← Фатава

Фатава · id 8612

مجموع فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان

صالح الفوزان

Полный текст (695 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وكل هذه أوصاف للخيل وحالتها عند الغارة في سبيل الله وفي هذا دليل على فضل الجهاد في سبيل الله، وركوب الخيل للجهاد في سبيل الله، والله تعالى يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . *** تفسير سورة القارعة سؤال: ما معنى الآية: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١-٣] إلى آخر السورة؟ الجواب: القارعة: يوم القيامة، سمي بالقارعة لأنه يقرع الأسماع بأهواله، وهذا أحد أسمائه، وقد سمي بأسماء كثيرة: القارعة والصاخة والطامة الكبرى والساعة والحاقة وغير ذلك من أسمائه؛ لأنه يوم عظيم، يوم فيه أهوال عظيمة. قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾ ، هذا التكرار من أجل تفخيم هذا اليوم، وشد الانتباه لما يجري فيه من الأهوال حتى يكون المسلم على استعداد لملاقاته، ثم إنه بين ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٤، ٥] ، بين ما يكون في هذا اليوم من الحشر وجمع الخلائق، ومن تغير هذه الكائنات، حتى إن الجبال الرواسي تذوب وتكون كالعهن المنفوش من لينها وذوبانها بعد أن كانت جامدة قوية صلبة، ثم بين انقسام الناس إلى قسمين: سعداء، وأشقياء.

стр. 177

أما السعداء: فهم الذين ثقلت موازين حسناتهم فرجحت بسيئاتهم ففازوا برضا الله ، ونعيم الجنة خالدين مخلدين فيه. والأشقياء: هم الذين خفت موازينهم، بمعنى أن سيئاتهم رجحت على حسناتهم والعياذ بالله، فهؤلاء خابوا وخسروا وانقلبوا إلى أسوأ عاقبة، وهي أن النار مقرهم ومصيرهم أبد الآباد. *** تفسير سورة الماعون سؤال: ما معنى قول الله تعالى في سورة الماعون، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤-٧] ؟ الجواب: ويل: كلمة عذاب وتأديب ووعيد شديد، وقيل: إنه واد في جهنم للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، أي: الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، بأن يصلي الفجر بعدما تطلع الشمس، ويصلي الظهر في وقت العصر، والعصر في وقت المغرب، وهكذا. فالذي يخرج الصلاة عن وقتها هذا يعتبر ساهيًا عنها، ومضيعًا لها كما في الآية الأخرى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] ، فإضاعة الصلاة والسهو عنها، اللذين ورد الوعيد عليهما في هاتين الآيتين، هو إخراجها عن وقتها من غير عذر شرعي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ، أي: مشروطة في أوقاتها، لا يجوز إخراجها عنها من غير عذر شرعي. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ : يعني يراءون الناس بأعمالهم،

стр. 178

يؤدون أعمالًا صالحة لا يريدون بها وجه الله، وإنما يريدون أن يمدحهم الناس، كالذي يتصدق لأجل أن يمدحه الناس أو يصلي، أو يطلب العلم، أو يؤدي أي عبادة من العبادات، لا رغبة في الطاعة والثواب، وإنما يريد بذلك أن يمدحه الناس، ويثنوا عليه، فهذا هو الرياء، وهذا يحبط العمل، كما قال : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] ، والنبي ﷺ يقول: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه، فقال: الرياء» ، فالرياء محبط للعمل وهو شرك أصغر. وهو خطر شديد، وهو من صفات المنافقين؛ لأنهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] . فالرياء داء خطير، ومرض وبيل، والواجب على المسلم أن يخلص عمله لله ، ولا يقصد من ورائه رياءً ولا سمعة. وأما الذين يمنعون الماعون: المراد بالماعون هنا العارية؛ لأن بذل العارية للمحتاج من الطاعة والإحسان يثاب عليها الإنسان، فالذي يمنع العارية عن المحتاج وهو لا ضرر عليه في بذلها يعتبر عليه هذا الوعيد العظيم. وقد فسر الماعون بما يشمل القدر والفأس والحبل والدلو وكل ما يحتاجه الناس لأمورهم التي يضطرون إليها، فبذل العارية للمحتاجين، إذا لم يترتب على ذلك ضرر بالمعير، وهو في غنى عنها، فإن بذلها من الطاعة ومنعها من المتوعد عليه في هذه الآية الكريمة. ***

стр. 179

كتاب الحديث

стр. 180

معنى حديث كل عمل ابن آدم له إلا الصوم سؤال: في الحديث القدسي: قال الله تعالى: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» ، أرجو من فضيلتكم شرح هذا الحديث، ولماذا خص الصوم بهذا التخصيص؟ أفيدوني بارك الله فيكم. الجواب: هذا حديث عظيم وثابت عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ، أنه قال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» ، فهذا الحديث فيه فضيلة الصيام ومزيته من بين سائر الأعمال، وأن الله اختصه لنفسه من بين أعمال العبد، فهذا تشريف للصيام، وتفضيل له على غيره من الأعمال، وقد أجاب أهل العلم عن قوله تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به» بعدة أجوبة: منهم من قال: إن معنى قوله تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به» ، أن أعمال ابن آدم قد يجري فيها القصاص بينه وبين المظلومين، فالمظلومون يقتصون منه يوم القيامة بأخذ شيء من أعماله وحسناته، كما في الحديث: «بأن الرجل يأتي يوم القيامة بأعمال صالحة أمثال الجبال فيأتي وقد شتم هذا وضرب هذا، وأكل مال هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته، ولهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته ولم يبق شيء يؤخذ من سيئات المظلومين وتطرح عليه، ويطرح بالنار» ، إلا الصيام فإنه لا يؤخذ منه يوم القيامة، وإنما يدخره

стр. 181

الله للعامل يجزيه به، ويكون هذا معنى قوله: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» ، أي أن أعمال بني آدم يجري فيها القصاص ويأخذها الغرماء يوم القيامة، إذا كان ظلمهم، إلا الصيام، فإن الله يحفظه ولا يتسلط عليه الغرماء، ويكون لصاحبه عند الله . وقيل: إن معنى قوله تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» معناه: أن الصوم عمل باطني، لا يعلمه إلا الله ، فهو نية قلبية، بخلاف سائر الأعمال، فإنها تظهر ويراها الناس، أما الصيام فإنه عمل سري بين العبد وبين ربه ولهذا يقول: «الصوم لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» ، فكونه ترك طعامه وشرابه من أجل الله هذا عمل باطني ونية خفية لا يعلمها إلا الله ، بخلاف الصدقة مثلًا والصلاة والحج والأعمال الظاهرة، هذه يراها الناس، أما الصيام فلا يراه أحد؛ لأنه ليس معنى الصيام ترك الطعام والشراب فقط، أو ترك المفطرات الظاهرة فقط، لكن معنى الصيام أن يكون خالصًا لله ونية صادقة لله ، هذا معنى الصيام، وهذا لا يعلمه إلا الله ؛ فيكون هذا معنى قوله تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به» ، وفسره بقوله: «إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» . ومن العلماء من يقول: إن معنى قوله تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به» أن الصوم لا يدخله شرك، بخلاف سائر الأعمال، فإن المشركين كانوا

стр. 182

يقدمونها لمعبوداتهم، كالذبح والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة، وكذلك الدعاء والخوف والرجاء، فإن كثيرًا من المشركين يتقربون بها إلى أصنامهم ومعبوداتهم، بخلاف الصوم، فلم يذكر أن المشركين كانوا يصومون لأوثانهم ومعبوداتهم، الصوم إنما هو خاص بالله ، فهذا يكون معنى قوله: «الصوم لي وأنا أجزي به» ، أي أنه لا يدخله شرك، ولم يكن المشركون يتقربون به إلى أوثانهم، وإنما يتقرب بالصوم إلى الله . *** معنى حديث: يا معشر الشباب سؤال: ورد عن الرسول ﷺ في معرض الحديث الذي يحث فيه الشباب على الزواج، ورد قوله: «فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» ، فما معنى هذا، وما هي الحكمة من ذلك؟ الجواب: قال النبي ﷺ : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» ، معنى الحديث ظاهر، أن الشاب إذا قويت شهوته ودواعي الجماع عنده، فإن عليه أن يبادر إلى الزواج ليستغل ذلك بالطريق الحلال المشروع، ويسلم ويبتعد عما حرم الله ؛ لأن الله أغنى المسلم بالحلال عن الحرام، فعليه أن يتزوج ليعف نفسه وليغض بصره عن الحرام. فالزواج فيه حصانة للمسلم، وإذا كان لا يستطيع الزواج ماديًّا لكونه فقيرًا، ولا يستطيع القيام بكلف الزواج فإنه يعدل إلى الصوم؛ لأن الصوم

стр. 183

أحد العلاجين؛ لأنه يحد من الشهوة ويضعفها؛ فبذلك يسلم الشاب من إرسال نظره، أو التطلع إلى ما حرم الله ؛ لأنه يشعر بأنه في عبادة؛ فيغض بصره ويحتاط لعبادته، فالصيام فيه ضمانة، وفيه حصانة للمسلم من الوقوع في الحرام، وهذا من فوائد الصيام، بل هذا من أعظم فوائد الصيام، أنه يكون حصانة للمسلم من الوقوع في المحرم، ولهذا قال ﵊: «فإنه له وجاء» يعني أنه يحد من شهوته، ويكسر شهوته العارمة التي يخشى عليه من خطرها، فالرسول ﷺ في هذا الحديث الشريف أرشد الشاب إلى علاجين عظيمين يعالج بهما حدة الشهوة: العلاج الأول: الزواج، قال ﵊: «إنه أغض للبصر، وأحصن للفرج» ، وإذا لم يستطع الزواج فإنه يلجأ إلى العلاج الثاني، وهو الصيام؛ لأن تأثير الصيام معروف في نفسية المسلم وخلق المسلم. *** معنى حديث: من سن في الإسلام سؤال: ما مدى صحة هذا الحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» ، وما معناه؟ وهل هناك مجال لأن يسن الناس سننًا أخرى غير التي اشتمل عليها القرآن الكريم والسنة النبوية، وهل ما يسن من ذلك يعتبر من البدع؟ الجواب: المراد بقوله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة» ، المراد به: من عمل طاعة من الطاعات المشروعة، واقتدى به الناس في ذلك،

стр. 184

فقد سن سنة حسنة، وليس معناه أنه يحدث عبادة جديدة، أو عملًا جديدًا لم يشرعه الله ولا رسوله، لقوله ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» ، وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» ، والأحاديث في ذم البدع والتنفير منها كثيرة، فليس معنى: «من سن في الإسلام سنة حسنة» أنه أحدث شيئًا جديدًا، ولكن معناه أنه عمل بخصلة من خصال الخير فاقتدى به الناس في عمل الخير، فكان فعله هذا سنة حسنة. سؤال: هل يعني أن هذه السنة مأمور بها، لكن الناس أهملوها أو تركوها أو غفلوا عنها؟ الجواب: نعم، ومما يدل على هذا سبب هذا الحديث، ذلك أن النبي ﷺ جاءه ناس محتاجون وبدت عليهم الحاجة والفقر، فالنبي ﷺ خطب الناس وحثهم على الصدقة ورغبهم فيها؛ فجاء رجل معه صرة من المال قد عجزت يده عن حملها، ثم تبادر الناس وكل جاء بما يسر الله حتى بلغت الصدقات أكوامًا عند النبي ﷺ ، فسر النبي بذلك، وقال هذه الكلمة العظيمة: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» ، فهذا الرجل بادر إلى الصدقة فشق الطريق لمن حوله من المسلمين، فاقتدوا به وبادروا.

стр. 185

سؤال: «من سن سنة سيئة» هذه بقية الحديث، أو هي من باب القياس؟ الجواب: هذه من بقية الحديث، على النقيض «من سن سنة حسنة» في مقابلة: «من سن سنة سيئة في الإسلام» ، بأن عمل سوءًا وصار قدوة سيئة للناس في ترك الواجبات وفعل المحرمات وإحداث البدع وغير ذلك. «فعليه وزرها ووزر من عمل بها» : من اقتدى بها يتحمل وزر هذه الجريمة، ووزر من اقتدى به، وهذا لفظ الحديث. *** معنى حديث المؤمن القوي سؤال: ما مدى صحة الحديث القائل: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» ، وإن كان صحيحًا فما معناه وبأي شيء تكون القوة؟ الجواب: أولًا الحديث صحيح، رواه الإمام مسلم في صحيحه. ومعناه: إن المؤمن القوي في إيمانه والقوي في بدنه وعمله خير من المؤمن الضعيف في إيمانه أو الضعيف في عمله وبدنه؛ لأن المؤمن القوي ينتج ويعمل للمسلمين، وينتفع المسلمون بقوته البدنية، وبقوته الإيمانية وبقوته العملية، ينتفعون من ذلك نفعًا عظيمًا، بالجهاد في سبيل الله، وفي تحقيق مصالح المسلمين، وفي الدفاع عن الإسلام والمسلمين، وإذلال الأعداء، والوقوف في وجوههم وهذا ما لا يملكه المؤمن الضعيف، فمن هذا الوجه كان المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، «وفي كل خير» كما يقول النبي ﷺ .

стр. 186

فالإيمان كله خير، المؤمن الضعيف فيه خير، ولكن المؤمن القوي أكثر خيرًا منه لنفسه ولدينه ولإخوانه المسلمين، فهذا فيه الحث على القوة، ودين الإسلام هو دين القوة، ودين العزة، ودين الرفعة، دائمًا وأبدًا يطلب من المسلمين القوة. قال الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] . فالقوة مطلوبة في الإسلام، القوة في الإيمان والعقيدة، والقوة في العمل، والقوة في الأبدان؛ لأن هذا ينتج خيرًا للمسلمين. *** معنى حديث: خذوا عني مناسككم سؤال: السؤال: ما معنى قول الرسول الكريم ﷺ : «خذوا عني مناسككم» ، وما هي صفة حجة الوداع للرسول الكريم ﷺ ؟ الجواب: أما قوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم» ، فمعناه: وجوب اقتداء الحاج بالنبي ﷺ في أعمال الحج بأن يتعلم أفعال الرسول ﷺ التي فعلها في الحج وأقواله، ويقتدي به في ذلك، هذا معنى قوله: «خذوا عني مناسككم» ، يعني تعلموا مني أحكام حجكم وعمرتكم، فافعلوا مثل ما أفعل، وهذا خطاب لمن كان معه ولمن يأتي بعده إلى يوم القيامة، فيجب على كل حاج أو معتمر أن يقتدي بالنبي ﷺ في أداء المناسك، فقد كان

стр. 187

الصحابة ﵃ يشاهدون النبي ﷺ ويتابعونه، ومن يأتي بعده فعليه أن يعمل بالأحاديث الصحيحة الواردة في صفة حجة النبي ﷺ ، ويعمل بموجبها. وإن كان لا يستطيع ذلك، فإنه يسأل أهل العلم بسنة النبي ﷺ ليخبروه وليبينوا له، هذا معنى قوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم» ، فهذا دليل على أن أعمال الحج توقيفية كسائر أنواع العبادة، فإنها توقيفية، فلا يقدم على فعل شيء منها إلا إذا ثبت في الكتاب والسنة أنه مشروع وأنه عبادة. أما صفة حجة الوداع، فوصفها يطول، ولكن على القارئ أن يراجع الأحاديث التي وردت في صفة حج النبي ﷺ ، ومن أعظمها حديث جابر، الحديث المشهور الطويل الذي وصف فيه حجة النبي ﷺ من أولها إلى آخرها. *** معنى حديث: إِذًا يُكْفَى هَمُّكَ سؤال: قرأت حديثًا «عن أبي بن كعب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قال: فقلت: الربع، قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: فقلت: فالثلث، قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قال: فقلت: النصف، قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذا يكفى همك، ويغفر ذنبك» ، فهل هذا الحديث صحيح بهذا اللفظ؟ وما معناه؟ وما المقصود بجعل الصلاة كلها للرسول ﷺ ؟

стр. 188

الجواب: هذا الحديث رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. والمراد بالصلاة هنا: الدعاء، فأبي بن كعب ﵁ كان يكثر من الدعاء. ومعنى الحديث: أنه سأل النبي ﷺ هل يجعل ربع دعائه أو نصفه أو كل دعائه صلاة على النبي ﷺ ، يعني يستبدل الدعاء الذي كان يدعو به، بالصلاة على النبي ﷺ ، فأخبره النبي ﷺ أنه إذا جعل دعاءه كله صلاة على النبي ﷺ أنه يكفى همه ويغفر ذنبه؛ لأن من صلى على النبي ﷺ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشر صلوات، ومن صلى الله عليه فقد كفاه همه، وغفر له ذنبه، فهذا الحديث في فضيلة الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ ، والله أعلم. *** سؤال: قرأت في كتاب المجموعة المباركة في الصلوات المأثورة والأعمال المبرورة، قرأت حديثًا عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى ليلة الجمعة ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، وسورة الزلزلة خمس عشرة مرة، فإذا فرغ من صلاته يقول: يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام مائة مرة، آمنه الله من عذاب القبر ومن ظلمته، ومن أهوال يوم القيامة» ، فما مدى صحة هذا الحديث نصًّا ومعنى؟

стр. 189

الجواب: أولًا: نوجه بأن الحديث لا يؤخذ من مثل هذا الكتاب، وإنما يرجع إلى كتب الحديث الموثوقة كصحيح البخاري، وصحيح مسلم، والسنن، وغيرها من الكتب المعروفة الموثوقة، وبالنسبة لهذا الحديث الذي ذكرت؛ هذا لم أجد له أصلًا فيما اطلعت عليه، ويظهر أنه لا أصل له؛ لأن فضائل الجمعة التي ذكرها أهل العلم لم يكن لهذا الحديث من بينها ذكر، والذي يشرع في ليلة الجمعة الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ في ليلة الجمعة وفي يوم الجمعة، وفي فجر ليلة الجمعة يستحب أن يقرأ في صلاة الفجر، في الركعة الأولى: الم السجدة، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ، هذا الذي يشرع في ليلة الجمعة، وأما أن تخص بصلاة دون غيرها من الليالي، هذا لم يثبت فيه حديث، وهي كغيرها من الليالي، على المسلم أن يصلي ما تيسر من التهجد، ويختم ذلك بالوتر، أما أن يصلي هذه الصلاة التي ذكرتها فهذا لا يصح فيه شيء عن النبي ﷺ ، وعليك كما ذكرنا إذا أردت أن تعمل بحديث أن تراجع كتب السنة المعروفة الموثوقة، أما أن تأخذ كتابًا غريبًا أو مجهولًا فتعتمد عليه، وتنقل منه الحديث، فهذا يوقعك في الخطأ، والأحاديث فيها الموضوع المكذوب على النبي ﷺ وفيها الضعيف، ويبين هذا كتب أهل الفن المتخصصين في الحديث، فليس كل حديث تجده في كتاب يعمل به حتى يتحقق من أصله، ومن مصدره، والله أعلم. ***

стр. 190

معنى حديث: كل لحم نبت من سحت سؤال: قال رسول الله ﷺ : «كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به» ، ما شرح هذا الحديث يا فضيلة الشيخ؟ الجواب: أولًا: الحديث ضعيف، وهو مروي عن أبي بكر الصديق ﵁، وله روايتان، الأولى: «كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به» ، والثانية: «كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به» . والسحت هو الحرام. ومعنى الحديث: أن كل جسم ولحم تغذى بالحرام، فإنه يكون يوم القيامة في النار عقوبة له؛ لأن الله حرم الخبائث والمكاسب المحرمة وأمر بالأكل من الطيبات، وما أباح الله لعباده؛ لأن المحرم يغذي تغذية خبيثة، وأما الطيب فإنه يغذي تغذية طيبة وله آثار حميدة على جسم الإنسان، وعلى تصرفاته وأخلاقه، أما الخبيث فإنه يغذي الإنسان تغذية خبيثة، وينعكس ذلك على تصرفات الشخص وأعماله فإنها تكون خبيثة بتأثير طعامه الخبيث، فدل هذا على ما للمطعم من أثر على الإنسان، وأنه يتأثر به خيرًا إذا كان مطعمًا طيبًا، ويتأثر به شرًّا إذا كان مطعمًا خبيثا، وقد قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] .

стр. 191

وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤] . قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] . وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] . فأمر الناس عمومًا بالأكل من الحلال الطيب، وأمر المؤمنين خصوصًا بالأكل من طيبات ما رزقهم الله ، وأن يشكروا الله على نعمته، هذا يدل على الاهتمام بالمطعم، وأن الإنسان يهتم بما يغذي به جسمه، ويتجنب الحرام، وقد صح في الحديث أن أكل الحرام يمنع من قبول الدعاء، كما في حديث المسافر: «أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يقول: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك» وهذا أمر مهم جدًّا. *** سؤال: وجدت حديثًا عن رسول الله ﷺ يقول: «اثنتا عشرة ركعة تصليهن من ليل أو نهار، وتتشهد بين كل ركعتين، فإذا تشهدت في آخر صلاتك فأثن على الله وصل على النبي ﷺ واقرأ وأنت ساجد فاتحة الكتاب سبع مرات، وآية الكرسي سبع مرات، وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وهو على كل شيء قدير عشر مرات، ثم قل: اللهم إني»

стр. 192

«بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى، وكلماتك التامة، ثم سل حاجتك، ثم ارفع رأسك، ثم سلم يمينًا وشمالًا، قال: ولا تعلموها السفهاء، فإن يدعوا بها يستجاب لهم» أو ما معناه، رواه الحاكم عن ابن مسعود ﵁، وقال أحمد بن حرب: قد جربته فوجدته صحيحًا، وقال إبراهيم بن علي: قد جربته فوجدته حقًّا، وقال الحاكم: قال لنا زكريا: قد جربته فوجدته حقًّا، أفيدونا جزاكم الله خيرًا، هل هذه الصلاة واردة عن النبي ﷺ حقًّا بهذه الصفة؟ الجواب: هذا الحديث لم أقف على أصل بين يدي من: كتب الحديث، كتب التخريج، ولا أدري عنه، مع ما فيه من الغرابة كما ذكر السائل من أنه شرع قراءة الفاتحة في غير القيام، في الركوع أو في السجود، وتكرار ذلك، وأيضًا فيه السؤال بمعاقد العز من العرش وغير ذلك، وكلها أمور غريبة، فالذي ينبغي للسائل أن لا يعمل بهذا الحديث، وفي الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ التي لا إشكال فيها، وفيها من نوافل العبادات، الصلوات والطاعات ما فيه الخير والكفاية إن شاء الله. وأما ما ذكر من أن فلانًا جربه فوجده صحيحًا، وفلانًا جربه فوجده صحيحًا، هذا كله لا يدل على صحة الحديث، يعني كون الإنسان يجرب الشيء ويحصل له مقصوده لا يدل على صحة ما قيل فيه، أو ما ورد فيه،

стр. 193

لأنه قد يصادف حصول هذا الشيء قضاءً وقدرًا، أو يصادف ابتلاءً وامتحانًا للفاعل، فحصول الشيء لا يدل على صحة هذا الأثر. *** معنى حديث: إن لله تعالى عبادًا سؤال: ما معنى الحديث الشريف في حال صحته، قال رسول الله ﷺ : «إن لله تعالى عبادًا اختصهم بحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله» ؟ الجواب: الحديث رمز له السيوطي في الجامع الصغير بأنه حديث حسن. ومعناه واضح: أن الله اختص بعض الناس بقضاء حوائج المحتاجين، واختصهم بأن مكنهم من قضاء حوائج المحتاجين، واختصهم بأن مكنهم من قضاء حوائج الناس بمالهم وبجاههم وبعلمهم، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، وهؤلاء العباد الذين اختصهم الله بهذه الخاصية، المراد حال وجودهم في الحياة الدنيا ومع الناس، لا بعد وفاتهم كما يظن المخرفون المتعلقون بالأموات، والله أعلم. ***

стр. 194

الجمع بين آية وحديث سؤال: كيف نجمع بين قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ، وقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» . الجواب: إن الله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ، والنبي ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده» الحديث، والسائل يطلب الجواب، يعني الجمع بين الآية والحديث، فنقول: ليس بين الآية والحديث تعارض؛ لأن الله أمرنا أن نأخذ بأنفسنا إلى طريق الحق، وأن نلزمه، وألا ننظر إلى فعل الآخرين وانحراف الآخرين، ولا نكون مع الناس، إن أساءوا أسأنا، وإن أحسنوا أحسنا، بل نلزم طريق الإحسان دائمًا وأبدًا، مع أننا نقول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حسب استطاعتنا كما في حديث النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» ، وهذا تشير إليه الآية الكريمة حيث قال سبحانه: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ، ومن الاهتداء أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، حسب استطاعتنا، بعد إصلاح أنفسنا والأخذ بزمام أنفسنا إلى الخير، ونكون أول من يمتثل الخير، ويجتنب الشر. وصديق هذه الأمة وأفضلها بعد نبيها أبو بكر الصديق رضي الله

стр. 195

تعالى عنه تنبه لهذا، وقال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ، وإني سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» ، فهو بين بهذا أنه لا تعارض بين الآية والحديث، وأن من ظن أن معنى الآية ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أخطأ في فهمه للآية، والله تعالى أعلم. *** آية وحديث سؤال: ما مدى صحة الحديث القائل: «من بدل دينه فاقتلوه» ، وما معناه؟ وكيف نجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، وبين قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] ، وبين الحديث القائل: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله » . وهل يفهم أن اعتناق الدين بالاختيار لا بالإكراه؟

стр. 196

الجواب: أولًا الحديث «من بدل دينه فاقتلوه» حديث صحيح، رواه البخاري وغيره من أهل السنة بهذا اللفظ: «من بدل دينه فاقتلوه» ، وأما الجمع بينه وبين ما ذكر من الأدلة، فلا تعارض بين الأدلة ولله الحمد؛ لأن قوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» ، هذا في المرتد الذي يكفر بعد إسلامه، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وأما قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ [يونس: ٩٩] ، فلا تعارض بين هذه الأدلة لأن الدخول في الإسلام لا يمكن الإكراه عليه، الدخول في الإسلام هذا شيء في القلب، وهذا اقتناع في القلب، ولا يمكن أن نتصرف في القلوب، وأن نجعلها مؤمنة، هذا بيد الله ، هو مقلب القلوب، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لكن واجبنا الدعوة إلى الله والبيان والجهاد في سبيل الله لمن عاند وعرف الحق وعاند بعد معرفته، فهذا يجب علينا أن نجاهده، وأما أننا نكرهه على الدخول في الإسلام ونجعل الإيمان في قلبه قسرًا هذا ليس إلينا، وإنما هو راجع إلى الله ، لكن نحن ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ونبين للناس هذا الدين، ونجاهد أهل العناد، وأهل الكفر، والجحود، حتى يكون الدين لله وحده وحتى لا تكون فتنة. أما المرتد فهذا يقتل؛ لأنه كفر بعد إسلامه، وترك الحق بعد

стр. 197

معرفته، فهذا عضو فاسد يجب بتره وإراحة المجتمع منه؛ لأنه فاسد العقيدة، ويخشى أن يفسد عقائد الباقين، هذا لما فسد ومرج قلبه وجب قتله لأنه ترك الحق لا عن جهل، وإنما عن عناد وبعد معرفة الحق، ولذلك صار لا يصلح للبقاء، ويجب قتله، فلا تعارض بين قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، وبين قتل المرتد؛ لأن ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ هذا عند الدخول في الإسلام، وأما قتل المرتد فهذا عند الخروج من الإسلام بعد معرفته وبعد الدخول فيه، على أن الآية وهي قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ فيها أقوال للمفسرين، منهم من يقول: إنها خاصة لأهل الكتاب، وإن أهل الكتاب لا يكرهون، وإنما يطلب منهم الإيمان أو دفع الجزية، فيقرون على دينهم إذا دفعوا الجزية وخضعوا لحكم الإسلام، وليست عامة في كل كافر، ومن العلماء من يرى أنها منسوخة، لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، فهي منسوخة بآية السيف. ولكن الصحيح أنها ليست منسوخة، وأنها ليست خاصة بأهل الكتاب، وإنما معناها: أن هذا الدين بين واضح تقبله الفطر والعقول، وأن أحدًا لا يدخله عن كراهية، وإنما يدخله عن اقتناع وعن محبة ورغبة، هذا هو الصحيح في معنى الآية. ***

стр. 198

كتاب الطهارة

стр. 199

حكم ما خالط الماء الطهور سؤال: ما الحكم إذا خالط الماء الطهور شيء نجس؟ الجواب: المقدار المتفق عليه بين أهل العلم أن ما غير أحد أوصاف الماء الثلاثة، ما غير طعمه أو لونه أو ريحه من نجاسة فهو نجس، هذا بإجماع أهل العلم. أما إذا وقعت نجاسة في ماء ولم يتغير، فهذا إن كان كثيرًا يزيد على القلتين، فهذا طهور بإجماع أهل العلم. وإن كان أقل من قلتين فهذا موضع خلاف، والأحوط اجتنابه لقوله ﷺ : «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» ، فمفهومه أن ما كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث ويؤثر فيه، فالاحتياط تركه إذا كان قليلًا، وفيه نجاسة ولو لم تغير أحد أوصافه، خروجًا من الخلاف. وأما إذا كان أكثر من قلتين ولم يتغير، فهو طهور. *** التشدد في الطهارة سؤال: تقع بالقرب منا بركة ماء نشرب منها ونأخذ للبيت منها بواسطة القرب، ولكن يتسرب من المكان الذي نملأ منه القرب ونشربه أو نتوضأ منه، يتسرب منه ماء إلى الأرض، فتأتي أحيانًا الكلاب وتشرب منه،

стр. 200

فحينما نأتي للوضوء أو لأخذ الماء، قد يقع على ملابسنا شيء من ذلك الذي شربت منه الكلاب، أو يقع على القرب، فهل يؤثر هذا على طهارة ملابسنا، وبكم غسلة يجب أن نزيل ما لحق بها، وكذلك القرب هل يجب غسلها أم لا؟ وإذا مست نجاسة الكلب الثوب مباشرة فبكم غسلة يجب أن يطهر؟ الجواب: لا نرى داعيًا لهذا التشدد، ما دام أن هذا الماء المتسرب قد اجتمع منه ماء كثير، فإنه لا يؤثر شرب الكلب منه، أو مرورها فيه؛ لأن النبي ﷺ سئل عن الماء يكون في الفلاة، وما ينوبه من السباع، فقال ﵊: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» ، وقال ﵊: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» . فالأصل في هذا الماء أنه طهور، ولا ينجس ما أصابه، خصوصًا إذا كان كثيرًا كما ذكرنا. أما من ناحية لو أن نجاسة الكلب أصابت الثوب، كأن أصابه شيء من بول الكلب أو من لعابه، فإنه يطهر بغسله غسلًا يزيل النجاسة، يغسله حتى يجزم أن النجاسة زالت منه، كغيره من النجاسات، والله تعالى أعلم. ***

стр. 201

الأصل طهارة ثوب المرأة سؤال: من عادة النساء أن تكون ملابسهن طويلة، مما يعرضها أحيانًا لبعض النجاسات أو الأوساخ، فهل يجوز أن يصلين فيها؟ الجواب: من المعلوم أن المرأة بحاجة إلى الزيادة في ثوبها الذي يكون من ورائها، بحيث إنه ينسحب على الأرض طلبًا للستر، وهذا شيء طيب، وهو مما يطلب من المرأة، سترًا لها، وصيانة لها، ومروره على الأرض لا بأس به، وتصلي فيه إلا إذا علمت أنه أصابته نجاسة، فإنها حينئذ تزيل النجاسة التي أصابته، ثم تصلي فيه. أما ما لم تعلم أنه أصابته نجاسة فالأصل الطهارة، وكونه يمر على الأرض أو على وجه الأرض لا يضر ولا يحكم عليه بالنجاسة بمجرد الشك، والله أعلم. *** كلب الصيد يعفى عن أثر عضته في الصيد سؤال: ما الحكم في الموضع الذي يمسكه كلب الصيد بفمه من الصيد الذي يصيده؟ هل يجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب؟ أم لا ينطبق هذا الحكم إلا على الآنية التي يأكل فيها أو يشرب فيها الكلب فقط؟ الجواب: الغسل سبع مرات إحداهن بالتراب بالنسبة للكلب هذا إذا شرب في الإناء أو أكل منه، أما كلب الصيد فإنه يعفى عن أثر عضته في الصيد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ، ولم يأمر بالغسل، كذلك النبي ﷺ يقول: «إذا أرسلت كلبك»

стр. 202

«المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل» ، ولم يأمر بالغسل. أما الغسل سبع مرات إحداهن بالتراب فيختص بالإناء، وإذا ولغ فيه الكلب أو أكل منه، سواء كان كلب صيد أو غيره. *** الطعام المستخرج من عظام الخنزير سؤال: ما الحكم في تناول طعام مستخرج من عظام الخنزير أو لحمه أو شحمه؟ الجواب: إذا تأكد المسلم أن الطعام مستخرج من الخنزير، أو فيه شيء من أجزاء الخنزير فإنه يحرم عليه أكله، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] ، وهذا مجمع عليه بين الأمة، فتحريم الخنزير في الكتاب والسنة والإجماع، فالطعام الذي فيه شيء من أجزاء الخنزير يحرم أكله. *** الآنية التي تأكل فيها الكلاب سؤال: ما حكم الأكل أو الشرب في آنية تأكل وتشرب فيها الكلاب بدون علم، وماذا يلزمنا لاستعمال آنية الكلاب؟ الجواب: أولًا: في الأواني النظيفة والأواني الطاهرة غنًى عن استعمال الأواني التي تأكل منها الكلاب، أو تشرب منها الكلاب.

стр. 203

فعليكم أن تعدلوا إلى الأواني الطيبة النزيهة النظيفة، أما لو دعت الحاجة إلى استعمال إناء ولغ فيه الكلب أو أكل فيه الكلب، فإن النبي ﷺ أمرنا إذا ولغ الكلب في الإناء أن نغسله سبع مرات، إحداهن بالتراب، فيجب عليكم إذا أردتم أن تستعملوا إناءً من الأواني التي تأكل أو تشرب منها الكلاب أن تغسلوه سبع مرات، وأن تعفروه بالتراب، ثم بعد ذلك تستعملونه. سؤال: أما عن الأكل أو الشرب بدون علم إن شاء الله، فإنهم لا يؤاخذون على ذلك؟ الجواب: إذا لم يعلم الإنسان أن هذا الإناء ولغ فيه كلب، فالأصل الطهارة والأصل الإباحة، مجرد الوهم أو الشك لا يترتب عليه حكم شرعي، فالإناء الأصل فيه الطهارة إلا إذا تيقن الإنسان وعلم أنه ولغ فيه كلب، فإنه يجب عليه إذا أراد أن يستعمل هذا الإناء أن ينفذ ما أمر به النبي ﷺ من غسله سبع مرات إحداهن بالتراب. *** خصي الحيوان وكيه سؤال: تجري عادة عند بعض الأشخاص المشتغلين بتربية المواشي، وهي إجراء عملية الخصي للذكور منها، رغبة في تسمينها، وذلك بعدة طرق كلها تسبب ألمًا للحيوان، فهل هذا جائز أم لا؟ كذلك عملية الوسم، أي وضع علامة على أذن الحيوان بحرقها بالنار أو قطعها ونحو ذلك، مما يسبب ألمًا شديدًا لها، فهل في ذلك إثم على فاعله أم لا؟

стр. 204

الجواب: يجب الإحسان بالحيوانات وعدم إلحاق الضرر بها وما يؤلمها من غير مصلحة شرعية، ويجب الرفق بها، والإحسان إليها. أما مسألة خصي الحيوان لأجل تسمينه، أو وسمه لأجل أن يعرف، إما بقطع أذنه أو كيه، أو ما أشبه ذلك فلا بأس بذلك؛ لأن فعل هذا لمصلحة، لكن عليه أن يستعمل مع الحيوان في إجراء هذه العملية الأسهل، ولا يستعمل في طريقة الخصي أو الوسم الطريقة المؤلمة التي تؤذي الحيوان بدون فائدة، على أنه يحرم عليه أن يجعل الوسم في الوجه، فيجب عليه أن يتجنب وجه الحيوان فلا يسمه، لا بكي ولا بقطع ولا بضرب ولا بغير ذلك؛ لأنه منهي عن ضرب الوجه، وعن الوسم في الوجه. أما الوسم في الأذن فلا بأس بذلك، سواء كان بقطع طرف منها أو خرقها، أو كيها بنار، لا بأس في ذلك؛ لأنه لمصلحة، لكن عليه أن يستعمل الطريقة المريحة في هذا. *** قتل الحيوانات عن طريق الخطأ سؤال: أحيانًا وأنا أقود سيارتي بسرعة تتعرض لي بعض القطط أو الكلاب، فلا أستطيع السيطرة على السيارة أو تفاديها، فأدهسها رغمًا عني، فهل علي إثم في هذا أم لا؟ الجواب: الحيوانات لها حرمة، لا يجوز الاعتداء عليها وقتلها إلا إذا كانت مؤذية، كالسباع والحيات والأشياء المؤذية، أما الحيوانات غير المؤذية فهذه لا يجوز قتلها، وإذا كانت عرضت لك وأنت في السيارة فعليك أن

стр. 205

تحافظ على حياتها وأن تترك لها فرصة المرور، أما إذا لم تتمكن من ذلك، كأن دهستها من غير قصد ولم تتمكن من الامتناع، فلا حرج عليك في ذلك، إنما تأثم لو تعمدت قتلها بدون مبرر؛ لأنها حيوانات لها حرمة، وليست مؤذية. سؤال: القطط من الحيوانات الأليفة، لكن لو كانت تسبب أذى في إتلاف بعض الممتلكات مثلًا أو أكل الدجاج مثلًا أو نحو ذلك، فهل يجوز إتلافها؟ الجواب: نعم، كل المؤذيات قططًا أو غيرها إذا آذت ولم تنزجر بالتأديب، فإنه يجوز قتلها دفعًا لأذاها وضررها. *** ذبائح أهل الكتاب سؤال: نحن جماعة في قرية الصعيد، ويوجد في هذه القرية الكثير من الجزارين، وهم يدينون بالديانة المسيحية، ونحن نأكل من هذا اللحم الذي يبيعونه لنا، هل هذا حرام يا فضيلة الشيخ، أفيدونا بذلك؟ الجواب: هذا ليس بحرام، ذبائح أهل الكتاب مباحة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، والمراد بطعامهم هنا: ذبائحهم. الله سبحانه أباح لنا أن نأكل من ذبائح أهل الكتاب، لكن بشرط أن يكونوا ذبحوها على الطريقة الشرعية. أما إذا ذبحوها بغير الطريقة الشرعية، كالصعق الكهربائي والخنق، أو الوقذ، أو ما أشبه ذلك، فإنها لا تؤكل ذبائحهم، كما لا تؤكل ذبيحة المسلم إذا فعل هذه الأشياء،

стр. 206

فالمسلم إذا ذكى على غير الطريقة الشرعية فلا تؤكل ذبيحته، كذلك الكتابي من باب أولى إذا ذكى على غير الطريقة الشرعية، فإنها لا تؤكل ذبيحته، أما إذا ذكى على الطريقة الشرعية فإن الذبيحة حلال. *** الأكل من طعام الكفار سؤال: نحن من السودان، ونعمل في العراق، وهم كانوا يقومون بذبح الطعام لنا، علمًا بأنهم لا يدينون بالدين الإسلامي، فما رأي الشرع في نظركم في هذا الطعام الذي نتناوله عندما يطبخونه لنا؟ الجواب: لا شك أن المسلم ينبغي له أن يتجنب الكفار ومخالطتهم والأكل معهم واستعمالهم في أعماله الخاصة؛ لأنهم أعداء لله ولرسوله، وفي مخالطتهم ضرر كبير، والله جل وعلا يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] ، فهم أعداء الله، وأعداء رسوله، وأعداء المؤمنين، لا يجوز للمسلم أن يثق بهم، وأن يوليهم شئونه الخاصة وأن يؤاكلهم ويجالسهم، مطمئنًا إليهم، ومنشرحًا صدره بهم، ومستأنسًا بهم، لا يجوز للمسلم هذا. بل يجب عليه أن يفارقهم، وأن يبعدهم عن أموره الخاصة، لا في الطبخ ولا في غيره. أما أكل الطعام الذي طبخوه في حد ذاته فهو جائز، إلا ما وضعوا فيه موادا محرمة، كلحم الخنزير ومشتقاته، أو شيء من ذبائحهم إذا كانوا غير كتابيين، فذبائح غير أهل الكتاب محرمة وهي ميتة، فإذا وضعوا في

стр. 207

الطعام شيئًا من ذبائحهم المحرمة أو من لحم الخنزير ومشتقاته، فإنه يحرم على المسلم أن يأكل ما طبخوه من الطعام. أما إذا خلا من هذه المحاذير، فلا بأس أن يأكل المسلم من طعامهم وما طبخوه، ولكن كما ذكرنا يحرص على الابتعاد عنهم وتوليتهم شئونه الخاصة. *** التسمية من واجبات الوضوء سؤال: إذا كان الإنسان في دورة المياه، وأراد أن يتوضأ للصلاة، كيف يبسمل وهو في دورة المياه؟ وهل يصح الوضوء بدون بسملة؟ أفيدونا بالجواب. الجواب: التسمية في أول الوضوء واجب من واجبات الوضوء على مذهب الإمام أحمد ﵀ لقوله ﷺ : «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» ، وإن كان فيه مقال، إلا أن هناك أحاديث تؤيده، وتشهد له بالجملة. أما عند جمهور أهل العلم فيرون أن التسمية في الوضوء مستحبة، وليست بواجبة، وعلى كل حال فدورة المياه ليست محلا لذكر الله ، بل يحرم ذكر الله في مواضع قضاء الحاجة؛ لأن هذه مواضع خبيثة ومواضع ممتهنة، واسم الله جل وعلا يكرم ويعظم من أن يذكر في المواطن غير اللائقة، فهذا المتوضئ إذا أراد أن يدخل الحمام، فإنه يقول: بسم الله، قبل دخوله، ويكفيه هذا عن التسمية عند بداية الوضوء، بل يسبقها عند الدخول، وتكفيه إن شاء الله.

стр. 208

مس عورة الطفل تنقض الوضوء سؤال: ما حكم مس عورة الطفل، هل تنقض الوضوء أم لا؟ الجواب: مس الفرج قبلًا كان أو دبرًا، ينقض الوضوء من الكبير ومن الصغير، فلا فرق بين الكبير والصغير في هذا. *** لمس المرأة للرجل بدون قصد لا ينقض الوضوء سؤال: لمس المرأة للرجل بدون أي قصد، كمرورها من مكان مزدحم ونحوه، أو تناولها شيء من بائع سلعة، أو هي تناوله ثمنًا ونحو ذلك، هل مثل هذا اللمس ينقض وضوءها، إذا كانت قبله على وضوء، أم أن مثل هذا لا يؤثر؟ الجواب: أولًا: ننصح المرأة أن لا تزاحم الرجال وأن تبتعد عن الاختلاط ومماسة الرجال، وأن تتجنب مواطن الزحمة التي يخشى معها من الفتنة، فإن المرأة فتنة تفتن نفسها، وتفتن غيرها، فيجب عليها أن تبتعد عن مواطن الفتنة. أما بالنسبة فيما لو لمست بدن رجل من غير قصد، كما ذكرت، فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا ينتقض وضوؤها، وإنما ينتقض وضوؤها إذا لمسته لشهوة، أو لمسها هو لشهوة، أما إذا حصل ذلك اتفاقًا من غير قصد، فإنه لا يؤثر على الوضوء، لكن كما ذكرنا المخالطة والمماسة هذه أمور لا تجوز بين الرجال والنساء.

стр. 209

خروج الدم والوضوء سؤال: في حالة خروج الدم من المتوضئ من مكان يصله الوضوء، كالوجه أو اليد، في حالة سيلانه، أو في حالة عدم سيلانه، هل ينقض الوضوء في هاتين الحالتين، ولو خرج الدم من مكان لا يصله الوضوء أيضًا، فهل ينقض الوضوء؟ الجواب: خروج الدم إذا كان من أحد السبيلين، فإنه ينقض الوضوء مطلقًا، سواءً كان قليلًا أو كثيرًا. أما إذا خرج من بقية البدن، فإنه لا ينقض الوضوء إلا إذا كان كثيرًا فاحشًا، أما الدم اليسير من غير السبيلين، هذا لا ينقض الوضوء، سواءً كان في أعضاء الوضوء أو في غيرها، العبرة بالكثير، هو الذي ينقض الوضوء عند بعض العلماء، وأما اليسير فلا ينقض. *** الوضوء من الماء الذي تغير بغير نجاسة سؤال: في قريتنا جامع وله بركة للوضوء، فيبقى الماء فيها مدة خمسة أشهر أو أكثر ويتغير لونه وطعمه وما يزالون يتوضؤون منه كل الأوقات، أفيدونا بارك الله فيكم عن صحة هذا، جزاكم الله خير الجزاء؟ الجواب: لا بأس بأن يستمروا على الوضوء من البركة ما بقي فيها الماء ما دام أن وضوءهم خارج البركة، ولو طال عهده ولو تغير بمكثه، فإن تغيره بمكثه لا يضر، إنما الذي يضر لو تغير بنجاسة، وكذلك لو كانوا

стр. 210

يغتسلون من الجنابة بداخلها، لنهي النبي ﷺ عن الاغتسال في الماء الدائم الذي لا يجري، أما ما داموا يغتسلون ويتوضؤون خارجها، فلا حرج في ذلك، والباقي طهور يُتوضأ منه إلى أن ينفد، ولو تغير بمكثه، فإن ذلك لا يضر إن شاء الله. *** الوضوء والتيمم والمسح سؤال: ذات يوم سقطت على الأرض فأُصبت بكسر في إحدى أرجلي مما جعل الأطباء يعملون لي عملية جراحية، وتم تجبير الرجل على عظام اصطناعية، أو قطع حديدية، ولهذا فإنه يصعب علي الوضوء، ولذلك فأنا أتيمم لكل صلاة ولا أتوضأ، فهل فعلي هذا صحيح؟ ، وإلا فماذا يجب علي مستقبلًا؟ وعما مضى من الصلوات بالتيمم فقط؟ الجواب: يجب عليها أن تغسل الأعضاء الصحيحة، وأن تتيمم عن العضو الذي يتعذر غسله، وإن كان عليه جبيرة، وعليه شيء من الحوائل، تمسح عليه، ويكفي المسح عن غسله. أما إذا لم يكن عليه حائل، ولكنها لا تقدر على غسله فإنها تتيمم عنه، بعد أن تغسل الأعضاء الصحيحة. والصلوات التي صلتها بالتيمم في الأول، إذا كانت تعرف عددها، تعيدها؛ لأن التيمم، لا يجزئ وحده، لا بد من غسل الأعضاء الصحيحة. سؤال: إذا كانت تمسح عليها مسحًا فقط هل يجزئ هذا عن التيمم، أم لا بد من التيمم مع المسح؟

стр. 211

الجواب: المسح إنما يكون على الحائل إذا كان عليها حائل كما ذكرنا، وإذا كان عليها جبيرة يكفي المسح ولا تتيمم عنه. *** وضوء المصاب بالشلل سؤال: أنا إنسان ابتلاه الله بمرض الشلل في النصف الأسفل من الجسم من بداية البطن إلى أسفل القدمين، فكيف أتوضأ للصلاة والجزء الأكثر من الجسم مشلول؟ وإذا أردت الاغتسال يكون شاقًا علي، وأكثر الأوقات ليس عندي من يحضر لي الماء، أو من يقوم بغسلي أو بتوضئتي، وأنا الآن أصلي بدون وضوء، فأفتوني جزاكم الله كل خير، هل صلاتي صحيحة أم لا؟ وإلى ماذا ترشدونني؟ الجواب: إذا كنت تستطيع الوضوء ولو بالإعانة، فإنه يجب عليك أن تتوضأ، ولو أن تستعين بمن يحضر لك الماء ويصبه على أعضائك، أما إذا كنت لا تستطيع هذا فيكفي أن تتيمم بالتراب، بأن يحضر عندك تراب طهور، فإذا حان الوقت وأردت أن تصلي، وليس عندك من يعينك على الوضوء أو يأتي لك بماء، فإنك تتيمم بهذا التراب، وتصلي على حسب حالك، والله أعلم. سؤال: إذا كان يستطيع غسل بعض الأعضاء دون بعض، فهل يلزمه غسلها مع التيمم؟ الجواب: إذا كان يستطيع غسل بعض الأعضاء ويعجز عن غسل الباقي، فإنه يغسل ما يقدر عليه ويتيمم عن الباقي. ***

стр. 212

وضوء مقطوع الأيدي سؤال: كيف يتوضأ من قطعت يداه، أو ليست له يدان خلقة، إذا لم يكن له من يساعده في الوضوء دائمًا؟ الجواب: يتوضأ على حسب استطاعته؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ، فيوضئ الأعضاء الباقية إذا لم يكن له يدان، بأن قطعت يداه من المرفقين مثلًا، أو لم يخلق له يدان أصلًا، فهذا يوضئ الأعضاء الباقية، التي هي الوجه ومسح الرأس والرجلين، فإن كان عنده من يوضئه ويعينه على ذلك، وجب عليه أن يتوضأ لوجود من يعينه، أو يكون عنده مثلًا ماسورة مياه يفتحها ويتركها تصب الماء على وجهه، ويمسح رأسه بشيء ويغسل رجليه من صب الماء، فيجب عليه ذلك؛ لأنه استطاع أن يتوضأ في هذه الحالة بالإعانة أو بصب الماء عليه من صنبور أو ماسورة فإذا لم يجد هذا ولا هذا ولم يستطع فإنه يصلي على حسب حاله، ولا يترك الصلاة، يعني يغسل ما أمكنه من ذلك. *** الشك بالطهارة سؤال: إذا توضأ رجل ثم ذهب للصلاة وشك في وضوئه أثناء الصلاة، أو بعدها فما العمل؟ الجواب: إذا توضأ الإنسان بيقين وأكمل الطهارة، ثم حصل له شك بعد ذلك، هل انتقض وضوؤه أم لا، فإنه لا يلتفت إلى هذا الشك؛ لأنه متوضئ بيقين، واليقين لا يزول الشك؛ لقوله ﷺ :

стр. 213

«إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، وأشكل عليه أخرج منه شيء، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» ، فاليقين لا يزول بالشك في الطهارة وفي غيرها. *** صفة الاغتسال من الجنابة سؤال: ما هي الطريقة الأفضل للاغتسال من الجنابة؟ الجواب: الطريقة الأفضل للاغتسال من الجنابة، هي كما ورد عن الرسول ﷺ من فعله، أنه يستنجي أولا، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يحثو الماء على رأسه ثلاث حثيات مع تخليل شعر رأسه بأصابعه ﵊، ثم يفيض الماء على سائر جسده ثلاث مرات، وهذا هو الأفضل والأكمل، ثم يغسل رجليه ﵊ بعدما يفرغ من الاغتسال، هذه هي الصفة الواردة عن النبي ﷺ . سؤال: النية طبعًا تكون سرًّا؟ الجواب: ينوي ثم يسمي ثم يغسل كفيه ثلاثًا، ثم يغسل فرجه، وما لوثه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، إلا أنه يؤخر غسل الرجلين ثم يغتسل لسائر جسده، ثم يغسل رجليه. هذه صفة الاغتسال للجنابة. سؤال: هل إذا عمم الماء على جميع بدنه هل يجزيه ذلك؟ الجواب: المجزئ أن ينوي رفع الحدثين الأصغر والأكبر، ثم يفيض الماء على جسمه مرة واحدة، هذا مجزئ.

стр. 214

صفة التيمم وشروطه سؤال: ما هي صفة التيمم وما هي شروطه؟ الجواب: الصفة الشرعية للتيمم: أن يضرب بيديه على الأرض مفرجتي الأصابع ضربة واحدة يمسح بباطن أصابعه وجهه، ويمسح كفيه براحتيه وإن ضرب ضربتين، ضربة لوجهه وضربة ليديه فلا بأس في ذلك، كلا الصفتين واردة عن النبي ﷺ ، وإن كان التيمم بضربة واحدة يقسمها بين وجهه ويديه هو الأرجح والأحسن. أما شروط التيمم: فإنه يشترط لصحة التيمم، عدم وجود الماء أو العجز عن استعماله؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ، إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] . فشرط صحة التيمم: هو عدم وجود الماء أو العجز عن استعماله لمرض ونحوه، أو أن يخاف باستعماله عطشًا أو ضررًا؛ لكون الماء الذي معه لا يكفيه لشرابه وطبخه وطهارته. كذلك يشترط أن يكون التيمم على صعيد، صعيد طهور؛ لقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ : يعني طهورًا، هذا ما يشترط للتيمم والله تعالى أعلم. *** الحالات التي يباح فيها التيمم سؤال: متي يباح التيمم؟ وما حكم التيمم والرجل قريب من الماء؟ الجواب: التيمم مباح في حالتين: الحالة الأولى: إذا كان عادمًا للماء، أو كان معه ماء لا يكفي لحاجة من

стр. 215

الشرب والطبخ والوضوء والغسل وغير ذلك. أي: لحاجته الضرورية فهذا يعتبر كالعادم الماء. والحالة الثانية: هي حالة المرض، إذا كان مريضًا، لا يستطيع استعمال الماء للطهارة أو استعماله للماء يسبب له زيادة المرض، أو يسبب له مرضًا آخر، ففي هاتين الحالتين، حالة عدم الماء، أو حالة العجز عن استعمال الماء للمرض، يباح له التيمم، قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] ، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] . فدلت الآيتان الكريمتان، على أن من لم يجد الماء، أو وجده ولم يستطع استعماله لمرض أو لحاجة إلى الماء، فإنه يباح له التيمم بالتراب، ويكون التراب بدلًا عن طهارة الماء، وهذا من تيسير الله على هذه الأمة. *** التيمم لصلاة الفجر في البرد الشديد سؤال: نحن نسكن في بلد شديدة البرودة، وعندما نقوم لصلاة الفجر لا نستطيع الوضوء لبرودة الماء فأحيانًا نتيمم ونصلي، فهل هذا يكفي أم لا بد من الوضوء، وإذا كان كذلك، فهل علينا أن نقضي الصلوات التي صليناها بالتيمم فقط؟
следующие страницы →