← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

نوّاب (١) الحكم بدمشق وغير ذلك، وباشر قضاء دمشق ونظر جيشها، وهو مقيم بالقاهرة مدّة طويلة، وجميع نواب الحكم بدمشق على عادتهم، والمرجع في الأمور لأبيه، وعدّ ذلك من النوادر التي لم تتفق لغيره في دولة من الدول (٢). (ترجمة الكمال بن الجمال ابن (٣) كاتب جَكَم) (٤) وفيه في يوم الخميس، ثالث عشره، استقر كمال الدين محمد بن الجمال يوسف ابن (٥) كاتب جَكَم (٦) المعروف الآن في عصرنا هذا بناظر الجيش وبابن ناظر الخاص، استقر في وظيفة نظر الجوالي بالباب العزيز عِوضًا عن ابن الصابوني (٧). وكمال الدين هذا هو موجود الآن، وهو ناظر الجيش بعصرنا، وُلّيه من مدّةٍ مديدة، كما سيأتي قريبًا، فلْنترجمه على عادتنا. هو: ٢٨٦ - محمد بن يوسف بن عبد الكريم كمال الدين القبطي (٨)، القاهري، الشافعي. ناظر الجيش. ولد بالقاهرة في شهر رمضان سنة ثلاثٍ وخمسين وثمانمائة، في رياسة والده. ونشأ تحت كَنَفه في عزّ وسعادة، فحفظ القرآن العظيم وجوّده، ثم حفظ "المنهاج" الفقهي، و"المنهاج" الأصلي و"العُمدة من ألفيّة النحو"، وعرض على جماعة، منهم الكمال بن الهُمام، والسعد الدَيري، والعَلَم البُلقيني، والكافِيَجي، والشمس الشَرَواني، في آخرين، واشتغل فأخذ عن جماعة منهم: التقيّ الشُمُنّي، والجلال السيوطي، والبرهان البقاعي، والجلال البكري ولازمه كثيرًا، وأذِن له،

стр. 842

ثم وُلّي هذه الوظيفة وهي نظر الجوالي، فأُلهي شيئًا عن العلم، ثم نُقل إلى نظر الجيش، كل ذلك في حوالى سنة، ولم يزل على هذه الوظيفة إلى يومنا هذا. وهو شاب عاقل، سيوس، حسن الوجه والملتقى، له اعتناء بالفضائل، وقد فُرض عليه في نظارة الجيش مال في تحديد مبلغٍ معيّن أضرّ ذلك به، بل وأُخذ منه المال غير ما مرّة، فلا حول ولا قوّة إلّا بالله، ولا ( … ) (١) من غير تقدير شيء عليه، ولا بمعارضة له في مال لكان إفلاس أهل المقصد ( … ... ) (٢) بين الرؤساء له عيان، لكن فسد الزمان، واشتغل البال بالسلطان، وباللَّه المستعان. - • وله ولد يقال له بدر الدين محمد، شاب صغير لم يَلْتَح الآن، ومولده في سنة ( … ... … ) (٣) أُقرئ القرآن حفظًا وتجويدًا، ثم حفظ "المنهاج " و"جمع الجوامع " و"العمدة" و"ألفيّة النحو" و"الحاجبيّة" و"تلخيص المفتاح"، وعرض على جماعة من الأعيان، ثم لازم الاشتغال قُرَابة سنة، وأنجب بملازمة العلماء، كالجلال العُكْبَري، والشمس الجوجري، وغيرهما، و ( … ... ) (٤) وذكاء مُفرِط، وملازمة المطالعة والمذاكرة. وإن داوم على ما هو في ( … ... … ) (٥) يحقق اللَّه تعالى ذلك. [ولاية ابن البَقَري نظر البيمارستان] وفيه استقر الشرف عبد الباسط بن البَقَري في نظر البيمارستان، عِوَضًا عن ابن الصابوني أيضًا. [ولاية الاتصاري نظر الأحباس] وفيه أيضًا استقر ابن الصائغ بشرف الدين الأنصاري في نظر الأحباس، عِوضًا عن الصابوني أيضًا. [وصول أمير الركب الأول للحاج] وفيه، في يوم ( … ... ) (٦) عشرينه، وصل خُشكَلْدي القوامي، أمير الركب الأول بالحاج، ثم وصل على ( … ... ) (٧) عشرينه الأمير جانبك قلقسيز

стр. 843

حاجب الحجّاب بالمحمل، وكان قد وصل قبلهما (قانِبَك) (١) المحمودي. (زيادة شرور الجُلبان وضررهم) (٢) وفيه -أعني هذا الشهر- زاد شرّ الجُلبان من مماليك ( … ) وتشويشهم وفسادهم، وتسلّطهم على عباد اللَّه تعالى، وظلمهم وعسفهم، وقَرُبَت سِيَرُهم من سِيَر جُلبان الأشرف إينال، بل جدّوا جِدّهم، واقتفوا أثرهم، وصار من له عند آخر طلابة أو حقّ أو غير ذلك لغرض من الأغراض الفاسدة ونحوها، يجيء إلى الواحد من الجُلبان فيركبه إلى مطلوبه، وَلا يزال هذا الجَلَب بالمطلوب حتى يصل الطالب إلى غرضه بعد البهدلة والضرب أحيانًا، والسبّ وغير ذلك، وحصل على التجار بسبب ظهور هؤلاء الأجلاب غايةُ الضرر والتشويش، وصاروا يأخذون ما يريدونه منهم بأقلّ من رأس المال، بل برُبْع القيمة، بل بأقلّ، بل وفي الأحيان بغير ثمن، وعمّت بهم البليّة، وزادت الأذيّة، وبلغ السلطان ذلك، وكان ما سنذكره في صفر. (ذِكر الصخرة ومسجد الجدار) (٣) وفيه- أعني هذا الشهر- زرنا الصخرة التي بساحل واهران، التي أشيع بها بأنها المرادة في قوله تعالى حكايةً عن فتى موسى بن عِمران، على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف:٦٣]، وذلك أنّني خرجت إلى ظاهر واهران من باب البحر إلى الساحل، فرأيت صخرة عظيمة بالساحل المذكور، وعلى ظَهرها مسجد لطيف يُصلَّى فيه ويُدعى (٤) به، فيقال: إنه مشهور بإجابة الدعاء فيه. وكنت رأيت قبلِ ذلك بتِلِمْسان مسجدًا يقال له مسجد الجدار، يزوره أهل تِلِمْسان، وعليه أنْس وخَفر، ويزعم أهل تِلِمْسان بأنه مكان الجدار الذي أقامه السيد الخضر. ثم رأيت في بعض التفاسير أن المراد بالقرية المذكورة في سورة الكهف هي تِلِمْسان، فلم أستبعد حينئذٍ على هذا القول أن تكون الصخرة هذه التي بواهران، وبالجملة فهذا شيء قد قيل على إمكان أن يكون الأمر بخلاف ذلك، واللَّه أعلم. [وصلول القاضي العقباني إلى تلمسان] وفيه، في أواخره، ورد الخبر علينا بواهران بوصول القاضي أبي عبد اللَّه محمد العقباني، قاضي الجماعة بتِلِمْسان، الماضي خبر توجُّهه إلى تونس صُحبة

стр. 844

قاصد صاحبها، وأنه دخل تِلِمْسان، واجتمع بمرسله، وذكر له عن صاحب تونس بأنه أعرض عنه، وأنه توعّد من مثله، وصرّح له بالتجرّد إليه، فحصل عند صاحب تِلِمْسان من ذلك الباعث الشديد الذي ما عنه مزيد. وأخذ في تحصين تِلِمْسان. وكان من أمره ما سنذكر قريبًا. [ولاية ابن أبي الهول نظر الإسطبل] وفيه، في يوم السبت تاسع عشرينه، استقر عبد القادر بن أبي الهَول في نظارة الإسطبل، عِوضًا عن تاج (١) الدين الشامي، الماضي خبر ولايته لهذه الوظيفة فيما أسلفناه (٢). [شهر صفر] [مكاتبة صاحب تِلِمْسان صاحب غَرناطة] وفيها، في أوائل صفر، بعث المتوكل على اللَّه محمد بن أبي ثابت، صاحب تلمسان، مكاتبةً إلى صاحب غَرناطة، وهو يومئذٍ أبو الحسن الماضي ذِكره، يستمدّه ببعض رُماةٍ من عنده، إعانةً له على صاحب تونس إن حضر إليه وحصره. (خسوف القمر في هذا العام) (٣) وفيه، في ليلة السبت ثالث عشره، خُسِف جُرم القمر إلّا القليل منه، ودام كذلك من وقت الغروب إلى بعد عشاء الآخرة، وتُعُجّب من هذا الخسوف في كونه في ليلة الثالث عشر، وأجازه أهل الهيئة (٤). (كائنة طلوع التجار للقلعة) (٥) وفيه- أعني هذا اليوم- نودي من قِبَل السلطان بالقاهرة إلى طلوع التجّار وأعيان السوقة إلى القلعة في غَد هذا اليوم. ولما بلغ الناسَ ذلك ظنّوا التفات السلطان إلى النظر في أحوالهم، لِما حلّ بهم من ( … ) (٦) والشدّة مع جُلبانه في

стр. 845

أخْذ أموالهم ظلمًا وعدوانًا، بغير طريق، وبما يشاؤوا (١)، وكيف شاؤوا (٢)، وهرعوا إلى القلعة، وطلع أكثر الناس ( … ) (٣) تمكينًا. ولما اجتمعوا بالقلعة ركب السلطان، ثم نزل إلى جهة القرافة، وعبرها، فباتوا بالقلعة في انتظاره، حتى عاد وقد تعالى النهار بعد أن تعطّل الكثير منهم عن أسبابهم ومعايشهم وأشغالهم وحوائجهم، وجلس السلطان بالحوش على الدّكّة، وأمر بإحضار الجماعة إلى بين يديه، ثم بدأهم بالكلام بما معناه، أنهم لا يشترون القماش بالجريدة أصلًا، فإنهم يشترون بغلُوّ السعر، ثم يُجبرون المشتري ويطلبون مع هذا العُلُوّ فائدة أيضًا، ثم أمرهم بأنهم إذا أُخيروا (٤) التقدير، فلا يزيدون، بل يخبرون بالصدق، وتكلّم بكلمات من نحو هذه المقالة لا فائدة فيها، ولا طائل تحتها، ولا وجه لها شرعًا، فإنّ للإنسان أن يشتري ما شاء، كيف شاء، إلى متى شاء، ويبيع ما يشاء، كيف شاء، لا حجّة عليه في ذلك شرعًا ولا عُرفًا، بل كان في مقالة السلطان ما يؤذن بجسارة الجُلبان، وبكثير أذاهم، وباللَّه المستعان. ورجع من جاء بالخيبة، وزاد بهذا فساد الجُلبان، ولو أنهم إذا أخّروا بالمشترين يعيدون فائدة يسيرة، ويأخذون أو يأخذون بما قام على البائع، لَطَاب الأمر، لكنهم كانوا إذا أخّروا بمشترين شيئًا (٥) بمثلهم ( … ) (٦) مثلًا أُعطوا نصفه، أو أقلّ، أو أكثر قليلًا، وإن امتنع البائع أخذوه بغير شيء، وذلك بعد بهدلة صاحبه. وزادت بعد هذه المناداة شرور هذه الجُلبان على الباعة، حتى باعة أصناف المأكل. ثم زاد الأمر شدّة بأن صار من له شَبَه بالمملوك كالتركماني من الغلمان، وغيرهم من المتشابهة بالمماليك من أيّ جنس كان هذا المتشابه، يلبس على رأسه الزّمْط لدى ( … ... ) (٧) الجُلبان، ويلثّم وجهه، ويجيء إلى أيّ حانوت شاء، ويأخذ منها ما شاء، كيف شاء ( … ... ) (٨) بشأن، ولا يسأله، وإن كلّم فلا يخلو إمّا أن يكون تركمانيًا يعرف اللغة التركية ( … ... ) (٩) المهمترة (؟) والغُتْمة بالتركي، فيُسْكِت البائع، وإن كان غير ذلك بأن كان لا يعرف اللغة التركية فعل ما يفعله وهو ساكت، وإن عورض أدّى بمعارضه رفع عصًا (١٠) معه ( ...... … ) (١١) بها، بل ربّما ضرب حين يعلم استلياش السوقي ومن حضر، وحصل

стр. 846

بواسطته كثير من الأذى والضرر الزائد على الناس ما لا يُعبَّر عنه، لكنْ فرّج اللَّه تعالى عن الناس شرّ هؤلاء الجُلبان بموت أسيادهم، ومعاجلة أخذه قبل الخبث، بل لكثير ( … ) (١) الكبير، وأراح اللَّه تعالى العباد، وأزال الفساد حين الاشتداد، وبدايته قبل نهايته، ولله الحمد على ذلك (٢). (كائنة الطباخ وبغلة القاضي) (٣) وفيه، في يوم السبت العشرين منه، فُقدت بغلة القاضي محيي الدين عبد القادر الطوخي (٤) الشافعي، أحد نواب الحكم، ثم اطُّلع على طبّاخ أخذها فذبحها، وعمل من لحمها مرقَّقات، وباع ذلك على المسلمين، فظُفر به، فضرب أشدّ الضرب، ثم شُهّر بشوارع القاهرة (٥). وكان إنسان (٦) من طلبة العلم من الأروام، ممّن أعرفه، يواظب كل الأوقات من هذا الطبّاخ، حتى ذكر لي مرة بأنه لم يأكل عند طبّاخ غيره مثل ما عنده، لكثرة ما في مرقّقاته من الحرارات والأباريز، وكان في أثناء بيعه يقول: ياكرّ طاهر، وعِرق ظاهر، فلما اطّلع عليه، وفُعل به ما فعل، صَدَفَه هذا الإنسان وهو يُشهّر بالقاهرة ( … ... … ) يخبره وقال: إن اللحم كان عليه بغير ثمن، فلا جَرَم كان يكثر أباريزه، وهذا يضاهي في قوله عِرقٌ ظاهر، فإنه عِرق البغل، ولا خلاف في إظهاره. [وصول كتاب الخواجة الأندلسي إلى السلطان بالقاهرة عن الكائنة بفاس] وفيه أيضًا وصل كتاب إلى القاهرة من الخواجة (٧) إبراهيم الإفرنتيني الأندلسي المدجَّن إلى السلطان ووكيله ( … ) (٨) يخبر السلطان فيه بكائنة

стр. 847

اليهود التي اتفقت بفاس، على ما تقدّم، لكنْ لم يخبر بها على جليّتها كما ذكرناها، بل ذكر شيئًا، وغابت عنه أشياء. وكان الخبر ورد إلى الإسكندرية بها في هذه الأيام، لبُعد المسافة. (أخْذ حسن خَرْتَ بِرْت بعد محاربة ابن ذُلغادر) (١) وفيه، في هذه الأيام، تواترت الأخبار وترادفت من جهة حلب، بأنّ حسن الطويل بن قرايُلُك قصد مَلك أصلان بجموع كبيرة، وتَوَاقعا، وأن حسن هزم ملكَ أصلان المذكور، ودخل في إثره الأَبُلُسْتَين، وخرّب غالبها، ثم أخذ خَرْتَ بِرْت منه، فانزعج السلطان لهذا الخبر، وشقّ عليه ذلك (٢) في الباطن (٣). وكان السبب فيه في الحقيقة هو السلطان، لأن حسن لما بعث يطلب خَرْتَ بِرْت عِوَضًا عن كركر، احتجّ السلطان عليه بأنه أعطاها لنائبه ملك أصلان، وإنْ قَدَر حسن على أن يأخذها منه، فَعَل، فكأنّ حسن استند لهذا الإذْن، وإن لم يكن ذلك مُراداً للسلطان، على أن السلطان دسّ لملك أصلان يأمره بأنه لا يسلّمها لحسن. [ولاية بلاط نيابة الكرَك] وفيه، في أواخره، أعني هذا الشهر، استقر بلاط في نيابة الكرَك، عِوضًا عن جانبك التَنَمي (٤)، بعد عزله عنها (٥). [ربيع الأول] وفيها استهلّ ربيع الأول بالثلاثاء، وطلع القضاة لتهنئة السلطان به. [عودة الشريف الكردي من رُسليّته إلى ابن عثمان] وفيه، أعني هذا الشهر، في يوم الثلاثاء المذكور، وصل السيد الشريف علي

стр. 848

الكردي الشافعي من بلاد ابن (١) عثمان ملك الروم، عائدًا من الرسليّة التي تقدّم خبر خروجه إليها، وطلع إلى السلطان، وعليه خلعة ابن (٢) عثمان، وعلى يده مكاتبة منه تتضمّن التودّد للسلطان، لكن الحال على ما هو عليه في عدم الإنصاف في مكاتبته، وعدم جَرْي ذلك على ما كانت عليه العادة قبل ذلك (٣). [الخلعة على خيربك بإمرة المحمل] وفيه، في يوم الخميس ثالثه، خلع السلطان على مملوكه خيربك الخازندار باستقراره في إمرة الحاجّ بالمحمل (٤). [إمرة الركب الأول] وقرّر في إمرة الركْب الأول كُسْباي الشِّشْماني المؤيَّدي، وخلع عليه أيضًا (٥). [تقرير خُشكَلدي في الحسبة] وفيه، في يوم الإثنين، سابعه، استقر في وظيفة الحسبة بالقاهرة خُشكلدي البَيْسَقي (٦)، أحد مماليك السلطان من الخدامة عنده في إمرته، وصرف سودون الفقيه (٧). [صرف يشبُك أوش عن نيابة صفد] وفيه، بظنّي هذا الشهر، صُرف يشبُك أوش قُلُق (٨) المؤيَّدي عن نيابة صفد، وأُمر بالتوجّه إلى دمشق على التبدية التي كانت بيده أولًا على ما أسلفنا ذلك في محلّه (٩).

стр. 849

(ولاية جَكَم نيابة صفد) (١) وفيه استقر في نيابة صفد جَكَم الأشرفي (٢) خال العزيز، عِوضًا عن يشبُك المذكور نقلًا إليها من نيابة غرّة (٣). (ولاية إيثال الأشقر نيابة غزّة) (٤) وفيه أيضًا استقر في نيابة غزّة إينال الأشقر (٥) الظاهري، نقلًا إليها من أتابكية حلب، واستقر في أتابكية حلب عِوضًا عن إينال المذكور أُلماس الأشرفي، نقلًا إليها من نيابة البيرة (٦). [نيابة البيرة] واستقرفي نيابة البيرة شادبك الجُلْباني (٧) الصغير بمالٍ بذله في ذلك (٨). [تهيّؤ السلطان للنزول للرماية والصيد] وفيه، في هذه الأيام، في هذا العقد من هذا الشهر، عزم السلطان على النزول للرماية والتنزّه بالصيد، فأخذ في التهيّؤ (٩) لذلك وتجهيزه وعمل أسبابه. وكان ما سنذكره.

стр. 850

[تحزَّب بني وَطّاس لحصار فاس] وفيه، في يوم الأربعاء، تاسعه، ورد الخبر إلى واهران في البحر الملح بأدن بني وَطّاس تحزّبوا، وجمعوا جموعًا عظيمة، وهم في نيّة حصار فاس، ليأخذها الذي يقال له مولاي الشيخ من صاحبها الشيخ الشريف محمد بن عِمران، وأن أهل فاس في ضررٍ كبير بسبب ذلك، وأن التجار والقوافل قد انقطعت ما بين تلك البلاد بسبب هذه الفِتن، وأن العرب الذين يقال لهم الشادية مع بني وَطّاس (١). [نزول السلطان من قلعة القاهرة إلى المطعم] وفيه، في يوم الخميس عاشره، ووافق رابع هاتور من شهور القبط، ركب السلطان من قلعته، ونزل إلى مطعم الطير، وهو لابس الصوف، وبين يديه أمراؤه وأعيان دولته، ووجوه مملكته، في موكب حافل جدًّا، وسار إلى أن وصل المطعم، فنزل بالمسطبة هناك، وألبس الأمراء الصوف على العادة، ثم عاد للقلعة، وقعد الناس لرؤيته (٢). (حيلة غريبة نادِرة) (٣) وفيه، في هذه الأيام، ورد الخبر إلينا بواهران، بأنّ جَمعًا من التجّار كانوا توجّهوا من تِلِمْسان وغيرها إلى فاس، وباعوا ما حملوه معهم للاتجار فيه. ولما جرت الفتنة حُصروا عن الرجوع عائدين إلى أوطانهم، فاتفق أربعة منهم على الرجوع بحيلبما احتالوها، مشت على العرب وقُطّاع الطريق، بأن سيّروا حميرًا، وجعلوا عليها أخراجًا بما كان معهم من المال النقد، وعمدوا إلى عِبِيّ عتيقة، فجعلوها أغطية على الأخراج، وأنهم أخذوا الطحّال من الغنم، فجفّفوه ودقّوه، وحملوه معهم مع شيء من الغراء، وخرجوا، وكانوا إذا قربوا من طائفة من العربان أو نجعًا أذابوا الغراء الذي معهم، وجعلوا يلطّخون مواضع من أبدانهم على رقابهم ووجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى نصف الساق، ثم يُذْرون على ذلك مما معهم من الطحال المرقوق المُجفّف ويمشون باستكانة، يوهمون بأنهم مجاذيم من أهل البلاء، وأنهم يجولون بحميرهم، عليها زادهم وأثاثهم، فكانوا إذا اجتازوا على العرب ورأوهم على تلك الحالة هربوا فارّين منهم، وأبعدوا عنهم جنون

стр. 851

العدوى، حتى كانوا يجعلون لهم من أنواع المآكل على ممرّهم بالطريق، ويشيرون إليهم من البُعد بأن يأخذوا ذلك، ويدعون لهم من غير أن يقربوا منهم، ولا يصلوا إليهم، ومعهم من كان يجعل الفضّة على رأس رمحه فيناوله إيّاهم، ولم يزالوا على ذلك حتى وصلوا إلى بلادهم، ولم يروا إلّا الخير والسلامة، وكان يكاد أن لا يطير الطير من شرور من اجتازوا بهم من العربان. وعُدّ ذلك من غريب الحِيَل والنوادر (١). [ثورة الجُلبان على السلطان بالقلعة] وفيه، في يوم الجمعة حادي عشره، ثارت جُلبان السلطان عليه بالقلعة، وطلبوا منه تتريات (٢) صوف التي جرت العادة بأن تكون مُعدّة عندهم للأسفار والرايات، وخروج السلطان للصيد، وأفحشوا في ذلك وفي طلبهم، فأبطل السلطان ما كان قد عزم عليه في أوائل الشهر من خروجه للرماية، على ما أسلفنا ذلك، إذ لم يسَعه إلّا ذلك، وبعث إليهم بأن ذلك لأجل خروجه، وقد آن وقت الخروج، وكان ذلك من أهمّ ما فعله، لأنهم كانوا متعنِّتين، فاختشى عاقبة أمرهم، ولهم في هذه القضيّة حكاية مطوّلة، هذا ملخّصها (٣). [قراءة المولد النبوي] وفيه، في يوم الأحد ثالث عشره، عمل السلطان المولد النبويّ بالحوش من القلعة على العادة (٤). [وصول قاصد ملك أصلان] وفيه- أعني هذا اليوم، وصل قاصد ملك أصلان بن دُلغادر (٥) نائب الأَبُلُسْتَين، وبُلّغِ السلطان قدومه، فلم يأذن له بالمثول بين يديه غضبًا على مرسله، لكونه سلّم خرْتَ برْت لحسن الطويل من غير إذنٍ له في تسليمها له من السلطان (٦).

стр. 852

[تعيين برسباي قرا لتقليد نائب صفد] وفيه، في يوم الخميس سابع عشره، عيّن السلطان بَرْسْباي قَرا المحمدي (١) الظاهري، الذي هو رأس نَوبة النُوَب الآن بعصرنا هذا، وكان إذ ذاك من العشرات، عيّنه لحمل تقليد نائب صفد جَكَم الأشرفي إليه. (تعيين بخشباي لتقليد إيثال نيابة غزّة) وعيّن بخشباي من ( … ) (٢) أحد الخاصكية والدوادارية من مماليكه، وهو الذي صار دوادارًا ثانيًا بعده، و ( … ... ) (٣) ذلك ما سيأتي بيانه في محلّه، لحمل تقليد إينال الأشقر نيابة غزّة ( … ... … ) (٤) لها. (غضب السلطان على منصور الأستادّار) (٥) وفيه، في يوم الإثنين، ثامن عشرينه، قبض السلطان على منصور بن الصفيّ (٦) الأستادّار، وحبسه بالقلعة بغير موجب ظاهر، فإنه لم يُظْهر العجز، بل وكانت أحوال الديوان المفرَد مسدَّدة (٧). [إعادة زين الدين إلى الاستادارية] وفيه أعيد زين الدين الأستادّار إلى الوظيفة على عادته (٨). [ضرْب منصور الصفيّ] وأمّا منصور فإنه بقي في الحبس، ثم طلبه السلطان وحنق عليه، فقال له منصور: أغضبتُ اللَّهَ وأرضيتُك، أنَا أستحق منك فوق هذا الذي أنا فيه منك. فزاد غضب السلطان منه وحنْقه، فأمر به، فضرب بالمقارع بين يدي السلطان، ثم أعيد إلى الحبس، فبعث منصور إلى الوالد بأنه إذا اجتمع بالسلطان في يوم الثلاثاء عساه يُجري له ذِكره ويتلطّف في قضيّته عنده، وأكّد عليه في ذلك، فوعده الوالد بأنه يبدأ السلطان في ذلك، ويجتهد فيه غاية الاجتهاد.

стр. 853

ثم لما طلع الوالد للسلطان على عادته في كل ثلاثاء، بدأه السلطان، بعد أن استقر به الجلوس عنده، وأخذ في إجراء ذِكلر منصور، وبثّ قضيّته له كالمشتكي منه. فقال: طلبناه لنهيب عليه، ولا غرض لنا عنده، ولا في ضميرنا أذاه، فقلّل حياءه (١) علينا بحضور الملأ العام، وكان من جملة ما قاله لنا: إنه أغضب اللَّه وأرضانا، فضربته بالمقارع تعزيرًا له على ما وقع منه من قلّة الأدب. فوجد الوالد المندوحة حينئذٍ في التلطّف بقضيّته، فكلّمه كلامًا طويلًا في كظْم الغيظ، والعفو عند المقدرة، وأورد بعضًا (٢) من الآيات الشريفة القرآنية، وبعضَ أحاديث، من جملتها قوله ﵇: "الراحمون يرحمهم الرحمن" (٣) إلى غير ذلك، فما أثّر ذلك فيه، ولا عطّفه اللَّه تعالى عليه، بل صمّم على ما هو عليه من حنقه عليه، وغضّه منه، حتى آل أمره أن كُفّر بأشياء، من ذلك ما قاله للسلطان، وضربت عنقه صبرًا تحت الصالحية، بحكم الحسام بن حُرَيْز المالكي، زعمًا بأن ذلك بطريق شرعي، وعند اللَّه مجتمع الجميع. [ربيع الآخرة] [الخلعة بالأستادارية وديوان المفرد] وفيها في يوم الخميس، مستهلّ ربيع الآخرة، خُلع على زين الدين بالأستادّارية، عِوضًا عن منصور الماضي خبره، وخُلع على موسى ابن (٤) كاتب عُرَيب القبطي بنظر ديوان المفرَد بعد أن كان السلطان عيّنهما لذلك قبل ذلك في الشهر الماضي، وألبسهما خلعتَيْ الرضا (٥)، لا ﵄ (٦).

стр. 854

[ضرب منصور بالمقارع] وفيه، في يوم (السبت) ثالثه، أحضر السلطان منصور فضربه بالمقارع بين يديه، وامتحنه بأنواع من المِحَن ثم كان له ما سنذكره (١). (وصول الخبر بقتل ملك أصلان بن دُلغادر) (٢) - وفيه، في يوم الخميس عاشره، قدِم إنسان وعلى يده سيف ملك أصلان بن دُلْغادر (٣)، نائب الأبُلُستَين، وأخبر بموته قتيلًا، بأنْ وثب عليه فِداويّ في يوم الجمعة بالجامع، فقتله بسكّينٍ معه. وأشيع بالقاهرة بأنّ قتله كان بدسيسةٍ من السلطان، وكان ذلك أشأم رأي، فإنه حصل من بعد قتله من الشرور والفِتن وتلاف الأنفُس والأحوال، وهلاك العباد، وخراب البلاد، وأثار بفِتَنٍ وهلاك الكثيرمن عساكر المسلمين، وكسر ناموس هذا الملك، وكشف حاله لكل أحد، وطَمَعَ الطامعين فيه، بأن يكاد أن [لا] يوصف ولا يُحَدّ، ولا يُعبّر عنه. فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون. فإن تلك الفِتَن لا زالت تنموا وتزيد من تلك الأزمان وإلى الآن، وهي باقية إلى يومنا هذا نحوًا أو زيادة على العشرين سنة على ما هو معلوم للسامع في ذلك. هذا، وبالفه المستعان وعليه التكلان. (ولاية شاه بضاغ بن دُلغادر) (٤) وفيه -أعني هذا الشهر- استقر في نيابة الأبُلُستَين شاه بُضاغ (٥) بن دُلغادر (٦)، أخو المقتول، عوضًا عن المذكور (٧).

стр. 855

[ترجمة شاه بُضاغ] - • وشاه بُضاغ هذا موجود إلى زمننا هذا، وُلّي هذه الولاية ولم يتهنّ بها، ووردعليه شاه سِوار (١)، وأخرجه من البلاد، وملك عدّة سنين، ووقع منه الأمور المشهورة المعروفة، الآتية شيئًا فشيئًا في محالّها، من بعد هذه السنة إلى سنة سبعٍ وسبعين (٢)، وستقرأها مفصلة. ثم أُخِذ سِوارُ بعد اللُّتَيا والتي، وبعد الحروب والخطوب الهائلة، وأعيد شاه بُضاغ هذا (٣)، ثم قبل ذلك كان عُزل بأخيه رستم، قبْل أخْذ شاه سوار، وأعيد، ثم لما أعيد بعد سوار باشر مدّةً، حتى ورد عليه أيضًا علاء الدولة (٤)، وهو أخوه أيضًا لِسوار، فأخرجه من البلاد وملك عِوضه، وذلك بعد نوبة بايُنْدُر التي قُتل بها يشبُك الدوادار، وما كفاه إخراج أخيه إيّاه، حتى تغيّظ عليه الأشرف سلطان العصر، كونه لم يدافع علاء الدولة المذكور، ونسَبَه إلى التفريط ظُلمًا وعدوانًا، والحال إنهم المفرّطون، الذين أطمعوا الناس في هذا الملك، حتى تُركمان ملكتهم الذين كانوا في الحقيقة كَرُعيانهم، وبعث الأشرف بسَجْنهم، فسُجِن بقلعة دمشق، وهو بها إلى يومنا هذا، من سنة خمسٍ وثمانين أو التي بعدها. وهو شاب حسن، ساكن، قليل الشرّ بالنسبة لإخوته وأقاربه، حسن الطاعة لملوك مصر، أحسن اللَّه تعالى عاقبته، فإنه من أصحابنا وبيننا مودّة لما أن كان مقيمًا بالقاهرة في فترات سوار بعد إخراجه من المملكة الدُلْغادريّة (٥). [سفر المؤلّف إلى الأندلس] وفيه، في يوم نصفه، سافرت في البحر الملح إلى بلاد الأندلس في مركب

стр. 856

كبير للجنويّين مع جماعة من تجار الأندلس وتِلِمْسان وواهران وغيرهم، وأقامت أمّ ولدي بمنزل الشيخ الإمام، العالم، الفاضل، الصالح، العابد، الزاهد، سيدي أبي (١) عبد اللَّه محمد المعروف بابن القصّار (التِلِمْساني) (٢) خطيب جامع البيطار بواهران، وأحد أعيان أصحاب سيدنا الشيخ الوليّ، العارف باللَّه، سيدي إبراهيم التازي، الماضية ترجمته. وذُكر القصّار هذا أيضًا في روايتنا عنه بالسعد بن التازي المذكور من النظم، فَخَلَفَنَا سيدي محمد المذكور في أهلنا خلْفاً جميلًا، جزاه اللَّه تعالى عنّا خير الجزاء، ورحمه رحمة واسعة، فإنه ورد علينا بعد هذا التاريخ للقاهرة حاجًّا في سنة أربع وسبعين، وتوجّه إلى مكة المشرّفة، فأقام مجاورًا بها. ومات في سنة ست وسبعين (٣). وستأتي ترجمته في ذِكرنا هذه السنة إن شاء اللَّه تعالى. [دخول المؤلّف مالقة] وفيه، في يوم الجمعة، ثالث عشرينه، دخلت لمدينة مالقة من بلاد الأندلس، فنزلنا بها، واجتمعنا بها بالشيخ العالم العلّامة، الإمام، الهُمام، سيدي أبي (٤) العباس أحمد السيد الشريف التِلِمْساني، شيخ الأندلس وعالمها، وقاضي الجماعة بغَرناطة كان، بل عالم المغرب في وقته، فأنِس بنا، وسمعنا الكثير من فوائده. وستأتي ترجمته إن شاء اللَّه تعالى. - • واجتمعت بها أيضًا بالشيخ العالم، الفاضل، سيدي أبي (٥) عبد اللَّه محمد بن القرعة قاضي مالقة وخطيبها، وسألني عن ترجمة الشيخ خليل المالكي (٦)، وذكر لي أنه بصدد شرح "مختصره" (٧)، وأنه لا خبر عنده من أحواله، وأن له الشوف والاستشراف الزائد في ترجمته، وكانت ترجمته عندي من "دُرَر" (٨) الحافظ ابن (٩) حجر، فأوقفته عليها، فانشرح لذلك صدره. ثم حضرتُ الكثير من

стр. 857

دروسه استئناسًا به، وسمعت الكثير من فوائده، ولا سيما العربية، فإنه آية فيها. وهو إنسان حسن، عنده بِشْر وبشاشة، وطلاقة محيّا، قرأ الكثير، وأخذ عن جماعة من علماء عصره، منهم الشريف التِلِمْساني المذكور، ومنهم قاضي الجماعة في ذلك العصر سيدي الشيخ العلّامة، الرَّحلة، أبي عبد اللَّه محمد بن منصور (١)، الآتية ترجمته في سنة (ثمانٍ) (٢) وثمانين إن شاء اللَّه تعالى، وشُهر وتميَّز، ووُلّي قضاء مالقة وخطابة جامعها الأعظم وإفتاءها (٣) وهو بصدد نفع الطلبة بها. وكان شابًّا في تلك الأيام من أبناء الأربعين فما دونها، وبلغني الآن بأنه في غاية الشهرة والذِكر بمالقة، وهو على ما هو عليه، نفع اللَّه تعالى بعلومه وكثّر منه. [خبر فرار إنسان من مالقة إلى بلاد الفرنج] وفيه، في يوم الأحد، رابع عشرينه، كنّا وقوفًا بباب البحر بمالقة، وإذا بإنسان فارّ مسرع في جَرْيه، مستريب جدًّا، وهو مُجِدّ في العدْو، مرّ علينا كالبرق الخاطف، ثم أعقبه أُناس مسرعون (٤) خلفه، مُجدّون (٥) في طلبه وإدراكه، فلم يقدروا على تحصيله، وقصد في هربه بلاد الكُفْر من بلاد الفرنج، فسألنا عنه، فقيل لنا إنه احتنق هو وآخر، فقتله في هذه الساعة، ثم سألت عنه بعد ذلك، فقيل لي إنه لحِق بدار الحرب، ودخل تحت إيالتهم ببلاد الفرنج البُرطقال. فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه. [هجوم الفرنج على طاحون خارج مالقة] وفيه، في يوم الثلاثاء، سادس عشرينه، هجم جمعٌ من الفرنج البرطقال على بعض الطواحين، خارج مالقة، فأسروا عدّة من المسلمين ممن كان بالطاحون المذكورة. ثم ورد الخبر بأن أسيرًا من الكفّار، ممن أسلم بهذه البلاد، ثم هرب من مالقة، هو الذي أتى دليلًا مع هؤلاء الكفّار بعد ارتداده، وفعل معهم ما فعل بهذه الطاحون، وللَّه الأمر (٦).

стр. 858

[عزل الطواشي جوهر] وفيه، في يوم الخميس، تاسع عشرينه، عزل السلطان الطواشي جوهر النوروزي (١) عن تقدمة المماليك، وقرّر عِوضه في التقدمة نائبه مثقال الظاهري الحبشي (٢)، الماضية ترجمته (٣). - • - وقرّر في نيابة المقدّم الطواشي، زين الدين خالص التكروري (٤) أحد الخدّام (٥)، وهو موجود إلى يومنا هذا وفي تقدمة المماليك، وهو عليها في عصرنا. وأصله من خدّام فاطمة ابنة مقبل القريري (٦)، ثم انتقل إلى مِلك فاطمة زوجة جَرِباش قاشق (٧)، أمّ الخَوَنْد زوجة الظاهر جقمق الماضية، ولهذا قيل له خالص السيفي جرباش قاشُق بهذه المناسبة، لا أنه مشترى (٨) لجرباش المذكور، ولم يزل في حرازها إلى أن مات جَرِباش المذكور، فتنزّل في بيت السلطان من جملة الطواشيّة، وصار بعد ذلك مقدّمًا لبعض الطِباق، أو نحو ذلك، حتى صُرف جوهر النَوروزي ووُلّي عِوضه مثقال، طلب الظاهر خُشقَدم هذا، فولّاه نيابة التقدمة، فدام بها مدّة، إلى أن غضب الأشرف قايتباي على مثقال هذا، لشيءٍ

стр. 859

نُسِب إليه، فأخرجه مَنْفيًّا إلى طرابُلُس، على ما قد بيّنّاه في ترجمته، وعلى ما سيأتي في سنة كينونته، فطلب السلطان الأشرفُ المذكور خالصَ هذا، واستقرّ به في تقدمة المماليك، عِوَضًا عنه، وهو عليها إلى الآن، وباشرها في الأوائل مباشرة بحُرمة وافرة، قبل تنمرد جُلْبان الأشرف المذكور، وتمرّدهم، وحين كانوا كامنين خاسرين، وكان له عليهم السطوة والمهابة الظاهرة، حتى كانت الخاصكيّة الأعيان تخشاه، فضلاً عن غيرهم. ثم انحطّت حُرمته شيئًا بعد ذلك عمّا كانت، ثم جرى بينه وبين الجُلبان، كأنه أرادوا القيام عليهه، بل قتْله، ثم خلّصه اللَّه تعالى، وخمدت حُرمته جدًّا عمّا كانت بعد وفورها جدًا. وهو إنسان لا بأس به، مع حدّة في مزاجه وبعض طَيش وخفّة، لكنّه قليل الشر، كثير التودّد إلى الناس، ينصرهم على المماليك، ويقوم مع من قصده. أظنّه بلغ الخمسين سنة، أو قاربها. وهو أسود، بصّاص، طويل القامة، ضعيف أجفان العينين، له شهامة وضخا مة، وثر وة زائدة، وعنده ( … ) (١) وحشمة، وبشاشة وجه. (ذِكر قَصَبة مالقة) (٢) وفيه، أعني هذا اليوم صعِدت بمالقة إلى قَصَبتها، وهي القلعة بها دار الإمارة، وكانت حينئذٍ خالية من السكان، لأنها لم يكن بها عامل (٣) حينئذٍ، فرأيتها قبّة هائلة، وبها الآثار العظيمة. وهى من تجديد السلطان الكبير أبو الحسن المَرِيني، ملك المغرب فاس، الذي ملك المغرب جميعه، ومَلَك الأندلس الملقّب بالمنصور (٤). ثم إنني رأيت بهذه القصبة مكانًا مُعَدّاً للماء به ثلاثة من الأزيار المالقي، ما رأيت ولا سمعت بمثلها ولا بحُسنها، قد صُفّت ثلاثتُها إلى جانب بعضها البعض بهذا المكان، المُعَدّ لشرب الماء، بدِهليز هذه القصبة، كل زير منها كالثغار أو الخابية الكبيرة بهذه البلاد، لكنّها ليست كالنواعير واسعة الأفواه، بل ضيّقتها، بأعناقٍ كالأزيار لا الخوابي، وهي بديعة الصنعة، غريبة النقوش، من العجائب والنوادر، ومن جنسها في هذه البلاد، لكنْ لا قَدْرها في العِظَم وحُسن الصنعة،

стр. 860

زِيرٌ بالسبيل الذي تجاه بركة الناصرية، بالقرب من زاوية أبي (١) شامة. وكذلك بحارة زَويلة بسبيل ابن (٢) جلّود، الذي إلى جانب باب داره. لكنْ شتّان ما بين الصنعتين، على أنهما- أعني ما بتلك البلاد وما بهذه البلاد من صنعة مالقة، لكن ما هناك عُمل للسلاطين. [جمادى الأول] وفيها استهلّ جمادى الأول بالجمعة، وطلع القضاة ومن له عادة للتهنئة للسلطان. [الرياح العاصفة] وفيه- أعني جماد [ى] هذا في يوم الأحد، ثالثه، ثارت رياح عاصفة جدًّا عظيمة هائلة بمدينة مالقة ونحن بها، فاقتلعت الكثير من الأشجار الهائلة العظيمة، فما ظنُّك بغيرها، وغرّقت الكثير من المراكب في البحر. ووردت الأخبار بأنه فسد بهذه الريح عدّة من مراكب للفرنج البرطقال، كانوا قد تجهّزوا بها قاصدين غزو المسلمين، فخذلهم اللَّه تعالى وأهلكهم. ودام هبوب هذه الرياح من بعد نصف العصر إلى فجر يوم الإثنين، وكانت أمرًا مهولًا، لا سيما في الليل (٣). [وفاة الخَوند شُكْرباي] وفيه، في يوم الأربعاء سادسه، مات الخَوَند شُكْرباي (٤) الأحمدية، زوجة السلطان، وكان لها جنازة حافلة مشهودة. وستأتي ترجمتها في تراجم هذه السنة إن شاء اللَّه تعالى. [طلوع والد المؤلّف إلى السلطان] وفيه، في يوم الجمعة، عاشره، طلع الوالد للاجتماع بالسلطان على العادة، لتعزيته في الخَوَند شكْرْباي المذكورة، فقال له السلطان: لقد قاست خَوَنْد هذه من الشدّة في النزْع ما لا يُعبّر عنه، حتى لقد صغُرت الدنيا في عيني، وصغُرت عندي نفسي لما رأيتها على تلك الحالة. فأجابه الوالد بجوابٍ حصل له عنده منه السرور والارتياح.

стр. 861

[خروج المؤلّف من مالقة لجهة غَرناطة] وفيه، خرجنا من مالقة على البغال لجهة غَرناطة، فاجتزنا بطريقنا على بلدة من بلادها يقال لها يكش، مدينة جيّدة، كثيرة الخيرات والفواكه، وبها من التين اليابس والزبيب واللوز شيء كثير (١). وذكر لي جماعة من أهلها أن المراكب الكبار تأتي إلى بعض السواحل القريبة من يكش هذه، وتوسق من التين واللوز ما شاء اللَّه أن توسِق، وتحمل ذلك منها إلى غالب البلدان النائية عنها. ومع ذلك فلا يظهر نقصُ ذلك ببلدنا. ثم سرنا منها إلى بلد يقال لها الحامة، وهي من أعظم البلدان نزاهة وحسنًا، وبخارجها مكانان بُنيا على عينين من الماء الحارّ من نبعهما، وبهما بُنيت هذه البلدة الحامة، أحد المكانين للرجال، والآخر للنساء. وليس بهذه البلدة حمّام (٢) غيرهما يجريان بلا تكلّف، ويدخل الداخل إليها للاغتسال والاستحمام من غير أجرة. ورأيتهما مبنيَّين (٣) بنافي عجيبًا محكم (٤) البناء. ثم دخلت الحامة المختصّة بالرجال واغتسلت منها، ثم بتنا بهذه البلدة. وهي ذات سور منيع، وأصبحنا في الغد على الطريق لجهة غَرناطة، فدخلناها في اليوم الثاني صبيحة النهار، وكان ذلك في أواخر هذا الشهر، ورأيت غرناطة فإذا بها بلدة نزهة عظيمة، من أعظم بلاد الأندلس، وهي قاعدة ملك الإسلام بالأندلس، وتخت السلطنة بها، غريبة الوضع، حسنة الأبنية، ظريفة، أنيقة، بديعة الوضع، بها سائر أرباب الصنائع، وهي كدمشق الشام، وبها المياه الجارية والبساتين الآجنة والكروم، وهي مجمع الفضلاء والعلماء والأعيان والشعراء، وأرباب الفنون والعمالات، وبها بقايا الناس، والآثار العظيمة، والأمكنة النزهة، وهي في الجند بقدْر دمشق، لكنها محشُوّة حشوًا، وأهلها من خيار أهل البلاد، وأشجع الناس. يقال إن بها ثمانين ألف رام بقوس الجَرْخ. ومن كانت العامّة من أهل غَرناطة معه من ملوكٍ راج أمرُه، ومن شاؤوا (٥) سلطنته أبقوه، ومن أبوه أخرجوه. وبها الطرائف والآداب والأنداب الغريبة. وبالجملة فهي من أعظم بلاد المغرب وأنزهها. لقيت بها جماعة من العلماء والفُضلاء، منهم: ٢٨٧ - • شيخنا، سيّدنا، ومولانا، قاضي الجماعة بها، الشيخ الإمام،

стр. 862

العالم، العلّامة، أبو (١) عبد اللَّه محمد بن منصور (٢)، إنسان من كبار أهل العلم والفضل الغزير، له تُؤدة وحُسن سمْت، وسكون زائد، ووقار ودين، في خيرٍ، وأدب، وحشمة، وورع، وعفّة. حضرت عنده غير ما مرة، وسمعت الكثير من فوائده. كثّر اللَّه في الإسلام من مثله. وقد بلغني أنه موجود إلى الآن في هذا الزمان، وهو باقٍ على قضائه ومنصبه لدينه وعفّته، وحُسن سيرته، وحمْده وشُكره في إنصافه، وقضائه بالحق والعدل. حفظه اللَّه تعالى وأبقاه، وبعين عنايته رعاه. (الرياح والبَرَد النادِر بالقاهرة) (٣) وفيه، في يوم السبت، سادس عشره، ثارت رياح مزعجة بالقاهرة مَرِيسيّة، وكان ذلك موافقًا لثاني طُوبة، من شهور القِبط، ثم أعقب ذلك بَرَد شديد جدًّا، بحيث لم يُر مثل ذلك البَرَد من شدّته، وما عهده أهلُ مصر، ولا رأوا ما يشبهه في القريب من هذه الأزمنة إلّا نادرًا جدًا، بحيث جمدت المياه من هذا البَرد، وصارت جليدأ، وأبيع الجليد في المزابل على الحمير بالقاهرة، وهلك الكثير من الزرع والشجر، وأضرّ ذلك بحال الكثير من الناس، وكان من النوادر الواقعة بمصر (٤). [خروج المؤلّف إلى بساتين غَرناطة] وفيه، في ثامن عشرينه، خرجتُ إلى جهة أجِنّة غرناطة وبساتينها، فرأيت العجبَ من كثرة ذلك، وما بها من الفواكه والخيرات. ثم في يوم سلْخه خرجنا نتنزّه في كروم غَرناطة أيضًا من جهتها الأخرى، غير جهة الأجِنّة، فرأيت أمرًا مهولًا من الأشجار من عنب وتين. [طلوع المؤلّف إلى سلطان غَرناطة] وفيه، في يوم الجمعة، تاسع عشرينه، طلعتُ إلى صاحب غرناطة السلطان أبي (٥) الحسن الماضي ذِكره، وهو بحصنه دار الإمارة، التي يقال لها "حمراء كَرناطة" يأنس إليّ، وكان بعث يطلبني إليه ليسألني عن أخبار صاحب تِلِمْسان،

стр. 863

وصاحب تونس، فذكرت له ما حضرني من ذلك، ثم أخذ يسألني عن الشام وأحواله، وعن القاهرة وملكها، وأنا أجيبه عن كل ما سأل من ذلك، وهو متعجب بما أجيبه. ثم خرج لي أمره في ظهر كتب لي عليه خَطّه، بأن لا يؤخذ منّي مما يلزم التجّار من المغارم، وأكرمني إلى الغاية، جوزي خيرًا. [جمادى الآخرة] (عقد الظاهر على سورباي وجعلها الخَوَند) (١) وفيها استهل جمادى الآخرة بالسبت. ففيه، في يوم الأحد ثانيه، عقد السلطان الظاهر خُشقَدَم على إحدى سراريه، أمّ ولد له، ولدت ابنةً منه، واسمها -يعني هذه السريّة- سورباي (٢)، ولما عقد عليها بعد عتْقها، جعلها الخَوَند الكبرى، عِوَضًا عن الخَوَند شُكْرباي الأحمديّة، ونُقلت إلى قاعة العواميد. وسُورباي هذه موجودة إلى هذا، عَزْباء. تسكن بدار سودون قراقاش بالحُصريّين، بالقُرْب من الجامع المسمَّى بجامع المارداني. كان استولدها السلطان ابنةً اسمها فرح. ثم لما ماتت الخَوند شُكْرباي عقد على هذه في هذا اليوم، وتولّى العقد قاضي القضاة المحبّ بن الشِحنة. ولما مات أستاذها دامت عَزباء، وخرجت إلى الحج وعادت (٣). [إمرة الطبلخاناة] وفيه، في يوم الخميس سادسه، استقرّ في الإمرة الطبْلخاناة، التي كانت بيد كُسْباي الشِّشْماني (٤)، جانبك من طَطَخ (٥) الظاهري، الأميراخور الطبّاخ حينئذٍ، الذي صار أميرا خورًا كبيرًا فيما بعد ذلك، ثم أمير سلاح. وستأتي ترجمته إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 864

[تزايد الأسعار] وفيه، في يوم الأحد تاسعه، ووافق أول أمشير من شهور القبط، تزايدت الأسعار في الغلال. وبيد اللَّه الأمور. (ذِكر ما يتعلّق بأوصاف غَرناطة) (١) وفيه، في عاشره، خرجتُ من غرناطة إلى جهة الرَبَض بها، وهو المعروف برَبَض البيازين، فرأيناه ورأينا جامعه الأعظم، وهو غريب من أحسن الجوامع بناءً، به السواري الرخام الأبيض الأنيقة، واجتزنا في مرورنا بالمسجد، الذي بمنارته في مكان الهلال، هيئة دِيَكة، باسطة جناحيها (٢)، ويُعرف عندهم بفروج الرواح، أي الرياح. ورأيت من ذكر أنه وُضع طلْسَم لمنع الريح العظيمة ويُذكرون أنه لولاه لهبّت الرياح على غرناطة، وأضرّت بحالها، بل أهلكتها. ثم عدنا ودخلنا إلى الحمراء لرؤيتها، وهي دار الإمارة، وقلعة السلطنة دار المُلك على مما قدّمنا ذلك، وهي غريبة الهيئة، محكمة البناء، أنيقة جدًّا، رائقة، على عِلّيةٍ بوجهين، أحد وجهيها مُطِلّ على مرج غرناطة، وهو مرج عظيم، يشقّه النهر الذي يقال له شنيل من عجائب الأنهار وأحسنها، به سَمَك غريب في جودته، يصفه الأطبّاء لأصحاب الحُمّيات، يقال له الرضراضي، وجهته هذه الحذاء الأخرى، مطلّ على جهة، وله جُدُر، والذي به أجِنّة غَرناطة وبساتينها بمنظر بهج رائقٍ نزهٍ من كِلا الجانبين. وهذه البلدة التي بُنيت عليها هذه الدار المعظمة، بلً الحصن الأعظم، ذ [و] الأبراج العجيبة. والسور الغريب، طرف جبل أحمر اللون بحضيضه من جهة المرج مكان يُستخرج منه تراب أحمر اللون جدًّا، يشبه في لونه الطين الأريني، (؟) يُعرف بالأندلس بتراب الأبحار المعدني، ومنه يُصنع الكيزان التي يُشرب بها الماء في تلك البلاد، وهي كيزان رفيعة، غاية في جودة الصناعة، مبرِّدة للماء بطبْعها، بل ولها منافع، فيقال إنها تنفع الإسهال الدموي شربًا، وهو كلام مقبول. ثم رأينا بها من الأبنية الغريبة، والأوضاع العجيبة الأنيقة، والنماذج التي في صناعة الجبْس، يُعجز الآن عن شرحه ووصفه. وبالجملة فإنّ غَرناطة هذه وحمراءها (٣) من أجلّ مدن الإسلام وأظرفها، لولا

стр. 865

قُرب الكفّار من تلك الديار، وأخْذهم غالبَ تلك الأقطار الأندلسية، والكثير من مدن الإسلام التي كانت مشهورة، لا سيما في أيام بني أُميّة، مثل مرسِية، وبَلَنسية، وقُرطُبة، وطُليطلة، وسَرَقُسْطة، وجَيّان، والحصمون المنيعة، كشاطِبة، ونحو ذلك من بلادٍ كثيرة كانت للإسلام، صارت للفرنج الان، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه. وكنت قد عزمتُ على التوجّه لرؤية قُرطبة لقربها من غَرناطة، لا سيما والصلح بين المسلمين والكفّار من أهل تلك الديار باق. وكانت تجار (١) طائفتي الإسلام والكفر كل يتردّد إلى بلاد الآخرين، فحصلتْ لي الكائنة التي أعاقتني عن ذلك، وهي ضربة السيف التي جاءت بوجهي من ذلك الإنسان العدوّ للَّه، الماضي خبرُه، الذي أسلم عن اليهوديّة، وسُمّي بعبد الرحمن، وحضر من القاهرة إلى طرابلس الغرب، وخلّصتُ له ولدَه، وتوجّه فدخل في توجّهه لغرناطة، وقَطَنها، ولا على ذهني شيء من خبره، ولا علم عندي من يوم خروجه من طرابلس. وكان لما توجّه من طرابلس جال ببعض البلاد أحتى قدم إلى غَرناطة، (٢) وادّعى بها أنه من الأشراف، وأنه من القاهرة، وأنه عارفٌ بالطبّ، رأسٌ فيه، وأخذ في مُعاداة الناس من أعيان أهل غرناطة وأطبّائها، مع جهله وقصوره في كلل فنّ، وصار يضيّق عليهم في كثير من الأشياء. والعادة جرت بتلك البلاد، بل غالب بلاد المغرب، أن الشرفاء يُراعون، ومهما فعلوا جاز، وأنا لا عِلم عندي بشيء من خبره، ولا بدعواه ما ادّعى، وهو أيضًا لا شعور له بقدومي إلى غرناطة. فاتفق لما أن قدمتُ إليها بعد أيام، بأن سُئلتُ عن إنسانٍ وُصف لي، خاصّة من غير أن يذكر لي واصفُه السائلُ عنه شيئًا من أحواله، لأنني لو كنتُ عرفت أو اطّعلت على صفة دعواه وحاله، لربّما سترت عليه بما لا يضرّني في ديني، فلما وصف لي السائل صفات إنسان سألني عنه، تأمّلت فإذا هي صفات عبد الرحمن الذي ذكرته فيما تقدّم، فعرفته بصفاته، وأظهرتُ لهم ما كان عليه، وما جرى له في إسلامه، وكيف ورد إلى طرابلس، وخلّصت له ولده، وقمت معه، ظنًّا منّي بأنه لا تخفى حاله، وبلغه ذلك، ورأى أنه فسدت حاله وصورته، فأخذ يترقّبني. واتفق أن اجتزت بمكان من أزِقّة غرناطة، يقال له زَنْقة الكُحْل، فسعى وانفرد بي من ورائي، ولا شعور لي به، لآخُذ حَذَري منه، وبيده سيف، فالتفتّ وإذا به معي، وضربني بما في يده من السيف في الغفلة، قاصداً بها كنقي، فأخطأت الضربةُ بشلل يده، كونه يهوديّاً في الأصل، لا خبرة له بضرب السيف، فجاءت بوجهي، فسقطتُ من قوّتها إلى الأرض، وفرّ هو هاربًا

стр. 866

مختفيًا، ظنًّا منه أنه قتلني، إذ لو تحقّق حياتي عقيب تلك الضربة لَثَنَّى، ولكنْ سلّم اللَّه من الموت. وأطاقت هذه الضربة طرْفَ أنفي، مع الشفة العليا، والخدّ الأيسر، وثمانيةً من الأسنان، وفُصِلت الشفة، ثم أعان اللَّه تعالى بأن أخيطت الجراحة، وتمرّضتُ بغرناطة نحو الشهر، وبلغت الموت، ثم عافاني اللَّه تعالى، وله الحمد على المهلة. ولما بلغه أنني على قيد الحياة، وأُخبرتُ به أنه الفاعل في ذلك، هرب فارًّا قبل أن يؤخذ، ودخل إلى بلاد الكفر مرتدًّا عن الإسلام. ثم بلغني عنه أنه اغتاله إنسان من (أسرى) (١) المسلمين، فضربه بخنجرٍ معه قثله، لكائنةٍ اتفقتْ له معه. وذكر لي إنسان أنه لم تجر بينه وبينه كائنة، وإنّما بلغه ما فعل بك، وقيل له: إنه فعل بإنسانٍ من أهل العلم والفضل، غريب البلاد، ووصف له ما فعله معي، فقام حميّةً للَّه تعالى من غير أن يعرفني، وفعل به ما فعل، وأنه قال له: هذه عِوَض ضربك للغريب، ولارتدادك عن الإسلام، وأن الأسير لما ضربه وقع ميتًا. وهرب الضارب ونجا إلى بعض بلاد المسلمين. وكان ذلك من أغرب أسرار القدرة الإلهيّة. ولولا الخوف من الإطناب، لذكرت هذه الكائنة برُمّتها، وما اتفق في ذلك، لكنْ هذا ملخّصها، وفيه كفاية. (ولاية المكيني قضاء الشافعية بمصر) (٢) وفيه، في يوم الخميس، ثالث عشره، استقر في وظيفة القضاء الشافعية بمصر الشيخ صلاح الدين أحمد بن بركوت (٣) المكيني، المدعو بأمير الحاج، قريب العَلَم البُلقيني، وصُرف الشرف المناوي (٤)، وبذل الصلاح هذا في المنصب مبلغًا له صورة. فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه.

стр. 867

وستأتي ترجمة الصلاح هذا فيما بعد، في سنة وفاته (١) إن شاء اللَّه تعالى. (ولاية البرهان ابن (٢) المؤيَّدي القضاء الحنفية بمصر ثانيًا) (٣) وفيه، أيضًا، استقر الشيخ برهان الدين إبراهيم ابن (٤) شيخ الإسلام شمس الدين الدَيري (٥) في القضاء الحنفية بمصر أيضًا، بعد صرف المحبّ ابن (٦) الشِحنة، يقال بمالٍ بذله هو أيضًا (٧). [إمرة الحاج] وفيه استقر أرغون شاه الأشرفي استاذار الصحبة في إمرة الحاج بالركب الأول عوضًا عن كُسباي الشّشْماني بحكم وفاته (٨). وسيأتي في الوفيات. (ترجمة الوزير قاسم شُغَيته) (٩) ٢٨٨ - وفيه، في يوم الخميس، ثالث عشره، استقر في الوزارة قاسم المعروف بشُغيتة (١٠). وكان قاسم هذا صيرفيّ اللحم، أحد جماعة الصاحب محمد البَبَائي الماضي، ترك لبس العوامّ وزِيّهم، وتزيّا بزيّ الكُتّاب، وركب الفرس، ولبس الخفّ، واتخذ المِهماز (١١).

стр. 868

وقاسم هذا موجود إلى يومنا هذا. وهو الوزير في عصرنا هذا أيضًا. وهو قاسم بن أحمد بن صلاح الدين القرافي، القاهري، ويُعرف بشُغَيتة، لشيء ذكر أنه ببدنه فات من هيئة الجلد المدَلَّى، وما عرفتُ صحة ذلك. ولد بباب القرافة قُبيل الأربعين وثمانمائة تقريباً، وبها نشأ مُقِلًّا، فتنقّل في عدّة صناعات وحِرَف، منها أنه كان خبّازًا يبيع الخبز بباب القرافة، ثم عرف محمد البَبَائي، وتنقّلت به الحالات عنده، إلى أن جعله صيرفيّ اللحم، وكان خصّيصًا به، فلما غرق البَبَائي أقام الظاهر يحيى بن الصنيعة (١) متكلّمًا في الدولة، ليرى رأيه فيمن يولّيه الوزارة، على ما تقدّم ذلك، فتكلّم فيها نحو الشهر ونصف، ثم طلب السلطان قاسم هذا، فولّاه الوزارة، نقلًا إليها من صيرفة اللحم دفعةً واحدة، من غير أن يلي نظر الدولة، ولا ترشَّح لشيءٍ من ذلك، وجاءته السعادة بغتة، وقال الدهر: أنتم ما ترضون بولاية البَبَائي، سوف آتيكم بغلامه. وباشر قاسم هذا الوزارة مدّة إلى سلطنة الأشرف قايتباي، فصُرف عنها بالحاج محمد الأهناسي (٢)، المقدّم والد علي الماضي، بعد أن اختفى قاسم هذا، ودام في اختفائه سنة. ثم ظهر، فما التُفِت إليه، ولا عُرّج عليه، حتى وُلّي يشبُك من مهدي الوزارة، على ما سيأتي بيان ذلك جميعه في محلّه، طلب قاسم هذا، وصيّره يشبُك ناظرَ الدولة، بإذنٍ من السلطان، ثم امتُحن غير ما مرة وتكرّرت ولايته لنظر الدولة غير ما مرة، حتى جُعل رفيقًا لخُشقَدم الطواشي، حين وُلّي الوزارة عن يشبُك، وصُيّر ناظر الدولة عند خُشقدم هذا، فأخذا في معارضة أحدهما للآخر، وطال ذلك بينهما على ما قدّمناه في ترجمة خُشقَدم، بل وفي ما سيأتي في محالّه من بعد الثمانين إن شاء اللَّه تعالى. وآلَ بقاسم أمرُه إلى الاختفاء، حتى احتيط بجميع ماله وموجوده، ودام مختفياً مدّة، وولي بعده نظَرَ الدولة إنسانٌ من القبط، يسمّى موفّق الدين الأسلمي (٣)، وجرت بعده أمور في الدولة، ثم ظهر قاسم هذا، فالتزم التكفية والقيام بأمور الدولة، وشرط أن لا يتكلّم خُشقدم هذا في الوزارة أصلاً، بعد أن حاول أن يستقلّ بها، فما أجيب إلى ذلك، بل أجيب إلى أن يكون هو المتصرّف

стр. 869

وخُشقدم، لا يتكلّم في شيء مع بقاء اسم الوزارة له، فدام قاسم هذا على ذلك، وأمر الدولة معزوٌ به مدّةً تزيد على السنة. وكان في كل قليل يرجف بولايته للوزارة، وهو متقحّم على ذلك، ولا يُجاب إليه، على أنه لا وزير غيره، إذ خُشقدم الحِسّ، وقاسم هو المعنى، بل إن شئت فقل هو الحِسّ والمعنى، لأنه من يوم تكلّمه على الدولة لم يتكلّم خُشقَدم فيها بوجهٍ من الوجوه، ثم استقر في الوزارة الجمال يوسف بن (١) عثمان الزراريري، كاشف البَهْنَسا والأشمونين مدّة يسيرة، واستعفى، فقرّر فيها قاسم هذا في سنة تسعٍ وثمانين (٢)، فاستقلّ بها وهو يباشرها مباشرة سداد، حتى تُعُجّب منه في ذلك، وهو على ذلك في الحقيقة من مدّة مديدة، وصار قاسم هذا معدوداً من الأعيان، لمرور السنين عليه والأيام، إذ له في هذه الوظيفة وزيرًا ناظر دولة نحو العشرين سنة أو زاد عليها. وهو إنسان حسن، لا بأس به بالنسبة لغيره، وله مَيل لأهل العلم والفقهاء. وأنشأ مدرسة بباب القرافة. وأنشأ في هذه الأيام مكانًا حسنًا بالصناعة بشاطئ مصر، يقال له الوزيرية. وهو من أهل الثروة. وله ولدان، أحدهما يقال له أبو السعود، شاب طائش مخلوع، كثير التهتّك. والآخر لا أعرفه. [نظر الدولة] وفيه استقر في نظر الدولة أيضًا إنسان يقال له عبد القادر لا أعرفه ولا إلى يومنا هذا. [الخلاف حول نيابة الأبُلُستَين والتجريدة إلى البلاد الحلبية] وفيه وردت الأخبار بأن ابن (٣) عثمان جهّز شاه سِوار بن دُلغادر، وهو أخو ملك أصلان الذي تقدّم خبر موته، ومعه جمع من عسكره لما بلغه قتْل ملك أصلان، وبعث معه قاصدًا (٤) من عنده للسلطان يلتمس منه أن يقرّره على نيابة الأَبُلُستَين، عوضًا عن أخيه. ثم لما بلغهم أن السلطان قرّر فيها شاه بُضاغ، وكانوا قد قربوا للدخول لمعاجلة السلطان فدخلوها، وبلغ نائب حلب ذلك، فخرج إليهم بجموعه. ولما

стр. 870

بلغ شاه سِوار ومن معه من عساكر ابن (١) عثمان ذلك قهقروا، حتى انفصلوا عن هذه المملكة، ثم أقاموا بأطرافها، وقصْدهم المطالعة بالأخبار، والالتماس من السلطان أن يقرّر شاه سوار على مملكة أخيه. ولما تحقّق السلطان هذه الأخبار ضاقت عليه الأرض بما رحُبت، وضاقت عليه نفسُه، واضطربت حركاته وقَلِق، ثم أخذ في تعيين تجريدة للبلاد الحلبية، لنجدة شاه بُضاغ إنْ هجم عليه شاه سوار، وداس بلاده، فعيّن من الأمراء الألوف سبعة، وهم: الأتابك قانَم، وتمربُغا أمير مجلس، ويَلباي أميراخور كبير، وقانبك المحمودي أحد مقدَّمين (٢) الألوف، وبُردُبك هجين الظاهري، أحد الألوف أيضًا. وعيّن معهم من الطبْلخانات والعشرات عدّة وافرة. ثم بعد أيام بَطَلت هذه التجريدة لما ورد الخبر بأن أولئك تأخّروا وتأدّبوا مع السلطان، وما في قصدهم أن يفعلوا شيئًا، وإنّما كان قصدهم الالتماس من السلطان أن يولّي شاه سوار لا غير، وهذا أول ظهور شاه سوار (٣). ويا ليت لما جاءهم بعثوا بولايته وعزْل شاه بُضاغ، وكان يتوفّر عليهم ما وقع. وكان بعد ذلك من الفِتَن الكبيرة التي هي مشهورة، وستأتي في محالّها شيئًا فشيئًا من هذه السنة إلى سنة سبعٍ وسبعين إن شاء اللَّه تعالى. [عودة المؤلّف من غَرناطة إلى مالقة] وفيه، في أواخره عدتُ من غَرناطة إلى مالقة، وقد حصل لي بعض الشفاء مما كنت فيه من الجراحة، وعافاني اللَّه تعالى بعد أن أشرفت على الموت، وللَّه الحمد على المهلة. [شهر رجب] [عودة المؤلّف إلى وهران] وفيها استهلّ رجب بالإثنين، ففيه في هذا اليوم ركبنا البحر عائدين إلى وهران، فدخلناها في رابع رجب هذا، وعزمت على السفر في البحر في المركب التي ركبنا بها، والتوجُّه فيها إلى جهة تونس. ثم رأيت آثار الضعف باقيةً بي، وأشار عليّ بعض خُفص أصحابي بالإقامة حتى تقوى البنية، وتشتدّ القوّة، فأقمنا بها على عادتنا.

стр. 871

[تسلّم السلطان مفاتيح خرْت بِرت من سارة خاتون] وفيه في يوم الإثنين ثامنه، وردت مكاتبة نائب حلب بوِصول سارة خاتون أُمّ حسن الطويل من عند ابنها حسن المذكور، ومعها مفاتيح خرْت بِرْت، لتُسلّمها للسلطان، وتستمدّ منه الرضى عن ولدها، ثم حضرت هي بعد ذلك، فأكرمها السلطان وأنزلها، وقبِل المفاتيح منها، ثم ردّها إليها، وقال لها: هو نائبي فيها، وشكرها، وأظهر رضاه عن ولدها وأعادها (١). [النداء بطلوع الجند السلطاني للقلعة] وفيه- أعني هذا الشهر، في هذه الأيام، نودي بطلوع الجند السلطاني للقلعة، لأجل عرضهم، ليعيّن السلطان منهم من اختاره للتوجّه تجريدةً لقتال شاه سوار. وفيه في يوم السبت، ثالث عشره، بدأ السلطان بعرض الجُند، وتم على ذلك أيام (٢) حتى تكامل العرض، فكان جملة من عيّنه منهم نحو الستماية (٣). [زيارة ولد مدبّر تلمسان للمؤلّف للإطمئنان عليه] وفيه، في يوم الأحد، رابع عشره، قدم عبد اللَّه بن عبد الرحمن المعروف بابن النجار، ولدُ صاحب الأشغال بتِلِمْسان، بل ومدبّر مملكة تِلِمْسان، أعني والده عبد الرحمن، وقدم لأجل تعشير مراكب قدمت من الفرنج بمتاجر لمدينة واهران، وجاء إلى منزلي وسأل عن خاطري، وذكر لي أنه ساءه ما بلغه من أمر الجراحة والتشويش، وأبلغني سلام والده، وذكر لي أن صاحب تلمسان بلغه هذا الأمر، سهل به وتاسّف، فشكرتُ له ذلك، ثم عاد بعد يُويمات (٤) إلى تِلِمْسان، بعد أن أوصى عليّ مشرف واهران غاية الوصية، وكان المشرف على واهران إذ ذاك إنسان من أهلها يقال له محمد الركاجي (٥)، كان هو المدبّر لواهران، وبيده جميع تعلّقاتها، ليس لأحدٍ معه كلمة، وكان وُلّي الإشراف عن () (٦) وكان من رؤساء

стр. 872

واهران وأكابرها، في دولة أحمد بن أبي حَمَّو، المعتصم باللَّه، الماضي خبره وترجمته (١)، فلما وليها محمد بن أبي ثابت بعد أحمد المعتصم المذكور، أخرجه عن إشراف واهران، بعد أن صادره، واستقدمه إلى تلمسان، فسجنه بالقصر بها، هو وجماعة من أعيان دولة أحمد بن أبي حَمّو، منهم وزيره، وكان من المشرف هذا بعد سجنه، وكذا الوزير ما سنذكره. [نقل منصور بن الصفيّ من منزل الوالي إلى منزل الأتابك] وفيه- أعني هذا الشهر، في هذه الأيام، نُقل منصور بن الصفيّ الأستادّار كان من منزل الوالي إلى منزل الأتابك قانَم التاجر، وجرت عليه أمور ومِحَن وشدائد يطول الشرح في ذكرها، وآل به الأمر أن أعيد إلى منزل الوالي أيضًا، وكان له بعد ذلك ما سنذكره (٢). [الأراجيف بخروج صاحب تونس إلى تِلِمْسان] وفيه بعد العشرين منه، كثُرت الأراجيف بمدينة واهران من تِلِمْسان، بمجيء صاحب تونس، ثم ظهر كذب ذلك. ثم كثُرت الإشاعة أيضًا في أواخره أيضًا بأن صاحب تونس تهيّأ للخروج منها إلى جهة تِلِمْسان وكان [من] ذلك ما سنذكره. [إضافة السلطان لسارة خاتون] وفيه- أعني هذا الشهر، أظنّ في يوم السبت العشرين منه، وصلت سارة خاتون أم حسن الطويل، وأضافها السلطان وأكرمها على ما قدّمنا بيان ذلك، وعادت بعد أيام قلائل (٣). [القبض علي زين الأستادّار] وفيه قبض السلطان على زين الأستادّار لغرضٍ ما، ثم أمر موسى ابن (٤) كاتب [غريب] (٥) بالتكلّم في الأستادّارية (٦)، وكان ما سنذكره.

стр. 873

[قدوم نائب حلب إلى القاهرة] وفيه- أعني هذا الشهر- قدم أبو بكر دوادار بُرْدُبك نائب حلب (١) إلى القاهرة، ومعه هدية هائلة من عند نفسه للسلطان، وأحضر مبلغًا له صورة من عند أستاذه، في مقابلة القَوَد الذي جرت عادته ببعثه (٢). [شهر شعبان] [بناء برج على باب تِلِمْسان] وفيها- في أوائل شعبان- ابتدأ صاحب تِلِمْسان في بناء برج عظيم على با أب، تِلِمْسان، وأخذ في قطع ما إلى جانب الباب من خارجه من الأشجار، واجتهد في تحصينها وتفقّد أسوارها، وجدّ في العمل في إنشاء هذا البرج حتى أنهاه في أواخر هذا الشهر (٣). [زيارة صاحب تِلِمْسان للحصن في جبل بني مشعل] وفيه، أعني هذا الشهر، بعد نهاية البرج خرج صاحب تِلِمْسان إلى المكان الذي يقال له جبل بني مشعل، وبه حصن منيع، فتفقّده، وأشيع بأنه قصد أن يبعث بحريمه وذخائره إليه إذا بلغه مجيء صاحب تونس إليه. وكان ما سنذكره. (ولاية ابن كاتب غريب الأستادّارية) وفيه استقرّ في الأستادّارية الكاتب شرف الدين موسى ابن (٤) كاتب غريب القِبطي، عِوضًا عن الزين ابن (٥) كاتب حُلوان (٦). وستأتي ترجمة موسى هذا في محلّها. [قضاء المالكية بدمشق] (وفي يوم الخميس، ثالثه، استقر في قضاء المالكية بدمشق الشهاب التلمساني المغربي، وصُرف ابن عبد الوارث، ثم لم يَنْشَب أن صرف الشهاب

стр. 874

المذكور بابن عبد الوارث المذكور، قبل أن يخرج إلى دمشق ويباشر القضاء) (١). [إهانة منصور الأستادّار] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثامنه، طلب السلطان منصورَ الأستادّار، فطلع به الوالي إليه على هيئة غير مُرضية، والسلسلة في عنقه، فطلب السلطان منه ما ذكر أنه بقي عنده من الأموال التي صودر عليها، فأجاب بأجوبة مفحِمة مسكِتَة، فلم يرض السلطان بذلك، وأمر به، فضرب بالمقارع بين يديه، وأهين غاية الإهانة (٢). (كائنة الكمالي) (٣) وفيه، في يوم الخميس، عاشره، صودر سيدي محمد بن عبد اللَّه بن طُغاي (٤) المعروف بالكمالي، على عشرة آلاف دينار ظلمًا وعدوانًا، ووُكّل به بمنزل نقيب الجيش حتى يقيم بذلك، كل ذلك بعد تقرّبه منه، واختصاصه به إلى الغاية والنهاية. وكان السلطان يستشيره في كثير من الأمور. ثم أخذ السلطان في ذِكر قبائحه ومساوئه، وصار يقول: لو فعلت ما كان يرشدني إليه أو سمعت منه لأخربت مصر. وكان ما وقع لمحمد هذا جرّاء ما جرّه لنفسه، فإنه كان في حاله مدّة بمعزل عن الناس، حتى داخَل السلطان، وصار يتردّد له، ويتحشّر فيه، ويُدخل نفسه في كثير من الأمور، ويتكلّم في ولايات وعزل، وعمل مصالح السلطان في كثير من الرشا، حتى كان من السلطان ما كان في حقّه. وصَدَق المثل: "من أعان ظالماً سُلّط عليه". ودام في التوكيل حتى أُطلق في يوم الجمعة، على أنه يحمل ستة آلاف دينار. ثم لما توجّه إلى داره عاد السلطان إلى العَشَرَة، وصمّم أنه لا يأخذ أقلّ منها، فأخذها بكمالها، ثم رسم له بالخروج إلى حماة، فخرج، ثم تحيّل بأن أظهر بأنه قُتل في طريقه، وأشيع عنه ذلك بالقاهرة، فعاد إليها واختفى بها مدّة حتى مات خُشقدم فظهر (٥). وستأتي ترجمته في سنة وفاته إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 875

[ظهور أربعة مراكب للفرنج عند سواحل المغرب] وفيه، في أواخره، ونحن بواهران، ظهرت أربعة مراكب للفرنج من جهة المغرب، ففزع أهل النواحي بخارج واهران، إليها، بل وأُرجف بواهران أن هذه المراكب مشحونة بالمقاتلة، وأنهم قصدوا أذى المسلمين. ثم اجتازت تلك المراكب ولم تعرّج لجهة واهران ولا سواحلها، وسلّم اللَّه تعالى. ثم بَلَغَنا الخبر بأنها أخافت السُبُل بنواحي بجّايا، وأخذت المارّة، وأسرت الكثير من المسلمين. [شهر رمضان المبارك] (نادرة غريبة) (١) وفيها استهلّ شهر رمضان بالأربعاء، وهُنّئ به السلطان. ووقع في هذا اليوم غريبة لم يُسمع بمثلها وهي (أن) (٢) ابن (٣) العَيني وقف أوقافًا متعدّدة على مدرسة جدّه البدر العَيني، وسأل السلطان أن يخلع على جماعة عيّنهم له من علماء العصر وأعيانهم بالقاهرة، باستقرارهم في عدّةٍ من الوظائف، قدَّرَها هو، أعني أحمد المذكور، فجعل الشيخ العلّامة أمين الدين الأُقصرائي شيخ حضورها بعد حضور الأشرفية بالعنبرانيّين، ومعه جماعة من أعيان نواب الحكم والطلبة، ونحوهم ممن له ذِكر وشُهرة يحضرون بها. وقرّر الشيخ تقيّ الدين الأميني (٤) في مشيخة الحديث. وقرّر العضُد السيرامي (٥)، شيخ الخانقاه البرقوقية، في مشيخة تدريس السِيَر. واستقر بالتقيّ الحِصْني (٦) في مشيخة تدريس العلوم العقلية. ثم نزل جماعة من الأعيان والقضاة صُوفةً، ورتّب معاليم الجميع، فتعجّب الناس من ذلك وما صيّره به، إذ الأَولى كان بتنزيل الفقراء المستحقّين، لا الأغنياء

стр. 876

المُثْرين. ولعلّه قصد دوام الوقت بأهل السرحة والقوّة، وكان في ذلك قوت الحزم على ما هو ظاهر. وقَد عُرِف (١). [لبس البياض] وفيه أعني شهر رمضان هذا في يوم الجمعة ثالثه، ووافق ذلك خامس عشرين برمودة لبس السلطان البياض. [سفر ابن عبد الوارث لتولّي قضاء دمشق] (وفيها، في عشرين رمضان الآتي، سافر ابن عبد الوارث إلى دمشق بعد ذلك، وباشر القضاء، وحصل عند القاضي شهاب الدين التلمساني من النكد ما لا مزيد عليه) (٢). (أخْذ شاه سوار البلاد من أخيه) (٣) وفيه، في يوم السبت، خامس عشرينه، ورد الخبر إلى القاهرة بأن شاه سوار بن دُلغادر مشى على المملكة الدُلغادرية على أخيه شاه بُضاغ، واقتلعها منه. وأن بُردُبك نائب حلب، ويشبُك البُجاسي نائب حماة، خرجا بعساكرهما وتركمان الطاعة لقتاله (٤)، ثم كان ما سنذكره. [ختم البخاري] وفيه، في يوم الأحد (٥) سادس عشرينه خُتم البخاري بالقلعة، وخُلع على القضاة والمشايخ ومن له عادة بذلك، وفُرّقت الصُرَر على أهلها. [تقدمة نائب الشام] وفيه، في يوم الإثنين، سابع عشرينه، وصلت تقدمة بَرْسْباي البُجاسي نائب الشام، وكانت شيئًا كثيرًا، ويقال: عشرة آلاف دينار من الذهب العين أيضًا (٦).

стр. 877

[شهر شوال] (الكلام في التطيّر بالخطبتين) (١) وفيها كان أول شوال بالجمعة، وخُطب فيه خطبتان، ولهج الكثير من الناس بزوال السلطان، فلم يكن شيء (٢) مما لهجوا به في هذه السنة (٣). [نفي محمد الكمالي إلى حماة] وفيه -أعني هذا اليوم، في آخر النهار -أُخرج محمد الكمالي الماضي ذِكره. وخبر إخراجه أيضًا منفياً إلى حماة، وفعل ما قدّمنا ذكره. [سؤَال السلطان والدَ المؤلّف عن الخطبتين في اليوم] وفيه -أعني هذا الشهر، في يوم الثلاثاء خامسه- سأل السلطان الوالدَ عن وقوع خطبتين في يوم، وهل في ذلك شيء مما يقوله الناس ويتشاءمونه، لا سيما من تطير منهم على السلطان. فقال: لم يُسمع في شيء من الأحاديث والآثار في ذلك شيء مما يتوهّمه المتوهّمون، أكثر مما يكون على السلطان. ولقد بقي الخليفة الناصر لدين [اللَّه] (٤) في الخلافة زيادة على الخمسين سنة (٥)، وكذا المستنصر الفاطمي (٦) بقي في الخلافة بمصر فوق الستين سنة، وكم من خطبتين خُطبت في زمنهما في يوم واحد، ومن السلاطين محمد بن قلاوون (٧) بقي في المُلك فوق الأربعين سنة وما جرى عليهم شيء (٨) مما يقال، ولا مما يُتطيّر به.

стр. 878

وأغرب من ذلك كله، ما بلغني أنـ[ـه] خُطب في يومٍ واحدٍ في زمن معاوية أربع خطب: خطبة لعيد الفِطر، وأخرى للاستسقاء فيه، وأخرى للجمعة، وأخرى لكسوف الشمس، وهذا أبلغ، ولم يقع له إلّا السلامة والخير، بل يُختَشى على من يتشاءم (١) بذلك، لأنه فيها يكون في الخطبتين زيادة بركة وخير، لا سيما ويتكرّر حمد اللَّه تعالى ظاهرًا على المنابر، ويوعظ الناس ويُذكَرون. فأعجب الظاهرَ ذلك وارتاح إليه. نقلت هذا من خطّ الوالد، ﵀، لأنني كنت كائبًا ببلاد المغرب (٢). [الإدّعاء على منصور بن الصفيّ] وفيه في يوم الخميس، سابعه، أمر السلطان نقيب الجيش بأن يمضي إلى منصور، فيتوجّه به إلى منزل الحسام بن حُرَيز (٣) القاضي المالكي إذ ذاك، ليدّعي عليه عنده، فنزل وأخذه، وتوجّه به إليه، فقام إنسان من الرسُل يقال له إسماعيل، فادّعى عليه بدعاوى (٤) كثيرة، منها ما يقتضي تكفيره وسفْك دمه، فطلب منصور أن يوكّل وكيلاً، فلم يُقبل منه ذلك، بل أمّنه بأن يجيب هو بنفسه، فطلب من المدّعي عليه بأن يُثبت ما يدّعيه، ودام موكّلًا به. ثم ركب القاضي وصعِد إلى السلطان، ووقع القال والقيل الكثير في حق القاضي، بحيث لم أحرّر ما أقول. والظاهر ما أشاعه الناس عنه، من مُمالأته مع السلطان على منصور، فكم بين هذا القاضي من الفرق وبين القاضي المالكي البدر التَّنسي (٥)، ﵀، في كائنة أسد الدين الكيمياوي (٦) التي قدّمناها في محلّها من تاريخنا هذا، وامتناعه فيها

стр. 879

بالحكم في شأنه، وقوله: أنا نبيّ استحياني السلطان في هذا الشأن، حتى فوّض السلطانُ إلى مالكيِّ من النواب في الحكم في تلك القضيّة، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه. فإن ابن (١) حُرَيْز المسكين كان من العجائب في لجاجة القيام مع أهل الدنيا، فيمن لهم عنده غرض، لاسيما إن كان له هو أيضًا الغرض في مثل ( … ) (٢) الكافّ عن مثل ذلك أجمل، بل وأكمل. وآل أمر منصور هذا إلى ما سيأتي، بعد أن أُرجف في هذا اليوم بضرب رقبته، وأخذ الكثير من الناس يترحّمون له، ويتأسّفون عليه، ويُظهرون المَيل الكفي إليه، والرأفة عليه، وأنه مظلوم، وأن أهل الدولة والقاضي أيضًا قد تحاملوا عليه على ( … ) (٣) كان كذلك في نفس الأمر، وهذا ظهر لكل أحد (٤). [زيارة السلطان لجانِبك من طَطَخ] وفيه، في يوم الجمعة، ثامنه، ركب السلطان ونزل إلى بعض جهات القاهرة، ثم عاد فدخل في عَوده في طريقه لمنزل جانِبَك من طَطَخ بعوده لمرض كان حصل له، ثم خرج من عنده، وصعِد إلى القلعة (٥). [زيارة السلطان لقايتباي المحمودي] وفيه، في يوم السبت، تاسعه، ركب السلطان أيضًا، ونزل إلى دار قايتباي المحمودي، سلطان عصرنا الآن، وكان إذ ذاك أحد مقدَّمين (٦) الألوف، فلما وصل إلى داره فرش له الشقق الحرير تحت نعل فرسه، ونثر عليه نثارًا من الذهب والفضّة، ثم قدّم له تقدمة، فقبِل منها البعض (٧). (الكائنة التي اتفقت بالقصر بتِلِمْسان) (٨) وفيه، أعني هذا الشهر، خرج صاحب تِلِمْسان لبعض مقاصده وجعل ولده الأصغر المسمَّى بعبد اللَّه بالقصر، وأوصى عبد اللَّه بنَ النجّار الماضي ذِكره، بأن يرقد ليلًا بالقصر مع جماعة من الحَرَسيّة، فاتفق في بعض ليالي هذا الشهر بأنْ

стр. 880

تغافل من بسجن القصر من الوزير الذي كان من جهة المعتصم الماضي ذِكره، وجماعة أُخر معه إلى السجن، فكسروا بابه، ثم خرجوا إلى وسط القصر، وهجموا على عبد اللَّه بن النجار وهو راقد في غفلة، فقتلوه ذبحًا هو وبعض من كان عنده، ثم توجّهوا إلى دار ابن (١) السلطان عبد اللَّه المذكور، فأخرجوه منها، وأرادوا أن يسلطنوه، ثم يصبحوا فيملكون به تِلِمْسان، ويقاتلون به والده، ويمنعونه من دخول تِلِمْسان، فاحتال عبد اللَّه هذا، وكان شابًا حَدَثًا لم يلتح بعد، بأنْ قال لهم: حُبًّا وكرامة وأنا معكم، وفي الباكر يكون ما تريدونه، وأخذ في تحليفهم وتجشيعهم على ما قصدوه، فلم يتوهّموا في سلامته معهم لكونه يملك، فتركوه ليصبح النهار، ثم دسّ ليلًا من عنده من بلّغ عبدَ الرحمن النجار، والدَ عبد اللَّه المقتول بما وقع، وأنه يدركهم، وإلّا اتّسع الخَرْق. فثار عبد الرحمن من ساعته بجمع كبير، وهجم على القصر، فثار الذين قتلوا ولده به، ووقع بالقصر من الخَطب العظيم ما لا مَزيد عليه. ثم غلب النجار عليهم، وقبض على الجميع وقيّدهم، وأعادهم إلى السجن، وبعث إلى صاحبه سلطان تِلِمْسان يُعلمه بالكائنة، فعاد إلى تِلِمْسان سريعًا، وأحضر أولئك فاعترفوا، ثم سألهم عن مشرف واهران، فأجابوا بأنه لم يوافقهم على مقصدهم البتّة، بل وحذّرهم وأنذرهم لما أن تكلّموا معه في شيء من ذلك، وأنهم لما سمعوا مسألته أظهروا الرجوع عمّا قصدوه، حتى رقد، ففعلوا ما فعلوا من غير علمه. واستظهر السلطان ذلك، فوجده كما قيل، فعَرَفَها المشرف هذا، فأطلقه من السجن، وأعاده إلى بلده ليقيم بها بداره، وأعادها إليه، بعد أن كان قد انتزعها منه، وأُعِدّت دار ضيافة، ثم أمر بالوزير ومن كان معه في هذه الكائنة فذُبحوا بين يديه، وحُزَّت رؤوسهم (٢)، وعُلّقت على أبواب تِلِمْسان، وكانوا أحد عشر نفرًا، وكان لهم يومًا مشهودًا (٣). وبَلَغَنا ذلك ونحن بواهران، فأسِفْنا على ذلك الشاب الحسن، أعني عبد اللَّه بن النجار، لكنّه مات شهيدًا، وكان من أهل الدين والبشاشة وحُسن السمت، والسفارة الحسنة على ما تقدّم ذلك. وسنترجمه في تراجم هذه السنة إن شاء اللَّه تعالى. ٢٨٩ - • وأمّا ولد السلطان الأصغر عبد اللَّه فأكرمه والده، وأحبّه جدًّا زيادة عمّا كان قبل ذلك، وآل به أن ولي تِلِمسان بعد أبيه وأخيه، وهي بيده
следующие страницы →