← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

[عدم صحة الخبر بعزل قائد طرابلس الغرب] وفيه، في يوم الثلاثاء، خامسه، ورد الخبر إلى طرابلس الغرب بعزل قائدها أبي (١) النصر، ثم لم يظهر صحة ذلك. [النداء بزينة القاهرة] وفيه، في يوم الجمعة، ثامنه، نودي بزينة القاهرة، لأجل دوران المحمل، فشرع الناس في ذلك، حتى تكملت الزينة على العادة، ثم أدير في يوم الإثنين حادي عشره على عادته في كل سنة (٢). [قدوم سيدي الدهماني إلى طرابلس الغرب في طريقه للحج] وفيه، في يوم السبت، سادس عشره، قدم إلى طرابلس سيدي أحمد الدُهماني (٣) القيرواني (٤)، شيخ الركب، ومعه جمع وافر من المَصامِدة وغيرهم، وهم قاصدون الحج من على طريق بَرْقة، وتجهّز جماعة من طرابلس أيضًا للسفر معهم، وتجهّزت أنا أيضًا، وتكلّفت إلى شراء جمال وكير ذلك، وكان ما سأذكره. [قدوم جماعة من الصعالكة من الحج] وفيه، في أواخره، قدم إلى طرابلس جماعة من الصعالكة من على طريق برقة بعد حخهم، فسُئلوا عن أمن الطريق وأحوالها، فأخبروا بخير وسلامة، فقوي عزم الكثير من الناس على السفر صحبة الركب المذكور. [سفر المؤلّف صحبة الركب] وفيه، في يوم الخميس ثامن (٥) عشرينه، اجتمعت بطرابلس بطائفة من المصامدة الذين هم صحبة الركب أستشيرهم في السفر، فأشاروا عليّ بأنه نِعم الرأي، وصحبنا من ثَمّ سيدي محمد بن سعيد المصمودي (٦)، العبد الصالح،

стр. 947

وتعارفنا به، وكنّا بعد ذلك في السفر نتأنّس به غاية الأنس، وسمعنا الكثير من فوائده. وهو إنسان حسن من عباد الله تعالى الصالحين، حج لما قدم القاهرة من عامه هذا، وجاور بمكة، وهو بها إلى يومنا هذا فيما أُخبرت، وقد كفّ بصره، وللناس فيه الاعتقاد الحسن، نفع الله تعالى به. [كسوف الشمس] وفيه، في صبيحة يوم الجمعة، تاسع عشرينه، (كُسفت الشمس) (١)، يقال: قبل الشروق بأربع درج، ودام ذلك بعد الشروق ثلاثًا وعشرين (٢) درجة، وكان الكسوف من جُرم القمر قدر أربعة أصابع من جهة الجنوب (٣). [شهر شعبان] وفيها استهلّ شعبان بالأحد، وكان أشيع في رجب بأنه لا يخرج والسلطان موجود في قيد الحياة. بل أشاع أهل التقاويم ومن هو في مقولتهم من المنجّمين والكذّابين، بأن السلطان عليه قَطْع كبير، والظاهر عدم بقائه (٤) إلى ثامن عشره، ولهج الناس بذلك حتى صار كالذي لا بُدّ منه، واستفيض له بما بلغ ذلك السلطان. [الإشاعة بقرب موت السلطان] ولما استهلّ هذا الشهر، وهو شعبان، ظهر كذِب من قال ذلك وافتراؤه (٥) على الله تعالى، وادّعاؤه (٦) المغيّبات، وقولهم ما لا يعلمونه رجمًا بالغيب الذي لا مصادفة فيه أيضًا، مع أنني أُخبرت بأن السلطان خُشقدم هذا كان في خصوص هذه الأيام التي ذكروا هم بأنه لا يبقى فيها في أرغد ما يكون من العيش والهناء، ولم يحصل له أدنى ما يسوء (٧) أو يكدّر في تلك المدّة ليكون ذلك كالمندوحة لهؤلاء، وكالذريعة إلى بعض تصديق ما يقولونه، بل كان على أحسن الحالات وأتمّها (٨). [مشيخة العبّادي بخانقاه سعيد السعداء] وفيه، في يوم الخميس خامسه، استقر في مشيخة خانقاه سعيد السعداء الشيخ الإمام، العالم، العلّامة، سراج الدين العبّادي، الشافعي، عوضًا عن التقيّ

стр. 948

القلقشندي، بحكم وفاته (١). وسيأتي في التراجم والوَفَيَات إن شاء الله تعالى. [خروج قايتباي نجدةً ليشبُك من مهدي على عربان هوّارة] وفيه، في يوم الجمعة، سادسه، خرج قايتباي المحمودي أحد مقدَّمين (٢) الألوف إذ ذاك، وهو سلطان عصرنا الآن، إلى الوجه القِبلي بالصعيد نجدة ليشبُك من مهدي الكاشف إذ ذاك، ومعه عدّة من الجند السلطاني، وكان قد ثار بيشبُك هذا طوائف عربان هوّارة (٣). [وقعة يشبُك وعربان هوّارة] وفيه، في يوم الخميس، ثاني عشره، ورد الخبر من يشبُك من مهدي المذكور، بأنه واقَعَ العُربان فكسرهم (وقتل) (٤) منهم جماعة، وبعث رؤوس (٥) القتلى إلى القاهرة، وكانوا نحوًا من ثلاثين رأسًا من رؤوس (٦) أكابرهم، وذلك قبل وصول قايتباي إليه (٧). [سلْخ جلد عبد الرحمن بن التاجر] وفيه، في يوم الخميس، تاسع عشره، سُلخ جلد عبد الرحمن بن التاجر شيخ سَفْط أبي تراب، وكان قد سُلخ جلد ولده إسماعيل قبله في يوم الأحد، وذلك لما قُبض عليهما بعد فسادهما وقتْلهما عبد الله شيخ أبْشيه المَلَق، واحتاط السلطان على موجود عبد الرحمن هذا، وأخذ منه شيئًا لا توصف كثرته (٨). (شيء من أخبار برقة) (٩) وفيه، أعني هذا الشهر، خرجنا مسافرين مع الركب من طرابلس قاصدين هذه البلاد من على طريق برقة، بعد أن اجتزنا بمُسْراتة، ثم بقصر أحمد من أعمال

стр. 949

طرابلس، ثم دخلنا برقة فشقّيناها من على الطريق الوسطي لا الساحل، لأن الركب اختشى من التوجّه من على طريق الساحل من شرور عربان برقة وأذاهم، لكونهم غالبًا في هذه الأيام يكونون بالساحل، وقطعنا عقبة المراس، وتسلّمنا البساط من أرض برقة، وبقينا بها ليالي وأيامًا، ورأينا أرضًا عجيبة وبلادًا خربة غريبة لم يبق إلّا رسومها وبعض الآثار، وهي بطحاء لا جبال بها ولا تلال ولا عمران، وتعجّبت من سيرنا فيها بلا ما يدلّ على الطريق حتى ولا آثارها. وكنا نرى بها شيئًا كثيرًا من النعام كبارًا سمينة يُخيَّل لناظرها من بُعد أنها شجرة. ورأينا مدينة لبنا (١) وهي خراب، مدينة عظيمة كانت مبنيّة بالرخام الأبض، وأكثر جدرانها قائمة على أصولها، محكَمة البناء، ورأَينا عندها من بلدان خربة. ثم اجتزنا بالبساط بالبئر المعروفة ببئر سادنو (٢) وهي من أعجب الآبار، عميقة جداً، وإذا رُمي إليها الحجر لا يُسمع صوته لبُعد المسافة بين فمها ومائها. وقاسينا في طريقنا من المشاق ما لا يُعدّ، ولقينا بعض العربان وأخافونا، بل ربّما قصدوا نهب الركب، وأخذوا أشياء من أثاث الناس، وداروا بنا أياماً، وما سلّم الله تعالى منهم إلّا بعد جهد جهيد، وخوف شديد، حتى وصلنا إلى عربان لبيد، وكانت بلادهم مخصبة، ولم يعترضونا بسوء، وأقاموا لنا أسواقًا، وسرنا بعد ذلك إلى جهة الإسكندرية، وكان ما سنذكره. [شهر رمضان] [صيام المؤلّف مع الركب والمعاناة من العطش] وفيها رؤي (٣) فيها هلال شهر رمضان ليلة الأحد، فأصبحنا صيامًا بالطريق. وحصل لنا في أوائل هذا الشهر عطشة بالطريق لقلّة المياه، وكاد أن يهلك الكثير من الناس، وخلّص الله تعالى بالوصول إلى الماء، وكان مَنْ معه الماء من الناس خافوا واختشوا من هجوم من لا ماء معه عليهم لأخذ الماء منهم، فألهمني الله تعالى أن جعلت قِربة معي فيها الماء في غرارة، وأظهرنا أنه لا ماء معنا، إذ ما معنا لا يكفينا إلّا بجهد، ولو غفلنا عن إخفائه لهلكنا عطشًا مما كان من قلّة الماء. وكان معنا ابنة صغيرة لي لا صبر لها عن الماء وأنا خائف عليها.

стр. 950

[لبس السلطان البياض] وفيه، في يوم الجمعة، ثاني عشره، ووافق ثاني عشرين بَرْمُودَة، لبس السلطان البياض على العادة. [عيادة السلطان ليحيى بن يشبُك الفقيه] وفيه، في يوم الإثنين، خامس عشره، نزل السلطان إلى دار يحيى بن يشبُك (١) الفقيه فعاده وكان قد قدم من حلب وهو مريض، وتمادى به هذا المرض، على أنه دام به بعد ذلك آثاره، حتى كان سببًا لموته بعد مدّة (٢). [قلّة الأزواد على المؤلّف ومن معه من الركب] وفيه، في سادس عشره قلّت (٣) الأزواد معنا ونحن بالطريق، وكادت أن تفرغ، بل فرغ الكثير من أزواد بعض الركب، بقوا يأكلون الحلزون، وعمل من معه الزاد أيضًا إلى أن أكل الحلزون أيضًا خوفًا من إنهاء ما معه، فوفّره على نفسه لبلاد أخرى لا حلزون بها، إذ صادفوا هذه الأرض التي قلّت بها الأزواد كثرة الحلزون، فمنهم من أكله اضطرارًا، ومنهم من أكله لتوفر القليل مما معه، وحصلت المشاقّ العظيمة، وأعقبها السلامة ولله الحمد. (ولاية السيد إبراهيم كتابة سرّ دمشق) (٤) وفيه في يوم السبت، عشرينه، استقرّ الشريف إبراهيم بن محمد التاجر في كتابة السر بدمشق، وصُرف القُطْب الخَيْضري عنها، وأُمر بلزوم داره (٥). والسيد الشريف هذا موجود الآن جرت عليه أمور وخطوب يطول الشرح في ذكرها، وهو الآن مقيم بالقاهرة بطّالًا. [دوادارية السلطان بدمشق] (وفيه، قرّر في دوادارية السلطان بدمشق شادبك الأشرفي (٦)، عوضًا عن

стр. 951

تَنِبَك الحمزاوي (١)، نقلًا إليها من أتابكية حلب، ثم بعد ذلك مات تَنِبَك المذكور في ذي الحجّة يوم الخميس أو قبله) (٢). [ختم البخاري بالقلعة] وفيه، في يوم الأحد، حادي عشرينه، خُتم البخاري بالقلعة وخُلع على القضاة والمشايخ ومن له عادة على ذلك (٣). [ختم البخاري بباب السلسلة] وفيه، في يوم الإثنين، ثاني عشرينه، ختم البخاري أيضًا عند الشهاب أحمد بن العَيني، بباب السلسلة، واحتفل لذلك. وخُلع على جماعته عدّة خِلَع (٤). [شهر شوال] [تعييد المؤلّف في بلاد لَبِيد] وفيها كان أول شوال بتمام عدد ما قبله بالثلاثاء، وعيّدنا في بلاد لَبيد بالقرب من الإسكندرية، ثم أعاقنا والركبَ عن الجِدّ في السير قلّة الظَّهر، لموتَ الكثير من الجمال ووقوفها، ووقف بالطريق (٥) بعض جمال تضزرنا بوقوفها، حتى مشيتُ في بعمَر الأحيان على قدمين، ودام ذلك بنا نحو الخمسة أيام، وكان معي دابّة أتعلّل بركوبها، فصرت أخاف أن تقف أو تموت. وضعُف مملوك (٦) كان لنا يخدمنا وتغلّبنا به، ثم وجّه الله تعالى له بالعافية، فله الحمد على ذلك. ثم دخلنا ثغر الإسكندرية في خامس هذا الشهر. (شيء من أخبار الوالد وما جرياته) (٧) وفيه، في يوم خامسه، جاء إلى منزل الوالد وهو يسكن بالصّوّة إذ ذاك، تجاه صِهْريج مَنْجك: القاضي شهابُ الدين، أحمد بن سعيد التِلِمْساني (٨)

стр. 952

المالكي، قاضي قضاة دمشق كان، وكان قد صُرف عن قضاء دمشق، فقدِم إلى القاهرة ليسعى في عَوده كما كان، فأقام بها مدّة، والسلطان مُعرض عنه لا يلتفت إليه، حتى ملّ من إقامته بالقاهرة، فقال للوالد: قصدي أن تستأذن لي السلطان في أن أتوجّه إلى الحج في هذا العام، ثم أتوجّه مع الشامي إلى دمشق، فإن هذا السلطان ما بقي يولّيني، وأنا قد مليت من إقامتي بالقاهرة على غير طائل، وترْك عيالي ودياري. فقال له الوالد: لقد أُريت في ليلتي هذه الماضية رؤيا غريبة، ورأيتك وأنت بيدك ورقة كاغَد، وكأنّ بها خطوطًا مستوية، وبوسطها نقص في التخطيط، وأنت تقول لي: انظر إلى هذا. فهو يدلّ على زوال خُشَقَدم وجماعته. فقال الشهاب: هذا أضغاث أحلام. فأجابه الوالد بقوله: أنا أعلم من الله تعالى ما لا تعلمه من صدق رؤياي، وقد جرّبتُ ذلك غير ما مرة. قال الوالد: ثم بقيت أنا في خاصّة أتفكّر كيف يكون ذهاب هذا الرجل -يعني خُشقدم-، ولمن يصير الأمر من بعده وكيف يكون حالي بين هؤلاء الطوائف، وهم فِرَق متعدّدة، وأيّ فرقة أتبع أنا منها، وما أعرف من الغالب، وربّما يحصل الضرر، وأخذت في قولي: لا حول ولا قوّة إلّا بالله، والمستعان به، والاعتماد عليه. وبينا أنا في فكرتي تلك وإذا قاصد من عند الخليفة المستنجد بالله، يسألني في حضوري إليه، فلما اجتمعت بالخليفة، سألني أن أكلّم السلطان في شأنه عساه أن يأذن له بالنزول إلى داره على عادته القديمة، فإنه ملّ من إقامته بالقلعة، وأمر في أن أتلطّف في ذلك بالسلطان ما أمكنني، واجتهد في كاية الاجتهاد، فوعدته بذلك وانصرفت، ثم طلعت إلى السلطان بعد أيام قلائل على عادتي في ذلك، فترحّب بي وأنصف بزيادة على العادة، ثم أخذ يسألني كيف أحوال الناس. ثم قال: ولك مدّة لم تدلّني على خير ولا نصيحة تذخرها عند الله تعالى. قال الوالد، ﵀: فوجدت الفرصة ومناسبة المجلس للكلام في شأن الخليفة، فقلت له: يا مولانا السلطان، إن الخليفة أمير المؤمنين وابن (١) عمّ سيّد المرسلين ﷺ وإمام المسلمين، وعزّ السلطنة مكتسَب منه قد طالت أيامه في التعويق بالقلعة، وأنتم قد أطلقثم من سجون ثغر الإسكندرية السلاطين وغير ذلك

стр. 953

من الملوك، فبالأولى أن يكون هذا الإمام القديم الهجرة في منزله، والناس متردّدون إليه على العادة ورسائله مقبولة عندكم وعند الأعيان، ويشاع هذا عنكم في الممالك. فلما سمع السلطان ذلك منه تأثر له غاية التأثّر، وقال له: هو سألك في مرسل ذلك؟ فقال له: نعم، وقصدت بذلك سَوْق الأجر إليكم، فبعث السلطان إلى الخليفة من قال له: أنت سألت فلان في أن يشفع فيك عند السلطان. فيقال: إن الخليفة استشعر من ذلك مكروهًا، فأجاب بلا، ويقال: إنه أجاب بنعم، وأن السلطان أظهر أن الخليفة ما سأل في ذلك، وما عاد الجواب إلى السلطان بغير زيادة على نظيره، ثم قام ناهضًا على قدميه معرضًا عن الوالد، ودخل إلى الخيام، ثم في كده أخرج ما كان بيد الوالد من الإقطاع بدمشق باسم أولاده، ثم بعث إليه بقاصده يأمره أن يلزم منزله، وهو كناية عن عزْل وكضْب، ويؤكّد عليه بأنه لا يجتمع بأحد، ولا يركب إلى أحد. قال الوالد: فحصل عندي من ذلك باعث وفكر زائد وغاية تشويش، وتوسّع خوفي من هذا الإنسان، وإذا بالأمير جانبك المحمودي، وكان من أعزّ أصحابي وأحبابي، وقد حضر إليّ في ليلة ما بين العشاءين، وهو متكتّم حضورَه، ثم أخذ يذكر لي عن السلطان بأنه تكلّم بكلام كبير في حقّي لا ينبغي شرحه، وكانه توهّم من طلبي إخراج الخليفة إلى منزله مساء، ولا سيما كان قانِبك هذا يَسير التردّد والتودّد إليّ، فحدّثت السلطان نفسُه أنّ لي غرضٌ في نزول الخليفة إلى داره، لقيام قانِبك أو غيره، هكذا ظهر لما نقله قانِبَك عن كلام السلطان لأتابك العساكر الأمير يَلَباي، لا سيما لما بعث إلى الخليفة، وأجاب بأنه لم يسأل في ذلك، فتأكّد ما توهّمه السلطان بباله، واتّسع خياله، وبذلك اتّسع خيالي أنا، ثم أمرني الأمير قانِبَك بأن أكون على حذر. قال: فأخذ في الفكر، وألْهَمَني الله تعالى أن أكتب قصّة للسلطان أسأله فيها أن يأذن لي بالتّوجّه إلى القدس الشريف أو حَرَم سيّدنا الخليل، أو يأذن لي بالتوجّه إلى طرابلس لأقيم بها بمنزلي الذي أنشأته هناك، وأنقطِع إلى الله تعالى، كون بالبُعد عنه، ينقطع توهّمه عنّي بما توهّم. وبعثت بالقصَّة مع ولدي فخر. وقبل كتاب القلعة خطر ببالي أن أغيّر القصّة إلى سؤالي بأن أتوجّه إلى الحج في هذه السنة في هذه الأيام، فأردفت ولدي بأخيه ليدركه قبل دخوله إلى السلطان، حتى أغيّر القصّة لذلك، وأمرته أن يحثّ في مشيه ويستحثّ أخاه (١) في عَوده قبل اجتماعه بالسلطان، فعاد إليّ وقال: لم أدركه إلّا وقد دخل القلعة وسبقني، ففاتني، فقلت: عساه لا يجتمع بالسلطان ويعود، حتى أغيّر القصّة. وبينا

стр. 954

أنا مفكّر في ذلك إذ عاد بسرعة، فقلت له: الظاهر أنك لم تجتمع على السلطان، وظننت ذلك لسرعة عَوده. فقال: بل اجتمعت به وقرأ القصّة، وقال: مكة أفضل من البيت المقدس والخليل، فلْيتوجّه إليها. فعجبت من هذا الاتفاق الغريب. وقلت: ذلك ما كنّا نبغي، ثم أخذت في أسباب الحج. فبقي بعض الأصحاب يقول: إنّما قال السلطان ذلك لأجل أن يسكتوا (١) عنه وهم لا يدرون، فأعوذ بالله (٢) تعالى به من فضله وتدبيره إيّاي، وتيسيره الخير لي وتهيئة الأسباب، وإجراء أموري على وفق ما أريده وآمله غالبًا، لا سيما عند تغيّر الدول، وأنا في حرّيتي، وبل أجزم أن هذا الرجل تزول دولته عن قرب. قال: ثم حججت حجّة هيّنة لم أحجُجْ مثلها قطّ، مع ما تقدّم لي من الحج غير ما مرة، وكان معي في حجّتي هذه الأهل والعيال، والخدم والحشم، والكبار والصغار من جماعتي، ومعي من الجمال والهُجُن والخيل والبغال ما يكفيني. وحصل لي من أمير الحاج غاية الإنصاف، والقيام في حوائجي، وتقاضي أشغالي، وكنت أسير أمام الركلب، وحصلتْ لي فتوحات وعنايات ربّانية من قبل الله العالي، وشكرته على ذلك، وعلى ما أنعم وتفضّل وأكرم وتقبّل. وحين وصولنا مكة المشرّفة بعث إليّ خطيبها يأمرني بالنزول بمكانٍ أعدّه في تيسير الله تعالى بمكان خير إقامته على خلائه (٣)، به ساقية وبستان للتنزّه به، وقناة من الماء الحلو. فأقمنا بمكة اثني عشر يومًا في أرغد عيش وأهنئه (٤)، إلى أن فرغنا من أفعال الحج. وكان قد حضر الركب العراقي في هذه السنة، فسرنا إلى المدينة المشرّفة في صحبته، وكان قد حضر في بعضٍ من إخواننا في الله تعالى، فاجتمعوا بي وقالوا: إن هذه البلاد تحتاج إلى سعة مال، ورحِم الله من زار وخفّف، والرأي عندنا أن تسير معنا إلى العراق، وكان أمير الركب الأمير عبد الحق بن الجُنيد (٥) البغدادي، المشهور بالولاية والصلاح. وعبد الحق هذا من ذريّته (٦)، فقوي العزم على التوجّه صحبتهم، لا سيما

стр. 955

وفي البال اشتغال بالخوف من باطن خُشقَدم، وعدم إهمال الأمر من قِبله. وكانت النفس تحدّثني بالبعد عن بلاده خوفًا من شرّه وسواد باطنه، إلى أن يريد الله تعالى بما يريد. فسرنا على بركة الله تعالى وعونه في أرغد عيش وأهنئه (١) في خصْب وأمن وسلامة، وكثرة ماء، وحسن رفعة، وحصل من الأمير عبد الحق صاحب الحلّة وهيت وتكريت (٢) من قِبل جهان شاه، وأمير المحمل العراقي غاية الإنصاف والإسعاف والبرّ والإحسان، وغير ذلك من كل جميل، ما لا يُعدّ ولا يُضبط، جزاه الله تعالَى عنّي خير الجزاء، وظهرت له أيادٍ، وبل كراماتٍ بذلك الدرب الشريف، نفع الله تعالى به وبسلفه الطاهر. ولم نزل حتى وصلنا الحلّة، فأنزلنا عنده مدّة شهرين، وأجرى علينا ما نحتاج إليه، ثم أفكر لنا في شيء يحصل به النفع والبلغة والرفعة، فأشار علينا بالتوجّه إلى السلطان جهان شاه، وكتب معنا مكاتبات إليه، وقال لي: إن صاحبنا هذا سلطان العجم الآن والعراقين من ذوي الهمم، وأنا أشير عليكم أنكم إذا اجتمعت به يكون غاية ما في وسعكم وطاقتكم وجهدكم أن ترشدوه إلى الصلح بينه وبين حسن بن قرايُلُك قبل وقوع الفِتن المؤدّاة إلى فساد العباد وخراب البلاد، ويكفي الله المؤمنين القتال. ثم قال لي: قد عرَّفتُ جهان شاه في مكتوبي عن عُلوّ مقامكم ورِفعتكم، وبُعد صِيتكم وسُمعتكم بالبلاد المصرية وما تنقّلتم فيه من الثوابت السَّنيّة العليّة، وعرّفتكم له، وعرّفته بأنكم أهلًا لأن يستشيركم (٣) ويقتدي برأيكم، وأنكم ممن له دُربة وحنكة، وقد دبّرتم الممالك فضلًا عن غير ذلك، وذكرت له أنكم تركتم الدنيا ولا رغبة لكم إلّا في الخير وطلب الآخرة، فسرنا على بركة الله تعالى بعد أن أتحفنا بتُحف كثيرة، وأهدانا ما يليق بمقامه الكريم، بعد أن أقام بالكلفة في هذه المدّة، وأغدق بالعطايا، فمررنا على بغداد، وكان دخولنا البلقاء في ربيع الآخر سنة اثنتين (٤) وسبعين، فزرنا مشاهد الأئمّة الكرام والسادة الأعلام، الإمام علي بن أبي طالب ﵁، والسِبطين الحسن والحسين، ومحمد الباقر، وموسى الكاظم، والإمامين الأعظمين أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، ﵃ أجمعين. وزرنا السيد عبد القادر الكيلاني، وجميع من هناك من الأولياء الصالحين، ﵃ أجمعين،

стр. 956

ومررنا على الموصل وجزيرة ابن (١) عمر، وماردين. ثم بينا نحن في أثناء ذلك إذ وصل لنا الخبر بما وقع لحسن بن قرايُلُك من كسر جهان شاه وقطعه رأسه، وانفصل الأمر، ولم نجتمع بأحدٍ منهما، وحمانا الله تعالى من ذلك، وله حِكَم في ذلك تُنبئ عن تركنا الدنيا غالبًا. ثم بعد ذلك بَلَغَنا وفاةُ خُشقدم أيضًا، وما جرى بعده من الهَرَج والمَرَج بالقاهرة، وتغيّر خمسة من السلاطين بالديار المصرية في مدّة قليلة وكان في غيابنا خيرة عظيمة ولُطف خفي (٢)، كنت أتوسّمه أنا مع ما حصل لنا من العناية من الله تعالى بالحج وتمريغ اللمّة والوجه على الحجر الأسود والأعتاب (٣) النبوية المشرّفة. انتهى. نقلت هذه الجملة من تعليق بخط الوالد، رحمه الله تعالى، وفيه من الغرائب ما قد وقفتَ عليه يا مخاطَب، بل وفيه ما يغنينا عن إعادة ذِكره مع سياق الكلام منتظمًا (٤). [وظيفة الاستادارية] وفيه، في يوم الإثنين، سابعه، استقر في وظيفة الأستادّارية الشرف موسى بن كاتب غريب، عِوضًا عن زين الدين (٥). [خروج الحاج] وفيه، في يوم السبت، تاسع عشره، خرج الحاج، وأميرهم على المحمل نانق، وعلى الأول سيباي على ما تقدّم ذلك (٦). [سفر والد المؤلّف مع ركب الحاج] وفيه، في يوم الأحد، عشرينه، خرج الوالد من القاهرة مسافرًا مع الحج، وكان له ما تقدّم ذِكره، وكنت أنا قد تعوّقت بالإسكندرية، ولا عِلم لي بما كان للوالد، ولا له بما كان من قدومي. وكان قد حصل عندي بعض وعك أعاقني عن الحضور صحبة الركب إلى القاهرة.

стр. 957

[طلوع ابن قرمان إلى القلعة] وفيه -أعني هذا الشهر- وصل قاصد أحمد بن قَرَمان الذي وُلّي عِوضًا عن أخيه إسحاق، وطلع إلى القلعة (١). [مولود السلطان] (وفيه، في شوال هذا، وُلد للسلطان ولد من سرِيّة له، وسُمّي بمنصور، وهو موجود الآن. شابّ حَسَن، نشأ في كنف الأشرف قايتباي. وكان قد أُزوج ابنة لبَرْسْباي العلائي القاهري (٢) فأدّبه وهذّبه، وأقرأه شيئًا من الرسائل الفقهية بعد قراءة القرآن، والخط، ثم تعليمه شيئًا من الأنداب والتعاليم، وأنشيء (٣) نشأة حسنة، وهو من الأعيان الآن، وللسلطان به الاعتناء (٤)) (٥). [شهر ذي القعدة] وفيها استهلّ ذو (٦) القعدة بالأربعاء بالرؤية، وهُنّيء به السلطان. (نزول السلطان لقصر ابن (٧) العَيني) (٨) ففيه، في يوم الأحد خامسه، نزل السلطان من القلعة بغير قماش الموكب ومعه الأمراء، وسار إلى القرافة، ثم توجّه منها إلى مصر العتيق (٩)، ثم إلى الآثار النبوي (١٠) فزاره وعاد إلى تجاه المقياس وقد هُيّئ له الحرّاقة، فركبها ومعه الأمراء، وانحدر إلى جهة القصر الذي أنشأه أحمد بن العيني بساحل المنشأة المهرانية، عند قبّة جانِبَك الدوادار نائب جُدّة، تجاه خرطوم الروضة، فنزل ودخل إلى القبّة فرآها، ثم طلع إلى القصر، ومُدّت له الأسمطة والفواكه والحلوى، ونثر من ذلك الشيء الكثير على الناس تحت القصر، وتخاطف الناس ذلك. وكان يومًا مشهودًا. وأعجب السلطان هذا القصر غاية العجب، ثم ركب وصعِد إلى القلعة قبل العصر (١١).

стр. 958

ولقد كان هذا القصر من أنزه المباني وأبدعها وأحسنها، غرم عليه مُنشئه مالًا طائلأ، ولقد أُخرب بعده وأُخذت الكثير من الآنية، وزالت محاسنه بعد أن كان قد شُهر في الآفاق. [تقدمة ابن العيني] ولما كان من غد نزول السلطان هيّأ الشهابي أحمد بن العَيني للسلطان تقدمة هائلة ما بين خيول ومماليك، وبعث بها إلى السلطان، فقبِل منها شيئًا يسيرًا جبرًا لخاطر أحمد المذكور، وردّ الباقي بعد أن شكره (١). [وصول المؤلّف إلى القاهرة] وفيه، في يوم الثلاثاء، سابعه، قدِمتُ إلى القاهرة فوجدت الوالد قد سافر كما ذكرت، فتأسفتُ على عدم رؤياي إيّاه واجتماعي به، وكان جلّ عزمي أن أتوجّه للحج في هذه السنة فما أراد الله تعالى، وبيده الأمور. [إعادة ابن الشِحنة للقضاء] وفيه، في يوم الخميس، تاسعه، أعيد ابن (٢) الشِحنة إلى قضاء الشافعية بحلب عِوضًا عن ابن (٣) المَعَرّي الذي كان قد استقر فيها عوضًا عنه، وقدّمنا ذكر ولايته، وبقي مع ابن (٤) المَعَرّي وظيفتا كتابة السر ونظر الجيش (٥). [تفقّد مقياس النيل] وفيه، في يوم السبت، ثامن عشره، ووافق سادس عشرين بؤونة (٦)، تفقّد المقياس، فكانت القاعدة ستة أذرع وعشرين إصبعًا، فبُشّر به، ثم نودي عليه من الغد بزيادة ثلاثة أصابع. ثم في يوم الإثنين بإصبعين، ثم توقف ثمانية أيام بغير زيادة، فقلق الناس لذلك، وزاد ارتفاع الأسعار في الغلال، وقلّت الأخباز بالأسواق، وتكالب الكثير من الناس على القمح على عوائدهم في مثل ذلك، وصاروا في أمر مريج لعدم الزيادة، وتوجّه القضاة وبعض الأعيان للمقياس في هذه الأَيام للابتهال إلى الله تعالى به والاستسقاء، وقُرئ القرآن بالمقياس.

стр. 959

وفيه، في يوم الأربعاء تاسع عشرينه زاد النيل إصبعين وتتابع ذلك، ولله الحمد (١). [شهر ذي الحجة] [التهنئة بالشهر] وفيها، استهلّ ذو (٢) الحجة بالجمعة، ورجع فيه القضاة من المقياس وطلعوا القلعة، فهنّأوا (٣) السلطان بالشهر، وكانوا قد أقاموا بالمقياس ثمانية أيام في قراءة قرآن وابتهال إلى الله تعالى (٤). [نزول السلطان إلى مصر العتيقة] وفيه، نزل السلطان إلى جهة مصر العتيق (٥) فسيّر بالساحل ثم عاد (٦). [الكتابة بحضور الخيضري] وفيه -أعني هذا اليوم- أيضًا، كُتب إلى دمشق بحضور القُطب الخيضري (٧). [توقّف زيادة النيل] وفيه، في يوم عيد النحر عاشره، توقفت الزيادة أيضًا، فعاد قلق الناس والتشويش والتكالب، وكان عيدًا مشؤومًا (٨) بكدرة ونكد واشتغال بال (٩). [زيادة بحر النيل] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثاني عشره، نودي على البحر بزيادة إصبعين، فحصل عند الناس بعض السرور بذلك (١٠).

стр. 960

(إعادة شاه بُضاغ لنيابة الأبُلُستَين) (١) وفيه، في أواخره، خرج وردَبَش الظاهري (٢) الخاصكي، أحد الدوادارية الصغار إذ ذاك، إلى جهة البلاد الحلبية، وعلى يده تقليد شاه بُضاغ بن دُلغادر، وتشريفه بنيابة الأبُلُسْتَين، بعد أن قرّره السلطان فيها على إعادته، وصرْف رستم. ثم ترادفت الأخبار بعد خروج وردَبَش المذكور بأن نائب حلب ونائب طرابلس ونائب حماة خرجوا بعساكرهم لقتال شاه سوار (٣). ووردَبَش المذكور سنترجمه في سنة تسع وثمانين إن شاء الله تعالى. (قتل ابن (٤) أوزار أمير الجون) (٥) وفيه، في هذه الأيام أيضًا، وردت الأخبار بأن سيدي بك بن أوزار (٦) التركماني الأوزاري، أمير الجون (٧)، قُتل. وكان من خبر ذلك أن السلطان استقر به في إمرة الجون، وصُرف قريبه أُزْكَب بن أوزار (٨) أيضًا، فأمره المتولّي بأن يخرج من بلاده، فقصد شاه سوار واستنجد به على سيدي بك المذكور، وقدم إليه بجمع وافر، والتقيا، ووقع بينهما حرب قُتل فيها سيدي بك المذكور وولده، وملك أزكب البلاد على ما كان عليه، فتأثّر السلطان لذلك غاية التأثر (٩). [عودة تمرباي المهمندار من دمشق] وفيه، في هذه الأيام، أيضًا، وصل تمُرباي المِهْمندار (١٠) من دمشق، وكان

стр. 961

قد توجّه إليها بخلعة لنائبها بُردُبك، باستمراره على نيابته على عادته، وأحضر معه محضرًا على يده مكتتبًا بدمشق بأن بُردُبك المذكور مستمر على طاعة السلطان، وأنه من جملة خدمه ومماليكه، ونشوء إحسانه وإنعامه، وأن الذي يشاع عنه بأنه من العُصاة الخارجين عن طاعة السلطان كذب وافتراء وبُهتان عليه من وضع أعدائه، وأنه لا حدّ له لذلك، إلى غير ذلك، من نحو هذه الكلمات. فأظهر السلطان قبول ذلك وفي نفسه منه ما فيها (١). (ولاية علي الأزبكي حجوبية طرابلس وما معها) (٢) وفيه، في يوم الخميس، ثامن عشرينه، استقر في حجوبية الحجّاب بطرابلس علي بن الأزبَكي الطرابلسي عدّاد الغنم بالبلاد الشامية، وكانت الحجوبية شاغرة من منذ مات الشهاب أحمد بن القُلَيب (٣)، كما سيأتي في الوفيات، وأضيفت إليه الأستادّارية أيضًا عِوضًا عن ابن أرج، وأضيفت إليه كتابة السر أيضًا، كل ذلك بمالٍ بذله في هذه الوظائف، ونفد الأمر (٤). [إعادة ابن مبارك إلى وظيفته] وفيه، أعيد الناصر بن محمد بن مبارك إلى وظيفة عدّاد الغنم على عادته (٥). (أخْذ صاحب تونس تلمسان صلحًا) (٦) وفيها -أعني هذه السنة- نازل السلطان المتوكل على الله عثمان الحفصي صاحب تونس تِلِمْسان، فحصرها وبها صاحبها السلطان المتوكل على الله أيضًا محمد بن أبي ثابت العبد الوادي، وكان قد حصن تِلِمْسان على ما قدّمنا ذِكر ذلك، ببناء برجٍ هائلٍ على أحد أبوابها المسلّط عليها، وتحصين أصوارها (٧)، وأخرج محمد بن أبي ثابت المذكور جميع ما يعزّ عليه إلى حصن جبل سعَل،

стр. 962

ولما نازلها صاحب تونس دام بها مدّة أيام يحاصرها من تحت أسوارها، إلى أن آل الأمر في ذلك إلى الصُلْح. وكان من خبر ذلك أنه مات في أيام الحصار عدّة من أهل تِلِمْسان، وكذا من عسكر عثمان فاجتمع علماء تِلِمْسان وتوجّهوا إلى سيدنا القطب، الغوث، الوليّ الصالح، سيدي أحمد بن الحسن، متّع الله تعالى به، فأخذوه ومضوا به إلى صاحب تِلِمْسان وهو في الحصار، ومعهم جماعة من أعيان تِطِمْدان، وأشاروا عليه بأن يصالح ويجيب صاحب تونس لمقصده، وهو القيام بدعوته وضرب الدرهم والدينار باسمه، فأجابهم إلى ذلك بعد تمنّع، وأظهر بعضهم له الخشونة في القول، حتى قالوا له: إنك إذا هجم علينا فررت إلى جبل بني سعل من جهة أخرى، وتركتنا للسيف والنهب وسفك الدماء من المسلمين لأجلك، فإمّا أن تجيب إلى الصلحٍ، أو فنحن نجِبْ دعوةَ صاحب تونس ونسلّم إليه البلد، وإن في المصالحة صَوْنًا لك ولدماء المسلمين. ولما اجتمعوا على ذلك خرج سيدي أحمد بن حسن بنفسه إلى صاحب تونس، ولما أخبر به قام فمشى إلى لقائه، وسعى إليه وتلقّاه بالرحب والإجلال والتعظيم، وقبّل يده بعد أن أنزله من على البغلة التي خرج عليها بيده، عاضده من تحت إبطه، وأجابه إلى كل ما سأله بعد أن قال له: إن صاحبك ناقفق للعهد، فقد نقض كما فعل أولًا، فالتزم له عدم ذلك، وقرّروا الصلح بينهما أن يدخل جماعة من عسكر صاحب تونس إلى تِلِمْسان، وأن يخطب له على منابره بحضورهم في يوم الجمعة، وأن يخرج إليه الدراهم والدنانير منقوشًا (١) عليها اسمه، وأن يعمل داره بتِلِمْسان لعَوده، ولما تم ذلك رحل عنها بعد تقرير الصلح على ذلك. وبَلَغَني أنه صاهره على ابنته أو غيرها من أقاربه لأحد بنى أولاد عثمان، ثم بَلَغَنا أيضًا بعد مدّة أنه نقض ذلك الصلح أيضًا، أعني محمد بن (٢) أبي ثابت (٣). [بداية الوحشة بين جهان شاه وحسن بك الطويل] وفيها أيضًا في أواخرها، كانت بداية الوحشة الكبرى بين جهان شاه بن قرا يوسف صاحب تبريز وما والاها من العراقين وغيرهما، وبين حسن بك الطويل بن قرايُلك صاحب آمِد وما والاها من ديار بكر، إلى أن كان من أمرهما ما كان من قتْل حسن لجهان شاه على ما سيأتي (٤).

стр. 963

[حروب طوائف التركمان] وفيها أيضًا كانت الحروب بين طوائف التركمان ببلاد حلب من سوار وغيره، على ما عرفت ذلك (١). [الحروب بين طوائف الفرنج] وفيها أيضًا كانت الفِتَن والحروب بين طوائف الفرنج، لا سيما ببلاد ألْفُنْش بقَشْتالة وتلك الأعمال (٢). [الفِتَن بفاس] وفيها أيضًا كانت الفِتَن والشرور بفاس بين صاحبها محمد بن عمران السيد الشريف وبين بني وَطّاس، ودامت مشتعلة عدّة سنين، حتى آل الأمر إلى إخراج محمد الشريف المذكور وتملّك فاس منه (٣). [الفِتَن ببلاد الروم] وفيها أيضًا كانت الفِتَن بين بني قَرَمان ببلاد الروم وبين بني عثمان أيضًا، حتى آل الأمر إلى أخْذ ابن (٤) عثمان مملكة ابن (٥) قَرَمان وإضافتها إلى ممالكه (٦). [الوباء بالأندلس] وفيها كان ابتداء الوباء ببرّ الأندلس وبلاد الفرنج من تلك النواحي، ودامت الأوبئة مسلسلة حتى اتصلت ببلادنا هذه في سنة ثلاث وسبعين على ما سيأتي في ذِكرنا سنة ثلاث وسبعين إن شاء الله تعالى، وفني بهذا الوباء جماعة كبيرة من أهل المغرب، وخلت الكثير من الديار ونُجوع العرب (٧). وخرجت هذه السنة على ما قد ذكرناه من الفتن والشرور والأوبئة، هذا فيما بلغنا من البلاد، وما لم يصل إلينا خبره فالله أعلم بحقيقة أحواله.

стр. 964

ذِكر نُبَذٍ (١) من تراجم الأعيان ووفياتهم في هذا الزمان سنة ٨٧١ (ترجمة ابن (٢) القُلَيب) (٣) ٣٢٨ - أحمد بن محمد بن () (٤) بن القُليب (٥) الطرابلسي، الحنفي. شهاب الدين حاجب الحُجّاب بطرابلس، واستادّار السلطان بها وما مع ذلك. كان من أتباع موسى بن الصفيّ (٦) ناظر الجيش بطرابلس، وهو الذي كان السبب في التنويه به واشتهاره، وكان من أجناد الحلقة ببلده فيما أظنّ، ثم تكلّم فيها في الاستادّارية في أيام نظارة جيش موسى. ثم آل أمره أن وُلّي الحجوبية الكبرى بها في دولة الظاهر خُشقدم بمالٍ بذله في ذلك. وكان إنسانًا ذا ثروة ومالٍ طائل. ودام على الحجوبية بطرابلس حتى بغته الأجل بها. وكان قد تردّد إلى القاهرة غير ما مرة. وكان محبًّا في أهل العلم والفضائل،

стр. 965

وليس بخالٍ من طلب وحذْق وذكاء، ونقْد للشِعر ومعرفة به، وقُصِد من عدّة من الشعراء ومُدح، وكان كريمًا، سخيّ النفس، له رياسة وكياسة. وكان يحبّ شيخنا الشيخ شمس الدين المعبّر البابا (١) الماضية ترجمته، ويتردّد إلى منزله للسلام عليه، وهو الذي كان السبب في مرتّب له على الجوالي، ونفع به الشيخ شمس الدين المذكور، فإنه عجز في أواخره، وكان لا شيء له يقتات منه غير صناعته، وتعطّل عنها، فحصل له الرفق بهذا المرتب، جزاه الله تعالى خيرًا عن مروءته. وكان به حَوَل بعينه مع خيرٍ وديانة وعفّة. رأيته بطرابلس ونحن بها، وكان محمودًا في سيرته، مشكورًا في أحواله، محسنًا. توفي يوم الخميس خامس شهر رمضان. وقد بَلغ الستين فيما أظنّ أو جاوزها. ٣٢٩ - إسماعيل بن عبد الرحمن بن التاجر شيخ سَفْط أبي تراب. تقدّم في المتجدّدات كيف قُتل وسُلخ في يوم الخميس تاسع عشر شعبان، فلا نعيد ذلك (٢). ٣٣٠ - أمّ هاني (٣) بنت علي بن (عبد الرحمن بن عبد المؤمن الهوريني. الشيخة المسنِدة، الصالحة، المصونة، الجليلة، سبطة التقيّ القاياتي المشهور، وزوجة البدر بن مؤيّد. وولدها شيخنا العلامة المحقّق، سيف الدين الحنفي. وربّما سُمّيت "مريم"، وعرفت بأم الشيخ سيف الدين. ولدت في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة. ونشأت على خير ودين من يومها، وسمعت الحديث قراءة، ولها السند العالي وتزوّجت بوالد شيخنا واستولدها عدّة أولاد، وأقرأت منهم أربعة في المذاهب الأربعة، منهم شيخنا سيف الدين الحنفي، وشجاع الدين محمد الشافعي، وشرف الدين يونس المالكي، ومنصور الحنبلي، ثم تزوجت بعد والد

стр. 966

الشيخ بالبدر بن سويد. وكانت مساوية للحافظ ابن (١) حجر في الصحيح، وتعلو عليه في غريبها. وأسمعتْ بمنزلها كثيرًا، وسمع منها الفضلاء. وتوفيت في أوائل هذه السنة. وناهيك بدينها وخيرها، رحمها الله تعالى) (٢). ٣٣١ - أميرزاه بن شاه أحمد بن قرا يوسف التركماني. وبقيّة نسبه قد تقدّم في بير بُضاغ (٣)، ويقال له: ميرزاه أيضًا. ويقال: إنه حفيد شاه أحمد، لا ولده. ولد سنة سبع وثلاثين وثمانمائة. وقدم القاهرة فارًّا من أقاربه جهان شاه وغيره خائفًا منهم، فأُكرم بالقاهرة ورُتّب له ما أُجري عليه. وكانت أمّه أيضًا قدمت معه، وسكن بباب الوزير، ودام بالقاهرة. إلى أن توفي في عنفوان شبابه في يوم السبت رابع ذي القعدة. ونزل السلطان للصلاة عليه. ٣٣٢ - بُردُبك النوروزي (٤) () (٥). ٣٣٣ - بَرْسْباي البُجَاسي (٦)، نائب الشام. كان من مماليك تِنِبك البجاسي (٧) نائب الشام المشهور المعروف الترجمة،

стр. 967

وهو الذي خرج على الأشرف بَرسْباي وقتل في سنة سبع وعشرين، وتنقّلت الأحوال بعد قتله مملوكه بَرسْباي هذا حتى تنزّل في ديوان الجند السلطاني، ثم صُيّر في دولة الظاهر جقمق من العشرات، ثم ولّاه بأخرة نيابة الإسكندرية، ودام بها إلى سلطنة الأشرف إينال، فاستقدمه منها وصيّره من مقدّمين (١) الألوف بمصر، ثم ولّاه حجوبية الحجّاب بعد موت جانِبَك القَرَماني (٢) في سنة إحدى وستين على ما تقدّم ذلك، وتزوّج بابنة ابنة السلطان الأشرف المذكور من بُرْدُبَك الدوادار. ولما توفي يُونس العلائي (٣) الأميراخور الكبير، نقله الأشرف من الحجوبية إلى الأميراخورية، فعظُم وضخُم وزادت وجاهته، ولم يزل على الأميراخورية الكبرى، حتى مات الأشرف إينال، وتسلطن ولده المؤيَّد أحمد، وجرت الكائنة التي خلع فيها. وكان بَرْسْباي هذا بباب السلسلة من القلعة، والسلطان مطمئنَّ (٤) به، كونه صهره زوج ابنة أخته الخَوَنْد بدرية، فكافأه بأن عَذَره، وتحيّل في نزوله إلى خُشقدم وانضمامه إلى التحاتي، وأعاب ذلك عليه كل أحد، وعرف خُشقدم له ذلك، فلم يصرفه عن الأميراخورية، فضلًا عن أن يؤذيه، بل وثق به بعد ذلك، بأن بعثه على نيابة طرابلس لما قبض على أياس الطويل (٥).

стр. 968

وما ذكره الجمال يوسف بن تغري بردي (١) عند ذكره هذا المحل في ترجمة بَرْسْباي هذا من قوله، وليت الظاهر خُشقدم عرف له ذلك، بل أخرجه بعد قليل إلى نيابة طرابلس، ثم إلى نيابة الشام كلام فيه من عدم المعرفة ما لا يخفى، كيف ما عرف له ذلك، ولم يعترف بسوء، وبقاه على الأميراخورية. من ثم نقله إلى أعلى منها وهي نيابة طرابلس، على ما اعترف به القائل بأنه ما عرف له ذلك. ثم نقله إلى نيابة الشام، وأيّ تقدمة أعظم من هذا؟ ولم يؤذه ولا سجنه ولا أخرج عنه شيئًا. ثم لما مات تنَم نائب الشام نقله من طرابلس إلى نيابة دمشق، وهي من غرائبه ونوادره. ويقال: إنه بذل مالًا في ذلك، ولم تطُل مدّته بدمشق بعد دخوله إليها بل مرض بها، وطال من فيه، حتى بغته الأجل. وكان رجلًا شهمًا، سيوسًا، عاقلًا، عارفًا عنده مكر وخداع وحِيَل، وله تديّن، وكان عفيفًا عن المنكرات والفروج، لكنه لم يكن بالعفيف عن الأموال، وكان لا يبالي من أين يجمعها، مع بُخل وشُحّ زائد عنده. وكان من أصحاب الوالد وأحبابه. توفي في يوم الإثنين ثامن عشر شهر صفر، (وذكر بعضهم وفاته ليلة الأربعاء أحد عشرينه) (٢). وقد جاوز السبعين سنة. وله تربة أنشأها بالصحراء، ودُفن ( … ... ) (٣) بتربة المُنَجّا بمقبرة باب الصغير (٤). ٣٣٤ - تمراز الإينالي (٥)، الأشرفي. نائب صفد، والدوادار الثاني من قبل ذلك. كان من مماليك الأشرف بَرْسْباي وخاصكيّته، وصُيّر من الزَرَدكاشية في دولة

стр. 969

ولده العزيز يوسف فتركه، وهو ولد أستاذه، وانتمى للظاهر جقمق فقرّبه وأدناه واختصّ به، ثم أبعده عنه وجعله أتابك غزّة، ثم صرفه عنها، ثم استقرّ به وأمّره عشرة في سنة أربع وخمسين، ودام على ذلك مدّة إلى سلطنة الأشرف إينال، فأظهر التبروء (١) إليه من جقمق وجماعته، وأنه إنما خدمه رياء وسمعة وحيلة عليه، مع بغضه فيه، وداخل الأشرف إينال وتحشّر فيه حتى صيّره دوادارًا ثانيًا بعد أسنباي الجمالي (٢)، حين القبض عليه، وزاده إمرة عشرة أيضًا على ما بيده من الإمرة، حتى صار من الطبلخاناة، فأخذ في زيادة مداخلة السلطان وتحشّر به، وطاش، وبقي يدخل بنفسه فيما لا يعنيه، وأظهر الحماقة على السلطان، وفي كل قليل يرتقي الدوادارية حتى أمعن في ذلك، فحمق منه السلطان وحنق، لا سيما وقد ثقل عليه جدًّا، ونفاه مُظهرًا أنه نفاه إلى القدس، وكان الأمر بخلافه، ثم ظهر أنه إنما نُفي إلى طرابلس، وسُرّ الكثير من الناس منه وزواله، وكان قد أظهر من الخفّة والطيش والتجاوز في الحدّ ما لا يُعبّر عنه، فلم يحتمل الأشرف إينال، مع ما كان مُنْطوٍ عليه من الحِلم المتّسع جدًا، وبذلك يعلم ما خرج به تمراز هذا من الحدّ، وما أفرط فيه من قلّة ذوقه. ثم آل به الأمر أن جُعل من مقدَّمين (٣) الألوف بدمشق، ودام بها إلى ما بعد موت الأشرف إينال. ولما تسلطن ولده المؤيَّد أحمد حضر تمراز هذا إلى القاهرة خفيةً من غير إذن، ونزل عند الأتابك خُشقَدَم، وترامى عليه في أن يشفع له، فبعث دواداره إلى المؤيّد يخبره بقدومه، فاستشاط المؤيَّد من ذلك وأمر بإخراجه من حيث جاء، فعاد إلى دمشق ودام بها وهو يحرّك جانَم على القيام. ولم يزل به حتى كان منه ما كان من حضوره إلى القاهرة، وحضر هو أيضًا معه، فاتفق أنْ وصلا في سلطنة خُشقَدم على ما تقدّم بيان ذلك في محلّه. ولما أعيد جانَم إلى دمشق ولي تمراز هذا نيابة صفد، عوضًا عن خير بك القصروي بعد صرفه عنها وأراد الظاهر خُشقَدم بولايته لصفد تفرقته بينه وبين جانَم وإبعاده عنه. ولما توجّه إلى صفد لم ينتج له أمر ولا حال، ووقع له أشياء يطول الشرح في ذِكرها، وآل أمره إلى الهرب والفرار، ثم لما هرب جانَم أيضًا اجتمع به وأنعم

стр. 970

عليه، وبقيا معًا إلى أن قُتل جانَم، فعاد إلى البلاد الشامية، وتلطّف به عند الظاهر خُشقدم حتى قرّره في إمرة طبلخاناة بطرابلس، فتوجّه إليها وأقام بها مدّة، ووقع له بها أشياء منها أنه كان له جارٌ (١) فأفسد سريّة له وأخفاها عنده، ثم ظفر تمراز بها، فأحضره وضربه ضربًا مُبرحًا أشفى منه على الهلاك، فحُمل هذا المضروب في تلك الحالة على تلك الهيئة إلى القاهرة ( … ... ) (٢) السلطان فشكا (٣) على تمراز، فبعث بسجنه بقلعة المرقب (٤)، ولا سيما وهو في خاطره ( … ... ) (٥) يلوح له عليه مضربًا (؟) يكون مندوحة في وصوله إلى غرضه من إتلافه وإهلاكه. وأمّا ( … ) (٦) إن مات المضروب في غضون ذلك، فأثبت الشهاب أحمد بن الشارعي، أحد [رجال] الحكم المالكي بالقاهرة، بأنه مات من ضرب تمراز. ووقع له أشياء يطول الشرح في ذكرها، آل الأمر إلى أن حكم ابن (٧) الشارعي بقتله، فضربت عنقه قصاصًا على ما زعموا بقلعة المرقب. وذلك في يوم السبت تاسع عشر جمادى الأولى. وسِنّه زيادة على الستين سنة. وحُمل إلى طرابلس وهو ميت فدُفن بها بمكان (كا) [ن] (٨) قد أعمره له قبل ذلك تربة بها. وكان تمراز هذا إنساناً خيّرًا، ديّنًا، صادق اللهجة، شجاعًا، مقدامًا، عارفًا بفنون الفروسية بسائر أنواعها، مع طيش عظيم وجُرأة زائدة وإقدام، وحدّة مزاج مفرطة، وحركة زائدة، وتهوّر عظيم. وكان بينه وبين الوالد محبّة وصحبة أكيدة. ٣٣٥ - • وترك ولده الشاب الذكيّ، الفاضل، ناصر الدين محمد. إنسان حسن، يحب الفضل والفضيلة. قرأ (٩) القرآن العظيم، وحفظ "الكنز"، واشتغل شيئًا، وتعلّم الاداب والأنداب، وتنقّل مع والده في كثير من البلاد، وجال وحجّ غير ما مرة، وله سمت حسن، وعنده تؤدة وسكون، وأدب وحشمة.

стр. 971

ولد بعد الأربعين وثمانمائة. وهو مقيم الآن بالقاهرة، بيده من الرزق فوق ما يكفيه، وهو من أعيان أولاد الناس، وله وجاهة. ٣٣٦ - تنِبَك الحمزاوي (١). أحد مقدَّمي (الألوف بدمشق، ودوادار السلطان بها. كان من مماليك قانِباي الحمزاوي نائب الشام الماضي في محلّه، وتنقّل بعده حتى صُير من مقدَّمين (٢) الألوف بدمشق ودوادار السلطان بمالٍ بذله في ذلك، ثم صُرف بعد مدّة بيشبُك الأشرفي أتابك حلب في شهر رمضان. وتوفي بعد ذلك في سابع ذي حجة) (٣). ٣٣٧ - جانِبَك الناصري (٤). أحد مقدَّمين (٥) الألوف بمصر، المعروف بالمرتدّ. وقيل: إنها غلط عن المرتاض، من الرياضة، لا من الارتداد. وقيل: إنه يقال له المرتدّ، لكونه ذهب بعد قتل أستاذه الناصر فرج إلى بلاد الجركس، فكذا يقال له المرتاض أيضًا، لكونه كان يشتغل ببعض الأسماء ويرتاض لها. ولعلّ كلاهما يقال له. كان جانِبَك من مماليك الناصر فرج، وجرت عليه بعد قتله أمور، وتنقّلت به الأحوال، وعاد لبلاد الجركس، ثم قدم منها بعد ذلك، ولكنه لم يرتدّ عن الإسلام فيما هو المشهور، بل نكّت عليه أبناء طائفته بتلقيبه بالمرتدّ، لكونه عاد إلى تلك البلاد. ويقال: بل ارتدّ. ثم لما عاد عاد إلى الإسلام، وأظنّ عدم صحة ذلك. ولا زال في تنقّل حالات أيضًا بعد عوده في الجندية، ثم الخاصكيّة، حتى صيّره الظاهر جقمق في

стр. 972

سلطنته من العشرات، ثم من رؤوس (١) النُوَب، وبعثه مرة إلى منفلوط كاشف القبض بها والمساحة، وبقي بها مدّة، ثم صيّره الظاهر من الطبْلَخاناه، واستمر على ذلك إلى سلطنة خُشداشه الأشرف إينال، فصيّره من مقدَّمين (٢) الألوف كما تقدّم ذلك في محلّه، ودام على ذلك إلى صدرٍ من سلطنة الظاهر خُشقدم، فأخرج عنه التقدمة بحكم عجزه عن الخِدَم لشيخوخته، ودام على بطالته بداره. إلى أن توفي في () (٣) بعدما شاخ جدًّا. فلعلّه جاوز التسعين. وكان إنسانًا حسنًا، خيّرًا، ديِّنًا، ساكنًا، وعنده ورع بالنسبة إلى بني جنسه. (ترجمة الخواجا الطاهر) (٤) ٣٣٨ - حسن بن (محمد بن قاسم الصَّعدي) (٥) اليمني، المكي. الخواجا بدر الدين، المعروف بالطاهر شاه (٦) بندر جُدّة وكبير التجار بها، بل وبمكة المشرّفة وتلك البلاد. ولد في سنة () (٧). وتعانى الاتجار، وأثرى من ذلك غاية الإثراء، وحصّل الأموال الطائلة، وقدم من بلاده إلى هذه البلاد للاتجار، وتردّد إليها حتى قطن مكة، ودام بها متردّدًا بينها وبين جُدّة للاتجار، وصار مشهورًا مذكورًا، كثير الوكلاء، والعبيد والأتباع. ومشت متاجره إلى كثير من البلدان، وشُهر بكثرة المال، وصار كبير تجار البندر، بل والحجاز جميعه، مع بُخل مفرط وجهل قاس (؟)، وبُعد عن كل علم وفضيلة. وكان يُلمَز بأنه زيديّ المذهب، كذا نقله عنه بعض المؤرّخين. ولم يزل بمكة حتى بَغَتَه أجلُه بها، بعد أن انتهت إليه رياسة التجار بها وعظُم جدًّا. توفي في جماد الأول وقد شاخ.

стр. 973

وترك من الأولاد () (١). ٣٣٩ - دَمِرداش الناصري (٢)، الظاهري. أحد العشرات ورؤوس (٣) النُوَب، المعروف بالطويل. كان من مماليك المقام الناصري، الأمير ناصر الدين محمد بن الظاهر جقمق (٤)، ونزل في ديوان الجُند السلطاني، ثم صيّره الظاهر بعد موت أستاذه خاصكيًّا وبّوابًا، ودام على ذلك إلى سلطنة الأشرف إينال، فتقرّب من ولده الشهاب أحمد لمكان تزوّجه بالخَوَند () (٥) بنت ابن (٦) دُلغادر التي كانت زوجة الظاهر جقمق، فإنه كان لما حضرت في خدمتها مع الطواشية والخدّام في أيام أبيها. ثم لما خرج الشهابي أحمد بن إينال أميرًا على الحاج بالمحمل، كان دِمرداش هذا في صحبته، وعيّنه مبشّراً في تلك السنة، وحصل له من ذلك حين قدومه للقاهرة المال الطائل. ولم يزل على ما هو عليه من اختصاصه بالمقام الشهابي، وله وجاهة وذِكر إلى أن تسلطن الظاهر خُشقدم فصيّره من العشرات ورؤوس (٧) النُوَب. ثم لما قتل ملك أصلان عيّنه الظاهر ( … ... ) (٨) شاه بُضاغ وتشريفه إليه بنيابة الأبُلُستَين، فخرج إلى ذلك. واتفق أن تمرّض بحلب حين أن وصل إليها، ولم يزل متمرضًا بها حتى بَغَتَه الأجل قبل أن يبلغ الأبُلُستَين. وكان شابًا حسنًا، جميل الصورة، بهيّ الهيئة، مرتفع القامة، ذا أدب وحشمة، وحسن سصت وتؤدة، ومعرفة وسياسة، وبشْر وبشاشة، يقظًا، فهْمًا، عاقلًا، طلْق المُحيّا، محبَّبًا إلى الناس، روميّ الجنسَ، وعنده معرفة بأنواع من الأنداب.

стр. 974

توفي بحلب في هذه السنة، ولم أحرّر شهر وفاته. واسمه غلط عن تمرطاش (١)، ومعناه: الحجر الحديد، ثم استُعمل عَلَمًا على الشخص. ٣٤٠ - رُزْمك الدشتكي (٢). أحد العشرات ورؤوس (٣) النُوَب، كان مماليك الأتابك يشبُك الشَعباني (٤)، المشهور، وتنقّلت به الأحوال بعده في خدم عدّة من الأمراء، وقاسى الفقر والفاقة، وغير ذلك، إلى أن تنزّل في ديوان الجُند السلطاني، ودام على ذلك إلى سلطنة الظاهر جقمق، فصيّره خاصكيًّا على إقطاع جيّد، ثم جعله بوّابًا، وأخذ هو في جمع المال وتحصيله من إقطاعه وغيره، وحُبّب إليه ذلك حتى حُكي عنه فيه العجب من كثرة شرهه في ذلك. ولما تسلطن الأشرف إينال تحشّر فيه جدًّا، وصار يتمسخر له ويُضحكه، ماشيًا على طريقة البجاحة، فأثرى من ذلك جدًّا لكونه مضحكة السلطان، وحصّل المال الطائل، لا سيما وقد أمّره الأشرف المذكور عشرة، وصيّره من رؤوس (٥) النُوَب، ودام على ذلك إلى أن تسلطن الظاهر خشقدم، فاتفق أن عيّنه في سلطنته للجون لإحضار الخشب، فخرج هو وآخرون (٦)، ولما وصل إلى طرابلس في البحر بَغَتَه أجلُه بها، وذهبت تلك الأموال الطائلة، ولم يوقف لها على خبر، وبقي منهم بها جماعة ممن كان في خدمته ونحوهم، والظاهر براءة من اتّهم بذلك لمكان محلّ رُزْمك هذا، فإنه لا يظنّ به أن يعلم بمكان ماله لأحد ويسافر، فلعلّها ذهبت تحت الأرض أو نحو ذلك، وعليه حسابها. توفي في ربيع الأول أو الثاني.

стр. 975

واسمه قد غلط فيه بغَلَط فاحش، لأن أصله "أرَوُسْ بك"، وأروس: اسم لجيل من الناس معروفون و"بك" قدّمت معناها غير ما مرة، فتُلُوعِب بهذا الاسم إلى ما كتبنا على ما رأيته. ٣٤١ - سيدي باك بن أوزار (١) التركماني، الأوزاري. زين الدين، أمير بلاد الجون. تقدّم في المتجدّدات ما وقع له مع أزكب بن أوزار قريبه، وكيفية قتْله هو وابنه على يد أزكب المذكور، بنجدة شاه سوار له عليه، بعد أن ولي عن أزكب ثغرة الجون، وصرّح بالخروج من بلاده، فلا نعيد ذلك ثانيًا. ٣٤٢ - (شيخ البخاري (٢). هو العلّامة محمد بن محمد بن محمود، وكان يُعرف (بمحمد بن) (٣) شيخ أيضًا. وسيأتي في رتبة الميم إن شاء الله تعالى) (٤). ٣٤٣ - طومان الجَكَمي (٥)، الخاصكي. كان من مماليك الأمير جَكَم من عوَض المتسلطن بحلب، وتنقلّت به الأحوال بعده حتى صُيّر خاصكيًّا على إقطاع جيّد، ثم رُشح للإمرة غير ما مرة وهو ممتنع من قبولها طلبًا للراحة، وكان له ما يكفيه ويزيد عليه. ولم يزل على ذلك حتى بَغَتَه الأجل. وكان من الأعيان القرانصة الأغوات، خيّرًا، ديّنًا، حشمًا، أدوبًا، متواضعًا. توفي في حدود هذه السنة. ٣٤٤ - • وترك ولده أحمد. شابّ حسن، من أجناد الحلقة، لا بأس به. ٣٤٥ - عبد الله بن عثمان السُوَيدي (٦). أمير عربان بني سُوَيد بتِلِمْسان. كان من أكابر أمراء بلاده ومشاهير عربانها المترفين، ذوي الرياسات.

стр. 976

رأيت نَجْعه حين توجّهت إلى تِلِمْسان، فكان نجعًا هائلًا، ورأيته شيخًا منوّر الشيبة، له نحو الستين سنة، كثير التجمّل في قوْمه وله ثروة زائدة وحشم وخدم وجواري سراري، وله حُرمة ومهابة في قومه، وشهرة طائلة. على أن سليمان بن موسى (١) الماضي كان أعظم عربان الأقاليم وتلك المملكة، ومَع ذلك فليس كهذا في ترفه ومعيشته وتجمّله، وكثرة تنعّمه، فإنه حضريّ المعيشة، وله حشمة وأدب، وحسن سمت وخير ودين، ومحبّة لأهل العلم والفضلاء والقرّاء، لا مثله قبله ولا بعده. توفي في هذه السنة على ما بلغني. وقد أكمل السبعين فيما أظنّ. (ترجمة الحافظ تقيّ الدين القلقشندي) (٢) ٣٤٦ - عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن علي القلقشندي (٣)، القاهري، الشافعي. الإمام العالم، الحافظ، تقيّ الدين، وهو من نوادر ألقاب عبد الرحمن، أبو الفضل ابن (٤) الشيخ قطب الدين، هو أيضًا من نوادر ألقاب أحمد. شيخ الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء، أعني صاحب الترجمة. ووالده قد مرّ. ولد التقيّ هذا بالقاهرة في رجب سنة سبع عشرة وثمانمائة. وبها نشأ في حياة والده، فأحفظه القرآن العظيم ثم عدّة من المتون، وعُرض واشتغل على جماعة منهم أخوه العلّامة علاء الدين الماضي في محلّه، وغيره من أعيان علماء عصره، وسمع الحديث من الزين القمني، والناصر الفاقوسي، والحافظ ابن (٥) حجر. ودار على الشيوخ وأكثر، وقرأ بنفسه كثيرًا، واتسعت سماعاته، وشارك الناس في الفنون، ومهر وبرع، وتميّز في أسماء الرجال لإقباله على ذلك بكلّيته، واعتنى بمصنّفات الحافظ ابن (٦) حجر، ﵀. وكتب

стр. 977

الكثير منها، وعلّق الأجزاء، وكتب الطباق، وخرّج لنفسه أربعين حديثًا متباينة الأسانيد، وفاق أهل الفنّ فيه، وشُهر وذُكر، ولُقّب بالحافظ من كثير من الأكابر، ونظم لكن بتكلّف، لا بسليقة. فمن نظمه في آمنة: ورُبّ فتاة أخجَلَ الغُصنَ قدُّها … سَبَتْ قلبَ صَبِّ والمحبة قاطنه ويفزع خجلًا حين يُسد بوصْلها … فواعجبًا من خوفها وهي آمِنه وله نظم غير ذلك، وذُكر فيمن يُولّى القضاء الأكبر، بل وتحرّك هو في شيء من ذلك بنفسه بعد صرف البدر أبي (١) السعادات البُلقيني، وقبل ولاية الولي السيوطي، ثم لم يتفق له ذلك، ولما عمل الشهاب ابن (٢) العَيني أميراخور كبير ختم (٣) البخاري عنده، حضر صاحب الترجمة مجلسه ذلك، والخطيب النُويري أبو الفضل خطيب مكة، فرفعه الشهاب على صاحب الترجمة قائلًا له: أنت سعيت عندنا في القضاء، وهذا لم يَسْع في شيء من ذلك، بل قلنا له شيئًا في الولاية، فأظهر الامتناع، فهو أحق بأن يجلس مرتفعًا عليك. وكان التقيّ هذا ربّما أظهر أنه كُلِّم في شيء يتعلّق بالقضاء والولاية، وأنه امتنع من ذلك، فحصل عنده بواسطة كلام ابن (٤) العَيني الباعث الشديد الذي ما عنه مزيد، وترك مهمّه، ومرض أيّامًا بمرضٍ نفساني إلى أن كان فيه أجله. وكان عالمًا فاضلًا، محدّثًا، حافظًا، خيّرًا ديِّنًا، بشوشًا، حسن السمت والملتقى، لكنّه كان عريض الدعوى جدًّا، وهو مشهور الحال فى ذلك. وكان بيده عدّة وظائف منها مشيخة سعيد السعداء. وتوفي في ليلة الثلاثاء ثالث شعبان. ووُلّي بعده سعيد السعداء العلّامة السراج العبّادي الآتي في محلّه، في وفيات سنة خمس وثمانين إن شاء الله تعالى. ٣٤٧ - عبد الرحمن بن التاجر (٥). تقدّم في المتجدّدات كيفية قتْله وسلْخ جدّه، ومرّ ذكر ولده قبله أيضًا وما جرى عليهما بسبب ما وقع بينهما، فلا نعيد ذلك.

стр. 978

٣٤٨ - عبد الغفّار بن مخلوف بن () (١) السمديسي (٢)، القاهري المالكي. الشيخ العالم، الفاضل، القاضي، زين الدين، أحد نواب الحكم. ولد في سنة () (٣). ونشأ مشتغلًا بالعلم، وأجازه جماعة من العلماء، وناب في القضاء، وعُدّ من أعيان مذهبه. وكان إنسانًا حسنًا ( … ) (٤) أموره على ما أخبرت عنه. توفي في هذه السنة، ولم أحرّر شهر وفاته. (ترجمة ابن (٥) رمضان ناظر جُدّة) (٦) ٣٤٩ - علي بن رمضان بن () (٧) القبطي (٨) الأصل، القاهري. ناظر بندر جُدّة. كان والده رمضان رسولًا بأبواب الوزراء، وكان من مسالمة النصارى القِبط. ونشأ (٩) ابنه صاحب الترجمة على صناعة أبيه، وكان جميل الصورة، ويقال إنه نشأ قبل ذلك صبيًّا لبعض الفرّاشين، وكان كثير المخالطة لأهل الفسق والفساد، منسترًا بعد طلوع لحيته، وتبارى بصناعته الرسلية بعد الفراشة، ثم اتصل بخدمة التقيّ بن نصر الله، ثم خدم صيرفيًا عند جانِبك نائب جدّة، فصار البندر بيده وعرفه معرفة تامّة، وتقرّب إلى جانبك، واختص به لحذقه، وخدمه ونالته السعادة،

стр. 979

وبسط يده في الظلم بتلك الأقطار الحجازية، واقتنى الكثير من كل شيء، وتزوّج بأربع نسوة، واتسعت دائرته، حتى قيل إنه استولى على فوق الخمسمائة ألف دينار في مدّة أولها سنة تسع وأربعين، وآخرها هذه السنة التي نحن فيها، وكان كثير المتحصل، كثير المعروف، مسرفًا على نفسه، متجاهرًا بالفسق، متهتّكًا فيه، لا يبالي فيما يقال عنه، بل ربّما افتخر بارتكابه المعاصي، مع قلّة مروءة، وعدم غَيرة على حرمة. وكانت داره كالفندق للداخل والخارج من أرباب الملاهي والأطراف والأوباش والعبيد والخدم، مع عدم الستر وهتك الحجاب بين نسائه وجواريه، وبين من دخل وخرج من الرجال إلى داره ليلًا ونهارًا، مع التبذير الزائد الذي عدّه بعض الأوباش المتطفّلين عليه المتعرّضين له والمتعصّبين، فإن ذلك من زيادة سخائه، وكثرة كرم نفسه، وليس كما قالوا، بل هو سَفَه وتبذير في وجوه فاسدة لا لغرضٍ صالح. وكان مع ذلك كلّه يتحمّل عليه ما شاء الله تعالى من الديون. ولما مات أستاذه جانبك أخذ في التقرّب من أحمد بن العَيني بتمسخره عنده وإضحاكه، والبجاحة له بين يديه، وكان ذلك دأبه قبل ذلك، وراج بسبب ذلك عند أحمد بن العَيني المذكور واختصّ به، حتى كان السبب في تحدّثه مع الظاهر خُشقدم له في أن يتكلّم على بندر جُدّة، وأجابه إلى ذلك، فصار يتردّد إليها متكلّمًا على البندر، وخدم ابن (١) العَيني، وكان يُحضر له المتاجر. ثم اتفق بأخرة أن خرج الشهاب ابن (٢) العَيني للسرحة الماضي ذِكرها، فاستصحبه معه لعدم صبره عنه، ولزم تعالي الحُمُر من يوم خروجه معه إلى يوم دخوله طندَبا وهو على ذلك، لا يفتر لا ليلًا ولا نهارًا مقدار أربعة أيام، وأثر ذلك في حرارة غريبة، مع حركة السفر، فتأثّر لذلك باطنه، وحدث به القولنج الصفراوي. فاستأذن ابن (٣) العيني في التوجّه إلى المحلّة للتداوي بها، فأذِن له، متأسّفًا على مفارقته إيّاه، وأخذ في التلهّي عنه بالصيد ونحوه. وحُمل هو إلى المحلّة للتمرّض بها وعولج، فلم ينتج له حال، فأخذ في القلق جدًّا. ثم أدّاه رأيه المخبول إلى دخول الحمّام ظنًّا أن ذلك مما يشفيه، وما عرف أن المنيّة فيه. ولما خرج من الحمّام حصل له أرق وقلق وسهر عظيم، فبعث في تلك الحالة بطلب المغاني وأرباب الملاهي إليه، فسامروه في ليلته تلك، وقطعوها بسخف زائد وفسق وفساد، وأصبح من غد يومه ذلك وهو في حالة غير مُرْضية.

стр. 980

وتوفي من يومه ذلك وتمّت القضية، وكان ذلك في يوم السبت خامس عشرين جمادى الأولى. وحُمل ميتًا إلى القاهرة، فأُدخل إليها من باب القنطرة والسعدية، وتشاءم الناس بذلك، فجهّز ودُفن، ومُستراح منه. ولما جاء خبره لأحمد بن العَيني اتفق أن عُمل عنده في تلك الليلة خيال الظل، بعد أن كان قد أمر بأن يبطل في هذه الليلة، فقام بعضٌ من الخاصكيّة إليه وقال: إن ابن (١) رمضان كان يحبّ هذه الأشياء، وكل ميت يعمل له ليلة وحشة أو ختم، فليكن هذا ختم من رمضان. فانظر إلى بداية حال هذا الإنسان، ثم سبب مرضه، ثم مسامرته، ثم ليلة ختمه، وتعجّب من ذلك! نسأل الله تعالى التوفيق لِما يرضاه وحُسن الخاتمة عند كرامته. ٣٥٠ - علي (بن أحمد بن) (٢) السُويفي (٣)، القاهري، المالكي. نور الدين، إمام السلطان ومحتسب القاهرة. وكان أمّ بعدّة من الملوك السلاطين. وترقّى في دولة الأشرف بَرسْباي إلى حسبة القاهرة. وتوفي، وقد جاوز التسعين، في يوم الخميس رابع عشر رجب. ٣٥١ - فَرَج ابنة سودون (٤) الفقيه. الخَوَنْد زوجة الظاهر ططر، وأمّ الصالح محمد. كان والدها سودون المذكور جنديّا وما تأمّر، وكان من أصحاب لاجين شيخ الجراكسة المشهور الترجمة، الذي كان يدّعى أنه سيصل إليه الأمر، وأنه سيفعل أمورًا ما بلّغه الله تعالى إليها. وكان سودون هذا مع كونه جنديًّا مشهورًا مذكورًا، وقد ترجمه الحافظ ابن (٥)

стр. 981

حجر (١)، وترجم شيخه لاجين (٢) أيضًا، تزوّج الظاهر ططر (٣) بابنته هذه في أيام إمرته، واستولدها عدّة أولاد منهم ولده محمد الصالح (٤) الذي تسلطن بعده، وهو مشهور الترجمة. وابنته ست الملوك (٥) زوجة الأتابك يشبك (٦). ودامت صاحبة (٧) الترجمة في عصمة الظاهر ططر المذكور حتى مات عنها، ولم تتزوّج بعده حتى بَغَتَها الأجل. وكانت من خير نساء عصرها دينًا، وأمانة، وعفّة، وخيرًا، وجمالًا.

стр. 982

دامت عزباء (١) نحو الأربعين سنة، ومرضت بالفالج مدّة سنين، وهي بذلك لا تقطع صلاتها، بل مواظبة على الخمس. إلى أن تُوفيت في يوم الأربعاء ثاني عشر ربيع الأول. وقد بلغت نحو السبعين سنة أو أكملتها، وربّما جاوزتها. وما أخلّت بصيامها ولا عباداتها (٢)، ودُفنت بتربة ابنتها الخَوَنْد لستّ الملوك زوجة الأتابك يشبك المشدّ الماضيَيْن (٣). ٣٥٢ - قانَم الأشرفي (٤). أحد العشرات ورؤوس (٥) النُوَب (٦)، المعروف بنَعْجة. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، وصار أميراً في دولة الأشرف إينال. وكان له شجاعة وعنده جرأة وإقدام، وقد تقدّم بعضٌ (٧) من أحواله وذِكره في هذا الكتاب في مواضع منه. وكان مسرفًا على نفسه جدًّا، متكالبًا على أغراضه، منهمكًا في اللذّات، مع بطشٍ وظلم. ولم يزل إلى أن توفي شبه الفجأة في ليلة الأحد سادس عشر جماد الأول. (ترجمة الأتابك قانم التاجر) (٨) ٣٥٣ - قانَم من صفر خُجا (٩) المؤيَّدي. الأمير الكبير، الأتابك، سيف الدين، المعروف بالتاجر. كان من مماليك المؤيَّد شيخ، وصار خاصكيًا في دولة ولده المظفَّر أحمد. ولا زال حتى تسلطن العزيز، فأمّره عشرة، ودام على ذلك في جميع الدولة

стр. 983

الظاهرية جقمق، وحج أميرًا على الركب الأول غير ما مرة، وعُيّن مرة في الرسالة لابن عثمان صاحب الروم، فقام بأعباء تلك الرسالة أتمّ قيامٍ، ونهض بما بُعث إليه أكمل نهوض، وكان سفيرًا حسنًا. وبُعث قبل ذلك رسولًا إلى جهان شاه أيضًا، وهو حينئذٍ تاجر المماليك، وهي الوظيفة التي تسمَّى بمعلَّم المعلّمين وكبير الدلَّالين. وكان قرّره فيها الظاهر جقمق، وبقيت بيده مدّة وعُرف بها. ودام قانم هذا على الإمرة عشرة إلى سلطنة الأشرف إينال، فأمّره طبلخاناة، ثم صيّره مرة من مقدَّمين (١) الألوف بعد موت خير بك الأجرود المؤيَّدي، الماضي ذِكره، ثم صُيّر رأس نوبة النُوَب في أول دولة المؤيَّد أحمد، عِوَضًا عن قَرقماس الجَلَب، لما نُقل إلى إمرة مجلس عِوضًا عن جَرِباش، لما نُقل إلى إمرة سلاح، بعد نقل خُشقدم من ناصر الدين منها إلى الأتابكية، عِوضًا عن المؤيد نفسه لما تسلطن بعد موت والده. ودام على الرأس نوبته الكبرى حتى تسلطن خُشداشه الظاهر خُشقَدم، فنقله إلى إمرة مجلس، عِوضًا عن قرقماس الجلب أيضًا، لما نُقل إلى إمرة سلاح، عِوضًا عن جَرِباش كُرْد، لما نُقل إلى الأتابكية بعد سلطنة خُشقدم المذكور. ومن يوم تسلطن الظاهر خُشقدم أخذ أمر قانَم في العظمة، وضخُم جدًّا، ونالته السعادة زيادة عمّا كانت قبل ذلك، ودام على إمرة مجلس في أكثر مدّة الظاهر خُشقَدم، إلى أن ولّاه الأتابكية، عِوضًا عن جرِباش كُرْد، لما أخرج بطّالًا إلى ثغر دمياط، فضخُم جدًّا وعظُم إلى الغاية، حتى تحدّث الناس بوثوبه على الأمر لِما رأوا من عظمته، وأظنّه ما كان يفعل ذلك في حياة خُشقدم، والله أعلم، لكونه كان هو السبب في عظمته، وإنما ذلك من حَدْس الناس في مثل ذلك لمن تناله العظَمَة. نعم لو عاش بعده لكان هو السلطان مع إرادة الله تعالى ذلك. ودام على الأتابكية في عظمته وأُبّهته وشهامته ووفور حُرمته، ونفاذ كلمته إلى أن بَغَتَه الأجل. وكان ملكًا جليلًا، شهمًا، عاقلًا، أدوبًا، سيوسًا، عارفًا، ذا وقار وحشمة، ومعرفة، وحُسن سمت، وتؤدة ووجاهة في الدول، مع صدق وفطنة، وشجاعة، وإقدام، ومحبّة للعلم، والعلماء، والمَيْل لهم، والتكلّم معهم، وسؤاله إياهم عمّا أشكل عليه، مع انتمائه إلى الطلب. وكان مع ما كان عليه من العظمة والجبروت كثير التأدّب مع أهل العلم، وكان من أعظم محبّي شيخنا العلّامة الكافِيَجي، وممّن يُجلّه ويعظّمه غاية التعظيم ويعضده في كثيرٍ من الأمور، لا سيما في أيام مشاركته إيّاه في النظر على الخانقاه الشيخونية.

стр. 984

وصنّف له شيخنا بعضَ الرسائل باسمه. وكذلك كان بينه وبين الوالد صحبة أكيدة ومحبّة قديمة. ولقانَم هذا عدّة اَثار جليلة معظّمة، من ذلك: تربته التي أنشأها بالصحراء ونزل بها عدّة صوفية وشيوخ (١) يحضرون بها. وشيخها الجمال عبد الله الرومي، إنسان من أهل الفضل، وبها من الصوفية جماعة من الفضلاء كالبدر محمد ابن العلائي، والعلاء الحسامي، والبدر محمود النوقاني، وآخرين. ومن آثاره الجامع بأعالي الكَبْش. وهو جامع (٢) حسن جيّد في موضعه. إمامه الشيخ الفاضل، المقرئ، سراج الدين عمر بن محمد بن قاسم بن علي الأنصاري (٣) القاهري الشافعي، المعروف باليسار، أحد القرّاء السبعة بالقاهرة، رجل حسن من أهل الدين والخير والعفّة، بل والصلاح. ولد في سنة ثمان عشرة وثمانمائة. وحفظ القرآن، واشتغل وقرأ في القراءات فأخذها عن جماعة منهم: البرهان الطبالي ( … ... … ) (٤) لقانَم هذا عدّة أملاك وأوقاف وغير ذلك، والمـ ( … ... ) (٥) جميعه له ( … ) (٦) سورباي، وهي من المشاهير الآن، تزوّجت بعده بقانصوه الخسيف (٧) ( … ... ) (٨) [وهي الآن] (٩) في عصمة صاحبنا بُردُبك الأشرفي (١٠) الخازندار، أحد العشرات، ( … ) الدوادارية. توفي قانَم هذا في ليلة الإثنين حادي عشر صفر، وكان موته فجأة.

стр. 985

ويقال: إنه سُمّ، واللَّه أعلم بصحة ذلك. ومن غريب الاتفاق أن السلطان كان في اليوم الذي مات هو بعد فراغه في ليلة تليه نزل إلى داره، فأشيع بأنه أمر بعض جماعته في ذلك اليوم بأن يسمّه، وأظنّ ذلك ليس كما أشيع. وكان سنّه زيادة على السبعين، أو هي بتمامها، ومن قال: نحو السبعين فما أصاب. وأُحضرت جنازته لمُصَلّى سبيل المؤمنى، ونزل السلطان فصلّى عليها، وحُمل إلى تربته بالصحراء فدُفن بها. ووُلّي الأتابكية بعده يلباي الأميراخور الكبير الذي تسلطن بعد ذلك، كما سيأتي. (ترجمة الواعظ ابن (١) الشراب دار) (٢) ٣٥٤ - محمد بن حسن بن عبد الله بن سليمان بن محمد (القَرَني، الأُوَيْسي) (٣)، القاهري، الشافعي. الشيخ بدر الدين، أبو المعالي، المعروف بابن الشراب دار (٤)، وبالقاصّ أيضًا. ولد بالقاهرة في سنة سبع وتسعين وسبعمائة. وبها نشأ فحفظ القرآن الكريم، ثم حفظ "العمدة" و"التنبيه" و"جمع الجوامع" و"منهاج البيضاوي" و"ألفيّة ابن مالك" وبعض "جامع المختصرات" وبعض "التسهيل"، وعرض على الزين العراقي، والسراج البُلقيني، والبدر الطنبدي، والزين الفارسكوري، والبهاء أبى الفتح البُلقيني، وذلك كله بإخباره عن نفسه (٥). ثم اشتغل فأخذ عن جماعة، منهم: البرهان البيجوري، والمجد البرماوي، والشمس البرماوي، والشمس الشطنوفي، وبرهام العجمي، ولازم العزَّ ابن جماعة
следующие страницы →