Полный текст (695 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فعد السحر من الموبقات، وجاء بعد الشرك بالله .
والسحر كفر؛ لأن الله ذكر عن اليهود أنهم استبدلوا كتاب الله بالسحر، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠١، ١٠٢] ، فالسحر من فعل الشياطين وهو كفر، وفي الآية يقول : ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] ، فدل على أن تعليم السحر كفر، وفي ختام الآية قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] . يعني: من نصيب.
فدل على أن الساحر إذا لم يتب إلى الله، أنه ليس له نصيب في الآخرة، وهذا هو الكافر، فالسحر كفر، وعلى هذا لا تصح الصلاة خلف الساحر إلا إذا تاب إلى الله ، وترك السحر، وتاب توبة صحيحة، وكذلك من يصدق بالسحر ... فهاذ حكمه، والعياذ بالله.
فالحاصل أن السحر أكبر الكبائر بعد الشرك، وهو كفر بالله ، وهو قرين الشرك؛ لأنه كفر بالله كما ذكر الله ذلك في كتابه الكريم، فالساحر والذي يصدق بالسحر كلاهما سواء.
وأما قضية حل السحر بسحر مثله، فالصحيح من قولي العلماء أن ذلك لا يجوز؛ لأن التداوي إنما يكون بالحلال والمباح، ولم يجعل الله شفاء المسلمين فيما حرم عليهم.
стр. 37
قال النبي ﷺ : «تداووا ولا تداووا بحرام» ، وعن ابن مسعود ﵁ قال: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» ، ومن أعظم المحرمات السحر، فلا يجوز التداوي به، ولا حل السحر به، وإنما السحر يحل بالأدوية المباحة، وبالآيات القرآنية والأدعية المأثورة، هذا الذي يجوز حل السحر به، الأدوية المباحة، والأدعية والآيات القرآنية، وفي هذا كفاية للمسلم.
سؤال: التصديق بالسحر الذي تفضلتم وقلتم أن المصدق به كالفاعل، التصديق به من أي ناحية، هل هو من ناحية وجوده حقيقة أو من ناحية قدرة الساحر على فعل أشياء ليست في حدود قدرة الإنسان؟
الجواب: المراد بالتصديق الذي يعتبر ممنوعًا ويعتبر حكمه حكم الساحر، تصديقه بأنه حق.
الذي يصدق أنه حق، وأنه مباح، أو أنه عمل طيب، الذي يستبيح السحر ويعتقد أنه حق وأنه عمل طيب، وأنه صنعة مباحة، هذا هو الذي نريده في كلامنا.
أما التصديق بوقوع السحر وحقيقته فهذا لا بد منه؛ لأن السحر له حقيقة وهو أمر واقع وهو يقتل ويمرض، ويفرق بين المرء وزوجه، فهو حقيقة واقعة، لا يصح إنكاره أبدًا، وهذا لا يدخل في الممنوع، فالتصديق بوقوعه وضرره لا يدخل في الممنوع؛ لأن الله أخبر عنه، وأخبر عن ضرره، فمن جحده وأنكره كان مكذبًا لله .
стр. 38
الذي يجحد، ويقول: لا يوجد سحر، والسحر ليس له حقيقة، وما أشبه ذلك، هذا يكون مكذبًا لما جاء في القرآن والسنة.
سؤال: التصديق، يشمل التصديق بفعل السحر أو إباحية حكمه؟
الجواب: التصديق قد يراد به التصديق بحقيقة السحر، ووجوده، وضرره، وأنه شيء واقع، هذا هو الذي قلنا: لا بد من الإقرار بوقوع السحر ووجوده وأنه مضر وأنه كفر، واعتقاد أنه كفر وضلال.
سؤال: التصديق الممنوع، هو كما قلتم: التصديق بإباحية مزاولته أو تعاطي ما يقول؟
الجواب: نعم، تصديق الساحر بما يقول من ادعاء علم الغيب، أو أنه أمر طيب، أو أمر مباح أو صنعة من الصناعات.
***
التصديق بالسحر
سؤال: ما مدى صحة الحديث القائل: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر» ؟ وكيف يكون التصديق بالسحر؟ أهو بقدرة الساحر أم بتصديق ما يراه المسحور قد تغير قبل أن يسحر؟
أرجو توضيح هذه المسألة، جزاكم الله خيرًا.
الجواب: أما الحديث الذي أشار إليه السائل: «ثلاثة لا يدخلون الجنة» .....، فقد رواه الإمام أحمد، وابن حبان في صحيحه، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي - رحم الله الجميع -.
стр. 39
وأما معناه: فهو الوعيد الشديد في حق من يصدق بالسحر مطلقًا، ومنه التنجيم، لقوله ﷺ : «من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» .
و التصديق بالسحر ذنب عظيم، وجرم كبير؛ لأن الواجب تكذيب السحرة والمنجمين ومنعهم والأخذ على أيديهم من تعاطي هذه الأعمال الذميمة؛ لأنهم بذلك يضلون الخلق ويروجون على الناس ويفسدون العقائد.
والسحر كفر كما دل على ذلك القرآن الكريم والسنة، والواجب قتل السحرة، فإذا صدقهم فمعناه أنه وافقهم، وأنه أقرهم على مهنتهم الخبيثة، فالواجب تكذيبهم، ومحاربتهم، ومنعهم من مزاولة هذه الحرف الذميمة.
أما تأثير السحر وما يترتب عليه من الإصابات، فهذا شيء واقع ويؤثر، يقتل ويمرض، ويفرق بين المرء وزوجه، ويفسد بين الناس، تأثيره هذا شيء واقع، إنما تصديق المنجم فيما يدعي من علوم الغيب والإخبار عن الأمور الغائبة والمستقبلة، هذا فيه وعيد عظيم، وفيه إثم كبير، والله تعالى أعلم.
***
التطير والتشاؤم
سؤال: يعتقد بعض الناس عندنا إذا سمعوا نباح كلب أعزكم الله، أو شاهدوا طائر البوم يحلق فوق مكان أو يطلق صوتًا، أن ذلك يعني وفاة أحد
стр. 40
من ذلك المكان، هل هذا صحيح؟ وهل مثل هذا الاعتقاد يؤثر على عقيدة المسلم؟
الجواب: هذا من التطير والتشاؤم بصوت البومة، أو غيرها من الطيور، واعتقاد أو خوف أن ذلك يسبب أو يدل على حدوث شر، أو مرض أو موت، وهذا من التطير الذي نهى الله عنه، وهو من فعل الكفرة، كما تطير قوم فرعون بموسى ﵊، ومن معه، وكما تطير قوم صالح ﵊ به وبمن معه، وكما تطير المشركون بمحمد ﷺ .
والنبي ﷺ بين أن الطيرة شرك، قال ﵊: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» ، وقال ﵊: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك» ، فإذا اعتقد الإنسان أن هذا الطائر وهذه البومة تدل على حدوث شر، وتشاءم بها، فإن هذا هو الطيرة المذمومة، التي جاء النهي عنها، فإن هذه المخلوقات خلقها الله لحكم ومصالح وليس عندها نفع ولا ضر، وإنما هذا بتدبير الله وتقديره.
والواجب على المسلم إذا وجد شيئًا من ذلك ووقع في قلبه شيء من ذلك، أن يدفعه بالإيمان واليقين، وأن يقول: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، ويقول: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك.
стр. 41
سؤال: هل نقيس على هذا التطير، التفاؤل، كأن يرى الإنسان مثلًا طائرًا جميلًا في أول يومه أو يبشر بخبر سعيد، يتفاءل بيوم سعيد له؟
الجواب: أما رؤية الطير الجميل وما أشبه ذلك، هذا لا أعرف له أصلًا، ولكن التفاؤل هذا شيء طيب؛ لأن النبي ﷺ كان يعجبه الفأل، والفأل أمل بالخير، خلاف الطيرة، فإنها أمل بالشر، وسوء ظن بالله ، وكان النبي ﷺ يعجبه الفأل إذا سمع الكلمة الطيبة، فإنه ﵊ يعجبه ذلك.
***
الإنسان مسير ومخير
سؤال: أرجو إفادتي هل الإنسان مخير في دنياه أم مسير، ففي الآية الكريمة التالية: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ، تفيد أن الإنسان مخير، وفي الآية الكريمة الأخرى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] ، تفيد أن الإنسان مسير، فما معنى الآيتين، وهل بينهما تعارض كما يظهر أم لا؟
الجواب: الإنسان مسير ومخير، يجتمع فيه الأمران، فهو مسير من حيث جريان أقدار الله وقضائه عليه، وخضوعه لذلك كونًا وقدرًا، وأنه لا يمكنه التخلص من قضاء الله وقدره، الذي قدره عليه، من هذه الناحية مسير.
أما من ناحية أفعاله هو وحركاته وتصرفاته فهو مخير؛ لأنه يأتي ويذر من الأعمال بإرادته وقصده واختياره، فهو مخير.
стр. 42
والعبد له مشيئة، وله اختيار، ولكنه تابع لمشيئة الله ، وقضائه وقدره، ولذلك يثاب على الطاعة ويعاقب على المعصية التي يفعلها باختياره وإرادته، أما الذي ليس له اختيار ولا إرادة كالمكره والناسي والعاجز عن فعل الطاعة، هذا لا يعاقب؛ لأنه مسلوب الإرادة والاختيار، إما بالإكراه، وإما بالنسيان، وإما بالعكس، أو بفقدان العقل كالمجنون والمعتوه، فهو في هذه الأحوال لا يعاقب على تصرفاته؛ لأنه فاقد للاختيار، فاقد للإرادة.
أما ما أشرت إليه من الآيتين الكريمتين، قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] ، هذا يؤيد ما ذكرنا؛ لأن الله أثبت للعبد مشيئة واختيارًا، وأثبت لنفسه مشيئة، وجعل مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله ، فدلت الآية الكريمة على إثبات المشيئتين، إثبات المشيئة للعبد، وإثبات المشيئة لله، وأما مشيئة العبد فتابعة لمشيئة الله .
وأما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ، هذا ليس معناه التخيير، بل هذا معناه الزجر والتهديد والتوبيخ ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] ، هذا معناه التهديد والتوبيخ، وأن الإنسان إذا عصى الله وكفر بالله فإن الله يعاقبه؛ لأنه فعل الكفر باختياره، وفعل الكفر بإرادته ومشيئته، فهو يستحق عقاب الله، ودخول النار ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] .
***
стр. 43
أولياء الله تعالى
سؤال: يطلق على بعض الناس صفة أولياء الله، فما هي صفتهم الحقيقية؟ وكيف وصلوا إلى هذه المرتبة، وهل لهم زمن محدود، أم أنهم يوجدون في كل زمان؟
الجواب: صفة أولياء الله، كما حددها الله تعالى بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣] .
فأولياء الله هم: الذين آمنوا وكانوا يتقون، هذه صفتهم.
فمن اتصف بالإيمان والتقوى فهو من أولياء الله ، وهذه حاصلة لكل مسلم، بحسب إيمانه في كل زمان ومكان، والله أعلم.
***
رؤية النبي ﷺ في المنام
سؤال: ورد عن الرسول ﷺ قوله: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا فإن الشيطان لا يتمثل بي» ، يدعي بعض الناس أن النبي ﷺ جاءه في المنام وأعطاه وردًا يكرره كذا مرة، أي يتعبد به ويخبر به الناس، وهذا ينافي الآية الكريمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ، فهل يصدق مثل هذا أم يكذب؟
الجواب: أما رؤية الرسول ﷺ في المنام فقد تحصل، والحديث الوارد فيها صحيح، لكن هذا في حق من يعرف الرسول ﷺ إن كان يعرفه في
стр. 44
اليقظة، ويعرف صفاته ﷺ ، فإن الشيطان لا يتشبه في صفاته وشخصيته ﵊، فمن كان يعرفه حق المعرفة ويميزه حق التمييز عن غيره، فهذا قد يراه في المنام.
أما الذي لا يعرف صفات الرسول ﷺ ولا يميز شخصيته الكريمة ﵊، فهذا قد يأتيه الشيطان ويدعي أنه الرسول ﷺ ويضلله في دينه، فليس الأمر على إطلاقه، لا بد لمن رأى النبي ﷺ أن تكون رؤياه صادقة إذا كان يعرف النبي ﷺ ويميزه عن غيره، أما إنسان لا يعرف النبي ﷺ ولا يعرف صفاته، ولا يميز صفة النبي ﷺ وشخصيته عن غيره، فهذا قد يلبس عليه الشيطان، قد يأتيه ويدعي أنه الرسول ﷺ .
أما من الناحية الثانية: وهي أن الرسول ﷺ علمه وردًا في الرؤيا، فهذا كما تفضل السائل، هذا أمر باطل؛ لأن التشريع قد انتهى بوفاة النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] ، ولا يرد بعد الرسول ﷺ تشريع شيء وزيادة شيء على ما كان قبل وفاته ﵊، لا ورد، ولا غير ورد، فليتنبه لهذا.
***
الفرق بين النبي والرسول
سؤال: هل هناك فرق بين الرسول والنبي، وما هو؟
الجواب: الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ، فذكر الرسول والنبي، والعطف يقتضي المغايرة، وأنهما نوعان، وقد عرف العلماء الرسول بأنه: من أوحي
стр. 45
إليه بشريعة وأمر بتبليغها، وإلزام الناس بما فيها والجهاد عليها، هذا الرسول.
وأما النبي فهو: من أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه، مثل أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى ﵇.
***
زيارة قبر الرسول ﷺ
سؤال: هناك الكثير من الأحاديث تحث، وقد توجب زيارة قبر النبي ﷺ أو زيارة مسجده، فهل هي صحيحة أو موضوعة؟
الجواب: لم يثبت عن النبي ﷺ في زيارة قبره حديث، وإنما الأحاديث الواردة في خصوص زيارة قبره ﵊، كلها إما موضوعة ومكذوبة، أو ضعيفة متناهية الضعف لا يجوز العمل بها، وإنما الثابت الحث على زيارة القبور عمومًا، كما قال ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكر بالآخرة» .
فالثابت عن النبي ﷺ الحث على زيارة القبور لأجل الاعتبار والدعاء للأموات والاستغفار لهم، بدون سفر وبدون شد رحل.
أما زيارة قبره بخصوصه، فلم يثبت فيها حديث، وإنما الأحاديث الواردة فيها إما واهية ومتناهية الضعف أو مكذوبة على الرسول ﷺ كما بين ذلك أئمة الإسلام، كالحافظ ابن حجر، وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن عبد الهادي، وغيرهم من أئمة الحديث.
***
стр. 46
الصلاة على الملائكة
سؤال: هل تجوز الصلاة على الملائكة لفضلهم ورفعة قدرهم، وإذا كانت تجوز، فهل يجوز أن أُلْحِقَ الصلاة عليهم بالصلاة على الرسول ﷺ في التشهد في الصلاة أم لا؟
الجواب: الصلاة على الملائكة مشروعة أن تقول: عليهم الصلاة والسلام، وتقول: ﵈؛ لأنهم عباد مكرمون، وهم خلق من خلق الله، فضلهم الله على غيرهم، كما قال تعالى في حقهم: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] ، وكما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١] ، وقال تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥، ١٦] إلى غير ذلك، فهم لهم قدرهم ولهم فضلهم وشرفهم، ويشرع الصلاة والسلام عليهم، لا مانع من ذلك، بل هذا مشروع.
سؤال: وهل يجوز أن يلحق الصلاة عليهم بالصلاة على الرسول ﷺ في التشهد؟
الجواب: لا، الصلاة التي في التشهد يقتصر فيها على الوارد، ولكن في قولنا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، هذا يشمل كل عبد صالح في السماء أو في الأرض، وتدخل فيه الملائكة.
***
اتصال الجن بالإنس
سؤال: هل هناك اتصال حقيقة للإنس بالجن، وهل صحيح ما يقال بأن هذا الشخص لبسه جن فأصبح هذا الجني يتكلم على لسانه أم لا؟
الجواب: نعم، ثابت أن الجن يصرعون الإنس، ويصيبونه، والله تعالى
стр. 47
يقول في المرابين: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
أي: لا يقومون من قبورهم عند البعث، إلا كقيام المصروع الذي أصابه الجن وخالطوه، وذلك أن المرابي والعياذ بالله يتضخم بطنه، فإذا أراد القيام فإنه يسقط، وكلما أراد القيام يسقط فضيحة له بين الخلق، فهو يشبه المصروع الذي أصابه الجن والشياطين، وهذا دليل على إصابة الجن الإنس، وهذا شيء ثابت ومعروف بالتجربة والحس، الجن يخالطون الإنسي ويخبلونه ويصيبونه، إما لأن الإنسي قد ضرهم وهم يريدون الانتقام منه، وإما لأنهم يعبثون به، أو لغير ذلك من الأغراض التي يريدونها.
والحاصل: أن إصابة الجن للإنس بالصرع شيء ثابت، ويدل عليه القرآن، ويدل عليه واقع التجربة والمشاهدة ولا ينكر هذا إلا جاهل.
سؤال: ما هي أفضل وسيلة للعلاج من هذا؟
الجواب: أفضل وسيلة للعلاج من هذا، قراءة القرآن الكريم على المصاب ورقيته بالأدعية الواردة، ويزول ما فيه بإذن الله تعالى.
سؤال: ما حكم ما يفعله بعض المشعوذين أو الدجالين في هذا الوقت من عمل، كوصف بعض الأدعية، وبعض المشروبات، مدعين بذلك أنهم يخرجون هذا الجني من جسد الإنسان؟
الجواب: الأصل في هذا أنه محرم لا يجوز العلاج بمثل هذه الأمور إلا بالأدعية القرآنية، والأدعية النبوية وغير ذلك.
стр. 48
سؤال: بعض أنواع العلاج قد يصل إلى ضرب المريض المصاب، فما رأيكم فضيلة الشيخ؟
الجواب: قضية الضرب، قد تكون صحيحة، فإذا تأكد أن هذا الشخص فيه مس من الجن، وثبت أنه مصروع، وأن الذي لابسه من الجن فلا بأس بالضرب، فإن الضرب لا يقع على الإنسي ولا يحس به، وإنما يقع على الجني، ولذلك إذا أفاق وذهب عنه، لا يوجد للضرب أثر في بدنه، لا يحس بهذا، ولكن ما كل من أصابه شيء من الأمراض يكون مصروعًا، بل لا بد من التأكد من ذلك، والله أعلم.
***
فتنة المسيح الدجال
سؤال: نسمع عن المسيح الدجال، وعن فتنته التي استعاذ منها الرسول ﷺ ، وأمرنا بالاستعاذة منها، فمن هو المسيح الدجال وما صفته، وما هي فتنته التي نستعيذ منها ومتى يظهر؟ وهل فتنته خاصة بالأحياء من الناس، أم عامة في الأحياء والأموات، وكيف نتقي فتنته، وماذا يجب علينا فعله حتى نأمن من خطرها؟
الجواب: المسيح الدجال رجل يخرج في آخر الزمان، خروجه من علامات الساعة، ويخرج معه بفتن عظيمة، تؤثر على ضعاف الإيمان، وقد يهلك بسببه خلق كثير من الناس، إلا من عصم الله ، والنبي ﷺ كان يحذر أمته الدجال، وأمر ﷺ المسلمين أن يستعيذوا بالله من فتنته.
стр. 49
وإذا ما حصل منه الضرر على الناس وعلى المسلمين، فإن الله برحمته ينزل المسيح عيسى ابن مريم ﵊، فيقتله المسيح عيسى ابن مريم ﵊، ويريح المسلمين من شره، وبذلك ينتصر الحق، ويقوم عيسى ﵊ بتنفيذ شرع الله، ويحكم بشريعة الإسلام، وبدين محمد ﷺ ، وينتصر الحق على الباطل عند نزوله ﵊.
سؤال: هل فتنته خاصة بالأحياء أم هي عامة؟
الجواب: فتنته خاصة بالأحياء، أما الأموات فقد انتهوا وانتهت علاقتهم بالحياة الدنيا، وهو يأتي في الحياة الدنيا.
سؤال: هل هذا يعني أنه لا يستطيع أن يعيد أحدًا منهم بحكم قدرته التي منحه الله إياها لفتنة الناس؟
الجواب: لا، لم يرد أنه يخرج من في القبور. لكن وردت قصة الرجل الذي يخرج عليه من المدينة فيقول: أتؤمن بي، فيقول: لا، أنت المسيح الدجال، ثم يقطعه نصفين، ثم يقول له: قم فيقوم ... إلخ.
هذا ورد مع الرجل وهذا حي، ضمن الأحياء، أما أصحاب القبور فليس له قدرة على أن يستخرجهم من قبورهم.
سؤال: كيف نتقي فتنته، يعني ماذا يجب علينا فعله؟
الجواب: يجب علينا أن نستعيذ بالله من فتنته كما أمرنا النبي ﷺ .
سؤال: طبعًا هذا إلى جانب العمل الصالح الذي يكثر منه الإنسان حتى يأمن من فتنته؛ لأنه لا ينخدع به ولا يغتر به إلا قليلو الإيمان؟
стр. 50
الجواب: لا شك أن المسلم يجب عليه أن يعمل ما يقوي عقيدته وإيمانه، ويكثر من الطاعات، والتمسك بالعقيدة الصحيحة، وأداء الواجبات وترك المحرمات، هذا واجب عليه في كل حياته، لا من خصوص المسيح الدجال، وهذا واجبه الديني الذي أوجبه الله عليه، لكن من اتصف بالتمسك بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ ، وأداء ما أوجب الله عليه، واستعاذ بالله من شر الفتن، فإن الله يعصمه ويعيذه.
سؤال: هل هناك أماكن لا يصل إليها المسيح الدجال؟
الجواب: نعم، لا يصل إلى مكة والمدينة، ويسير بالأرض وبسرعة إلا مكة والمدينة، فإنه يمنع من دخولها، ولكن المدينة ترجف ويخرج منها كل منافق، حتى يقع في شره، والعياذ بالله.
***
المعلوم من الدين بالضرورة
سؤال: ما المقصود بالمعلوم من الدين بالضرورة؟ فنحن كثيرًا ما نسمع هذا، وهل هو ثابت في كل عصر أم يختلف باختلاف الزمان والمكان؟
الجواب: الثابت من الدين بالضرورة: هو ما ثبت بدليل قطعي، إما عن طريق التواتر، أو عن طريق الإجماع القطعي من الأمة، والذي يعد من جحده كافرًا. وذلك مثل: وجوب الصلوات الخمس، والزكاة، والصوم، والحج، وأركان الإسلام، وكذلك تحريم الخمر والربا، والزنا، وكذلك المباح الذي علم إباحته بالضرورة من دين الإسلام، مثل لحم بهيمة الأنعام المذكاة، والخبز وما أشبه ذلك، ما ثبت حكمه بالضرورة من دين الإسلام
стр. 51
حلًا أو حرمة، فإن هذا يعد من أنكره كافرًا بالله ومرتدًا عن دين الإسلام، وهو مستمر في كل زمان إلى أن تقوم الساعة؛ لأن أحكام الدين باقية وثابتة ومستمرة منذ بعث الله محمدًا ﷺ إلى أن تقوم الساعة، لا تتغير، ولا تتبدل.
***
الهجرة إلى بلاد الإسلام
سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] ، وكيف تكون حال من يريد الهجرة إلى بلد الإسلام، ولكنه لا يستطيع ذلك لعدة أسباب؟
الجواب: الله وعد المهاجر في سبيله.
والمراد بالمهاجر: هو الذي يترك بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام فرارًا بدينه، ويكون قصده إقامة دينه في بلاد المسلمين، والفرار به من بلاد الكفر والضلال، فإن من كانت هذه نيته، فإن الله وعده بأن يجد له وطنًا يستطيع فيه إقامة دينه، وأرض الله واسعة، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ، ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] ، وغير ذلك من الآيات، والمراد بالهجرة الشرعية هو ما ذكرنا: أن يكون قصد الإنسان الفرار بدينه من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، فهذا هو الذي وعده الله بالخير في الدنيا والآخرة.
سؤال: ما معنى قوله: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٠٠] ؟
الجواب: هذا وعد من الله بأن يجد في بلاد الإسلام
стр. 52
مأوى وسعة، ويجد أيضًا مجالًا للجهاد في سبيل الله، وإظهار دين الله .
***
الاختلاط بالخارجين عن الإسلام
سؤال: يوجد معنا بعض المسلمين ولكنهم للأسف ليس لهم من الإسلام إلا اسمه، أما هم فإنهم بعيدون عنه ولا يتخلقون بأخلاقه، وقد يجمعنا العمل بهم، فنختلط بهم ونجالسهم، فهل علينا شيء في ذلك؟
الجواب: المخالطة نوعان:
النوع الأول: مخالطة عمل فقط، فالأحسن أن ينفردوا ويبتعدوا عنهم إن أمكن، وهذا شيء مطلوب، وأسلم لدينهم، وأسلم لذمتهم، وإذا لم يمكن فإنهم يؤدون عملهم ولا حرج عليهم في ذلك.
والنوع الثاني من الاختلاط: اختلاط أنس ومحبة، وألفة، وهذا محرم، فلا تجوز مخالطة هؤلاء والأنس بهم، ومحبتهم والمزاح معهم مما يدل على الانبساط معهم؛ لأن هؤلاء ما داموا لا يصلون ولا يصومون، ولا يعرفون من الإسلام إلا اسمه فقط، هؤلاء ليسوا مسلمين فيجب هجرهم والابتعاد عنهم، إلا إذا كان في مخالطتهم طمع في دعوتهم إلى الله ، وتعليمهم أحكام دينهم؛ لأنهم قد يكونون يجهلون أمر دينهم، وقد يكونون تأثروا بالمفسدين، فلو وجدوا من يرشدهم ويعلمهم لاستفادوا، فإذا كان الاختلاط بهم يفيدهم من هذه الناحية، فالاختلاط معهم مشروع، أما إذا كان مجرد اختلاط وأنس ومحبة من دون تأثير عليهم، فهذا لا يجوز.
стр. 53
مخالطة الكفار
سؤال: نحن من العراق، ونعيش في بولندا، ويجاورنا بعض الأسر من هذا البلد، وهم يحسنون جوارنا ويعاملونا معاملة طيبة، ونحن كذلك.
فهل يجوز لنا الاختلاط بهم عائليًا ومجالستهم ومؤاكلتهم، رغم أنهم يحترمون ديننا، فلا يفعلون شيئًا من المنكرات أمامنا، هل يجوز لنا ذلك؟
الجواب: لا ينبغي مخالطة الكفار والأنس بهم، والاطمئنان إليهم ولو كانوا من الجيران، ولكن الجار يحسن إليه ولا يساء إليه، ولو كان كافرًا؛ لأن الجيران ثلاثة:
جار له ثلاثة حقوق، وهو الجار المسلم القريب، له حق الإسلام، وحق الجوار، وحق القرابة.
وجار له حقان: وهو الجار المسلم غير القريب، فله حقان، حق الإسلام وحق الجوار.
وجار له حق واحد، وهو الجار الكافر، له حق الجوار فقط، وهو أن يحسن إليه ولا يصدر منك أذى في حقه أو سوء جوار.
أما الانبساط معهم والاطمئنان إليهم ومحبتهم؛ فلا يجوز للمسلم أن يود الكافر، وأن ينبسط معه، وأن يأمنه، وأن يختلط به؛ لأنه قد يؤثر ولو على المدى البعيد، عليكم أو على ذريتكم.
***
стр. 54
موالاة الكفار
سؤال: ما هي حدود موالاة أعداء الله والمحادين له التي إذا وصلها المسلم أو تجاوزها خرج من الملة، وما هي الحدود التي يجب أن يلتزم بها المسلم في تعامله مع غير المسلمين؟
الجواب: موالاة الكفار التي حرمها الله ورسوله، هي محبتهم في القلوب؛ لأنه لا يحبهم إلا إذا كان يرى صحة ما هم عليه، أما لو كان يرى بطلان ما هم عليه، فإنه يعاديهم في الله .
ومن الموالاة المحرمة أيضًا مناصرتهم على المسلمين ومعاونتهم، وهذه ردة عن الإسلام.
وكذلك من موالاتهم الاعتذار عنهم، وتبرير ما هم عليه، والثناء عليهم ومدحهم، وما أشبه ذلك، كل هذا من أنواع الموالاة المحرمة والتي تصل إلى الردة عن الإسلام والعياذ بالله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] .
أما ما يجوز لنا من التعامل مع الكفار، فهو التعامل المباح، نتعامل معهم بالتجارة، ونستورد منهم البضائع ونتبادل معهم المنافع، ونستفيد من خبراتهم، نستقدم منهم من نستأجره على أداء عمل كهندسة أو غير ذلك من الخبرات المباحة، هذا حدود ما يجوز لنا معهم.
سؤال: طبعًا مع أخذ الحيطة والأمن من مكرهم؟
الجواب: لا شك أنه لا بد من أخذ الحيطة، ولا شك أن المسلم يجب عليه في حال تعامله المباح مع الكافر أن يكون على حذر منه ومن
стр. 55
دسائسه، وأن لا يكون له سلطة في بلاد المسلمين، إلا في حدود عمله، فلا يكون له سلطة على المسلمين، أو على أحد من المسلمين، وإنما تكون السلطة للمسلمين عليهم.
***
من أحكام الردة
سؤال: ما الحكم فيمن ارتد عن الإسلام ثم عاد إليه، هل يعيد ما فاته من أعمال من أركان الإسلام، كالحج والصوم والصلاة، أم تكفي توبته وعودته إلى الإسلام، ويبدأ من جديد؟
الجواب: الصحيح من قولي العلماء، أن المرتد إذا تاب إلى الله ودخل في الإسلام، مرة أخرى، تائبًا منيبًا إلى الله ، أنه لا يعيد الأعمال التي أداها قبل الردة؛ لأن الله اشترط لحبوط الأعمال بالردة، أن يموت الإنسان عليها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، فشرط لحبوط الأعمال استمرار الإنسان على الردة إلى أن يموت.
فدلت الآية بمفهومها على أنه لو تاب قبل الوفاة فإن أعماله التي أداها قبل الردة تكون صحيحة، ومجزئة إن شاء الله.
стр. 56
تغيير مسمى الديانة من
أجل غرض دنيوي
سؤال: شاب مسلم، يحمل مؤهلًا جامعيًّا في الهندسة، وقد سافر إلى إحدى الدول العربية للبحث عن عمل، ولكنه لم يفلح في ذلك، بينما وجد أن غير المسلمين لهم قبول أكثر وفي مثل تخصصه ذلك، ويفضلون على غيرهم من المسلمين، فرأى أن عدم حصوله على عمل راجع إلى كونه يدين بالإسلام، فقرر أن يعود إلى بلده في محاولة لتغيير مسمى الديانة في جواز سفره، وفعلًا سافر إلى إحدى البلاد الأفريقية وحصل على جواز سفر منها بديانة غير الإسلام، ثم سافر مرة أخرى إلى إحدى البلاد العربية ووجد القبول والحصول على وظيفة، ولكنه متألم لتغيير اسم الديانة في جواز سفره، وإن كان هو في داخله يدين بالإسلام ويفخر به دينًا، لذلك فهو يسأل ما حكم عمله هذا، وما حكم كسبه المال بهذه الطريقة؟
الجواب: أولًا يجب على المسلم أن يتمسك بدينه وألا يتنازل عنه لأي ظرف من الظروف؛ لأن الدين هو رأس المال وهو الذي تترتب عليه النجاة من عذاب الله ، وهو الذي خلق الإنسان من أجله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
فيجب على المسلم أن يتمسك بدينه مهما كلفه من ثمن، وما فعلته فيما ذكرت من السؤال من أنك ذهبت وغيرت مسمى الديانة إلى ديانة لغير الإسلام لتحصل على عمل، فهذا شيء خطير، ويعتبر ردة عن دين الإسلام؛ لأنك فعلت هذا وتظاهرت بغير دين الإسلام، وانتسبت إلى غير
стр. 57
دين الإسلام، والمسلم لا يجوز له ذلك، يجب عليه أن يتمسك بدينه وأن يعتز بدينه وألا يتنازل عنه لطمع من أطماع الدنيا، والله لم يستثن في أن يتلفظ الإنسان بشيء من ألفاظ الكفر إلا في حالة الإكراه المنجي، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٦، ١٠٧] ، فأنت تظاهرت بغير دين الإسلام وانتسبت إلى غير دين الإسلام لأجل الدنيا وطمع الدنيا، لم تصل إلى حد الإكراه الذي تعذر به، فالواجب عليك التوبة إلى الله والمبادرة إلى تغيير هذا الانتساب، والمبادرة إلى كتابة الديانة الإسلامية الصحيحة في ورقة عملك مع التوبة إلى الله والندم على ما فات والعزم على أن لا تعود إلى مثل هذا الشيء، لعل الله أن يتوب علينا وعليك، ثم على الجهات المسئولة من المسلمين وحكومات المسلمين أن لا يحرجوا المسلمين إلى هذا الحد، بحيث إنهم يقدمون أهل الديانات الكافرة على المسلمين في توظيفهم في الأعمال وتوليتهم الأعمال؛ لأن هذا ربما يكون دسيسة من أعداء المسلمين ليصرفوا الناس عن دينهم، ويصرفوا الجهال عن دينهم، كما حصل لهذا السائل، فالواجب على الجهات المسلمة والحكومات الإسلامية أن تتنبه لهذا، وأن لا تحرج المسلمين إلى مثل هذه الحالة التي وقع فيها هذا الإنسان، وفق الله الجميع.
سؤال: ما حكم ما كسبه من الرواتب أو من المال بهذه الطريقة؟
стр. 58
الجواب: هذا كسب حرام؛ لأنه أخذه بطريقة وحيلة محرمة، لكن عليه أن يتوب إلى الله ويترك هذا الشيء.
***
كتب تعلم عقيدة التوحيد
سؤال: من خلال متابعتي لبرنامج: "نور على الدرب" في الإذاعة اتضح لي بأنا كنا نمارس أمورًا كثيرة كلها خطأ، وذلك حسب ما تعلمناه بالتقليد والمحاكاة ممن قبلنا، حيث إن الدين قد ألحق به بعض الشوائب التي لا يقبلها العقل الواعي، فهناك الكثير من البدع والخرافات قد ألحقت بالدين وليست منه، والحمد لله الذي جعل لنا من هذا البرنامج خير دليل لإيضاح الطريق الصحيح، أعني علم التوحيد الصحيح الذي ينبغي لكل مؤمن أن يتسلح به والذي به يستطيع أن يحطم حواجز الخرافات والبدع، وأنا أرجو شاكرًا إرشادي إلى خير الكتب عن التوحيد، وكل الكتب التي تحارب البدع والخرافات حتى أستطيع أن أحصل عليها مهما كلف الثمن حتى أستطيع محاربة تلك البدع بإذن الله بالحجة القاطعة والدليل القرآني، أو من الحديث النبوي، جزاكم الله خير الجزاء؟
الجواب: الحمد لله الذي مَنَّ عليك بمعرفة الحق والصواب، ونسأله أن يزيدك علمًا وفقهًا في دينه وأن يثبتنا وإياك على الحق.
أما من ناحية الكتب التي تعلم عقيدة التوحيد فهي بحمد الله كثيرة وميسورة، ومن ذلك:
стр. 59
كتاب " فتح المجيد " شرح كتاب التوحيد، للشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀.
ومن ذلك: " الثلاثة الأصول " و " كشف الشبهات "، كلاهما رسالتان للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وأنصحك أن تقتني مجموعة: " التوحيد النجدية " لأن فيها رسائل مختصرة في التوحيد والعقيدة مفيدة، فعليك أن تقتني هذه المجموعة المباركة.
كذلك " شرح الطحاوية "، للعز بن أبي العز الحنفي، وهو شرح مفيد ومبسط، وشامل لأبواب العقيدة.
وكذلك كتاب: " إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان "، للإمام ابن القيم، فإنه كتابه مفيد في أمور العقيدة والتحذير من البدع والمخالفات، وهو كتاب نفيس، لا ينبغي لطالب العلم أن يجهله، هذا ما يختص بالعقيدة.
أما ما يختص بالنهي عن البدع والتحذير منها، فهناك كتب مفيدة وميسورة، ولله الحمد، وهي:
أولاًَ: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
ثانيًا: الاعتصام، للإمام الشاطبي ﵀.
ثالثًا: كتاب: " الحوادث والبدع "، للإمام الطرطوشي.
رابعًا: البدع والنهي عنها، لابن وضاح.
стр. 60
خامسًا: الباعث على إنكار البدع والحوادث، للإمام أبي شامة.
سادسًا: الإبداع في مضار الابتداع، للشيخ علي محفوظ.
سابعًا: السنن والمبتدعات، للشيخ محمد عبد السلام خضر.
ثامنًا: التحذير من البدع، للشيخ عبد العزيز بن باز.
هذه كتب ميسورة بعضها يوزع مجانًا، وبعضها بثمن قليل، وعليك أن تقتنيها أو تقتني ما تيسر منها، وفيها الخير إن شاء الله.
على أنني أنصح لك ولأمثالك ألا تقتصر على قراءة الكتب، فعليك أن تلتمس من أهل العلم المحققين من تقرأ عليه في هذه الكتب، ليشرح لك الغامض منها، ويبين لك ما فيها من الحق، والله الموفق.
***
أفضل كتب العقيدة
سؤال: ما أفضل الكتب التي تبحث في التوحيد والعقائد الصحيحة؟
الجواب: الكتب التي تبحث في التوحيد والعقائد الصحيحة كثيرة ولله الحمد وميسرة، أذكر لك على سبيل المثال:
* كتاب إقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو كتاب مطبوع ومتداول والحمد لله.
وكتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، للإمام العلامة ابن القيم، خصوصًا الجزء الثاني منه.
стр. 61
وكذلك كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وشرحه فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن، أو تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب.
وكذلك كتاب ثلاثة الأصول للشيخ محمد بن عبد الوهاب، كذلك كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأذكر لك أيضًا "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد" للشيخ الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني، وكذلك الدر النضيد في إخلاص التوحيد للشيخ محمد بن علي الشوكاني.
وكتاب شامل لأبواب العقيدة وهو عقيدة الإمام الطحاوي وشرحها للعز بن أبي العز الحنفي، العقيدة الطحاوية وشرحها، فهو من أوسع كتب العقائد وأشملها وأوسعها، وأحسنها.
***
كتب ترغب في الجنة وتحذر من النار
سؤال: أرجو إرشادي إلى الكتب التي ترغب في الجنة ونعيمها وتحذر من النار وعذابها؟
الجواب: في مطلع ذلك، كتاب الله عليك أن تقرأ القرآن العظيم، وأن تتدبر فيه، ففيه الترغيب في الجنة والأعمال الصالحة، وفيه التخويف من النار والنهي عن الأعمال التي توصل إليها، فالقرآن العظيم مشتمل على الوعد وعلى الوعيد، كما قال سبحانه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ، فعليك الإكثار من تلاوة القرآن العظيم بتدبر وتفهم لما يطلبه القرآن من المسلم، وكذلك أحاديث الرسول ﷺ فيها الترغيب
стр. 62
والترهيب، وفي مطلع ذلك كتاب " الترغيب والترهيب " للحافظ المنذري، فإنه كتاب نفيس عد فيه الأبواب في الترغيب والترهيب، وأورد فيه الأحاديث عن النبي ﷺ في هذا الموضوع، فعليك باقتناء هذا الكتاب والإكثار من قراءته.
وكذلك كتاب: " رياض الصالحين " للإمام الحافظ النووي.
***
قراءة كتب الأديان الأخرى
سؤال: هل تجوز قراءة بعض الكتب التي تعرف ببعض الأديان الأخرى غير الإسلام، لمجرد الإحاطة علمًا بها والاطلاع عليها، أو قراءة بعض الكتب عن بعض الأنظمة الشيوعية ونحوها لا إعجابًا بها، ولا للعمل بها، وإنما لنفس الغرض السابق؟
الجواب: على الإنسان أن يعرف الحق، ويعرف الدين الصحيح، ويتضلع بالعلم النافع، ثم بعد ذلك يطلع على الأشياء المخالفة ليحذر منها ويرد عليها.
أما الإنسان الجاهل الذي ثقافته ضعيفة وحصيلته في العلوم الشريعة قليلة، هذا لا يجوز له أن يقرأ الكتب الباطلة؛ لأنه ربما تنطلي عليه وتؤثر على عقيدته وهو لا يدري؛ لأنه يفتقد العلم الذي يميز به بين الحق والباطل، فلا بد أن يكون عند الإنسان أولًا حصيلة من العلم النافع الذي يعرف به الحق من الباطل، حينذاك لا بأس أن يطلع، أو قد يجب عليه أن يطلع على الباطل ليحذر منه، ويحذر منه وليرد عليه.
стр. 63
أهل الفترة
سؤال: من هم أهل الفترة؟ وهل في زماننا هذا أهل فترة؟ وما الحكم فيهم؟
الجواب: أهل الفترة هم الذين يعيشون في وقت لم يبلغهم فيه دعوة رسول، ولم يأتهم كتاب، فالفترة هي التي بين عيسى ﵇ ومحمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩] .
فالفترة: هي الوقت الذي لا يكون فيه رسول ولا كتاب، ويلحق بأهل الفترة من كان يعيش منعزلًا مثلًا عن العالم، أو بعيدًا عن المسلمين، ولم تبلغه دعوة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، وأما حكمهم فهذا إلى الله .
***
معنى السيادة
سؤال: ما معنى السيادة؟ وكيف تتحقق؟ وبم تتم؟ ومن هو السيد من أمة محمد ﷺ ، نريد الإفادة جزاكم الله خيرًا.
الجواب: السيد يطلق ويراد به المالك، ويطلق ويراد به زعيم القوم ورئيس القوم، كما قال النبي ﷺ للأنصار: «قوموا إلى سيدكم» ، يعني: سعد بن معاذ ﵁.
وإطلاق لفظ السيد على الشخص، هذا فيه خلاف بين أهل العلم،
стр. 64
منهم من منع، ومنهم من أجاز، والذين منعوا احتجوا بأن النبي ﷺ لما قال له بعض الناس: أنت سيدنا وابن سيدنا، قال النبي ﷺ : «السيد الله» ، فأنكر عليهم ﷺ ذلك.
قالوا: فهذا يدل على أنه لا يجوز إطلاق السيد على المخلوق؛ لأنه وصف للخالق .
وقوم أجازوا؛ لأن النبي ﷺ قال للأنصار: «قوموا إلى سيدكم» ، يعني سعد بن معاذ ﵁ لما أقبل وكان يحمل على دابة؛ لأنه كان جريحًا، قالوا: فهذا يدل على جواز إطلاق السيد على بعض الناس.
ولعل الصحيح إن شاء الله، أنه يجوز أن يقال لبعض الناس (سيد) إذا كان زعيمًا أو رئيسًا لقبيلة، أو لطائفة، فيقال: سيد بني فلان، أو سيد القبيلة الفلانية، بمعنى أنه زعيمها ورئيسها، ولا يكون هذا من باب الإطراء والغلو والافتخار، وإنما يكون هذا من باب الوصف والتمييز، فيقال: فلان سيد بني فلان، وفلان سيد القبيلة الفلانية، وما أشبه ذلك، على أن لا يواجه به الشخص، فلا يقال هذا في حضوره وفي وجهه؛ لأنه ربما يحمله على الكبر، وعلى العجب، بل يقال هذا في غير حضوره جمعًا بين الأحاديث، والله تعالى أعلم.
أما ما يتعارف عليه بعض المخرفين من إطلاق السيد على بعض المضللين من زعمائهم، ويعتقدون فيهم البركة، وأنهم يمنحون شيئًا من
стр. 65
المقاصد التي تطلب منهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا أمر لا يجوز، وهؤلاء في الحقيقة ليسوا سادة، وإنما مضللون، يجب الحذر منهم.
***
الشهداء في الإسلام
سؤال: هل الميت بالحرق يعتبر شهيدًا إذا كانت أعماله صالحة، فقد مات أخي في حادث حريق المدينة المنورة فدفن البقيع، وهو الحمد لله مستقيم طالب علم ديني، وداعية إلى دين الله تعالى، فقد قرأت حديثًا ولم يكن فيه ذكر الميت بالحرق، وهو: «من مات في سبيل الله، أو غريقًا، أو مبطونًا، أو مصابًا بمرض الطاعون، أو بالهدم فهو شهيد» ، أو كما ورد في الحديث، فما مدى صحة هذا الحديث؟
الجواب: ورد في أن من مات في أحد هذه الحوادث المداهمة أنه يكون له أجر الشهيد، وأخوك يرجى له هذا إن شاء الله؛ لأنه مات بحادث مداهم، وبحادث يشبه الغرق والهدم، فيرجى له الشهادة إن شاء الله تعالى، ولكن لا نجزم لأحد بالشهادة، إلا بالدليل، ولكننا نرجو أجر الشهيد إن شاء الله.
سؤال: هل لفظ الحديث صحيح كما ورد في السؤال؟
الجواب: ورد بمعناه، فهو صحيح بمعناه.
стр. 66
كتاب
الأيمان والنذور والكفارات
стр. 67
من أحكام اليمين
سؤال: ما حكم من حلف يمينًا ينكر فيها حدوث شيء مع أنه حدث، ولكنه لا يعلم بحدوثه، وقد حصل أن عملنا عملًا يسيء إلى أحد الناس، فجاء ذلك الشخص، وسأل والدنا: هل عملنا نحن ذلك العمل، لكن والدنا أنكر، وحلف يمينًا أننا أبرياء من ذلك، مع أننا قد فعلنا ذلك، لكن والدنا لا يعلم، فهل يجوز أن نكفر عنه وهو لا يعلم، أم نخبره وهو يكفر بنفسه، أم ليس في ذلك إثم؟
الجواب: أول شيء يجب على المسلم أن يحافظ على يمينه وألا يتسرع إلى اليمين، إلا عند الحاجة، وإذا كان متأكدًا مما يحلف عليه، أما بالنسبة إذا حلف الإنسان على أمر أنه حصل أو لم يحصل بناء على غالب ظنه، وتبين بخلافه فلا إثم عليه؛ لأنه حلف على غالب ظنه، فلا إثم عليه، ويكون هذا من لغو اليمين.
أما إذا حلف كاذبًا متعمدًا فإنه يأثم بذلك ليس عليه كفارة، لكن عليه الإثم، ويجب عليه أن يستغفر الله ويتوب إليه، والله يتوب على من تاب.
أما الكفارة فإنها لا تجب إلا في اليمين التي قصد عقدها على أمر مستقبل ممكن، فالكفارة إنما تكون في اليمين على شيء مستقبل أن يفعله أو لا يفعله، أو إن لم يفعله. أما الأمر الماضي، فهذا إن كان كاذبًا متعمدًا أثم، وعليه التوبة إلى الله، وإن كان حلف على غالب ظنه فبان على خلافه، فلا حرج عليه؛ لأن هذا يعتبر من لغو اليمين.
***
стр. 68
كفارة اليمين
سؤال: لي أخ أقدم على الزواج من إحدى الأسر، فحدث بينه وبين أمي مناقشات حادة، أدت إلى أن أمي قالت: نذر على رقبتي لا أذهب إلى زفافك، ولكن أمي استرجعت من لحظتها فذهبت إلى زواجه، وهي الآن في حيرة، فهل عليها إثم فيما قالت، مع العلم أنها استرجعت عن حلفها، وإذا كان عليها إثم فما كفارته، أفيدونا أفادكم الله.
الجواب: أولًا: لا ينبغي للمسلم أن يندفع مع الغضب ومع المشادة، حتى يوقع نفسه في الحرج، بل عليه أن يتروى ويتعقل ويستعمل الحلم، لا سيما الوالد مع ولده.
أما ما حصل من أمك من أنها حلفت ألا تحضر الزواج الذي عزمت عليه، بأن قالت: علي نذر أو على رقبتي نذر ألا أحضر زواجك، ثم إنها ندمت وحضرت وخالفت ما نذرت عليه، فإنه يكون عليها كفارة يمين، وهي: إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من الطعام، أو كسوة عشرة مساكين، لكل مسكين ثوب، أو عتق رقبة.
وهي مخيرة بين هذه الأمور الثلاثة، فإن عجزت عن واحدة منها، يعني لم تقدر لا على الإطعام، ولا على الكسوة، ولا على العتق، فإنها تصوم ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] .
стр. 69
وحتى لو أنها حلفت ألا تحضر الزواج، فإنه لا ينبغي لها أن تمضي على هذا اليمين وأن تمتنع من الحضور، بل عليها أن تكفر عن يمينها، وأن تحضر؛ لأن حضورها فيه مصالح وفيه صلة رحم، وفيه زوال مفسدة، فعليها أن تنقض اليمين وتحضر وتكفر عنها ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] .
***
التتابع في كفارة اليمين
سؤال: كان علي صيام أيام كفارة يمين، فسألت إحدى أخواتي التي أثق بها لأنها على درجة من العلم، فسألتها إن كان الصوم متتابعًا أو متفرقًا، فقالت لي: لا يشترط التتابع، فصمتها متفرقة، ولكني سمعت من برنامج: "نور على الدرب" في الإذاعة من أحد العلماء الكرام، بأنه يشترط التتابع، فرجعت إليها، فأخرجت لي تفسير ابن كثير، وفيه قول مالك: بأنه لا يشترط التتابع، فهل على شيء، وما هو القول الصحيح في هذا؟
الجواب: كما ذكرت، المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، هل يجب التتابع في صيام كفارة اليمين أو لا يجب، ولكن الراجح هو ما ذهب إليه الإمام أحمد وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه بأنه يجب التتابع؛ لأنه قرئ قوله تعالى: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) ، فلذلك تكون هذه القراءة نصًّا على وجوب التتابع، والله أعلم.
***
стр. 70
الكفارة على الحالف
سؤال: إذا أقسم شخص يمينًا على شخص آخر على أن لا يؤدي عملًا ما، ولكن هذا الشخص الثاني أدى ذلك العمل، فمن منهم تقع عليه الكفارة لهذا اليمين؟
الجواب: الكفارة تقع على الحالف، فإذا حلف على شخص ألا يفعل شيئًا، أو أن يفعله ثم خالف المحلوف عليه، فإن الكفارة تكون حينئذ على الحالف.
سؤال: والمحلوف عليه لو فعل ذلك مع علمه بالحلف يقع عليه إثم؟
الجواب: النبي ﷺ أمر بإبرار المقسم، فينبغي للمحلوف عليه أن يبر بقسم الحالف، فإذا خالفه يكون خلاف الأولى والأفضل.
***
سؤال: قالت لي زوجتي بأنني لو أدخلت أخا لي منزلنا دون علمها، فإنها تصبح محرمة علي، وحدث أن دخل هذا الأخ دون أن أخبرها، فهل في هذه الحالة تكون محرمة علي أم ماذا؟
الجواب: إذا كان قصدها منع دخول هذا الشخص المنزل إلا بعد أن تعلم بذلك وتأذن له، وأدخلته المنزل بدون علمها، فقد خالفت ما حلفت عليه، وهذا يجري مجرى اليمين، فيكون عليها كفارة يمين، وهي: عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من الطعام، أو كسوة عشرة مساكين لكل مسكين ثوب، فإذا لم تجد شيئًا من هذه الخصال الثلاث، فإنها تصوم ثلاثة أيام، ويكون هذا كفارة ليمينها التي هي تحريم
стр. 71
دخول هذا الشخص البيت إلا بعلمها، وأدخلته بغير علمها، تكون قد حنثت يمينها، ووجبت عليها الكفارة.
سؤال: ومثل هذا الحكم في كل حالة تحرم الزوجة نفسها على زوجها، يكون حكمه كفارة اليمين.
الجواب: نعم، هذا هو الصحيح من أقوال العلماء، أن المرأة إذا ظاهرت من زوجها أو حرمته على نفسها، الصحيح في هذا أن عليها كفارة يمين.
***
كفارة الأيمان المكررة
سؤال: إذا أقسم إنسان أن لا يفعل شيئًا ثم فعله، ثم أقسم ثانية ثم فعله، وربما ثالثة، فما الحكم، وهل يلزمه كفارة واحدة أم عدة كفارات؟
الجواب: إذا كرر الأيمان بالله على شيء واحد قبل أن يكفر، فإنه يلزمه كفارة واحدة للجميع.
أما إذا حلف ثم كفر ثم حلف مرة ثانية على نفس الشيء فإنه يلزمه كفارة ثانية. وهكذا ...
***
اليمين الغموس
سؤال: ما اليمين الغموس؟
الجواب: اليمين الغموس: هي التي يحلف فيها على أمر ماض كاذبًا متعمدًا، كأن يخبر بخبر أنه حصل كذا أو أنه صار كذا وهو كاذب
стр. 72
ومتعمد، فهي يمين غموس، سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار، وهي من كبائر الذنوب، كذلك اليمين التي يحلفها لترويج سلعته بالبيع والشراء وهو كاذب، كأن يحلف أنه أعطي فيها من الثمن كذا وكذا، أو أنها من النوع الجيد، أو ما أشبه ذلك، فإذا اتخذ اليمين لترويج سلعته وهو كاذب، فإن هذا من اليمين الغموس ، ويجب على المسلم أن يحذر منها وأن يتجنبها، وورد الوعيد الشديد فيمن يجعل الله بضاعته لا يبيع إلا بيمينه ولا يشتري إلا بيمينه، وأخبر أنها ممحقة للبركة.
فالحاصل أن المسلم في مندوحة عن مثل هذا، وفي الصدق بركة، وفي الغش والخديعة محق البركة والآثام.
***
أخذ العوض على أداء الشهادة
سؤال: ما حكم من أعطى إنسانًا شهد له على حق، أو ساعده في قضية صحيحة، فأعطاه مبلغًا من المال، علمًا أن الشاهد أو الذي ساعده على الحق، لم يشترط أي شيء؟
الجواب: أداء الشهادة لا يجوز أخذ العوض عليه؛ لأن الشهادة يجب أداءها على من هي عنده لله ، لأجل بيان الحق وإزالة الظلم، قال تعالى: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] ، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] ، لا لأجل مطمع دنيوي، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] .
стр. 73
الذي عنده شهادة بحق يجب عليه أداؤها بدون مقابل، وبدون أخذ عوض؛ لأن هذا عبادة أمر الله تعالى بها في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] ، ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] .
وأما من أعانك في خصومة، أو في قضية، فهذا إذا كان أعانك بمعنى أنه خاصم عنك، وتولى الخصومة وكيلًا عنك ونائبًا عنك، فلا مانع أن تعطيه شيئًا من المال مقابل تعبه، ومن ذلك ما يتقاضاه المحامون، الذين ينوبون عن المدعين، ويخاصمون عنهم ويذهبون ويجيئون، فيأخذون في مقابل أتعابهم؛ لأنهم وكلاء عن من له قضية، أما الشهادة فلا يجوز أخذ مال عنها بحال.
كذلك الحاكم الذي يحكم بين الناس، لا يجوز له أن يأخذ على حكمه شيئًا منه، وإذا أخذ فهذا هو الرشوة التي حرمها الله سبحانه ورسوله ﷺ ، وأجمع العلماء على تحريمها، إنما كما ذكرنا يجوز للوكيل أو النائب في الخصومة أن يأخذ في مقابل تعبه، إذا شرط هذا، أو أراد من له قضية أن يرضيه بشيء على تعبه، والله أعلم.
***
كفارة قتل الخطأ
سؤال: لقد قدر الله علي بحادث سيارة، بأن صدمت بسيارتي أحد الأشخاص، بينما كان يمشي على قدميه، وقد نقل إلى المستشفى متأثرًا بتلك الإصابة، ومكث خمسة عشر يومًا ثم توفي، وقد تنازل أهله عن ديته، وأخذ أولاده القصر مبلغ ثلاثين ألف ريال، حيث كان الخطأ مشتركًا، فعليه
стр. 74
نسبة أربعين في المائة منه، وسؤالي هو عن الصيام، هل يجب علي وجوبًا، فبما أنني طالب في المرحلة الثانوية، فقد لا أستطيع الجمع بين الصيام والدراسة، هل يكفي أن أتصدق أو أطعم، وهل من مخرج لي من الصيام، أفيدوني بارك الله فيكم؟
الجواب: قال الله : ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] .
لا شك أنه يجب عليك الصيام؛ لأنك شاركت في قتل نفس خطأ، والكفارة تجب على القاتل خطأ، سواء انفرد بالقتل، أو شارك فيه، وأنت تذكر أنك اشتركت فيه ستين في المائة، المهم أنه لو شارك بواحد في المائة أو أقل فعليه كفارة، لعموم الآية الكريمة، فيثبت في ذمتك صيام شهرين؛ لأن العتق الآن غير موجود، فتذهب إلى البديل وهو الصيام، وليس هناك شيء ثالث غير الصيام، وتأتي به متى استطعت، فإذا كنت في الوقت الحاضر لا تستطيع، فإنه يبقى في ذمتك وتصومه إذا استطعت، والدراسة ليست مانعة من الصيام، الناس يصومون وهم يدرسون، لا سيما في المناطق الباردة، فالدراسة ليست عذرًا في ترك الصيام، ولو أنك تحينت مثلًا الفصول الباردة مثل فصل الشتاء، فصمت فيه فلا بأس بذلك، مع قصر النهار، أو مع البرودة مثلًا التي تخفف عليك شدة الصيام، المهم أنه لا بد أن تصوم، وأنت أدرى بالوقت المناسب لك، والصيام يبقى في ذمتك إلى أن تؤديه.
سؤال: ليس له بديل، يعني الإطعام ليس له وجود في كفارة القتل؟
стр. 75
الجواب: الله تعالى لم يذكر إلا خصلتين، العتق أو الصيام، بينما ذكر في كفارات أخرى ثلاثة أشياء، فدل على أن القتل لا يجزئ فيه إلا شيئان: العتق أو الصيام.
***
سؤال: وقع علي حادث سيارة قبل عدة سنوات نتج عنه وفاة شخص، وقد دفعت جزءًا من الدية لورثته وتنازلوا عن الباقي، ولكن قيل لي: إنه يلزمني كفارة، وهي صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا، فأما الصيام فلا أستطيعه لكوني موظفًا حكوميًّا، وفي عمل لا أستطيع أن أجمع بينه وبين الصيام، وفي حاجة إلى مواصلة العمل، فهو مصدر رزقي بعد الله، ولكن أسأل هل أعدل إلى الإطعام؟ وما كيفيته؟ وما العمل لو كنت عاجزًا حتى عن الإطعام في الوقت الحاضر؟ هل يبقى دينًا في ذمتي إلى وقت قدرتي عليه، أفيدوني بارك الله فيكم؟
الجواب: قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] .
فمن قتل مؤمنًا خطأً، أو قتل معاهدًا، فإنه يجب عليه الكفارة، وهي كما بينها الله ، على الترتيب بين الشيئين:
الشيء الأول: عتق رقبة، فإذا وجد الرقبة وقدر على شرائها، وجب عليه أن يعتقها، أو كانت في ملكه، فإنه يجب عليه أن يعتقها كفارة عما
следующие страницы →