← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

المُثْرين. ولعلّه قصد دوام الوقت بأهل السرحة والقوّة، وكان في ذلك قوت الحزم على ما هو ظاهر. وقَد عُرِف (١). [لبس البياض] وفيه أعني شهر رمضان هذا في يوم الجمعة ثالثه، ووافق ذلك خامس عشرين برمودة لبس السلطان البياض. [سفر ابن عبد الوارث لتولّي قضاء دمشق] (وفيها، في عشرين رمضان الآتي، سافر ابن عبد الوارث إلى دمشق بعد ذلك، وباشر القضاء، وحصل عند القاضي شهاب الدين التلمساني من النكد ما لا مزيد عليه) (٢). (أخْذ شاه سوار البلاد من أخيه) (٣) وفيه، في يوم السبت، خامس عشرينه، ورد الخبر إلى القاهرة بأن شاه سوار بن دُلغادر مشى على المملكة الدُلغادرية على أخيه شاه بُضاغ، واقتلعها منه. وأن بُردُبك نائب حلب، ويشبُك البُجاسي نائب حماة، خرجا بعساكرهما وتركمان الطاعة لقتاله (٤)، ثم كان ما سنذكره. [ختم البخاري] وفيه، في يوم الأحد (٥) سادس عشرينه خُتم البخاري بالقلعة، وخُلع على القضاة والمشايخ ومن له عادة بذلك، وفُرّقت الصُرَر على أهلها. [تقدمة نائب الشام] وفيه، في يوم الإثنين، سابع عشرينه، وصلت تقدمة بَرْسْباي البُجاسي نائب الشام، وكانت شيئًا كثيرًا، ويقال: عشرة آلاف دينار من الذهب العين أيضًا (٦).

стр. 877

[شهر شوال] (الكلام في التطيّر بالخطبتين) (١) وفيها كان أول شوال بالجمعة، وخُطب فيه خطبتان، ولهج الكثير من الناس بزوال السلطان، فلم يكن شيء (٢) مما لهجوا به في هذه السنة (٣). [نفي محمد الكمالي إلى حماة] وفيه -أعني هذا اليوم، في آخر النهار -أُخرج محمد الكمالي الماضي ذِكره. وخبر إخراجه أيضًا منفياً إلى حماة، وفعل ما قدّمنا ذكره. [سؤَال السلطان والدَ المؤلّف عن الخطبتين في اليوم] وفيه -أعني هذا الشهر، في يوم الثلاثاء خامسه- سأل السلطان الوالدَ عن وقوع خطبتين في يوم، وهل في ذلك شيء مما يقوله الناس ويتشاءمونه، لا سيما من تطير منهم على السلطان. فقال: لم يُسمع في شيء من الأحاديث والآثار في ذلك شيء مما يتوهّمه المتوهّمون، أكثر مما يكون على السلطان. ولقد بقي الخليفة الناصر لدين [اللَّه] (٤) في الخلافة زيادة على الخمسين سنة (٥)، وكذا المستنصر الفاطمي (٦) بقي في الخلافة بمصر فوق الستين سنة، وكم من خطبتين خُطبت في زمنهما في يوم واحد، ومن السلاطين محمد بن قلاوون (٧) بقي في المُلك فوق الأربعين سنة وما جرى عليهم شيء (٨) مما يقال، ولا مما يُتطيّر به.

стр. 878

وأغرب من ذلك كله، ما بلغني أنـ[ـه] خُطب في يومٍ واحدٍ في زمن معاوية أربع خطب: خطبة لعيد الفِطر، وأخرى للاستسقاء فيه، وأخرى للجمعة، وأخرى لكسوف الشمس، وهذا أبلغ، ولم يقع له إلّا السلامة والخير، بل يُختَشى على من يتشاءم (١) بذلك، لأنه فيها يكون في الخطبتين زيادة بركة وخير، لا سيما ويتكرّر حمد اللَّه تعالى ظاهرًا على المنابر، ويوعظ الناس ويُذكَرون. فأعجب الظاهرَ ذلك وارتاح إليه. نقلت هذا من خطّ الوالد، ﵀، لأنني كنت كائبًا ببلاد المغرب (٢). [الإدّعاء على منصور بن الصفيّ] وفيه في يوم الخميس، سابعه، أمر السلطان نقيب الجيش بأن يمضي إلى منصور، فيتوجّه به إلى منزل الحسام بن حُرَيز (٣) القاضي المالكي إذ ذاك، ليدّعي عليه عنده، فنزل وأخذه، وتوجّه به إليه، فقام إنسان من الرسُل يقال له إسماعيل، فادّعى عليه بدعاوى (٤) كثيرة، منها ما يقتضي تكفيره وسفْك دمه، فطلب منصور أن يوكّل وكيلاً، فلم يُقبل منه ذلك، بل أمّنه بأن يجيب هو بنفسه، فطلب من المدّعي عليه بأن يُثبت ما يدّعيه، ودام موكّلًا به. ثم ركب القاضي وصعِد إلى السلطان، ووقع القال والقيل الكثير في حق القاضي، بحيث لم أحرّر ما أقول. والظاهر ما أشاعه الناس عنه، من مُمالأته مع السلطان على منصور، فكم بين هذا القاضي من الفرق وبين القاضي المالكي البدر التَّنسي (٥)، ﵀، في كائنة أسد الدين الكيمياوي (٦) التي قدّمناها في محلّها من تاريخنا هذا، وامتناعه فيها

стр. 879

بالحكم في شأنه، وقوله: أنا نبيّ استحياني السلطان في هذا الشأن، حتى فوّض السلطانُ إلى مالكيِّ من النواب في الحكم في تلك القضيّة، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه. فإن ابن (١) حُرَيْز المسكين كان من العجائب في لجاجة القيام مع أهل الدنيا، فيمن لهم عنده غرض، لاسيما إن كان له هو أيضًا الغرض في مثل ( … ) (٢) الكافّ عن مثل ذلك أجمل، بل وأكمل. وآل أمر منصور هذا إلى ما سيأتي، بعد أن أُرجف في هذا اليوم بضرب رقبته، وأخذ الكثير من الناس يترحّمون له، ويتأسّفون عليه، ويُظهرون المَيل الكفي إليه، والرأفة عليه، وأنه مظلوم، وأن أهل الدولة والقاضي أيضًا قد تحاملوا عليه على ( … ) (٣) كان كذلك في نفس الأمر، وهذا ظهر لكل أحد (٤). [زيارة السلطان لجانِبك من طَطَخ] وفيه، في يوم الجمعة، ثامنه، ركب السلطان ونزل إلى بعض جهات القاهرة، ثم عاد فدخل في عَوده في طريقه لمنزل جانِبَك من طَطَخ بعوده لمرض كان حصل له، ثم خرج من عنده، وصعِد إلى القلعة (٥). [زيارة السلطان لقايتباي المحمودي] وفيه، في يوم السبت، تاسعه، ركب السلطان أيضًا، ونزل إلى دار قايتباي المحمودي، سلطان عصرنا الآن، وكان إذ ذاك أحد مقدَّمين (٦) الألوف، فلما وصل إلى داره فرش له الشقق الحرير تحت نعل فرسه، ونثر عليه نثارًا من الذهب والفضّة، ثم قدّم له تقدمة، فقبِل منها البعض (٧). (الكائنة التي اتفقت بالقصر بتِلِمْسان) (٨) وفيه، أعني هذا الشهر، خرج صاحب تِلِمْسان لبعض مقاصده وجعل ولده الأصغر المسمَّى بعبد اللَّه بالقصر، وأوصى عبد اللَّه بنَ النجّار الماضي ذِكره، بأن يرقد ليلًا بالقصر مع جماعة من الحَرَسيّة، فاتفق في بعض ليالي هذا الشهر بأنْ

стр. 880

تغافل من بسجن القصر من الوزير الذي كان من جهة المعتصم الماضي ذِكره، وجماعة أُخر معه إلى السجن، فكسروا بابه، ثم خرجوا إلى وسط القصر، وهجموا على عبد اللَّه بن النجار وهو راقد في غفلة، فقتلوه ذبحًا هو وبعض من كان عنده، ثم توجّهوا إلى دار ابن (١) السلطان عبد اللَّه المذكور، فأخرجوه منها، وأرادوا أن يسلطنوه، ثم يصبحوا فيملكون به تِلِمْسان، ويقاتلون به والده، ويمنعونه من دخول تِلِمْسان، فاحتال عبد اللَّه هذا، وكان شابًا حَدَثًا لم يلتح بعد، بأنْ قال لهم: حُبًّا وكرامة وأنا معكم، وفي الباكر يكون ما تريدونه، وأخذ في تحليفهم وتجشيعهم على ما قصدوه، فلم يتوهّموا في سلامته معهم لكونه يملك، فتركوه ليصبح النهار، ثم دسّ ليلًا من عنده من بلّغ عبدَ الرحمن النجار، والدَ عبد اللَّه المقتول بما وقع، وأنه يدركهم، وإلّا اتّسع الخَرْق. فثار عبد الرحمن من ساعته بجمع كبير، وهجم على القصر، فثار الذين قتلوا ولده به، ووقع بالقصر من الخَطب العظيم ما لا مَزيد عليه. ثم غلب النجار عليهم، وقبض على الجميع وقيّدهم، وأعادهم إلى السجن، وبعث إلى صاحبه سلطان تِلِمْسان يُعلمه بالكائنة، فعاد إلى تِلِمْسان سريعًا، وأحضر أولئك فاعترفوا، ثم سألهم عن مشرف واهران، فأجابوا بأنه لم يوافقهم على مقصدهم البتّة، بل وحذّرهم وأنذرهم لما أن تكلّموا معه في شيء من ذلك، وأنهم لما سمعوا مسألته أظهروا الرجوع عمّا قصدوه، حتى رقد، ففعلوا ما فعلوا من غير علمه. واستظهر السلطان ذلك، فوجده كما قيل، فعَرَفَها المشرف هذا، فأطلقه من السجن، وأعاده إلى بلده ليقيم بها بداره، وأعادها إليه، بعد أن كان قد انتزعها منه، وأُعِدّت دار ضيافة، ثم أمر بالوزير ومن كان معه في هذه الكائنة فذُبحوا بين يديه، وحُزَّت رؤوسهم (٢)، وعُلّقت على أبواب تِلِمْسان، وكانوا أحد عشر نفرًا، وكان لهم يومًا مشهودًا (٣). وبَلَغَنا ذلك ونحن بواهران، فأسِفْنا على ذلك الشاب الحسن، أعني عبد اللَّه بن النجار، لكنّه مات شهيدًا، وكان من أهل الدين والبشاشة وحُسن السمت، والسفارة الحسنة على ما تقدّم ذلك. وسنترجمه في تراجم هذه السنة إن شاء اللَّه تعالى. ٢٨٩ - • وأمّا ولد السلطان الأصغر عبد اللَّه فأكرمه والده، وأحبّه جدًّا زيادة عمّا كان قبل ذلك، وآل به أن ولي تِلِمسان بعد أبيه وأخيه، وهي بيده

стр. 881

الآن، فأعجب من قدرة اللَّه تعالى، كيف لما عفّ فيها من تمكُّنه منها، فإنه لو وليها لأتعب أباه، فأعطاها اللَّه تعالى إيّاه. وهو شابّ حَسَن، يُذكر بالعدل وحُسن السيرة، فيما بلغني، وكان سِنّه في يوم الكائنة التي اتفقت نحو الخمس عشرة سنة. فلعلّه وُلد في سنة خمس وخمسين وثمانمائة. ثم قدم علينا مشرف واهران (١) إليها، ورأيته شيخًا حَسَن الهيئة، منوَّر الشيبة، من أهل العقل والرأي والتدبير، وله من السنّ فوق السبعين سنة. فلعلّه ولد قُبيل القرن بيسير. وكان له إذ ذاك ثلاثة أولاد، نُجباء طلبة علم، رؤساء. - • أحدهم: يسمّى عبد الرحمن، ويُكنَّى بأبي زيد، شاب حَسَن، ولد بعد الأربعين وثمانمائة. ونشأ نشأة حسنة في عزّ وثروة، وحفظ القرآن العظيم في حالة صِغره، وتعانى الاشتغال بالعلم. ولما قدمتُ إلى واهران لازَمَني مدّة، وسمع الكثير من نظمي، وقرأ علي شيئًا (٢) في الطبّ وكيره، وله ذكاء مُفرط وَفَهْم وعقل وتؤدة وحشمة وأدب وسكون، وعراقة أصل. ثم لم يَنشَب والده أن مات بعد أن تمرّض أيامًا قلائل، ﵀. [إمرة جانبك الإسماعيلي بتقدمة ألف] وفيه، في يوم السبت، سادس عشره، أمّر جانبك الإسماعيلي المؤيَّدي المعروف كوهيه (٣) بتقدمة ألف، نقلًا إليها من الدوادارية الثانية، فصار من جملة مقدَّمين (٤) الألوف بمصر، وذلك عِوضًا عن جانبك الناصري المعروف بالمرتدّ (٥) لما أُخرجت عنه تقدمة بحُكم عجزه عن الخِدَم السلطانية، لكِبَر سِنّه وتعطّله عن الحركة (٦).

стр. 882

[ولاية خيربك الخازندار الدوادارية الثانية] وفيه استقر في الدوادارية الثانية خيربك الخازندار، أحد مماليك السلطان، الماضي خبر تقريره في إمرة الحاج (١). وخيربك هذا قد ذكرناه غير ما مرة، ووعدنا بالإتيان بترجمته في محلّها إن شاء اللَّه تعالى، وهو الذي تسلطن ليلة على ما سيأتي في سنة اثنتين وسبعين. [إمرة المحمل] وفيه، في يوم الإثنين، ثامن عشره، خرج خيربك أمير المحمل المذكور بالحاج إلى البِركة (٢). وكان أمير الأول أرغون شاه، كما تقدّم ذِكر ذلك. [ضرب عنق منصور بن الصفيّ] وفيه، في يوم الأربعاء عشرينه، كان ضرب عُنق منصور بن الصفيّ الأستادّار، بحكم ابن (٣) حُرَيز قاضي القضاة المالكية، بعد أن اغتسل في محبسه، وصلّى الظهر، وأخذ في قراءة القرآن. ولما أُحضر لضرب العُنُق تحت الصالحية، استسلم وأخذ في الإعلان بالشهادتين، إلى أن فُعل به ما فُعل، وهو ناطق بالشهادتين، كما يأتي ذلك في ترجمته، وكثُر أسف الناس عليه. وكان الشرف موسى بن كاتب غريب حضر خفيةً لرؤيته، فجلس بمكانٍ على حانوت الباب الذي تجاه شبّاك المدرسة الصالحية، ليتشفّى برؤيته، فكادت العامّة حين نظروه أن يوقِعوا به فعلًا، وأحسّ بذلك ففرّ (٤). [عودة نائب حلب إليها] وفيه، في هذه الأيام، ورد الخبر إلى القاهرة من نائب حلب، بأنه عاد إليها من غير أن يلقى حرباً، وأنّ شاه سِوار خرج عن الأَبُلُستَين، وأرسل قاصده إلى نائب حلب بأن يبعث إلى السلطان ليعطفه عليه، ويبعث له بنيابة الأَبُلُستَين، عِوَضًا عن أخيه، وبعث نائب حلب إلى السلطان بذلك، وكان من أكبر المصالح وأسدّ

стр. 883

الرأي لو وقع ذلك، ولكن ليقضي اللَّه أمرًا كان مفعولًا، فلم يقبل السلطان ذلك (١)، وكان ما سنذكره (٢). (ولاية رستم نيابة الأبُلُستَين) (٣) وفيه، في يوم الإثنين خامس عشرينه، استقر في نيابة الأَبُلُستَين رستم بن محمد بن خليل بن قَرَاجا بن ( … ... ) (٤) عمّ شاه سوار، عِوَضًا عن ولد أخيه شاه بُضاغ بن سليمان الماضي ذكر ولايته عن ملك أصلان، وكانت المندوحة لولايته أنه عساه أن يقاوم ولد أخيه شاه سوار، بل جزم السلطان بذلك، فلهذا فعله، ونُسب شاه بُضاغ إلى التقصير في مقاومة أخيه. قال بعضهم: ولعلّ رستم هذا أضعف من شاه بُضاغ في دفع شاه سوار (٥). ولقد كان ما قاله بعد حين، كما سيأتي في محلّه إن شاء اللّه تعالى. [شهر ذي القعدة] وفيها استهلّ ذو (٦) القعدة بالسبت، وطلع القضاة لتهئنة السلطان. [نجاة إنسان من الأسد بالاحتماء فوق الشجرة] ففيه- أعني هذا الشهر، في ثانيه- خرج إنسان من أهل واهران إلى جهة أجِنّتها في وقت السَحَر، وإذا بأسدٍ عظيم لقيه، فلما رآه ذلك الإنسان فزع منه فزعًا شديدًا، وبَدَر بأن طلع إلى شجرة بالقرب منه، وأسرع الأسد في المجيء إليه، ففاته الإنسان بالطلوع للشجرة. ولما وصل الأسد إلى الشجرة صار يزأر، ويقفز إلى الشجرة، ثم يتّكيء فيها كالذي يريد قلعها، ولم يزل على ذلك حتى أصبح، فذهب الأسد، وجاء ذلك الشخص بخيرٍ مما اتفق له. [تفقّد مقياس النيل] وفيه، في يوم الجمعة سابعه، تفقّد ابن (٧) أبي الرذّاذ أمين المقياس، وذلك

стр. 884

في اليوم الموافق لسادس عشرين بؤونه (١)، واختبر القاعدة، فأخبر بأنها جاءت سبعة أذرع ونصف، فبشّر به، ثم أصبح من غده فنودي على النيل المبارك بالزيادة إلى أن كُسر، على ما سنذكره. [نيابة قانباي الحَسَني بطرابلس] وفيه، في يوم الخميس العشرين منه، استقر في نيابة طرابلس قانباي الحَسَني، أحد الأمراء الطبلخاناة بالقاهرة دفعةً واحدة، من غير تقدّم ولا ترشّح لذلك، بل ولا أهلية. وعُدّ ذلك من النوادر. وولّيها عوضًا عن محمد بن مبارك بعد عزْله عنها، وأعيب على الظاهر خُشقدم هذه الفعلة لعِظَم جلالة هذه الوظيفة، لأنه لم يُعهد قطّ في دولة من الدول أن وُلّي طرابُلُسَ إلّا مقدّمين (٢) الألوف بمصر، مع الوظائف الجليلة، كالأتابكية، كما في طرابلس (٣)، ووُلّيها أيضًا من وُلّي إمرة مجلس، ومن وُلّي الأميراخورية الكبرى، ومن وُلّي الرأس نوبية الكبرى (٤). وأمّا نائب حماة فكثيرٌ منهم ممن وُلّيها إلى غير ذلك من أعيان الأمراء. وياليت مع هذا كان قانباي هذا ممن له أهليّة من جهة أخرى، لفضيلةٍ أو معرفة أو ذِكر حسن بصيت وسمعة، أو غير ذلك مما يكون مندوحة، حتى يقال له وغير ذلك المعنى المكمّل له، فلهذا وُلّيها، بل كان في غاية الإهمال. وثبت الأمر صددتى الصادق المصدوق: "إذا وُسِّد الأمر لغير أهله فانتظروا الساعة" (٥)، على أن هذه الطائفة كلها غير أهله، لكن النحس في هذا أظهر وأكثر وأكبر. [شهر ذي الحجّة] وفيها استهلّ ذو (٦) الحجّة بالإثنين، وهُنّيء به السلطان على العادة. (ورود الخبر بحصار جهان شاه بغداد وفيها ولده) (٧) وفيه، في أواسطه، ورد الخبر بأنّ جهان شاه حاصر بغداد وفيها ولده بير

стр. 885

بُضاغ، وكان بير بُضاغ هذا قد تمرّد وتنمرد بقوّته على أبيه، ورفع رأسه عليه، لشجاعته وكثرة جيوشه وجموعه، فاستلاش والده في غيبته، ولا سيما لما قتل علي بن محمد بن فلاح المشعشع (١)، ومن حينئذٍ استطال على أبيه، وملك بغداد والعسكر بها، على ما سيأتي في ترجمته، فقصده أبوه (٢) وحصره، فلم يقدر عليه، وآل الأمر بينهما إلى الصلح، ثم إلى قتْل بير بُضاغ كما سنذكر ذلك (٣). واختُلف في كيفية قتله على أقوالٍ لا فائدة لنا في ذكرها. ثم بعث ولده الآخر بعد قتل بير بُضاغ لقتال المحسّن بن المشعشع الذي ملك بعد أخيه على ما تقدّم. (عقد أزبك على ابنة الظاهر الثانية) (٤) وفيه، في يوم الجمعة، تاسع عشرة، عُقد لأُزْبَك من طَطَخ الظاهري، رأس نوبة النُوَب إذ ذاك وأتابك زمننا الآن، على ابنة أستاذه الظاهر جقمق. وهي الست (خديجة) (٥)، بعد موت زوجها جانبك الظريف (٦) الأشرفي، وهي ثانية زوجاته من بنات أستاذه، و () (٧) موجودة الآن في عصمة الأتابك المذكور، وأمّها أمّ ولد اسمها () (٨). وكانت من سراري الظاهر (٩). وأمّا زوجته عائشة فقد عرفنا أنها كانت من الخَوَنْد مُغُل البارزية (١٠) ووُلدت

стр. 886

() (١) هذه بعد الأربعين وثمانمائة، وعقد لها الأشرف إينال على جانبك الظريف على ما قدّمنا في سنة سبع وخمسين، ودامت في عصمته (٢) إلى أن مات، فعقد لها في هذا التاريخ على أُزْبَك المذكور، وهي تحته الآن، واستولدها عدّة أولاد، وتُذكر بجميل، وأنها لا بأس بها. [توقف النيل عن الزيادة] وفيه- أعني هذا الشهر، توقّف النيل عن الزيادة من يوم الإثنين ثاني عشرينه، ووافق حادي عشر مِسرَى، إلى يوم السبت سابع عشريه، الموافق لسادس عشر مِسرَى، ستة أيام متوالية، فقلق الناس لذلك، واضطربوا فيما بين ذلك غاية القلق والاضطراب الذي لا مزيد عليه، وتوجّه القضاة وجماعة من الأعيان والفقهاء إلى المقياس للاستسقاء والابتهال إلى الله تعالى هناك، وكان ما سنذكره (٣). [قدوم مبشّر الحاج] وفيه، في يوم الأربعاء رابع عشرينه، قدم مبشّر الحاج فأخبر بالأمن والسلام. [الابتهال بجريان النيل] وفيه، في يوم الجمعة، سادس عشرينه، تزايد ابتهال الناس إلى الله تعالى في أن يُجري لهم النيل المبارك، وضرعوا إليه تعالى في ذلك. ولما كان وقت صلاة الجمعة تزايد ابتهال الخطباء على المنابر بذلك والناس بتفاؤلهم (٤)، وكثر بكاؤهم ونحيبهم (٥)، وخشعت بعض القلوب، فأصبح في يوم السبت سابع عشرينه وقد زاد البحر، فسُرّ الناس (٦) بذلك، وتباشروا وفرحوا، واستمرت الزيادة، وللَّه الحمد، ودامت كذلك إلى أن كان الوفاء كما سيأتي في التي بعدها إن شاء الله تعالى (٧). وخرجت هذه السنة على ما بيّنّا من الحوادث والكوائن الماضية فلا نعيدها.

стр. 887

ذِكرُ نُبَذٍ (١) من تراجم الأعيان ووَفَياتهم في هذا الزمان [سنة ٨٧٠ هـ] ٢٩٠ - إبراهيم بن أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج بن عبد الله بن عبد الرحمن المقدسي، الناصري، الدمشقي، الشافعي. شيخنا، الشيخ الإمام، العالم، العلّامة، الفهّامة، الأديب، الأريب، المفنّن، برهان الدين، أبو إسحاق ابن العلّامة شهاب الدين المعروف بابن الباعوني (٢)، قاضي القضاة بدمشق، وخطيبها ومفتيها. ولد بها في سابع عشرين شهر رمضان سنة سبعٍ وسبعين وسبعمائة. وبها نشأ فقرأ القرآن العظيم، ثم حفظ عدّة متون، منها: "الإبتهاج" و "الألفيّة"، وعرض على جماعة، ثم اشتغل بالعلم مع ذكائه وحذقه وفطنته، وفهْم وتيقّظ. وأخذ عن جماعة من علماء عصره، منهم: السراج البُلقيني ووالده

стр. 888

وغيرهما من الأكابر، وسمع الحديث منهما ومن الزين القرافي، والنور الهيثمي، وآخرين، ودأب وجدّ حتى تميّز وشُهر، لا سيما في الفقه والأدب، وأفتى ودرّس، ووُلي القضاء الأكبر بدمشق، ثم تعفّف عنه بأخرة، ودُعي إليه غير ما مرة بعد ذلك، وبُعث إليه بالولاية فامتنع، ووليها أخوه الجمال يوسف (١) الآتي في محلّه في وفيات سنة ثمانين وثمانمائة إن شاء الله تعالى، وكان بيده عدّة وظائف دينية، منها خطابة جامع دمشق، ومشيخة الباسطية. وله في ذلك نادرة كادت أن تكون أو كانت من كراماته، لعلّها تقدّمت في ترجمة عبد الباسط (٢) في وفيات سنة أربع وخمسين (٣)، وولي عدّة تداريس جليلة أيضًا، وكان مفتي دمشق وإليه المرجع بها لا سيما بأخرة، وكان له يد في العربية، وخمّس "ألفيّة" ابن مالك، فزادها ألفًا وخمسمائة بيت (٤) كلّها فوائد نحوية ومسائل زائدة على ما في "الألفيّة"، حتى عُدّ ذلك من نوادره. وله عدّة مصنّفات أُخَر، ونظْم جيّد، ونثر حَسَن. وكان أحد علماء الأدب، بل عينهم ورأسهم بدمشق. فمن نظمه ما كتبه في إجازة الوالد، وفيه جناس: سل الله ربَّكَ ما عنده … ولا تسأل الناسَ ما عندهم ولا تبتغي من سواه الغِنَى … وكن عبده لا تكن عبدهم ومنه قوله: إذا استغنى بنو الدنيا بمالٍ … لهم جَمٌّ فكُن بالعلم أغنى وإن مالوا إلى الإكثار فاقنعْ … فإنّ القنْعَ كنزٌ ليس يَفْنَى ومنه وفيه تضمين: سَلِّم إلى الله في كل الأمور وثِقْ … به ولا تكُ في البأساء ذا هلَعِ وماءُ وجهك صِنْه لا تُرِقْه ولا … تذلّ يومًا لمخلوقٍ على طَمَعِ ومنه، وفيه لزوم ما لا يلزم مع الجِناس: لا تعلِّق بامريء من سائر الناس رجاءك … وإلى ربّك فاجعل في المهمّات التجاءك

стр. 889

وإذا خفت فابك لُطْفه تلْق نجاءك … فهو ذو جود إذا مارُمت منه الخيرَ جاءك لا تُرائي الناس بالمدح لهم واترُك هجاءك ومنه وأجاد: أُقسمُ باللَّه العليّ العظيم … مكوّنِ الكَوْنِ العزيز العليمْ ما تعدل الدنيا لدى عاقلٍ … خضوعَه فيها لنذْلٍ لئيمْ فكن فتًى حُرًّا أخا هِمّةٍ … عالية واقْفُ الصراطَ المستقيمْ ولا تعوّلْ في الذي تبتغي … إلّا على الله الجوادِ الكريمْ (١) ومنه مضمن: كل الذين قد رأيتَ فإن … وكلّ جَمْع إلى افتراق فثِقْ بباقٍ بلا زوال … واعمل لما سر في التلاق ي واقصدْ به الله لا سواهُ … ما كان للَّه فهو باق ي ومنه وهو ضدّه: الناس لا يرجوهُمُ ويخافهم … إلّا جَهُولٌ أو ضعيفٌ ولاهِ فاترك مخافتَهم وخلِّ رجاءهم … وعن الإله فلا تكنْ باللاهي فالله أَوْلَى أن يخاف ويُرتَجَى … فأَنِبْ إليه إنابة الأوّاهِ وإذا بدتْ لك حاجةٌ وضرورةٌ … فالْجأ (٢) إلى ملكٍ عظيم الجاهِ ربِّ كريم مُنعمٍ متفضّلٍ … عالٍ عن الأمثال والأشباهِ لا يستطيع بأن يعارض حكمَه … وقدْرَه من أمير أو شاهِ والنفس فاقْمَعْها فما يُعْميك عن … طُرُق الهدى وسلوكها إلّا هي وانظُرْ إلى ما قاله ذو فطنةٍ … عمّا يحبّ الله ليس بساهَ نزّهتُ نفسي في الحوائج عنهم … فحوائجي بيني وبين اللهِ وهذا ما حضرني الآن من كلماته البليغة الفصيحة، التي قالها على سبيل النصيحة. وأمّا ما قال من رقيق الغزَل والنسيب، الذي هو كنسيم أيضًا نسيب، فشيء كثير، غزير شهير. وكان يخطب غالباً بخُطَبٍ من إنشائه، ولا بِدْع، فإنّ أباه قبله كان كذلك.

стр. 890

ولم يزد على عظمته بدمشق وجلالة قدره، حتى بَغَتَه الأجل بها. وكان إمامًا فاضلًا، بارعًا، كاملًا، بشوشاً، ذا بشر وطلاقة وجه، منوّر الشيبة، حسن الهيئة والسمت، كثير الأدب والحشمة، مع تؤدة وخير وعزّ، ونزاهة نفس، وتواضع زائد، كريماً جدًا، سخيّاً، جواداً، نافعاً للطلبة وغيرهم، قائمًا في الحق والمهمّات، كثير النوال، واسع الأفضال، معدوداً من الرجال. كان بينه وبين الوالد صحبة أكيدة ومحبّة ومودّة زائدة، ومذاكرات ومحاضرات. وكان قد وُلّي خطابة البيت المقدس من مدّة. توفي في يوم الخميس رابع عشرين ربيع الأول، ودُفن من يومه، وكان له مشهد حافل، وكثُر أسف الناس عليه. ٢٩١ - • وأمّا والده الشهاب أحمد الباعوني (١)، فناهيك بترجمته، فقد ترجمه جماعة من الأكابر في تواريخهم، وتلخيص ذلك بأنه كان من أكابر الأعيان، من العلماء المشاهير في العلم والأدب والخير والدين والصلاح، وولّاه الخليفة السلطان المستعين باللَّه حين سلطنته قضاء الشافعية بمصر، ولم يتفق له مباشرتها. وكان قوّاماً بالحق قوّالاً به، لا تأخذه في الله لومة لائم. وله اليد الطولى في النظم والنثر وإنشاء البليغ من الخُطَب. ووُلّي قضاء دمشق فشاع بها عدله وذاع، وحُمدت سيرته، وشُكرت أياديه في قضائه وأحكامه، وبالجملة ففضله أشهر من أن يذكر، فقُل ما شئت فلا يُنكر.

стр. 891

(ترجمة الغنّام الشيخ المعتَقَد) (١) ٢٩٢ - إبراهيم بن () (٢) بن () (٣) المعروف بالغنّام (٤). الشيخ المعتقد بالصلاح، وكان من المعمَّرين، وللناس فيه الاعتقاد الحَسَن لخيره ودينه وصلاحه وشهرته بذلك، وكان له مَعِز يسوقها بين يديه بالطرقات، لأجل بيع حليبها على عادة باعة اللبن، ويرتزق من ثمن ذلك، ويسأله الناس الدعاء في أثناء مروره بهم، وربّما قصده البعض لتقبيل أياديه وطلب الدعاء. وكان ساكناً بالحسينية خارج باب النصر. وبها توفي في منزله يوم الخميس بمستهلّ ربيع الآخر، وصُلّي عليه برحبته بالقرب من داره، وبها دُفن، نفع الله به. (ترجمة ابن أبي السعود الشافعي) (٥) ٢٩٣ - أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن سعيد بن علي المنوفي، القاهري، الشافعي. الشيخ الأديب، الفاضل، الأريب، البارع، الكامل، شهاب الدين، أبو العباس، أحد شعراء العصر، المعروف بابن أبي السعود (٦)، وهي كنية والده إسماعيل، وهي من نوادر كنى هذا الاسم. ولد بمَنْف (٧) العليا في شوال سنة أربع عشرة وثمانمائة. وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم، ثم حفظ "منهاجَي الفقه والأصول" و"ألفيّة ابن مالك"، وقدم القاهرة في سنة تسع وعشرين فاشتغل بها. وأخذ عن جماعة،

стр. 892

منهم: الزين القُمُنّي، والزين البوتيجي، ومَهَر في الفرائض والحساب، وكان بعد ذلك يتردّد من بلده والقاهرة، فيسكن هذه مرة، وتلك أخرى، وأخذ ببلده عن البرهان الكَرَكي، وتميّز في فنّ الأدب، وقال الشعر الحسن الجيّد، فمن ذلك ما أنشدنيه لنفسه في شيخ منجّم: لمحبوبي المنجّم قلتُ يومًا … فدتْك النفسُ يا بدرَ الكمال براني الهجر فاكشف عن ضميري … فهل يومًا أرى بدري وفى (١) لي (٢)؟ ومما أنشدنيه لنفسه قصيدته الطويلة التي هذا أولها: خذوا بدمي رقيم الوجنتين … على الجرعاءِ (٣) بين الرَقْمتَين (٤) ومَن في مُهجتي وَفَتْ بعهد … حُسامي مقلتيها الماضيين (٥) واعترض النُواجي (٦) على مطلعها على عادته في تهوّره وتهويله في اعتراضاته

стр. 893

فقال: هذا كلام لا معنى له، لأن الجَرْعاء مكان على حِدته، والرَقْمَتَين مكان آخر على حِدَته، ومن المستحيل نقْل مكانٍ إلى مكان. ثم أخذ بعد هذا الاعتراض ينكّت بأن قال عن صاحب الترجمة، ولقد بلغه عنّي هذا الاعتراض، فلم ينتصر لنفسه ولم يتكلّم. انتهى. أقول أنا: والظاهر من عدم تكلّمه سدّ باب القيل والقال وفتح الجدال، لا سيما وهو يعلم بأن النواجي من أهل المشاغبة، أو جرى في ذلك على عادته، إنه كان لا يهجو من هجاه، فضلاً أن يعترض على من اعترض عليه، وكان سبيله المَيل إلى السكون دائماً، لا سيما في مثل هذه الأمور، وإلّا فكان بمكنته أن يقول ما يقول أنا نواجي في قول المتنبّي في بعض قصائده في مدح البعض من الأكابر: وأخاف أهل الشِرك حتى إنه … لتَخَافُه النُطَف التي لم تُخَلقِ (١) فإن ذلك من باب الإيغال، وهو شائع ذائع. وقوله: من المستحيل نقل مكان إلى مكان ليس بمسلّم. ألا ترى أن الله تعالى نقل أرضاً من الشام إلى الطائف، والطائف إلى الشام!؟ ومن نظمه فيمن اسمه "علي": قل لي متى ظعنُهم جَدّ السرى بعلي … وأيُّ دمعٍ عليه غير منهمل قد سارَعَ الحزن نحوي بعد فُرقتهم … فلا تَسَلْ عن مصابي يوم سار علي سارع لي (٢) وله نحو ما ذكرناه أشياء كثيرة ونظم كثير.

стр. 894

وقد هجاه جماعة من شعراء عصره، فما أجاب عن ذلك، ولا هجا (١) من يهجوه (٢)، وغير ذلك من فضائله. وكان قد ناب في القضاء. وكان حسن العشرة، فكِه المحاضرة، له مداخلة بالأعيان، وخبرة بذلك، مع حُسن شكالته وهيئته وتؤدته وسكونه، وحُسن سمته وملتقاه. توفي بالمدينة المشرَّفة في خامس عشري شهر رمضان. (ترجمة الواعظ القدسي) (٣) ٢٩٤ - أحمد بن عبد الله بن محمد العسقلانيّ الأصل، المقدسي، الشافعي. الشيخ شهاب الدين، أبو العباس، الواعظ، المعروف بالقدسي (٤). ولد بالبيت المقدس في سنة ثلاث عشرة (٥) [و] ثمانمائة، وبه نشأ (٦). فحفظ القرآن [العظيم] وغير ذلك من كتب، ثم اشتغل بالعلم فأخذ عن جماعة، وواظب على الاشتغال بجدّ واجتهاد حتى تميّز ونبغ، ثم تعانى الكلام على الناس فمهر في ذلك وشُهر، واجتمع عليه خلق كثير لسماع وعظه وتذكيره، وكان على مجلسه الأُنس، ولوعظه التأثير، وله اليد الطولى في سرد الأحاديث والتفسير فيما هو بصدده من التذكير، ويستحضر الكثير من كرامات الصالحين وحكاياتهم وأخبارهم في الوعظيّات، وقدم إلى القاهرة وعمل بها المواعيد الحافلة والمجالس الهائلة. وكان يجتمع عليه الخلق الكثير والجمّ الغفير من الناس، لا سيما النساء. واتفق أن حكى في بعض مجالسه حكاية عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، وكان بذلك (المجلس) (٧) بعض المالكية، فنسبوه إلى تنقيص الإمام مالك، وشكوه إلى القاضي المالكي، فبعث إليه يمنعه من الكلام على الناس جملة كافية، ثم أذِن له بعد شفاعة وقعت له. وتوجّه بعد ذلك إلى الحج، وجاور بمكة في سنة أربع

стр. 895

وأربعين، وجرى عليه كائنة بها قد تقدّمت في محلّها في أوائل تاريخنا هذا، وتعصّب عليه قاضياها الشافعي والمالكي بشيء بلغهما عنه في حقّهما، فحقدا عليه، فقاما عليه قياماً تامّاً، وامتُحن بالقبض على لحيته من أحد القاضيين، وتلّه إليه، ثم سُجن في يوم جمعة، ومُنع من الصلاة، ومُنع من الكلام على الناس، وكُتب فيه محضر، وجرى عليه ما لا خير فيه. ثم مُنع من الفُتيا والتدريس بمكة، فإنه كان جلس فيها لإقراء الطلبة وللكتابة على الفُتيا. ولما عاد إلى القاهرة أراد الطلوع إلى الظاهر ليشكوهما، فما أُشير عليه بذلك، وسكت على مضَض. وكان داهية من دواهي الدهر، وله ثروة ومال كثير. ثم جرى بينه وبين البرهان البقاعي (١) كائنة يطول الشرح في

стр. 896

ذِكرها، ترافعا فيها إلى يشبُك الفقيه الدوادار الكبير، ووقع بينهما ما لا خير فيه، ونسب كلٌّ منهما الآخر إلى ما لا فائدة في ذكره، وهو مشهور عنهما. ولم يزلى صاحب الترجمة على وعظه وتذكيره. حتى توفي بالقاهرة في ليلة الأربعاء سادس عشرين جمادى الآخرة بعد مرض طال به مدّة، ودُفن بالقرافة الصغرى. والله يعفو عنّا وعنه، آمين. ٢٩٥ - أحمد بن النخلي (١) التونسي، المغربي، المالكي. الشيخ الإمام، العالم، العلّامة، أبو العباس. كان أحد أفراد علماء تونس الأعيان، فاضلًا، متقناً، متفنّناً، عارفاً بكثير من العلوم، خيّراً، ديّنًا. انتفع به الكثير من الطلبة وأخذوا عنه. ولم يزل على خير ودين ونفع للطلبة.

стр. 897

حتى توفي في هذه السنة على ما أخبرني بذلك الشيخ العلّامة حمزة المغربي، الآتي ذكره في سنة سبع وسبعين إن شاء الله تعالى. وكان في عشر () (١) حين مات، رحمه الله تعالى. ٢٩٦ - إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن علي بن قَرَمان الدويني (٢)، اللارَندي. الأمير، (السلطان) (٣) شرف الدين، صاحب لارَنْدَة، وقونية، وقيصرية، ونكدة، وما والاها من بلاد الروم الأوسط، التي يقال لها بلاد ابن (٤) قَرَمان. قد تقدّم كيفيّة تملّكه للبلاد بعد أبيه، بعهده منه إليه، وكان لأبيه عدّة أولاد، وهم نحو الستة أو السبعة، منهم خمسة من بنت ابن (٥) عثمان، وكانت أخت مراد بك السلطان والد محمد سلطان الروم، وكانت عمّته. وكان إسحاق من غيرها، فلما مات والده إبراهيم، وعُهد إليه بالمُلك، وتسلطن بعده، لم يُطعه (٦) إخوته وخالفوه وخرجوا عنه لعدم رضاهم بسلطنته، على أنه كان الأكبر منهم سنّاً، ومع ذلك فلم يرضوا به، وكان قيامهم عليه سببًا لزوال المُلك عن جميعهم، وإنّما خرجوا عن طاعته لدعواهم رياستهم عليه، بكونهم أولاد بنت ابن (٧) عثمان، وكون ابن خالتهم السلطان محمد موجودًا، ظنّاً منهم بأنه يأخذ لهم المُلْك من أخيهم، والتحقوا به، وكان أكبرهم يسمّى أحمد رضوا استنابته (٨) بسلطنته عليهم فانتموا لابن عثمان للقرابة بينهم. وانتمى إسحاق القرماني لمصر، وبعث قاصده للظاهر خُشقدم على ما تقدّم، ووعده بالقيام معه، ثم انتمى لحسن الطويل أيضًا، وقصده إخوته بجمع وافر، وجرت بينه وبينهم أمور يطول الشرح في ذكرها، وفرّ إلى حسن، وعادً مع عساكر حسن إلى بلاده ثانيًا. ثم قصده ابن (٩) عثمان بالعساكر، وأخرجه وولى عوضه أحد إخوته من بنت ابن (١٠) عثمان المذكور، وعاد هو إلى بلاد حسن أيضًا، ولم يتهنّ بالمُلك للحروب والخطوب الواقعة بينه وبين إخوته.

стр. 898

وآل أمره إلى أن توفي بدياربكر قريبًا من بلاده في أوائل العام. وكان لا بأس به فيما أُخبرت. ٢٩٧ - بير بُضاغ (١) بن جهان شاه بن قرا يوسف بن قرا محمد بن بيرم خُجا التُركماني الأصل، الرافقي. صاحب بغداد والعراق من قِبَل والده جهان شاه، ثم المستبدّ بها بعد ذلك. كان كأبيه في سوء الاعتقاد والإلحاد، بل فاقهم في انحلال العقيدة. ويقال إنه قال بإلهيّة علي بن أبي طالب، واتخذ مكوى من الحديد، ويقال مكاوي من الذهب، عليها أسامي الأئمة الإثني (٢) عشر، وحماها بالنار، وكوى جميع بدنه بذلك، وجرت عليه من النار ما لا خير فيه، ليتها كانت القاضية، وبلغ التلاف، وصار يلفّ في القطن الحروق ويعيد على ذلك، ودام هكذا كذلك وهو في النار الدنيوي قبل الأخروي، ثم حصل له الشفاء وقام وعلى بدنه أسامي هذه الأئمة، وهم براء منه ومن اعتقاده. ولما بلغ عليّاً بن محمد المشعشع تفانيه في اعتقاده أو رفضه أو تشييعه أو كفره وإلْحاده، أخذ في دعواه بأنه هو علي بن أبي طالب، وقال: انتقل الأرواح، وثار بأبيه فاقتلع منه تلك الجراير، وصار والده تَبَعاً له، وصدّقه على مقالته، ثم تجهّز بجموعٍ وافرة من عساكره، وقصد المدينة المسمّاة بمشهد علي. وكان بير بُضاغ صاحب الترجمة قد تغالى في عمارة المشهد الذي يقال إن عليّاً به، وأعمره عمارة هائلة، وجعل به قناديل الذهب والفضة إلى غير ذلك من أشياء عظم بها المشهد، فدخلها ابن المشعشع هذا ونهبها وأخرب المشهد وقال: من يقول إنّ عليّاً بهذا القبر أعلوه بحسامي هذا، وها أنا عليّ. ثم أحضر جمعًا من العلماء والأعيان، وأمر بنبش القبر الذي يقال إنه قبر عليّ، ﵁، فما وجد به ما يدلّ على أنه آدميُّ (٣) أصلاً، فقال لهم: صدقتم، إنه أنا. وفعل أفعالاً

стр. 899

عجيبة، وبلغ صاحبَ الترجمة ذلك فقامت قيامته، وكان بشيراز، فاستأذن والدَه وجمع جموعًا وافرة، وقصد العراق، فاتفق قتْل المشعشع علي هذا في يوم وروده لبلاده، يقال بدسيسة منه لإنسان من الكُرد، على ما عرفتَ ذلك في ترجمة عليّ هذا فيما تقدّم، ثم عاد إلى بغداد فملكها واستلاش والده، لا سيما وقد فعل أفعالاً أوجبت له تعظيم نفسه، فاستبدّ يملك بغداد من غير مشاورة أبيه ولا مراجعته في الأمور. وبلغ جهان شاه ذلك، فقصده، فلم ينجح، بل قصده غير ما مرة، ووقع منهما أمور ووقائع وخطوب يطول الشرح في ذكرها، آل الأمر بأخرة أن نازل بغداد وحاصره بها مدّة نحو الثلاث سنين، وهو في غاية القوّة، والمنعة الزائدة، والعظمة، لتحصينه بغداد، خوفًا من مثل هذه الكائنة، وانجراره في بنائها. ثم آل أمره مع أبيه بعد هذه المحاصرة العظيمة إلى المصالحة. ورحل جهان شاه عنه عائدًا، ثم أُغري به بعد عَوده، فأعاد إليه أخاه محمدًا بحيلة، واطّلع صاحب الترجمة عليها، فقاتله لما علم مقصده بأنه ما جاء إلّا لأخذه. وآل أمره إلى أن طِيف به، فقتله في هذه السنة، وما حرّرتُ شهر قتْله، وأراح الله تعالى منه العباد والبلاد، فلا رحم الرحمن تربةَ قبره، ولا زال فيها مُنكَر ونكير. ٢٩٨ - تغري بَرْمش (١) السيفي قَراقُجا الحسني. أحد العشرات ورؤوس (٢) النُوَب. كان من مماليك قراقجا الحَسَني (٣) الأميراخو [ر] الكبير، الماضية ترجمته في سنة ثلاثٍ وخمسين وثمانمائة. وأصل تغري بَرْمش هذا من سبْي قبرس لما خرج قَراقُجا أستاذه إليها لغزوها في أيام الأشرف [بَرْسْباي]، وكان إذ ذاك من العشرات، وملكه بالسَّبْي فيما أظنّ، وقرّبه واختصّ به، ورقّاه بعد ذلك إلى أن صيّره دواداره، وتنقّلت به الأحوال بعد موته، حتى تأمّر عشرة في دولة الظاهر خُشقَدم، لأيادٍ كانت له على خُشقَدم هذا من قبل وصُحبته، فراعاها له، ودام على إمرته حتى بَغَتَه أجَلُه.

стр. 900

وكان إنسانًا حسنًا، مشكورًا، خيّرًا، ديّنًا، سيوسًا، عاقلًا، حشمًا، أدوبًا، عارفًا. توفي في ليلة الخميس ثامن عشر ذي الحجة، وجُهّز صبيحة ذلك اليوم، وأُحضرت جنازته لمصلَّى المؤمني، ونزل السلطان فحضر الصلاة عليه. وكان قد جاوز الستين من العمر فيما أظنّ. واسمه تقدّم معناه فيما مرّ في "تغري". ٢٩٩ - جانِبَك من أمير (١) الأشرفي. أحد مقدَّمين (٢) الألوف والدوادار الثاني، المعروف بالظُرَيف، بالتصغير. كان من مماليك الأشرف بَرْسْباي من صغارهم، وصُيِّر خاصكيًا في دولة الظاهر جقمق، واختصّ به وقرّبه، وصيّره بعد خاصكيّته خازندارًا صغيرًا، ثم دوادارًا صغيرًا، ثم أمّره عشرة. ودام كذلك إلى سلطنة الأشرف إينال، فصيّره خازندارًا كبيرًا، أظنّ على إمرة طبلخاناة، ودام على ذلك حتى تسلطن الظاهر خُشقَدَم، وكان أحد القائمين من الأشرفية البَرْسبائية بسلطنته، بل قام في سلطنته أول الناس فبايعه، وقبّل له الأرض قبل كل أحد، وتبِعه الناس على ما عرفت ذلك في المتجدّدات في سلطنة خُشقَدم في سنة خمسٍ وستين، فصيّره الظاهر هذا دوادارًا ثانيًا عِوَضًا عن بُرْدُبك الفرنجي، بحكم القبض عليه، وصيّره من مقدَّمين (٣) الألوف، وعُدّ ذلك من نوادر جانبك هذا، فإنه لم يقع لأحدٍ قبله ذلك في القرب من هذا الزمان. وكان قد تزوّج في دولة الأشرف إينال بالست () (٤) ابنة الظاهر جقمق، ودامت معه لموته، وهي الآن زوجة الأتابك أُزبَك على ما قدّمنا ذلك. ولم تطُل أيام جانبك هذا في الدوادارية الثانية حتى قبض الظاهر خُشقَدَم عليه مع من قبض من الأشرفية خُشداشيه بالقصر، وحُبس عدّة سنين في غير ما سجن، آخر ذلك سجن قلعة صفد، وبها بَغَتَه الأجَل مسجونًا. وكان شابًا حسنًا، شكلاً، جميل الصورة، وضيئاً، بهيّ الهيئة، حسن

стр. 901

الذات، ذا شجاعة وإقدام، ومعرفة تامّة بأنواع الأنداب والتعاليم ما بين رمح ونشاب، وله خبرة بالبُرْجاس (١)، وغير ذلك من أنواع الفروسية وفنون الملاعيب، مع طيش وخفّة وجبروت، وبأوٍ زائد وتعاظُم، وبُخل وشُحّ إلى الغاية. وكان مع ما فيه من الجبروت إذا حضر إليه الوالد أجلّه ورفع من محلّه، وقام له، وخرج عن مكانه وذلك في عهد نهاية عظمته، مع مخاطبته بالخطاب المُشْعِر بغاية التعظيم، من جملة ذلك قوله: نحن ( … ) (٢) بعين أستاذنا، يشير إلى الأشرف بَرْسْباي، حتى كان غالب من يراه في ( … ) (٣) مع الوالد يتعجّب غاية التعجّب، لِما عُهد به هذا من التعاظم وشُهر به، وبل التكبَّر على الخاص والعام. توفي في () (٤). ٣٠٠ - جانَم المؤيَّدي (٥). أحد العشرات ورؤوس (٦) النُوَب، المعروف بحرامي شَكَل. ومعناه شكل الحرامية، أي المشبَّه لهم. كان من أصاغر مماليك المؤيَّد شيخ، ومن المساخير الأوباش الأطراف في الطائفة الجركسية، بل في طائفة الأتراك، لم يُر كمثله (٧) ضحكة لكل حركة. تنقّلت به الأحوال بعد موت المؤيَّد في الخمول والفقر والفاقة والشحادة. وكان كثير التردّد إلى أبواب المشاهير بالكرم من الأمراء، بل وغيرهم، وصناعته التقرّب إلى خواطرهم بالبجاحة والتمسخر والمَضَاحك. ولما تسلطن الظاهر جقمق جعله بوّابًا، وأقطعه إقطاعًا حسنًا جدًا، حسُن به حاله، وكان سببًا لانقطاعه عن التكدّي من الأكابر بواسطة ذلك الإقطاع، من استشرافه إلى ذلك لاعتياده به واستطلاعه إليه، وإنّما كان يخشى الظاهر لئلّا يبلغه عنه ذلك، ولذلك امتنع من الشحادة، على أنه كان عنده بقاياها مع بعض أُناس يقصدهم من أكابر الأكابر، ففي

стр. 902

الحقيقة ما تركها رأسًا وأصلًا، فإنه كان رديء الأصل، لا يمكنه الانقطاع عما ألِفَه طبْعُه، وصار كالمباح له، فما أحقّه بقول بعضهم: تَوَقَّ بطونًا جُوِّعت ثم أُشبعتْ … فإنّ بقايا الجوع فيها مخمَّر وراعِ بُطونًا أُشبعتْ ثم جُوِّعتْ … فإنّ كريمَ الأصل لا يتغيّر ودام كذلك مدّة الظاهر على بوّابته، إلى أن تسلطن الأشرف إينال. وبينا الأشرف المذكور في أثناء تفرقة الأقاطيع والإمريّات على الناس في أول دولته، إذ وقف له جانَم هذا، وسأله في إمرةٍ لنفسه بغير واسطة، من جسارته وجوعه النفسي، وإلّا فهو في كفاية وغنْية، فلم يُجبه الأشرف إلى سؤاله، ولا التفت إليه، فبدر بأن ألقى بنفسه إلى الأرض في الملأ (١) العام من الناس بالحَوش، ثم قال باللغة التركية: إمّا أن تأمر المشاعلي بأن يوسّطني ها أنا مستسلم، وإمّا أن تعطيني إمرة! وقصد بذلك التمسخر والمضحكة بين يدى السلطان، فضحك منه ومَن حضر، وشفع له بعض أعيان ذلك المجلس، فأمّر عشرة، ثم صُيّر من رؤوس (٢) النُوَب، ودام على ذلك حتى بَغَتَه أجَله. ذكر لي بعض من أثق به أنه مع تأمّره لم يزُل عن طبعه في الشحادة، وكان يسأل بعض أكابر الأمراء في أشياء، ويُجاب إلى سؤاله لكونه أميرًا. وكانت الأتراك من طائفته يستعيبون عليه فعله، ويلحقهم منه العار، وله في البخل والحماقة، والنذالة، وقلّة المروءة، ودناءة الهمّة والمقالة، والعسالة، والمضحكات، والتمسخر حكايات طويلة يُستَحَى من ذِكر بعضها. توفي بعد مرضٍ طال به في () (٣). وكان مُسِنًّا. ٣٠١ - جوهر الأرغون شاوي (٤) الظاهري، الحبشي. الخادم (٥) الطواشي، صفيّ الدين، رأس نوبة الجَمدارية، المعروف بالساقي. كان من خدّام أرغون شاه الصالحي، الظاهري برقوق، أحد الأجناد

стр. 903

الظاهرية، وخدم بعده عند الظاهر جقمق وهو يومئذٍ الأميراخور الكبير في دولة الأشرف بَرسْباي، ودام معه في السرّاء والضرّاء إلى أن تسلطن، فقرّبه وأدناه واختصّ به ورقّاه، وصيّره ساقيًا، وعظُم عند الناس ووجْه. وكان له ذِكر وصيت وشُهرة في دواته، ونفدت كلمته، وتوفّرت حرمته، وذُكر لحسن السيرة. ثم نقله الظاهر إلى وظيفة رأس نوبة الجَمْدارية، فزادت وجاهته فوق ما كانت وعلى ما كانت بأضعاف، وتوفّرت حُرمته، وأنهى قضايا مهمّة عند الظاهر، وأحسن السفارة، ودام على حُرمته وعزّته إلى أن بَغَتَه أجَله. وكان من أجلّ الخدّام رياسة وأدبًا وحشمة وتواضعًا وخيرًا ودينًا، ذا حُسن هيئة وسمت وتؤدة، وعقل تام، ومعرفة وخبرة. وكتب الخط المنسوب، مع فضيلة كانت لديه، وكان يلمزه البعض ببعض بُخل. وبغرام وتولّع في لعِب الشطرنج، ومنهم من عدّة من نوادر الخدّام، وأنه لم يَخْلفه بعده مثلُه من أبناء جنسه. توفي في ليلة الخميس عاشر شعبان، وأُحضرت جنازته لسبيل المؤمني، ونزل الظاهر خُشقدم فحضر الصلاة عليه، وحُمل إلى تربة قانِبَاي الجركسي فدُفن بها. وكان سنّه نحو الستين سنة أو بَلَغَها، والله أعلم. ٣٠٢ - حسن الرَّهُوني (١). القاضي بدر الدين المالكي. كان أسلافه ممن لهم شُهرة وذِكر، وكذا هو. ولد قُبيل العشرة (٢) وثمانمائة. ونشأ مشتغلاً بالعلم، وأخذ عن جماعة، ثم ناب في القضاء، وصرفه السلطان مرة، وكتب عليه قَسامة أنه لا يتولّى بعد ذلك. ووقع له غير ما كائنة لتهوّره في أحكامه، ولم يكن خاليًا من فضيلة. توفي في يوم الثلاثاء مستَهلّ ربيع الأول. ٣٠٣ - خالد بن أيوب (٣) بن خالد.

стр. 904

الشيخ زين الدين، شيخ الخانقاه الصلاحية سعيد السُعداء. توفي في يوم الأربعاء ثالث عشر شهر شوال، بعد مرضٍ طال به. وكان له من العمر نحو () (١) سنة. ووُلّي مشيخة الخانقاه المذكورة بعده الحافظ تقيّ الدين عبد الرحمن القَلْقَشَندي الآتي في محلّه من سنة وفاته، وهي السنة التي تلي هذه السنة إن شاء الله تعالى. ٣٠٤ - سودون المؤيَّدي (٢)، الأشقر. أحد العشرات، المعروف بالفقيه. كان من مماليك المؤيَّد شيخ في أيام تدبيره المملكة للخليفة قبل سلطنته بأيامٍ يسيرة، وصيّر خاصكيًا بعده في أول سلطنة الأشرف بَرسْباي، ودام على ذلك مدّةً إلى سلطنة المؤيَّد أحمد بن الأشرف إينال، فأمّره عشرة، ولم يزل على ذلك حتى بَغَته الأجل. وكان إنسانًا حسنًا، خيّرًا، ديّنًا، فقيهًا، فاضلًا، يستحضر الكثير من المسائل الفقهية ويذاكر بها، ويعتني بالكتب العلمية، مع حسن السمت والتؤدة والأدب والحشمة والسكون، والمواظبة على وظائف الطاعات، وفوائد العبادات، وتلاوة القرآن، وملازمة النظر في كتب العلم، ومواظبة الخمس صلوات مع الجماعات، ولم تفُتْه تكبيرة الافتتاح مع الجماعة في غالب أحواله. وكان ساكنًا بزقاق حلب، بمكانٍ أنشأه لنفسه، وكان وجيهًا، محبّبًا إلى الناس، مقرَّبًا من خواطر الملوك، لا سيما خُشداشه الظاهر خُشقدم. ولم يزل على خير إلى أن توفي في يوم الخميس سابع عشر رمضان. وقد جاوز الستين سنة. وأُحضرت جنازته لسبيل المؤمني، ونزل الظاهر المذكور فحضر الصلاة عليه في مشهد حفِل. ٣٠٥ - • وهو والد صاحبنا وأخينا في الله تعالى، الفاضل الخيّر الديّن، الشَرَفي يونس، وهو من مقولة أبيه في حسن السمت والملتقى والبِشر، مع البشاشة

стр. 905

والتؤدة والأدب والحشمة والسكون الزائد والتواضع والفضيلة، ومحبّة العلم وأهله، واستحضار الكثير من أيام الناس ومحبّة التاريخ ومعرفته وخبرته بكثيرٍ من ( … ) (١) نيابة لا سيما العضُدية، وله الكتابة الجيّدة بالخط الحسن المنسوب، وكتب الكثير. ولد، أعزّه الله تعالى، على ما أخبرني به من لفظه (٢)، بالقاهرة في يوم الإثنين خامس عشرين ربيع الأول سنة أربعين وثمانمائة. وبها نشأ خيّرًا ديّنًا، هيّناً، ليّناً، ذكيّاً، حشمًا تحت كَنَف أبيه، متعلماً من اَدابه، متخلّقاً بأخلاقه، حتى فاق أباه وأربى عليه، وقرأ القرآن، وتعلّم الكتابة الحسنة، وحضر دروس عدّة من الأعيان، وهو مُجِدّ في تحصيل الفضيلة، وبيده من الرزق ما يكفيه ويفيض عليه. وله ولد يسمّى يحيى، أحياهما الله تعالى وأبقاهما وحفظهما وتولّاهما. (ترجمة الخَوَند الأحمدية) (٣) ٣٠٦ - شُكْرْباي الناصرية (٤) الجركسية، الأحمدية. الخَوَند الكبرى، زوجة الظاهر خُشقَدم، كانت في الأصل من جواري الجمال الأستادّار، وقدّمها للناصر فرج مع سمّيّتها أيضًا شُكْرباي أمّ الخَوَنْد شقراء، وكانت تلك هي المقصودة بالتقدمة وشُكْرباي هذه بقيت ضمناً في خدمة شُكْرباي أم شقراء، ثم تنقّلت بها الأحوال، وأجرى الناصر عينه عليها، وآل أمرها أن تزوّجت بأبرك الجَكَميِ (٥) وكان أحد أمراء دمشق، وولدت له باي خاتون (٦)، ويقال: أيخون، وباي خوَند، وخاتون أيضًا، وهي أمّ الشهابي أحمد بن العيني على ما أسلفنا إشارة إلى ذلك غير ما مرة. ولما مات أبرك عيّنها بدمشق من جملة أمرائها

стр. 906

كما قلنا، واتصلت بعصمة خشقدم، وكان إذ ذاك أحد مقدّمين (١) الألوف بدمشق، فيقال إنها هي التي كانت السبب الأعظم لعوده إلى القاهرة ودخوله إليها، وأشيع بأنها أقرضته مبلغاً جيّداً له صورة وأمدّته، وأشارت عليه بأن تسعى به في شيء من الأشياء بالقاهرة، فبعث إلى تمربُغا وهو الدوادار الثاني حينئذٍ لأستاذه الظاهر جقمق بعده ويأمره أن يسعى له في شيء يليه بالقاهرة، ومهما رآه مصلحة للسلطان يلتزم به عنه ويقوم هو به. وكذا بعث لأبي الخير النحاس بذلك أيضًا، فتعاضدا في أمره. واتفق أن جرت كائنة إخراج تَنِبَك البُرْدُبكي (٢)، وهو إذ ذاك حاجب، إلى ثغر دمياط على ما تقدّم بيان ذلك في محلّه من تاريخنا هذا، فتكلّم النحاس مع الظاهر خُشقدم هذا في الحجوبية، وحسّن تمربُغا ذلك للظاهر، وذكروا له مبلغاً، يقال إنه عشرة آلاف دينار، ويقال: ستة، وباقي العشرة لهما، فأحضره إلى القاهرة وولّاه الحجوبية الكبرى على ما تقدّم ذلك أيضًا في محلّه، ثم آل أمره بعد ذلك إلى السلطنة على ما عُرف، فعرف خُشقدم ذلك لصاحبة الترجمة، فقدّمها وعظّمها في حال سلطنته زيادة على ما كانت عليه، وأجلّها وراعاها، ولم يتزوّج عليها، وكانت عنده بمحلّ سام رفيع، وشُهِرت وذُكرت. ومن نوادرها عمل المولد النبوي لها بالحوش بعد عمل المولد للسلطان، وحجّت في سلطنة زوجها مع حفيدها الشهابي أحمد بن العَيني حَجّةً حافلة هائلة، وخرجت إلى زيارة السيد أحمد البدوي (٣) في محفّة مع عدّة من الخَوَندات في

стр. 907

صحبتها غير ما مرة، وهي أيضًا من نوادرها. وكانت قد لبست الخرقة الأحمدية وتمشيخت، مع ديانتها وعفّتها، وعدم رغبتها الكلّية في الدنيا كغيرها من الخَوَندات، وإلّا لو كانت متطلّعة ومستشرفة إلى ذلك لأُشهرت فوق ما اشتهرت به الخَوَند زينب الخاص بكية (١) في تدبير المملكة مع زوجها، لكنها كانت غالباً تُظهِر الالتفات إلى الآخرة. وكانت خيّرة ديّنة، تحبّ الفقراء وتميل إليهم وإلى طريق الفقر. ولم تزل على ما هي عليه حتى توفيت في يوم الأربعاء سادس جماد الأول. ولها نحو السبعين سنة من العمر أو فوقها. وجُهّزت وأُخرجت جنازتها، وحضرها السلطان وصلّى عليها تحت طبقة الزمام تجاه باب الحريم السلطاني، ثم حُمل نعشها وهو مُسجَّى بمرقّعة من شعار الأحمدية، وأمام نعشها الأعلام الحُمُر الأحمدية، ولم يُرفع على نعشها البَشْتَخَاناه (٢) بالرماح، على ما جرت به العادة في جنائز أمثالها، وكان ذلك بوصيّة منها، وعُدّ ذلك من نوادرها أيضًا. ودُفنت (بتربة) (٣) الظاهر خُشقدم زوجها، وكثُر أسفه عليها، وصيّر الخَوَند بعدها سريّته أمّ ابنته فرج (٤) المسمّاة بسورباي الموجودة الآن بعصرنا الذي نحن به، الماضي ذكرها. ٣٠٧ - عبد الله بن عبد الرحمن بن النجار الإسرائيلي (٥) الأصل، التِلِمْساني، المالكي. تقدّم في المتجدّدات كيفية قتله بالقصر من دار الإمارة بتِلِمْسان. وكان شابًا حسنًا، أظنّه ما بلغ الثلاثين سنة. وكان يستحضر المسائل العلمية والأدب، وله إلمام بالمباشرة، وناب عن والده في وظيفته، وكان مقرَّبًا من صاحب تِلِمْسان. عوّض الله تعالى شبابه الجنة.

стр. 908

(ترجمة الجلال ابن (١) الملقِّن) (٢) ٣٠٨ - عبد الرحمن بن علي بن عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري، الأندلسي الأصل، القاهري، الشافعي. القاضي جلال الدين أبو هريرة ابن (٣) القاضي نور الدين ابن (٤) شيخ الإسلام سراج الدين، المعروف بابن الملقّن (٥). وترجمة جدّه السراج مشهورة، وشهرته تغني عن مزيد ذكره. ولد حفيده الجلال هذا بالقاهرة بخُط سلّار، بمنزلهم هناك بين القصرين في شهر رمضان سنة تسعين وسبعمائة. ونشأ فحفظ القرآن العظيم ثم "العمدة" و"المنهاج"، وعرض "العمدة" على الزين العراقي في سنة اثنتين (٦) وثمانمائة، وأجازه بروايتها عنه، وعرض أيضًا على الصدر المناوي، وعلى جدّه السراج شيخ الإسلام، وأجاز له هو وغيره، ثم اشتغل بالعلم فأخذ عن جماعة، منهم: البرهان البيجوري، وغيره، وشُهر وذُكر، وناب في القضاء، وصار من أجلّ نوّاب الحكم، مع حُسن سمت وملتقى. وكان والده من أعيان نوابغ الطلبة الفضلاء. وأمّا جدّه فناهيك به. وأمّا جدّ أبيه فكان شيخ النُحاة، ولهذا كان السراج جدّه يعرف بابن النحوي أيضًا. ووُلّي الجلال هذا عدّة وظائف وتداريس تلقّاها عن والده بعد موته، وحسُنت سيرته فيما تولّاه من نيابة الحكم وغيرها. وكان وجيهًا أنِساً. ومرض مرة بسَلَس البَول، ثم آل به الأمر أن (٧) انتقل إلى عُسر البَول، ثم حصل له تورّم سببه

стр. 909

الاستسقاء، وجزم الكثير من الأطبّاء بموته فتركوا معالجته. ثم لما انحبس (١) البَول رأسًا عنه تيقّنوا بموته قريبًا. ثم اتفق أن خرج من ذلك الدم بعد انقطاع الأطباء عنه، وبرأ مما كان به بعد قليل من الأيام، وعاش مدّة سنين بعد ذلك. حتى توفي بعد ذلك في يوم الجمعة ثاني شوال. ودُفن بمدرسة سعيد السعداء على أسلافه، وكانت جنازته حافلة، وتأسّف الكثير من الناس عليه لخيره ودينه، وتُؤدته وسكونه، وحُسن سمته، وانجماعه عن الناس، ورياسته وحشمته، وأدبه، ومحاسنه الجمّة. ٣٠٩ - عبد الغفار بن أحمد بن عطية (٢) الطرابلسي، المغربي، المالكي. الشيخ الصالح، العدل، الرضيّ، الزّكيّ، أبو محمد، شيخ زاوية ابن (٣) عطيّة بطرابلس، ويُعرف هو أيضًا بابن عطية. ولد بطرابلس الغرب قُبيل التسعين وسبعمائة. وبها نشأ في كنف أبيه بزاوية جدّه. وكان والده شيخًا يُلجأ إليه للمُلِمّات والمَهمّات، صالحًا، نيّراً، ذا وجاهة وحرمة، ونفاذ كلمة. حفظ صاحب هذه الترجمة القرآن العظيم في صِغره، واشتغل فأخذ عن جماعة، وتميّز في فقه مالك ﵁، وتبع طريق التصوّف على طريقة أهل السُنّة، واستقرّ بعد والده في زاويتهم، وصار له ذِكر وشهرة، وكان مُثريًا ذا أوقاف على زاويته يُقْري الضيفان وينفع الناس، وكان بيده ( … ) (٤) عدالة كِبره ويُقصد للشهادة، فيشهد في الوثائق حسبة للَّه بغير أجر، وكان من أجلّ عدول طرابلس المعتبرين، والعدالة بتلك البلاد من أجلّ المناصب، لا سيما وهذا كان يشهد حسبة للَّه، مع الدين المتين، والورع الزائد، والعفّة والخير والصلاح، وحُسن السمت والهيئة والوجاهة، وفكاهة المحاضرة، والمداومة على الطاعات ونوافلها، والأوراد والأذكار. وكان على مجلسه الأُنس. رأيته وصحبته وأنا بطرابلس وسمعت الكثير من فوائده، وتردّدت إلى زاويته وداره كثيرًا، وكان يأنس إليّ. ولم يزل على خير حتى توفي في هذه السنة، ولم يحضرني شهر وفاته.

стр. 910

واستقرّ بعده في مشيخة زاويته ولده () (١)، وهو شاب حسن، ويبلغنا عنه الخير والصلاح في هذه الأيام على حداثة سِنّه. ٣١٠ - عُقبة (٢). أحد الصُلحاء من أهل الجذب بطرابلس الغرب. وكان من كبار الأولياء المجاذيب. رأيته بطرابلس وهو عاري الرأس، (على بدنه خلقة رثّة، يأوي إلى حانوت خراب بها، ويقصده الناس للتبرّك به. ولقد قصدته مرة مضمراً شيئًا ( ...... … ) (٣) صريحاً بتؤدة وسكون زائد، وكان أكثر حركة ليلًا، وأمّا في النهار فلا يُرى إلّا مُلقى كالميت بتلك الحانوت. وكان لا يسأل الخلق شيئًا، ودام على ذلك مدّة حتى توفي منتقلاً إلى الله تعالى في هذه السنة في أوائلها، أو لعلّ في أواخر الماضية، وعندي شك، والله أعلم) (٤). (ترجمة النور الشِيشيني) (٥) ٣١١ - علي بن أحمد بن محمد بن عمر بن وجيه بن مخلوف الشِشيني (٦)، القاهري، الحنبلي. الشيخ العالم الفاضل، البارع، الكامل، نور الدين بن قطب الدين (٧). ولد النور هذا في شهر رمضان سنة سبع وثمانمائة بالقاهرة، وبها نشأ. فحفظ القرآن العظيم، ثم "الخِرَقي"، واشتغل في صِغره بذكاء وحذْق تام وتيقظ وفَهْم، فأخذ عن جماعة منهم: المحبّ بن نصر الله قاضي القضاة، وشيخنا التقيّ بن قُنْدُس، والزين الزرْكشي، والعزّ القدسي، وغيرهم. ودأب وجدّ واجتهد. ولم يزل محصّلاً مشتغلاً مع فَرْط ذكاء وحفظ في حالة كِبَره غالب

стр. 911

"المحّرر" في فقه مذهبه، ومهر وبرع، وذُكر بالفضيلة التامّة، وأفتى ودرّس، وجلس لإفادة الطلبة، وانتفع به جماعة، وسمع الحديث على الزين الزركشي المذكور في مشايخه، بل وعلى غيره، وناب في القضاء، وصار معدوداً من أعيان علماء مذهبه، وحُمدت سيرته في قضائه وأحكامه، وشُكرت قضاياه. ودام على ذلك مع الخير والدين، والعفّة، والتؤدة، والسكون، وحُسن السمت، والملتقى، حتى توفي في يوم الأحد تاسع عشرين صفر. (ترجمة ولده الشهاب الشِشِيني) (١) ٣١٢ - • وترك ولده العلّامة، صاحبنا، الشيخ، الإمام، العالم، العامل، البارع، الكامل، الفاضل، شهاب الدين، أبا (٢) العباس، أحمد (٣). وُلد على ما أخبرني به من لفظه، حصّنه الله تعالى بحفظه، ونظر إليه بعين عنايته ولحظه، في آخر يوم الخميس خامس عشر شوال سنة أربع وأربعين وثمانمائة، وأخبرني بأنه رآه كذلك بخط والده صاحب الترجمة. ونشأ نشأة حسنة، فحفظ القرآن العظيم في حالة صغره، ثم حفظ "المحرّر" و "ألفيّة النحو" و "تلخيص المفتاح" وغير ذلك، ثم اشتغل بالعلم، مع فرط ذكاء وفهْم وحذق وتيقّظ وفطنة، بقريحة وقّادة، فكرة نقّادة، فلازم والده، وأخذ عنه الكثير وانتفع به. ومن مشايخه العزّ الكناني قاضي القضاة. ولازم التقيّ الحصني في الفنون. وأخذ أيضًا عن شيخنا الكافِيَجي، وكان يُثني على فهمه وذكائه وعلمه، ويعجبه حُسن سمته وعقله. ومن مشايخه أيضًا: التقيّ الشُمُنّي، والشمس الشرواني، وغيرهما. ولم يزل محصّلاً حتى برع ومَهَر وشُهر وذُكر! وأفتى ودرّس، وكتب على الفتاوى الكتابة الجيّدة لإتقانه مذهبه وضبطه إيّاه، وفاق فيه على أبيه وعلى أقرانه، بل على الأعلى منه سِنًّا، وصار يُقصَد في المهمّات والواقعات في مذهبه، وترد عليه الفتاوى، ويُعتمد على ما يكتبه في مذهبه، وعُدّ من أعيان السادة الحنابلة في هذا العصر وأشير إليه في مذهبه إمامة، مع خير ودين وحُسن سمت وطلاقة مُحيّا. ووُلّي تدريس الفقه بالأشرفية المستجدّة بين القصرين، وبيده عدة وظائف أُخَر. وهو أهل لأن يرقى إلى أسنى الوظائف لعموم نفعه والانعكاف على الإقراء والإشغال ونفع الطلبة، مع ما هو مشغول به من التأليف والتصنيف. وقد

стр. 912

أقرأ بعض مؤلّفاته بالخانقاه الأشرفية، بلّغه الله تعالى الأمل وصانه من الخطأ (١) والخطل، وسدّده في القول والعمل، وقد فعل. وهو أخ في الله تعالى. وهذه النسبة مستمرة، وأرجو له توالي المَسَرَّة، وكشف المَضَرّة، ومزيد الرفعة، وبُعد الصيت والسُمعة. وفيه قلت مرتجلاً، مُستعجلاً. هو الشهاب الذي شاعت محاسنه … وحاز مِن كل مَن فوق ما أصفُ (ترجمة ابن (٢) حامد الصفدي) (٣) ٣١٣ - علي بن محمد بن إبراهيم بن حامد (٤) بن خليفة الصفدي، الشافعي. الشيخ الإمام، العالم، العامل، البارع، الفاضل، الكامل، علاء الدين، قاضي القضاة بصفد، المعروف بابن حامد، وهو جدّ أبيه. ولد بصفد في سنة أربع وثمانمائة، وبها نشأ (٥). فحفظ القرآن العظيم، ثم "المنهاج"، و "مختصر ابن الحاجب الأصلي"، و "ألفيّة ابن مالك"، واشتغل بالعلم فأخذ ببلده وبدمشق عن جماعة من علماء عصره، ثم دخل إلى القاهرة ولازم بها جماعة من الأعيان من العلماء، ودأب وجدّ، ولم يزل محصّلاً حتى شُهر بالفضل، وذُكر في أهل العلم وتميّز، ثم صحِب الظاهر جقمق في حال إمرته، ولم يحصل له طائل منه بعد سلطنته، وليته مع ذلك لم يحصل له من الشر والبهدلة، بل حصل عليه منه الضرر الزائد، فإنه ولّاه قضاء صفد ثم صرفه، ثم جرت له كائنة مع حاجب صفد فأمر الظاهر بسجن الحاجب، ونفى القاضي إلى دمشق بسبب تلك الكائنة، فتلطّف إلى أن حضر إلى القاهرة، فلم يأذن له الظاهر بدخوله عليه، بل وأمر بنفيه إلى قوص على عادته في مثل ذلك مع غير صاحب الترجمة، حتى شفع فيه، إلى ما كان من أمر دمشق، فخرج إليها، ووُلّي قضاء صفد عِوضاً عنه ابن (٦) سالم، وكان من أدوَن الناس مرتبة بالنسبة إلى

стр. 913

صاحب الترجمة، بل رُمي بأشياء في أيام قضائه، وما حُمدت سريرته، وتأثّر ابن (١) حامد من كونه يُعزل بمثل هذا، لا سيما لما بلغه بأنه حمل رشوة قرّرها على نفسه وقيمتها، وهي أربعمائة دينار، قدّمها وقرّرها في كل سنة عليه، فحصل على صاحب الترجمة بسبب ذلك مرض نفسانيّ من القهر، أدّاه إلى التمرّض بالمرض الجثماني، ثم تنقلت به فيه الأحوال، إلى أن توفي بغتة في هذه السنة، وما حرّرتُ شهر وفاته. ٣١٤ - فَرَج (٢) ابنة السلطان الظاهر أبي (٣) سعيد خُشقَدَم. الطفلة الجنانية. ولدت في أثناء سنة خمس وستين وثمانمائة. من أمّ ولد سريّة للسلطان اسمها سورباي. وكانت الخَوَنْد الكبرى في هذه السنة، وهي التي تقدّم ذِكرها غير ما مرة، بل وترجمناها، وكان السلطان يأنس بهذه الإبنة ويحبّها جدًّا، لكونها أكبر أولاده من الذكور والإناث، فأسِف عليها جدًّا حين ماتت، حتى أبطل خدمته يوم الإثنين من كثرة أسفه عليها، واشتغال باله بها، وحزنه عليها الحزن الشديد الذي ما عُهد بمثله من سلطان على ولدٍ له كبير ذَكَر، فضلاً عن أنثى صغيرة، وعُدّ ذلك من النوادر، وكذلك جرى لأمّها، فإنها وجدت عليها وجْداً عظيمًا حين ثُكِلت بها، حتى نزلت إلى قبرها، وذلك بخلاف عادة الخَوَندات. وتوفيت فرج هذه في يوم السبت سابع عشر ذي الحجّة. وجُهّزت وأُخرجت جنازتها، وصُلّي عليها تحت طبقة الزمام تجاه باب السعادة، وتقدّم في الصلاة عليها الخليفة الإمام المستنجد باللَّه أبو المظفّر يوسف (٤) أمير المؤمنين، وحُملت إلى تربة أبيها بالصحراء فدُفنت بها،

стр. 914

ودامت القرّاء بالأجواق عند قبرها أسبوعاً، وعُملت لها المآتم. ٣١٥ - قاسم بن تمرباي (١) الجركسي الأصل، القاهري، الحنفي، زين الدين. أحد الحجّاب بالقاهرة. ولد بُعَيد العشرة وثمانمائة بالقاهرة. وبها نشأ (٢) صيّناً، كيّساً، عارفاً، ذكيّاً، فقرأ شيئًا من القرآن وشيئاً من الرسائل الفقهية، وحضر بعض الدروس، ونظر في كثير من كتب الأدب. (وسمع الحديث على الحافظ ابن (٣) حجر وغيره) (٤). ولما مات والده تمرباي وكان من الخاصكية من الظاهرية البرقوقية تعانى ولده هذا صناعة الخياطة في بعض الحوانيت. وكان بينه وبين الوالد صحبة أكيدة، وكان الوالد يجالسه كثيراً وما مَن في حانوت خياطة تجاه درب الحزام، حيث كان يسكن الوالد إذ ذاك. ولما أن تنقّلت بالوالد الأحوال بالإسكندربة إلى أن ولي نيابتها، بعث إلى القاهرة بطلب قاسم هذا وصيّره دواداره، واختص به لعقله ولفهْمه و ( … ) (٥) وحُسن سمته وتؤدته وسكونه، وشُهر بالإسكندرية وذُكر، وأحسن ( … ) (٦) في دواداريّته، وشُكرت سيرته، وتردّد إلى القاهرة في كثير من المهمّات، وعرّفه ( … ) (٧) دونه. ثم تنزّل بعناية الوالد في بيت السلطان من جملة الجند، وتولّى الخاصكية بعد ذلك، وأُقطع إقطاعًا جيدًا، ولا زال حتى صُيّر من جملة الحجّاب بالقاهرة، وصحب الأتابك تَنِبَك البُرْدُبَكي وغيره من أعيان الأمراء وأرباب الدولة. وحج غير ما مرة آخرها في دولة الظاهر خُشقَدم. ولما عاد كلَّم الوالدُ السلطانَ في جبر خاطره بشيء يُلبسه إيّاه، فأجابه إلى ذلك وألبسه سلّارياً (٨) من ملابيسِه لما طلع إليه حين قدومه من حجّه. وحُمدت سيرته في حجوبيّته. وكان إنسانًا حسنًا، أدوبًا، حشمًا، حسن السمت والملتقى، ذا فصاحة وبِشر وبشاشة ومعرفة.

стр. 915

توفي في هذه السنة. وكان قد ابتدأ به علّة الحزام خفيفة، ولم تفحش به حتى مات. ولم أحرّر شهر وفاته. ٣١٦ - قَراجا العمري (١)، الناصري، ثم المؤيَّدي. أحد مقدّمين (٢) الألوف بدمشق، المعروف بالوالي. كان من مماليك الناصر فرج بن برقوق (٣)، وتنقّلت به الأحوال بعده في الجندية حتى تسلطن الظاهر جقمق، فصيّره والياً بالقاهرة، ثم تنقّل بعد ذلك في عدّة ولايات يمكن الوقوف عليها من المتجدّدات الماضية في سِنِيّ دولة الظاهر جقمق إلى يوم خروجه لدمشق، من جملة ذلك نيابة القدس وكرَك، ثم بعد مدّة وُلّي كشف الرملة. ثم بأخرة تقدّم بدمشق أيضًا، ودام إلى أن بَغَتَه الأجل بها. وكان شجاعاً مقداماً، مشهوراً بالشجاعة، مع إسراف على نفسه. توفي في المحرّم وقد ناهز الثمانين. ٣١٧ - كَسْباي الشِشْماني (٤)، الناصري، ثم المؤيّدي. أحد الطبْلخانات بالديار المصرية. كان من مماليك الناصر فَرَج، وقُتل عنه قبل أن يُجْري عتقه عليه، فملكه
следующие страницы →