← Фатава

Фатава · id 8612

مجموع فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان

صالح الفوزان

Полный текст (695 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لا أفهم معانيها، فماذا أفعل؟ أفيدونا بارك الله فيكم؟ الجواب: ينبغي على المسلم أن يتعلم القرآن وأن يحرص على تلاوته على الوجه الصحيح ما أمكنه ذلك، وذلك بأن يتعلم من القراء، ويستمع إلى القراء حتى يستفيد من قراءتهم، وحتى يعدل ما عنده من الأخطاء، فإذا حرص المسلم على تلقي القرآن وقراءته، فإنه يوفق إن شاء الله. وأما قضية أن الإنسان يقرأ القرآن وهو لا يجيد القراءة فلا بأس بذلك، يقرأ حسب استطاعته، وحسب مقدرته، ولكن لا يتوقف عند هذا الحد، بل عليه كما ذكرنا أن يحاول دائمًا تعديل قراءته وعرضها على المقرئين حتى يستفيد منهم، وحتى يعدل ما عنده من خطأ، وقد قال النبي ﷺ في الذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق: إن له أجرين، فدل هذا على أنه ينبغي للمسلم أن يحاول دائمًا قراءة القرآن، وأن لا ينقطع عنه، وإذا حاول وداوم على ذلك، فإن الله ييسر له قراءة القرآن على الوجه الصحيح، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] . فعليك أن تحرص على تلاوة القرآن وإجادة القراءة، والله جل وعلا يوفقك لذلك. ***

стр. 107

القراءة من المصحف على غير طهارة سؤال: أنا إنسان ابتلاه الله بمرض الشلل في النصف الأسفل من الجسم من بداية البطن إلى أسفل القدمين، ولذلك يخرج الخارج من السبيلين بلا علم مني ولا إرادة، وخصوصًا وأن هناك أجهزة معلقة بمجاريَّ الخارجية أقضي حاجتي عن طريقها، وأنا أحاول قضاء وقتي في قراءة القرآن الكريم، ولكنني أتلعثم كثيرًا في القراءة وعندي كثير من الأخطاء، فهل علي إثم في ذلك؟ وأيضًا أثناء قراءتي للقرآن والأحاديث والأدعية تخرج تلك الأجهزة المعلقة في جسمي لقضاء حاجتي عن مكانها، فاضطر لإعادتها بيدي، وبعد ذلك أحاول رفع المصحف أو إغلاقه، فهل أنا آثم بذلك؟ الجواب: أما قراءة القرآن، فإنك تقرأ القرآن على حسب حالك، ولكن إذا كان عندك أخطاء في القراءة، فإنه يجب عليك أن تعدلها، وأن تطلب ممن هو أحفظ منك للقراءة وأتقن أن يعدل لك القراءة، وتتعلم منه ما يلزم إذا أمكن ذلك، وإذا لم يكن فإنك تقرأ على حسب استطاعتك، ولو مع المشقة، وقد قال النبي ﷺ : «الذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق له أجران» ، فلا تترك القراءة، لكن مهما أمكنك أن تصلح أخطاءك فإنه يجب عليك ذلك، أما من ناحية مس المصحف فلا يجوز لك مس المصحف وأنت على هذه الحالة التي تذكر أن الحدث يخرج باستمرار ومن غير شعور منك؛ لأن المصحف لا يجوز أن يمسه إلا طاهر،

стр. 108

ولكن عليك أن تتلقى القراءة من غيرك وأن تستمع إلى من يقرأ، أو تتخذ من الأشرطة المسجلة من القرآن والمصحف المرتل ما تسمع منه القرآن، وتستفيد منه، هذا الذي أراه لك، وأما مس المصحف فلا يجوز لك وأنت على هذه الحالة، ولكن لا بأس أن تقرأ من حفظك، تقرأ ما تحفظه من السور، ولا بأس أن تذكر الله ، بأنواع الأذكار الواردة ولا بأس أن تذكر الأحاديث النبوية، إنما الذي يمنع هو مس المصحف بدون طهارة، وبإمكانك أن تستمع إلى قارئ ممن يحضر عندك، أو أن تستمع إلى المصحف المسجل، والله تعالى أعلم. *** مس المصحف لمن عليه حدث أكبر سؤال: من المعلوم لدي أن الحائض لا تمس القرآن الكريم، ولكنني رأيت بعض الأخوات يفعلن ذلك، فلما سألتهن عن ذلك، قلن لي: هذا يجوز، فالله لم يحرمه، وقد سمعت أيضًا أنه يجوز لها أن تمس كتاب التفسير، أي: الوارد فيه الآيات أرجو توضيح هذا الموضوع، أفيدونا وفقكم الله؟ الجواب: لا يجوز لمن عليها حدث أكبر، سواء كان جنابة أو حيضًا، أو نفاسًا أن تمس المصحف، وذلك لقوله ﷺ في حديث عمرو بن حزم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» ، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة، فلا يجوز لمن عليه الحدث الأكبر أن يمس المصحف إلا من وراء حائل، فله أن يمس، أو يحمل المصحف بالكيس، أو بالغلاف من وراء حائل، أما أن يمسه

стр. 109

مباشرة، فهذا لا يجوز، وأما مس التفسير الذي فيه القرآن، فلا حرج في ذلك؛ لأن هذا لا يسمى مصحفًا، فيجوز لمن عليه الحدث أن يمس كتاب التفسير وأن يقرأ فيه؛ لأن هذا ليس مصحفًا، وإنما هو كتاب تفسير. *** قراءة الحائض للقرآن سؤال: ما حكم قراءة القرآن من المصحف للحائض، وقراءته عن غيب كذلك للحائض؟ علمًا بأنني معتادة على قراءة بعض الآيات دائمًا، فهل علي ذنب إذا قرأت وأنا كذلك، وأحيانًا أسهو وأقرأ القرآن وبعد أن أتذكر أقطع الآيات؟ كذلك ما الحكم في قراءته في الامتحان، بالنسبة للحائض، أو قراءة جزء من الآيات في بعض المواد، كالتوحيد والفقه وغيرها، إذا تطلب الأمر قراءة آيات للإعراب أو الشرح ونحو ذلك؟ الجواب: الذي عليه حدث أكبر من جنابة أو حيض ممنوع من قراءة القرآن لا عن ظهر قلب ولا من المصحف، بل ممنوع من مس المصحف، وإن لم يقرأ فيه، لقوله ﷺ ، كما في حديث عمرو بن حزم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» ، مس المصحف من عليه حدث أكبر أو أصغر لا يجوز، لهذا الحديث، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة: أن المحدث لا يجوز له أن يمس المصحف من غير حائل، وأما القراءة عن ظهر قلب، فالذي عليه حدث أصغر لا بأس أن يقرأ القرآن.

стр. 110

وأما الذي عليه حدث أكبر فإنه لا يقرأ القرآن، لا من المصحف ولا عن ظهر قلب، إلا الحائض في حالة الضرورة، في حالة الامتحانات إذا خشيت أن يفوت عليها الامتحان، فلا بأس أن تقرأ القرآن لأداء الامتحان بقدر الضرورة، وكذلك إذا كانت تحفظ من القرآن آيات أو سور وتخشى من نسيانها؛ لأن فترة الحيض أو النفاس تطول، فلا بأس أن تقرأ القرآن، باستذكاره وعدم نسيانه، في هاتين الحالتين لا بأس أن تقرأ الحائض والنفساء القرآن للضرورة، إما لأجل الامتحان، وإما خوف النسيان، أما فيما عدا هذا فالمسألة خلافية والجمهور على المنع، والأحوط لها أن تتجنب قراءة القرآن؛ لأنه لا داعي ولا ضرورة لذلك. أما إذا قرأت شيئًا من القرآن لا بقصد التلاوة، وإنما بقصد الذكر، أي تقرأ آية أو بعض آية بقصد الذكر، وهو الذكر الذي يوافق قرآنًا، أو يوافق بعض الآيات فهذا لا بأس به؛ لأنها لم تقصد التلاوة، وإنما قصدت الذكر بذلك، أو الدعاء، وكذلك إعراب النحو إذا أعربت، فهذا أيضًا لا يدخل في حكم التلاوة، فلا بأس بذلك، والله أعلم. *** سؤال: هل يجوز للمرأة أن تقرأ القرآن غيبًا وهي حائض؟ وإذا كان هذا غير جائز، فهل عليها إثم إذا درست أبناءها القرآن، خاصة إذا كانوا في مدارس أثناء الحيض؟ أفتونا بارك الله فيكم؟ الجواب: لا يجوز للمرأة الحائض أن تقرأ القرآن، لا من المصحف ولا عن ظهر قلب؛ لأن عليها حدثًا أكبر، ومن عليها حدث أكبر كالحيض

стр. 111

والجنابة، لا يجوز لها أن تقرأ القرآن؛ لأن النبي ﷺ كان يمتنع عن قراءة القرآن إذا كان عليه جنابة، والحيض حدث أكبر مثل الجنابة يمنع قراءة القرآن، ولكن في حالة خوف النسيان إذا كانت الحائض تحفظ سورًا من القرآن، أو تحفظ القرآن، وتخشى إذا تركت التلاوة أن تنسى؛ لأن مدة الحيض تطول، فلا بأس أن تقرأ في هذه الحالة؛ لأن هذا من الضرورات؛ لأنها لو تركت قراءة القرآن نسيته، ففي هذه الحالة يجوز لها أن تقرأه محافظة على بقائه في حفظها، وكذلك الطالبة إذا جاء وقت الامتحان في مادة القرآن وهي حائض وتمتد حيضتها، ولا يمكن أن تؤدي الامتحان بعد نهاية الحيض، فلا بأس أن تقرأه للامتحان؛ لأنها لو تركته لفات عليها الامتحان، وحصل لها رسوب في القرآن، وهذا يضرها، ففي هذه الحالة أيضًا يجوز للطالبة أن تقرأ القرآن لأداء الامتحان؛ لأن هذا من الضرورة، والله تعالى أعلم. *** العلاج بالقرآن الكريم سؤال: ما حكم الشرع في كتابة آيات من القرآن، أو اسم من أسماء الله الحسنى ومحوها بالماء وشربها بقصد الشفاء من مرض أو جلب نفع؟ الجواب: ينبغي للمريض، أو الذي يعالج المرضى بالقرآن أن يقرأ على المريض مباشرة، بأن يرقيه بالقراءة، فيقرأ عليه القرآن وينفث مباشرة، هذا أنفع وأحسن وأكمل، وهذا الذي كان يفعله الرسول ﷺ ، وكان السلف يفعلونه، ويجوز أن يقرأ في ماء ويسقى للمريض أيضًا، وبذلك ورد بعض الأحاديث.

стр. 112

ويجوز أيضًا أن يكتب القرآن على شيء طاهر من صحن أو ورق ويغسل المكتوب ويسقى للمريض؛ لأن هذا داخل في الرقية بالقرآن، وقد رخص فيه بعض السلف كالإمام أحمد بن حنبل، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، وذكره العلامة ابن القيم في زاد المعاد، وأنه شيء معروف عن بعض السلف، ولا حرج فيه إن شاء الله. *** القراءة على المصاب بالصرع سؤال: هناك بعض الناس يسقط أمامي صريعًا، فيقول كلامًا غريبًا ويصرخ، ويقال: إن الأرواح أو الجن الروحاني قد سكن فيهم، ولا أستطيع فعل شيء لهم سوى قراءة آية الكرسي والفاتحة والإخلاص والمعوذتين، وأتعوذ بالله وكلماته من شر الشيطان وشركه، وسمعت أن هناك ذكرًا خاصًّا يقال في مثل هذه الحالة، فما هو؟ الجواب: يقرأ عليه القرآن خصوصًا (آية الكرسي) ، و (قل هو الله أحد) ، و (قل أعوذ برب الفلق) ، و (قل أعوذ برب الناس) ، وكذلك (التعوذات الشرعية) : (أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق) ، وهذه الأذكار التي تقرأ على المصاب بالصرع هي العلاج الوحيد في هذا الأمر. ***

стр. 113

قراءة القرآن في الصلاة سؤال: إمام الجمعة عندنا في الصلاة الجهرية يطول في القراءة في الركعة الثانية، ويقصرها في الركعة الأولى، فهل فعله هذا موافق للسنة أم مخالف لها؟ الجواب: هذا يعتبر خلاف الأولى، فالأولى والأفضل أن تكون الركعة الأولى من الظهر والعصر وغيرها من الصلوات، تكون الركعة الأولى أطول من الثانية، أما إذا كان العكس فهذا خلاف الأولى، إذا كان التطويل كثيرًا، أما إذا كان تطويلًا يسيرًا، زيادة يسيرة، فهذا لا حرج فيه إن شاء الله. *** تعليق الآيات القرآنية سؤال: هل يجوز تعليق لوحات تجميلية في المنازل، وقد كتب عليها آيات قرآنية؟ الجواب: الله أنزل القرآن هدى ونورًا وشفاءً لما في الصدور، أنزله ليتلى ويتدبر ويعمل به ويستنار بهديه، ويتخذ إمامًا وقائدًا إلى الله جل وعلا وإلى جنته فهو حجة الله على خلقه، كما قال النبي ﷺ : «القرآن حجة لك أو عليك» ، إن تمسكت به وعملت به صار حجة لك، وهو دليلك إلى الجنة، وإن أعرضت عنه صار حجة عليك، يدفعك إلى النار لمخالفته وعدم العمل به. فهذا هو الواجب نحو القرآن.

стр. 114

الواجب نحو القرآن أن نتلوه حق تلاوته، وأن نهتدي بهديه ونستنير بنوره وأن نعظمه ونجله ونحترمه ونصونه عن العبث والامتهان؛ لأنه كتاب الله الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ، وأن نعمل به، وأن نحكمه فيما اختلفنا فيه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] . أما كتابته في حجب أو على رقاع ويعلق على الجدران، فهذا لا ينبغي، أو يحرم كتابته حجبًا وحروزًا ويعلق على الصبيان أو على الرقاب أو على النساء أو الرجال، هذا لا يجوز على الصحيح من قولي العلماء؛ لأن فيه امتهانًا للقرآن، وتعريضًا لإهانته، وربما يكون سببًا للاعتقاد بالشفاء من غير الله ويكون فتحًا لباب تعليق ما لا يجوز تعليقه من العوذ الشيطانية، والألفاظ الشركية. والصحيح من قولي العلماء، أنه لا يجوز اتخاذ القرآن حروزًا وتعاويذ تكتب وتعلق على الرقاب أو الأجسام. وكذلك كتابته على لوحات، وتعليقه على الجدران، هذا لا ينبغي؛ لأنه ربما يهان القرآن، ربما أن المكان الذي علقت فيه هذه اللوحة التي فيها آية من كتاب الله، أنه يكون فيه شيء من المعاصي، ويكون فيه شيء من الفسوق، ويكون في هذا إهانة للقرآن العظيم، وربما تسقط هذه اللوحة وتداس، وتمتهن، أو تئول هذه اللوحة إلى سكان لا يعبئون بالقرآن، وينزلون هذا المنزل، فيهينون هذا القرآن المعلق، ففي تعليقه على الجدران تعريض له للامتهان، ولم يكن هذا من هدي السلف الصالح، فلم يعلم

стр. 115

أنهم كانوا يكتبون القرآن على لوحات وبراويز ويعلقونها على الجدران، وإنما كان القرآن في قلوبهم، ويعمل به ظاهرًا وباطنًا، ويحفظ ويتلى، ويدرس، أما كتابته في لوحات وبراويز وما أشبه ذلك، هذا لم يكن معروفًا عن السلف، ولا فائدة من وراء ذلك، وإنما يخشى من المضرة والإهانة للقرآن العظيم. *** الحلف على القرآن الكريم سؤال: إذا حلف شخص على القرآن الكريم أن يفعل كذا، ثم وجد ما هو خير منه، فترك العمل بما حلف عليه، فهل عليه كفارة يمين في هذه الحالة؟ الجواب: أولًا: الحلف على القرآن الكريم، كما يفعل بعض الجهال الذي يحلف على المصحف، ويحلف على القرآن، هذا أمر لا ينبغي، بل يحلف بدون الارتباط بالمصحف أو بالقرآن، والمؤمن يحترم اليمين ولو لم تكن على المصحف؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ، والمؤمن يوقر اليمين بالله، ويحترمها ولا يحلف إلا عند الحاجة، وإذا حلف فإنه يكون صادقًا ولو لم يكن ذلك على المصحف. أما من ناحية أن الإنسان إذا حلف أن لا يفعل شيئًا أو حلف أن يفعله، ورأى أن مخالفة اليمين أحسن، فلا بأس، بل يستحب له أن يفعل الذي هو أحسن، وأن يكفر عن يمينه؛ لقوله ﷺ : «والله إن شاء الله لا أحلف على يمين»

стр. 116

«فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير» ، أو كما قال ﵊، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤] ، فلا يجعل اليمين حائلة بينه وبين فعل الذي هو خير، بل عليه أن يفعل الذي هو خير، وإن خالف اليمين ويكفر عن يمينه. سؤال: ما هو الفرق بين اليمين المكفرة وغير المكفرة؟ الجواب: اليمين المكفرة: هي التي يقصد عقدها على أمر مستقبل ممكن. فإذا صدرت اليمين من غير قصد فهذه لغو لا تنعقد، والله جل وعلا يقول: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ، وهي اليمين التي تجري على لسانه من غير قصد، وكذلك إذا عقدها وقصدها على أمر ماض وهو كاذب في ذلك، فإذا حلف على أمر ماض وهو كاذب في ذلك، فهذه يمين الغموس، يأثم عليها، وهي من كبائر الذنوب، وليس فيها كفارة، ولكن فيها التوبة إلى الله بأن يتوب ويستغفر، ولا يعود لمثل هذا. سؤال: حتى لو لم يعلم أنه كاذب؟ الجواب: لا، إذا لم يعلم بأنه كاذب فهذا من لغو اليمين أيضًا؛ لأنه إذا حلف على أمر يظنه صادقًا فيه، وبان على خلاف غلبة ظنه، فهذه لا حرج فيها ولا إثم فيها، وهذه تعتبر من لغو اليمين أيضًا. ***

стр. 117

حرق أوراق المصحف سؤال: هل يجوز حرق أوراق من المصحف الشريف إذا خيف عليها الامتهان؟ الجواب: نعم، إذا درس المصحف، وتمزق وخشي عليه من الامتهان أصبح في حالة لا يمكن الانتفاع به والقراءة فيه، فلا بأس أن يحرق وأن يدفن في أرض طاهرة؛ لأن كلا من الأمرين فعله الصحابة ﵃، فقد دفنوا المصاحف، وكذلك حرقوا المصاحف لما جمعوا الناس على مصحف واحد، وهو مصحف عثمان ﵁، حرقوا ما عداه من بقية المصاحف. فالمصحف إذا كان في حالة لا يمكن الانتفاع به لتمزقه، فإنه إما أن يدفن في مكان طاهر، وإما أن يحرق، وكلا الأمرين فعله صحابة رسول الله ﷺ . *** ضرب الأمثلة من القرآن سؤال: نسمع كثيرا من الإخوان يستخدمون الآيات القرآنية لضرب أمثلة أو ما شابه ذلك، كقوله: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] ، وقوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] ، ومن تلك الآيات القرآنية الكريمة التي لا يمكن التلفظ بها إلا لما يفيد وينفع، لا للسخرية والاستهتار، كالدارج على ألسنة بعض الناس، وما نسمعه أو نقرأه، فهل هذا جائز أم لا؟

стр. 118

الجواب: لا بأس بالتمثل بالقرآن، إذا كان ذلك لغرض صحيح، كأن يقول: هذا الشيء لا يسمن ولا يغني من جوع، أو يقول: منها خلقناكم وفيها نعيدكم، إذا أراد التذكير بحالة الإنسان مع الأرض وأنه خلق منها ويعود إليها، فالتمثيل بالقرآن إذا لم يكن على وجه السخرية والاستهزاء لا بأس به، أما إذا كان على وجه السخرية والاستهزاء كما يقول السائل، فهذا يعتبر ردة عن الإسلام؛ لأن من استهزأ بالقرآن أو بشيء من ذكر الله ، فإنه يرتد عن دين الإسلام، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦] ، فيجب تعظيم القرآن واحترامه، ولا يمنع هذا أن الإنسان يتمثل به على وجه نزيه، وعلى وجه طيب، لا مانع من ذلك، أما استعماله من باب السخرية والاستهزاء، فهذا ردة عن الإسلام، والله تعالى أعلم. *** الحكمة من نزول سورة التوبة بدون بسملة سؤال: نرجو من فضيلتكم تبيين الحكمة في نزول سورة التوبة بدون البسملة؟ الجواب: كل سورة من القرآن تأتي في بدايتها " بسم الله الرحمن الرحيم " إلا سورة التوبة، وقد أجاب العلماء عن هذا بجوابين: أولًا: إن سورة التوبة مكملة لسورة الأنفال، ولذلك لم تأت في بدايتها "بسم الله الرحمن الرحيم" لأنها مكملة لسورة الأنفال.

стр. 119

والقول الثاني: أن سورة التوبة لم تأت قبلها البسملة؛ لأنها سورة ذكر فيها الجهاد وقتال الكفار، وذكر فيها وعيد المنافقين وبيان فضائحهم ومخازيهم، و "بسم الله الرحمن الرحيم" يؤتى بها للرحمة، وهذا الموطن فيه ذكر الجهاد وذكر صفات المنافقين، وهذا ليس من مواطن الرحمة، بل هو من مواطن الوعيد والتخويف. *** ذو القرنين ملك صالح سؤال: من ذو القرنين الذي ورد ذكره في سورة الكهف في القرآن الكريم؟ وما هي قصته؟ الجواب: ذو القرنين ملك صالح في أول الزمان، ملك المشارق والمغارب، كما ذكر الله خبره في آخر سورة الكهف، بلغ مشرق الشمس وبلغ مغرب الشمس، وكان يجاهد في سبيل الله ويدعو إلى الله، وبنى السد بين الصدفين، وهو سد يأجوج ومأجوج لأن هذه أمة خبيثة تفسد في الأرض لو تمكنت من السير فيها، والله أعان هذا العبد الصالح وهذا الملك الطيب، فأقام هذا السد العظيم الذي حال بين هذه الأمة الخبيثة وبين الانسياح في الأرض، إلى أن يأتي وعد الله عند قيام الساعة، فيندك هذا السد ويسيح هذا الخلق المفسد في الأرض، ويحصل فيها ما يحصل مما ذكر الله . ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٨، ٩٩] .

стр. 120

الحاصل أن ذا القرنين ملك صالح مجاهد داعية إلى الله وأن الله مكن له في مشارق الأرض ومغاربها، ووسع له الملك في الأرض. *** سورة الحشر سؤال: سمعت أن من قرأ سورة الحشر في كل ليلة ومات من ليلته كان شهيدًا، ما صحة هذا، أفيدونا مشكورين؟ الجواب: لم أقف على هذا الحديث في فضل سورة الحشر، وسورة الحشر سورة عظيمة، لا شك تشتمل على أحكام عظيمة، وعلى تنزيه الله في أولها، وعلى أسمائه في ختامها، فهي سورة عظيمة، تشتمل كذلك على بيان صفة المهاجرين والأنصار، وما قدموه من أعمال جليلة في خدمة الإسلام ونصرة النبي ﷺ ، تشتمل كذلك على التحذير من صفات المنافقين، وبيان شرهم ومكائدهم، فهي سورة عظيمة بلا شك، وفيها فضل عظيم، كغيرها من سور القرآن العظيم، أما هذا الحديث الذي ذكره السائل فقد بحثت عنه فلم أجده. *** خيانة امرأة نوح وامرأة لوط سؤال: قال الله تعالى في سورة التحريم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] ، في أي شيء كانت خيانتهما؟

стр. 121

الجواب: أولًا: هذه الآية الكريمة مثل ضربه الله لمخالطة الكافر للمسلم، وأن الكافر لا ينفعه مخالطة المسلم، ما دام أنه لم يدخل في الإسلام، فإنه في يوم القيامة يكون في النار، ولا تنفعه معاشرته للمسلم ومخالطته للمسلم، وإن توثقت الصداقة والعلاقة؛ لأنه ليس بمسلم. أما الخيانة التي حصلت من امرأة نوح وامرأة لوط، فهي خيانة الملة؛ لأن امرأة نوح وامرأة لوط كانتا كافرتين فخانتاهما في الدين، حيث لم تدخلا في دين زوجيهما، فهذا يعتبر خيانة، وليس خيانة عرض؛ لأن فرش الأنبياء معصومة عليهم الصلاة والسلام، لا يمكن أن يتزوج نبي بامرأة خائنة في عرضها؛ لأنهم معصومون عليهم الصلاة والسلام من ذلك، وفرشهم معصومة. فالمراد هنا بالخيانة خيانة الدين. وقيل: إن خيانتهما أن امرأة نوح كانت تخبر الكفار بأسرار نوح ﵊، تصفه بأنه مجنون، وخيانة امرأة لوط أنها كانت تدل قومها على أضياف لوط، ليفعلوا بهم الفاحشة. فهما خائنتان للأمانة التي بينهما وبين زوجيهما من ناحية حفظ السر وعدم الدلالة على ما عندهما من الأسرار، ومن الأضياف وغير ذلك، فهذا هو نوع الخيانة الواقع. والحاصل: أن هذه الخيانة ليست خيانة في العرض، بل هي إما في الدين، وإما خيانة في عدم حفظ الأسرار.

стр. 122

فضائل سورة الملك سؤال: ما هي الفضائل التي وردت في سورة الملك؟ الجواب: سورة الملك سورة عظيمة، ورد في فضلها أحاديث، منها ما رواه أهل السنن الأربع: أن رجلًا قرأ سورة من ثلاثين آية شفعت له، وورد أن سورة الملك أيضًا قراءتها تقي من عذاب القبر، أو ما هذا معناه، وفيها فضل، وفيها ثواب عظيم؛ لما تشتمل عليه من المعاني العظيمة التي أنزلها الله تعالى فيها، فهي سورة عظيمة، وورد في تلاوتها هذا الفضل الذي ذكره النبي ﷺ . *** سورة الإخلاص سؤال: ما مدى صحة هذا الحديث: «من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله» ؟ وما معناه؟ وكيف يشتري الإنسان نفسه من الله؟ الجواب: أما سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فهي سورة عظيمة، أخبر النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة أنها تعدل ثلث القرآن، وذلك لما تتضمنه من أوصاف الله ونعوت جلاله، فهي سورة خالصة في التوحيد، ولهذا سميت سورة الإخلاص، وكان النبي ﷺ يقرؤها مع المعوذتين عند النوم، وكان يحث على قراءتها، لما فيها من الفضل العظيم، وأنها تعدل ثلث القرآن. أما ما ذكر من الحديث: «أن من قرأها ألف مرة اشترى نفسه من الله» ،

стр. 123

فهذا لم أقف له على أصل، وقد ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره كثيرًا من الأحاديث الواردة في فضلها وأطال في ذلك واستقصى، ولم يذكر هذا الحديث من بينها فلا أعرف حاله، ولكن في الأحاديث الثابتة في فضل هذه السورة وعظمتها كفاية ولله الحمد. وكذلك في فضل تلاوتها وقراءتها والإكثار من ذلك؛ لما تتضمنه من الخير العظيم، فقد كان النبي ﷺ يقرأ بها وبـ ( ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ) في ركعتي الطواف وفي سنة الفجر؛ لما تتضمنه هاتان السورتان من توحيد الله . توحيد العبادة: في ( ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ) . وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات: في ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ) . *** قراءة سورة الإخلاص ثلاث مرات في الليلة سؤال: هل من قرأ سورة الإخلاص في كل ليلة ثلاث مرات يعتبر أنه قد ختم المصحف الشريف بكامله، أفيدونا بذلك جزاكم الله خيرًا؟ الجواب: سورة الإخلاص فيها فضل عظيم، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» ، وذلك لما تشتمل عليه من صفة الرب ، ففيها فضل عظيم، وفي قراءتها فضل عظيم، لكن ليس من قرأها واقتصر عليها وكررها يكون كقارئ القرآن

стр. 124

كله، بل إذا قرأ كله فقد حصل على أجره وثوابه، ويكون أيضًا قارئًا لسورة الإخلاص، فيكون حائزًا على ثواب هذه السورة، وعلى ثواب تلاوة القرآن كله، وقد قال النبي ﷺ : «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله عشر حسنات، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» ، فالاقتصار على سورة الإخلاص لا يكفي عن قراءة القرآن، ولكن فيه أجر تلاوتها وقراءتها، ولكن لا يكون كمن قرأ القرآن كله.

стр. 125

كتاب التفسير

стр. 126

تفسير سورة البقرة سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] ، فكيف عرفت الملائكة أن بني آدم سوف يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، مع أنه لم يكن هناك أناس قبل آدم؟ الجواب: هذه الآية من جملة النعم التي عددها الله في أول سورة البقرة، وهي أنه أخبر الملائكة أنه سيجعل في الأرض خليفة وهو آدم ﵇، بمعنى: أن يستخلفه فيها، وقيل: معنى خليفة أي خليفة عن الله في تنفيذ أحكامه وسياسة خلقه في الأرض السياسة الشرعية، وقيل: المراد بخليفة أنه يخلف قومًا سبقوا، وأنه كان في الأرض قبل آدم سكان وأفسدوا فيها، فالله أزالهم عنها واستخلف فيها آدم وذريته، وقيل: معنى خليفة أن بني آدم يخلف بعضهم بعضًا جيلًا بعد جيل، وعلى كل حال الاستخلاف الظاهر أنه يشمل هذه المعاني كلها، ثم إن الملائكة ﵈ سألوا ربهم سؤال استيضاح لا سؤال اعتراض ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كأنهم علموا هذا من جيل سبق، كما ذكر المفسرون أنه كان في الأرض قوم من الجان قد أفسدوا فيها، ثم إن الله أزالهم عنها، فالملائكة كانت قد عرفت من هذا الجيل أنه مفسد، فظنت أن آدم وذريته سيعملون كعملهم، ولكن الله يعلم من حال آدم وذريته ما لا تعلمه الملائكة، وأنه سيكون فيهم من الطيبين

стр. 127

من الأنبياء والصالحين والمؤمنين من يعمر الأرض بطاعة الله، ويصلح فيها، قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، فالله أجابهم بأنه يعلم من آدم وذريته وصلاحهم وإصلاحهم في هذه الأرض ما لا تعلمه الملائكة حين استشكلوا وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ، والله أعلم. *** سؤال: ما معنى قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ، وهل المقصود بقوله: ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ هما هاروت وماروت، أم هما من ملوك البشر، وهل كانا يعلمان الناس السحر الذي عده الرسول ﷺ من السبع الموبقات؟ الجواب: هذه الآية وردت في ذم اليهود ومن نحا نحوهم وعمل عملهم، وقبلها قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠١، ١٠٢] .

стр. 128

وذلك أن اليهود كفروا بمحمد ﷺ الذي يجدون أوصافه وإثبات رسالته في كتاب الله الذي بأيديهم وهو التوراة، ولما كفروا بمحمد ﷺ ، كانوا كافرين بكتابهم ونابذين له وراء ظهورهم، ثم إنهم اعتاضوا عن كتاب الله، بكتب السحر والشعوذة، وهذا من استبدال الخبيث بالطيب، ومن عقوبة الله لهم؛ لأن من ترك الحق ابتلي بالباطل، فهم لما تركوا كتاب الله اعتاضوا عنه كتب السحر والكتب الشيطانية، وهذه سنة الله جل وعلا فيمن أعرض عن كتابه وسنة نبيه ﷺ ، أنه يبتلى بالضلال ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ : يعني ما كانت الشياطين تعمله من السحر على ﴿مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ، يعني في عهد سليمان، فإن الشياطين كانت تعمل السحر في عهد سليمان، فظن اليهود أن السحر الذي وجدوده ظنوه من عمل سليمان ﵇، لهذا قال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ ، يعني: وليس هذا السحر من عمله؛ لأن هذا السحر كفر، والأنبياء مبرءون من عمل الكفر، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ، فدل على أن تعلم السحر وتعليمه كفر. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ : الجمهور على أن المراد بهما ملكان نزلا من السماء لابتلاء العباد، وكانا يعلمان السحر ابتلاءً للعباد، ولهذا كانا ينصحان من يريد تعلم السحر بقولهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ فينصحانه بأن السحر كفر فلا تتعلمه، فإذا أقدم وتعلمه باختياره فهذا دليل على فساده وشره، فهما ملكان عند الجمهور نزلا من السماء لابتلاء العباد وامتحانهم، ومن العلماء من قرأ: "وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ" بكسر اللام، فيكونان من ملوك البشر، ولكن الأول أشهر وأظهر، وهما هاروت وماروت.

стр. 129

سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] . الجواب: الله حرم الخمر على التدريج، فلما كان الناس في أول الإسلام مغرقين في شرب الخمر، ولا يستطيعون تركه بالكلية إلا بالتدريج شيئًا فشيئًا، الله جل وعلا من حكمته حرمه على التدريج. ففي أول مرحلة قال : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ، هذا في الأول، أول مرحلة، فبين الله أن ضرر الخمر أكثر من نفعه، والعاقل إذا عرف أن ضرر الشيء أكثر من نفعه، فإنه يبتعد عنه؛ لأن الإنسان لا يريد لنفسه أن يأخذ شيئًا، أو يتناول شيئًا ضرره أكثر من نفعه، فالعاقل عندما يسمع هذه الآية، فإنه سيترك الخمر والميسر؛ لأن العقل يأمره بذلك لأن مفسدته راجحة، والعاقل لا يقدم على شيء مفسدته راجحة. ثم في المرحلة الثانية حرمه عليهم في بعض الأوقات، وهي الآية التي في سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] ، فحرمه عليهم في وقت، وهو وقت الصلوات، وإذا كان يحرم على المسلم أن يشرب الخمر في وقت الصلاة، مع أن الصلوات تكرر في اليوم والليلة خمس مرات، فهذا يأخذ عليه وقتا طويلا يحرم عليه فيه شرب الخمر في اليوم والليلة، فيكون قد خفت عليه وطأة الخمر واعتياد الخمر؛ لأنه سيتركه في فترات خمس من اليوم والليلة، فحينئذ تخف وطأته عليه، ثم إنه جل وعلا بعد

стр. 130

ذلك حرمه تحريمًا قاطعًا في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٠-٩٢] ، فحرم الخمر تحريمًا قاطعًا في جميع الأوقات، في جميع عمر الإنسان، ولم يبق لها وقت من حياة الإنسان، بل هي حرام على المسلم طول عمره، كانت هذه النهاية نهاية الخمر، وهي أن الله أراح المسلمين منه، وحرمه عليهم تحريمًا قاطعًا وأمرهم باجتنابه، فقال سبحانه: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، فهذا من باب التدريج في تحريم الخمر، والتدريج فيما يشق على النفوس، هذا من رحمة الله . *** سؤال: يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٠] ، ما معنى هذه الآية، وما معنى قوله: ﴿مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ ؟ الجواب: الذي عليه جمهور المفسرين أن هذه الآية كانت في أول الأمر، فقد كان يجب على المتوفى عنها أن تبقى في بيت زوجها المتوفى لمدة سنة، وأن ينفق عليها من تركته، قوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ أي: تبقى في بيت الزوجية لمدة سنة، وينفق عليها من ماله بوصيته، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ ،

стр. 131

أي: أنه يجب عليه قبل وفاته أن يوصي بأن ينفق عليها إلى الحول، وأن تبقى في بيته، قال جمهور المفسرين: هذا ما كان عليه الأمر في أول الإسلام، ثم إن الله نسخ هذا في الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . آية عدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر، هذه العدة. أما الإنفاق فمنسوخ بقوله ﷺ : «لا وصية لوارث» ، فليس لها نفقة من تركة الميت، وإنما تنفق من نصيبها هي؛ لأنها وارثة، فنسخ الأمران، نسخ الإسكان، ونسخت النفقة. هذا ما عليه جمهور المفسرين، والله تعالى أعلم. سؤال: ما المراد بقوله: ﴿جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ ؟ الجواب: المراد بها، كما في الآية التي قبلها، أنها إذا انتهت عدتها فلها أن تتزين بما جرت به العادة من غير إسراف ومن غير فتنة؛ لأنها في حال العدة ممنوعة من التزين، وإذا انتهت عدتها أبيح لها ما منعت منه في حدود المعروف، الذي ليس فيه فتنة ولا إسراف. *** تفسير سورة آل عمران سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] ؟ وهل هؤلاء الراسخون في العلم هم في زمن

стр. 132

نزول القرآن، أم هم موجودون إلى قيام الساعة، أم أن علم التأويل مقتصر على الله تعالى وحده، وقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ، بداية آية جديدة؟ الجواب: هذا محل خلاف بين أهل العلم بموضع الوقوف، هل هو على لفظ الجلالة، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ جملة مستأنفة، أو أن الراسخين في العلم معطوف على لفظ الجلالة، ولا يتعين الوقف على لفظ الجلالة، وهذا يرجع إلى معنى التأويل المراد به، فإن كان المراد بالتأويل التفسير ومعرفة المعنى، فإنه يصح العطف على لفظ الجلالة، فتقرأ الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ، بمعنى أن الراسخين في العلم يعرفون معاني المتشابه ويفسرونه ويحملونه على الحكم ويردونه إلى المحكم. وإن أريد بالتأويل هنا: مآل الشيء وكيفيته التي هو عليها من الأمور التي أخبر الله عنها من المغيبات، فهذا لا يعلمه إلا الله، ويتعين الوقف على لفظ الجلالة، فتقرأ الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، يعني: الحقيقة التي يئول إليها والكيفية التي هو عليها، مما أخبر الله تعالى عنه من الأمور المغيبة كذاته وأسمائه وصفاته، وما في الدار الآخرة من النعيم والعذاب وغير ذلك، هذا لا يعلمه إلا الله، لا يعلم كيفيته وحقيقته إلا الله ، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] . ***

стр. 133

سؤال: يقول الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠] ، ويقول تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] ، فما معنى هاتين الآيتين، وكيف نوفق بينهما؟ وهل معنى الأولى أن هناك ذنوبًا لا تقبل التوبة من فاعلها مهما حاول؟ أم أن إحداهما ناسخة للأخرى أم كيف ذلك؟ الجواب: لا تعارض بين الآيتين الكريمتين؛ لأن الآية الأولى محمولة على المرتد الذي لم يتب، ومات على ردته ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ ، يعني: لم يتوبوا وإنما استمروا على كفرهم إلى أن ماتوا، فهؤلاء لن تقبل توبتهم ولو تابوا عند الموت لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] ، ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، فالحاصل: إن الآية الأولى فيمن ارتد عن الدين واستمر على ردته ولم يتب إلا عند الموت، وعند الغرغرة كما في الحديث: «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» ، يعني: ما لم تبلغ روحه الغرغرة، حينئذ لا تقبل منه توبة. وأما الآية الأخرى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ، فهذه في الذي يتوب قبل حضور الموت، فإن الله جل وعلا يتوب عليه، وبهذا يتضح أن لا تعارض بين الآيتين الكريمتين.

стр. 134

سؤال: هل هناك ذنب لا تقبل التوبة من فعله؟ الجواب: الصحيح أنه ليس هناك ذنب لا تقبل التوبة من فاعله، فإن الله جل وعلا يقبل توبة الكافر إذا تاب، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] . والمشرك إذا تاب مع أن الشرك هو أعظم الذنوب، إذا تاب منه تاب الله عليه. فليس هناك على الصحيح من قولي العلماء ذنب لا تقبل منه التوبة. *** تفسير سورة النساء سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨] ؟ الجواب: قيل: معنى الآية أنه لا يجوز لأحد أن يدعو على أحد إلا إذا كان المدعو عليه ظالمًا له، فيجوز للإنسان أن يدعو على من ظلمه، وقيل في معنى الآية: إن من سبك يجوز لك أن تسبه من باب القصاص، أما السباب من غير قصاص فلا يجوز، ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ فمن سابك أو شتمك جاز لك أن تقتص منه وأن ترد عليه بالمثل، أما إذا لم يكن هناك سبب في السباب والشتم فهذا لا يجوز؛ لأنه جهر بالسوء. سؤال: إذا المقصود بالسوء هنا: هو السب أو الشتم؟ الجواب: السب أو الشتم أو الدعاء.

стр. 135

سؤال: يعني لا يعم هذا حتى الأفعال الباطلة التي على الأقل إذا ابتلي الإنسان بها أن يستتر؟ الجواب: يعني إشهار الجرائم والتشهير بالعصاة؟ نعم، يدخل في هذا أيضًا، لكن قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ يبدو أن فيه مقابلة بين طرفين، مظلوم وظالم، وأنه يجوز للمظلوم أن يظهر بالسوء على من ظلمه. *** تفسير سورة المائدة سؤال: أرجو منكم تفسير قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] ، ثم هل المتردية والنطيحة محرم أكل لحمهما عندما تموت مباشرة بسبب ذلك، أو محرم أكلها ولو بقيت مدة طويلة ثم ذبحتها بعد ذلك؟ الجواب: يقول الله مخاطبًا عباده المؤمنين الذين ناداهم في مطلع هذه السورة العظيمة بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، يقول تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ : أي حرم الله عليكم أكل الميتة، والميتة: هي التي ماتت بغير زكاة شرعية، وقد خص منها الدليل ميتة السمك والجراد كما قال ﷺ : «أحلت ميتتان ودمان، أما الميتتان: فالسمك والجراد» . فالسمك والجراد أحل الله ميتتهما، وما عدا ذلك فإنه حرام.

стр. 136

والميتة كما ذكرنا هي التي ماتت بغير زكاة شرعية. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ : الدم هنا مطلق، ولكن قيدته الآية الثانية بالمسفوح؛ كما قال تعالى: ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] . والمراد به: الذي يخرج من الذبيحة وقت ذبحها، ويشخب من أوداجها، أما الدم المتبقي في العروق واللحم من الذبيحة فهذا معفو عنه لا بأس بأكله مع اللحم. وَاسْتُثْنِيَ من الدم الدمان اللذان مر ذكرهما في الحديث: «أحلت لنا ميتتان ودمان، وأما الدمان فالكبد والطحال» ، فالدم حرام، والمراد به الدم المسفوح، أما الدم المتبقي في العروق بعد الذبح وفي اللحم فهذا معفو عنه، وكذلك المستثنى في الحديث الكبد والطحال. ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ : الخنزير هو الحيوان المعروف بالقذارة والدناءة، وحرم الله أكله لما فيه من الأضرار البالغة وما يورثه من الأمراض الخطيرة، كما قرر ذلك أهل الطب، فإن الخنزير فيه جراثيم وأمراض خطيرة، اكتشفت ولا تزال تكتشف، والله جل وعلا لا يحرم على عباده إلا ما فيه مضرة عليهم. ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ : المراد به ما ذبح تقربًا إلى غير الله من الأصنام وسائر المعبودات، وكذلك ما ذبح وسمى عليه غير اسم الله .

стр. 137

وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى يشمل نوعين: يشمل ما تقرب به لغير الله ولو ذكر عليه اسم الله. ويشمل ما ذبح لغير القربى وسمي عليه غير اسم الله سبحانه عند الذبح. والمراد بالإهلال: رفع الصوت، هذا في الأصل، والمراد به هنا ما ذكرنا. ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ : قالوا: إن هذا تفصيل للميتة، التي ذكرها الله في أول الآية، وهي التي خنق نفسها وحبس نفسها بحبل أو غيره، بشيء ضيق حتى ماتت، بسبب الخنق. ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ : التي ضربت بشيء مثقل وماتت بالضرب، ولو خرج منها دم؛ لأن المثقل لا يجرحها، وإنما يقتلها بثقله، ويرضها وتموت بسبب الثقل فهذه الموقوذة. ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ : هي الساقطة من شيء مرتفع كالسطح أو الجبل أو الجدار أو حفرة أو في بئر وماتت بسبب السقطة. ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ : هي التي تناطحت مع أخرى وماتت بسبب المناطحة، كتناطح الغنم بعضها مع بعض، والبقر بعضها مع بعض. ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ : السبع الذي يفترس بنابه من الذئاب والأسود وغيرها من السباع المفترسة التي تغرز بأنيابها أو بمخالبها، سبع الطير، أو سبع الحيوان، ما يفترس بنابه أو بمخلبه، فإذا أصاب الحيوان ومات بسبب إصابته، فإنه لا يؤكل.

стр. 138

﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ : هذا استثناء مما سبق، أي: إلا ما أدركتموه حيًّا من هذه الأشياء: المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، إذا أدركتموه بعد إصابته بشيء من هذه الأمور، وفيه حياة مستقرة وذكيتموه فإنه حلال؛ لأنه توفرت فيه شروط الإباحة، وهي الزكاة الشرعية. أما ما أدركتموه وقد مات بسبب الإصابة أو أدركتموه حيًّا في الرمق الأخير، فحياته غير مستقرة، حياة المذبوح، هذا أيضاًَ لا يحل، وقال بعض أهل العلم: إن مما أدرك وفيه حياة أدنى حياة وذكي فإنه يحل، ولكن الجمهور على أن ما كانت حياته غير مستقرة كحركة المذبوح فهذا لا يحل بتذكيته؛ لأنه في حكم الميت. ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ : المراد بالنصب: الأحجار التي كان أهل الجاهلية يعظمونها ويلطخونها بدم الذبائح تعظيمًا لها وتقربًا إليها، وقيل: إنهم يذبحون الذبيحة على نفس الحجارة تعظيمًا لها، فهذه ذبائح شركية ذبحت تعظيمًا لهذه النصب، فهي مما لا يحل أكله، وهذا بيان لما كان يفعل في الجاهلية، هذا معنى هذه الآية الكريمة. وأما بقية السؤال، ما أدرك من المنخنقة والموقوذة والمتردية فقد أجبنا عنه، أنه إذا أدركها وفيها حياة مستقرة وذكاها حلت، وإن أدركها وهي ميتة أو في الرمق الأخير الذي هو كحركة المذبوح، فهذا محل خلاف بين أهل العلم، والجمهور على أنه لا يحل. إذاًَ المدرك بعد إصابته له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يدرك وهو ميت فهذا حرام بالإجماع.

стр. 139

الحالة الثانية: أن يدرك وفيه حياة مستقرة، فهذا حلال بالإجماع إذا زكاه. الحالة الثالثة: إذا أدركه وفيه حياة غير مستقرة، حياة على سبيل الزوال كحركة المذبوح، فهذا محل الخلاف. *** سؤال: ما معنى هذه الآيات من سورة المائدة: وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠١، ١٠٣] ؟ وما معنى بحيرة وسائبة ووصيلة وحام؟ الجواب: الله ينهى عن السؤال الذي لا حاجة إليه، كذلك النبي ﷺ نهى عن كثرة السؤال، وقال: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» ، في هذه الآيات الكريمة ينهى الله المؤمنين أن يسألوا عن أشياء لا حاجة بهم إليها، ولا هي مما يعنيهم في أمر دينهم، ولو ظهرت لهم هذه الأشياء وكلفوا بها لشقت عليهم وساءتهم، وهذا نهي من الله عن كثرة سؤالهم للرسول ﷺ في أمور لا تعني، ولا يحتاجون إليها، ويكون في السؤال عنها سبب

стр. 140

لإيجابها عليهم وعلى غيرهم، فإنه إذا وقع السؤال عنها في حال وجود الرسول ﷺ ونزول الوحي عليه، حصلت الإجابة عليها، فكان ذلك سببًا للتكاليف الشاقة، وفي ترك السؤال عنها سلامة من ذلك؛ لأنها مما عفا الله عنه، أي تركه ولم يذكره بشيء، فلا تبحثوا عنه، ثم إنه سبحانه بين أن السؤال عن هذه الأشياء التي لا ينبغي السؤال عنها، وقعت فيه الأمم السابقة، فكانت عاقبة ذلك سيئة في حقهم، حيث لم يعملوا بها لما بينت لهم، فعوقبوا بسببها. والمراد بالآيتين عمومًا النهي عن السؤال الذي لا تدعو الحاجة إليه، أما ما دعت الحاجة إليه من أمور الدين والدنيا، قد شرع الله السؤال عنه بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] ، وقال النبي ﷺ : «ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإن شفاء العي السؤال» . وأما قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] الآية. فهذا كلام مبتدأ يتضمن الرد على أهل الجاهلية لما ابتدعوه في بهيمة الأنعام من شريعة الجاهلية، حيث جعلوا منها: البحيرة: وهي التي تشق أذنها ويمنع من ركوبها وحلبها وأكل لحمها.

стр. 141

والسائبة: وهي التي تترك فلا تمنع من مرعى ولا ماء ولا تركب ولا تحلب ولا يجز وبرها. والوصيلة: وهي الناقة أو الشاة إذا أنتجت عددًا معينًا من الولد متواصلًا، ذبحوها للأصنام، وحرموا لحمها على النساء. والحام: الجمل الفحل إذا حمى ظهره من أن يركب، كانوا إذا أنتج الفحل عددًا معينًا، قالوا: حمى ظهره فلم يركبوه. وهذه من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بإبطالها والله جل وعلا قال في مطلع السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] ، والله جل وعلا أحل بهيمة الأنعام أن نأكل منها وأن نشرب من ألبانها وأن نركبها بحدود المشروع، إلا ما كان منها ميتة أو دمًا مسفوحًا، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] . *** تفسير سورة هود سؤال: يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٦-١٠٨] ، ما معنى هاتين الآيتين، وما المقصود بدوام السماوات والأرض، وبالاستثناء في قوله: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ في الآيتين.

стр. 142

الجواب: هاتان الآيتان وما قبلهما في وصف مشهد يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود ١٠٣-١٠٦] الآيتين. بين أن الناس ينقسمون في هذا اليوم العظيم إلى قسمين: شقي وسعيد، ثم بين جزاء الأشقياء وجزاء السعداء ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ، اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ، فقيل: إن هذا جرى على أساليب العرب، وأن العرب إذا أرادوا أن يصفوا شيئًا بالدوام، قالوا: هذا دائم ما دامت السماوات والأرض، والمراد هنا مطلق الدوام، كما هو عادة العرب في أساليبها. وقيل: إن المراد جنس السماوات والأرض؛ لأن الآخرة أيضًا فيها سماء وفيها أرض، لكنها غير هذه السماء، وغير هذه الأرض الموجدتين الآن؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ، فالمراد هنا بالأرض وبالسماء الجنس، وإن كان العين مختلف، والمعنى: أن هؤلاء الكفار لا يخرجون من هذه النار أبد الآباد، وأنهم مخلدون فيها. أما الاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ في الآيتين المراد بالاستثناء في الآية الأولى في حق الأشقياء ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ، الذي عليه أكثر المفسرين: أن المراد بهذا الاستثناء

стр. 143

عصاة الموحدين الذين يدخلون النار بمعاصيهم، فإنهم لا يخلدون فيها، وهم مستثنون من الخلود، وينفرد بالخلود الكفار والمشركون، أما عصاة الموحدين فإنهم وإن دخلوا النار فإنهم يستثنون من الخلود فيها ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ بأن يخرجوا منها إما بشفاعة الشافعين، بإذن الله أو بعفو الله عنهم، فالمراد بالاستثناء هنا أهل التوحيد، العصاة الموحدون. وأما الاستثناء في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ، ففيه قولان للمفسرين: القول الأول: أن المراد أيضًا عصاة الموحدين، فإن عصاة الموحدين الذين دخلوا النار لهم شيء من البقاء في الجنة في أول الأمر، فاتهم شيء من الخلود، لبقائهم في النار فترة قبل دخولهم الجنة. القول الثاني: قيل المراد بالاستثناء هنا: بيان أن خلودهم فيها ليس واجبًا، وإنما هو راجع إلى مشيئة الله فهم يخلدون فيها بمشيئة الله، وليس خلودهم هذا من باب الوجوب. سؤال: بالنسبة لمن وجبت عليه النار ولكنه لا يحكم بخلوده فيها، الذي يكون آخر الاثنين هو العذاب أو النعيم؟ الجواب: يدخلون النار أولًا، ويمكثون فيها ما شاء الله أن يمكثوا، ثم يخرجون منها بعد ذلك وقد احترقوا وصاروا فحمًا ثم يلقون في نهر يقال له: (نهر الحياة) فتنمو أجسادهم، ثم بعد ذلك إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، آخر أمرهم الخلود في الجنة. ***

стр. 144

تفسير سورة الإسراء سؤال: يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٤-٦] ، فما معنى هذه الآيات، وما المقصود بالإفساد في الأرض مرتين، وهل مضت المرتان، وما معنى قوله تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ ، وماذا يفهم من هذه الآيات؟ الجواب: يقول الله : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ : أي أخبرناهم، بينا لهم أنه سيحصل منهم إفساد في الأرض بالكفر والمعاصي وقتل الأنبياء. ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾ : يعني بالمعاصي والكفر والإلحاد. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ ، المرة الأولى حصلت، ثم إن الله عاقبهم. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ : بعث الله عليهم عدوًا من الكفار، من كفار المجوس أو من غيرهم، فقتلوهم شر قتلة واستباحوا بلادهم وديارهم عقوبة لهم لما أفسدوا في الأرض، هذا حصل عليهم المرة الأولى، ثم إن الله أعاد الكرة لبني إسرائيل ونموا، وأعاد لهم قوتهم. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ بعدما عاقبهم الله على الإفساد الأول، مَنَّ عليهم بأن أعاد لهم قوتهم وعزتهم وكثرة الغنى والأولاد، ثم إنهم لم يقيدوا نعمة الله بالشكر، وعادوا إلى إفسادهم مرة ثانية، فأفسدوا في الأرض مرة ثانية،

стр. 145

عند ذلك بعث الله عليهم عدوًا آخر أيضًا استباح بلادهم وأهلك الحرث والنسل، ودخل المسجد الذي هو بيت المقدس كما دخله العدو الأول، ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ : أي ليتبر هذا العدو، ويفسد ما حصل لكم في هذه الفترة من النشاط والعمران وكثرة الأموال والأولاد، ليتبر ذلك ويُقضى عليه عقوبة لكم. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ : يعني المرة الثانية، وهي الإفساد في الأرض. ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ، فالله جل وعلا أخبر في هذه الآية عن بني إسرائيل أنهم حصل منهم فساد في الأرض مرتين وهذا في الزمن الماضي، ثم توعدهم أنهم إذا كرروا هذا، فسيعيد لهم العقوبة إلى يوم القيامة ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ : هذا وعيد من الله، كما أنه عاقبهم على المرتين الأوليين، فهو كذلك سيعاقبهم كلما أفسدوا في الأرض، إلى آخر الدنيا، وهذا واقع ومشاهد أن اليهود ما زالوا يسلط عليهم الجبابرة ويسلط عليهم عدوهم كلما حصل منهم علو في الأرض وإفساد في الأرض، وهذه عقوبة من الله لهذا الشعب الذي يفسد في الأرض وينشر الفساد فيها ويتكبر على العباد. سؤال: هل الإفسادان هما حادثان معنيان أم مجمل أعمالهم؟ الجواب: الله لم يحدد نوع الإفسادين، ولكن من المفسرين من قال: إنهم قتلوا في المرة الأولى (أشعياء) نبيًّا من أنبيائهم، وفي المرة الثانية قتلوا: " يحيي بن زكريا " ﵇.
следующие страницы →