لم تكن، وصارت إلى بني وَطّاس. وكان عبد الحق هذا من كبار العلماء ومن احـ ( … ) (٨) الإفتاء والتدريس، عارفًا بالفقه، مشاركًا في كثير من العلوم، بارعًا ( … ... ) (٩) تامّ الفضيلة.

стр. 824

وأخذ عن جماعة منهم: العلّامة أبو عبد الله محمد بن القوري عالم فاس ومفتيها، بل عالم المغرب في وقته، وكان يحضر دروسه بعد ولايته السلطنة أيضًا، وما ترك ملازمته، وكان معه كآحاد الطلبة، ويجلس إلى حذائه على يمينه. وكان القوري يغضّ منه بأخرة بعد ولايته الملك، لا سيما في أواخر أمره ولا يأنس به ولا ينبسط إليه، وخصوصًا بعد تسليطه اليهود، ولبعض مظالم ظهرت له منه، حتى صار كثيرًا ما يعرض عنه في درسه بين الملأ من الطلبة، ويودّ أن لا يحضره، لكنّه لم يمكنه منْعه لسلطنته وولايته للأمر، حتى إنه يومًا مدّ رِجله بمكان جلوسه مُظهرًا بأنها مؤفنة، عساه يكفّ عن حضوره مجلسه، فلما حضر ورأى رِجل الشيخ ممدودة في مكانٍ يجلس هو، فغالطه واجتاز إلى الجهة الأخرى، فجلس بها على يسار الشيخ، ثم لما تمّ الدرس خلا بالشيخ وقال له: لِمَ فعلتَ ذلك؟ أما حسّيت بسطوة الملك، يمازجه ويمازحه بذلك. فقال له في جوابه: إن السواد الأعظم معي، فتركه السلطان وما انقطع مع ذلك عن درسه لمحبّته في الفضائل. وكان في أوّليّته كثير العدل والإنصاف، ويُذكر عنه من الورع والديانة ما لا مزيد عليه. ذكر لي من أثق به عنه أنه اشتهى يومًا طعام اللِّفْت، فأُحضر إليه، فحين أراد أكْلَه وجد لِفْتَه مُرًّا، فسأل حوائج كاتبه: من أين شراه؟ فذكر له إنسانًا عرَّفَه بشخصه. ثم اتفق بعد مدّة أن أُحضر إليه بائع اللِّفْت مع خصمٍ يدّعي على بائع اللِّفْت هذا، فامتنع من سماع الدعوى عليه، وبعث بهما للقاضي بعد أن قال للقاضي: احكُم بينهما، فإنّني أكلت منه لِفْتًا مُرًّا، وأنا أخشى من الحَيْف عليه لحنْقي منه فيما تقدّم. وعُدّ ذلك من ديانة عبد الحق هذا، ويُذكر عنه كثير (١) من المحاسن. وكان لما مات شيخًا، أبيض اللحية، لعلّه مات في عشر السبعين. ولما ورد إليه الخبر بالكائنة بفاس، وطلب حيلة، قدِم فاس مُجِدًّا في سيره، وترك الكثير من عساكره وراءه، حتى وصل لفاس في ثلاثة. أنفار، ولم يظنّ أنه يفعل معه المكروه، وكان في ذلك أجله على ما تقدّم. ومَلَك بعده فاس السيد الشريف محمد بن عِمران، على ما أسلفنا كيفية ذلك. ولم يزل الشرّ بتلك المملكة مدّة مطوّلة، ولعلّه باقٍ إلى يومنا هذا. وجرت فِتَن وفترات كبيرة سنتين، إلى فيما يأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 825

٢٧٣ - عجل بن نُعَير (١). أمير آل فضل ببلاد الشام. توفي في هذه السنة ببعض أعمال حلب، وهو مصروف عن الإمرة، نازح من بلاده. ولم يبلُغْني، ولا وقفتُ على شيء من أحواله لأذكرها غير ما بَلَغَنا من وفاته فى هذه السنة. ٢٧٤ - عيسى التاجر الطرابلسي (٢). أحد التجّار المياسير بها. كان مُثْريًا وممن له شُهرة وذِكر بطرابلس، وأعمر بها دارًا حسنة ومِلْكًا جيّدًا، سكنها الوالد في حين دخوله لطرابلس، وبقي بها مدّة على جهة التنزّه بها. وكان قد صاهر ابن (٣) مُزاحم (٤) النبطي (٥) على ابنته. وتوفي بطرابُلُسَ في هذه السنة فيما أُخبِرتُ تقريبًا. وكان لا بأس به. ٢٧٥ - عيسى المغربي (٦) الذي كان يُعرف بالقاهرة بالشيخ علي. كان قدم القاهرة من تونس لقضية اتفقتْ له مع صاحبها عثمان، فأخرجه بسببها من تونس. ولما قدم القاهرة شُهر بها وذُكر، وادَّعى الصلاح، وقصده الناس لزيارته، وصحِب جماعة من الأتراك، أعتقد منهم بُرْدبك الدوادار، صهر الأشرف إينال، وتزوّج بالقاهرة بامرأة من المشاهير، وكان له شأن بالقاهرة. ولما مات

стр. 826

الأشرف إينال، وصودر بُردُبك ووُجد له عند عيسى هذا مال له صورة، على ما تقدّم ذلك في محلّه في مصادرة بُردُبك، في متجدّدات سنة خمسٍ وستين، وأُخرج عيسى هذا إلى بلاده، فقدم إلى طرابلس الغرب وأنا بها في سنة ثمانٍ وستين، ثم ذهب إلى تونس، ورأيته أنا بطرابُلُس، وبوجهه آكلَة أخذت أنفه وما إلى جانبه من أحد جهات وجهه. وتُوُفّي بأعمال تونس في هذه السنة، وله زيادة على السبعين سنة. وكان الناس في أمره على قسمين، والظاهر أنه كان صاحب مُحال لا حال، ولم يكن خاليًا من فضيلة وعِلم شيء من العلوم المخفيّة من الاستخدامات ونحوها. والله أعلم. ٢٧٦ - قانِبَاي البَكْتَمُري (١) نائب البيرة المعروف بطاز. كان من مماليك بَكْتَمُر جُلَق نائب الشام، وهو مشهور الترجمة، ونزل مملوكه هذا بعده في ديوان الجُند السلطاني، ودام كذلك مدّةً مطوّلة في عدّة دُوَل، حتى تسلطن الظاهر خُشقدم، فولّاه نيابة قلعة صفد، ثم نقله إلى نيابة البيرة، على ما أسلفْنا ذلك، وبها بَغَتَه أجَلُه. وكان إنسانًا ساكنًا، يقال: إنه لا بأس به، ولم أعرفْه، ولا عرفتُ شيئًا من حاله، لأنه اشتهر ومات في غيبتي بالبلاد المغربية، وإنما أُخبرت به بعد عَودي. توفي في أحد الربيعين من هذه السنة، وهو يقرب من الثمانين. ٢٧٧ - قجماس المؤيَّدي (٢). أحد الخمسات. كان من مماليك المؤيَّد شيخ، وصُيِّر خاصكيًّا في دولة الظاهر جقمق، ودام على ذلك إلى سلطنة خُشداشه الظاهر خُشقدم، فصيّره من الخمسات لضيق الأقاطيع، ووعده بعد ذلك بترقيته، فلم يلبث بعد الوعد أن بَغَتَه أجَلُه. وكان شيخًا وجيهًا من القرانصة الأغوات، وله تؤدة وسكون، وحُسن سمت. توفي في حدود هذه السنة، وقد جاوز الثمانين أو بلغها. واسمه بالتركي معناه: "ما يَهْرب"، أي بالنفي، فإن "قَجْ" معناه: الهروب، و"ماس" كما أو لا النافية في لغة العرب.

стр. 827

٢٧٨ - كمشبُغا الظاهري، الخاصكي، المعروف بالجاموس (١). كان من مماليك الظاهر برقوق، وصُيّر خاصكيًّا بعده، واستمر على ذلك في عدّة دول، وله وجاهة فيما بين الأتراك وقرنَصَه، بل يقال: إنه كان من أغوات الأشرف إينال، ورُشّح للإمرة، فامتنع عن ذلك طلبًا للراحة، فإنه كان بيده إقطاع جيد (٢) فوق كفايته، فكان يقول: راحة بدني خير لي من أن أُسمَّى بالأمير. وكانت الملوك تبعث إليه تستفهمه عن أشياء من تعلّقات الحروب وغيرها. توفي في هذه السنة فيما يغلب على ظنّي، بعدما شاخ وعجز عن الحركة. وكان من الأخيار، ومن أهل الدين والخير. وكان الظاهر خُشقَدم في كل قليل يسأل عنه، ويبعث إليه بالسلام، ويتفقّده. أظنّه بلغ السبعين أو جاوزها. (ترجمة البدر ابن (٣) حجر) (٤) ٢٧٩ - محمد بن أحمد بن علي بن حجر (٥) الكِناني، العسقلاني الأصل، القاهري، الشافعي. بدر الدين (٦)، أبو المعالي ابن (٧) شيخ الإسلام، حافظ العصر، قاضي القضاة، أبي (٨) الفضل شهاب الدين، المعروف بابن حجر. وبقيّة نسبه تقدّم في ترجمة والده. ولد البدر هذا في حدود سنة خمس عشرة وثمانمائة، بمنزل أبيه بحارة بهاء الدين. ونشأ تحت كَنَفه، فحفظ القرآن العظيم وبعض المتون، واجتهد فيه والده،

стр. 828

فلم يقرب له بشيء من العلم يقارب به والده، ولو أدنى شيء، فسبحان الرزاق المانح من شاء، بما شاء، كيف شاء، والمانع عمّن شاء، ما شاء، كما شاء، ولكنّه سمعٍ الحديث على أبيه وغيره. ولما مات والده شيخ الإسلام ورث عنه شيئًا جيّدًا وخصوصًا الكتب العلمية، وما أحسن التصرّف في معيشته، ولا اهتدى إلى كيفيّة أخذ نفقته، وباع الكثير من تعلُّقاته حتى أشرف على الفقر والفاقة، ولم يكن لديه فضيلة علمية، ولا عُرف بقابليّته، عارٍ من سائر الفنون نحوًا من ولده على الموجود الآن، وليس له فضيلة يُذكر بها بين الأنام، غير كونه ولد مثل هذا الإمام، فلعلّ فخره بنسبته إليه أعظم فخر وأجلّه. ودام على ذلك حتى تمرّض بحموةٍ حدثت له في جنْبه، وطال بها مرضه نحوًا من ثلاثة شهور بمنزله من بركة الرطْلي. إلى أن توفي في يوم الأربعاء سادس عشرين جمادى الآخرة. وأخرجت جنازته حافلة بجمعٍ جمّ من العلماء والطلبة، وتقدّم في الصلاة عليه قاضي القضاة الشرف المناوي، ودُفن بالصحراء بتربة جَوشن، وترك ولده نور الدين علي (١)، الموجود الآن. (ترجمة الشمس البابا المعبّر) (٢) ٢٨٠ - محمد بن محمد بن سليمان الأوزاعي (٣)، الدمشقي، الصالحي، الطرابلسي. المعبّر الحنفي، شيخنا، الشيخ الإمام، العالم، الفاضل، الكامل، شمس الدين، المعروف بالبابا. ولد بصالحية دمشق في سنة خمس وستين وسبعمائة. ونشأ بعَقَبة الأوزاع من دمشق أيضًا، وحفظ القرآن العظيم، وتعانى صناعة غسيل الثياب التي يُعرف من يعانيها بالبابا، مع اشتغاله بالعلم وأخْذه عن جماعة من علماء عصره ذلك، حتى تميّز في الفقه، وحُبّب إليه علم التعبير، فلازم فيه

стр. 829

جماعة ودأب فيه وجدّ، حتى برع فيه وشُهر، وقُصد لتعبير الرؤيا، وتصدّى لنفع الطلبة والإقراء، ورحل إلى طرابلس بعد فتنة اللَّنْك فقطنها، وهو على ما هو عليه من الخير والإقراء، وجلس بحانوت يتكسّب به بغسيل الثياب وصقْلها، وربّما أقرأ وهو في تلك الحالة، وربّما سُئل وهو يصقل، وشُهر بطرابلس، وكانت النواب بها تُجلّه، وكان يشبُك النَوروزي (١)، وهو نائب طرابلس، يقصده ويتردّد إليه بحانوته بسوق أسَندمُر (٢) ويحادثه، ويسأل منه عن مرائي (٣) رآها، وعن مسائل دينية. وكان الشيخ مع ذلك لا يكترث به، ودام على ذلك حتى كبر سنّه بعد الستين، وعجز عن الحركة، فترك ولزم داره، مع تردّد الناس إليه لأخذ الفقه عنه، والسؤال عن تعبير الرؤيا، وكانوا يَبَرّونه حين تعبير المرائي (٤)، ويتفقّده بعض أعيان طرابلس، لكونه قعد عن التكسّب، ثم تسبّب له الشهاب أحمد بن القُلَيب (٥)، وكان يعتقده ويُجِلّه في مرتّب على الجوالي (٦) بطرابلس، في كل يوم خمسة دراهم شامية، عبارة عن

стр. 830

وزن درهم وربع فضّة، فكان ذلك قوته بأخرة، مع تفقّد ابن (١) القُليب له وبِرّه، والتودّد إليه لزيارته بمنزله في كل قليل، مع بُعده عن داره. فإن الشيخ كان يسكن بأطراف البلد، بمكان يقال له حارة العُوَايراتية (٢) بالقرب من جامع طينال (٣) تحت الجبل. وكان مجاورنا بعد عمارة الوالد لأمكنة بالجبل. وكنت قد لازمتُه كثيرًا في الفقه والتعبير، وأخذت عنه الكثير وانتفعت به فيهما (٤). وصنّف مختصرًا جيّدًا في الفقه أسماه "جواهر الأفكار في حلّ ألفاظ المختار" (٥) كتاب جيّد مفيد مع اختصاره، فإنه في نحو حجم "المختار" (٦) ( … ... ) (٧). ودام بطرابلس على ما هو عليه حتى بَغَتَه الأجل. وكان سبب نزوله بطرابلس واختيار سُكناها الغزو، فإنه كان في شبابه إنسانًا

стр. 831

أيْدًا، ذا شجاعة وقوّة جَنان، وجُرأة وإقدام، ومعرفة بالفروسية والنقّاف (النشاب) (١)، ونحو ذلك. وكان يُلام على كونه بابا، وكُلّم غير مرة في تركه هذه الصناعة، فكان يقول: هذه صناعتي وكسْبي الحلال الطيّب، فلا أتركها وأسعى فيما لا يحلّ لي، وهيهات إن أُعطيت ذلك. وكان لا يتردّد إلى أَحد من بني الدنيا بسبب دنياهم، ولا يزاحم الفقهاء، ولا يُداخلهم فيما هم فيه، مع خيره ودينه، وعبادته، وصلاحه وزهده، وحُسن سمته وتؤدته، وفكاهته، وجودة محاضرته، وكان يكتب كثيرًا لما أن يكون لا شُغل عنده بحانوته. وكتب بخطّه الكثير من الكتب الكبار وغيرها، ولا زال يكتب إلى أن مات وهو على ذلك، مع رداءة خطّه بأخرة لكِبَره، وكان سريع الكتابة. وله نظم، فمنه ما أنشدنيه لنفسه في شعبان سنة إحدى وستين وثمانمائة مضمّنًا: ألا ليت شِعري هل أبيتنّ ليلةً … بساحل بحر للرباط فضيلُ وهل أرِدْن يومًا مياه بِرِنْزِها (٢) … وهل يبدون (٣) لي أبرُجٌ (٤) وظليلُ وهل أشهدَنْ يومًا قتالًا بمرجها (٥) … إذا شاهدت عيني الدماءَ تسيلُ وأضرب في أعناق قومٍ كوافرٍ … بصارمٍ هنديّ للرقاب فصيلُ فإنْ سلّم الرحمن فُزتُ بنصره … وإلّا قتيلٌ في الفلاة جديلُ

стр. 832

تحوم على شَلْوي خيولٌ سوابق … وذلك في ذات الإله قليلُ توفي، رحمه الله تعالى، في حدود هذه السنة، وما حرّرتُ شهر وفاته. (ترجمة البَبَائي) (١) ٢٨١ - محمد بن عبد الله () (٢) البَبَائي (٣)، القاهري. الصاحب شمس الدين، المعروف بالنسبة إلى بَبَا، وهي قرية بالوجه القِبلي تُسمَّى بَبَا الكبرى، وهي بباءين (٤) ثانيَتَي الحروف. ولد صاحب الترجمة هذا بعد العشرين وثمانمائة. وكان خفيرًا بتلك البلاد، ويقال: راعيًا، وقيل غير ذلك. (ويُذكر أنه لم يُعرف له أب، ولهذا كان … ... … عليه) (٥). ثم قدم القاهرة وصار صبيًّا لبعض الطبّاخين وفي خدمته ملقدارًا (٦)، ثم صار من صبيان بعض مقابلي اللحم، وتنقّل في عدّة حِرَف نحو هذه، إلى أن صار من مقابلي اللحم، وجَدّ في التكسُّب في معالجته، واجتهد بقلبه وقالَبه، حتى حسُنت هيئته شيئًا، وحالته، فركب الحمار وداخَلَ الناس، وما زال في ازدياد، وفي جِدّ واجتهاد في تحصيل المال بأنواعٍ من التكسّب، حتى أثرى، وشُهر بكثرة المال من دَولَبَته اللحم، وما قيل عنه من أنه لقي خبيئة من المال، فهو كلامٌ الظاهرُ عَدَمُ صِدقه. نعم كان حريصًا جدًا على التكسُّب، حتى صار من أعيان مُدَولبِي اللحم والجزّارين، وهي دولبة فيها الكسب الهائل، لا سيما لمن عرف الخَوَلَة وأرباب الأغنام، وكان البَبَائي كذلك مُذْ داخَلَ الجميعَ ممن ذكرنا، وعرفوه واطمأنّوا إليه وعاطُوه، ثم صار يَعُول الوزراء (في) (٧) حمل اللحوم المرتّبة لأرباب الدولة من الجُند السلطاني وغيرهم عليه، فكانوا

стр. 833

يأخذون منه الكثير من ذلك، ويعوّضونه أغنامًا ومالًا على مهلهم، فكانوا يراعونه، لذلك شُهر وذُكر بهذه الواسطة. وبلغ الظاهر خُشقَدم بسَعة ماله، فسعى لأخذه، فاحتال عليه بأنْ ولّاه نظر الدولة، وتزيّا بزِيّ الكتبة مع كونه عَرِيًّا، أمّيًّا، لا يقرأ ولا يكتب، وركب الفَرَس بالفَرْجيّة، واتخذ الخُفَّ والمِهمَاز، فشُقّ ذلك على كثيرٍ من الناس، كون الزّفُوري (١) الدنيء الأصل يُرفع قدْره إلى هذا المحلّ، فباشر نظر الدولة مدّة، وما كفاه ذلك حتى ترقّى إلى الوزارة، فوُلّيها عن المجد بن البَقَري (٢) لما نُقل إلى الأستادّارية، بعد اختفاء الزين يحيى ابن (٣) كاتب حُلوان الأستادّار، على ما تقدّم ذلك في محلّه، وأُلبس خلعة الوزارة، ونزل إلى داره في موكبٍ جليل، وهو أول زَفُوريّ وُلّي الوزارة فيما نعلم، وعُدّت ولايته من قبائح أفعال الظاهر خُشَقدم، لرفعه مثل هذا الخسيس الوضيع إلى مثل هذا المنصب السامي الموضع، وإن كان قد بُهدل من أوائل هذا القرن، أعني الثامن، لكنْ بهدلة بحيث تصل إلى هذا الحدّ في القُبح والشناعة وقلّة الحياء والمروءة، فلا. ولقد عمّت المصيبة بعد البَبَائي هذا بولاية من هو أخسّ منه وأدوَن وضاعة، فلا حول ولا قوة إلّا بالله. ولما ولي البَبَائي هذا الوزارة باشرها بظلم وعسف وعنف وجبروت، (مع) (٤) قلّة أدب وحياء مع الأكابر والأعيان، ولا يَكثُر ذلك عليه، فإنه ما خالط الأكياس، ولا رأى الرؤساء والناس، ولا عرف المقامات، ولا تقرّب من شيء من ذلك حتى كان غاية أدبه كأعلى (٥) إساءة ريّس من الرؤساء، بل لا أرضى بذلك. كل ذلك مع تخليطه، وكثرة تخبيطه، وقُبح سيرته، وعدم صدق لهجته، بخلاف ما كان عليه أولًا في صدق اللهجة، فمقته الناس غاية المَقْت، وكثر الدعاء عليه وأبغضه حتى من لم يكن له عليه وطأة ولا له به معرفة، لأن القدرة غيورة تحرّك القلوب لبغض الظالم. وهجاه الشعراء بأهاجي كثيرة مشهورة، حتى بالغ بعضهم في هجائه، فإنه هجي بسببه الهجو لهجْوه بالهجو. وآل به الأمر أن أخذه الله تعالى أخذ عزيزٍ مقتدر بأن أغرقه في النيل.

стр. 834

وكان من خبر غرقه أنه توجّه في مركب لناحية طَنَاش بالجيزية لبعض شؤونه (١) وتعلّقاته ومظالمه، ثم عاد بساحل بولاق وهو بقرب فم الخُور، وإذا بريحٍ عاصف بعثها الله تعالى في وقت المغرب، بعد أن لم يبق من وصوله للساحل إلّا اليسير، أو كاد أن يكون قد وصل، وإذا بها هبّت وكأنها مبعوثة بهلاكه، فقلبت مركبه وهو بها، فلم يكن إلا أقلّ من لحظة، إلّا وكأنّ الأرض ابتلعته من الماء، ولعلّه لم يمت من تلك المركب إنسان غريق سواه، حتى عُدّ ذلك من نوادر الغرائب. وكان ذلك في آخر نهار يوم الأربعاء ثامن عشرين ذي الحجة من هذه السنة. ولم يُر بعد ذلك، ولا وُجد له أثر، ولا وُقف له على خبر حتى إلى يومنا هذا. وكان له نحو الخمسين سنة. ثم بُعث في ليلته أو في صُبحها في إثر غرقه ليطلبه من شَطَّنُوف وغيرها من مَظانّ وجود الغَرْقى (٢)، فلم يتفق وجوده بل ولا سُمع بوجوده بعد ذلك، ولا تُسُومع به، وهذا حاله الدُنْيَوي. وأمّا عاقبة أمره فإلى الله، وعلّه ينتفع بموته غريقًا، ويسمح الله تعالى له، لكنْ ماذا تقول في مظالم العباد، وكثرة ذلك بالفساد؟ نسأل الله تعالى الهداية للرشاد. (ترجمة صاحب حَلْي من اليمن) (٣) ٢٨٢ - موسى بن محمد بن موسى اليمني (٤). الأمير، أبو عِمران، صاحب حَلْي (٥) ابن يعقوب، من بلاد اليمن، في مدينة حَلْي المذكورة، ودام بها مدّة، وحُمدت سيرته بها. وكان وجيهًا من أكابر الأمراء ذوي البيوتات، ومن الأُصلاء النُجَباء الأُثَلاء. واتفق لجدّه موسى (٦) مع السيد الشريف حسن بن عَجلان، أمير مكة

стр. 835

وصاحبها، وقائع عديدة مشهورة، وقد ذُكرت في كثير من التواريخ. ولم يزل موسى هذا على إمرة حَلْي. حتى توفي بها في ربيع الأول. (ترجمة اليهودي وزير فاس) (١) ٢٨٣ - هارون بن بطش (٢) اليهودي، الإسرائيلي، المغر بي، الفاسي. الوزير بالمغرب للسلطان عبد الحق المَرِيني صاحب فاس، وهو تقدّم في المتجدّدات كائنةُ قتله، وقتل السلطان عبد الحقّ، وقتل اليهود بفاس، وما اتفق من ذلك بما يغني عن مزيد إعادته. وكان قتْل هارون هذا بيد بعض بني مَرِين بحربةٍ ضربه بها، فخرجت من ظهره، على ما أسلفناه، وذلك في أوائل العَشْر الأول من شهر رمضان، من هذه النسة. وكان يُذكر بحذقٍ وعقلٍ تام، وخبرة بالأمور الدنيوية، والسياسة، لعنه اللَّه تعالى. ومات في كهولته. ٢٨٤ - يعقوب الرومي (٣)، الحنفي. (٠٠٠) (٤) القدس الشريف. من أهل العلم والفضل، وقرأ ببلاده، ثم قدم هذه البلاد) ...... … ) (٥) تدريس المدرسة القادرية ( .... … .... ) (٦) التي بسلطنته، ثم بالبيت المقدس ( … ) (٧) ودرّس بها، وانتفع به جماعة. وكان إنسانًا خيّراً ديِّنًا. توفي يوم الجمعة عاشر صفر.

стр. 836

سنة سبعين وثمانمائة (سنة ٨٧٠) (١) [الخليفة والسلطان والقضاة والأمراء] استهلّت هذه وجميع من ذكرناه في التي قبلها من الخليفة، والسلطان، وغالب ملوك الإسلام، وأمرائهم، ونوّابهم، وحكامهم، وقضاتهم، وولاة أمورهم، على ما هم عليه في الخالية، في سائر ما قدّمنا ذِكره من الأمصار والأقطار، شرقًا وغربًا. ما عدا صاحب فاس وسلطانها، فإنه في هذه السنة السيد الشريف الأمير السلطان، أمير المسلمين، أبو عبد اللَّه محمد بن عِمران، بويع بالسلطنة بفاس لقيام السواد الأعظم معه في شهر رمضان، وعُقدت بيعة العامة برمضان أيضًا، بعد قتل صاحبها عبد الحق المَرِيني، على ما عرفت ذلك فيما قد بيّناه من كائنة قتل اليهود، التي لعلّها من أعظم الكائنات وأغربها وأندرها وأعجبها. وما عدا صاحب غرناطة وملك الأندلس، فإنه استقلّ بها فى الخالية، وهو بها في هذه السنة السلطان، أمير المسلمين، أبو الحسن علي ابن (٢) أمير المسلمين أبي النصر سعد، المعروف بابن الأحمر. وقد أسلفنا كيفية تملّكه الأندلس عن أبيه، وهو موجود إلى يومنا هذا، وبيده ملْك الأندلس الآن، فلنُترجمه على عادتنا في تراجم الأحياء. هو: ٢٨٥ - علي بن سعد بن محمد وبقيّة نسبه قد تقدّم في ترجمة أبيه سعد. وُلد علي هذا بغَرناطة قُبَيل الأربعين وثمانمائة فيما أخبرتُ به. وبها نشأ تحت كنف أبيه في عزّ ورياسة، وآل به الأمر أن ثار بأبيه مع قوّاد الأندلس، فأخرجه عن غَرناطة، ومَلَكها في سنة سبعٍ وستين وثمانمائة، وكان المُنبغي أن نترجمه فيها ونستثنيه؟ هناك، وإنّما أخّرنا ذلك لكونه استقلّ بالمُلك بعد

стр. 837

موت أبيه، فإنّه في حياته كان على شفى حَرْف الزوال توهُّمًا، ودام على مُلك أبيه مدّة، ورأيته لما دخلتُ غَرناطة، وهو شاب يُذكر بالفضيلة والمعرفة التامّة، والشجاعة والإقدام، ومحبّة العلم والعلماء. ثم جرت بينه وبين أبيه منافسات بعد إخراجه، وكذا بينه وبين أخيه أبي (١) الحَجّاج يوسف، حتى أشرف على انتزاع المُلك منه. ثم مات. واستقلّ هو بملْك الأندلس من غير معارض، حتى نشأ له ولد اسمه محمد، ويُكنَّى بأبي عبد اللَّه، فثار بأبيه هذا بعد الثمانين، وفعل معه نحو (٢) ما فعله هو مع والده سعد الماضي، وهي غالب عادتهم بتلك البلاد مع الآباء والأولاد، بل والأجداد والأحفاد، وآل أمره أن أخرجه إلى مالقة، ومَلَك غرناطة. ثم جرت كائنة عُظمى، وداهية طمّى، سنشير إليها في سنة سبعٍ وثمانين، ونذكرها هناك، آل الأمر فيها إلى أخْذ الفرنج أبا (٣) عبد اللَّه هذا في حال كونه سلطانًا، وأُسر عندهم بجموع من عساكر المسلمين من الأندلس، فبدر أهل غَرناطة لمالِقَة، وأخذوا صاحب الترجمة، وأعادوه إلى ملكه بعد تمنُّع منه، وكان عَوده إليها في صفر سنة سبع وثمانين، وهو الآن بها على مُلكها. وهو إنسان حسن، وله همّة وأيادٍ، وآثار محمودة في غزو الكفار، وأبلى (٤) فيهم بلاءً حسنًا (٥)، وغزا عدّة غزوات مشهورة مذكورة، وقام بإعادة الحامة إلى المسلمين أتمّ قيام، حتى أعادها بعد أن أخذها الكفّار، وغُزيت من صاحب قَشْتالة، وأشرف على أخذه أو قتله بعد أن نهبه، وندب جميع عساكره) … ... ) (٦) حتى منعه الكفّار من أن يبقى أميرهم وأقاموا غيره فنشأ) ...... … ) (٧) للمسلمين ( … ) (٨) دام ملكه على الأندلس فوق العشرين سنة، بما في ذلك من مدّة تملّك ولده، وهي مدّة يسيرة. ولي في مدح أبي الحسن هذا قصيدة مطوّلة، هذا أوّلها: إلى أبي الحسن الأعناقُ تنخضعُ … وعند سُدّته الأملاكُ تتّضعُ ومن شجاعته الأبطالُ قد فَرَقُوا … ومنه أفئدة الاعداءِ تنخلعُ وهي طويلة، وقف عليها وأثاب وشكر. وسيأتي تفاصيل بعض مما ذكرناه هاهنا في محلّه إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 838

وكان الأمير الكبير أتابَك العساكر بمصر في هذه السنة قانَم التاجر، وُلّيها عن جَرِباش على ما تقدّم من خبر ذلك، وكونه كان بعد إخراج جَرباش إلى ثغر دمياط. وكان أمير مجلس في هذه السنة تمُربُغا، وُلّيها عِوَضًا عن قانَم المذكور. وكان رأس نوبة النُوَب في هذه السنة أُزبَك من طَطَخ، وُلّيها عن تمُربُغا. وكان حاجب الحجّاب في هذه السنة جانِبَك قلقسيز، وُلّيها عن أُزبَك. وأمّا النُوَب (١) فكانوا على ما هم عليه. ما عدا نائب طرابلس، فإنه كان في هذه السنة الناصري محمد بن مبارك، نقلاً إليها من حماة، فإنه كان في هذه السنة يشبُك البُجَاسي، نُقل إليها بعد محمد المذكور من أتابكية حلب أو إمرة بها، ولم أحرّر ذلك، ولعلّه يُعلم من المتجدّدات الماضية فيما أسلفنا. وما عدا نائب الكرَك، فإنه في هذه السنة جانبك التَنَمي على ما تقدّم. وأمّا الوزير فاستهلّت السنة ولم يُوَلّ بعد البَبَائي أحد. وكان ما سنذكره.

стр. 839

ذِكر نُبَذٍ (١) من المتجدّدات اليومية في هذه السنة القمرية [شهر المحرَّم] [التهنئة بالعام والشهر] كان أول هذه السنة السبت. فيها، في هذا اليوم مستهَلّ محرّم، طلع القضاة ومن له عادة بالطلوع للقلعة بتهنئة السلطان بالعام والشهر. (تحويل السنة الخراجية) (٢) ولم يحدث ما هو مشهور من الوقائع ليؤرَّخ إلّا أمر السلطان بأن تُحوّل السنة الخراجية (٣). [قدوم مبشّر الحاج] وفيه أيضًا -أعني هذا اليوم- قدم مبشّر الحاج وهو نجّاب من العرب ولم يجيء معه غيره لا تركيّ (٤) ولا نحوه لما تقدّم بيانه، وقد تأخّر هذا المبشر عن العادة بأيام كثيرة، ولكنّه أخذ بالأمن والسلامة (٥). [الخلعة على ابن الصنيعة] وفيه أيضًا خُلع على يحيى بن الصنيعة كاملية، وأُذن له بالتحدّث في الدولة، وعُيّن للوزارة من غير أن يُخلع عليه بها، ووُعد بأن سيُخلع عليه في

стр. 840

يوم الثلاثاء (١). (وسيأتي ذكر ذلك … خلع عليه) (٢). (كائنة محمد بن قانباي اليوسفي) (٣) وفيه، في يوم السبت، ثامنه، كائنة الناصري محمد بن قانِبَاي اليُوسُفي المهمندار، الماضية ترجمته في ترجمة والده قانباي المذكور. وكان من خبر هذه الكائنة أنه ذُكر للسلطان عنه بأنه فتح مراسيم (٤) مجهّزة إلى دمشق، بأنْ فضّ ختْمها، واطّلع على ما فيها، فطلبه السلطان إلى بين يديه، وأمر به فضرب بحضرته، ثم أمر بإخراجه منْفيًّا إلى قوص، وأخرج السلطان عنه المهمندارية، وقرّر فيها تمُرباي التمرازي (٥)، أمير مشوي، ثم آل أمر محمد المذكور بأن تشفّع فيه بأن يقيم بالقاهرة بطّالًا، [و] قُبلت الشفاعة فيه، ورُسم له بذلك، وأبطل قضية إخراجه إلى قوص (٦). [عودة تجريدة البحيرة] وفيه، في يوم الأربعاء، ثاني عشره، وصل العسكر المجردون (٧) قبل تاريخه البحيرة، وهم الأمراء الخمسة الماضون، ومن معهم من الطبْلخاناة والعشرات والجند، وطلع الأمراء إلى القلعة، وخلع السلطان على المقدَّمين، ونزلوا إلى دُورهم. (ولاية ابن الصابوني قضاء دمشق) (٨) وفيه أيضًا استقر في وظيفة القضاء الشافعية بدمشق القاضي علاء الدين بن الصابوني، عِوَضًا عن الجمال بن الباعوني بعد صرفه، وأضيف إليه أيضًا نظر جيشها، عِوضًا عن البدر حسن بن المزلّق (٩)، وبعث العلاء إلى أبيه بأن يكون نائبًا عنه في التكلّم على الوظيفتين، مفوّضًا إليه جميع تعلّقات القضاء وأمور

стр. 841

نوّاب (١) الحكم بدمشق وغير ذلك، وباشر قضاء دمشق ونظر جيشها، وهو مقيم بالقاهرة مدّة طويلة، وجميع نواب الحكم بدمشق على عادتهم، والمرجع في الأمور لأبيه، وعدّ ذلك من النوادر التي لم تتفق لغيره في دولة من الدول (٢). (ترجمة الكمال بن الجمال ابن (٣) كاتب جَكَم) (٤) وفيه في يوم الخميس، ثالث عشره، استقر كمال الدين محمد بن الجمال يوسف ابن (٥) كاتب جَكَم (٦) المعروف الآن في عصرنا هذا بناظر الجيش وبابن ناظر الخاص، استقر في وظيفة نظر الجوالي بالباب العزيز عِوضًا عن ابن الصابوني (٧). وكمال الدين هذا هو موجود الآن، وهو ناظر الجيش بعصرنا، وُلّيه من مدّةٍ مديدة، كما سيأتي قريبًا، فلْنترجمه على عادتنا. هو: ٢٨٦ - محمد بن يوسف بن عبد الكريم كمال الدين القبطي (٨)، القاهري، الشافعي. ناظر الجيش. ولد بالقاهرة في شهر رمضان سنة ثلاثٍ وخمسين وثمانمائة، في رياسة والده. ونشأ تحت كَنَفه في عزّ وسعادة، فحفظ القرآن العظيم وجوّده، ثم حفظ "المنهاج" الفقهي، و"المنهاج" الأصلي و"العُمدة من ألفيّة النحو"، وعرض على جماعة، منهم الكمال بن الهُمام، والسعد الدَيري، والعَلَم البُلقيني، والكافِيَجي، والشمس الشَرَواني، في آخرين، واشتغل فأخذ عن جماعة منهم: التقيّ الشُمُنّي، والجلال السيوطي، والبرهان البقاعي، والجلال البكري ولازمه كثيرًا، وأذِن له،

стр. 842

ثم وُلّي هذه الوظيفة وهي نظر الجوالي، فأُلهي شيئًا عن العلم، ثم نُقل إلى نظر الجيش، كل ذلك في حوالى سنة، ولم يزل على هذه الوظيفة إلى يومنا هذا. وهو شاب عاقل، سيوس، حسن الوجه والملتقى، له اعتناء بالفضائل، وقد فُرض عليه في نظارة الجيش مال في تحديد مبلغٍ معيّن أضرّ ذلك به، بل وأُخذ منه المال غير ما مرّة، فلا حول ولا قوّة إلّا بالله، ولا ( … ) (١) من غير تقدير شيء عليه، ولا بمعارضة له في مال لكان إفلاس أهل المقصد ( … ... ) (٢) بين الرؤساء له عيان، لكن فسد الزمان، واشتغل البال بالسلطان، وباللَّه المستعان. - • وله ولد يقال له بدر الدين محمد، شاب صغير لم يَلْتَح الآن، ومولده في سنة ( … ... … ) (٣) أُقرئ القرآن حفظًا وتجويدًا، ثم حفظ "المنهاج " و"جمع الجوامع " و"العمدة" و"ألفيّة النحو" و"الحاجبيّة" و"تلخيص المفتاح"، وعرض على جماعة من الأعيان، ثم لازم الاشتغال قُرَابة سنة، وأنجب بملازمة العلماء، كالجلال العُكْبَري، والشمس الجوجري، وغيرهما، و ( … ... ) (٤) وذكاء مُفرِط، وملازمة المطالعة والمذاكرة. وإن داوم على ما هو في ( … ... … ) (٥) يحقق اللَّه تعالى ذلك. [ولاية ابن البَقَري نظر البيمارستان] وفيه استقر الشرف عبد الباسط بن البَقَري في نظر البيمارستان، عِوَضًا عن ابن الصابوني أيضًا. [ولاية الاتصاري نظر الأحباس] وفيه أيضًا استقر ابن الصائغ بشرف الدين الأنصاري في نظر الأحباس، عِوضًا عن الصابوني أيضًا. [وصول أمير الركب الأول للحاج] وفيه، في يوم ( … ... ) (٦) عشرينه، وصل خُشكَلْدي القوامي، أمير الركب الأول بالحاج، ثم وصل على ( … ... ) (٧) عشرينه الأمير جانبك قلقسيز

стр. 843

حاجب الحجّاب بالمحمل، وكان قد وصل قبلهما (قانِبَك) (١) المحمودي. (زيادة شرور الجُلبان وضررهم) (٢) وفيه -أعني هذا الشهر- زاد شرّ الجُلبان من مماليك ( … ) وتشويشهم وفسادهم، وتسلّطهم على عباد اللَّه تعالى، وظلمهم وعسفهم، وقَرُبَت سِيَرُهم من سِيَر جُلبان الأشرف إينال، بل جدّوا جِدّهم، واقتفوا أثرهم، وصار من له عند آخر طلابة أو حقّ أو غير ذلك لغرض من الأغراض الفاسدة ونحوها، يجيء إلى الواحد من الجُلبان فيركبه إلى مطلوبه، وَلا يزال هذا الجَلَب بالمطلوب حتى يصل الطالب إلى غرضه بعد البهدلة والضرب أحيانًا، والسبّ وغير ذلك، وحصل على التجار بسبب ظهور هؤلاء الأجلاب غايةُ الضرر والتشويش، وصاروا يأخذون ما يريدونه منهم بأقلّ من رأس المال، بل برُبْع القيمة، بل بأقلّ، بل وفي الأحيان بغير ثمن، وعمّت بهم البليّة، وزادت الأذيّة، وبلغ السلطان ذلك، وكان ما سنذكره في صفر. (ذِكر الصخرة ومسجد الجدار) (٣) وفيه- أعني هذا الشهر- زرنا الصخرة التي بساحل واهران، التي أشيع بها بأنها المرادة في قوله تعالى حكايةً عن فتى موسى بن عِمران، على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف:٦٣]، وذلك أنّني خرجت إلى ظاهر واهران من باب البحر إلى الساحل، فرأيت صخرة عظيمة بالساحل المذكور، وعلى ظَهرها مسجد لطيف يُصلَّى فيه ويُدعى (٤) به، فيقال: إنه مشهور بإجابة الدعاء فيه. وكنت رأيت قبلِ ذلك بتِلِمْسان مسجدًا يقال له مسجد الجدار، يزوره أهل تِلِمْسان، وعليه أنْس وخَفر، ويزعم أهل تِلِمْسان بأنه مكان الجدار الذي أقامه السيد الخضر. ثم رأيت في بعض التفاسير أن المراد بالقرية المذكورة في سورة الكهف هي تِلِمْسان، فلم أستبعد حينئذٍ على هذا القول أن تكون الصخرة هذه التي بواهران، وبالجملة فهذا شيء قد قيل على إمكان أن يكون الأمر بخلاف ذلك، واللَّه أعلم. [وصلول القاضي العقباني إلى تلمسان] وفيه، في أواخره، ورد الخبر علينا بواهران بوصول القاضي أبي عبد اللَّه محمد العقباني، قاضي الجماعة بتِلِمْسان، الماضي خبر توجُّهه إلى تونس صُحبة

стр. 844

قاصد صاحبها، وأنه دخل تِلِمْسان، واجتمع بمرسله، وذكر له عن صاحب تونس بأنه أعرض عنه، وأنه توعّد من مثله، وصرّح له بالتجرّد إليه، فحصل عند صاحب تِلِمْسان من ذلك الباعث الشديد الذي ما عنه مزيد. وأخذ في تحصين تِلِمْسان. وكان من أمره ما سنذكر قريبًا. [ولاية ابن أبي الهول نظر الإسطبل] وفيه، في يوم السبت تاسع عشرينه، استقر عبد القادر بن أبي الهَول في نظارة الإسطبل، عِوضًا عن تاج (١) الدين الشامي، الماضي خبر ولايته لهذه الوظيفة فيما أسلفناه (٢). [شهر صفر] [مكاتبة صاحب تِلِمْسان صاحب غَرناطة] وفيها، في أوائل صفر، بعث المتوكل على اللَّه محمد بن أبي ثابت، صاحب تلمسان، مكاتبةً إلى صاحب غَرناطة، وهو يومئذٍ أبو الحسن الماضي ذِكره، يستمدّه ببعض رُماةٍ من عنده، إعانةً له على صاحب تونس إن حضر إليه وحصره. (خسوف القمر في هذا العام) (٣) وفيه، في ليلة السبت ثالث عشره، خُسِف جُرم القمر إلّا القليل منه، ودام كذلك من وقت الغروب إلى بعد عشاء الآخرة، وتُعُجّب من هذا الخسوف في كونه في ليلة الثالث عشر، وأجازه أهل الهيئة (٤). (كائنة طلوع التجار للقلعة) (٥) وفيه- أعني هذا اليوم- نودي من قِبَل السلطان بالقاهرة إلى طلوع التجّار وأعيان السوقة إلى القلعة في غَد هذا اليوم. ولما بلغ الناسَ ذلك ظنّوا التفات السلطان إلى النظر في أحوالهم، لِما حلّ بهم من ( … ) (٦) والشدّة مع جُلبانه في

стр. 845

أخْذ أموالهم ظلمًا وعدوانًا، بغير طريق، وبما يشاؤوا (١)، وكيف شاؤوا (٢)، وهرعوا إلى القلعة، وطلع أكثر الناس ( … ) (٣) تمكينًا. ولما اجتمعوا بالقلعة ركب السلطان، ثم نزل إلى جهة القرافة، وعبرها، فباتوا بالقلعة في انتظاره، حتى عاد وقد تعالى النهار بعد أن تعطّل الكثير منهم عن أسبابهم ومعايشهم وأشغالهم وحوائجهم، وجلس السلطان بالحوش على الدّكّة، وأمر بإحضار الجماعة إلى بين يديه، ثم بدأهم بالكلام بما معناه، أنهم لا يشترون القماش بالجريدة أصلًا، فإنهم يشترون بغلُوّ السعر، ثم يُجبرون المشتري ويطلبون مع هذا العُلُوّ فائدة أيضًا، ثم أمرهم بأنهم إذا أُخيروا (٤) التقدير، فلا يزيدون، بل يخبرون بالصدق، وتكلّم بكلمات من نحو هذه المقالة لا فائدة فيها، ولا طائل تحتها، ولا وجه لها شرعًا، فإنّ للإنسان أن يشتري ما شاء، كيف شاء، إلى متى شاء، ويبيع ما يشاء، كيف شاء، لا حجّة عليه في ذلك شرعًا ولا عُرفًا، بل كان في مقالة السلطان ما يؤذن بجسارة الجُلبان، وبكثير أذاهم، وباللَّه المستعان. ورجع من جاء بالخيبة، وزاد بهذا فساد الجُلبان، ولو أنهم إذا أخّروا بالمشترين يعيدون فائدة يسيرة، ويأخذون أو يأخذون بما قام على البائع، لَطَاب الأمر، لكنهم كانوا إذا أخّروا بمشترين شيئًا (٥) بمثلهم ( … ) (٦) مثلًا أُعطوا نصفه، أو أقلّ، أو أكثر قليلًا، وإن امتنع البائع أخذوه بغير شيء، وذلك بعد بهدلة صاحبه. وزادت بعد هذه المناداة شرور هذه الجُلبان على الباعة، حتى باعة أصناف المأكل. ثم زاد الأمر شدّة بأن صار من له شَبَه بالمملوك كالتركماني من الغلمان، وغيرهم من المتشابهة بالمماليك من أيّ جنس كان هذا المتشابه، يلبس على رأسه الزّمْط لدى ( … ... ) (٧) الجُلبان، ويلثّم وجهه، ويجيء إلى أيّ حانوت شاء، ويأخذ منها ما شاء، كيف شاء ( … ... ) (٨) بشأن، ولا يسأله، وإن كلّم فلا يخلو إمّا أن يكون تركمانيًا يعرف اللغة التركية ( … ... ) (٩) المهمترة (؟) والغُتْمة بالتركي، فيُسْكِت البائع، وإن كان غير ذلك بأن كان لا يعرف اللغة التركية فعل ما يفعله وهو ساكت، وإن عورض أدّى بمعارضه رفع عصًا (١٠) معه ( ...... … ) (١١) بها، بل ربّما ضرب حين يعلم استلياش السوقي ومن حضر، وحصل
следующие страницы →