← Фатава

Фатава · id 8612

مجموع فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان

صالح الفوزان

Полный текст (695 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

من وراء السترة، إنما يحرم المرور بين يديه، إذا كان ليس له سترة، ومر قريبًا منه، أو إذا مر بينه وبين سترته، إلا في حالة الضرورة، كما لو كان المكان مزدحمًا وليس هناك طريق يمر منه، إلا من أمام المصلي، ففي هذه الحالة لا حرج للضرورة، كذلك في مواطن الزحام الشديد، كالمسجد الحرام، فالإنسان يضطر للمرور؛ لأن المصلين كثير، ولو توقف الإنسان لتعطل من المشي في حالة الزحام الشديد، وفي حالة الحاجة إلى المرور فلا بأس بذلك، للضرورة والله أعلم. *** سؤال: ما جزاء من يمر من أمام المصلي إذا تعمد ذلك، أو لم يتعمد، ومن هم الذين يقطعون الصلاة إذا مروا بين يدي المصلي؟ الجواب: المرور بين يدي المصلي محرم، شديد التحريم، وقد قال النبي ﷺ : «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لوقف أربعين خير له من أن يمر بين يدي المصلي» ، أو كما قال ﵊. وأمر النبي ﷺ المصلي أن يمنع المار بين يديه، فإن أبى فليقاتله، بأن يضربه ويمنعه من المرور، قال ﵊: «فإنما هو شيطان» ، مما يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي، وبينه وبين سترته. أما إذا كان بين يدي المصلي سترة ومر من ورائها، فإن هذا لا يضر، وكذلك إذا كان المرور اضطراريًا، كما في المسجد الحرام، وأماكن

стр. 282

الزحمات التي لا يمكن للمصلين تدارك المرور بين يدي المصلي، فهذا لا حرج فيه، نظرًا للمشقة والضرورة. أما بالنسبة لمن يقطع مروره الصلاة، فالعلماء اختلفوا في ذلك، والصحيح من أقوالهم الذي رجحه الشيخ تقي الدين، شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره، أنها تبطل بمرور الكلب والحمار والمرأة، والله أعلم. *** دعاء بعد الصلاة سؤال: أخبركم بأني بعدما أنتهي من صلاتي أدعو بالدعاء الآتي فأقول: " اللهم تقبل صلاتنا، وطهر قلوبنا، وارحم والدينا، واغفر لأمواتنا، وفرج همنا، وارزقنا بالخيرات، واغفر للمؤمنين والمؤمنات " أدعو بهذا بعدما أنتهي من الصلاة وبصفة دائمة، فهل هذا الدعاء يجوز أم لا؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا. الجواب: أما ملازمة هذا الدعاء والمداومة عليه، فهذا غير مشروع؛ لأن هذا لم يرد فيما أعلم عن النبي ﷺ في هذا الموضع، أما إذا دعوت به بعض المرات، ولم تلتزمه دائمًا، فلا حرج في ذلك إن شاء الله. *** قراءة الفاتحة بعد الصلاة سؤال: بعض الجماعة يقرؤون الفاتحة بعد الصلاة على أساس أنها دعاء، أو بركة فهل هذا من السنة في شيء؟ ثم يقرؤونها مرة أخرى لأرواح الموتى، فما هو الحكم في ذلك؟

стр. 283

الجواب: أما قراءتها أدبار الصلوات فلا أعلم له دليلًا من سنة رسول الله ﷺ ، وإنما الذي ورد هو قراءة آية الكرسي، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وردت الأحاديث بقراءة هذه السور بعد الصلوات الخمس، وأما الفاتحة فلا أعلم دليلًا على مشروعية قراءتها بعد الصلاة. والسور التي ذكرناها لا تقرأ على صفة جماعية، وبصوت مرتفع، وإنما يقرؤها كل مسلم لنفسه، فيما بينه وبين نفسه. وأما قراءة الفاتحة لأرواح الأموات فهذا من البدع، أرواح الأموات لا تُقرأ لها الفاتحة ولا أي شيء من القرآن؛ لأن هذا لم يرد من سنة رسول الله ﷺ ، ولا من عمل سلف هذه الأمة، وإنما هذا شيء مبتدع، لا في المسجد ولا في المقبرة، ولا في البيت، ولا في غيره، وإنما المشهور عن الأموات الدعاء لهم - إذا كانوا مسلمين - بالمغفرة والرحمة، والتصدق عنهم، والحج عنهم، هذا الذي وردت به الأدلة. أما قراءة القرآن لأرواح الأموات، أو قراءة الفاتحة لأرواح الأموات، فهذا شيء محدث وبدعة. *** الجهر بالدعاء والذكر بعد الصلاة وغيرها سؤال: ما قولكم في الجهر بالدعاء والذكر مطلقًا وبعد الصلاة خاصة، وهل يكون الدعاء والذكر جهرًا أم سرًا أم بينهما؟

стр. 284

الجواب: أما الذكر الوارد عن النبي ﷺ والمشروع، فالإنسان مخير بين أن يجهر به وأن يسر به قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] ، والله يعلم السر وأخفى، فيجوز أن تدعو جهرًا وأن تدعو سرًا، إلا إذا كان الجهر يترتب عليه إضرار بمن حولك من النائمين أو المصلين أو الذين يقرؤون القرآن، فإنك تسر، أو إذا خفت على نفسك من الرياء والسمعة، فإنك تسر في الدعاء؛ لأن هذا أدعى للإخلاص، والجهر يجب ألا يكون بصوت جماعي كما يفعل بعض الناس، إنما كل إنسان يدعو لنفسه سرًا وجهرًا، أما الدعاء الجماعي والصوت الجماعي هذا من البدع، وأما الذكر بعد الصلاة، فإنه من السنة الجهر به، حسب ما ورد في الأحاديث الصحيحة من أن الصحابة كانوا يجهرون بالذكر بعد الصلاة، بالتهليل والاستغفار بعد السلام فهذه يجهر بها، لكن على صفة فردية، لا على صفة جماعية، كما ذكرنا أولًا، فإن الذكر الجماعي هذا من المبتدعات، وإنما كل يذكر لنفسه، ويجهر بذلك بعد الصلاة. أما الدعاء فكما ذكرنا سابقًا يدعى سرًا وجهرًا قبل الصلاة أو بعدها، ولكن مع مراعاة حسن الأدب، ومع مراعاة عدم الإضرار بالآخرين. *** الصلاة الاحتياطية سؤال أحيانًا في الصلاة أستعجل في الركوع وفي السجود، وأعلم أن أول ما يحاسب الإنسان عليه يوم القيامة الصلاة، فهل يجوز لي أن أصلي صلاة احتياطية تعوض ما حصل من نقص في الأولى؟

стр. 285

الجواب: الصلاة الاحتياطية غير مشروعة، ولكن عليك أن تجتهد في إحضار قلبك والخشوع في صلاتك، وأن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في مبدأ الصلاة وفي الاستفتاح الذي تقوله بعد تكبيرة الإحرام، تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وتحاول إحضار قلبك وفكرك للصلاة، وأن تتعقل الصلاة، هذا هو الواجب عليك، وإن حصل منك بعض الهواجس أو بعض الأفكار، ثم طردتها عنك وعاودت استحضار الصلاة والحضور فيها، فإن هذا لا يضرك إن شاء الله. أما أن تصلي صلاة احتياطية فهذا غير مشروع. سؤال: وماذا بشأن النوافل أو السنن الرواتب؟ الجواب: نعم السنن الرواتب والسنن المطلقة، ينبغي للإنسان أن يكثر منها، مما هو مشروع؛ لأن صلاة النافلة، يكمل بها صلاة الفريضة إذا حصل في الفريضة نقص، وينبغي للمسلم أن يكون له نصيب من صلوات النوافل، وأن يحرص على أداء الرواتب التي مع الفرائض، قبلها أو بعدها، أو قبلها وبعدها. سؤال: ما حكم إعادة الصلاة كأن يصلي الظهر مثلًا مرتين؟ الجواب: الصلاة لا تعاد إلا إذا اختل شرط من شروطها أو أركانها، أو ترك شيئًا من واجباتها عمدًا، فهذه تعاد، أما مجرد أن حصل فيها أفكار أو أوهام أو وساوس، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يقتضي إعادتها. ***

стр. 286

قضاء الصلاة الفائتة سؤال: ما حكم من نسي صلاة العشاء ولم يتذكر إلا وقت صلاة الصبح، أفيدوني في ذلك بارك الله فيكم؟ الجواب: أولًا يجب على المسلم الاهتمام بصلاته، وأداؤها في وقتها مع الجماعة، وأن لا يتكاسل عنها، أو يتأخر لأن هذا مدعاة لإضاعتها ونسيانها. أما ما حصل من أن الإنسان طرأ عليه نسيان أو نوم، فلم يؤد الصلاة في وقتها، بسبب ذلك، فإنه حين يتذكر يجب عليه المبادرة بالصلاة، في أي وقت تذكر؛ لقوله ﷺ : «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] . فإذا تيقظ الإنسان أو تذكر، فإنه يجب عليه أن يبادر بأداء الصلاة الفائتة في أي وقت حصل ذلك منه، فيصلي صلاة العشاء أولًا ثم يصلي صلاة الصبح بعدها، يعني يصلي الفائتة أولًا ثم يصلي الصلاة الحاضرة، ولا يصلي الحاضرة قبل الفائتة؛ لأن الترتيب واجب، ولا بد منه. *** سؤال: من فاتته صلاة من الصلوات الخمس لنوم أو غيره فهل يؤخر قضاءها إلى أن يأتي وقتها من اليوم التالي، أم يقضيها حين زوال العذر مباشرة؟

стр. 287

الجواب: الواجب قضاؤها حال زوال العذر مباشرة؛ لقوله ﷺ : «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» ، فالواجب عليه أن يبادر بقضائها عندما يزول عنه العذر، ولا يؤخرها إلى الغد، فإن هذا لا يجوز؛ لأنه أخرها عن وقتها؛ لأن وقتها حال زوال العذر. *** سؤال: قرأت حديثًا عن الرسول ﷺ يقول فيه: " من فاتته صلاة في عمره ولم يحصها فليقم في آخر جمعة من رمضان وليصل أربع ركعات بتشهد واحد، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، وسورة القدر خمس عشرة مرة، وسورة الكوثر كذلك، ويقول في النية: نويت أصلي أربع ركعات كفارة لما فاتتني من الصلاة"، فما مدى صحة هذا الحديث؟ الجواب: هذا لا أصل له في سنة الرسول ﷺ ، الذي ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» ، الصلوات التي تركتها فيما سبق، إذا كنت تركتها لأجل نوم مثلًا أو إغماء أو لعذر ظننت أنه يجيز لك تأخيرها، فالواجب عليك أن تقضيها، وأن تصليها مرتبة، فإذا كنت تركتها متعمدًا فالصحيح

стр. 288

من قولي العلماء أنه عليك التوبة إلى الله؛ لأن من ترك الصلاة متعمدًا فأمره خطير، حتى ولو لم يجحد وجوبها فإن الصحيح أنه يكفر بذلك، فعليك أن تتوب إلى الله إن كنت تركتها متعمدًا، وأن تحافظ على الصلاة في مستقبلك والله يتوب على من تاب. أما إن كنت تركتها من نوم أو إغماء، أو غير ذلك مما حال بينك وبين أدائها في وقتها، فإنك تقضيها ولا بد، أما أن تصلي هذه الصلاة التي ذكرتها في آخر رمضان، على هذه الصفة، هذا لا أصل له من دين الإسلام، ولا يكفر عنك الصلوات التي تركتها. *** سؤال: هل كل الأوقات تجوز فيها إعادة الصلاة لمن فاتته صلاة في وقتها؟ الجواب: من فاتته الصلاة في وقتها يصليها في أي وقت تمكن من ذلك؛ لقوله ﷺ : «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» ، فالصلاة الفائتة تُقضى في أي وقت، وليس لها وقت نهي. ولفظ السائل فيه إجمال؛ لأنه يقول: إعادة الصلاة والمفروض أن يقول: قضاء الصلاة الفائتة. قضاء الصلاة الفائتة يجوز في أي وقت تمكن فيه، ويجب عليه المبادرة لقضاء الصلاة. ***

стр. 289

قضاء الصلاة الفائتة أيام الطفولة سؤال: أنا أواظب على أداء الصلاة في أوقاتها والحمد لله، ولكني أردت أن أصلي القضاء عما تركته في مرحلة الصغر، بمعنى أنني أصلي صلاتين في كل وقت، فهل عملي هذا صحيح، وإذا كان غير ذلك، فماذا يجب علي فعله؟ الجواب: إن كان قصدك مرحلة الصغر ما قبل البلوغ ففي هذه الفترة ليس عليك صلاة واجبة، ولا قضاء عليك. أما إذا كان قصدك ما بعد البلوغ، وكنت تترك الصلاة بعد البلوغ متعمدًا، فالصحيح من قولي العلماء أن من ترك الصلاة متعمدًا أنه يكفر، إذا تاب إلى الله توبة صحيحة وواظب على صلاته، فإنه لا يجب عليه قضاء ما فات في حالة تركه الصلاة متعمدًا؛ لأنه حينذاك ليس على الإسلام على الصحيح؛ لأن من ترك الصلاة متعمدًا فهو كافر، بدليل قوله ﷺ : «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» ، وقال ﵊: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» ، وأدلة أخرى في الموضوع. فالحاصل: أن الذي يجب عليك فيما نرى هو التوبة إلى الله والملازمة على أداء الصلوات المفروضة في أوقاتها، وهذا يكفر ما مضى إن شاء الله. سؤال: في حال وجوب القضاء على الإنسان في غير هذه الحالة، مثلًا، هل تكون طريقة القضاء كما ذكر أخونا هذا، بأن يصلي كل صلاة بعد فريضتها أو مثيلتها؟

стр. 290

الجواب: إذا فاتت المسلم صلوات تركها غير متعمد كما لو كان نائمًا مثلًا أو مغمًى عليه، أو غائب العقل لفترة، ثم بعد ذلك أراد أن يقضي ما فات فإنه يقضي على الفور، ولا يؤخر كل صلاة إلى نظيرتها كما يفعل بعض العوام؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ، والنبي ﷺ يقول: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» ، قوله: إذا ذكرها: دليل على أن قضاء الصلوات الفائتة على الفور فليصلها مرتبة حسب الترتيب الشرعي، ولكن على الفور، ولا يؤخرها كما ذكر من أنه يصلي كل صلاة مع نظيرتها هذا الخطأ. *** قضاء الصلاة بعد التوبة سؤال: إذا ترك الإنسان معظم فروض الصلاة، ولم يصلها وبعد ذلك أراد أن يتوب إلى الله ، ويؤدي ما عليه، وما فاته من الصلوات، فماذا يفعل؟ ، وهل عليه إثم في ذلك، أفيدونا جزاكم الله خير الجزاء؟ الجواب: الصلاة هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وجاء من التأكيد لحقها والحث على المحافظة عليها ووعيد المتخلفين عنها والمضيعين لها آيات وأحاديث صحيحة تدل على أهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام؛ لأنها عمود الإسلام؛ ولأن من حافظ عليها فإنه يكون محافظًا على بقية دينه من باب أولى، ويكون متجنبًا لما حرم الله؛ لقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾

стр. 291

[العنكبوت: ٤٥] ، فلا دين بعد الصلاة، ولهذا ورد في الحديث: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخره الصلاة» . الصلاة شأنها عظيم، ولا يجوز لمسلم أن يتهاون فيها، ومن تركها فقد كفر، كما دلت على ذلك الأحاديث والآيات القرآنية، سواءً كان جاحدًا لوجوبها، أو كان متكاسلًا مع إقراره بوجوبها على الصحيح، فإنه يكفر بتركها؛ لأنه لم يقم دينه ولم يحافظ على صلاته، ولكن من تاب إلى الله توبة صحيحة وحافظ على صلاته في مستقبل عمره؛ فإن الله يتوب عليه؛ لأن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، والله جل وعلا يقول: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: ٥٩، ٦٠] . فالتوبة تمحو ما قبلها إذا كانت توبة صحيحة، ولا يلزم من تاب عن ترك الصلاة فيما مضى أن يقضي الأوقات التي فاتت، وإنما يلزمه أن يحافظ على صلاته فيما بقي من عمره إلى أن يتوفاه الله، وذلك يكفيه إن شاء الله؛ لأنه كان في فترة تركها على غير دين الإسلام، فإذا تاب إلى الله دخل في الإسلام من جديد، ويحافظ على صلاته في مستقبله، ويتوب الله عليه إن شاء الله. ***

стр. 292

صلاة المعذور في بيته سؤال: كنت مريضًا واشتد بي المرض إلى أن أدخلت أحد المستشفيات وقرر الأطباء بتر ساقاي من فوق الركبة، وفعلًا قطعت ساقاي، وأنا الآن بصحة جيدة، ولكني لا أصلي إلا في البيت دائمًا، وحتى صلاة الجمعة لا أصليها في المسجد، بل في البيت، فهل علي إثم في ذلك، أما أنا معذور شرعًا؟ الجواب: من المعلوم وجوب صلاة الجماعة والجمعة على المسلم القادر الذي لا يمنعه عذر شرعي من حضورهما. أما بالنسبة للمعذور شرعًا، فإن الله رخص له أن يصلي في بيته. والسائل يذكر أنه قد بترت رجلاه، وصار مقعدًا لا يستطيع المشي، فهذا معذور، له أن يصلي في بيته، ويعذر في ترك الجماعة والجمعة، وإن أمكن أن يُحمل ويحضر ما لا يشق عليه من الصلوات في المسجد، فذلك شيء طيب، ويستفيد زيادة أجر وخير، أما إذا كان لا يتمكن من الحضور، وليس هناك وسيلة يستطيع بها أن ينقل إلى المسجد فهذا معذور وعذره واضح في هذا. وإذا حافظ على الصلوات، في أوقاتها، فنرجو له المثوبة والقبول، وإذا كان عنده من يصلي معه في البيت جماعة، مثلًا: لو قدر أن أحدًا له عذر شرعي مثله فاجتمعا وصليا جميعًا، فهذا يحصل به المقصود من الجماعة، أما غير المعذور فيتعين عليه أن يذهب للمسجد ويصلي فيه. سؤال: لو فرضنا أن هناك من يستطيع إيصاله للمسجد بوسيلة نقل كالسيارة مثلًا، فهل يكون عليه إلزامًا الحضور للمسجد؟

стр. 293

الجواب: إذا أمكن هذا فهو أحسن، والحرص على ذلك أحسن مهما أمكن - يعني ليس على وجه التكليف -. سؤال: هل صلاته بقية الأوقات في بيته مع أهل بيته كزوجته مثلًا وبناته له ذلك أيضًا وله أجر الجماعة؟ الجواب: لا مانع من ذلك لكن يكون هو الإمام، يكون هو الإمام، ولكن هو لا يتمكن من القيام في الصلاة، وهو ليس إمام الحي أو إمام المسجد حتى يقال: إنهم يصلون خلفه جلوسًا،لا يناسب أن يصلي معه من ليس حالته كحالته، من الأفضل أن يصلي لوحده. *** الصلاة في البيت خوفًا على الزوجة سؤال: أنا رجل ساكن في الخلاء ومتزوج ويوجد لدي أولاد، وبيني وبين الجار حوالي خمسين مترًا، وأسمع الأذان، وعندما أريد أن أذهب إلى المسجد تخاف زوجتي وتريد أن لا أخرج من البيت لخوفها، فماذا أفعل، هل تصح الصلاة في البيت أم لا؟ أفيدونا أفادكم الله؟ الجواب: لا شك أن من سمع النداء وجب عليه أن يذهب إلى المسجد وأن يصلي مع المسلمين صلاة الجماعة؛ لأن النبي ﷺ قال للأعمى الذي جاء يستأذنه أن يصلي في بيته لما يجده من المشقة في إتيانه إلى المسجد، قال له النبي ﷺ : «هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب، فإني لا أجد لك رخصة» ، وقال ﵊: «لا صلاة لجار المسجد»

стр. 294

«إلا في المسجد» ، ويروى هذا موقوفًا على علي بن أبي طالب ﵁، ويروي مرفوعًا عن النبي ﷺ ، وهو يدل على أن جار المسجد يجب عليه أن يصلي في المسجد. وجار المسجد كما ذكروا من بينه وبين المسجد أربعون بيتًا، يعني: الجوار يمتد إلى أربعين بيتًا من حوالي المسجد. والضابط في هذا: سماع النداء، فإذا كنت تسمع النداء المعتاد من غير مكبر الصوت، وجب عليك أن تصلي في المسجد، وأن تجيب الداعي، إلا إذا حال دون ذلك عذر شرعي، كالمرض مثلًا، أو ما ذكرت من أن زوجتك إذا ذهبت في الليل للصلاة في المسجد أنها تخاف وتستوحش فهذا عذر شرعي، يبيح لك أن تصلي في البيت. *** المسلم يصلي على حسب حاله سؤال: ذهبت إلى إحدى الدول الأوروبية، وكان الوقت آنذاك في شدة البرودة؛ ولأنني لم أحصل على تأشيرة دخول لتلك الدولة، حُجزت في المطار لمدة ستة أيام من قِبل سلطات تلك الدولة، ولكني خلال تلك الأيام الستة لم أكن أصلي نظرًا لبرودة الجو، وبالتالي برودة الماء الشديدة، وعدم توفر الصعيد الطاهر منه، وبقيت حتى رجعت إلى البلد، ثم قمت بقضاء جميع ما فاتني من صلوات خلال تلك الأيام، فهل علي إثم في فعلي هذا، وإذا كان يجب علي فماذا أفعل؟ أفيدوني وفقكم الله.

стр. 295

الجواب: أخطأت في تركك الصلوات في هذه الفترة التي ذكرتها؛ لأن المسلم لا يجوز له أن يترك الصلاة، ولكنه يصلي على حسب حاله، فإذا قدرت أن تتوضأ بالماء وجب عليك ذلك، وإذا كنت لا تقدر على الوضوء بالماء لعدمه، أو لما ذكرت من شدة البرودة غير المحتملة، وليس عندك ما تسخنه به فإنه يجب عليك أن تتيمم بالتراب وتصلي، وإذا لم يكن عندك تراب، فإنك تصلي على حسب حالك، ولو بدون ماء، وبدون تراب، على أن الصعيد لا يختص بالتراب، فلو كان عندك جدار عليه تراب طاهر، أو حصير عليه تراب طاهر، أو مثلًا البلاط عليه تراب طاهر، وضربت عليه وتيممت، كفاك هذا، فلا يتعين التراب للتيمم، وإنما المطلوب وجود الغبار الطاهر، سواء كان على تراب أو على حجر أو على جدار، أو على حصير أو غير ذلك، والله أعلم. وما دمت قد قضيت الصلوات التي تركتها، فنرجو الله أن يعفو عنك، ويتقبل منك. *** الحالات التي يعفى فيها الإنسان من الصلاة بالكلية سؤال: ما هي الحالات التي يعفى الإنسان فيها من أداء الصلاة بالكلية؟ الجواب: لا يعفى أحد من أداء الصلاة بالكلية ما دام عقله ثابتًا؛ لأنه يصلي على حسب حاله، المريض يصلي على حسب حاله، يصلي قائمًا فإن لم يستطع فعلى جنب، ولا يعفى أحد من

стр. 296

الصلاة إذا بلغ وكان عاقلًا، أما إذا كان صغيرًا ودون البلوغ أو كان مجنونًا، أو زائل العقل بالكلية، فهذا يرتفع عنه التكليف؛ لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل» . فالحاصل أن الصلاة لا تسقط عن المسلم البالغ العاقل، ما دام أن عقله ثابت، ولكنه يصلي على حسب حاله. سؤال: إذًا نستطيع أن نقول: هما حالتان: حالة الصغر، والحالة الأخرى: هي فقدان العقل؟ الجواب: فقدان العقل، نعم. سؤال: هذا طبعًا بدون استثناء حالات النساء طبعًا المعفين منها شرعًا؟ الجواب: الحائض والنفساء، نعم هذا شيء آخر، هؤلاء تسقط عنهن الصلاة مدة الحيض فقط، شيء عارض. *** جمع الصلوات سؤال: أقوم بالصلاة حسب أصولها، ولكن دوامي المدرسي يتعارض مع وقت صلاتي، ولا يسمح لي إلا أن أصلي صلاة الفجر والمغرب والعشاء، أما الظهر والعصر، فليس لدي الوقت الكافي للصلاة إلا بعد عودتي من المدرسة، هل أستطيع جمعها مع صلاة المغرب، وهل علي إثم

стр. 297

لعدم صلاة الظهر والعصر، أفيدونا بارك الله فيكم. الجواب: أما ما ذكرت من محافظتك على الصلاة، فهذا شيء تشكر عليه، ونرجو الله أن يزيدك منه، والمحافظة على الصلاة من أهم الواجبات؛ لأن الصلاة هي عمود الإسلام، والله جل وعلا يقول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ، ويقول جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩-١١] ، ويقول جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٤، ٣٥] ، والمحافظة على الصلاة علامة الإيمان، ومن حفظ صلاته، حفظ دينه، وأول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة صلاته، فإن وفى فيها فإنه يكون في بقية أمور دينه موفيًا ومحافظًا. المحافظة على الصلاة معناها: المحافظة على أدائها في أوقاتها التي شرعها الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ، فمن أهم المحافظة على الصلاة أن تؤدى في مواقيتها، ومن أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، والمسلم لا يقدم على صلاته شيئًا من أعمال الدنيا؛ لأن الصلاة لها الصدارة في عمل المسلم، ووقتها محجوز، لا يجوز أن يشغل بغيره، قال تعالى في مدح المؤمنين: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧] ، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩، ١٠] ، وحتى في أشد الحالات على

стр. 298

المسلمين وهي حالة الخوف، ومواجهة العدو، يجب عليهم أن يصلوا الصلاة في وقتها، حتى ولو كانوا في حالة مواجهة مع العدو، وهذا مذكور في القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ، هذا في حالة الخوف، وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩] ، يعني صلوا وأنتم تمشون أو وأنتم راكبون إذا كنتم في حالة خوف، وأنت مطلوبون من عدوكم، وتخافون منه، وهاربون منه إذا حانت الصلاة. فالمسلم يصلي على حسب حاله، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، فالواجب على الجميع أن يصلوا الصلوات في مواقيتها، وأن لا تشغلهم الأعمال الدنيوية ولا الوظائف ولا الدراسة ولا أي عمل عن أداء الصلاة في وقتها. وأداء الصلاة في وقتها لا يستغرق كثيرًا من وقت الإنسان، ولا يشغله عن طلب الرزق، بل هو يعينه على ذلك. فالواجب عليكم أن تصلوا الظهر في وقتها، والعصر في وقتها في مكان العمل، بأن تهيئوا مكانًا تصلون فيه صلاة الظهر في وقتها وصلاة العصر في وقتها، وأنتم في الدراسة أو وأنتم في العمل، ثم الواجب على ولاة الأمور من المسلمين وعلى القائمين على التعليم، وعلى غيره من أعمال المسلمين أن يحسبوا للصلاة حسابها ويسمحوا للطلاب أو لمنسوبيهم بأداء الصلاة في مواقيتها من غير أن يشغلوهم عنها، هذا هو الواجب على المسلمين عمومًا، وعلى ولاة أمورهم ومسؤوليهم خصوصًا؛ لأنه بدون هذا فإن الدين لن يتم

стр. 299

ولن يصح وبالتالي لن يكون للمسلمين عزة ولا مكانة لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالمحافظة على هذا الدين، لا سيما الصلاة التي هي عمود الإسلام، فلا نجد لكم عذرًا في أداء الصلاة في غير وقتها. أما ما ذكرتَ من هل يجوز جمع صلاة الظهر والعصر مع المغرب؟ فإن هذا لا يجوز بإجماع المسلمين، لا يجوز أن تجمع الظهر والعصر مع المغرب. المغرب إنما يُجمع إليها صلاة العشاء الآخر في حالة العذر الشرعي، أما الظهر والعصر فلا يجمعان مع المغرب بحال من الأحوال، وأنتم لستم من أهل الأعذار الذين يباح لهم الجمع؛ لأن عذر الدراسة، أو عذر العمل، هذا ليس بعذر مبيح للجمع. *** سؤال: نحن مجموعة من الفتيات طالبات في جامعة عدن، ومواظبات على أداء الصلاة في أوقاتها، ولكن أثناء الدراسة وخاصة عندما تكون الدراسة بعد الظهر، قد تفوت علينا صلاة العصر والمغرب؛ لأننا لا نستطيع أن نؤديها في الجامعة مهما حاولنا ذلك، ولأسباب كثيرة، ولهذا نحن نسأل: هل يجوز أن نؤدي صلاة العصر مع الظهر جمع تقديم، وأن نؤدي صلاة المغرب مع العشاء جمع تأخير، وبذلك نسلم من ترك هذين الفرضين كليًا، أو نسلم من تأديتها قضاءً كما تفعل بعضنا أحيانًا؟ الجواب: أولًا: إذا أمكن أن تؤدين الصلاة في وقتها وفي أثناء الدراسة، فهذا أمر واجب، وذلك بمراجعة المسؤولين في الجامعة أن يتيحوا لَكُنَّ وقتًا للصلاة تصلين فيها، وترجعن إلى العمل، وهذا أمر سهل

стр. 300

لا يكلف شيئًا ولا يأخذ كثيرًا من الوقت، وهو أمر ميسور، فإذا أمكن أن تحصلن على فرصة لأداء صلاة في وقتها في أثناء الدراسة، فهذا أمر واجب ومتعين. أما إذا لم يمكن هذا وحاولتن الحصول عليه، ولم يتحقق، فهنا إن كانت الدراسة ضرورية، وفي تركها ضرر عليكن فلا أرى مانعًا من الجمع بين الصلاتين على الصفة التي وردت في السؤال، بأن تصلى العصر مع الظهر جمع تقديم، وتصلى المغرب مع العشاء جمع تأخير؛ لأن هذا يعتبر من الأعذار المبيحة للجمع؛ لأن الفقهاء ذكروا أن من الأعذار المبيحة للجمع أن يتضرر بترك معيشة يحتاجها، فإذا كان ترك الدراسة فيه ضرر عليكن ولم تحصلن على فرصة من المسؤولين لأداء الصلاة في أثناء العمل، فالذي أراه جواز الجمع في هذه الحالة. أما أن تصلي الصلاة قضاءً كما ورد في السؤال، فهذا أمر لا يجوز، والله تعالى أعلم. *** سؤال: هل يجوز الجمع بين الصلوات من غير عذر، وما صحة الحديث القائل بأن رسول الله جمع في الصلاة بدون خوف أو مرض، أفيدوني في ذلك بارك الله فيكم. الجواب: الجمع بين الصلوات من غير عذر لا يجوز، ولا تصح الصلاة في هذه الحالة؛ لأنه صلاها في غير وقتها من غير عذر شرعي، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ، والجمع إنما

стр. 301

يباح للعذر الشرعي كالمرض والسفر، وكذلك بين العشاءين في المطر والوحل والبرد الشديد، هذه الأعذار التي تبيح الجمع بين الصلاتين. أما أن يجمع من غير عذر، فهذا لا يجوز، ولا تصح صلاته إذا فعل ذلك، الصلاة المجموعة في غير وقتها، والمصلاة في غير وقتها لا تصح؛ لأنه أخرجها عن وقتها من غير مبرر شرعي. أما الحديث فلفظه ورد بروايتين عن النبي ﷺ : «أنه جمع من غير خوف ولا سفر» ، وفي رواية: «من غير خوف ولا مطر» ، وأما الرواية التي ذكرها السائل فهي غير واردة، أنه جمع من غير خوف ولا مرض، هذا غير وارد عن النبي ﷺ ، لم يرد ذكر المرض في الحديث، وإنما ورد: «من غير خوف ولا سفر» ، وفي رواية: «من غير خوف ولا مطر» ، وللعلماء عن هذا الحديث عدة أجوبة منهم من توقف في معناه، وقال: إنه لا يظهر له معناه فتوقف في هذا. ومن العلماء من حمله على الجمع الصوري، وهذا الذي أيّده الشوكاني في نيل الأوطار. والجمع الصوري: معناه أن يؤخر الصلاة الأولى إلى آخر وقتها، ويقدم الصلاة الثانية في أول وقتها، ثم يصليهما جميعًا، هذه في آخر وقتها، وهذه في أول وقتها، فهذا جمع صوري، لكن كل صلاة صلاها

стр. 302

في وقتها، ليس جمعًا حقيقيًا، وإنما هو جمع صوري، أخّر مثلًا المغرب إلى آخر وقتها وقدم العشاء في أول وقتها، وصلاهما جميعًا، كذلك أخر مثلًا الظهر إلى آخر وقتها، وصلى العصر في أول وقتها، هذا يسمي الجمع الصوري، ليس جمعًا حقيقيًا، وهذا معنى صحيح، وأيّده الشوكاني، وأيده غيره في معنى الحديث، أن المراد به الجمع الصوري. ومن العلماء من حمل الحديث وهو قوله: «من غير خوف ولا سفر» ، أو «من غير خوف ولا مطر» : بأن معنى ذلك أنه جمع للمرض؛ لأن الأعذار أربعة التي تبيح الجمع: إما الخوف، وإما المطر، وإما السفر، وإما المرض. فإذا كان ذكر أنه «من غير خوف ولا سفر» أو «من غير خوف ولا مطر» ما بقي فيكون ﷺ جمع من أجل المرض، فيباح للمريض أيضًا أن يجمع، إذا كان يلحقه بترك الجمع مشقة. *** سؤال: في بعض المساجد عندنا يجمعون الصلاة: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بدون عذر مبيح للجمع فهل أصلي معهم؟ أم أصلي منفردًا في المسجد؟ أم في بيتي؟ أفيدوني جزاكم الله خيرًا.

стр. 303

الجواب: الجمع بين الصلوات، لا يجوز إلا لحاجة شرعية وعذر شرعي، كالسفر مثلًا والمرض الذي يحتاج المريض معه للجمع، وكالمطر، هذه هي الأعذار التي تبيح الجمع، أما الجمع من غير عذر كما ذكرت، فهذا لا يجوز. أما ما ذكرت من أنهم إذا فعلوا هذا هل تصلي معهم أو لا؟ فكما أشرنا هذا الجمع غير صحيح، فأنت لا تجمع معهم، ولكن صل الصلاة الأولى، وإذا قاموا للثانية فلا تصل معهم، مع أنه يجب عليك أن تنكر عليهم هذا، وأن تبين لهم أن هذا عمل لا يجوز، فإذا لم يستجيبوا فصلي معهم الصلاة الأولى، ولا تصلي معهم الصلاة الثانية. *** القصر والجمع في السفر سؤال: أنا من ضمن مجموعة كلفنا بمهمة رسمية، وكانت هذه المهمة مؤقتة، واقتضت ظروف العمل الجمع والقصر أحيانًا كثيرة، وقد مضى الآن علينا في هذه المهمة ما يقارب شهرًا ونصف شهر، ونحن مستمرون على حالتنا هذه، مع العلم أننا لا نعلم المدة التي سوف نمكثها في هذه المهمة، وأيضًا لم نتمكن من أداء صلاة الجمعة طيلة هذه المدة، مع العلم أن العدد الذي يجب أن تقام به الصلاة كافٍ، أفيدونا هل نعتبر في هذه المدة مسافرين، وينطبق علينا حكم المسافر أم لا؟ وإذا بقينا مدة طويلة هل يجوز بقاؤنا على حالتنا هذه، أفيدونا في ذلك، جزاكم الله عنا خيرًا الجزاء. الجواب: إذا كان قضاء هذه المهمة التي أشرت إليها خارج بلدكم،

стр. 304

مسافة تبلغ ثمانين كيلو فأكثر، وأنتم لا تعلمون متى تنتهي، ولم تنووا إقامة أكثر من أربعة أيام، فلا بأس أن تقصروا الصلاة الرباعية إلى ركعتين، أما الجمع بين الصلاتين، فلا ينبغي لكم؛ لأنكم لستم في حالة سير، بل أنتم في حال استقرار، فلا ينبغي الجمع إلا لمن جد به السير، أما المسافر النازل، فإنه يصلي كل صلاة في وقتها قصرًا هذا هو السنة. أما صلاة الجمعة فلا تجب عليكم في هذه الحالة التي ذكرتم إذا كنتم لا تدرون متى تنتهي مهمتكم، ولم تنووا إقامة أكثر من أربعة أيام؛ لأنكم مسافرون، لكن إذا أقيمت قريبًا من محل عملكم في البلد، فالأفضل أن تصلوا مع المسلمين، ولا تنعزلوا، ولتحصلوا على الثواب، وإذا نويتم إقامة أكثر من أربعة أيام، أو تعلمون بأن المهمة لا تنتهي قبل أربعة أيام، فإنه يجب عليكم في هذه الحالة إتمام الصلاة أربعًا، ولا يجوز لكم الجمع؛ لأن الأصل في الإقامة إتمام الصلاة، وأنتم مقيمون فيجب عليكم ما يجب على المقيمين، والله تعالى أعلم. سؤال: لو كانوا فعلًا على هذه الحالة الأخيرة التي تفضلتم بذكرها، وهو أنهم يعلمون أن المهمة لا تنتهي خلال أربعة أيام، ومع ذلك قصروا وجمعوا، فهل عليهم شيء فيما مضى من الصلوات؟ الجواب: قلنا: إنهم إذا كانوا يعلمون أن مهمتهم لا تنتهي قبل أربعة أيام فأكثر، فإنهم في هذه الحالة يكونون قد نووا الإقامة، وحينئذ يلزمهم الإتمام كالمقيمين، أما لو قدر أنهم صلوا وقصروا فلا أرى أن عليهم إعادة الصلاة، فهي صحيحة إن شاء الله، لكن في المستقبل لا يقصروا الصلاة في مثل هذه الحالة، والله أعلم.

стр. 305

جمع صلاة الظهر مع صلاة العصر قبل السفر سؤال: إنني أسافر في كل أسبوع تقريبًا مسافة (٣٥٠) كيلو متر، ويكون وقت السفر عند الظهيرة، ولا تقف السيارة على الطريق لأداء الصلاة، فهل يجوز أن أجمع صلاة الظهر وصلاة العصر جمع تقديم في البيت قبل مغادرتي؟ أفيدوني في ذلك مشكورين. الجواب: إذا دخل وقت الظهر وأنت لم تبدأ السفر فإنه يجب عليك أن تصلي الظهر في وقتها تمامًا من غير قصر، وأما صلاة العصر، فإن كان سفرك ينتهي قبل خروج وقت العصر، فإنك تصلي العصر في وقتها إذا وصلت ولو في آخر وقت العصر. أما إذا كان السفر يستمر من الظهر إلى بعد غروب الشمس، بحيث يخرج وقت العصر، وأنت في السفر والسير، ولا يمكنك النزول لما ذكرت من أن صاحب السيارة، لا يوافق على التوقف، إذا كان الأمر ما ذكرت، فلا مانع من الجمع في هذه الحالة؛ لأن هذه الحالة عذر تبيح الجمع، ولكن مع الإتمام، إذا صليت العصر جمع تقديم، وأنت في بيتك وتريد السفر بعدها، فإنك تصلي الظهر والعصر، تمامًا كل واحدة أربع ركعات، ولا بأس بالجمع؛ لأن الجمع يباح في مثل هذه الحالة، أما القصر فإنه لم يبدأ وقته؛ لأن القصر إنما يجوز بعد مفارقة البنيان الذي هو موطن إقامتك. ***

стр. 306

قصر الصلاة سؤال: إذا كنت في سفر مسافة قصر، وحين عودتي إلى حيث أقيم وقبل وصولي بحوالي عشرة أو عشرين كيلو متراًَ، حان وقت صلاة رباعية، فهل يجوز لي القصر والجمع أم القصر فقط، أم لا يجوز شيء منهما؟ الجواب: أما القصر فيجوز لأنه لم ينته السفر، ما دمت لم تدخل في البلد الذي سافرت منه، فإنك لا تزال في سفر حتى تدخل في بلدك، سواءً بقي عشرون كيلو أو أكثر، أو أقل. سؤال: حتى لو كنت أدرك وقت الصلاة؟ الجواب: لك القصر ما دمت خارج البلد، وما دمت في طريقك من السفر. أما الجمع فلا داعي له، بل تصلي الصلاة الحاضرة، وتقصرها، والصلاة الآتية تتركها في وقتها إذا وصلت. سؤال: بالنسبة للقصر، أقصر حتى لو كنت سأدرك وقت تلك الصلاة في المدينة؟ الجواب: نعم، إذا دخل عليك الوقت وأنت ما زلت في الطريق في السفر، فإنك تقصر وتفطر في رمضان؛ لأن أحكام السفر ما زالت إلى أن تدخل في البلد الذي تريد الاستقرار فيه. *** سؤال: إذا سافرت خارج بلدي وأقمت واستقريت في إحدى المدن خارج مدينتي، والتي تبعد عنها بمسافة قصر، ثم أردت زيارة منطقتي الأصلية لمدة قصيرة قد لا تتجاوز أربعة أيام، فهل يجوز لي قصر الصلاة خلال إقامتي في بلدي الأصلي خلال هذه المدة القصيرة، والتي أنوي السفر بعدها إلى حيث أسكن وأعمل خارجها؟

стр. 307

الجواب: إذا سافرت من بلدك إلى بلد آخر واستوطنته واستقررت فيه، استيطانًا دائمًا، وتركت بلدك تركًا نهائيًا، ثم قُدِّر أنك سافرت من محل إقامتك واستيطانك إلى بلدك الأصلي لا لأجل الرجوع والاستقرار فيه، وإنما لغرض من الأغراض ومررت به عابرًا في سفرك، هذا فيه تفصيل: إن كان فيه زوجة لك، مستقرة، فإنه يجب عليك الإتمام؛ لأنك حينئذ تكون من أهل ذلك البلد؛ لوجود زوجتك المستقرة والساكنة فيه. أما إذا لم يكن لك فيه زوجة، وليس لك به أهل، وإنما مررت به عابرًا، ثم ترجع إلى محل إقامتك واستقرارك، فإنك تقصر الصلاة؛ لأن لك حكم المسافرين، إلا إذا نويت إقامة تزيد على أربعة أيام، فإنه يجب عليك الإتمام أيضًا؛ لأنك تأخذ حكم المقيمين، والله تعالى أعلم. سؤال: لو لم يكن خروجه من هذا البلد خروجًا نهائيًا، وربما بقي له بعض الأملاك أو بعض البيوت والأقارب أيضًا، يزورهم في السنة مرة، أو مرتين فهل إقامته في حدود أربعة أيام تعطيه حكم المسافر، أو حكم المقيم؟ الجواب: إذا كان له أهل في هذا البلد وله زوجة - ليس له زوجة - أو هو لم ينتقل من هذا البلد انتقالًا نهائيًا، وإنما ذهب إلى غيره ذهابًا عارضًا لعمل من الأعمال، ثم يرجع إلى موطنه واستقراره، وهذا البلد هو محل إقامته، فليس له أن يقصر فيه، لكنه هو يذكر أنه رحل رحيلًا نهائيًا واستقر في موطن آخر، فصار ذلك البلد الآخر هو بلد إقامته. أما إذا كان بالعكس، موطن إقامته هو موطنه الأصلي وإنما ذهب إلى

стр. 308

غيره لأجل عمل من الأعمال مؤقت، ثم يرجع إلى بلده، هذا لا يعتبر مسافرًا إذا جاء إلى بلده. *** سؤال: أنا طالبة أدرس بعيدًا عن أهلي وأسكن في قسم داخلي، وهذا المكان الذي أدرس فيه يبعد عن أهلي حوالي مائة وخمسين كيلو متر، وآتي إليهم في يومي الخميس والجمعة كل أسبوع فصلاتي هل تكون قصرًا أم تكون تامة في اليومين اللذين أقيمهما عند أهلي، وفي الخمسة الأيام التي أقيمها في القسم الداخلي، أفيدونا جزاكم الله خيرًا. الجواب: أما في أيام إقامتك في القسم الداخلي الخمسة الأيام واليومين عند أهلك، فإنه يلزمك إتمام الصلاة، وأما في الطريق بينهما، فإنه يجوز لك قصر الرباعية ويجوز لك الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما تقديمًا أو تأخيرًا، فالترخص في الجمع والقصر إنما يكون في الطريق، أما في الإقامة في بلد الدراسة خمسة أيام وإقامتك عند والديك وفي وطنك فيلزمك الإتمام. *** الذي لا يصلي ولا يصوم كافر سؤال: لي والد بلغ الستين من العمر ولم يصل ولم يصم إلى هذا اليوم، وهو بصحة جيدة وذو علم كثير، يستطيع به أن يجادل من يشاء من أهل العلم، ونحن في قرية فيها مسجد كبير وقريب من دارنا جدًا، ومع ذلك لم يستفد من علمه شيئًا، حيث إن القرآن الكريم والأحاديث النبوية

стр. 309

الشريفة كلها تنص على أن مثل هذا الإنسان ذو حظ عاثر، ترى ما العمل؟ وأنا ابنه في العشرين من عمري، ومنذ سنوات وبشتى الطرق، حاولت إقناعه، بأن الناس في القرية، يريدونه في المسجد ليصلي معهم أو بهم، لكنه يتغافل ويتكاسل عن أداء هذا الحق الإلهي، ويردد قائلًا: أن أكثر المصلين في هذا الزمان فجّار ومنافقون، والآن يقول لي بعض الرجال: إذا مات أبوك فمن سيغسله ويصلي عليه وهو على هذه الحال؟ أرشدوني إلى ما يجب علي نحو والدي هذا، وما الحكم فيه إن مات على هذه الحالة؟ الجواب: هذا المذكور الذي عنده علم ولكنه لا يصلي ولا يصوم ولا يعمل بأحكام الدين، هذا ضال والعياذ بالله، وضلاله بيِّن إذا كان يترك الصلاة متعمدًا، فترك الصلاة متعمدًا كفر على الصحيح، ولو لم يجحد وجوبها، أما إذا كان يجحد وجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين. الحاصل: أن هذا الذي ذكر السائل أنه لا يصلي ولا يصوم هذا كافر إن كان يجحد وجوب الصلاة ويرى أنها غير واجبة فهذا كفره لا شك فيه، وإن كان مقرًا بوجوبها ولكنه يتركها تكاسلًا، فهذا على خلاف بين أهل العلم والصحيح القول بكفره. ولكن واجبك أيها الابن أن تناصحه، وأن لا تيأس من هدايته لعل الله أن يهديه على يديك فكرر النصيحة معه، فإن رأيت منه إصرارًا على حالته وعدم تقبل للنصيحة فعليك أن تفارقه وأن تعتزله، ولا مانع أن تحسن إليه فيما يحتاجه من النفقة والإحسان الدنيوي، بل يجب عليك أن تحسن إليه، والصلة معه، لكن لا تجلس معه ولا تساكنه إلا إن احتاج إليك مع المناصحة والإلحاح عليه لعل الله أن يهديه.

стр. 310

أما قضية إذا مات على هذه الحالة، مات وهو كافر - والعياذ بالله - فالمسلم لا يتولى الكافر، وإنما يتولاه أقاربه الكفار، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣] ، فيتولاه أقاربه الكفار إن كان له أقارب من الكفار، وإذا لم يكن له أقارب من الكفار فإنه يدفن بعيدًا عن مقبرة المسلمين، يوارى بالتراب، ولا يغسل ولا يصلى عليه، بل يدفن بثيابه في مدفن معتزل عن مقبرة المسلمين من باب المواراة بجثته لكي لا يتأذى بها الناس؛ ولأن النبي ﷺ ألقى قتلى بدر في القليب، فيجب أن يوارى ولا يقبر في مقابر المسلمين. *** سؤال: أهلي لا يصلون ولا يصومون ويحلفون بغير الله، وقد عجزت في نصحهم فهل يجوز مفارقتهم نهائيًا، مع علمي أن لهم حقوق الطاعة علي، ماذا أفعل؟ أرجو نصحي بما ترونه، وفقكم الله. الجواب: إذا كان يقصد بأهله زوجته، وأنها لا تصلي ولا تصوم، فهذه يجب عليه مناصحتها وأمرها بالصلاة والصيام، وبالتزام الشريعة وأدائها كما أوجب الله عليها، فإن امتثلت وتابت إلى الله فإنه يُبقيها عنده، أما إذا أصرت على الامتناع عن الصلاة وعن الصيام، فهذه غير مسلمة، لا يجوز له إمساكها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، والتي تترك الصلاة متعمدة لا شك أنها كافرة. وإن كانت لا تقر بوجوبها، فكفرها مجمع عليه بين أهل العلم، وإن كانت مقرة بوجوبها ولكنها تتركها تكاسلًا وتهاونًا بها، فكذلك هي كافرة

стр. 311

في أصح قولي العلماء، وهو الذي تعضده الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة، فهذه المرأة إذا أصرت على ترك الصلاة، وترك الصيام، فإنه لا يجوز لك أن تبقيها في عصمتك؛ لأنها ليست بمسلمة، والمسلم لا يجوز له نكاح الكافرة غير الكتابية. أما الحلف بغير الله فهذا شرك أصغر يجب التوبة منه والابتعاد عنه؛ لقوله ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» ، وفي حديث آخر: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» . والحلف بغير الله شرك أصغر يجب على المسلم أن يتوب منه، وأن يقتصر على الحلف بالله ؛ لأن الحلف تعظيم، والتعظيم حق الله . أما إذا كان يقصد بأهله مثلًا أهل بيته من إخوانه ووالديه، فإنه يجب عليه مناصحتهم والإنكار عليهم. فإذا لم ينتصحوا وأصروا على ترك الصلاة وترك الصيام فإنه يجب عليه أن يفارقهم، وأن يهجرهم؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية. ***

стр. 312

ترك الصلاة سؤال: كنت خلال فترة شبابي أصلي أحيانًا وأترك الصلاة أحيانًا مع المحافظة على صلاة الجمعة، ولكني منذ ثلاث سنوات تقريبًا بدأت أحافظ على جميع الصلوات مع الندم الشديد على تفريطي سابقًا، وأقوم بالقضاء عما فاتني، فمثلًا أصلي الفجر أربع ركعات ركعتين فرضًا حاليًا، وركعتين قضاءً، إلى جانب ركعتي السنة، وهكذا في بقية الفروض، فهل عملي هذا صحيح أم يلزمني شيء آخر؟ الجواب: أولًا: التكاسل عن الصلاة والتهاون بشأنها أمر خطير جدًا، وشنيع. ثانيًا: نشكر الله إذ مَنَّ عليك بالتوبة والندم على ما حصل، وهذا يجب على كل مسلم أنه إذا أذنب ذنبًا أن يتوب إلى الله توبة صحيحة، والله يتوب على من تاب، ويغفر الذنوب جميعًا، والتوبة تجب ما قبلها، فالحمد لله الذي من عليك بالتوبة ونسأله لنا ولك الثبات على الحق. أما مسألة القضاء، فالصحيح أن من ترك الصلاة متعمدًا أنه يكفر بذلك؛ لقوله ﷺ : «بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة» ، وما دمت قد تبت إلى الله ، وحافظت على الصلوات، فهذا يكفي وليس عليك قضاء على الصحيح، والله تعالى أعلم. ***

стр. 313

سؤال: هل ترك المسلم للصلاة يخرجه من الملة؟ الجواب: ترك المسلم متعمدًا إذا كان جاحدًا بوجوبها فهذا يخرجه من الملة بإجماع المسلمين؛ لأنه مكذب لله تعالى ولرسوله ﷺ ولإجماع المسلمين، ومنكر لضروري من ضروريات الدين الإسلامي. أما إذا كان يقر بوجوبها، وإنما تركها تكاسلًا فعلى خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه يكفر أيضًا؛ لأدلة كثيرة منها قوله ﷺ : «بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة» ، وقال ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» ، وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] . دل على أنهم إن لم يقيموا الصلاة لا يخلى سبيلهم وليسوا إخواننا في الدين، هذا معناه الكفر. كذلك قال تعالى عن الكفار أنهم يسألهم أهل الجنة يوم القيامة: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢-٤٤] ، إلى آخر الآيات، فدل على أن الذي أوجب لهم دخول النار، صفات اتصفوا بها في طليعتها وأولها ترك الصلاة.

стр. 314

كفر تارك الصلاة سؤال: أنا أبلغ من العمر ستة وثلاثين عامًا، ولكن أكثر أفعالي خلال هذا العمر غير مرضية، فقد ارتكبت الكثير من المخالفات، ولم أكن أصوم رمضان سوى من عامين فقط، وكذلك الصلوات، فماذا يجب عليّ نحو الصلاة والصيام، فإني قد عقدت العزم على التوبة الصادقة إلى الله، كذلك حلفت أيمانًا كثيرة، وقد حنثت بالكثير منها، ولكني أجهل عددها، فهل علي كفارة، وكيف تؤدى وأنا أجهل عدد الأيمان التي حنثت فيها؟ الجواب: أما القضية الأولى وهي: تركك للصلوات سنين وتركك للصيام، فهذه الفترة التي كنت فيها على هذه الحالة لست على الإسلام؛ لأن من ترك الصلاة متعمدًا فهو كافر سواءً كان جاحدًا لوجوبها، أو مقرًا بوجوبها، وتركها كسلًا على الصحيح. فكل هذه الفترة وأنت لست على دين، لكن لما من الله عليك بالتوبة وتبت إلى الله، وحافظت على الصيام والصلاة، فإن التوبة تجب ما قبلها، ولا يلزمك قضاء ما فات قبل التوبة. وأما من ناحية الأيمان التي حلفتها وخالفتها، ولا تدري كم عددها، فعليك أن تجتهد في تقديرها وتكفر عنها وتحتاط، إذا قدرتها مثلًا عشرة أيمان، تحتاط وتزيد فيها يمين، عليك بالاحتياط، قدِّر واحتط واترك في المستقبل كثرة الأيمان، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . كثرة الحلف والمبادرة إلى الحلف هذا فيه إحراج، وفيه تساهل باليمين، فعليك أن تتحرز من اليمين في المستقبل، وأن تحتاط وتقدر الكفارة فيما سبق، والله يوفق الجميع.

стр. 315

سؤال: أفيدكم أن عمري الآن خمس وأربعون سنة، وقد مضى علي أربع سنين من عمري دون أن أصلي، ودون أن أصوم رمضان، ولكني في العام الماضي أديت فريضة الحج، فهل تكفر عني ما فاتني من صوم وصلاة، وإن كانت لا تكفر، ماذا علي أن أفعل الآن؟ أرشدونا وفقكم الله. الجواب: ترك الصلاة متعمدًا خطير جدًا؛ لأن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وإذا تركها المسلم متعمدًا فإن ذلك كفر، كما قال النبي ﷺ : «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» ، وقال ﷺ :: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» ، والله تعالى يقول في الكفار: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، ويقول عن أهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢-٤٤] ، إلى غير ذلك من النصوص التي تدل على كفر تارك الصلاة، وإن لم يجحد وجوبها، وهو الصحيح من قولي العلماء ﵏. فما ذكرت من أنك تركتها متعمدًا لمدة ثلاث سنوات، هذا يقتضي الكفر، ولكن إذا تبت إلى الله توبة صحيحة، وحافظت على الصلاة في مستقبل حياتك، فإن الله يمحو ما كان من ذي قبل، والتوبة الصادقة تجب ما قبلها.

стр. 316

أما الحج، فإنه لا يكفر ترك الصلاة، ولا يكفر ترك الصيام؛ لأن هذه كبائر موبقة لا يكفرها الحج. وكذلك الحج إذا كنت أديته وأنت لا تصلي، فإنه لا يصح؛ لأن الذي لا يصلي ليس له دين، وليس له إسلام، ولا يصح منه عمل: إلى أن يتوب إلى الله ، فإذا تبت إلى الله توبة صحيحة وحافظت على الصلاة، فإن هذا يكفر ما سبق، ولكن عليك بالصدق، والاستمرار على التوبة، والاهتمام بالصلاة. وإذا كنت أديت الحج في حالة تركك للصلاة فعليك أن تعيده، أما إذا كنت أديته بعدما تبت، فهو حج صحيح إن شاء الله، وما مضى من المعصية وترك الصلاة والصيام، تكفره التوبة الصادقة. *** ترك الصلاة تكاسلًا سؤال: توفي والدي يرحمه الله، بعد أن مرض مرضًا نفسيًا، طالت مدته، وكان في فترة المرض لا يصوم ولا يصلي، كما كان أيضًا قبل مرضه يتكاسل أحيانًا كثيرة عن الصلاة وأخشى عليه من عقاب الله، لذلك فأنا دائمًا أدعو الله له في صلاتي، ولكن هل يجوز أن أصلي عنه، أو أصوم عنه قضاء عما تركه في حياته من صوم أو صلاة؟ الجواب: إذا كان والدك ترك الصلاة متعمدًا، واستمر على هذا إلى أن مات، فهذا أمره خطير، ويخشى عليه من الكفر؛ لأن من ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها، فهذا كافر بإجماع المسلمين، ومن تركها تكاسلًا مع

стр. 317

إقراره لوجوبها، فهذا كافر أيضًا على الصحيح، وإذا كان والدك ترك الصلاة واستمر على هذا إلى أن مات، وهو يترك الصلاة، أو يصلي بعض الأحيان، ويترك في البعض الآخر، فهذا حالته خطيرة، ولا يجوز الدعاء له إن كان مات على هذه الحالة. وأما قضاء الصلاة، فالصلاة لا تقضى، ولا يصلي أحد عن أحد، فالواجب على المسلم أن يحافظ على صلاته، وأن يحافظ على بقية دينه ولا يتساهل فيه، خشية أن يدركه الموت وهو مفرط في دينه، ومضيع لصلاته، وإذا مات على هذه الحالة، فلا يجديه شيء، لا دعاء ولا صدقة والعياذ بالله؛ لأنه مضيع لعمود الإسلام، ومتكاسل عن آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين. فالحاصل: أن حالة المذكور إن كان مات على ذلك فحالته سيئة والعياذ بالله، ولا يجوز لك أن تدعو له، ما دام أنه مات وهو مضيع للصلاة، ولا يجزيه قضاء الصلاة عنه، ولا ينفعه ما يُعمل له لأنه مات على غير الملة، إذا كان كما ذكرت، واستمر عليه ولم يتب قبل الممات، والله المستعان. سؤال: السائلة تقول: إنه مرض مرضًا نفسيًا مات على إثره، وحالته هذه هي التي وصفتها من تركه للصلاة والصيام أو تكاسله عنهما كان قبل أن يصاب بهذا المرض؟ الجواب: هذا يعني أنه تركها متعمدًا من غير عذر، والمرض النفسي لا يمنع من الصلاة، يصلي الإنسان وعنده مرض، فتركه للصلاة دل على أنه عدم رغبة فيها. سؤال: لكن لو كان في هذا المرض فقدان للوعي مثلًا فهل يعذر؟

стр. 318

الجواب: إذا بلغ به المرض إلى زوال الوعي، وزوال العقل والشعور، هذا معذور؛ لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منهم: «المعتوه حتى يعقل» ، لكنها ذكرت أنه ترك الصلاة قبل أن يصاب بهذا المرض، ولم تذكر بعد إصابته أن هذا أزال شعوره، وأنه أزال عقله. سؤال: أيضًا قضاء الصيام لا يصح؟ الجواب: قضاء الصيام فيه خلاف، لكن في هذه الحالة لا يصح؛ لأنه تارك للصلاة، أما لو كان محافظًا على الصلاة، وترك أيامًا من رمضان لمرض أو عذر شرعي ثم مات، ففي هذا الوضع خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه يقضى عنه؛ لقوله ﷺ : «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه» . *** زيارة ترك الصلاة سؤال: ما حكم زيارة تارك الصلاة في مرضه، أو محاولة علاجه والسعي في ذلك، أو تشييع جنازته إذا مات؟ الجواب: أما مسألة زيارته والسعي في علاجه، فإذا كان يرجى أن تكون الزيارة سببًا لهدايته ودعوته إلى التوبة، والرجوع عما هو عليه، فهذا شيء طيب، فأنتم تزورونه وتنصحونه، وتدعونه للتوبة، لعل الله سبحانه أن يمن عليه بها، وتكونون سببًا في ذلك؟، ويختم له بخير إن مات، وإن شفاه الله من مرضه، تكونون سببًا في استقامته واهتدائه بقية حياته.

стр. 319

وكذلك السعي في علاجه إذا كان هذا يترتب عليه أو يرجى منه أن يؤثر ذلك على سلوكه وتوبته ورجوعه عما هو فيه فهذا شيء طيب. أما اتباع جنازته إذا مات، وأنتم تعلمون أنه لا يصلي أبدًا، يترك الصلاة نهائيًا متعمدًا، فهذا لا يجوز لكم اتباع جنازته؛ لأنه بذلك يكون قد مات على الكفر، والكافر لا يتبع جنازته مسلم، ولا يصلى عليه، بل ولا يدفن في مقابر المسلمين إذا ثبت أنه لا يصلي أبدًا، وأنه ترك الصلاة متعمدًا ومات على ذلك، فإنه مات ميتة الكافر والعياذ بالله، فلا يجوز اتباع جنازته. *** مجالسة ومشاركة تارك الصلاة سؤال: هل يجوز لي أن أجالس وأشارك تارك الصلاة المصر على تركها؟ الجواب: لا يجوز لك أن تجالسه وتشاركه في المأكل والمشرب إلا إذا كنت تقوم بنصيحته والإنكار عليه، وترجو أن يهديه الله على يديك، فإذا كنت تقوم بهذا معه جاز لك، أو وجب عليك أن تقوم به معه. لأن هذا من إنكار المنكر ومن الدعوة إلى الله ، لعل الله أن يهديه على يديك. أما إذا كنت تشاركه وتجالسه، وتأكل وتشرب معه من غير إنكار، وهو مقيم على ترك الصلاة، أو مقيم على شيء من الكبائر فإنه لا يجوز لك أن تخالطه. وقد لعن الله بني إسرائيل على مثل هذا، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩] ،

стр. 320

وجاء في تفسير الآية: أن أحدهم كان يرى الآخر على المعصية فينهاه عن ذلك، ثم يلقاه في اليوم الآخر وهو مقيم على معصيته فلا ينهاه ويخالطه ويكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على ألسن أنبيائهم، وحذرنا رسول الله، أن نفعل مثل هذا الفعل؛ لكيلا يصيبنا ما أصابهم من العقوبة، والله أعلم. سؤال: مثل هؤلاء أو غيرهم من المرتكبين لبعض المعاصي، هل الأفضل مخالطتهم واستمرار النصيحة لهم على أمل إصلاح شأنهم، أو هجرهم وترك مجالسهم أصلًا؟ الجواب: الأفضل مناصحتهم إلا إذا كان في هجرهم مصلحة أن يرتدعوا، فإذا كان الهجر فيه مثلًا تبكيت لهم وتخجيل، وهو أنكى بهم بأن يرتدعوا، فإنه يهجرهم. أما إذا كان الهجر لا يفيد شيئًا فهو بين أمرين: إما أن يخالطهم ويناصحهم ويأمرهم وينهاهم، وإذا لم ير جدوى فإنه يعتزلهم ويهجرهم. *** البقاء مع الزوجة التي لا تصلي سؤال: لدي زوجة كانت لا تؤدي الصلاة ولا الصيام، ولا الواجبات الدينية أو الزوجية، ولكني قمت بتعليمها كل شيء إلا أنها لا تلتزم بأداء الصلوات، بل تتركها أحيانًا كثيرة، وتسخر مني حين أعلمها أو آمرها بالصلاة، فما الحكم بالاستمرار معها نظرًا لصعوبة أمر الزواج من غيرها من الفتيات الصالحات لغلاء المهور التي أصبحت تشكل عقبة كبيرة؟
следующие страницы →