← Фатава

Фатава · id 8612

مجموع فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان

صالح الفوزان

Полный текст (695 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والسائبة: وهي التي تترك فلا تمنع من مرعى ولا ماء ولا تركب ولا تحلب ولا يجز وبرها. والوصيلة: وهي الناقة أو الشاة إذا أنتجت عددًا معينًا من الولد متواصلًا، ذبحوها للأصنام، وحرموا لحمها على النساء. والحام: الجمل الفحل إذا حمى ظهره من أن يركب، كانوا إذا أنتج الفحل عددًا معينًا، قالوا: حمى ظهره فلم يركبوه. وهذه من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بإبطالها والله جل وعلا قال في مطلع السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] ، والله جل وعلا أحل بهيمة الأنعام أن نأكل منها وأن نشرب من ألبانها وأن نركبها بحدود المشروع، إلا ما كان منها ميتة أو دمًا مسفوحًا، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] . *** تفسير سورة هود سؤال: يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٦-١٠٨] ، ما معنى هاتين الآيتين، وما المقصود بدوام السماوات والأرض، وبالاستثناء في قوله: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ في الآيتين.

стр. 142

الجواب: هاتان الآيتان وما قبلهما في وصف مشهد يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود ١٠٣-١٠٦] الآيتين. بين أن الناس ينقسمون في هذا اليوم العظيم إلى قسمين: شقي وسعيد، ثم بين جزاء الأشقياء وجزاء السعداء ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ، اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ، فقيل: إن هذا جرى على أساليب العرب، وأن العرب إذا أرادوا أن يصفوا شيئًا بالدوام، قالوا: هذا دائم ما دامت السماوات والأرض، والمراد هنا مطلق الدوام، كما هو عادة العرب في أساليبها. وقيل: إن المراد جنس السماوات والأرض؛ لأن الآخرة أيضًا فيها سماء وفيها أرض، لكنها غير هذه السماء، وغير هذه الأرض الموجدتين الآن؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ، فالمراد هنا بالأرض وبالسماء الجنس، وإن كان العين مختلف، والمعنى: أن هؤلاء الكفار لا يخرجون من هذه النار أبد الآباد، وأنهم مخلدون فيها. أما الاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ في الآيتين المراد بالاستثناء في الآية الأولى في حق الأشقياء ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ، الذي عليه أكثر المفسرين: أن المراد بهذا الاستثناء

стр. 143

عصاة الموحدين الذين يدخلون النار بمعاصيهم، فإنهم لا يخلدون فيها، وهم مستثنون من الخلود، وينفرد بالخلود الكفار والمشركون، أما عصاة الموحدين فإنهم وإن دخلوا النار فإنهم يستثنون من الخلود فيها ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ بأن يخرجوا منها إما بشفاعة الشافعين، بإذن الله أو بعفو الله عنهم، فالمراد بالاستثناء هنا أهل التوحيد، العصاة الموحدون. وأما الاستثناء في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ، ففيه قولان للمفسرين: القول الأول: أن المراد أيضًا عصاة الموحدين، فإن عصاة الموحدين الذين دخلوا النار لهم شيء من البقاء في الجنة في أول الأمر، فاتهم شيء من الخلود، لبقائهم في النار فترة قبل دخولهم الجنة. القول الثاني: قيل المراد بالاستثناء هنا: بيان أن خلودهم فيها ليس واجبًا، وإنما هو راجع إلى مشيئة الله فهم يخلدون فيها بمشيئة الله، وليس خلودهم هذا من باب الوجوب. سؤال: بالنسبة لمن وجبت عليه النار ولكنه لا يحكم بخلوده فيها، الذي يكون آخر الاثنين هو العذاب أو النعيم؟ الجواب: يدخلون النار أولًا، ويمكثون فيها ما شاء الله أن يمكثوا، ثم يخرجون منها بعد ذلك وقد احترقوا وصاروا فحمًا ثم يلقون في نهر يقال له: (نهر الحياة) فتنمو أجسادهم، ثم بعد ذلك إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، آخر أمرهم الخلود في الجنة. ***

стр. 144

تفسير سورة الإسراء سؤال: يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٤-٦] ، فما معنى هذه الآيات، وما المقصود بالإفساد في الأرض مرتين، وهل مضت المرتان، وما معنى قوله تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ ، وماذا يفهم من هذه الآيات؟ الجواب: يقول الله : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ : أي أخبرناهم، بينا لهم أنه سيحصل منهم إفساد في الأرض بالكفر والمعاصي وقتل الأنبياء. ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾ : يعني بالمعاصي والكفر والإلحاد. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ ، المرة الأولى حصلت، ثم إن الله عاقبهم. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ : بعث الله عليهم عدوًا من الكفار، من كفار المجوس أو من غيرهم، فقتلوهم شر قتلة واستباحوا بلادهم وديارهم عقوبة لهم لما أفسدوا في الأرض، هذا حصل عليهم المرة الأولى، ثم إن الله أعاد الكرة لبني إسرائيل ونموا، وأعاد لهم قوتهم. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ بعدما عاقبهم الله على الإفساد الأول، مَنَّ عليهم بأن أعاد لهم قوتهم وعزتهم وكثرة الغنى والأولاد، ثم إنهم لم يقيدوا نعمة الله بالشكر، وعادوا إلى إفسادهم مرة ثانية، فأفسدوا في الأرض مرة ثانية،

стр. 145

عند ذلك بعث الله عليهم عدوًا آخر أيضًا استباح بلادهم وأهلك الحرث والنسل، ودخل المسجد الذي هو بيت المقدس كما دخله العدو الأول، ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ : أي ليتبر هذا العدو، ويفسد ما حصل لكم في هذه الفترة من النشاط والعمران وكثرة الأموال والأولاد، ليتبر ذلك ويُقضى عليه عقوبة لكم. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ : يعني المرة الثانية، وهي الإفساد في الأرض. ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ، فالله جل وعلا أخبر في هذه الآية عن بني إسرائيل أنهم حصل منهم فساد في الأرض مرتين وهذا في الزمن الماضي، ثم توعدهم أنهم إذا كرروا هذا، فسيعيد لهم العقوبة إلى يوم القيامة ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ : هذا وعيد من الله، كما أنه عاقبهم على المرتين الأوليين، فهو كذلك سيعاقبهم كلما أفسدوا في الأرض، إلى آخر الدنيا، وهذا واقع ومشاهد أن اليهود ما زالوا يسلط عليهم الجبابرة ويسلط عليهم عدوهم كلما حصل منهم علو في الأرض وإفساد في الأرض، وهذه عقوبة من الله لهذا الشعب الذي يفسد في الأرض وينشر الفساد فيها ويتكبر على العباد. سؤال: هل الإفسادان هما حادثان معنيان أم مجمل أعمالهم؟ الجواب: الله لم يحدد نوع الإفسادين، ولكن من المفسرين من قال: إنهم قتلوا في المرة الأولى (أشعياء) نبيًّا من أنبيائهم، وفي المرة الثانية قتلوا: " يحيي بن زكريا " ﵇.

стр. 146

وهذا صحيح أنهم قتلوا الأنبياء، ذكر الله عنهم أنهم يقتلون الأنبياء، هذا من أعظم الإفساد بلا شك. والحاصل أن هؤلاء اليهود، كلما حصل منهم إفساد فإن الله يكرر عليهم العقوبة وتسليط العدو عليهم في المرتين الأوليين، وفي كل ما حصل منهم ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ . فهذا مطلق إلى يوم القيامة. سؤال: قوله تعالى في آخر الآية: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ معناها المرة الثانية؟ الجواب: نعم المرة الثانية. *** سؤال: ما معنى قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٥-٨٧] ؟ الجواب: كانت اليهود قد قالت لمشركي قريش من أهل مكة: اسألوا هذا الرجل، يعني محمدًا ﷺ عن ثلاث مسائل، المسألة الأولى: عن أصحاب الكهف، والمسألة الثانية: عن ذي القرنين، والمسألة الثالثة: عن الروح، فإن أجابكم عنها فهو نبي، والله أنزل على رسوله الإجابة عن هذه الأسئلة. عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وأما الروح فالله سبحانه

стр. 147

وتعالى قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ، فلم يجبهم إلى سؤالهم، وإنما بين أنها من خصوصياته ، وأنه هو الذي خلقها، وهو الذي يعلمها ولا يعلمها أحد من الخلق، فهي سر من الأسرار، ولا تزال سرًّا، وهذا من معجزات القرآن، فإنه مع تقدم الطب والمهارة فيه، ومع حرص الناس على البحث في هذا الشأن، لم يعرفوا شيئًا عن حقيقة الروح ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ، على أن المراد بالروح: ما يحيا به الإنسان، هذا السر الذي يحيا به الإنسان، يكون حيًا، وإذا فارقته مفارقة تامة يكون ميتًا، وإذا فارقته بعض المفارقة يكون نائمًا، فالروح لها اتصالات بالبدن، اتصال بالبدن وهو في بطن أمه، واتصال بالبدن بعدما يولد في الحياة الدنيا، وهو مستيقظ، واتصال بالبدن وهو نائم، واتصال بالبدن وهو في القبر، واتصال بالبدن في الدار الآخرة، وهذا الاتصال الأخير اتصال لا مفارقة بعده، فهذه الروح من العجائب التي لا يعلمها إلا الله . وقيل: المراد بالروح جبريل ﵊. وقيل: المراد بالروح ملك من الملائكة، أو جماعة من الملائكة. فعلى كل حال، فالروح سر من أسرار الله لم يطلع عليها عباده : ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ، فالبشر مهما أوتوا من العلوم والمعارف، فإن علمهم قليل، أو لا شيء بالنسبة لعلم الله . وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن أن الله أنزل هذا القرآن نعمة ومنة على رسوله ﷺ وعلى

стр. 148

أمته، فهو من أكبر النعم، ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] ، فإنه من أعظم النعم التي أنعم الله بها على هذا النبي الكريم، وعلى أمته إلى يوم القيامة؛ لأن به سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، والله قادر على أن يرفع هذا القرآن، وأن يزيل هذه النعمة، كما أنه هو الذي أنزلها، فهو قادر على رفعها، وذلك مما يوجب على العباد أن يشكروا الله على هذه النعمة، ليستفيدوا منها وينتفعوا بها. *** تفسير سورة طه سؤال: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] ، ما تفسير هذه الآية، جزاكم الله كل خير؟ الجواب: يقول الله : ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤] ، في الآية الأولى أخبر الله تعالى أن من اتبع القرآن وعمل به فإنه قد تكفل له بأن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. وفي الآية الثانية، أن من أعرض عن القرآن، ولم يعمل به، فإن الله جل وعلا يعاقبه بعقوبتين: الأولى: أنه يكون في معيشة ضنك، وقد فسر ذلك بعذاب القبر؛ لأنه يعذب في قبره، وقد يراد به أيضًا المعيشة في الحياة الدنيا، وفي القبر أيضًا، فالآية عامة، والحاصل: أن الله توعده بأن يعيش عيشة سيئة مليئة

стр. 149

بالمخاطر والمكاره والمشاق جزاءً له على إعراضه عن كتاب الله ؛ لأنه ترك الهدى فوقع في الضلال ووقع في الحرج. والعقوبة الثانية: أن الله جل وعلا يحشره يوم القيامة أعمى؛ لأنه عمي عن كتاب الله في الدنيا فعاقبه الله في العمى في الآخرة، ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٥، ١٢٦] ، فإذا عمي عن كتاب الله في الدنيا بأن لم يلتفت إليه، ولم ينظر فيه، ولم يعمل به، فإنه يحشر يوم القيامة على هذه الصورة البشعة - والعياذ بالله - وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٣٦-٤٠] . فالحاصل: أن الله جل وعلا توعد من أعرض عن كتابه ولم يعمل به في الحياة الدنيا بأن يعاقبه عقوبة عاجلة في حياته الدنيا، وعقوبة آجلة بعذاب القبر - والعياذ بالله - وفي المحشر، والله تعالى أعلم. *** تفسير سورة الأنبياء سؤال: أرجو أن تشرحوا لنا معنى قوله تعالى من سورة الأنبياء: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩] ؟

стр. 150

الجواب: هذه الآية، ذكر الله جل وعلا فيها قضية وحادثة حكم فيها داود ﵇ بحكم الله، وحكم فيها سليمان ﵇ بحكم آخر، وهذه القضية هي أن غنمًا رعت في مزرعة قوم في الليل، ﴿نَفَشَتْ فِيهِ﴾ أفسدت فيها وأكلتها ليلًا، فتقدم أهل الحرث إلى داود ﵇، ليحكم بينهم وبين أهل هذه الغنم، فداود حكم بأن الغنم تكون لأجل الحرث عوضًا عن حرثهم، ثم إن سليمان لما سمع الحكم، حكم بحكم آخر، وهو أن يقوم أصحاب الغنم على سقي الحرث وتعاهده حتى يتكامل، وتكون الغنم بأيدي أصحاب الحرث يستغلونها ويشربون من ألبانها عوضًا عما فاتهم من الحرث، فإذا تكامل الحرث كما كان سلم لأهل الحرث حرثهم، وسلم لأهل الغنم غنمهم، فالله جل وعلا ذكر هذه القضية، وذكر هذين الحكمين ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ ثم أثنى على النبيين بقوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ . قيل: إن داود حكم بالوحي، وسليمان حكم بالوحي، فيكون حكم سليمان ناسخًا لحكم داود. وقيل: إن كلا النبيين حكما بالاجتهاد، وهذا فيه دليل على أن الأنبياء يجتهدون. وعلى كل حال، هذا من حكم النبيين عليهما الصلاة والسلام، والله جل وعلا ذكر هذا لعباده عبرة وتبصرة. *** تفسير سورة النور سؤال: يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] الآية، هل

стр. 151

معنى هذه الآية أن ذلك في هذه الحياة الدنيا أم في الآخرة؟ ففي هذه الدنيا حالات من الزواج على غير هذه القاعدة، فهناك الكثير من الأزواج والزوجات يظلمون في هذه الناحية، فكيف العمل؟ الجواب: في تفسير الآية قولان: القول الأول: الخبيثات: يعني الكلمات الخبيثات، تقال للرجال الخبيثين، والرجال الخبيثون للكلمات الخبيثات، بمعنى أن الخبثاء يكلمون بكلام يناسبهم. وقيل: المراد بالخبيثات هنا الزانيات، أي: النساء غير العفيفات الفاجرات للرجال الخبيثين، والرجال الخبيثون الذين هم غير عفيفين للنساء الخبيثات، يعني الفاجرات للرجال الخبيثين، والرجال الخبيثون الذين هم غير عفيفين للنساء الخبيثات، يعني الفاجرات، وهذا كما في أول السورة ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] ، فالخبيثة لا يصح أن يتزوجها عفيف، وكذلك الخبيث لا يصح أن يتزوج عفيفة، هذا حاصل ما قيل في الآيتين. وعلى كل حال فالآية فيها بيان أن هؤلاء الخبثاء يناسبهم ما هو من شكلهم من الكلمات والأشخاص، وأن الطيبين لهم الطيبات، الرجال الطيبون، أو الكلمات الطيبات تقال للرجال الطيبين، والطيبون من الرجال لهم الكلمات الطيبات. سؤال: وماذا عن قولها من ناحية الأزواج والزوجات الذين في هذا الزمان قد يظلمون؟ الجواب: ليس المراد بالخبث ما فهمته السائلة، المراد بالخبث: إما الخبث بالعرض، أو الخبث في الكلام.

стр. 152

تفسير سورة الشعراء سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤-٢٢٦] ، ومن هم المقصودون بهذا الوصف؟ وهل هذا خاص بزمن معين، أم هو مستمر إلى يوم القيامة؟ الجواب: يقول الله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى آخر الآيات، هذا ذكره الله في معرض تنزيه النبي ﷺ عن الصفات التي وصفه بها المشركون؛ لأنهم وصفوه بأنه كاهن، قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١١] . ووصفوه بأنه شاعر، فقال جل وعلا: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فالنبي ﷺ ليس بشاعر أيضًا، وإنما هو نبي من عند الله. فقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ : أي أن هذا وصف ذم للشعراء؛ لأن الشعراء غالبًا ما يكون شعرهم يشتمل على الهجاء القبيح أو على المجون والخلاعة، أو على المدح الكاذب، وغالب الشعر مذموم، ولهذا يقولون: أعذبه أكذبه، فهو من عمل الغاوين. وقيل: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ : المراد بالغاوين هنا: الشياطين؛ لأن الشياطين تقرب من الشعراء، وكل شاعر له رأي من الجن. وعلى كل حال، هذه صفة ذم، ثم بين صفة ثانية من صفات الشعراء، قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ : بمعنى أن الشعراء يشعرون في كل فن من المتناقضات، من المدح والذم، والهجاء والمجون وغير ذلك،

стр. 153

ويقلبون الحق باطلًا والباطل حقًا بشعرهم وألفاظهم، فهم يهيمون في أودية الباطل، ويلونون مقاصدهم وأشعارهم حسب ما يريدون، فهم متقلبون، لا يثبتون على حالة، تارة يمدحون وتارة يذمون، وتارة يقرون بالفسق والخمر والزنا وغير ذلك، هذه من صفات غالبهم. والصفة الثالثة: أنهم يقولون ما لا يفعلون، فهم يحثون على الكرم والشجاعة والبطولة وغالبهم جبناء وبخلاء، ولا ينفذون ما يقولون وربما يمدحون أنفسهم بأشياء ليست من صفاتهم فهم يقولون ما لا يفعلون، وهذا من أعظم أنواع العيوب، أن الإنسان يقول ما لا يفعل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] ، ثم إن الله استثنى أهل الإيمان وأهل الصدق من الشعراء ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ، فالشعراء الذين استعملوا شعرهم لنصرة الحق، والرد على المبطلين، هؤلاء استثناهم الله ، مثل حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وشعراء الصحابة الذين صار شعرهم للدعوة الإسلامية والدفاع عن الحق، والذب عن الرسول ﷺ ، فهذا يعتبر من الجهاد في سبيل الله، ومن نصر الحق، وهؤلاء قد استثناهم الله من الشعراء المذمومين. سؤال: إذا يفهم من هذا أن هذه الآية لا تذم الشعر لذاته، وإنما الشعراء الذين يتصفون بهذه الصفات، أما إذا استخدم في أغراض نصرة الإسلام ورفعة شأنه، فهذا أمر محمود. الجواب: نعم، ويدخل في الجهاد.

стр. 154

تفسير سورة فاطر سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨] ؟ وهل معنى هذا أن غير العلماء لا يخشون الله؟ وأي العلماء مقصودون في الآية؟ الجواب: يقول الله لما ذكر آياته الكونية من مخلوقات وتنوع ألوانها، قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ . المراد بالعلماء هنا: أهل العلم الشرعي، الموروث عن النبي ﷺ الذي يعرف بالله وبآياته وقدرته ونعمته على عباده، فأهل العلم بالله هم الذين يخشونه حق خشيته، وهذه من جملة الآيات التي فيها مدح العلماء والثناء عليهم؛ لأنهم هم الذين يخشون الله حق خشيته، إذا كانوا يعملون بعلمهم ويؤدون حقه عليهم، بخلاف علماء الضلال، فإنهم ليسوا كذلك، علماء اليهود ومن نحا نحوهم من علماء الضلال، إنما المراد هنا العلماء العاملين بعلمهم، فإن الله أخبر أنهم هم أهل خشيته، كما أنه ذكر شهادتهم مع شهادته، بقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ، والنصوص في هذا كثيرة، وهذه الآية من جملتها، وأما غير أهل العلم، منهم من يخشى الله على قدر معرفته بالله ، لكن أكثر الناس خشية لله وأعظمهم خشية لله هم أهل العلم، والمقصود بالعلم هنا: العلم الشرعي النبوي. ***

стр. 155

تفسير سورة يس سؤال: قال الله تعالى في سورة يس: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ١-٩] . ما معنى هذه الآيات، ومن هم هؤلاء القوم الذين لم ينذروا مع أن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ؟ الجواب: قوله تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يس﴾ : الصحيح أن هذا من الحروف المقطعة في أوائل السور، والله جل وعلا أعلم بمراده بها. ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ هذا قسم من الله بالقرآن الذي هو كلامه وآياته التي أنزلها، وهو يدل على عظمة هذا القرآن؛ لأن الله أقسم به. ﴿الْحَكِيمِ﴾ معناه: المحكم الذي لا يعتريه نقص ولا يعتريه تناقض، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذا هو المقسم عليه، أقسم الله بالقرآن الحكيم على أن محمدًا من المرسلين، ففي هذا إثبات الرسالة لنبينا محمد ﷺ من الله ، وأنه أثبتها وأقسم عليها جل وعلا. ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: إنك أيها الرسول على طريق واضح، وطريق صحيح، هو صراط الله .

стр. 156

﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي: أن هذه الرسالة وهذا القرآن من الله ، فهو الذي أرسل هذا الرسول، وهو الذي أنزل هذا الكتاب، وهو العزيز، يعني القوي الذي لا يغالب، الرحيم بعباده جل وعلا. والحكمة في ذلك، في إنزال هذا القرآن وفي بعث هذا الرسول، ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ : يعني: لتبين لهم وتخوفهم بالله ، وتنبههم على طريق الصواب وطريق الهدى، وتحذرهم وتنذرهم من طريق الشرك وطريق النار. والمراد بهؤلاء القوم: العرب. لأن النبي ﷺ بعث فيهم أصالة وغيرهم تبعًا، وإلا فهو ﷺ بعث لجميع الثقلين الجن والإنس كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] ، فرسالته عامة، وإن كان قد بعث في العرب، فهو ﷺ مبعوث لجميع الجن والإنس، فرسالته عامة ﵊، ولكنه بدأ بإنذار العرب وهذا من التدرج في الإبلاغ، والتدرج في تبليغ الرسالة، فهو يبلغ العرب، ويبلغ غيرهم، ولهذا كتب ﷺ إلى الملوك، إلى كسرى وقيصر، يدعوهم إلى الإسلام؛ لأنه رسول إليهم. ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ : لا منافاة بين هذا وبين ما ذكره السائل من أن الله قد بعث في كل أمة رسولًا ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] ؛ لأن العرب لم يأتهم بعد إسماعيل ﵇ رسول منهم، إلى أن جاء

стр. 157

محمد ﷺ فلم يبعث في العرب رسول بعد إسماعيل إلا ابنه محمد ﷺ . سؤال: المقصود نذير هنا: من بينهم أو منهم؟ الجواب: نعم، وإن كانت بلغتهم دعوة إبراهيم ﵇ ودعوات الأنبياء، لكن [رسول منهم] ، لم يبعث منهم إلا محمد ﷺ ، ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ . ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ : يعني وجب عليهم العذاب بكفرهم وعنادهم لهذا الرسول ﷺ ، وعدم استجابتهم لدعوته، وبذلك حقت عليهم كلمة العذاب فهم لا يؤمنون. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ٨ - ١١] هذه الآيات كلها إلى قوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ كلها في حق المعاندين الذين عرفوا الحق وبلغتهم الرسالة، فاستكبروا وعاندوا واستمروا على عبادة الأصنام، ودين الآباء والأجداد، وزهدوا بالحق الذي جاء به هذا الرسول ﷺ ، فإن الله جل وعلا ختم على قلوبهم عقوبة لهم، وحق عليهم العذاب فلا مناص لهم من ذلك، وعميت بصائرهم، فمثلهم مثل الذي غلت يداه إلى عنقه، وارتفع رأسه ونظره، وصار يمشي بين سدين، إن تقدم تعثر بالسد الذي أمامه، وإن تأخر تعثر بالسد الذي خلفه فاجتمع عليه عدة أمور:

стр. 158

أولًا: أنه مقمح، بمعنى أنه مرتفع الرأس بسبب الغل الذي في عنقه، فلا ينظر إلى ما تحته. وثانيًا: أن أمامه سد ومن خلفه سد، وأن الله أغشى بصره، فلا يبصر ما حوله، وهذا بسبب أنهم أعرضوا عن آيات الله ولم تصل إلى شغاف قلوبهم، ولم يصل نورها إلى أفئدتهم، فهم صاروا في ظلمات وفي تردد وفي زيغ والعياذ بالله، وهذا يحصل لكل من خالف الرسول ﷺ واستكبر عن دعوته إلى يوم القيامة، نسأل الله العافية والسلامة. *** سؤال: يقول الله تعالى في سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ، ما معنى هذه الآية؟ الجواب: معنى هذه الآية ذكر جحد الكافر للبعث، وقبلها قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩] ، فهذا الكافر يجحد البعث ويكفر به ويستبعد أن يعيد الله العظام بعدما تفتتت وضاعت في الأرض وصارت ترابًا، يستبعد قدرة الله على إعادتها مرة ثانية، وهذا من جهله، والدليل على قدرة الله تعالى مرتكز فيه هو؛ في هذا الإنسان لو تأمل، فإن الذي قدر على خلقه أول مرة من نطفة وهو من ماء مهين، أي الماء الضعيف، الذي قدر على أن يخلق من هذا الماء الضعيف إنسانًا قويًّا، قادر على إعادته من باب أولى، فإن من قدر على البداءة، فهو قادر على الإعادة من باب أولى، فهو يجحد آية فيه وينكر قدرة الله على إعادة

стр. 159

العظام وهي رميم وإحيائها مرة ثانية، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] ، فإذا كان أنشأها أول مرة، بعد أن لم تكن، فهو قادر على إعادتها من باب أولى. *** تفسير سورة الزمر سؤال: أرجو التكرم بشرح هذه الآيات من سورة الزمر وبيان معناها ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧١-٧٥] . الجواب: هذه الآيات تصور أحوال الناس يوم القيامة، أحوال الكافرين، وأحوال المؤمنين؛ لأن الكافرين يساقون إلى جهنم وهي النار - والعياذ بالله - فإذا وصلوا إليها فتحت أبوابها لدخولهم فيها، وعند ذلك توبخهم الملائكة، وتهددهم وتسألهم سؤال توبيخ؛ لأنهم هم الذين تسببوا لأنفسهم في هذا الموقف الرهيب، والوقوع في هذا المأزق الحرج، حيث لم يستجيبوا لرسل الله في الدنيا؛ لأن الله أرسل إليهم

стр. 160

الرسل لهدايتهم، ونجاتهم من هذا العذاب، وهذا الموقف لو أنهم استجابوا للرسل، فالملائكة تسألهم سؤال توبيخ، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ ، فيعترفون بذلك ويقرون على أنفسهم بأن الذنب ذنبهم، وأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم حيث لم يستجيبوا للرسل ولم يمتثلوا ما في الكتب المنزلة، وفي هذا زيادة تعذيب لهم وتوبيخ لهم، وأنها تنقطع معذرتهم حين ذاك، وأما المؤمنون فإنهم يساقون إلى الجنة لأنهم أطاعوا الرسل وعملوا بالكتب المنزلة فأنجاهم الله مما وقع فيه هؤلاء الكفار، وتستقبلهم الملائكة بالبشارة وتسلم عليهم، وتهنئهم بما نالوا من كرامة الله ، وأن السبب في ذلك أنهم طيبون، طيبة أعمالهم، طيبة نفوسهم ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ ، باقين أبد الآبدين في نعيم وفي سرور، ثم ختم الله هذا المشهد العظيم في أن الملائكة الكرام يحفون بعرشه ، وأنهم يسبحون الله وينزهونه عن النقائص والعيوب، وأن جزاءه للفريقين: الكفار والمؤمنين، جزاء عادل، وأنه يحمد عليه ، وفي النهاية يكون الحمد لله رب العالمين على ما قضى ودبر وحكم وعدل، وأعطى كل ذي حق حقه، ووفى كل عامل حسابه اللائق به، فهو يحمد على ذلك، وله الحمد في الأولى والآخرة وهو الحكيم الخبير. سؤال: في قول الله تعالى ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ ، ما معنى قوله (زمرًا) ؟ الجواب: الزمر الجماعات.

стр. 161

سؤال: وما معنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ؟ الجواب: القضاء والقدر؛ لأن هؤلاء قدر الله عليهم هذا الجزاء لكفرهم وعنادهم بسبب من قبلهم، فالله قدر عليهم ذلك بسبب من قبل أنفسهم؛ لأنهم لم يستجيبوا لرسل الله، ولم يمتثلوا ما جاء في كتبه السماوية، فهو قدر عليهم هذا القدر لأعمالهم السيئة. سؤال: وما معنى قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ ؟ الجواب: أن الله يورث المؤمنين الجنة كما قال تعالى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١] ، وقيل في معنى الآية: إن الله يورث المؤمنين منازل الكفار في الجنة، فإن الكفار لو آمنوا لكان لهم منازل في الجنة، ولكنهم بكفرهم حرموا من ذلك فورثها المؤمنون. سؤال: ما معنى "نتبوأ " يعني: نحتل؟ الجواب: نتبوأ، يعني نختار ونتوسع فيها. سؤال: هل هناك سر في وجود الواو من عدمها في قوله في الآية الأولى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ ، وفي الآية الأخرى في وصف حال المتقين: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ ؟ الجواب: قال بعض المفسرين: الواو هذه تدل على أن أبواب الجنة ثمانية، وتسمى هذه الواو واو الثمانية كما قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] ، فالواو هذه تدل على أن أبواب الجنة ثمانية، ولعله مأخوذ من حروف الجمل.

стр. 162

وابن القيم له رأي في هذا، يقول: إن الجنة غالية ولا يدخلها المؤمنون إلا بعد أن تستفتح، وأول من يستفتح باب الجنة هو محمد ﷺ ، وأول من يدخلها من الأمم أمته، فهم لا يدخلونها من أول ما يصلون، بل لا بد من استفتاح؛ لأنها غالية وثمينة، أما النار - والعياذ بالله - فإنهم من حين يصلون إليها وهي مفتوحة، ويدخلونها رغمًا عن إرادتهم ورغبتهم. *** تفسير سورة الشورى سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] ؟ الجواب: يبين الله أنه لو وسع الرزق على عباده لبغوا في الأرض. والبغي: هو التعدي والطغيان؛ لأن الإنسان إذا استغنى حمله ذلك على الأشر والبطر، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧] ، فالله جل وعلا بحكمته يرزق من يشاء ويوسع عليه في الرزق؛ لأن ذلك أصلح له، ويضيق الرزق على آخرين؛ لأن ذلك أصلح لهم، فمن الناس من لا يصلحه إلا الغنى، ولو افتقر لأفسد ذلك عليه دينه، ومن الناس من لا يصلحه إلا الفقر، ولو استغنى لأفسد ذلك عليه دينه، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه، فالله جل وعلا حكيم عليم، يرزق عباده بحسب حكمته وعلمه بما يصلحهم وما تنتظم به مصالحهم. ***

стр. 163

تفسير سورة الزخرف سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ؟ الجواب: معنى الآية (ومن يعش) أي: يتعامى ويتغافل ويعرض عن ذكر الرحمن، والعشي في العين: ضعف بصرها. والمراد هاهنا عشي البصيرة، أي: عمى القلب عن كتاب الله بأن لا يتدبره ولا يقبل عليه، ولا يكثر من تلاوته. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ هذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] ، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] ، وكقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥] ، بمعنى: أن من أعرض عن كتاب الله، وعن هداية الله، فإن الله يعاقبه بعمى البصيرة، ويعاقبه بقرناء السوء من شياطين الإنس والجن الذين يصرفونه عن الحق، ولهذا قال ﵎ هاهنا: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] ، أي هذا الذي تغافل عن الهدى، يقيض له من الشياطين من يضله ويهديه إلى صراط الجحيم، فإذا وافى الله يوم القيامة، يتبرم بالشيطان الذي وكل به، قال: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] ، يعني: القرين والمقارن. نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 164

تفسير سورة النجم سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٣-١٨] . الجواب: ذكر الله في سياق الآيات التي يثني فيها على رسوله ﷺ وينفي عنه ما اتهمه به المشركون. فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ، معناه: أن محمدًا ﷺ رأى جبريل في صورته الأصلية التي هو عليها مرتين، مرة في الأفق الأعلى تحت السماء الدنيا، والمرة الثانية فوق السماء السابعة ليلة أسري برسول الله ﷺ ، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ : أي رأى محمد جبريل مرة أخرى نازلًا إليه. ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ : وهي شجرة عظيمة جدًّا فوق السماء السابعة، سميت: ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ ؛ لأنه ينتهي إليها ما يعرج من الأرض، وينزل إليها ما ينزل من الله من الوحي وغيره، أو لانتهاء علم المخلوقات إليها، أي لكونها فوق السماوات والأرض، فهي المنتهى في علوها، أو لغير ذلك، فرأى محمد ﷺ جبريل في ذلك المكان الذي هو محل الأرواح العلوية الزاكية التي لا يقربها شيطان ولا غيره من الأرواح الخبيثة. عِنْدَهَا: أي عند تلك الشجرة ﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ ، أي الجنة الجامعة لكل نعيم، بحيث كانت محلًا تنتهي إليه الأماني وترغب فيه الإرادات، وتأوي إليه الرغبات، وهذا دليل على أن الجنة في أعلى الأماكن وفوق السماء السابعة.

стр. 165

وقوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ : أي يغشاها من أمر الله شيء عظيم لا يعلم وصفه إلا الله . ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ : أي ما زاغ بصر محمد ﷺ يمنة ولا يسرة عن مقصوده. ﴿وَمَا طَغَى﴾ : أي ما تجاوز البصر. وهذا كمال الأدب منه صلوات الله وسلامه عليه أن قام مقامًا أقامه الله فيه ولم يقصر عنه ولم يتجاوزه ولا حاد عنه، وهذا أكمل ما يكون منه الأدب العظيم الذي فاق فيه الأولين والآخرين، فإن الإخلال يكون بأحد هذه الأمور، إما أن لا يقوم العبد بما أمر به، أو يقوم به على وجه التفريط، أو يقوم به على وجه الإفراط أو على وجه الحيدة يمينًا وشمالًا، وهذه الأمور كلها منتفية عنه ﷺ . وقوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ : أي من الجنة والنار وغير ذلك من الأمور التي رآها النبي ﷺ لما أسري به. والله أعلم. *** سؤال: ما معنى الآيتين الكريمتين في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] ، وهل بينهما نسخ أو تعارض؟ وماذا نستفيد منهما؟ الجواب: بين الآيتين إشكال، ذلك أن الآية الأولى فيها: أن الإنسان لا يملك إلا سعيه ولا يملك سعي غيره ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ، فملكيته محصورة بسعيه، ولا ينفعه إلا سعيه، بينما الآية الأخرى فيها أن

стр. 166

الذرية إذا آمنت فإنها تلحق بآبائها في الجنة وتكون معهم في درجتهم وإن لم تكن عملت عملهم، فالذرية إذا استفادت من عمل غيرها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] ، فالآية الكريمة تدل على أن الذرية يلحقون بآبائهم في درجاتهم ويرفعون معهم في درجاتهم وإن لم يكن عملهم كعمل آبائهم، فظاهر الآية أنهم انتفعوا بعمل غيرهم وسعي غيرهم، بينما الآية الأخرى أن الإنسان لا ينفعه إلا سعيه. وقد أجاب العلماء عن هذا بعدة أجوبة: الجواب الأول: أن الآية الأولى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ مطلقة والآية الثانية ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ مقيدة. والمطلق يحمل على المقيد كما هو مقرر في علم الأصول. والجواب الثاني: أن الآية الأولى تخبر أن الإنسان لا يملك إلا سعيه، ولا ينفعه إلا سعيه، ولكنها لم تنف أن الإنسان ينتفع بعمل غيره، من غير تملك له، فالآية الأولى في الملكية، والثانية في الانتفاع، أن الإنسان قد ينتفع بعمل غيره وإن لم يكن ملكه، ولهذا ينفعه إذا تصدق عنه، وينفعه إذا استغفر له، ودعي له، فالإنسان يستفيد من دعاء غيره، ومن عمل غيره، وهو ميت. والانتفاع غير الملكية، فالآية الأولى في نوع، والآية الثانية في نوع آخر، ولا تعارض بينهما.

стр. 167

هذا الجواب أحسن من الأول في نظري، فهذا الجواب هو الراجح في نظري. وهناك جواب آخر: هو أن الآية الأولى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ منسوخة؛ لأنها في شرع من قبلنا لأن الله تعالى يقول: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩] ، فهذه تحكي ما كان في صحف موسى وصحف إبراهيم ﵉، لكن جاءت شريعتنا بأن الإنسان ينتفع بعمل غيره، فيكون ذلك نسخًا، ولكن هذا الجواب ضعيف، والجواب الذي قبله أرجح في نظري، والله أعلم. سؤال: ألا يحمل من الذرية هنا، أنهم هم الأطفال الذين يموتون قبل الحلم؟ الجواب: لا، المراد بالذرية، عموم الذرية. *** تفسير سورة الرحمن سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ؟ وما البحران المقصودان في الآية؟ الجواب: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ يعني: يتجاوران، يتجاور البحران، هذا معنى يلتقيان. والمراد بالبحرين: البحر العذب والبحر المالح. وقيل: المراد بذلك بحر فارس وبحر الروم، حيث يلتقيان في المحيط. فالبحرين إما أن المراد بهما: البحر العذب، والبحر المالح من غير

стр. 168

تعيين، أو المراد بذلك؛ بحر فارس وبحر الروم، ولكن الصحيح الأول أن المراد العموم. ومعنى يلتقيان: يعني يتجاوران. ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ : أي أن هذا لا يختلط بهذا، مع التقائهما. والبرزخ: قيل إنه العازل بينهما. وقيل: إن البرزخ المراد به شيء من الأرض. فالبرزخ: إما عازل بينهما، وإما حاجز بينهما من الأرض، وهذا من قدرة الله ، حيث إن هذه البحار تتجاور ويلتقي بعضها ببعض، ولا يؤثر بعضها على بعض، لا المالح ينقلب إلى عذب، ولا العذب ينقلب إلى مالح، بل كل منهما يبقى بخصوصياته. سؤال: هل معنى قوله ( ﴿مَرَجَ﴾ ) : أرسل أو خلق؟ الجواب: الظاهر والله أعلم ( ﴿مَرَجَ﴾ ) : خلط بينهما أو التقى، أو أنه لاقى بينهما، أي: جعل بينهما التلاقي. *** تفسير سورة الطلاق سؤال: قال الله تعالى في سورة الطلاق: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] ، ما معنى هذه الآية، وهل المقصود بقوله: ﴿مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ إذا كانت ملكًا لهن، أم ماذا؟

стр. 169

الجواب: يقول الله تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية. هذا خطاب للنبي ﷺ ، وأمر لأمته خاطب به النبي ﷺ تشريفًا له، ثم وجه الخطاب إلى الأمة، فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقد ورد تفسير ذلك عن النبي ﷺ بأن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، وهذا ما يسمى بطلاق السنة، وهو: أن يطلقها وهي طاهر من الحيض في طهر لم يجامعها فيه، ونهى الشارع عن طلاقها في غير هذه الحالة، كأن يطلقها وهي حائض، أو يطلقها في طهر جامعها فيه. سؤال: وإذا كانت حاملًا؟ الجواب: إذا طلقها في طهر جامعها فيه، وقد استبان حملها فلا مانع من ذلك، أو طلقها في طهر لم يجامعها فيه ولم يستبن حملها، فهذا هو طلاق السنة أيضًا، وهو الذي أمر الله أن تطلق له النساء، ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ : أي تقيدوا بها، بأن لا تزيدوا عليها أو تنقصوا منها. والعدة كما بينها الله في آيات أخرى في سورة البقرة، أن الحائض تعتد بثلاث حيض، وفي هذه الصورة أن الحامل تعتد بوضع الحمل ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ . ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ : هذا أمر من الله بتقواه بالتزام هذه الأحكام التي بينها؛ لأنها من مصالح العباد، وهي عبادة لله بالتزام أمره واجتناب نهيه.

стр. 170

﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ : هذا فيه نهي من الله أن لا تخرج المطلقة من بيت الزوجية قبل نهاية عدتها، ففيه مشروعية اعتداد المطلقة في بيت الزوجية، وأن لا تخرج منه؛ لأنها إذا كانت رجعية، فإنها زوجة لها حكم الزوجات ولعل مطلقها أن يراجعها، تكون الفرصة مهيأة للرجعة التي يرغب فيها الشارع، لما فيها من مصلحة، وإن كانت بائنًا، فهذا محل خلاف بين أهل العلم، هل تجب السكنى أو لا تجب، وظاهر الآية أنها أيضًا تجب لها السكنى، والمسألة فيها خلاف، أما الرجعية فلا خلاف؛ لأنها تجب لها السكنى والنفقة لأنها زوجة. ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ : الفاحشة المبينة، قيل: هي الزنا، وقيل: هي البذاءة باللسان، بأن يحصل منها بذاءة على الزوج أو على أهل الزوج، سب أو شتم أو غير ذلك، فإنها حينئذ يسوغ إخراجها من بيت الزوجية ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ والآية عامة للفاحشة المبينة، سواء كانت زنا أو بذاءة أو غير ذلك. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ : أي أحكامه التي حددها وبينها لعباده فالتزموها ولا تتعدوها. ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ : حيث إنه عصى الله وعرض نفسه للعقوبة، عقوبة المخالفة. ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ : لا تدري لعل الله يحدث رغبة في الرجعة بعد الطلاق، ويحصل من الزوج أن يراجع زوجته، ويرغب في بقائها في عصمته، ويكون هذا مما أحدثه الله سبحانه وتعالى

стр. 171

بعدما حصل من الطلاق والنفرة، عادت المودة ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ إلى آخر الآية. فدلت هذه الآية على تحريم طلاق البدعة، وهو الطلاق في الحيض، أو في الطهر الذي جامعها فيه، ولم يتبين حملها، كذلك دلت على تحريم طلاق الثلاث بلفظ واحد؛ لأنه بدعة، وشرعت للمسلم أن يطلق في حالة يباح له فيها الطلاق شرعًا وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه، أو في حالة ما إذا كان جامعها في الطهر، ولكن تبين حملها، فحينئذ يجوز له طلاقها. ودلت على سكنى المعتدة في بيت الزوجية حتى تكمل عدتها، ودلت على تحريم إخراجها أو خروجها من بيت الزوجية قبل تمام العدة، ودلت على وجوب التقيد بالعدة، فلا يزاد فيها ولا ينقص. سؤال: عرفنا أن طلاق البدعة هو الذي يكون في طهر جامعها فيه، أو في حال الحيض، وهذا لا يجوز، لكن إذا صدر الطلاق في هاتين الحالتين، فهل يقع أم لا؟ الجواب: جمهور أهل العلم على أنه يقع؛ لأن ابن عمر ﵄ طلق زوجته وهي حائض، فأمره النبي ﷺ بمراجعتها، والمراجعة لا تكون إلا من طلاق قد وقع، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم. ***

стр. 172

سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ؟ الجواب: ذكر الله في هذه الآية ثلاثة أنواع من المعتدات: النوع الأول: اللائي يئسن من الحيض، الآيسة: التي بلغت سن الإياس بأن بلغت خمسين سنة، فهذه تعتد بالأشهر ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ ؛ لأن كل شهر بدل حيضة؛ لأن الحائض تعتد بثلاث حيض كما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، يعني ثلاث حيض. فالتي لا تحيض، تكون عدتها ثلاثة أشهر، بدل ثلاث حيض. والثانية: اللائي لم يحضن، وهن الصغار اللاتي لم يبلغن سن الحيض، إذا طلقن في هذه الحالة، فهن مثل الآيسات، يعتددن بثلاثة أشهر؛ لأنهن لا حيض لهن. والثالثة: المطلقة الحامل، وهذه عدتها بوضع الحمل، ولو بعد الطلاق بلحظة، ولو بفواق ناقة، فإذا وضعت حملها بعد الطلاق، فإنها تخرج بذلك من العدة، لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ، وهذا هو أصح قولي العلماء. ***

стр. 173

تفسير سورة عبس سؤال: ما معنى كلمة: عبس المذكورة في سورة عبس؟ الجواب: العبس معناه: عبس الإنسان إذا قطب جبينه، وظهرت عليه الكراهة، بأن يتضايق الإنسان من شيء فيظهر على وجهه الكراهة والعبوس وعدم الانبساط، هذا هو الأصل. و ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: ١] ، في القرآن معناها: أن النبي ﷺ حصل منه بعض الكراهية والتضايق، بسبب أن عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى، جاءه يسأله عن أمور من أمور دينه، وكان النبي ﷺ بحضرته ناس من أكابر قريش، وكان ﵊ يطمع في إسلامهم، وترغيبهم والتحدث معهم لعل الله أن يهديهم، ليدعوهم إلى الله ، فلما جاء عبد الله ابن أم مكتوم، يسأله وهو مشغول مع هؤلاء، كأنه كره مجيء عبد الله ابن أم مكتوم في هذه المناسبة، وكره سؤاله؛ لأنه يشغله عن التحدث مع هؤلاء، فعاتبه الله على ذلك وقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١ - ١٠] . والمعنى أن الله ينكر على النبي ﷺ عدم استقباله لعبد الله ابن أم مكتوم الذي جاء راغبًا في الخير، ومقبلًا على الخير، وانشغاله مع قوم لا رغبة لهم في الخير، ولا محبة لهم في دين الإسلام، بل هم في زعمهم أنهم في غنى عنه، فهم ليسوا راغبين، ولا مقبلين على دعوة النبي ﷺ ، من هنا جاء العتاب لرسول الله ﷺ .

стр. 174

تفسير سورة الفجر سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٦-٨] ، وما المقصود: "بإرم"؟ الجواب: هذه القبيلة التي ذكرها الله هي من الأمم الكافرة العاتية التي اغترت بقوتها وجبروتها؛ لأن الله أعطاها من القوة البدنية وقوة الحضارة والملك ما اغترت به وطغت بسببه، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٥، ١٦] ؛ لأنهم لما جاءهم نبي الله هود ﵇ ودعاهم إلى توحيد الله وعبادته، تكبروا وتجبروا واغتروا بقوتهم، وقد ذكر الله قصتهم في مواضع كثيرة من كتابه، ومن ذلك هذا الموضع من سورة الفجر، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ . قال الإمام ابن كثير ﵀: وهؤلاء كانوا متمردين عتاة جبارين، خارجين عن طاعته، مكذبين لرسله، جاحدين لكتبه، فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمرهم وجعلهم أحاديث وعبر، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ، وهؤلاء عاد الأولى، وهم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح. قال ابن إسحاق: وهم الذين بعث الله فيهم رسوله هودًا ﵇، فكذبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم، وأهلكهم

стр. 175

بريح صرصر عاتية، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية، وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع ليعتبر بمصرعهم المؤمنون. فقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ عطف بيان وزيادة تعريف بهم. قوله تعالى: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ : لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم بطشًا، ولهذا ذكرهم هود بتلك النعمة، وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩] ، انتهى كلامه ﵀. وبه يتبين المراد بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ، والله أعلم. *** تفسير سورة العاديات سؤال: ما تفسير قول الله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات: ١، ٢] ، وما المراد بالعاديات هنا؟ الجواب: يقسم الله بالعاديات وهي الخيل، التي تعدوا بركابها عند الحاجة، كما في حالة القتال في سبيل الله والغارات. فمعنى ضبحًا: أي أصواتها عندما تعدو. فالموريات قدحًا: أي أنها تقدح بحوافرها الحجارة عندما تغير. فالمغيرات صبحًا: هي الخيل أيضًا.

стр. 176

وكل هذه أوصاف للخيل وحالتها عند الغارة في سبيل الله وفي هذا دليل على فضل الجهاد في سبيل الله، وركوب الخيل للجهاد في سبيل الله، والله تعالى يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . *** تفسير سورة القارعة سؤال: ما معنى الآية: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١-٣] إلى آخر السورة؟ الجواب: القارعة: يوم القيامة، سمي بالقارعة لأنه يقرع الأسماع بأهواله، وهذا أحد أسمائه، وقد سمي بأسماء كثيرة: القارعة والصاخة والطامة الكبرى والساعة والحاقة وغير ذلك من أسمائه؛ لأنه يوم عظيم، يوم فيه أهوال عظيمة. قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾ ، هذا التكرار من أجل تفخيم هذا اليوم، وشد الانتباه لما يجري فيه من الأهوال حتى يكون المسلم على استعداد لملاقاته، ثم إنه بين ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٤، ٥] ، بين ما يكون في هذا اليوم من الحشر وجمع الخلائق، ومن تغير هذه الكائنات، حتى إن الجبال الرواسي تذوب وتكون كالعهن المنفوش من لينها وذوبانها بعد أن كانت جامدة قوية صلبة، ثم بين انقسام الناس إلى قسمين: سعداء، وأشقياء.

стр. 177

أما السعداء: فهم الذين ثقلت موازين حسناتهم فرجحت بسيئاتهم ففازوا برضا الله ، ونعيم الجنة خالدين مخلدين فيه. والأشقياء: هم الذين خفت موازينهم، بمعنى أن سيئاتهم رجحت على حسناتهم والعياذ بالله، فهؤلاء خابوا وخسروا وانقلبوا إلى أسوأ عاقبة، وهي أن النار مقرهم ومصيرهم أبد الآباد. *** تفسير سورة الماعون سؤال: ما معنى قول الله تعالى في سورة الماعون، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤-٧] ؟ الجواب: ويل: كلمة عذاب وتأديب ووعيد شديد، وقيل: إنه واد في جهنم للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، أي: الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، بأن يصلي الفجر بعدما تطلع الشمس، ويصلي الظهر في وقت العصر، والعصر في وقت المغرب، وهكذا. فالذي يخرج الصلاة عن وقتها هذا يعتبر ساهيًا عنها، ومضيعًا لها كما في الآية الأخرى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] ، فإضاعة الصلاة والسهو عنها، اللذين ورد الوعيد عليهما في هاتين الآيتين، هو إخراجها عن وقتها من غير عذر شرعي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ، أي: مشروطة في أوقاتها، لا يجوز إخراجها عنها من غير عذر شرعي. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ : يعني يراءون الناس بأعمالهم،

стр. 178

يؤدون أعمالًا صالحة لا يريدون بها وجه الله، وإنما يريدون أن يمدحهم الناس، كالذي يتصدق لأجل أن يمدحه الناس أو يصلي، أو يطلب العلم، أو يؤدي أي عبادة من العبادات، لا رغبة في الطاعة والثواب، وإنما يريد بذلك أن يمدحه الناس، ويثنوا عليه، فهذا هو الرياء، وهذا يحبط العمل، كما قال : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] ، والنبي ﷺ يقول: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه، فقال: الرياء» ، فالرياء محبط للعمل وهو شرك أصغر. وهو خطر شديد، وهو من صفات المنافقين؛ لأنهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] . فالرياء داء خطير، ومرض وبيل، والواجب على المسلم أن يخلص عمله لله ، ولا يقصد من ورائه رياءً ولا سمعة. وأما الذين يمنعون الماعون: المراد بالماعون هنا العارية؛ لأن بذل العارية للمحتاج من الطاعة والإحسان يثاب عليها الإنسان، فالذي يمنع العارية عن المحتاج وهو لا ضرر عليه في بذلها يعتبر عليه هذا الوعيد العظيم. وقد فسر الماعون بما يشمل القدر والفأس والحبل والدلو وكل ما يحتاجه الناس لأمورهم التي يضطرون إليها، فبذل العارية للمحتاجين، إذا لم يترتب على ذلك ضرر بالمعير، وهو في غنى عنها، فإن بذلها من الطاعة ومنعها من المتوعد عليه في هذه الآية الكريمة. ***

стр. 179

كتاب الحديث

стр. 180

معنى حديث كل عمل ابن آدم له إلا الصوم سؤال: في الحديث القدسي: قال الله تعالى: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» ، أرجو من فضيلتكم شرح هذا الحديث، ولماذا خص الصوم بهذا التخصيص؟ أفيدوني بارك الله فيكم. الجواب: هذا حديث عظيم وثابت عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ، أنه قال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» ، فهذا الحديث فيه فضيلة الصيام ومزيته من بين سائر الأعمال، وأن الله اختصه لنفسه من بين أعمال العبد، فهذا تشريف للصيام، وتفضيل له على غيره من الأعمال، وقد أجاب أهل العلم عن قوله تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به» بعدة أجوبة: منهم من قال: إن معنى قوله تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به» ، أن أعمال ابن آدم قد يجري فيها القصاص بينه وبين المظلومين، فالمظلومون يقتصون منه يوم القيامة بأخذ شيء من أعماله وحسناته، كما في الحديث: «بأن الرجل يأتي يوم القيامة بأعمال صالحة أمثال الجبال فيأتي وقد شتم هذا وضرب هذا، وأكل مال هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته، ولهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته ولم يبق شيء يؤخذ من سيئات المظلومين وتطرح عليه، ويطرح بالنار» ، إلا الصيام فإنه لا يؤخذ منه يوم القيامة، وإنما يدخره
следующие страницы →