← Фатава

Фатава · id 8612

مجموع فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان

صالح الفوزان

Полный текст (695 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أما إذا كان العزاء مجرد مواساة للأحياء، ومجرد تطييب لخواطرهم ودعاء للميت بالمغفرة والرحمة فلا بأس بذلك خصوصًا إذا كانوا من أقاربه. ففي سفره إليهم وعزائهم ومواساتهم خير كثير، وربما يكونون بحاجة إلى حضوره، فلا بأس بذلك لأن هذا من الطاعة ومن المعروف وليس من المنكر. *** الوصية سؤال: نذرت والدة زوجتي إن توفاها الله، أن أتولى عدد أربعة رؤوس من الغنم كانت تملكها في حياتها، بأن أجعل منها، أضحية لوجه الله تعالى على رأس كل سنة، ويستمر ذلك ما دام نتاج هذه الغنم مستمرًا، وقد وافاها الأجل، وتوفيت منذ أربع سنوات، وبعد وفاتها وفي حال غيابي عن البلد أخذ زوجها تلك الغنم عنده، ولم أتمكن من تنفيذ شيء مما أوصتني به، فهل يلحقني أو يلحقها إثم بذلك، وما العمل الآن أرشدونا بارك الله فيكم؟ الجواب: هذه وصية وليست بنذر، والوصية إنما تصح بالثلث فأقل، مما تركه الميت، وما ذكرته من تصرف الزوج وعدم تمكنك من تنفيذ ما أوصتك به، فإن كان عندك إثبات على هذه الوصية، إما بوثيقة مكتوبة، أو بشهادة شاهدين، على هذه الوصية وصدورها من الميتة في حال حياتها، فإنك تتقدم بها إلى القاضي الذي في جهتكم، وهو يقدم بالنظر فيها، والأمر بما يلزم إن شاء الله، والله الموفق.

стр. 352

أداء الدين مقدم على الوصية سؤال: كان لي أخت متزوجة، ولها طفلان وقد طلقها زوجها بعد أن مرضت مرضًا شديدًا، وفي آخر شهر من عدتها توفيت وعليها ديون كثيرة للأطباء الذين قاموا بعلاجها ولغيرهم، وليس لها سوى أرض لا تغطي كل ما عليها من ديون، فلا تفي إلا بالثلثين فقط، وقد أوصت قبل موتها بأن يُحج عنها، وأوصت بأن يصلى عنها لمدة ثلاث سنوات، ويصام عنها ثلاثة أشهر، وبأن يذبح لها بعد موتها ويعمل لها وليمة عزاء، علمًا أن لها أربعة إخوة أشقاء وأختين، فما الحكم أولًا: في سداد ما عليها من دين على من يكون قضاؤه؟ وكذلك ما الحكم في وصيتها تلك؟ وماذا يلزمنا تنفيذه منها؟ أفيدونا عن ذلك جزاكم الله خيرًا. الجواب: أما قضية الديون التي عليها فإنه يجب تسديدها من تركتها، الديون الثابتة يجب تسديدها من تركتها، وليس هناك وصية إلا بعد سداد الديون؛ لأن وفاء الدين مقدم على الوصية. وأما قضية أنها أوصت بوصايا، ومن جملتها العزاء وذبح ذبيحة فهذا لا يجوز الوفاء به، حتى ولو كان لها تركة؛ لأن هذا من البدع، ولا يجوز فعله ومال الميتة انتقل منها إلى الورثة وانتقل في حالة الديون التي عليها إلى الغرماء، وإن بقي شيء فهو للورثة، وقد سمح لها الشارع بالوصية بحدود الثلث وعلى الوجه المشروع. أما أن توصي بإقامة حفل عزاء، وما أشبه ذلك من البدع، فهذا لا يجوز الوفاء به، والوصية غير صحيحة في مثل هذا.

стр. 353

وكذلك الوصية بأن يصلي عنها أو يصام عنها، هذا أيضًا لا ينفذ؛ لأن الصلاة والصيام عملان بدنيان لا تدخلهما النيابة. أما إذا كان عليها صيام نذر، فإنه يصام عنها؛ لقوله ﷺ : «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه» . ولما ورد في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك.» فصيام النذر على الميت يصوم عنه وليه. أما ما وجب بأصل الشرع من الصلاة والصيام فهذا لا تدخله النيابة؛ لأنه عمل بدني. سؤال: من يتولى سداد بقية الدين؟ الجواب: وبخصوص الوصية والنظر في الدين، يراجع القاضي في مثل هذا في إحصاء الديون، وإثباتها، وفي النظر في الوصية والصحيح منها وغير الصحيح، وفي تولية من يقوم بهذا العمل وينفذه. ***

стр. 354

دين المتوفى سؤال: هناك رجل مسلم قد استدان من أهل الكتاب مبلغًا من المال، وقد توفي هذا الرجل المسلم منذ ثلاث سنوات، ولم يسدد دينه، وأهله لا يعلمون به، وقد أردت إبلاغ أهله عنه ليقوموا بسداده عنه فرفض الدائن إبلاغهم دون أن يسامحه، وأنا أعلم ضرورة الوفاء بدين الميت فروحه مرهونة بدينه، فما رأيكم بهذه المسألة بارك الله فيكم؟ الجواب: الذي يلزم عليك أيتها السائلة أن تبلغي أولياء الميت بالدين الذي عليه لهذا الكتابي، أو لهذا الذي ذكرت أن له عليه حقًا، فيجب عليك تبليغ أولياء الميت، هذا ما يسعك، أما كونهم يسددون عنه أو لا يسددون فهذا شيء راجع إليهم، إن كان بالدين وثيقة وثبت فهذا يجب عليهم حتمًا أن يسددوه، وإن لم يكن به وثيقة إلا الشهادة التي أدليت بها، فهذا لا يثبت الحق، ولكن يعتبر قرينة أو بعض قرينة، أو بعض بينة، هذا راجع إليهم والأحوط والأحسن لهم أن يبرؤوا ذمة ميتهم من دينه. سؤال: لو قامت هي بتسديده من باب الصدقة هل يجزئ هذا؟ الجواب: لو قامت هذه بتسديدة، هذا شيء طيب، أو أي مسلم قام بتسديده عن هذا الميت، هذا شيء طيب، ويؤجر عليه وتبرأ به ذمة الميت. ***

стр. 355

من أحكام الحداد سؤال: هل يحق للمرأة الأرملة أن تضع زينة على وجهها كالكحل مثلًا، أفيدوني في ذلك بارك الله فيكم؟ الجواب: إن كان قصدها بالأرملة المعتدة من الوفاة في مدة التربص التي ذكرها الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ، هذه عدة الوفاة ويحرم على المرأة فيها التزين سواء بالحلي أو بالأصباغ، أو غير ذلك، فلا تتزين المرأة ولا تلبس الزينة في هذه الفترة، كذلك لا تتطيب، ولا تكتحل، الكحل الذي يتخذ للجمال، ولها أن تداوي عينيها بالدواء الذي ليس فيه زينة. أما الاكتحال والخضاب وأنواع الزينة المستحدثة الآن التي تتجمل بها النساء من المساحيق وغيرها، وكذلك الطيب بأنواعه، وكذلك الحلي بأنواعه، وكذلك ثياب الزينة بأنواعها، فالمرأة ممنوعة من هذه الأشياء مدة العدة، وهذا ما يسمى يالإحداد مدة العدة، وهو ترك الزينة، وهجر الزينة، بأن تتجنب كل ما يرغِّب في النظر إليها من أنواع الزينة والطيب والتحسين وغير ذلك. كما أن عليها أن تمكث في البيت الذي توفي زوجها وهي فيه، إلى أن يبلغ الكتاب أجله، ولا تخرج منه إلا بعذر شرعي. أما إن كان مرادها بالأرملة غير المعتدة التي خرجت من العدة، لكن ليس لها زوج، فهذه لها أن تتزين وتتجمل لكن لا تظهر هذا للرجال الأجانب، وإنما تتجمل وتتزين في الأحوال التي ليس فيها فتنة، وليس

стр. 356

فيها تعرض للرجال الأجانب، أما مع الرجال الأجانب، فيجب عليها إخفاء زينتها وستر نفسها. *** سؤال: لي زوجة متمسكة بعادة الحداد على الميت لمدة عام إلى درجة إهمال حقوقي الزوجية بكاملها، وعدم العناية بي، ويحدث هذا في كل مرة يموت أحد أقاربها تحد عليه مدة عام، فلا تتزين لي، ولا تهتم بشؤوني العامة ولا الخاصة، وقد حاولت كثيرًا في أن تترك هذه العادة السيئة، ولكن دون جدوى فما حكم عملها هذا ومتى يشرع الحداد للمرأة؟ الجواب: هذا العمل منها محرم، لا يجوز منها فعله، فقد روى البخاري ومسلم عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرًا» ، فالمرأة إنما يجب عليها الحداد أربعة أشهر وعشرة أيام، إذا توفي زوجها، أما هذا الذي تعمله زوجتك من أنها تحد على كل ميت لمدة عام، فهذا معصية، وحرام عليها، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك كما في الحديث الذي ذكرنا سابقًا فيجب عليها أن تتوب إلى الله تعالى، وأن تترك هذا العمل السيئ ***

стр. 357

ما يلحق الميت من الأعمال سؤال: إذا توفي شخص وكان في حياته لا يصلي بتاتًا، أو كان يصلي حينًا ويتركها أحيانًا، فهل يجوز أن تؤدى عليه الصلاة بعد وفاته، وإذا لم يكن ذلك جائزا، فهل ينفع أن يتصدق عنه، أو يقرأ له القرآن، وما هي الأشياء التي ينتفع بها الميت بعد وفاته ممن خلفه؟ الجواب: أولًا: الصلاة لا تفعل عن أحد، لا يصلي أحد عن أحد؛ لأن الصلاة عمل بدني لا تدخله النيابة، لا عن الحي ولا عن الميت. ثانيًا: من ترك الصلاة متعمدًا، واستمر على ذلك حتى مات هذا حكمه أنه كافر، والعياذ بالله، لا يجوز أن يُترحم عليه ولا أن يدعى له، ولا أن يتصدق عنه؛ لأنه مات على الكفر. وأما بالنسبة لما يلحق الميت بعد موته من الأعمال، النبي ﷺ يقول: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ، فهذه الأمور تلحق الميت: إذا أوقف وقفًا ينتفع به في سبل الخير، واستمر هذا الوقف بعد وفاته فإنه يلحقه الأجر ما بقي هذا الوقف. كذلك إذا علَّم علمًا ينتفع به من العلوم الشرعية النافعة فإن هؤلاء المتعلمين الذين صاروا ينفعون الناس من بعده، يعود إليه الأجر وهو ميت؛ لأنه علَّم الخير، وكذلك إذا ألف مؤلفات ينتفع المسلمون بها، فإن هذا علم ينتفع به، ويعود أجره لمن انتفع بهذه المؤلفات ما بقيت، وكذلك

стр. 358

إذا طبع كتبًا نافعة وأوقفها على المسلمين ينتفعون بها، أو مصاحف من القرآن الكريم، كل هذا من العلم الذي ينتفع به بعد موته، ويلحق من بذل فيه الأجر والثواب عند الله . وكذلك الذرية الصالحة الذين يدعون له من ذكور وإناث، فإن هذا يلحقه الأجر، إذا تقبل الله دعواتهم، كذلك الصدقة عن الميت؛ لأنه ورد أن الميت يتصدق عنه، وأن ذلك ينفعه. وعمم بعض أهل العلم أو جماعة من أهل العلم، عمموا أن أي طاعة فعلها مسلم وجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت أن ذلك ينفعه. كذلك الحج، ورد في الدليل، أنه ينفع الميت، وأنه يبرئ ذمته إذا كان واجبًا عليه، وينفعه إذا كان تطوعًا، فالحج والصدقة والدعاء والوقف، كل هذا مما يلحق الميت بعد وفاته. *** الصدقة للأموات سؤال: هل يجوز للمرأة أن تخرج من مالها الخاص صدقة لأحد أقاربها الأموات دون علم زوجها، وما الحكم إذا كانت الصدقة من مال زوجها؟ الجواب: يجوز للمرأة أن تخرج من مالها الخاص صدقة عن أقاربها الأموات لوجه الله ، وليعود ثوابها ونفعها إليهم؛ لأنها تتصرف في مالها، وهي حرة في مالها في حدود ما شرعه الله، والصدقة عمل صالح ويصل ثوابها إلى من تتصدق عنه فلا بأس بذلك. أما أن تتصدق من مال زوجها فهذا فيه تفصيل:

стр. 359

إذا كان زوجها أذن لها، أو كانت تعرف أنه لا يمنع من ذلك، وأنه يرغب في هذا الشيء، فإنها تتصدق من ماله فيما جرت العادة به، وأما إذا كان زوجها يمنع ولم يأذن لها فإنها تمتنع ولا تتصدق من ماله ولو كان موسرًا. *** الصلاة عن الميت سؤال: أصلي كل ليلة بعد العشاء ركعتين، أهب ثوابهما للمرحوم والدي ووالدتي، فما حكم الشرع في نظركم في هذا؟ أفيدونا مشكورين. الجواب: أما بر الوالدين في حياتهما وبعد موتهما فهذا شيء مطلوب من المسلم، وهو من أفضل الأعمال، ولكن الصلاة عن الميت لا تفعل، وإنما الذي ينبغي أن تفعله عن والديك الميتين الصدقة عنهما والدعاء والاستغفار لهما، وإذا صليت فإنك تدعو لنفسك ولوالديك وللمسلمين وتستغفر لهما، وتترحم عليهما، هذا هو المشروع لقوله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ، فالذي ينبغي لك مع والديك الميتين الدعاء لهما والتصدق عنهما والحج عنهما إذا أمكن، هذه كلها أعمال يصل ثوابها إليهما إن شاء الله، أما الصلاة، فإنه لا يصلي أحد عن أحد؛ لأن الصلاة عمل بدني، لا تدخله النيابة. ***

стр. 360

سب وشتم الأموات سؤال: ما حكم سب وشتم الميت؟ وهل ذلك يؤذيه أو له تأثير عليه؟ الجواب: ورد النهي عن سب الأموات لأنهم أفضوا إلى ما عملوا، ولا يجوز سب الأموات إلا إذا ترتب على ذكرهم مصلحة شرعية كأن يكون هذا الميت من علماء الضلال، أو له آثار سيئة فإنه يجب تنبيه المسلمين عن آثاره وضلاله ليحذروا من ذلك. أما ذكره مجرد غيبة، ومجرد سباب لا مصلحة من وراء ذلك، فإنه لا يجوز. *** الموتى لهم حرمة سؤال: لدينا جامع كبير نصلي فيه، وحوله مقبرة محاطة به من ثلاث جهات، وقد كثر الناس في هذا الزمن، وأرادوا توسعة هذا الجامع، فأخذوا جزءًا كبيرًا من أرض المقبرة من الثلاث جهات ووسعوا الجامع على حساب القبور، حيث نقلوا رفاة بعض القبور إلى أماكن أخرى، فما هو الحكم الشرعي في هذا العمل؟ أفيدونا مأجورين. الجواب: الواجب أن هذه المسألة تحال إلى قاضي البلد، أو المفتي في البلد لينظر فيها، ولكن من حيث العموم، فإن المقبرة إذا كانت سابقة فإن لها حرمة، والموتى إذا دفنوا في أرض مباحة، فإنهم يكونون أحق بهذه القبور، ولا يجوز نقلهم منها إلا بمسوغ شرعي. والمسجد يمكن أن يوسع من غير المقبرة، أو يمكن أن ينقل إلى مكان

стр. 361

أوسع من مكانه، وعلى كل حال، هذه المسألة يرجع فيها إلى القاضي في البلد أو المفتي المعتبر في البلد لينظر فيها، والله الموفق. *** الأطباء ووفاة المرضى في العلميات الجراحية سؤال: بالنسبة للأطباء الذين يجرون العمليات، لو فرضنا أن مات أحد المرضى بين أيديهم وهم يجرون العملية بسبب هذه العملية، ألا يلحقهم في ذلك شيء ويلزمهم كفارة؟ الجواب: إذا حصل منهم تفريط نتج عنه وفاة الشخص، أو كان الطبيب لا يحسن إجراء العملية، فإنه يتحمل في هذا ويكون عليه مسؤولية، فيكون عليه الكفارة، والدية أيضًا على عقيلته؛ لأن هذا يعتبر من قتل الخطأ. أما إذا كان الطبيب خبيرًا بإجراء العملية، وحالة المريض تحتمل هذا الشيء ولم يحصل تفريط، فإنه لا حرج عليه في ذلك، وليس عليه ضمان ولا كفارة. سؤال: لو كان هناك تفريط وكانوا أكثر من واحد يعني مثلًا طبيب ومعه مساعد أو مساعدان، هل يلزمهم جميعًا هذه الكفارة؟ الجواب: إذا مات المريض بسبب الإهمال والتفريط من الطبيب ومن يساعده فإنهم يشتركون جميعًا في المسئولية، فيشتركون في الضمان والكفارة، والله أعلم. ***

стр. 362

كتاب الصيام

стр. 363

الحكمة من مشروعية الصيام سؤال: ما الحكمة من مشروعية الصيام؟ وكم صام النبي ﷺ ؟ وما معنى: «أفطر الحاجم والمحجوم؟» وهل هذا حديث: «صوموا تصحوا؟» الجواب: أما الحكمة من مشروعية الصيام. فالصيام فيه حكم عظيمة منها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ، فبين أن الصيام سبب لحصول التقوى، والتقوى مزية عظيمة، وهي جماع الخير، فالصائم يكتسب التقوى، والصيام يجلب التقوى للعبد في أنه إذا صام فإنه يتربى على العبادة ويتروض على المشقة، وعلى ترك المألوف وعلى ترك الشهوات، وينتصر على نفسه الأمارة بالسوء، ويبتعد عنه الشيطان وبهذا تحصل له التقوى، وهي فعل أوامر الله ، وترك نواهيه طلبًا لثوابه وخوفًا من عقابه، فهذا من أعظم المزايا أن الصيام يسبب للعبد تقوى الله ، والتقوى هي جماع الخير وهي أم البر، وهي التي علق الله عليها خيرات كثيرة، وكرر الأمر بها في كتابه، وأثنى على أهلها، ووعد عليها بالخير الكثير، وأخبر أنه يحب المتقين.

стр. 364

ومن فوائد الصيام أنه كما ذكرنا يربي الإنسان على ترك مألوفة تقربًا إلى الله ، ولهذا يقول الله جل وعلا: «الصوم لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» ، فهذا فيه امتحان للصائم في أنه ترك شهواته وملذوذاته ومحبوباته تقربًا إلى الله ، آثر ما يحبه الله تعالى على ما تحبه نفسه، وهذا أبلغ أنواع التعبد، هذا من أعظم فوائد الصيام. وكذلك الصيام يعود الإنسان على الإحسان وعلى الشفقة على أهل الحاجة والفقراء، لأنه إذا ذاق طعم الجوع وطعم العطش، فإن ذلك يرقق قلبه ويلين شعوره لإخوانه المحتاجين. والصيام فرض في السنة الثانية من الهجرة وصام النبي ﷺ تسع رمضانات، لأنه عاش في المدينة عشر سنوات والصيام فرض في السنة الثانية منها، فيكون ﵊ قد صام تسع رمضانات ومعنى: «أفطر الحاجم والمحجوم» معناه: أنه يفسد صيام الحاجم الذي يمص الدم بالقرم والمجم، ويفطر المحجوم الذي سحب منه الدم، فالاثنان أفرطا الحاجم الذي استخرج الدم بواسطة آلته، والمحجوم الذي سحب منه هذا الدم.

стр. 365

أما المحجوم فلخروج الدم الكثير منه، لذلك أفطر، لأنه سحب منه كمية من الدم، وهذه الكمية تضعفه وتضعف بدنه، ولا يتحمل الصيام. والحاجم أفطر لأنه مظنة أن يتطاير إلى حلقه شيء من الدم إذا مص القرن، والمظنة تنزل منزلة الحقيقة، فأفطر الحاجم من أجل ذلك وسدًّا للذريعة، هذا معنى قوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» ، بمعنى: أن كلا منهما فسد صيامه. وحديث: «صوموا تصحوا» : هذا ورد عن النبي ﷺ وهو في بعض كتب السنة وإن لم يكن سنده بالقوي فمعناه صحيح، أن الصيام فيه صحة للبدن لأنه يمنع الأخلاط، التي تسبب الأمراض، وهذا المعنى يشهد به علماء الطب، والتجربة أكبر برهان على أن الصيام فيه صحة للأبدان. *** تخصيص رمضان بالعبادة سؤال: بعض الناس وللأسف الشديد تراهم في رمضان يواظبون على الصلوات الخمس وعلى صلاة التراويح والتهجد وقراءة القرآن، فإذا ما انتهى رمضان، تركوا ذلك أو أكثره، فما الحكم فيهم؟ وهل تقبل أعمالهم الصالحة تلك في رمضان؟ وما هي نصيحتكم لمثل هؤلاء؟

стр. 366

الجواب: أما الاجتهاد في رمضان بالأعمال الصالحة، فهذا شيء طيب، ورمضان له خصوصية وموسم عظيم، ولكن المسلم، مطلوب منه أن يجتهد في أعمال الخير، في كل عمره، وفي كل حياته، وفي كل الشهور، لأن عمره فرصة ثمينة، وهو قادم على دار تحتاج إلى عمل، فإن الجزاء في الدار الآخرة إنما يكون على العمل، فالمسلم مطلوب منه، أن يستغل حياته في الدنيا في الأعمال الصالحة، وأن يخص أيام الفضل والمواسم الخيرة كشهر رمضان، يخصها بمزيد اجتهاد، أما هؤلاء القوم المفرطون المضيعون للفرائض والصلوات، فإذا جاء رمضان اجتهدوا وحافظوا على الصلاة، فإذا خرج رمضان فإنهم يتركون الفرائض ويضيعونها، فهؤلاء لا يقبل منهم اجتهادهم في رمضان، وقيل لبعض السلف: إن قومًا يجتهدون في رمضان، فلما خرج تركوا العمل، فقال: بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان. فهؤلاء لا يقبل منهم إذا تركوا الفرائض، وتركوا الصلوات الخمس، أما إذا تركوا شيئًا من السنن، ومن النوافل، فهؤلاء لا حرج عليهم، ويرجى لهم القبول فيما أسلفوا في رمضان والله تعالى أعلم. *** دخول شهر رمضان سؤال: هل هناك أدعية مخصصة عند دخول شهر رمضان المبارك في السنة؟ وماذا يجب على المسلم في تلك الليلة؟ أفيدوني بارك الله فيكم. الجواب: لا أعلم دعاءً خاصًّا يقال عند دخول شهر رمضان، وإنما الدعاء العام عند سائر الشهور.

стр. 367

فإن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال في رمضان وفي غيره يقول: «اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله» ، وفي بعض الروايات أنه ﷺ كان يقول: «الله أكبر، الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله» ، هذا الدعاء الوارد عند رؤية الهلال لرمضان وغيره، أما أن يختص رمضان بأدعية تقال عند دخوله، فلا أعلم شيئًا في ذلك. لكن لو دعا الإنسان المسلم بأن يعينه الله على صوم الشهر، وأن يتقبل منه فلا حرج في ذلك، لكن لا يتعين دعاء مخصص بهذا، وإنما يدعو المسلم بأن يعينه الله، وأن يتقبل منه، ويحمد الله على أن بلغه رمضان. *** رؤية الهلال سؤال: إذا كان أول شهر رمضان يوم السبت بالنسبة للمملكة العربية السعودية وبالنسبة للجزائر كان أول الشهر يوم الأحد، فمن كان يقطن في الجزائر وصام مع المملكة هل يجوز له هذا أم لا، ومع من يفطر، لأنه إذا أفطر مع السعودية كان ذلك اليوم يوم صيام في بلده، وإذا صام هذا اليوم، كان يوم العيد في البلد التي صام معها؟

стр. 368

الجواب: قال النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» ، فعلق ﷺ وجوب الصيام ب رؤية الهلال وذلك يختلف باختلاف المطالع على الصحيح من قولي العلماء، ولا شك أن المطلع في الجزائر يختلف عن المطلع في المملكة فكل إنسان يصوم مع أهل الإقليم وأهل البلد الذي هو فيه إذا رأوا الهلال، ويفطر معهم، فأنت حكمك حكم المسلمين الذين تسكن معهم في أي إقليم كان، سواءً في الجزائر أو في غيرها، تصوم معهم وتفطر معهم. *** الصوم والسفر من بلد إلى آخر سؤال: إذا سافر شخص إلى الدراسة، خارج بلاده، وكما هو معلوم أن الوقت يختلف عن وقت بلده، فمثلًا إذا زادت ساعات الصيام، أو نقصت لاختلاف الوقت، هل يؤثر ذلك على صيام الشخص أم لا؟ أفيدوني بارك الله فيكم؟ الجواب: من سافر إلى بلد غير بلده، ويختلف بفارق توقيت عن بلده، فإنه يكون حكمه حكم ذلك البلد الذي سافر إليه، يصوم ويفطر تبعًا لذلك البلد، يصوم إذا طلع الفجر في ذلك البلد، ويفطر إذا غربت الشمس في ذلك البلد، ولا ينظر إلى توقيت بلده، لأنه سافر منه وخرج منه، وكل مكان له حكمه، فالإنسان إذا كان في بلد فإنه يكون حكمه حكم ذلك البلد، ولا يكون حكمه حكم بلده الذي جاء منه. ***

стр. 369

النية في صوم رمضان سؤال: أصوم أحيانًا بدون عقد النية عند بدء الصيام، فهل النية شرط في صيام كل يوم، أم تكفي في أول الشهر؟ الجواب: الصيام وغيره من الأعمال لا بد أن يكون عن نية، قال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ، وفي رواية: «لا عمل إلا بنية» ، فصوم رمضان تجب له النية من الليل، بأن ينوي قبل طلوع الفجر صيام ذلك اليوم، والسائلة تقول: إنها طلع عليها الفجر ولم تنو إلا بعد طلوع الفجر، فما حكم صومها ذلك اليوم؟ الجواب: أنه يجب عليها قضاء ذلك اليوم الذي مضى جزء منه بدون نية، والنية في رمضان لكل يوم بمفرده لأن كل يوم عبادة مستقلة تحتاج إلى نية، فينوي الصيام لكل يوم من الليل، فلو طلع عليه الفجر ولم ينو كحال السائلة ونوى بعد ذلك، فإن صومه لا ينعقد عن فرض رمضان، بل عليه أن يقضي ذلك اليوم، سواءً تركها عمدًا أو سهوًا، لكن لو كان قد نوى من الليل ولكن حصل عنده شيء من النسيان أو حصل عنده شيء من الشواغل، وعزب عن خاطره النية، لكن هو قد نوى، أو أسبق النية، فهذا الشيء العارض لا يؤثر، ما دام أنه لم يعدل عن نيته الأولى. العارض

стр. 370

البسيط لا يؤثر على النية فصيامه صحيح، إلا إذا نوى نية أخرى، وهي العدول عن صوم ذلك اليوم، فإنه لا بد من تجديد النية من الليل. *** سؤال: هل يشترط أن تكون نية الصيام قبل الفجر من كل ليلة من رمضان، أم تكفي نية واحدة لكل الشهر، وما حكم من تلفظ بها في كل ليلة من ليالي شهر رمضان؟ الجواب: النية شرط من شروط صحة العبادة من صيام وغيره، قال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ، وكل عبادة من العبادات لا تصح إلا بنية، ومن ذلك الصيام، فإنه لا يصح إلا بنية لقوله ﷺ : «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» ، فالنية للصيام مشترطة، وصيام الفرض لا بد أن ينويه من الليل قبل طلوع الفجر، ويجب عليه أن ينوي لكل يوم نية جديدة، لأن كل يوم عبادة مستقلة تحتاج إلى نية متجددة بتجدد الأيام لعموم قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ، وكل يوم من رمضان فإنه عبادة مستقلة، يجب أن تخص بنية، ولا تكفي النية التي من أول الشهر، إلا إذا جددها كل ليلة، استذكرها كل ليلة وعزم عليها.

стр. 371

أما النطق بالنية فإنه أمر غير مشروع، فالتلفظ بها بدعة، لأن النية من أعمال القلوب والمقاصد التي لا يعلمها إلا الله ، ولم يرد عن النبي ﷺ أنه كان يتلفظ بالنية يقول: اللهم إني نويت أن أصوم، أو نويت أن أصلي، أو نويت كذا وكذا، إنما ورد هذا عند الإحرام بالحج والعمرة، أن يقول المسلم: أريد الإحرام بالعمرة، أو أريد الإحرام بالحج، وكذلك عند ذبح الهدي أو الأضحية، ورد أنه يتلفظ عند ذبحها، ويقول: اللهم هذه عن فلان بن فلان فتقبل مني إنك أنت السميع العليم، في هذين الموطنين فقط، موطن الإحرام بالنسك وموطن الذبيحة التي يتقرب بها إلى الله بأضحية أو هدي تمتع أو قران، أو غير ذلك، فإنه يتلفظ عند ذلك، أما ما عدا ذلك من العبادات، فالتلفظ بالنية بدعة، سواءً كان في الصيام أو الصلاة أو بغير ذلك، لأنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه تلفظ في شيء من هذه الأحوال بالنية، وقد قال ﵊: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» ، وقال ﵊: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة» ، والتلفظ بالنية عند الصلاة أو عند الصيام، أو عند غيرهما من العبادات، هذا لم يفعله الرسول ﷺ ولم يأمر به، ويكون بدعة، وقد قال الله : ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ [الحجرات: ١٦] .

стр. 372

والله جل وعلا أنكر على الذين تلفظوا، في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] ، إلى أن قال جل وعلا: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحجرات: ١٦] . والتلفظ بالنية هذا معناه أن الإنسان يخبر ربه أنه نوى له كذا وكذا، وقد نهى الله عن ذلك، وأنكر على من فعله. سؤال: ما حكم التراجع عن نية الصيام النفل أو القضاء قبل طلوع الفجر؟ الجواب: قبل طلوع الفجر لا مانع أن الإنسان يتراجع لأنه لم يشرع في الصيام، ويجوز له أن يعدل عن صيام هذا اليوم، ويصوم في المستقبل؟ *** سؤال: ما حكم الإفطار في يوم صيام قضاء عن فطر في رمضان؟ الجواب: لا يجوز لمن صام قضاءً من رمضان أن يقطعه، وأن يفطر، لأنه إذا عقد النية وصام وجب عليه إتمام هذا اليوم، ولا يجوز له أن يقطعه، وقد قال الفقهاء ﵏: ومن دخل في فرض موسع حرم قطعه. سؤال: حتى لو كان واجبًا كالنذر أو الكفارة؟ الجواب: كل الصيام الواجب سواءً كان قضاءً أو نذرًا أو كفارة إذا دخل فيه الإنسان وشرع في صوم اليوم، فإنه يجب عليه إكماله، ولا يجوز له قطعه، إلا لعذر ضروري. سؤال: هل لو قطعه يكون حكمه حكم كفارة رمضان؟ الجواب: لا يكون حكمه كحكم الإفطار في رمضان، ولكن يأثم بهذا. ***

стр. 373

توقيت الإمساك والإفطار سؤال: أنا أقيم في مدينة كراكوف في بولندا وقد دخل علينا شهر رمضان الماضي، وقد من الله علينا بصيامه والحمد لله إلا أننا كنا في إمساكنا وفي إفطارنا نعتمد على توقيت بلدنا في العراق، علمًا أن التوقيت هنا في بولندا يسبق العراق فيجب أن نمسك قبلهم ونفطر قبلهم، وصمنا على الوضع أربعة أيام إلى أن تبين لنا الفرق في التوقيت، فاعتمدنا توقيت البلد التي نصوم بها، فما الحكم في فعلنا الأول، وماذا يجب علينا؟ الجواب: كما ذكر السائل، أنه يجب عليهم العمل بتوقيت البلد الذي هم فيه، فيمسكون عند طلوع الفجر، ويفطرون عند غروب الشمس، في البلد الذي هم فيه لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وهذا منطبق على المسلم في أي مكان، ما دام أن عنده طلوع الفجر وغروب الشمس، فإن الصيام فيما بينهما. وأما ما حصل منهم في أول الشهر في أنهم يصومون بتوقيت بلد آخر، يختلف عن تقويت بلدهم الذي هم فيه، فهو خطأ، ويجب عليهم أن يقضوا هذه الأيام التي صاموها على هذا النمط، لأن صيامهم غير صحيح، ولا مطابق للشرع كما ذكرنا، وإن كان مضى عليهم رمضان آخر لم يقضوا هذه الأيام، فإنه يجب عليهم مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم، والله أعلم. ***

стр. 374

الشك في طلوع الفجر سؤال: ما حكم من شك في طلوع الفجر؟ هل له أن يأكل ويشرب، أم يمسك حتى يستيقن طلوعه، أم أنه يعمل بالشك؟ أفيدوني في ذلك بارك الله فيكم؟ الجواب: يقول الله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، فإذا تيقن طلوع الفجر، حرم عليه الأكل والشرب ووجب عليه الإمساك. وإذا لم يتقين وبقي في شك هل طلع الفجر أو لم يطلع، فالاحتياط له أن يمتنع عن الأكل والشرب، من باب الاحتياط والابتعاد عن المشتبهات لقوله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ، ولقوله ﷺ : «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» ، فالأحسن أن يمسك وأن يترك الأكل والشرب، ما دام أنه يخاف أن الفجر قد طلع. *** دعاء الإفطار سؤال: ما هو الدعاء المأثور عن النبي ﷺ عند الإفطار وعند السحور؟

стр. 375

الجواب: قد ورد عن النبي ﷺ أنه كان إذا أفطر يقول: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله» ، وورد عن بعض الصحابة أنه إذا أفطر قال: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم» . وأما السحور فلم يرد فيما أعلم دعاء مخصوص يقال عند ذلك، والله أعلم. *** مفسدات الصوم سؤال: ما هي مفسدات الصوم عمومًا؟ الجواب: مفسدات الصوم: منها الأكل والشرب، متعمدًا ومنها الجماع، ومنها الإنزال، ومنها أيضًا أن يدخل في جوفه شيئًا يصل الجوف كالقطرة في العين أو في الأذن أو في الأنف، إذا استعمل القطرة السائلة في الأنف أو في الأذن أو في العين، ووصلت إلى حلقه، فهذا يفطر، لأنه أدخل إلى جوفه سائلًا متعمدًا، وكذلك أخذ الإبر المغذية، إذا أخذ الصائم إبرًا مغذية، فإنه يفطر بذلك، لأن الإبر تقوم مقام الغذاء فيفطر بها، وكذلك من مفطرات الصائم خروج الدم الكثير بالحجامة أو بالفصد،

стр. 376

على الصحيح لقوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» . وكذلك الحيض والنفاس، هذا مما يفطر الحائض والنفساء، ويحرم عليهما الصيام حال الحيض والنفاس وكذلك الاستقاء، إذا تعمد الإنسان الاستقاء حتى تقيأ، فهذا أيضًا يفطر، أما لو قاء من دون تعمد، بأن غلبه القيء فإنه لا يفطر بذلك، كذلك لو أكل أو شرب ناسيًا، فإنه لا يفطر بذلك. سؤال: هل خروج الدم من الإنسان رغمًا عنه نتيجة حادث أو قطع يفسد صومه أم لا؟ الجواب: لا يفسد عليه صومه، إذا خرج منه دم بغير اختياره، مثلًا لو جرح وخرج منه دم، أو خرج منه رعاف لا يفطر بذلك لأنه غير متعمد، حتى لو كان كثيرًا لا يفطر بذلك، إنما الذي يفطر هو المحتجم والفصاد، لأنه تعمد إخراج الدم فيفطر بذلك ولورود الحديث في الحاجم والمحتجم. سؤال: هل يقاس على هذا التعمد بالتبرع بالدم في نهار رمضان؟ الجواب: نعم إذا تبرع بدم كثير، فإنه يفطر بذلك، لأنه مثل الحجامة. *** الجماع في نهار رمضان سؤال: امرأة متزوجة منذ عشر سنوات، وقد كانت قبل الزواج لا تصلي علمًا أنها تزوجت وكان عمرها ثمان عشر سنة، وأيضًا حصل بينها

стр. 377

وبين زوجها معاشرة في نهار رمضان في أول سنة تزوجت فيها عدة مرات، جهلًا منها بالحكم، والآن قد تابت إلى الله وأصبحت مواظبة على الصلوات المفروضة والسنن، وكذلك على الصوم الواجب والتطوع فهي تسأل عن تركها الصلاة قبل الزواج، وعن معاشرتها زوجها في نهار رمضان جهلًا، ماذا يجب عليها؟ وهل تلزمها كفارة عن كل مرة؟ أم عن الجميع كفارة واحدة لأنها في شهر واحد، وزوجها هل يلزمه كفارة مثلها أم لا؟ وإذا كان يلزمها رغم جهلها بالحكم، فما معنى قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] ؟ الجواب: أما بالنسبة لما حصل منها من ترك الصلاة قبل زواجها فهذا أمر خطير، وأمر شنيع، لأن ترك الصلاة متعمدًا يعتبر ردة عن دين الإسلام على الصحيح من قولي العلماء، ولو لم تجحد وجوبها، فعليها حيال ذلك أن تتوب إلى الله توبة صحيحة وأن تحافظ على صلواتها مدة حياتها، وبذلك يكفر الله عنها ما مضى. أما بالنسبة لما حصل منها مع زوجها من العشرة في نهار رمضان، إن كانت تقصد بذلك الوطء في نهار رمضان، فهذا أمر محرم، لأن الله نهى عن ذلك، قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، فالصيام يمنع من وطء الزوج لزوجته، وإذا وقع منه ذلك، فإنه يكون عليه وعليها الكفارة، وهي ما بينها رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح أنها عتق رقبة، فإن لم يجد

стр. 378

فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع الصيام فإنه يطعم ستين مسكينًا مثل كفارة الظهار. وإذا تكرر الوطء في شهر واحد، من رمضان، قبل التكفير فإنه تكفي كفارة واحدة عن الجميع، فعليها هي كفارة وعلى زوجها كفارة أخرى على ما ذكرنا، ويكفيهما كفارة واحدة عن جميع المرات التي حصل فيها الوطء، ما دام أنه لم يسبق تكفير بين الوطئين. سؤال: لو كانت الزوجة مكرهة في هذه الحالة؟ الجواب: إذا أكرهت ولم يكن لها اختيار البتة، بأن ألجأها إلى هذا الشيء فليس عليها كفارة، وعليه الكفارة عن نفسه. سؤال: والجهل لا يعذر به أحد في هذه الحالة؟ الجواب: وأما ما ذكرت من أنها جاهلة فهذا الجهل لا يعذر به، لأنها بين المسلمين وتسمع أن الصيام واجب، وأن له أحكامًا، فهذا جهل لا يعذر به، لأنه بإمكانها أن تسأل وأن تعرف حكم الله ، إنما الجهل الذي يعذر به من كان بعيدًا عن المسلمين، ليس عنده أحد من المسلمين، بأن نشأ في بادية بعيدة أو في بلاد بعيدة عن المسلمين، ولا يسمع شيئًا من كتاب الله ولا من سنة رسوله. وأما ما ذكرت من قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] ، فالمراد بالجهالة هنا، ليست الجهالة بالحكم وعدم معرفة الحكم الشرعي، وإنما المراد جهالة الذنب، وأن من عصى الله فهو جاهل.

стр. 379

بمعنى أنه عاص لله، وهذا الجهل خلاف الحلم، وخلاف العقل الذي يمنع الإنسان من مخالفة الله ، وليس المراد بالجهل هنا عدم العلم. قال بعض السلف: كل من عصى الله تعالى فهو جاهل، والله تعالى أعلم. *** الحجامة والصوم سؤال: ما هي الحجامة وما حكمها؟ وهل فعلها ينقض الوضوء ويفطر الصائم أم لا؟ الجواب: الحجامة نوع من العلاج وهي استخراج الدم بواسطة المحجم، وهي تفطر الصائم على الصحيح من قولي العلماء، لأن النبي ﷺ يقول: «أفطر الحاجم والمحجوم» ، فالحجامة تفطر الصائم على الصحيح من قولي العلماء لهذا الحديث ولغيره. وكذلك هي تنقض الوضوء، إذا خرج بها دم كثير. *** التبرع بالدم أثناء الصيام سؤال: إذا تبرع الإنسان من دمه وهو صائم هل يؤثر ذلك على صيامه، وما رأيكم في الحقنة التي ليست للتغذية بالنسبة للصائم، هل هي

стр. 380

في حقه من مباحات الصيام أم أنها من مبطلاته؟ أفيدونا في ذلك أثابكم الله. الجواب: أما بالنسبة لسحب الدم من الصائم، فهذا يفطر الصائم إذا كان كثيرًا، فإذا سحب منه دم للتبرع به لبنك الدم مثلًا، أو لإسعاف مريض يحتاج إلى إسعاف بدم، وسحب من الصائم كمية من دمه، فإن ذلك يؤثر ويبطل صيامه كالحجامة، فالحجامة ثبت بالنص، والنص الثابت عن النبي ﷺ من رواية كثير من الصحابة أن الحجامة تفطر الصائم، وكذلك مثلها سحب الدم، إذا كان بكمية كثيرة، فإنه يفسد الصيام. أما قضية الحقن التي تحقن جسم الصائم، وهي الإبر، فهذه إن كانت من الإبر المغذية فلا شك أنها تفطر الصائم، لأنها تقوم مقام الأكل والشرب في تنشيط الجسم وتغذيته، فهي تأخذ حكم الطعام والشراب، وكذلك إذا كانت من الإبر غير المغذية والتي تؤخذ للدواء والمعالجة وأخذت عن طريق العرق، طريق الوريد، فهذه أيضًا تفطر الصائم، لأنها تسير مع الدم، وتصل إلى الجوف ويكون لها تأثير على الجسم كتأثير الطعام والشراب، كما لو أنه ابتلع الحبوب عن طريق الفم، فإنها تبطل صيامه، فكذلك إذا أخذ الدواء عن طريق الحقن، فإن هذا أيضًا يؤثر على صيامه. أما الحقن التي تؤخذ في العضل ولا تؤخذ في الوريد، وليست مغذية، فهذه رخص فيها بعض العلماء لكن الذي أراه أنها تأخذ حكم بقية الإبر، لأن لها تأثيرًا على الجسم ولها مفعول في الجسم، فهي كما لو أخذ الدواء عن طريق الدم، لا فرق بين أخذ الدواء عن طريق العضل

стр. 381

وأخذه عن طريق الفم، لأن كلًّا ينفذ إلى الجسم، ويصل إلى أعضاء الجسم، ويجد لها تأثيرًا وتنشيطًا في جسمه، هذا من المفطرات. فالأولى بالصائم أن لا يتساهل في هذه الأمور، وإذا كان مريضًا ويحتاج إلى أخذ الأدوية والحقن، فإنه يأخذها لأنه مريض، ورخص الله للمريض بأن يفطر، فيأخذها ويقضي هذا اليوم، نظرًا لأنه مريض. أما إذا كان في غنى عنها، ويستطيع أن يؤخرها إلى الليل، فإنه لا يجوز له أن يأخذها في نهار الصيام. *** ابتلاع الصائم بقايا الطعام الذي في الفم سؤال: إذا بقي شيء من طعام بين أسنان الصائم، هل يعتبر ذلك من المفطرات إذا ابتلعها الصائم؟ أفيدوني بارك الله فيكم. الجواب: إذا أصبح الصائم ووجد في أسنانه شيء من مخلفات الطعام، هذا لا يؤثر على صيامه، لكن عليه أن يلفظ هذه المخلفات ويتخلص منها، ولا تؤثر على صيامه، إلا إذا ابتلعها، فإذا ابتلع شيئًا مما تخلف في أسنانه متعمدًا، فإن هذا يفسد صيامه، أما لو ابتلعه جاهلًا أو ناسيًا، هذا لا يؤثر على صيامه، وينبغي للمسلم أن يحرص على نظافة فمه وأسنانه بعد الطعام، سواءً في حالة الصيام أو غيره، لأن النظافة مطلوبة للمسلم. ***

стр. 382

التكحل في نهار رمضان سؤال: هل التكحل من قطرة العين يؤثر على الصائم، وما هي الأشياء التي يجب أن يبتعد عنها الصائم حتى لا يؤثر على صيامه، أفيدوني بارك الله فيكم؟ الجواب: الذي يوضع في العين، من قطور أو كحل، هذا إذا وجد طعمه في حلقه، فإنه يفطر بذلك، عند كثير من أهل العلم، لأن العين منفذ، فإذا وصل طعم هذا الذي وضعه فيها من سائل أو جامد، إلى حلقه، وأحس بطعمه، وكان متعمدًا لوضعه في عينه، فإنه حينئذ يكون قد أثر على صيامه لأنه يشبه ما لو أكل شيئًا، أو شرب شيئًا ووصل إلى حلقه، فلا ينبغي للمسلم أن يتساهل في هذا الأمر، وإذا كان معتادًا للاكتحال، أو معتادًا لمداواة العين فليجعل ذلك في الليل، أما نهار الصيام فإنه يجب عليه أن يتجنب هذه الأشياء، حفاظًا على صيامه من المؤثرات. فيجب على الصائم أن يبتعد عن أشياء كثيرة، منها أشياء تفسد صيامه، ومنها أشياء تنقص ثوابه، أو تبطل ثوابه ولا تفسد الصيام، بمعنى أنه يلزمه القضاء فيها. أما التي تفسد الصيام ويلزمه الابتعاد عنها: مثل الأكل والشرب متعمدًا، ومثل الجماع، وكذلك ما في حكم الأكل والشرب، وتعاطي الأدوية والإبر التي تصل إلى جوفه وتسير في عروقه، فإن هذا في حكم الأكل والشرب، يفسد صيامه. كذلك التقيؤ والاستفراغ متعمدًا.

стр. 383

وكذلك مما يفسد الصيام: استخراج الدم الكثير بالحجامة، أو الفصد، أو سحب الدم للتبرع به أو لإسعاف مريض، فهذا أيضًا مما يفسد الصيام، ويلزم القضاء، لقوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» ، فهذه أمور إذا تعاطاها الإنسان، فإنها تفسد صيامه، ويلزمه قضاء ذلك اليوم الذي أفسده بها. وهناك أشياء محرمة على الصائم وتنقص ثوابه أو تبطل ثوابه، لكنه لا يؤمر بالقضاء: مثل الغيبة والنميمة وقول الزور، والشتم والكذب، وغير ذلك من الأمور المحرمة. كذلك النظر المحرم، واستماع الأشياء المحرمة كسماع الملاهي والأغاني والمزامير وغير ذلك، كل هذا مما يؤثر على الصيام، بمعنى أنه ينقص ثواب الصائم أو أنه يبطل ثواب الصائم ولكنه لا يؤمر بالقضاء لأن هذه المفطرات معنوية، وليست مفطرات حسية. *** الاحتلام في نهار الصيام سؤال: ما حكم من احتلم في نهار الصيام؟ وهل يؤثر ذلك على صحيحة صيامه أم لا؟ الجواب: من احتلم في نهار الصيام، فإنه يجب عليه أن يغتسل، وأما صيامه فإنه صحيح، لأن الاحتلام بغير اختياره وبغير قصده فهو جرى

стр. 384

عليه بغير اختياره فلا يؤثر على صيامه. صيامه صحيح لا غبار عليه، لكن الواجب على المسلم إذا احتلم وهو صائم وأنزل، فالواجب عليه أن يغتسل غسل الجنابة. *** القبلة والمباشرة للصائم سؤال: لقد ثبت عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم» . هل القبلة هنا حكمها عام للشيخ والشاب؟ أم أنها خاصة للشيخ فقط؟ وما المقصود بالحديث؟ بارك الله فيكم. الجواب: الحديث ثابت عن النبي ﷺ أنه كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، والمراد بالقبلة معروف. والمراد بالمباشرة: المباشرة بغير الجماع. التي هي اللمس مثلًا، أما الجماع فإنه يبطل الصيام بالنص والإجماع. والنبي ﷺ فعل ذلك، لأنه كان ﵊ مالكًا لنفسه، وعارفًا بأحكام صيامه ﵊، وما يؤثر عليه وما يفسده، أما غيره من الناس، فإنهم لا ينبغي لهم الإقدام على مثل هذه الأمور، الإقدام على القُبلة، والإقدام على مباشرة المرأة باللمس وغيره، لأن ذلك مدعاة لأن يحصل منهم ما يفسد الصوم مع جهلهم وضعف إيمانهم وعدم ضبطهم لأنفسهم، فالأحسن للمسلم أن يتجنب ما يثير شهوته وما يخشى منه من إفساد صيامه.

стр. 385

أما النبي ﷺ فكان يفعل ذلك، لأنه ﵊ كان ضابطًا لنفسه، وكان ﵊ أتقى الناس لله، وأخشاهم لله، ﵊، وهو أدرى بما يحفظ صيامه ﵊، فغير الرسول ﷺ ينبغي له أن يحتاط، وأن يبتعد عن هذه الأمور في أثناء الصيام، لأنها قد تسبب عليه إفسادًا لصيامه. *** تذوق الطعام والصوم سؤال: تذوق الطعام من قبل المرأة وغيرها هل يفسد الصوم؟ وما حكم مضغ العلك للصائم؟ أفيدوني جزاكم الله خيرًا. الجواب: لا بأس بتذوق الطعام بالفم، فيذوقه في فمه ويلفظه، ولا يبتلع شيء من ذلك، فإن ابتلع شيئًا من ذلك متعمدًا فسد صيامه، أما مجرد أنه يذوقه بفمه ويلفظه، فالفم له حكم الخارج وهو ليس من الجوف، فلا يؤثر هذا على صيامه. كما أنه يتمضمض للوضوء والطهارة ولا يؤثر هذا على صيامه بشرط أن يمج الماء، ويلفظه من فمه كذلك ذوق الطعام يلفظه، ولا يتطعم به في حلقه أو يبتلعه. أما العلك فهو على نوعين: الأول: العلك الذي يتحلل ويتفتت في الفم، وهذا لا يجوز للصائم مضغه لأنه يتسرب إلى الحق ويفسد الصيام. الثاني: العلك القوي الذي لا يتحلل ولا يتفتت في الفم ولا يذوب، وهذا يكره للصائم مضغه والله تعالى أعلم.

стр. 386

التسوك في نهار رمضان سؤال: ما حكم التسوك في نهار رمضان؟ الجواب: التسوك في نهار رمضان سنة مستحب، لأن السواك من السنن المتأكدة في الصيام وفي غيره، فيستحب للصائم أن يستاك في كل اليوم على الصحيح، ومن أفضل خصال الصائم السواك كما في الحديث، فيستحب للصائم أن يستاك في سائر اليوم. ومن العلماء من يرى أن الرخصة في السواك قبل الزوال، أما بعد الزوال فيمتنع من الاستياك، ويروى في هذا حديث، لكنه لم يثبت عن النبي ﷺ والثابت أنه يستاك في كل اليوم، ولا يؤثر هذا على صيامه. ومما ينبغي التنبيه عليه أنه يجب على الصائم أن لا يبتلع شيئًا من فضلات السواك، أو من الفضلات التي يخرجها السواك من لثته وأسنانه، بل يجب عليه أن يلفظ هذه الأشياء ولا يؤثر ذلك على صيامه، وعليه أن ينقي فمه بالمسواك ويطيبه بالمسواك، ويزيل آثار المخلفات التي في فمه، هذا لا بأس به، وهذا مستحب. *** تناول حبوب منع العادة الشهرية في رمضان سؤال: هل يجوز للمرأة أن تتناول الحبوب المانعة للعادة الشهرية حتى تتمكن من صيام رمضان بدون انقطاع؟

стр. 387

الجواب: لا مانع من ذلك إذا كانت هذه الحبوب لا تضرها في صحتها، وتمنع الدم، لا بأس أن تأخذها، وما دام أن الدم لم ينزل فصيامها صحيح. *** من يرخص لهم الإفطار في رمضان سؤال: من هم الذين يرخص لهم الإفطار في رمضان؟ الجواب: الذين يرخص لهم بالإفطار في رمضان هم أهل الأعذار الشرعية. أولًا: المسافر سفرًا يجوز فيه قصر الصلاة. ثانيًا: المريض الذي يلحقه مشقة إذا صام، أو يسبب تضاعف المرض عليه، أو تأخر البرء، فهذا يرخص له في الإفطار. ثالثًا: الحائض والنفساء، لا يجوز لهما الصيام في حال الحيض والنفاس، ويحرم عليهما الصيام، لأنهما من أهل الأعذار الشرعية. وكذلك الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو خافتا على ولديهما، أبيح لهما الإفطار. وكذلك المريض مرضًا مزمنًا لا يرجى له الشفاء في الواقع أو العادة، وكذلك الكبير الهرم، كل هؤلاء من أهل الأعذار، الذين رخص لهم الشارع الإفطار، ومنهم من يؤمر بالقضاء كالمسافر والمريض الذي يرجى شفاؤه والحائض والنفساء، والحامل والمرضع كل هؤلاء يجب عليهم القضاء لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] .

стр. 388

أما من لا يستطيع القضاء ويعجز عنه عجزًا مستمرًا كالكبير الهرم والمريض المزمن، فهذان ليس عليهما قضاء، وإنما يطعمان عن كل يوم مسكينًا، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] . فهؤلاء ينتقلون من الصيام إلى الإطعام، وليس عليهم قضاء لأنهما لا يستطيعان القضاء، فهما لا يجب عليهما الصيام لا قضاءً ولا أداءً، وعليهم البدل وهو الإطعام. *** الفطر في السفر سؤال: أيهما أفضل للمسافر الفطر أم الصوم؟ وما الحكم لو نوى المسافر الإقامة في بلد أقل من أربعة أيام، فهل له الفطر والحالة هذه أم لا، أفيدوني بارك الله فيكم؟ الجواب: المسافر سفرًا يباح فيه قصر الصلاة، وهو ما يسمى بسفر القصر، بأن يبلغ ثمانين كيلو فأكثر، فهذا الأفضل له أن يفطر عملًا بالرخصة الشرعية، وإذا صام وهو مسافر، فصومه صحيح ويجزي، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . فالإفطار في السفر أفضل من الصيام، وإذا صام فلا حرج عليه إن شاء الله، وصيامه مجزئ وصحيح. وأما إذا نوى إقامة أقل من أربعة أيام فإنه له أحكام المسافر، يجوز له الإفطار ويجوز له قصر الصلاة، لأن إقامته إذا كانت أقل من أربعة أيام فإنها لا تخرجه عن حكم المسافر.

стр. 389

أما إذا كانت إقامته التي نواها تزيد عن أربعة أيام، فهذا يأخذ حكم المقيم، فتنقطع في حقه أحكام السفر، ويجب عليه أن يصوم وأن يتم الصلاة، لأن أحكام السفر انقطعت بهذه الإقامة التي تزيد على أربعة أيام، وقد عزم عليها ونواها. *** إفطار الحامل والمرضع سؤال: متى يباح الفطر في رمضان للحامل والمرضع؟ الجواب: يجوز الإفطار للحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما من إضرار الصيام بالولدين، لأنه يمكن أن يضعف الغذاء الذي يتغذى به الولد في بطن أمه فإذا كان الأمر كذلك، فلها أن تفطر وأن تقضي من أيام أخر، وتطعم مع القضاء. أو خافت على نفسها، خافت المرضع والحامل على نفسها من الصيام، لأنها لا تستطيع الصيام وهي حامل ولا تستطيع الصيام وهي مرضع لضعف في نفسها، فهذه تفطر وتقضي من أيام أخر، وليس عليها إطعام، فإذا خافت على نفسها، فعليها القضاء فقط، وإذا خافت على ولدها فقط ولم تخف على نفسها، فعليها القضاء والإطعام، هذا ما يتعلق بالحامل والمرضع متى يفطران. سؤال: هل يقاس على الحامل إذا خافت على ولدها من أفطر مثلًا لإنقاذ غيره، يعني عليه أن يقضي وعليه أيضًا إطعام؟ الجواب: نعم يجوز للإنسان أن يفطر لإنقاذ غيره من مهلكة إذا

стр. 390

استدعى الأمر أن يفطر، ولا يتمكن من إنقاذ غيره من المهلكة إلا بالإفطار، فله أن يفطر ويقضي. سؤال: هل عليه كفارة إطعام مع القضاء؟ الجواب: أما الكفارة فلا أجزم فيها بشيء، أما القضاء عليه أن يقضي. *** إفطار المريض سؤال: مريض مصاب بمرض السكر منذ ثلاثة أعوام، وكان يصوم شهر رمضان ولكن بمشقة، فهل يجوز له الإفطار في هذه السنة، وماذا عليه لو أفطر؟ ومع ذلك المرض دائمًا يحس بالجوع والعطش، حتى لو كان الجو معتدلًا؟ الجواب: صيام شهر رمضان هو أحد أركان الإسلام قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ، إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . فالمسلم يجب عليه أن يصوم إلا إذا كان معذورًا، فإنه يفطر من أجل العذر الشرعي ويقضي من أيام أخر، والذي يعذر في ترك الصيام في رمضان هو المسافر أو المريض، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، فالمريض يفطر ويقضي الأيام التي أفطرها من أيام أخر إذا تيسر ذلك، وأنت مريض، فلك أن تفطر إذا كان الصيام يشق عليك، أو كان الصيام يزيد في المرض، أو يضاعف المرض، فإنك تفطر عملًا برخصة الله .
следующие страницы →