← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

"المحّرر" في فقه مذهبه، ومهر وبرع، وذُكر بالفضيلة التامّة، وأفتى ودرّس، وجلس لإفادة الطلبة، وانتفع به جماعة، وسمع الحديث على الزين الزركشي المذكور في مشايخه، بل وعلى غيره، وناب في القضاء، وصار معدوداً من أعيان علماء مذهبه، وحُمدت سيرته في قضائه وأحكامه، وشُكرت قضاياه. ودام على ذلك مع الخير والدين، والعفّة، والتؤدة، والسكون، وحُسن السمت، والملتقى، حتى توفي في يوم الأحد تاسع عشرين صفر. (ترجمة ولده الشهاب الشِشِيني) (١) ٣١٢ - • وترك ولده العلّامة، صاحبنا، الشيخ، الإمام، العالم، العامل، البارع، الكامل، الفاضل، شهاب الدين، أبا (٢) العباس، أحمد (٣). وُلد على ما أخبرني به من لفظه، حصّنه الله تعالى بحفظه، ونظر إليه بعين عنايته ولحظه، في آخر يوم الخميس خامس عشر شوال سنة أربع وأربعين وثمانمائة، وأخبرني بأنه رآه كذلك بخط والده صاحب الترجمة. ونشأ نشأة حسنة، فحفظ القرآن العظيم في حالة صغره، ثم حفظ "المحرّر" و "ألفيّة النحو" و "تلخيص المفتاح" وغير ذلك، ثم اشتغل بالعلم، مع فرط ذكاء وفهْم وحذق وتيقّظ وفطنة، بقريحة وقّادة، فكرة نقّادة، فلازم والده، وأخذ عنه الكثير وانتفع به. ومن مشايخه العزّ الكناني قاضي القضاة. ولازم التقيّ الحصني في الفنون. وأخذ أيضًا عن شيخنا الكافِيَجي، وكان يُثني على فهمه وذكائه وعلمه، ويعجبه حُسن سمته وعقله. ومن مشايخه أيضًا: التقيّ الشُمُنّي، والشمس الشرواني، وغيرهما. ولم يزل محصّلاً حتى برع ومَهَر وشُهر وذُكر! وأفتى ودرّس، وكتب على الفتاوى الكتابة الجيّدة لإتقانه مذهبه وضبطه إيّاه، وفاق فيه على أبيه وعلى أقرانه، بل على الأعلى منه سِنًّا، وصار يُقصَد في المهمّات والواقعات في مذهبه، وترد عليه الفتاوى، ويُعتمد على ما يكتبه في مذهبه، وعُدّ من أعيان السادة الحنابلة في هذا العصر وأشير إليه في مذهبه إمامة، مع خير ودين وحُسن سمت وطلاقة مُحيّا. ووُلّي تدريس الفقه بالأشرفية المستجدّة بين القصرين، وبيده عدة وظائف أُخَر. وهو أهل لأن يرقى إلى أسنى الوظائف لعموم نفعه والانعكاف على الإقراء والإشغال ونفع الطلبة، مع ما هو مشغول به من التأليف والتصنيف. وقد

стр. 912

أقرأ بعض مؤلّفاته بالخانقاه الأشرفية، بلّغه الله تعالى الأمل وصانه من الخطأ (١) والخطل، وسدّده في القول والعمل، وقد فعل. وهو أخ في الله تعالى. وهذه النسبة مستمرة، وأرجو له توالي المَسَرَّة، وكشف المَضَرّة، ومزيد الرفعة، وبُعد الصيت والسُمعة. وفيه قلت مرتجلاً، مُستعجلاً. هو الشهاب الذي شاعت محاسنه … وحاز مِن كل مَن فوق ما أصفُ (ترجمة ابن (٢) حامد الصفدي) (٣) ٣١٣ - علي بن محمد بن إبراهيم بن حامد (٤) بن خليفة الصفدي، الشافعي. الشيخ الإمام، العالم، العامل، البارع، الفاضل، الكامل، علاء الدين، قاضي القضاة بصفد، المعروف بابن حامد، وهو جدّ أبيه. ولد بصفد في سنة أربع وثمانمائة، وبها نشأ (٥). فحفظ القرآن العظيم، ثم "المنهاج"، و "مختصر ابن الحاجب الأصلي"، و "ألفيّة ابن مالك"، واشتغل بالعلم فأخذ ببلده وبدمشق عن جماعة من علماء عصره، ثم دخل إلى القاهرة ولازم بها جماعة من الأعيان من العلماء، ودأب وجدّ، ولم يزل محصّلاً حتى شُهر بالفضل، وذُكر في أهل العلم وتميّز، ثم صحِب الظاهر جقمق في حال إمرته، ولم يحصل له طائل منه بعد سلطنته، وليته مع ذلك لم يحصل له من الشر والبهدلة، بل حصل عليه منه الضرر الزائد، فإنه ولّاه قضاء صفد ثم صرفه، ثم جرت له كائنة مع حاجب صفد فأمر الظاهر بسجن الحاجب، ونفى القاضي إلى دمشق بسبب تلك الكائنة، فتلطّف إلى أن حضر إلى القاهرة، فلم يأذن له الظاهر بدخوله عليه، بل وأمر بنفيه إلى قوص على عادته في مثل ذلك مع غير صاحب الترجمة، حتى شفع فيه، إلى ما كان من أمر دمشق، فخرج إليها، ووُلّي قضاء صفد عِوضاً عنه ابن (٦) سالم، وكان من أدوَن الناس مرتبة بالنسبة إلى

стр. 913

صاحب الترجمة، بل رُمي بأشياء في أيام قضائه، وما حُمدت سريرته، وتأثّر ابن (١) حامد من كونه يُعزل بمثل هذا، لا سيما لما بلغه بأنه حمل رشوة قرّرها على نفسه وقيمتها، وهي أربعمائة دينار، قدّمها وقرّرها في كل سنة عليه، فحصل على صاحب الترجمة بسبب ذلك مرض نفسانيّ من القهر، أدّاه إلى التمرّض بالمرض الجثماني، ثم تنقلت به فيه الأحوال، إلى أن توفي بغتة في هذه السنة، وما حرّرتُ شهر وفاته. ٣١٤ - فَرَج (٢) ابنة السلطان الظاهر أبي (٣) سعيد خُشقَدَم. الطفلة الجنانية. ولدت في أثناء سنة خمس وستين وثمانمائة. من أمّ ولد سريّة للسلطان اسمها سورباي. وكانت الخَوَنْد الكبرى في هذه السنة، وهي التي تقدّم ذِكرها غير ما مرة، بل وترجمناها، وكان السلطان يأنس بهذه الإبنة ويحبّها جدًّا، لكونها أكبر أولاده من الذكور والإناث، فأسِف عليها جدًّا حين ماتت، حتى أبطل خدمته يوم الإثنين من كثرة أسفه عليها، واشتغال باله بها، وحزنه عليها الحزن الشديد الذي ما عُهد بمثله من سلطان على ولدٍ له كبير ذَكَر، فضلاً عن أنثى صغيرة، وعُدّ ذلك من النوادر، وكذلك جرى لأمّها، فإنها وجدت عليها وجْداً عظيمًا حين ثُكِلت بها، حتى نزلت إلى قبرها، وذلك بخلاف عادة الخَوَندات. وتوفيت فرج هذه في يوم السبت سابع عشر ذي الحجّة. وجُهّزت وأُخرجت جنازتها، وصُلّي عليها تحت طبقة الزمام تجاه باب السعادة، وتقدّم في الصلاة عليها الخليفة الإمام المستنجد باللَّه أبو المظفّر يوسف (٤) أمير المؤمنين، وحُملت إلى تربة أبيها بالصحراء فدُفنت بها،

стр. 914

ودامت القرّاء بالأجواق عند قبرها أسبوعاً، وعُملت لها المآتم. ٣١٥ - قاسم بن تمرباي (١) الجركسي الأصل، القاهري، الحنفي، زين الدين. أحد الحجّاب بالقاهرة. ولد بُعَيد العشرة وثمانمائة بالقاهرة. وبها نشأ (٢) صيّناً، كيّساً، عارفاً، ذكيّاً، فقرأ شيئًا من القرآن وشيئاً من الرسائل الفقهية، وحضر بعض الدروس، ونظر في كثير من كتب الأدب. (وسمع الحديث على الحافظ ابن (٣) حجر وغيره) (٤). ولما مات والده تمرباي وكان من الخاصكية من الظاهرية البرقوقية تعانى ولده هذا صناعة الخياطة في بعض الحوانيت. وكان بينه وبين الوالد صحبة أكيدة، وكان الوالد يجالسه كثيراً وما مَن في حانوت خياطة تجاه درب الحزام، حيث كان يسكن الوالد إذ ذاك. ولما أن تنقّلت بالوالد الأحوال بالإسكندربة إلى أن ولي نيابتها، بعث إلى القاهرة بطلب قاسم هذا وصيّره دواداره، واختص به لعقله ولفهْمه و ( … ) (٥) وحُسن سمته وتؤدته وسكونه، وشُهر بالإسكندرية وذُكر، وأحسن ( … ) (٦) في دواداريّته، وشُكرت سيرته، وتردّد إلى القاهرة في كثير من المهمّات، وعرّفه ( … ) (٧) دونه. ثم تنزّل بعناية الوالد في بيت السلطان من جملة الجند، وتولّى الخاصكية بعد ذلك، وأُقطع إقطاعًا جيدًا، ولا زال حتى صُيّر من جملة الحجّاب بالقاهرة، وصحب الأتابك تَنِبَك البُرْدُبَكي وغيره من أعيان الأمراء وأرباب الدولة. وحج غير ما مرة آخرها في دولة الظاهر خُشقَدم. ولما عاد كلَّم الوالدُ السلطانَ في جبر خاطره بشيء يُلبسه إيّاه، فأجابه إلى ذلك وألبسه سلّارياً (٨) من ملابيسِه لما طلع إليه حين قدومه من حجّه. وحُمدت سيرته في حجوبيّته. وكان إنسانًا حسنًا، أدوبًا، حشمًا، حسن السمت والملتقى، ذا فصاحة وبِشر وبشاشة ومعرفة.

стр. 915

توفي في هذه السنة. وكان قد ابتدأ به علّة الحزام خفيفة، ولم تفحش به حتى مات. ولم أحرّر شهر وفاته. ٣١٦ - قَراجا العمري (١)، الناصري، ثم المؤيَّدي. أحد مقدّمين (٢) الألوف بدمشق، المعروف بالوالي. كان من مماليك الناصر فرج بن برقوق (٣)، وتنقّلت به الأحوال بعده في الجندية حتى تسلطن الظاهر جقمق، فصيّره والياً بالقاهرة، ثم تنقّل بعد ذلك في عدّة ولايات يمكن الوقوف عليها من المتجدّدات الماضية في سِنِيّ دولة الظاهر جقمق إلى يوم خروجه لدمشق، من جملة ذلك نيابة القدس وكرَك، ثم بعد مدّة وُلّي كشف الرملة. ثم بأخرة تقدّم بدمشق أيضًا، ودام إلى أن بَغَتَه الأجل بها. وكان شجاعاً مقداماً، مشهوراً بالشجاعة، مع إسراف على نفسه. توفي في المحرّم وقد ناهز الثمانين. ٣١٧ - كَسْباي الشِشْماني (٤)، الناصري، ثم المؤيّدي. أحد الطبْلخانات بالديار المصرية. كان من مماليك الناصر فَرَج، وقُتل عنه قبل أن يُجْري عتقه عليه، فملكه

стр. 916

المؤيَّد شيخ وأعتقه، وصيّره خاصكيّاً بعده، ودام على ذلك مدة في عدّة دول، حتى تسلطن الظاهر جقمق، فصيّره من جملة الدوادارية الصغار، ثم وقع له عدّة من الخطوب والمِحَن. ولما تسلطن الأشرف إينال صيّره من العشرات، ودام على ذلك إلى سلطنة خُشداشه الظاهر خُشقدم، فرقّاه إلى إمرة طبْلخاناة، واستمر عليها حتى (استقر به في هذه السنة في إمرة الركب الأول، فلم يَنشَب أن) (١) بغته أجله. وكان إنسانًا حسنًا، جيّداً، ديّنًا، سليم الباطن والفطرة، وعنده شجاعة ومعرفة بفنون الفروسية والأنداب والتعاليم، رأسًا في الرمح والنشاب وغيرهما، مع خفّة وطيش وتهوّر. توفي في ليلة الإثنين ثالث جمادى الآخرة، ودُفن بتربته التي أنشأها خارج القاهرة. وقُرّر في إمرته جانِبَك من طَطَخ الذي صار بعد ذلك أميراخورًا كبيرًا، ثم أمير سلاح، وكان يُعرف بالفقيه. (ترجمة تغري بَرْمش دوادار آقبردي الدوادار الكبير) (٢) ٣١٨ - • وكَسْباي هذا هو أستاذ تغري بَرْمش الذي هو الآن دوادار آقبردي (٣) قريب السلطان، الدوادار الكبير بعصرنا الذي نحن به. وكان لما مات أستاذه وقد أزوجه بابنته اتصل بعده بجانِبَك من طَطَخ، لكونه أخذ إقطاعه، فصار في خدمته، وترقى عنده إلى أن صُيّر دواداره، ثم دوادارًا لجانَم أحد مقدّمين (٤) الألوف قريب السلطان، ثم لآقبردي. وهو إنسان حسن السمت، مشكور السيرة بالنسبة إلى غيره، له خبرة ومعرفة تامّة وسياسة وكياسة، وليس بخالٍ من فضيلة وفهْم وحذق. سِنّه زيادة على الأربعين أو نحو الخمسين. واسم أستاذه -أعني كَسْباي صاحب الترجمة- مركّب من لفظين أصلاً، هما: جركسية وهي كَسا اسم لجيلٍ من الجركس. وباي، وهي الثانية تركية وهي معروفة، ويحتمل أن تكون فارسية. وهي كاسَة باي، وكاسَه بمعنى الكأس بالعربي، والأول أظهر، وأسقط الألِف استخفافاً على اللسان.

стр. 917

٣١٩ - كوكاي من حمزة (١) الظاهري، الخاصكي. أحد القرانصة الأغوات القدماء. كان من مماليك الظاهر برقوق، وكان تركياً، تتريّ الجنس، وصيّره الأشرف بَرْسباي خاصكيّاً في دولته، وأقطعه إقطاعًا حسنًا، ودام على ذلك مدّة في عدّة دول، حتى بَغَتَه الأجل على ذلك. وكان إنسانًا حشمًا، أدوبًا، ساكناً، خيّرًا، ديّنًا، سليم الباطن والفطرة، محموداً في سائر أحواله، منجمعاً حتى عن بني جنسه، قانعاً بما كان فيه. رأى عدّة دول وأناس، وشاخ حتى بلغ التسعين فيما أظنّ، مع قوّة وسلامة نيّة. (وتوفي في هذه السنة فيما أُخبرت، ولم يتحرّر لي شهر وفاته) (٢). واسمه مركّب من لفظتين، تركيّتين، أحدها: "كوُكْ" وهو اسم للسماء (٣)، والثانية: "أُي" وهو اسم للقمر، ومعناه: القمر والسماء، وجُعل عَلَماً. ولقد سألت عن معناه طائفة من الناس ممن يدّعي معرفة لغة التُرك فما أجابني (٤). ٣٢٠ - محمد بن أحمد بن ناصر بن خليفة المقدسي، الناصري، الباعوني (٥)، الشافعي. الشيخ شمس الدين، أخو شيخنا البرهان الماضي في أول التراجم، وبقيّة نسبه أيضًا هناك. ولد بدمشق وبها نشأ، فحفظ القرآن العظيم، و"منهاج النووي"، وعَرَضه على جماعة من أعيان علماء دمشق، ثم اشتغل فأخذ في الفقه عن أبيه، والشهاب الغزّي، والشمس الكفيري، وأخذ عنهم في فنون أخَر وعن غيرهم. وسمع

стр. 918

الحديث على عائشة ابنة عبد الهادي وغيرها، وتعانى الأدب والنظم فأكثر منه، ونظم سيرة الحافظ مُغُلْطاي، وسمّاها "بهجة اللبيب في سيرة الحبيب"، وهي فوق الألف بيت، وكتب بخطه شيئًا كثيرًا من الكتب العلمية على اختلاف أنواعها، وخطب بجامع دمشق نيابة، وخطب أيضًا بمسجد القصب، ووُلّي نظر الأسرى والأسوار وغير ذلك، وحدّث باليسير من نظمه ومن غيره أيضًا، فممّا حدّث به من نظمه قوله وفيه الجناس المصحّف: أقول للأعمى لما لَحَاني … وأصبح في العوارض لي يعارضْ لعذري في العِذار أقِم وإلَّا … فلا تدخل على قلبي بعارضْ وله غير ذلك من نظم ونثر، وكان مجموعاً حسنًا، ذا تؤدة وبِشر وبشاشة وحُسن سمت وملتقى، وفكاهة ومحاضرة وجودة عشرة. توفي بعد أخيه الماضي بشهور في رمضان. (ترجمة الفالاتي) (١) ٣٢١ - محمد بن علي بن نصير بن عبد الرحمن الدمشقي الأصل، القاهري، الشافعي. الشيخ العالم، الفاضل، البارع، الكامل، شمس الدين، المعروف بابن الفالاتي (٢). ولد بالقاهرة في سنة () (٣)، وبها نشأ (٤). فحفظ القرآن العظيم، وتعانى صناعة والده برهة من الزمان، وصار له في ذلك اليد الطولى، ثم ثنى عنانه عن ذلك كلّه إلى ملازمة الاشتغال، وهو بهذا الاستعداد، فتفقّه بجماعة من علماء عصره، ودأب وجدّ واجتهد، حتى عُدّ من أعيان الفقهاء، وسمع الحديث، وخطب بالجامع الأزهر، واغتبط به الناس، وناهيك به بأخرة فلا كأوّله. وكان خيّرًا، ديّنًا، صالحًا، عالمًا، فاضلًا.

стр. 919

٣٢٢ - • وأمّا والده فهو الفالاتي، وهي صناعة معروفة بالقاهرة تعملها الحلقية. ولد بدمشق في سنة سبع وسبعين وسبعمائة. وكان من عوام الناس، وكان له اثنان من الإخوة، عَمّا صاحب الترجمة. أحدهما كان جكارة (؟) ويجالس العوامّ، يجلس في الحلَق حين يتناشدون وهو يسمع، ثم يرجعون إليه في تمييز كلٍّ منهم و ( … ... ) (١)، ويتكسّب بضرب الرمل، وكان مع ذلك حكماً للمصارعين، فهم في المصارعة ( … ) (٢) لكنهم كانوا ليسوا بخالين من الفضيلة والفنون، وانتقل عليّ (٣) مع والده إلى القاهرة في الأحد عشر (٤) وكتب على الوسيمي فانصلح خطّه، ثم عُني بالأدب على طريقتهم، ونظم الفنون حتى صار له شُهرة وذكر فيها، ويد طولى، وعظُم بين أهل فنّه، وصار ككاتب السر للمهاترة، فكان هو الذي يكتب الأوامر التي جرت العادة بكتابتها للمهاترة، مما يصدر عنهم فيما يتعلّق بالقوم، ولهم فيها طريقة غريبة وضوابط في الاصطلاح، ينحون بها نحو التقاليد والتواقيع المكتتبة من ديوان الإنشاء عن السلاطين، وكان له في معرفة ذلك يد طولى وبراعة، وأمعن في هذه الفنون وشُهر بها، حتى صار أديب القاهرة وحكورها، وبعُد صيته في ذلك جدًّا، وكان يتردّد إلى جمال الدين الأستادّار مع عظمة هيئته، وينشده أشياء لنفسه، وكان الجمال يأنس به، وكان يكتب للحافظ ابن (٥) حجر، ﵀، بعض ما ينظمه من الأزجال والمواليا، فيجيبه على نظمه، ويعجبه ما يقوله. وكان له حلقة حافلة هائلة تحت شبّاك الصالحية بين القصرين، بعد المغرب، يقف فيها جماعة من المعتبرين، ويتقصّدها الكثير لسماعه، وكان ذا مَلَكة قويّة. ومن نظمه في بعض أصهاره، وكان حصل له معهم مجافاة: روحي التي طلبتْ في الحبّ ملّتكُم … مِلتُمْ عليها أشدَّ المَيل ملتكم ومُذ رأتْ في الخلائق قُبْحَ خِلّتكم … وما رأت قطّ فيكم خِلّ خلتكم وله أشياء غريبة عجيبة. وكان ولده صاحب الترجمة نحوًا من أبيه، لكنّه صار من الأعيان من العلماء.

стр. 920

وتوفي في يوم الجمعة رابع عشر ذي القعدة، وأُخرجت جنازته حافلة. (ترجمة البدر ابن المخلّطة) (١) ٣٢٣ - محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله السكندري، القاهري، المالكي. القاضي بدر الدين بن ناصر الدين بن فخر الدين، أحد نواب الحكم، (قاضي الإسكندرية) (٢)، المعروف بابن المخلّطة (٣). كان جدّ قاضي القضاة المالكية، فهو من بيت علم ورياسة. وأمّا والده فتقدّم في وَفَيات سنة ثمانٍ وخمسين (٤)، ووُلد ولده البدر هذا بالقاهرة في سنة () (٥) وبها نشأ. فحفظ القرآن العظيم وعدّة متون، واشتغل فأخذ عن جماعة من علماء العصر وتميّز وشُهر، وناب في القضاء، ثم وُلّي قضاء الإسكندرية، وحسُنت سيرته في قضائه وأحكامه. ولما توجّه إلى الإسكندرية مرض بها، فعاد إلى القاهرة موعوكاً، ولزم الفراش إلى أن بَغَتَه الأجل. وكان عالمًا فاضلاً، فقيهًا، له نظم، وحُسن هيئة وشكالة، وتجمُّل في شؤونه (٦)، وكان يعتريه القولنج. وبه توفي في ليلة السبت تاسع عشر ربيع الأول. ٣٢٤ - محمد بن السيوطي (٧)، القاهري، الشافعي. القاضي فخر الدين، أحد نواب الحكم. لا أعرف شيئًا من حاله. وذكره بعضهم (٨) فقال: مات وله أزْيَد من سبعين سنة، وقد ناب في الحكم

стр. 921

أزيد من أربعين سنة، على أنه كان قليل العلم والعمل، عفا الله عنه. انتهى كلامه ولا أعتمده. وتوفي الفخر هذا في يوم الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة. ٣٢٥ - ملك أصلان (١) بن سليمان بن محمد بن خليل بن قراجا بن دُلغادر اليوزاقي، التُركماني، الدُلغادري. الأمير () (٢) الدين، صاحب الأَبُلُستَين وما والاها من بلاد ابن (٣) دُلغادر. قد تقدّم ذِكر ولايته، وتقدّم أيضًا كيفية قتله. ويقال إن الذي دسّ إليه الفداوي ليقتله هو الظاهر خُشقدم، بسبب ما كان يقال عنه إنه يميل إلى ابن عثمان. وكان بين حسن بن قرايُلُك وبينه عداوة، وجرت لهما وقائع وأمور يطول الشرح في ذكرها، قد أشرنا لشيء منها فيما تقدّم، واَل أمره أن وثب عليه الفداوي في يوم جمعة وهو بالجامع، فقتله بخنجر معه طعنه في خاصرته في شهر ربيع الأول، وقُتل الفداوي أيضًا في الوقت. ولعلّه مات قبل موت ملك أصلان. وقد بلغني من إنسان، ولا أعلم صحة ذلك، أن الفداوي لما توجّه إليه كان معه رفيقاً (٤) له، فترصّده ورام موتَه على اقتضاء ما في ضميره، حتى اتفقا بأن أحدهما يجلس بالجامع حين حضور ملك أصلان [ويجلس] (٥) بالقرب منه، والآخر يطلع إلى منار الجامع فينادي: أنا أريد أن أطير، حتى خرج [الحرس] (٦) إليه لصياحه فقام الفداوي وفعل ما فعل، والله أعلم. ووُلّي الأَبُلُستَين بعده أخوه شاه بُضاغ، وكان قتْله فاتوحة (٧)؟ الشر على العساكر المنصورة والكثير من أمرائها ( … ) (٨) الأعيان، فما بالك بغيرهم؟ ولم يزل الشر مسلسلاً إلى يومنا هذا.

стр. 922

٣٢٦ - منصور بن الصفي (١). الأمير، الوزير، الصاحب، شمس الدين. ولد بُعيد الثلاثين وثمانمائة بالقاهرة، وبها نشأ. وتنقّلت به الأحوال حتى وُلّي الأستادّارية والوزارة غير ما مرة، وكان معظَّمًا لدى خُشقدم الظاهر، ونزل إلى داره مرة، وآل أمره أن غضب عليه، لا سيما لما واجهه بقوله: أغضبتُ اللهَ وأرضيتُك، هذا جزائي منك، أستحق أكثر من هذا. وعُدّ ذلك من نوادر منصور، ومن اعترافه بالحق على النفس، حتى سمعت بعضاً من أرباب القلوب يذكر عن منصور هذا أنه لعلّه ينال عند الله تعالى ورضاه بهذا الكلام الحق عند السلطان الجائر. ولم يزل في تَوَلِّ وإدبار، ومِحَن وشدائد، وضرب بالمقارع غير ما مرة، وعُصِر وامتُحن وقاسى الأهوال، إلى أن آل به الأمر أن ادُّعي عليه بأمور شنيعة بتمالي (٢) جماعة من أهل الدولة والسلطان والقاضي، فيما أشيع ذلك، وكان الذي أثبتوه عليه أنه يُبطن الكفر ويُظهر الإيمان، وأنه يسرح في الأرض بالفساد، وأنه يستحل المال الحرام، وأحضروا بيّنة بذلك، يقال إنهم يلفّقون مرتشين (٣) من أعدائه بأموال كثيرة بذلوها لهم. وآل الأمر في ذلك أن أُخرج من محبسه، وأُحضر إلى تجاه شبّاك الصالحية، وقد ازدحمت العامّة، وهم يرأفون به ويتأسّفون لِما جرى عليه، بل ويصرّحون بأنه مظلوم مُمَالأً عليه، حتى من السلطان والقاضي، وأخذ هو في الشهادتين، ولم يقطع بلفظه بهما، وهو يكرّر ذلك بتؤدة وسكون زائد، من غير قلقٍ ولا توهّج ولا انزعاج ظاهر، وأخذ في تفكيك أزراره بيده، وجلس للقتل جلوساً متمكّناً نحو العشرة درج (٤)، وهو لا يتحرّك ولا يضطرب، حتى ضُربت عنقه. وذلك في يوم الأربعاء العشرين من شوال، وله دون الأربعين سنة. وحُمل وصلّى عليه جماعة وشهدوا جنازته، وكثُر التأسّف والترحم عليه. ٣٢٧ - يوركلي كوز (٥) الجركسية.

стр. 923

الخَوَنْد زوجة الناصر فرج ابن (١) الظاهر برقوق، وهي أول نسائه من الجواري، وتزوّجت بعده بعدّةٍ من الأمراء ومن الأجناد أيضًا، وانحطّ قدْرها بعد ذلك. حتى توفيت في ثامن عشرين شوال. واسمها تركيّ معناه: العين القلبية، فإن "يورك" القلب، و"كوز" العين، ولفظة "لي" كالنسب في لغة العرب.

стр. 924

سنة إحدى وسبعين وثمانمائة [الخليفة والسلطان والقضاة والأمراء] استهلّت هذه السنة وجميع من ذكرنا في التي قبلها: من الخليفة، والسلطان، وملوك الإسلام، وأمرائهم، وقُضاتهم، وحكامهم، على ما هم عليه في الخالية. ما عدا قاضي القضاة الشافعية، فإنه في هذه السنة: الصلاح أحمد بن بركوت المكيني، وُلّيه عن الشرف المناوي على ما بيّنّاه فيما أسلفنا. وما عدا قاضي القضاة الحنفية، فإنه في هذه السنة: البرهان بن الدَّيْري، وُلّيه عن المحبّ بن الشِحنة. وما عدا نائب طرابلس، فإنه في هذه السنة: قانِبَاي الحسَني، وُلّيها عن محمد بن مبارك بعد عزله. وما عدا نائب صفد، فإنه في هذه السنة: جكم الأشرفي خال العزيز، وُلّيها عن يشبُك أوش قلق، بعد صرفه عنها على تقدمة ألف بدمشق. وما عدا نائب غزّة، فإنه في هذه السنة: إينال الأشقر، وُلّيها عِوضًا عن جَكَم، نقلاً إليها من أتابكية حلب. وما عدا الوزير، فإنه في هذه السنة: قاسم شُغَيْتَه، وهو وزير زمننا هذا الآن أيضًا، وتقدّم ذِكره. وما عدا الأستادّار، فإنه في هذه السنة: الشرف موسى بن كاتب عُريب القبطي، وُلّيها عن الشمس منصور. وقد عرفت كيفية هذه التنقّلات في المتجدّدات الماضية في الخالية إن كنت على بصيرة من ذلك، وإلّا فارجع إليها تعرفها بتفاصيلها. وباللَّه المستعان.

стр. 925

[شهر المحرّم] ذِكر نُبَذ (١) من المتجدّدات اليومية في هذه السنة القمرية كان أول هذه السنة بالأربعاء، ووافق العشرين من شهر مِسْرَى من شهور القِبط. (نزول الأتابك قانَم لكسر البحر) (٢) ففيها، في هذا اليوم، وهو مستهلّ المحرّم، نزل الأتابَك قانَم التاجر، الأمير الكبير، لكسر البحر عن الوفاء، فعدّى إلى جزيرة الروضة، وخلّق المقياس، وعاد إلى السدّ، وفُتح الخليج بحضوره، ثم قُدّم إليه المركوب المجهّز من الإسطبل السلطاني، بالسَّرْج الذهب والكنبوش الزركش والرقيق، فركب وصعِد إلى القلعة، وخُلع عليه خلعة هائلة، ونزل إلى داره في موكب حافل، وهو أول كسْر وقع لهذا الأتابك، ولم ينزل السلطان كعادته فيما تقدّم. قيل لأجل تعظيم قانَم هذا. وقيل لأجل غَرَضٍ ما (٣). [تهنئة السلطان بالعام والشهر] وفيه، أعني المحرّم هذا، في هذا اليوم، هنّأ القضاة ومن له عادة بالتهنئة للسلطان بالعام والشهر والوفاء. [سفر قانِبَاي الحسني لكفالة طرابلس] وفيه، في يوم الخميس، ثانيه خرج قانِبَاي الحَسَني مسافراً من القاهرة لمحلّ كفالته من طرابلس، وعُمل له الموكب بالقصر، وجلس السلطان بالشباك الأعظم به المطلّ على الرملة لرؤية طُلْب قانِبَاي هذا، وأُنجز من الرملة، وكان طُلْباً متجمّلاً إلى الغاية (٤).

стр. 926

[عزْم بني وَطّاس على منازلة فاس] وفيه، في ثانيه، ورد علينا الخبر ونحن بواهران، أن بني وَطّاس عزموا على منازلة فاس وحصارها، وأنهم تحزّبوا لذلك، وثار معهم طوائف العربان من الساوية وغيرهم، وأن السيد الشريف محمد بن عِمران صاحب فاس تهيّأ لهم (١). (نادرة وغريبة) (٢) وفيه في ثالثه، جرت بواهران غريبة، وهو أن شخصاً من التجار قدم إليها بأشياء، من جملة ذلك ثلاثة قرون مَلأى (٣) بالزباد (٤) الجيّد، تساوي قيمتها جملة من المال، فخاف إنْ دخل بها من باب المدينة يؤخذ عُشْرها، فأوسع الحيلة قبل أن يدخل المدينة في إخفائها في إدخالها، والعادة جرت هناك أن من خاف على لبسه من مثل ذلك وزّع ما معه لمن يدخل البلد من أهلها، أو أعطاه له ليدخل له به، فإنه لا يُفَتّش، سواء عرفه صاحب المتاع أو لم يعرفه، وإذا دخل البلد إمّا قصده صاحب المتاع فأخذه، أو جاء هو به إلى صاحبه. فاتفق أنْ خرج أمير الباب الذي هو على أخذ هذه العشور، فرآه هذا التاجر وهو راكب، فتوسّم فيه الخير وسأله أنه يأخذ هذه الثلاثة (٥) قرون، ويدخل بها من الباب لأجل خلاصها له من التعشير، من غير أن يعلم أنه هو المعشّر صاحب الباب، فأجابه إلى ذلك بعد أن قال له التاجر: لعلّك تدخل بها المدينة وتخلّصني من تعشيرها وتسليط الظَلَمة عليّ، ويحصل لك أجر، بل وأثيبك على ذلك بشيء من مالي على وجه حِلّ. فقال له: حبّاً وكرامة، وأخذ منه ذلك، وأخفاه معه، ودخل به من الباب، ثم دخل التاجر بعده، فوجده الجالس لأخذ العشور بالباب، فحصل عنده الباعث بذلك منه، ولم يمكنه أن يقابله ولا يكلّمه. فقصد في هذا التاجر، وكان بيننا معرفة من قبل ذلك، وذكر لي واقعته، وصار في غاية الخوف من أن ينكر العشّار ذلك، أو يجعل له الذنب مناقر جميعه، فإنه جرت بعض العادة بأن من فعل مثل ذلك من التجار وظفر به أخذ جميع ما فوّزه وأخفاه من التعشير، لا سيما إن طمع في جانبه. فحملتُ هَمَّ هذا المسكين وقلت له: قد غرّرت بنفسك، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه، لكنْ قُم بنا إليه عساه أن يسخّره الله تعالى ونكلّمه في أخذ عُشره ونعتذر إليه، وأنا أساعدك عليه للَّه، فإنني أعرف هذا الشخص، فلعلّه لا يخيّبنا، ولا شك

стр. 927

عندنا في أننا إذا أكرَمَنا غاية الإكرام أن يأخذ العُشر ويردّ الباقي، وإمّا غير ذلك من أخذ الجميع. أو زيادة على العُشر، أو الإنكار رأسًا. فصار متوهّماً لنا، فلما قدِمنا عليه، ووقع بصره علينا نهض إليّ قائماً وأجلسني بمكان أرفع منه، وأجلس الآخر، ثم أخذت في الكلام معه سرّاً، وقلت له: خُذ العُشر ورُدّ الباقي إلى صاحبه، ولك أيضًا شيء يخدمك به، ولا تؤاخذْه. فقال لنا: أعوذ باللَّه، إنه يقبح بي أن يكون هذا الغريب قد ظنّ فيَّ الخير، وآخُذ العُشر من متاعه، ولم يطّلع عليه الشهود ولا غيري من أهل الباب، وقد اعتمد في تخليصه علي، وأنا أحضر به إليك بنفسي. والتفت إلى صاحب المتاع وقال له: متاعك عند فلان، اقصده باكر النهار تجده عنده، وأشار إلي، فشكرته على صنيعه ودعوت له، وقمنا، وذكرت ذلك للتاجر، فحصل عنده بذلك غاية السرور، وأحضر شيئًا من نوع الهدية ليعطيه صاحبَ الباب إذا حضر عندي بالزباد، فما استقمنا صلاة المغرب إلَّا وقد حضر ومعه القرون وأسلمها لصاحبها، وأقسم باللَّه أنه لا يأخذ الهدية، وأنه لو ظفر بالزباد معه أو مع غيره لعشّره، وكان عشره نحو العشرين دينارًا. فعجبت من هذا الإنسان غاية التعجّب، مع ظلمه ووقوفه في هذه الوظيفة كيف عفّ وكفّ، لكنني أعرف أصالته، وكونه من ذوي البيوتات. جزاه الله تعالى خيرًا عن همّته ومروءته. ثم أمرنا بالتكتّم في هذه القضية خوفًا من إشاعتها ووصول علمها للسلطان، فكتمنا ذلك عنه إلى أن سافرت من واهران. [نزول السلطان إلى القرافة] وفيه، في يوم الجمعة ثالثه أيضًا، ركب السلطان ونزل إلى القرافة فسيّر بها وعاد (١). [وصول جانبك قلقسيز من الصعيد] وفيه، في يوم السبت رابعه، وصل جانِبَك قلقسيز من تجريدة الصعيد إلى القاهرة بمن معه. (إعادة المحب ابن (٢) الشحنة إلى القضاء) (٣) وفيه، في يوم الإثنين سادسه، أعيد قاضي القضاة الشيخ محبّ الدين بن

стр. 928

الشِحنة الحنفي إلى القضاء الحنفية بمصر، بعد أن صرف البرهان ابن (١) الدَيري، وهي ثالثة في ولاية القضاء، أعني المحبَ هذا (٢). [تقرير خطيب في جامع البيطار بوهران] وفيه، في ثامنه، ورد ظهير -وهو الذي كالتوقيع ببلادنا هذه- مكتَتَب من تِلِمْسان، عليه خط السلطان صاحبها محمد بن أبي ثابت المتوكل على الله، بتقرير إنسانٍ من أهل واهران في خطابة جامع البيطار بها، وصُرف صاحبنا الشيخ الفاضل، العالم، العامل، الصالح أبو عبد الله محمد بن العطار، الماضي ذكره غير ما مرة. وكان السبب في صرفه كلام بلغ السلطان المذكور عنه فيه أمر بمعروف ونهْي عن مُنكر، فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه. (ولاية أبي (٣) السعادات البُلقيني قضاء الشافعية) (٤) وفيه، في يوم السبت حادي عشره، استقر في وظيفة القضاء الشافعية الشيخ الإمام بدر الدين، أبو السعادات، محمد ابن (٥) الشيخ تاج الدين ابن (٦) شيخ الإسلام سراج الدين ابن (٧) البُلقيني بعد صرف الصلاح المكيني، وهو صِهره، وأشيع أن البدر هذا بذل في ذلك مبلغاً كبيرًا له صورة. فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه. وقد تقدّمت ترجمة البدر هذا، ثم لم تطُل مدّته في القضاءة لتهوّره، وعدم معرفته إصطلاح أهل بابته، وسلامة باطنه، على ما سنذكر ذلك عند ذِكرنا صرْفه (٨). (شيء من أخبار بني وَطّاس مع الشريف بفاس) (٩) وفيه، في نصفه، ورد الخبر إلى واهران بأن الوزير الوَطّاسي، الذي يقال له مولاي الشيخ، شيخ الطائفة الوَطّاسية، القائم على الشريف محمد بن عِمران

стр. 929

صاحب فاس، الذي كان بمِكْناسة، وحشد على فاس لأخذها، ثم أخذها بأخرة، كما سنذكره، ورد الخبر بأنه بعث رسولاً إلى الشريف بكتابة إليه، يذكر له في أشياء، منها: إنك رجل شريف وعافية ومن الحضر، وهذا الأمر يحتاج من يقوم بأعبائه، ونحن أَوْلَى من الغير، لمكان حرصنا وملْكنا قبل ذلك، وتصرّفنا، لئلّا يطمع في هذا الملك الطامع بولايتك له، فتخرج عنك وعنّا، ولا تجد مثلنا في مراعاتك، ونحن نؤمّنك على نفسك وعلى ما أردت أن نؤمّنك عليه. ومهما أمرت به فعلناه لك، واسترح بنفسك من هذا الأمر، فإنّا أولو الأمر في الحقيقة. ولما بلغ السيد الشريف صاحبَ فاس ذلك أعاد إليه جواباً من جنس كتابه، بعد أن صدّر كتابه بقوله له إلى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. وإن هذا الأمر قد آتانيه الله تعالى بغير حول منّي ولا قوّة، فلا أخلع من عنقي ما أرادني الله تعالى له، وشرّفني به زيادة على شرفي، ونحن ذرّية المختار ﵇، صاحب الأرض في البلاد، وأرباب السيف والقلم أصلًا وفصلاً، وأنت إن أطعت الله تعالى ووليّه، فلك عاقبة الخير والسلامة، ومهما قلته لنا إنك تفعله معنا، على تقدير ما تزعمه إنْ لو أجبناك، فنحن نفعله معك إنْ أجبتنا، ومثل هذا الكلام وأنظاره، وذكر له أنه لا فائدة في الشرّ، وإطفاءُ النائرة خيرٌ من إيقادها، وعصمةُ الأنفس والأموال واجبة، فلا تكن سبباً لإثارة الفِتن بعد سكونها، وتحريكها بعد ركونها، إلى غير ذلك من نحو هذا الكلام. ثم لم يزل الأمر يتردّد بينهما، إلى أن وقعت بعد سفرنا من المغرب الخطوب المُدْلهمّة، والأمور المُغمَّة، واَل الأمر في ذلك بأخرة إلى تملّك مولاي الشيخ الوطّاسي، وإخراج السيد محمد، على ما سيأتي ذلك في محلّه من سنة خمس وسبعين [و] ثمانمائة (١) إن شاء الله تعالى. (ولاية يشبُك من مهدي كشف سيوط) (٢) وفيه، في يوم السبت سادس عشره، استقرّ يشبُك من مهدي الظاهري الخاصكي، وأحد الدوادارية الصغار، الذي صار بعد ذلك دوادارًا كبيرًا وأمير سلاح وغير ذلك، بل صار مدبّر المملكة استقرّ في كشف الوجه القِبلي بسؤاله في ذلك، وأُمّر عشرة في هذا اليوم (٣).

стр. 930

[وصول الحاج إلى البركة] وفيه، في يوم الأربعاء ثاني عشرينه، وصل الحاج (من الركب الأول) (١) إلى البِركة مع أميرهم أرغون شاه الأشرفي أستادّار الصُحبة، وذكروه بحُسن السيرة. [وصول المحمل إلى القاهرة] وفيه، في يوم الخميس، ثالث عشرينه، وصل المحمل، وأميره خيربك الدوادار الثاني، ودخل إلى القاهرة دخولاً حافلاً، وكان له يومًا مشهودًا، واهتمّ به، واحتفل له قبل ذلك بأيام، وخلع السلطان عليه خلعة سنيّة، وهرع الناس إليه، وقدّموا له التقادم الكثيرة الحافلة (٢). [شهر صفر] وفيها استهلّ صفر بالجمعة، وهُنّيء السلطان بالشهر على العادة. (ولاية الكمال ابن (٣) كاتب جَكَم نظر الجيش) (٤) وفيه- أعني صفر هذا- في يوم الخميس سابعه، استقر في نظارة الجيش الشاب، الرئيس، الأثيل، الأثير، العريق الأصل، كمال الدين، محمد ابن (٥) الجمال ابن (٦) كاتب جَكَم، وخلع عليه بذلك، ونزل في موكب حافل، وكان سِنّه إذ ذاك سبع عشرة (٧) سنة، وأخذ منه في مقابلة ذلك ما له صورة، وصُرف التاج ابن (٨) المقسي عنها، وبقي على نظارة الخاص. ونُقل الكمال هذا إلى هذه الوظيفة من نظر الجوالي على شك عندي في ذلك (٩). [وظيفة الأستادّارية] وفيه أيضاً استقر زين الدين الأستادّار في وظيفة الأستادّارية على عادته (١٠).

стр. 931

[نزول السلطان من القلعة] وفيه، في يوم الأحد عاشره، ركب السلطان من القلعة ونزل إلى تربته بالصحراء، ثم عاد من باب القنطرة ودخل في طريقه لدار أُزبَك الظاهري، رأس نَوبة النُوَب إذ ذاك، وأتابك زمننا الان، ثم خرج منه فاجتاز في مروره بدار الزين الأستادّار فدخلها، ثم خرج ودخل لدار ناظر الجيش الذي مرّ معنا ذِكر ولايته، ثم خرج من عنده فدخل حين اجتيازه بدر مقبل الطواشي إلى دار الأتابك قانَم التاجر. واتفق أنْ مات قانَم المذكور في ليلة غد هذا اليوم، وعُدّ ذلك من النوادر الغرائب، ولهذا أشيع بأنه سُمّ (١). (ولاية قايتباي الأتابكية) (٢) وفيه، في يوم الإثنين ثامن عشره، استقر في الأتابكية بالديار المصرية الأمير يَلَباي الإينال المؤيَّدي، نقلاً إليها من الأميراخورية الكبرى، وذلك بعد وفاة الأمير الكبير الأتابك قانَم التاجر فجأة، على ما سنذكر ذلك في ترجمة قانَم هذا في التراجم من هذه السنة، إن شاء الله تعالى (٣). [تقدمة أمير جان دار] وفيه قرّر السلطان في تقدمة يَلَباي بُرْدُبك المحمدي الظاهري أمير جان دار، المعروف بهجين. [تقدمة نانَق الظاهري] وفيه أيضاً استقر فى تقدمة بُردُبك المذكور نانَق الظاهري، شادّ الشراب خاناه، وهذا أول تقدّمه (٤). (ولاية العَيني الأميراخورية الكبرى) (٥) وفيه، في يوم الخميس حادي عشرينه، استقر في الأميراخورية الكبرى الشهابي

стр. 932

أحمد بن العَيني، عِوضًا عن يَلَباي بحكم انتقاله إلى الأتابكية على ما بيّنّاه (١). [ولاية خشكلدي شادّية الشراب خاناه] وفيه استقر في شاديّة الشراب خاناه خُشكلدي البَيْسقي، أحد العشرات ورؤوس (٢) النُوَب، (والمحتسب) (٣)، الماضية ترجمته (٤). [وفاة برسباي البجاسي] وفيه، في يوم الأحد رابع عشرينه، ورد الخبر من دمشق إلى القاهرة بموت بَرسْباي البُجاسي (٥) نائب الشام. (ولاية بُردُبك البَجْمقْدار نيابة الشام) (٦) وفيه، في يوم الخميس، ثامن عشرينه، خرج الأمر السلطاني لبُردُبك نائب حلب باستقراره في نيابة الشام، عِوضاً عن بَرسْباي المذكور. وعيّن السلطان نانَق الماضي ذكره بأنه يكون مسفّراً له، ليحمل إليه تقليده وتشريفه إلى حلب، فينقله منها إلى دمشق (٧). (ولاية يشبُك البُجَاسي نيابة حلب) (٨) وفيه، قُرّر في نيابة حلب يشبُك البُجاسي نائب حماة، وعُيّن لتفسيره، فحمل تقليده وتشريفه إليه الشرفي يحيى ابن (٩) الأمير يشبُك الفقيه الدوادار الكبير (١٠). (ولاية تَنَم الحَسَني نيابة حماة) (١١) وفيه استقر السلطان بتَنَم الحَسَني الأشرفي أحد الأمراء الطبلخاناة والرأس

стр. 933

نَوبة الثاني في نيابة حماة، عِوضًا عن يشبُك المذكور، وعُيّن لتسفيره تمُر المحمودي الظاهري والي القاهرة الآتية ترجمته في محلّها إن شاء الله تعالى. [تقرير رأس النَوبة الثانية] وفيه قرّر السلطان في الرأس نوبة الثانية تنِبَك الأشرفى، المعروف بالمعلم (١)، الآتية ترجمته أيضًا إن شاء الله تعالى. [تقرير مُغلْباي الظاهري في حسبة القاهرة] وفيه استقر مُغُلْباي الظاهري، أحد مماليك السلطان، المعروف بأزُن سقل، الآتية ترجمته في محلّها، استقر في وظيفة الحسبة بالقاهرة، عِوضاً عن خُشكَلدي، الماضي ذكره (٢). [ورود شونة عظيمة للفرنج للتجارة بوهران] وفيه، في يوم، تاسع عشرينه، ورد إلى ساحل مدينة واهران شونة عظيمة من مراكب الفرنج الجنويّين، برسم الإتجار في الجوخ. وكانت وردت من المحيط من بلاد افلنده (٣) ونحوها من بلاد الفرنج بالمحيط، وتجهّز كثير من تجار واهران وتِلِمْسان للسفر فيها إلى جهة بلاد تونس، وتجهّزت أنا أيضًا كذلك، وعزمت على العَود لهذه البلاد بعد دخول تونس وغيرها من البلاد. وكان ما سنذكره. (فُحش الجُلبان في المولد وأذاهم) (٤) وفيها، في يوم الأحد، ثامن ربيع الأول، عمل السلطان المولد النبوي بالقلعة على العادة، لكن أفحش الجلبان من مماليك السلطان فيها، وأمعنوا في الأذى والتشويش على الناس، ما بين نهب سِماط، وضرب للخلق، وغير ذلك من الأذى، وقاسى الناس منهم الشدائد التي لا تُعدّ ولا تُحدّ (٥). [الخلعة بإمْرةِ المحمل والركْب] وفيه، في يوم الإثنين، تاسعه، خُلع على نانِق بإمرة الحاج بالمحمل،

стр. 934

وعلى سيباي الظاهري الأميراخور الثالث بإمرة الركب الأول (١). [نيابة قلعة حلب] وفيه استقر دمِرداش السيفي تغري بردي المؤذي في نيابة قلعة حلب، وصرف علي ابن الشيباني (٢). [ركوب المؤلّف البحر إلى تونس] وفيه، في حادي عشره، ركبت في البحر الملح في الشونية الماضي ذكرها، وأقلعنا إلى جهة تونس. [وصول المؤلّف إلى بجّاية] وفيه، في يوم السبت رابع عشره غلب علينا الريح وسكنت، فمُنعنا فيه من السفر، فعملت النواتية البحارة فيه بالمقاديف، وكانت المراكب مثقلة فقَلّ سيرها النهار كلّه. فلما كان عند العصر دخلنا إلى ساحر البرّ بالقرب من بجّاية، فنزلنا من المركب فوجدنا طائفة من برابر تلك النواحي في الجبال، فلما رأونا فرّوا عنّا، وظنّوا أن هذه المركب قرصالا (٣) للفرنج وأنهم غيّروا هيئاَتهم حيلةً لأخذ المسلمين، فصِرنا نصيح عليهم من البُعد ونكلّهم بالعربي، ونقرّ بالشهادتين وهم لا يلتفتون إلينا، ولا يعرّجون علينا لكونهم لا يعلمون باللغة العربية، بل البربرية، فلا يفرّقون بين لغة الفرنج والعرب. فعجبت أنا من هؤلاء. ثم لما دخلنا بجّاية في ثاني هذا اليوم وجدنا الخبر عندهم بأنّ مركبًا من مراكب الفرنج قد تراءى (٤) فيها أهلها بزيّ الفرنج حيلة لأخذ المسلمين، وظهر الحال لأهل بجّاية بأننا هم أولئك، ثم طابت رياحنا فسرنا من بجّاية. وكان لنا ما سنذكره إن شاء الله تعالى. [لبس السلطان الصوف] وفيه، في يوم الخميس تاسع عشره، ووافق ثالث هاتور من شهور القِبط، لبس السلطان الصوف، وركب من القلعة فنزل قاصداً الريدانية ومعه الأمراء وأعيان

стр. 935

الدولة، ونزل بالمطعم، فألبس الأمراء على العادة منه في ذلك، وعاد إلى القاهرة في موكب حافل، وقعد الناس لرؤيته، فشقّ القاهرة صاعدًا القلعة حتى دخلها. (نزول السلطان إلى الإسطبل للحكم به) (١) وفيه، في يوم السبت، ثالث عشرينه، نزل السلطان للإسطبل فجلس بالمقعد الكائن به، وابتدأ بالحكم فيه بين الناس، وأمر بالمواظبة على حضوره به، وعمل الخدمة السلطانية به في يومين: السبت والثلاثاء، وذلك على عادة من تسلطن من الملوك. ولم يقع لهذا السلطان ذلك من يوم سلطنته سوى في هذه السنة في هذه الأيام، وما عرفتُ ما الباعث للسلطان على ذلك، فإن سلاطين السلف الماضي لما كانوا كثيري (٢) الأحتجاب عن أعينُ الناس، ولا يقام لهم الموكب السلطاني في يومي السبت والثلاثاء بالحوش، بل ولا كان يدخل إلى الحوش من المماليك السلطانية ولا غيرهم إلّا من عليه ثياب الموكب، ولا كان أحد (٣) يجتمع بالسلطان بالحوش والدهشة إلّا الأخِصّاء المقرّبون (٤) جدًّا لا غير. وكان من له حاجة عند السلطان من أكابر الأمراء وغيرهم لا يمكنه اجتماعه به إلّا في القصر السلطاني في ليالي المواكب فقط. ولهذا كان السلطان منهم ينزل إلى الإسطبل، ويجلس به للمظالم في يومي السبت والثلاثاء، وكانت العادة أن يكون ذلك في أيام الشتاء غالبًا، والخيل بالرَبْع أمام القرط، لخُلُوّ الإسطبل في هذه الأيام من الغَوش والغلمان. فأمّا في هذا الزمن فالسلطان من سلاطين هذه الأزمان، صار يجلس بالحوش على الدكّة، وينظر في الأحكام بنفسه فيه، وقلّ من يُمنع من دخول الحوش، فأيّ شيء هو المُحوج له لنزوله إلى الإسطبل؟ وما ذلك إلا مجرّد تَشَهّي على غالب ظنّي، للتشبّه بأوَلئك مع الغفلة عن القواعد الماضية للملوك الخالية. ولعلّ يمكن أن يكون له وجه، وهو أن الإذن والحجاب يكون بالإسطبل مرفوعًا مكانه إذن عام لكل أحد بدخوله، فيتوصل فيه كل أحد إلى السلطان بخلاف الحوش، فإنّ في دخوله بعض تكلُّف على كثير من الناس، فيكون هذا الموكب أعمّ من موكب الحوش بهذا الاعتبار. ومن ذلك الحين إلى يومنا هذا صارت السلاطين تفعل هذا بعد خُشقدم، ففعله تمُربُغا في سلطنته، وزاد الأشرف قايتباي سلطان العصر بأن صار ينزل في هذه الأيام في أيام الربيع إلى الميدان الأسود، ويجلس بمقعده،

стр. 936

ويتعاطى في الأحكام وغيرها، ويدخل الميدان كل أحد بحاجة وبغير حاجة (١). [الأمر بمساعدة نائب حلب لرستم بن دُلغادر] (وفيه، في يوم الخميس، ثامن عشرينه، برز أمر السلطان لنائب حلب أن يتوجّه هو جميع النواب لمساعدة رستم بن دُلغادر على أخيه شاه سوار لمحاربته وقتاله) (٢). [دخول المؤلف مرسى تونس] وفيه، في يوم تاسع عشرينه، دخلنا لساحل المرسى بتونس، وعزمت على عدم الإقامة بها، وأن أتوجّه إلى طرابلس في المركب التي أنا بها لأقرب من البلاد. وكان بقي العيال وبعض أثقال مما أنزلتهم من المركب لأنها أقامت نحو الأربعة أيام (٣) ثم سافرت، وجاء إليّ بعض أصحابي من تونس، وتأسّفوا على ما بلغهم من الجراحة التي حلّت ببدني، وبعثوا إليّ بأشياء من أنواع الهدية وأحسنوا وتفضّلوا. وممّن جاءني عظيم التجار بتونس صاحبنا، سيدي أبو القاسم البنيولي، سلّمه الله تعالى. [ربيع الآخر] [خروج صاحب تونس إلى جهة تلمسان] وفيها، في أوائل ربيع الآخر، خرج المتوكل على اللّه صاحب تونس مجرّدًا بعساكره إلى جهة تِلِمْسان، لأجل نقض صاحبها صلحه وعهده واستبداده. ثم لما خرج لم يصل توجّهه إليها بخروجه، بل جال في بلاده أولًا، وعمل الكثير مما يزعم أنه من مصالحها، ودام على ذلك مدّة حتى خرج الشتاء، فسار حينئذٍ إلى تِلِمْسان، وكان من أمره مع صاحبها محمد بن أبي ثابت ما سنذكره (٤). (نزول السلطان للرماية) (٥) وفيه، في يوم الإثنين، خامسه، ركب السلطان ونزل إلى جهة بِركة الجبّ

стр. 937

قاصدًا الصيد، وهذا أول نزولٍ نزله الظاهر هذا للصيد والرماية. فلما كان آَخر النهار عاد في موكب حافل بأبّهة المُلك، وشقّ القاهرة من باب النصر حتى خرج من باب زويلة، وأخذ على طريق البسطيّين صاعدًا القلعة، ثم تكرّر منه بعد ذلك في هذه السنة النزول إلى الصيد والرماية غير ما مرة، في شهور مختلفة في أيام منها. ووقف له إنسان من أهل البجاحة والتمسخر، يقال له عمر، يجعل على رأسه طرطوراً، به كثير أذناب الثعالب والسّمَّور وغير ذلك، ومعه على وسطه سيف من خشب، وبيده دُفّ وورقة طويلة ممن لقيه من الأعيان أو غيرهم ممن يأمله، يقف عنده ويظهر أنه يحاسبه على مقبوض ومصروف، ويجعل نفسه كأنه يقرأ في تلك الورقة التي في يده، وهو يسرع في كلامه، ويذكر مبالغ لها صورة، ويجعلها أصولًا، ثم يذكر مصارف بعددها، يخصم بها تلك الأصول التي تكلّم بها وجمعها، ثم يُبقي مبلغًا كبيرًا، ثم يُسقط منه شيئًا فشيئًا، إلى أن يبقى إمّا دينار أو ما يختاره هو، وأقلّ ذلك الفلْس، فيأخذه ممن يُظهر أنه يحاسبه، وتارة يطيل في كلامه، وتارة يختصره بحسب انبعاث من يقصده. فاتفق أن السلطان خرج من باب زويلة في بعض ركباته، بعد أن دخل من باب النصر، فاعترضه عمر هذا بالبسطيين بطريقه، ثم أخذ يماشي السلطان قريبًا منه لا يبعد، فأحسّ بحيث يراه ويسمعه، وقد تهيّأ له قبل ذلك، وتطوّر فوق تطوّره المعتاد، ومعه ورقة، فأخذ في محاسبة السلطان بعد أن رفع صوته بإعلاء الدعاء له بالنصر، حتى استفاق له وصار ذهنه معه، وكان يعرفه قبل ذلك بما هو فيه من البجاحة، فأخذ يذكر أحوالًا هائلة الكميّة، ثم قلب الورقة، وأخذ يذكر خصومًا إلى أن بقي عنده دينار واحد (١)، والسلطان يضحك منه مبتسمًا، وكذلك من بين يديه من الأمراء وغيرهم. ولا زال حتى فرغ وقال: هاتِ الدينار الذي بقي. فأمر له بعشرة دنانير، فأخذها في الحال وانصرف. وجرى له ما يقرب من هذه أيضًا في بعض ركباته مع شخص يسمّى () (٢) عليه ثياب خلقة، وهو فقير جدًّا، يتطوّر بتطوّر السُعاة الذين يمشون بين يدي رباب الدولة قائلين: سالم، دائم، إن شاء الله، إلى غير ذلك من كلمات. وكذا يفعلون مع من يلبس الخلع وينزل من القلعة، وكان () (٣) هذا يأخذ عصاه ويقف على باب القلعة. ولم يزل إلى الآن على ذلك، فإذا نزل إنسان بخلعة مشى أمامه وهو يدعو له، وجعل ذلك كالمكسب له والمعيشة.

стр. 938

ولما عاد السلطان من بعض ركباته بَدَر هذا بالمشي أمامه في هيئة السُعاة، وهو يدعو له بتلك الدعوات، وليس ذلك من عوائد السلاطين، ولا أن يفعل ذلك أمامهم في مواكبهم، فظنّ السلطان أن هذا من مشاهير السُعاة، فحنق معه وغضب غضبًا شديدًا، وقال: وسّطوا هذا، فبدر إليه جماعة لمسكه، فصاح بأعلى صوته: الله ينصرك يا مولانا السلطان واللهِ واللهِ وحياة (١) رأس مولانا السلطان ما توسّطتُ في عُمري قط. فضحك منه السلطان وسكن ما به، ثم كلّمه بعض من حضر بأنه إنما قصد بذلك التطفّل والتحيّل، وذكر له حاله وفقره، فأمر له بعشرة دنانير. (كائنة أصباي البوّاب) (٢) وفيه، في هذه الأيام كانت كائنة أصباي البوّاب، أحد مماليك السلطان وخواصّ خاصكيّته المقرّبين عنده، وهي أنه جمع جماعة من الحاكة فرسّم عليهم موكّلًا بهم، حتى رمى عليهم شيئًا من الأطرون بثمن سمّاه هو واختاره يتشهّى نفسه، فشكوه للسلطان، فأمر مقدّم المماليك أدن يخلصهم من أصباي المذكور، فمال المقدَّم مع أصباي وراعاه، خوفًا من شرّه، فبعث بالجماعة مع قاصده إليه، احتشامًا معه على العادة عندهم في مثل ذلك، مستبعدًا أن يقع منه في حقّهم شيء (٣)، وقد بلّغوا السلطان، فساعة وقوع بصره عليهم أمر بضربهم، فضربوا ضربًا أشرفوا منه على الهلاك، ثم ما كفاه ما فعله بهم حتى جاء بهم إلى تمُر الوالي وأمره بضربهم وإشهارهم، فامتنع من ذلك لِما رآهم فيه من الحال، فلا زال به حتى أجابه لإشهارهم، فشُهّروا على الإجهار على حمير لعدم قدرتهم على المشيء من كثرة ما حلّ بهم من الضرب وهم يُنادَى عليهم: هذا جزاء من يشتكي مماليك السلطان. وقد بلغ الناسَ ذلك، فأخذوا في التأسّف عليهم، بل وتباكوا عليهم. ثم بينا هم في أثناء إشهارهم إذ مات أحدهم، وداموا به في الإشهار على الحمار، وهو مكتوب عليه: ميت، على ما أشيع ذلك. ثم مات آخر بُكرة هذا اليوم، فعند ذلك انطلقت الألسُن بالصياح، واجتمعت الغوغاء من العوامّ وغيرهم. وحُمل الميّتان في تابوتين إلى تحت القلعة. فرأى السلطان وهو بالقصر هذه الغَوشة العظيمة، فأُخبر بالحال، وبينا هو في ذلك إذ نزل جماعة من الجُلبان من الطباق حميّةً لأصباي، فعادوا على العوامّ وعلى من حضر، وحملوا على الخلق حملةً واحدة، وأرادوا أخذ القتيلين منهم.

стр. 939

ويقال إن ذلك كان قبل جلوس السلطان بالقصر، فقاتلهم العوامّ، وتكاثروا عليهم حتى هزموهم على أقبح وجه، وكثُر صياح الناس وقولهم: ما يحلّ. وكان وقتًا هائلًا ولحظة عظيمة، فتلايق بأن أحضر أصباي، وأمر خيربك الدوادار الثاني أن يتسلّمه، وينزل به إليه، ويتلطّف بهم، ويخبرهم بأن السلطان يضربهم في المقتولَين. إمّا يقتل أصباي إن اختار أولياؤهم ذلك، أو بديةٍ برضاهم تُرضيهم، وأن يوسع خيربك الحيلة بكل ما أمكنه في تسكين هذه النائرة الثائرة، ويذكر لهم أن أصباي في الترسّم عنده إلى أن يكون ما يختاره أولياء المقتولَين، فنزل خيربك، وتلطّف بالقضيّة حتى سكن الحال، وأخذ القتيلين إلى داره فجهّزهما وأمر بدفنهما. ولما أصبح السلطان من الغد قبض على صاحب النطرون، وأسلمه لتَمُر الوالي، وأمره بتسميره وإشهاره، ثم توسيطه، فوُسّط، ثم ذهب أصباي إلى داره، وتردّد إليه خُشداشيه للسلام عليه وتهنئته بسلامته. ثم أمر السلطان أن يُنادى بشوارع القاهرة، بأن أحدًا لا يتجاهى بالخاصكية، ولا يقف على بابهم، ومن فعل ذلك أو احتمى بواحدٍ منهم لا يسأل ما يجري عليه، ويشق أن آخذ بغير معاودة. فسكن الحال يسيرًا، وركدت الفتنة شيئًا، وانكفّ الكثير من الجُلبان، وحصل بعض فُسحة من ذلك الجهد العظيم والبلاء الذي كان في الناس بواسطة الجُلبان وتسليطهم على الناس وأذاهم، وهذا كله من شرور أنفُسِنا وسيّئات أعمالنا، نعوذ بالله من ذلك. ثم لم يزل خيربك يتلطّف بأولياء المقتولين حتى صالح عنهم بألف فى ينار، ورضوا بذلك فأقبضها إيَّاهم، وكتب بذلك سِجِلًّا محكومًا فيه، وعمل ما يجب عمله في مثل ذلك شرعيًا. وطلع بالأولياء إلى السلطان فطيّب خاطرهم بعد أن قال لهم: أمّا أنتم فَقد أخذتم حقكم من أصباي، وبقي حقي أنا. ولما بلغ أصباي ذلك اختفى مدّة، ثم ظهر بشفاعة البعض، لكنّه انجمع عن الناس بالكلّية. لا جوزي خيرًا (١). وستأتي ترجمة أصباي هذا في سنة وفاته إن شاء الله تعالى. [نزول السلطان للرماية] وفيه، في يوم السبت، سابع عشرينه، نزل السلطان للرماية، ثم عاد شاقًّا القاهرة مثل ما تقدّم قبل ذلك فيما مرّ.

стр. 940

(صرف أبي السعادات عن القضاء وما اتفق من سبب ذلك) (١) وفيه، في يوم الخميس ثانيه، صُرف البدر أبو السعادات البُلقيني عن القضاء. وكان سبب صرفه عدم دُربته في بابه وحواشيه، وسلامة باطنه وفطرته، فإنه أخذ في تقريب الأشخاص الذين كانوا عند من صُرف من القضاة الشافعية بقباء الحكم وغيرهم، وهم مع أولئك على هذا على ما أشرنا إلى ذلك في ترجمة البدر هذا فيما تقدّم، بل وفي غير موضع بمناسبات ذكرناها فيما مضى من تاريخنا هذا، فبقوا يدبّروا عليه وهو لا يشعر، وبلّغوا الزين ابن (٢) مزهر كاتب السرّ عنه كلمات وقعت منه في حقّه مع بعض الأمراء، وكذا بلغه عن الشهاب أحمد بن العَيني عنه كلها لا على جهة النّمّ وإنكائه، بل على جهة أنه يشفع عنده فيه، وأنه لا يعارضه، ولا يقوم بمساعدة أحد من القضاة المنفصلين، فحنق الزين ابن (٣) مزهر وانتكى. وكان من بعض كلامه إنْ بقي في القضاء إلى الشهر الآتي فأنا المغلوب معه. ثم اتفق أن البدر هذا أخذ في أسباب عمل حلوى أعجمية تصلُح للملوك لأجل إهدائها للسلطان. وتأنّق في عملها إلى الغاية، وصرف عليها مبلغًا جيّدًا، فحسّن له بعض من أهل بابه بأن يأخذ من بعض أناس ذكروهم له شيئًا يستعين به على عمل الحلوى، وكان ذلك التحسين أرطال من الأغراض، والبدر غافل عن مراد ذلك المحسن، بل يظن أنه نصحه في ذلك، ثم أخذ جماعة ممّن لهم غرض في صرف البدر هذا في توسيع الحيلة بباب ساسان وشيطنة ومكر يطول الشرح في تفصيل ذلك. وبَدَرَ الزين ابن (٤) مزهر بمُمالأة بعضٍ ممن ذكرنا، أنْ قال للسلطان: القاضي الشافعي قد تظاهر بأنه يعمل حلاوة لمولانا السلطان، وجبى في حجّتها مالًا، حتى من اليهود، وهو يقول للناس: نعمل حلاوة للسلطان أعينونا على ذلك، وبَلَصَ الكثير من الناس. ولما قرّر هذا عند السلطان أعقب ذلك بعث البدر الحلوى إلى السلطان في عدّة صدورٍ كبار من النحاس، على رؤوس (٥) عدّة من الحمّالين، وهو لا يشعر بما كان ولا بما اتفق، وساعة وقوع بصر السلطان على ذلك استشاط وحنق، وصرّح بعزله، وردّ الحلوى. فكاد البدر أن يجنّ حين عُزل عن هذه الوظيفة، حتى قيل إنه حصل له ما يشبه الوسواس عقيب ذلك. ولم يدر من أين أتى عليه، ولا ما السبب لعدم دُربته. فأين هذا من تدبير هذا الوقح الحِيَلي، المعروف بابن المغرفي الغربي الحنفي، حين وُلّي منصب القضاء الحنفية

стр. 941

في زمننا هذا من غير أن يترشح لذلك ولا أن يتأهّل له، وعلم أن الناس لا ترضاه ولا تميل إليه، فأبعد عنه كل من (١) له تعلّق بهذا المنصب في باب الحنفي من النقيب وغيره، حتى الرسُل والأعوان، بل ومن له نيابة عن الحنفي في وقْفٍ أو نحوه. وأنشأ صغارًا عِوضًا عن بعض أولئك أقامهم على بابه من جهته حتى لا تنتشر أخباره، ولا تُعرف أحواله، وما ذلك إلّا عن مكر زائد وحِيَل كبيرة، ومع ذلك فقد اطّلع على خساسته وتعاسته، وما هو فيه من النذالة والتهافت على الدنيا بكلّيته، فلا حول ولا قوة إلّا بالله. ثم صار البدر بعد عزله في أمرٍ مهول وتخوّف عظيم، زيادة على عزله، وآل به الأمر بعد ذلك أن اختفى أيامًا، منها بعض أيام بمنزل الوالد بالصّوّة، حتى تلطّف به عند السلطان وعطف عليه خاطره. وقصّته في هذه الحادثة فيها طول، وهذا ملخّصها (٢). [قضاء الشافعية بحلب] وفيه، في هذا اليوم، أعني الخميس هذا، استقرّ في قضاء الشافعية بحلب بدر الدين محمود المَعَرّي عِوضًا عن أبي البقاء بن الشِحنة، وأضيف إليه نظارة الجيش وكتابة السرّ أيضًا (٣). [نزول السلطان للرماية] وفيه، في يوم الخميس تاسعه، نزل السلطان للرماية أيضًا، وعاد من يومه، وشقّ القاهرة بعد أن دخل في هذه المرة من باب الفَرَج. [خروج ابن العَيني إلى السرحة] وفيه، في يوم السبت حادي عشره، خرج الشهابي أحمد بن العَيني إلى السرحة بالوجه البحري أسفل مصر، وكان خروجه بتجمّل زائد إلى الغاية (٤). (ثورة الجُلبان بطباق القلعة) (٥) وفيه، في يوم الأربعاء، خامس عشره، ثارت الجُلبان في القلعة بالطباق،

стр. 942

ومنعوا الناس من الأعيان وأرباب الدولة من طلوعهم إلى القلعة للخِدم السلطانية، وكثُر هرَجهم ومَرَجهم، وطلبوا من السلطان أن يزيد في جوامكهم وكِسوتهم وعليق خيولهم. ووقع منهم أمور يطول الشرح في ذكرها. وآل الأمر في ذلك إلى السكون بعد أن راسلهم السلطان غير مرة، وترضّاهم حتى رضوا بعد اللُّتيّا والتي (١). وكان سبب ثورتهم ما كانوا فيه من كسر حُرمتهم التي حصلت لهم بعد كائنة أصباي، فصاروا من ذلك اليوم في لمع وما حملوا ذلك، وبقوا في غاية ما يكون من الباعث، وصاروا يتوقّعون حادثة تكون مندوحةً لقيامهم، حتى وجدوا هذه الحجّة ليكون ذلك ذريعة لعَودهم، لِما كان عليه من التسلّط على الناس والأذى، حيث صار كالطبع لهم، لا سيما وفي ذلك أخذ أموال الناس وبضائعهم. فلا حول ولا قوّة إلّا بالله. (ولاية السيوطي القضاء) (٢) وفيه، في يوم الخميس، سادس عشره، استقر في القضاء الشافعية الشيخ العالم، الفاضل، القاضي، وليّ الدين السيوطي الماضية ترجمته في متجدّدات سنة () (٣) وخمسين وثمانمائة. وكان منصب القضاء من يوم صرف البدر أبي (٤) السعادات البُلقيني شاغرًا. وأذِن السلطان للزين ابن (٥) مزهر في أن ينظر في الأحكام وأحوال النواب إلى أن يرى السلطان رأيه فيمن يولّيه القضاء، بل وخطب الزين ابن (٦) مزهر بالسلطان في أيام شغور القضاء، وتكلّم في بعض الأحكام وكثير من الأمور المتعلّقة بمنصب القضاء الشافعية، ولهذا عدّه البعض في قضاة مصر كما تقدّم ذلك في ترجمته. ولم يزل إلى أن تقرّرت (٧) للولي السيوطي هذا فولّيها (٨). [التنبيه على منع التجار بيع المماليك الجُلبان بحلب] وفيه، أعني هذا اليوم، أمر السلطان بأن يُكتب إلى نائب حلب بأنه لا يمكّن أحدًا من تجار المماليك بأن يدخل إلى ممالك السلطان بشيء من المماليك الجُلبان

стр. 943

للبيع بالكلية أصلًا ورأسًا، وأنه كل من (١) حضر بمثل ذلك يردّه من حيث جاء. ولقد فرح من تسامع بهذا من المسلمين. فليته كان كذلك، بل لم يمض على ذلك إلّا القليل من الوقت، وإذا بتاجر يقرب للخواجا السيد الشريف أميرجان، وقد أحضر ستمائة من المماليك الجُلبان، فاشتراهم من أمر بأن يُرَدّوا من حيث جاؤوا (٢). وهو السلطان، بل أخذ كل واحد منهم بمائتي دينار، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون (٣). [إحضار رِمّة ابن رمضان إلى القاهرة] وفيه، في ليلة الإثنين، سابع عشرينه، أُحضر إلى القاهرة رِمّة علي بن رمضان (٤)، المتكلّم على بندر جُدّة، وكان قد خرج مع الشهابي أحمد بن العَيْني للسرحة، لأنه كان ممن ينتمي إليه ويتردّد إلى بابه، لأشياء مشهورة لا حاجة لنا في ذكرها، فأدركه أجَلُه معه، بتعاطي شيء كان سببًا لذلك، مع قدرة الله تعالى، وتمرّض بالمحلّة حتى مات بها، فحُمل إلى القاهرة. وستأتي ترجمته في تراجم هذه السنة إن شاء الله تعالى. [دخول المؤلّف مدينة طرابلس الغرب] وفيه، في أواخره، دخلنا إلى ميناء مدينة طرابلس المغرب، ونزلت بدارٍ بها، وأقمنا بها مدّة شهور إلى أن كان لنا بعد ذلك ما سنذكره. [قلق صاحب تونس من العربان] وفيه، في أواخره أيضًا، ورد الخبر بأن صاحب تونس في قلق كبير بسبب عربان بلاده، فإنهم لما تحقّقوا بأنه في عزْم التوجّه إلى تِلِمْسان أخذوا في التعزّز عليه، لكونه احتاج إليهم لأجل التوجّه بهم إلى تِلِمْسان، وأنه وسع فكره في أمرهم، ولا زال يقهقر طائفة منهم حتى أدخلهم الصحارى، وأبعدهم عن بلاده، واستمال طائفة أخرى لأخذهم معه إلى جهة تِلِمْسان، وأنه فرّدتى فيهم أموالًا طائلة، وهو على شرف التوجّه لتِلِمْسان، حتى كان ما سنذكره.

стр. 944

[جمادى الآخرة] وفيها استهلّ جمادى الآخرة بالخميس، وهُنّيء فيه السلطان بالشهر. [حفظ الخيول من العربان ببرّ الجيزة] وفيه، في يوم الخميس هذا، خرج الأمير قرقماس الجلب أمير سلاح، وقانِبَك المحمودي أحد مقدَّمين (١) الألوف لبرّ الجيزة لحفظ الخيول من العربان، وكان معهما عدّة من الأمراء والجند، ومع ذلك كله أخذ العرب عدّة منها للأمراء وغيرهم (٢). [وصول جانبك السليماني ومعه دوادار نائب حلب] وفيه، في يوم الجمعة، ثانيه، وصل إلى القاهرة جانِبَك السليماني، أحد خاصكيّة السلطان، من حلب، ومعه أبو بكر دوادار بُردُبَك نائب حلب، وكان السلطان قد بعث بطلبه، وأشيع أن بُردُبك امتنع من إرساله، وأنه أظهر العصيان. وجرت أمور تطول، حتى كاتب بُردُبك جماعة من خُشداشيه يلومونه ويعرّفونه بالمصلحة، حتى بعث بدواداره المذكور، وأُرجف بالقاهرة بقتله أو نحو ذلك، ثم لم يلبث أن عُملت مصلحته بمالٍ قُرّر عليه، وعاد لأستاذه بعد أن خلع عليه السلطان خلعة هائلة، وأركبه مركوبًا خاصًا، ثم كتب لأستاذه بما يُرضي به خاطره (٣). [نيابة قلعة دمشق] وفيه، في يوم الثلاثاء سادسه، استقر في نيابة قلعة دمشق جانبك الظاهري، أحد الدوادارية الصغار، عِوضًا عن إبراهيم بن بيغوت بعد صرْفه عنها (٤). (نادرة عجيبة) (٥) وفيه، في يوم الأحد حادي عشره، ذبحتُ نعجةً بمنزلي بطرابلس لإضافة بعضٍ من الفقراء، فوجدنا ببطنها جنينًا له رقبة غليظة إلى التر ( … ) (٦)، له بها

стр. 945

رأسان بأربعة أعيُن، وأربعة آذان، وثمانية أرجل، وله إلْيتان، ومخرجان، وسلسلتا (١) ظهر، فتعجّبنا من ذلك (٢). (سفر كاتب السر ابن (٣) مزهر للحج رجبًا) (٤) وفيه، في يوم الخميس، تاسع عشرينه، خرج الزين ابن (٥) مزهر، كاتب السرّ، للحج في هيئة الرجبية، واجتمع معه جمع كبير من الناس، وكان ركبًا هائلًا، وجعل السلطان أميرَ هذا الركب علّان من طَطَخ (٦) الأشرفي، أحد العشرات، والعُهدة في سفرهم وإقامتهم وسيرهم على الزين المذكور، وخرج الزين المذكور بتجمّل زائد وعظمة هائلة، وصنع في سفره معروفًا كبيرًا، وأظهر من البِرّ وفِعل الخير ما هو مذكور به إلى يومنا هذا، ومسطّر عنه، وشاع ذكره وذاع، وملأ الأسماع، وسارت به الركبان في سائر البلدان. جزاه الله تعالى خيرًا، وتقبّل منه، فلقد حُمدت سيرته وشُكرت أياديه في سفرته إلى الغاية. وأمّا المعروف الصادر عنه والكائن منه بمكة والمدينة المشرّفتين (٧) وأخباره فاشية شائعة ذائعة إلى يومنا هذا (٨). [شهر رجب] وفيها استهلّ رجب بالجمعة (٩) بالرؤية. [الخلعة باستمرار نائب الشام على نيابته] وفيه، في يوم السبت، ثانيه، سافر أبو بكر دوادار بُردُبك نائب الشام، وعلى يده خلعة لأستاذه باستمراره على نيابته، وفي النفوس أشياء يدريها الفطِن اللبيب.

стр. 946

[عدم صحة الخبر بعزل قائد طرابلس الغرب] وفيه، في يوم الثلاثاء، خامسه، ورد الخبر إلى طرابلس الغرب بعزل قائدها أبي (١) النصر، ثم لم يظهر صحة ذلك. [النداء بزينة القاهرة] وفيه، في يوم الجمعة، ثامنه، نودي بزينة القاهرة، لأجل دوران المحمل، فشرع الناس في ذلك، حتى تكملت الزينة على العادة، ثم أدير في يوم الإثنين حادي عشره على عادته في كل سنة (٢). [قدوم سيدي الدهماني إلى طرابلس الغرب في طريقه للحج] وفيه، في يوم السبت، سادس عشره، قدم إلى طرابلس سيدي أحمد الدُهماني (٣) القيرواني (٤)، شيخ الركب، ومعه جمع وافر من المَصامِدة وغيرهم، وهم قاصدون الحج من على طريق بَرْقة، وتجهّز جماعة من طرابلس أيضًا للسفر معهم، وتجهّزت أنا أيضًا، وتكلّفت إلى شراء جمال وكير ذلك، وكان ما سأذكره. [قدوم جماعة من الصعالكة من الحج] وفيه، في أواخره، قدم إلى طرابلس جماعة من الصعالكة من على طريق برقة بعد حخهم، فسُئلوا عن أمن الطريق وأحوالها، فأخبروا بخير وسلامة، فقوي عزم الكثير من الناس على السفر صحبة الركب المذكور. [سفر المؤلّف صحبة الركب] وفيه، في يوم الخميس ثامن (٥) عشرينه، اجتمعت بطرابلس بطائفة من المصامدة الذين هم صحبة الركب أستشيرهم في السفر، فأشاروا عليّ بأنه نِعم الرأي، وصحبنا من ثَمّ سيدي محمد بن سعيد المصمودي (٦)، العبد الصالح،

стр. 947

وتعارفنا به، وكنّا بعد ذلك في السفر نتأنّس به غاية الأنس، وسمعنا الكثير من فوائده. وهو إنسان حسن من عباد الله تعالى الصالحين، حج لما قدم القاهرة من عامه هذا، وجاور بمكة، وهو بها إلى يومنا هذا فيما أُخبرت، وقد كفّ بصره، وللناس فيه الاعتقاد الحسن، نفع الله تعالى به. [كسوف الشمس] وفيه، في صبيحة يوم الجمعة، تاسع عشرينه، (كُسفت الشمس) (١)، يقال: قبل الشروق بأربع درج، ودام ذلك بعد الشروق ثلاثًا وعشرين (٢) درجة، وكان الكسوف من جُرم القمر قدر أربعة أصابع من جهة الجنوب (٣). [شهر شعبان] وفيها استهلّ شعبان بالأحد، وكان أشيع في رجب بأنه لا يخرج والسلطان موجود في قيد الحياة. بل أشاع أهل التقاويم ومن هو في مقولتهم من المنجّمين والكذّابين، بأن السلطان عليه قَطْع كبير، والظاهر عدم بقائه (٤) إلى ثامن عشره، ولهج الناس بذلك حتى صار كالذي لا بُدّ منه، واستفيض له بما بلغ ذلك السلطان. [الإشاعة بقرب موت السلطان] ولما استهلّ هذا الشهر، وهو شعبان، ظهر كذِب من قال ذلك وافتراؤه (٥) على الله تعالى، وادّعاؤه (٦) المغيّبات، وقولهم ما لا يعلمونه رجمًا بالغيب الذي لا مصادفة فيه أيضًا، مع أنني أُخبرت بأن السلطان خُشقدم هذا كان في خصوص هذه الأيام التي ذكروا هم بأنه لا يبقى فيها في أرغد ما يكون من العيش والهناء، ولم يحصل له أدنى ما يسوء (٧) أو يكدّر في تلك المدّة ليكون ذلك كالمندوحة لهؤلاء، وكالذريعة إلى بعض تصديق ما يقولونه، بل كان على أحسن الحالات وأتمّها (٨). [مشيخة العبّادي بخانقاه سعيد السعداء] وفيه، في يوم الخميس خامسه، استقر في مشيخة خانقاه سعيد السعداء الشيخ الإمام، العالم، العلّامة، سراج الدين العبّادي، الشافعي، عوضًا عن التقيّ

стр. 948

القلقشندي، بحكم وفاته (١). وسيأتي في التراجم والوَفَيَات إن شاء الله تعالى. [خروج قايتباي نجدةً ليشبُك من مهدي على عربان هوّارة] وفيه، في يوم الجمعة، سادسه، خرج قايتباي المحمودي أحد مقدَّمين (٢) الألوف إذ ذاك، وهو سلطان عصرنا الآن، إلى الوجه القِبلي بالصعيد نجدة ليشبُك من مهدي الكاشف إذ ذاك، ومعه عدّة من الجند السلطاني، وكان قد ثار بيشبُك هذا طوائف عربان هوّارة (٣). [وقعة يشبُك وعربان هوّارة] وفيه، في يوم الخميس، ثاني عشره، ورد الخبر من يشبُك من مهدي المذكور، بأنه واقَعَ العُربان فكسرهم (وقتل) (٤) منهم جماعة، وبعث رؤوس (٥) القتلى إلى القاهرة، وكانوا نحوًا من ثلاثين رأسًا من رؤوس (٦) أكابرهم، وذلك قبل وصول قايتباي إليه (٧). [سلْخ جلد عبد الرحمن بن التاجر] وفيه، في يوم الخميس، تاسع عشره، سُلخ جلد عبد الرحمن بن التاجر شيخ سَفْط أبي تراب، وكان قد سُلخ جلد ولده إسماعيل قبله في يوم الأحد، وذلك لما قُبض عليهما بعد فسادهما وقتْلهما عبد الله شيخ أبْشيه المَلَق، واحتاط السلطان على موجود عبد الرحمن هذا، وأخذ منه شيئًا لا توصف كثرته (٨). (شيء من أخبار برقة) (٩) وفيه، أعني هذا الشهر، خرجنا مسافرين مع الركب من طرابلس قاصدين هذه البلاد من على طريق برقة، بعد أن اجتزنا بمُسْراتة، ثم بقصر أحمد من أعمال

стр. 949

طرابلس، ثم دخلنا برقة فشقّيناها من على الطريق الوسطي لا الساحل، لأن الركب اختشى من التوجّه من على طريق الساحل من شرور عربان برقة وأذاهم، لكونهم غالبًا في هذه الأيام يكونون بالساحل، وقطعنا عقبة المراس، وتسلّمنا البساط من أرض برقة، وبقينا بها ليالي وأيامًا، ورأينا أرضًا عجيبة وبلادًا خربة غريبة لم يبق إلّا رسومها وبعض الآثار، وهي بطحاء لا جبال بها ولا تلال ولا عمران، وتعجّبت من سيرنا فيها بلا ما يدلّ على الطريق حتى ولا آثارها. وكنا نرى بها شيئًا كثيرًا من النعام كبارًا سمينة يُخيَّل لناظرها من بُعد أنها شجرة. ورأينا مدينة لبنا (١) وهي خراب، مدينة عظيمة كانت مبنيّة بالرخام الأبض، وأكثر جدرانها قائمة على أصولها، محكَمة البناء، ورأَينا عندها من بلدان خربة. ثم اجتزنا بالبساط بالبئر المعروفة ببئر سادنو (٢) وهي من أعجب الآبار، عميقة جداً، وإذا رُمي إليها الحجر لا يُسمع صوته لبُعد المسافة بين فمها ومائها. وقاسينا في طريقنا من المشاق ما لا يُعدّ، ولقينا بعض العربان وأخافونا، بل ربّما قصدوا نهب الركب، وأخذوا أشياء من أثاث الناس، وداروا بنا أياماً، وما سلّم الله تعالى منهم إلّا بعد جهد جهيد، وخوف شديد، حتى وصلنا إلى عربان لبيد، وكانت بلادهم مخصبة، ولم يعترضونا بسوء، وأقاموا لنا أسواقًا، وسرنا بعد ذلك إلى جهة الإسكندرية، وكان ما سنذكره. [شهر رمضان] [صيام المؤلّف مع الركب والمعاناة من العطش] وفيها رؤي (٣) فيها هلال شهر رمضان ليلة الأحد، فأصبحنا صيامًا بالطريق. وحصل لنا في أوائل هذا الشهر عطشة بالطريق لقلّة المياه، وكاد أن يهلك الكثير من الناس، وخلّص الله تعالى بالوصول إلى الماء، وكان مَنْ معه الماء من الناس خافوا واختشوا من هجوم من لا ماء معه عليهم لأخذ الماء منهم، فألهمني الله تعالى أن جعلت قِربة معي فيها الماء في غرارة، وأظهرنا أنه لا ماء معنا، إذ ما معنا لا يكفينا إلّا بجهد، ولو غفلنا عن إخفائه لهلكنا عطشًا مما كان من قلّة الماء. وكان معنا ابنة صغيرة لي لا صبر لها عن الماء وأنا خائف عليها.

стр. 950

[لبس السلطان البياض] وفيه، في يوم الجمعة، ثاني عشره، ووافق ثاني عشرين بَرْمُودَة، لبس السلطان البياض على العادة. [عيادة السلطان ليحيى بن يشبُك الفقيه] وفيه، في يوم الإثنين، خامس عشره، نزل السلطان إلى دار يحيى بن يشبُك (١) الفقيه فعاده وكان قد قدم من حلب وهو مريض، وتمادى به هذا المرض، على أنه دام به بعد ذلك آثاره، حتى كان سببًا لموته بعد مدّة (٢). [قلّة الأزواد على المؤلّف ومن معه من الركب] وفيه، في سادس عشره قلّت (٣) الأزواد معنا ونحن بالطريق، وكادت أن تفرغ، بل فرغ الكثير من أزواد بعض الركب، بقوا يأكلون الحلزون، وعمل من معه الزاد أيضًا إلى أن أكل الحلزون أيضًا خوفًا من إنهاء ما معه، فوفّره على نفسه لبلاد أخرى لا حلزون بها، إذ صادفوا هذه الأرض التي قلّت بها الأزواد كثرة الحلزون، فمنهم من أكله اضطرارًا، ومنهم من أكله لتوفر القليل مما معه، وحصلت المشاقّ العظيمة، وأعقبها السلامة ولله الحمد. (ولاية السيد إبراهيم كتابة سرّ دمشق) (٤) وفيه في يوم السبت، عشرينه، استقرّ الشريف إبراهيم بن محمد التاجر في كتابة السر بدمشق، وصُرف القُطْب الخَيْضري عنها، وأُمر بلزوم داره (٥). والسيد الشريف هذا موجود الآن جرت عليه أمور وخطوب يطول الشرح في ذكرها، وهو الآن مقيم بالقاهرة بطّالًا. [دوادارية السلطان بدمشق] (وفيه، قرّر في دوادارية السلطان بدمشق شادبك الأشرفي (٦)، عوضًا عن
следующие страницы →