Полный текст (618 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
(صورة التقرير)
стр. 72
(صورة التقرير)
стр. 73
«سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فبناء على كتاب سماحتك رقم في// ١٤٠٤ هـ الذي تطلب فيه تقريرا عن كتاب الاعتقاد للبيهقي.
قرأت الكتاب فوجدته موافقا للسلف في مواضع كثيرة ومخالفا لهم في مواضع أخرى، وسأجمل فيما يلي ما يؤخذ عليه مما خالف فيه السلف في العقيدة:
١ - يصف الله وأسماءه بالقدم، ويسميه بالقديم، كما يتبين مما تحته خط في الصفحات التالية ٦، ٢٠، ٢٢، ٣٧، ٦٠، ٦١.
٢ - استدل على حدوث الكونيات بأنها محل للحوادث كسائر الأشعرية، فلزمهم بذلك نفي قيام الصفات الفعلية بالله والتزموا تأويل النصوص المثبتة لصفات الأفعال بما يسمونه قديما، كما يتبين ذلك بالرجوع إلى ما تحته خط في ص ٧.
٣ - تأول اسم الله - الرحمن - بالمريد لرزق كل حي في الدنيا، واسمه - الرحيم - بالمريد لإكرام المؤمنين في الجنة، وقال: «فيرجع معناها إلى صفة الإرادة التي هي صفة قائمة بذاته تعالى» ويعني بالإرادة - الإرادة الكونية الأزلية، لا الإرادة الدينية التي تعني المحبة، يتبين ذلك مما تحته خط من ص ١٥ - ١٩، وتأويل الإلهية بالقدرة على اختراع الأعيان.
٤ - ذهب في صفة الكلام إلى مذهب الكلابية، كسائر الأشعرية، فجعلها صفة نفسية ذاتية قديمة قائمة بذات الله تعالى، ورد صفة الحكم المفهومة من اسم الله الحكم وقال: «وقد يكون بمعنى حكمه لواحد بالنعمة والآخر لواحد بالمحنة.
стр. 74
فيكون من صفات فعله».
وقال مثل ذلك في اسم الله - الشكور - وفي اسمه العدل - يتبين ذلك مما تحته خط من ص ١٦.
٥ - فسر اسم الله - العلي - بالأعلى القاهر، وبالذي علا وجل عن أن يلحقه صفات الخلق وقال: هذه صفة يستحقها بذاته.
وتأول محبة الله عباده بإرادته رحمتهم وبمدحهم، وقال: فيرجع معناه إلى صفة الإرادة والكلام بمعنى الإرادة الكونية، والكلام النفسي، وقال: وقد يكون بمعنى إنعامه عليهم فيكون من صفات الأفعال.
كما تقدم بيانه يتبين ذلك مما تحته خط من ص ١٧ - ١٩.
٦ - قال في اسم الله «المتعالي» هو المنزه عن صفات الخلق، وهذه صفة يستحقها بذاته وقد يكون العالي فوق خلقه بالقهر» ا. هـ.
وهذا فرار من إثبات علو الله على خلقه بذاته ص ١٧ - ١٩.
٧ - بعد أن فسر أسماء الله الحسنى وذكر ما رآه فيها من احتمال ووجوه قال: «وهذه الوجوه التي في معانيها كلها صحيح، وربنا ﷻ ، وتقدست أسمائه متصف بجميع ذلك، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، لا شبيه له في خلقه، ولا شريك له في ملكه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» ا. هـ. ص ٢١.
٨ - قال في ص ٢١ أيضا: «فلله عز اسمه أسماء وصفات، وأسماؤه صفاته وصفاته أوصافه» ا. هـ.
فجعل أسماءه صفات، ومعلوم أن الإسم يتضمن الصفة، وأنها بعض مفهومه لا أنه الصفة.
стр. 75
٩ - في ص ٢١ - ٢٢ قسم صفات الله، قسمين: صفات ذات وصفات أفعال، وقسم صفات الذات قسمين: عقليا وهو ما كان طريق إثباته أدلة العقل مع ورود السمع به، فإذا دل وصف الواصف به على الذات فالإسم عين المسمى مثل شيء، ذات، موجود، جليل، عزيز، عظيم، متكبر، وإن دل وصف الواصف به على صفات زائدة على ذاته قائمة به مثل حي، عليم، قادر، سميع، بصير، متكلم، فالإسم في هذا لا يقال: إنه هو المسمى ولا أنه غير المسمى.
وأما السمعي فما كان طريق إثباته السمع فقط كالوجه، واليدين، والعين، وهذه أيضا صفات قائمة بذاته، لا يقال فيها: إنها هي المسمى ولا غير المسمى، ولا يجوز تكييفها، فالوجه صفة وليست بصورة، واليدان له صفتان، وليستا الجارحتين، والعين له صفة وليست بحدقة … إلى آخر ما ذكره في ص ٢٢ - ٤٤.
ولا يخفى ما في هذا من المخالفة للسلف من أهل السنة والجماعة، إذ فيه نفي تفصيلي، والسلف على خلافه، وإنما يمنعون الخوض في الكيف ويقولون: إنه مجهول أو غير معلوم، فيفوضون علمه إلى الله تعالى، كما يمنعون عموما الخوض فيما لم يخوضوا فيه نفيا وإثباتا.
١٠ - قال في صفات المعاني السبعة القدرة والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام: إنها زائدة على الذات قائمات بها، ليرد على المعتزلة، وقال: إنما قال النبي ﷺ : «أعوذ بكلمات الله التامة» (١) على طريق التعظيم. ا. هـ. يعني أن الجمع للتعظيم لا لكون كلامه تعالى متعدد بل هو شيء واحد هو الكلام النفسي الأزلي، يتبين ذلك مما تحته خط في ص ٢٥ حتى ص ٢٩، وفي ص ٣٢ حتى ص ٣٧.
١١ - ذكر في الاستواء طريقتين: طريقة التفويض، وطريقة حمله على وجه.
_________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٣٣٧١) من حديث ابن عباس ﵄. ومسلم (٢٧٠٨) من حديث خولة بنت حكيم السلمية ﵂.
стр. 76
يصح استعماله في اللغة، وأتبع ذلك نفيا تفصيليا للكيفية في الاستواء وفي النزول وفي المجئ والإتيان .. إلخ ص ٤٤، وأحال في ذلك على كتابه. الأسماء والصفات.
١٢ - أحسن في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة بالأبصار، وفي إقامة الأدلة على ذلك، وفي رده على منكري رؤيته تعالى، ولكنه يرى أن الله لا يرى في جهة، بل يراه الراءون في جهاتهم كلها، لأنه يتعالى عن جهة ص ٥١.
١٣ - قال في أفعال العباد: إنها كسب لهم على معنى تعلق قدرتهم بمباشرتهم التي هي إكسابهم، ووقوع هذه الأفعال أو بعضها على وجوه تخالف قصد مكتسبها يدل على موقع أوقعها كما أراد غير مكتسبها والله ربنا خلقنا وخلق أفعالنا .. إلخ ص ٦٠، ٦١.
وهذا إلى القول بالجبر أقرب منه إلى القول بإثبات الاختيار للعبد في أفعاله.
١٤ - وفسر ما جاء في الحديث من أن «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن» بأن المراد به كونه القلب تحت قدرة الرحمن (١).
١٥ - أخطأ في تفسير آيات في المشيئة ص ٧١.
١٦ - ذكر كثيرا من الأحاديث ولم يبين درجتها من الصحة، والضعف، والمقام مقام الاستدلال في العقيدة، والجملة فالكتاب نافع، وفيه خير كثير، ويمكن التعليق عليه في مواضع الخطأ، أو التنبيه على ذلك في مقدمة له، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
كتبه
عبد الرزاق عفيفي
_________
(١) حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه (٢٦٥٤)، وأحمد (٢/ ١٦٨) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
стр. 77
الفصل السادس حكمته في الدعوة إلى الله ومنهجه في التعليم
لقد كان الشيخ عبد الرزاق ﵀ حكيما في دعوته إلى الله تعالى، وفي تعليم الناس ممتثلا قوله : ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ (١) فكان يترفق بالجاهل ويتواضع للمتعلم ويلتمس أفضل السبل لتوصيل دعوته، وقد أثابه الله تعالى على حسن صنيعه فكان لدعوته أبلغ الأثر ولتعليمه أكبر النفع، ولا غرابة حينئذ أن يشهد له طلابه بأنهم لم يروا في معلميهم أحسن منه تعليما.
وقد ذكر شيخنا عبد الله بن قعود - حفظه الله - أنه كان أحد ثمانية طلاب هم الدفعة الأولى بالمعهد العالي للقضاء أول افتتاحه حيث كان الشيخ عبد الرزاق مدير المعهد وكان الشيخ محمد الأمين الشنقيطي مدرسا فيه، وهؤلاء الطلاب هم الآن من أعمدة هيئة كبار العلماء.
فيذكر الشيخ ابن قعود أنه بالرغم من سعة علم شيخهم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀، فإن معظم استفادتهم وتكوينهم العلمي كان على يد الشيخ عبد الرزاق بسبب أن الشيخ محمد الأمين كان كثير الاستطراد فيخرج كثيرا عن موضوع الدرس إلى أبحاث لغوية، أو أصولية، أو غيرها مما يقطع تسلسل المعلومات، بخلاف الشيخ عبد الرزاق الذي كان يلخص لهم موضوع الدرس في نقاط مرتبة مسلسلة فلا ينتهي الدرس إلا وقد حفظه الطلاب أو كادوا - رحمة الله على الجميع - ويذكر الشيخ ابن قعود حفظه الله أيضا أنه في بعض الأحيان كان
_________
(١) سورة النحل، الآية ١٢٥
стр. 78
يتغيب بعض المدرسين فيدخل الشيخ عبد الرزاق ويسألهم ما درسكم اليوم: فيقولون: درس كذا في أي علم من العلوم، فيشرحه الشيخ عبد الرزاق بدون إعداد شرحا أفضل من شرح المدرس الأصلي.
وقد سمعت الشيخ عبد الرزاق ﵀ وقد سأله سائل: بماذا تنصح لطلبة العلم والدعاة؟ فأجاب قائلا:
«الدعاة يدعون إلى ما تعلموا، ويبدؤون بالتدريج بالأهم فالأهم، فالعقيدة قبل الفروع كما فعل الرسل وينتهز الفرص، كذلك طلبة العلم كما يبدؤون غيرهم بالدعوة إلى التوحيد، ويبدؤون بتعلم التوحيد قبل الفروع. والرسل لم يتعرضوا للفروع في أول الأمر إلا الفروع الشديدة التي تتفشى فيها المخالفة، فشعيب ﵇ حذر من نقصان الكيل، ولوط ﵇ حذر من الفاحشة، وهذان الأمران يتصلان بالأخلاق والأخلاق قرينة التوحيد.
وفي الفروع يتدرج، فالربا لم ينزل تشريعه إلا في آخر التشريع، وشرب الخمر كان تركه صعبا فتأخرت الدعوة إلى تحريمه.
وفي الدعوة للعقيدة تدرج فالرسول ﷺ لم ينه الصحابة عن الحلف بغير الله إلا مؤخرا إلا من باب الوسائل، وفي هذه الحالة إذا رأى منكرا لم يأت الوقت لبيان حكمه يسكت ولكن لا يدعو إلى المنكر» أ. هـ.
وقد حدثني الشيخ عبد الرزاق ﵀ أنه كان يخطب في مسجد أنصار السنة في مصر أيام الملك فاروق عن قصة موسى ﵇، ويحض من خلالها على اتباع داعية الحق، ويلمح تلمحيات يفهمها الحاضرون، وفي نفس الوقت لا يمكن أن تؤخذ عليه، وقد ذكر جماعة من تلاميذ الشيخ مواقف رأوها منه تتجلى فيها حكمته في الدعوة.
فمن ذلك: ما سبق نقله في الفصل الأول عن سيرته بمصر في المرحلة الرابعة
стр. 79
بالأسكندرية. ارجع إليها ففيها أمثلة عظيمة على حكمته في الدعوة والتعليم. وإليك بعض ما كتب في ذلك:
يقول الدكتور - محمد لطفي الصباغ:
وقد حدثني ﵀ أنه أراد أن يحذر إخوانه في مصر من دجل الدجالين من القصاص والوعاظ الذين يأتون في دروسهم بالأقاصيص الممتعة التي تشد السامعين، وتمتعهم وتستحوذ على إعجابهم ولا أصل لها، والعامة هذا شأنهم في أغلب البلاد، فألقى عليهم درسا ملأه بمثل تلك الأقاصيص الغريبة فأعجبوا بالدرس واستمتعوا فلما رأى ذلك باديا على وجوههم سألهم: ما رأيكم؟ أهذا الدرس أحسن أم الدروس السابقة؟ قالوا: بل هذا. إنه درس جميل ممتع. فقال لهم: هذا غير صحيح. وما كنا عليه في دروسنا السابقة هو الصواب.
فأفهمهم بهذه الطريقة العملية أنه ليس عاجزا عن أن يأتي في دروسه بما يستحوذ على إعجابهم، ولكن الحق هو الذي ينبغي أن يكون رائد الموجه والعالم.
إن العالم ينبغي أن يكون مربيا مرشدا يقول الحق، ولا يخشى في الله لومة لائم، لا يداري ولا يتكلف التأويل ليسوغ للناس ما يحبون من الخرافات والأباطيل.
وقد ابتلى المسلمون من زمن بعيد بالقصاص الذين يملؤون مواعظهم بالأحاديث الموضوعة والواهية، ويأتون بالقصص الغريبة ولو كانت باطلة ليجعلوا الناس يقبلون عليهم فكان الشيخ ﵀ يحذر الناس من الوقوع في أحابيلهم.
وكان حكيما في تصرفاته يفرض احترامه على الآخرين مهما كان رأيهم فيه، فما كان يقدم على تصرف يعرضه إلى الحرج أو الانتقاد
стр. 80
وكان بعيدا عن المراء والجدل الذي لا طائل من ورائه، ولا يخوض في الموضوعات التي لها حساسية ويتركها للآخرين.
وكانت له آراء خاصة في بعض المسائل العلمية لا يذكرها إلا للخاصة من أصحابه، ولا يسؤوه أن يكون هناك من يخالفه فيها، وإذا ذكرت الآراء المخالفة له أمامه لا ينفعل ولا يتشنج لأنها تخالفه بل يقول: لكل رأيه، وهذا خلق عظيم ما أحوج العلماء إليه.
لماذا نمنع أن يكون للعالم المؤهل للاجتهاد والنظر آراء تخالفنا؟ إن الحق ليس مقصورا على مذهب معين، ولا يحتكره ناس معينون، وقد يدرك المتأخر أمرا لم ينتبه إليه المتقدم.
ويقول الشيخ يوسف المطلق:
وكان يحذر من البدع ودعوته دائما ترى فيها الحكمة والموعظة الحسنة، وإذا رأى أحدا متلبسا بمنكر في لباسه أو هيئته قام بنصح عام بالتلميح، وضرب المثل حتى لا يدرك الحاضرون أنه يعني شخصا بعينه، بينما المقصود بالنصيحة يدركها ويخرج شاكرا مستيفدا.
وعرف الشيخ بالحياء والصمت إلا في حقه وكان طلابه يهابونه حياء ويقدرونه في أنفسهم.
ويقول الشيخ صفوت نور الدين - رئيس جماعة أنصار السنة بمصر -:
ولقد كان الشيخ - برحمه الله - مثالا يحتذى في الفتاوى دقة والتزاما، فقد جالسته سائلا مستفتيا كثيرا في مواسم الحج لأعوام متعددة، فكان يختار من الألفاظ المعبرة، ثم يبين التغير في المعنى إذا اختير غير هذا اللفظ، ولقد كان بالغ العناية باحترام أقوال إخوانه العلماء، فإذا صدرت الفتوى في مسألة، وله رأي مخالف، وسأله أحد عن هذه الفتوى أفتى بقول جماعة العلماء، ولو لم يكن
стр. 81
هو رأيه، بل وجدته يحبس رأيه عن المستفتين إذا وجد أن هذا الرأى قد يحدث بينهم شقاقا، ولا يبرزه إلا لطلبة العلم الذين يعرفون الأدب عند الاختلاف وتوقير العلماء، وذلك هو شأن السلف الصالح، كقول علي بن أبي طالب ﵁: «حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله» (١).
ويقول أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:
وكان ﵀ منصفا في جدله العلمي يفرق بين صحة الدعوى ذاتها أو فسادها وبين صحة أو فساد البرهان المستدل به على الدعوى، ويرى أن فساد حجة ما لا يعني فساد المدعى، ولهذا تراه يناقشك في أدلتك أو اعتراضاتك، ثم يهلهلها مع أنه يوافقك في المدعى.
وتكوينه العلمي يعلم طلابه الحرية الفكرية. ولهذا فهو يرى النقاش في الدرس والأطروحات وسيلة للاستقلال الفكري بأن يكون الطالب قادرا على الاحتجاج والاعتراض .. أما صحة المذهب في ذاته فأمر مردود لاجتهاد طالب العلم خارج أسوار المعهد وفق ما لديه من حصيلة علمية وفطرية فكرية ونزاهة خلقية.
ويقول الشيخ يوسف الأطرم:
أما منهجيته فتمتاز بوضوح الكلام وقلته وتكييف المادة بحيث تصل إلى الأذهان من أول وهلة، بديع في تفكيك عبارة المؤلفين باختلاف المواد وإذا استغربنا ما سمعناه من المعاني التي لا ندركها بمجرد قراءة الكتاب وسألناه من أين هذا؟ قال: هذا من كتابكم لم آت بغريب.
وكانت دراسته في الفقه لى مذهب مالك ويدرسنا في المقنع على مذهب أحمد بكل سهولة، وكان للخلاف في الفقه عندنا روعة واستعظام حتى سألناه
_________
(١) رواه البخاري (١٢٧) موقوفا.
стр. 82
من أين تأتي بهذا الكلام؟ فقال: ما قرأت غير كتابكم الذي بين أيديكم وهو المقنع. ثم أخذ يشرح لنا فقال: التدريس فهم الكتاب، وأهدافه، ومنهجيته، وأصول مذهبه. وضرب لنا مثلا في القصاص من السكران عند قول المؤلف: «وفي القصاص من السكران روايتان إذا تعمد السكر، فعند من قال فيه القصاص لاحظ أنه تعمد إزالة عقله، ومن قال: إنه ليس فيه قصاص؛ الحقه بمن زال عقله بعذر ومن هنا نشأ الخلاف»، ثم قال ﵀: هكذا كل خلاف يكون له مأخذان من الأدلة، والتنفيذ يكون حسب ما مشت عليه دارسة الفقيه في البلد من المذاهب الفقهية.
стр. 83
الفصل السابع إدراك الشيخ لواقعه وما فيه من مذاهب واتجاهات
لقد كان الشيخ ﵀ مدركا لما يموج به عصره من آراء واتجاهات بما يمكنه من الحكم الدقيق عليها، وله أسوة في شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الذي كان يعرف من تفاصيل مذاهب خصومه من فلاسفة، ومتصوفة، ورافضة وغيرهم أكثر مما يعرفونه هم عن مذاهبهم كما يتضح هذا بجلاء لمن قرأ في كتبه.
فمن ذلك أني سألته عن رأيه في جماعة الإخوان المسلمين ورأيه في اتهام بعض قادتهم بأنهم كانوا من الماسونية فأجاب:
التشكيك في شخصية البنا والهضيبي غلط، فهذا ظن سوء ليس له أساس فهما ضد الماسونية، والعيب الموجود في الإخوان أنهم لا يمسون تفاصيل الدين، فكل حديثهم عن جمال الإسلام وسماحته، وهدفهم تجميع الناس على الإسلام لا على الماسونية، ولا يتصور أنهم يمهدون لتوجيه الحركة الإسلامية لأن حسن البنا ﵀ مات فهل كان يهدف إلى التوجيه بعد مماته؟ والإخوان هم الذين حاربوا اليهود تطوعا.
وسألته أيضا عن رأيه في منهج الدكتور عمر عبد الرحمن فأجاب:
منهجه ليس بسليم من ناحية الجرأة أكبر من القوة التي أعدها، وضررهم أكبر من نفعهم، وقد ذكر الله قاعدة ﴿إثمهما أكبر من نفعهما﴾ (١) فعليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان، ولا يجوز لهم تغيير منكرات يترتب عليها منكر أشد، الرسول ﷺ لم لم يقم الجهاد في مكة وأخره حتى ذهب إلى المدينة؟
_________
(١) سورة البقرة الآية ٢١٩.
стр. 84
لماذا عاهد جماعة من الأنصار في مكة على أن يحموه، وهاجر إليهم بناء على هذا العهد؟ هذا كله تمهيد لكسب القوة في التطبيق، وهاجر ليمنع الإثارة حوله، وليهدأ الجو حتى تتاح الفرصة للجهاد بالسيف، فنظام الإسلام أن الدعوة بالتدريج، والحالة في مصر الآن أردى من العهد المكي فالتبرج والسفور بالصورة الحالية في مصر، لم يكن في مكة قبل الهجرة، وكانت دعوة الرسول ﷺ في مكة باللسان لم يستعمل يده حتى خرج من مكة فالدعوة الآن في مصر يجب أن تكون باللسان.
١ - يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
لقد كان الشيخ ﵀ يعيش عصره، ويدرك بعمق شراسة الغزو الفكري والاستعماري للمسلمين، ويعرف التيارات الفكرية، والسياسية التي تسود العالم وتغزو بلاد المسلمين يعرفها تمام المعرفة، وهذه صفة لم تكن موجودة في كثير من علماء عصره.
وكان بعيد النظر، عميق الفكر، له جولات نقدية موجزة يدركها الواعي من جلسائه، ولا يذكر في مجلسه أحد بسوء.
وكانت معرفته بالرجال المعاصرين من الأعلام معرفة دقيقة، وكان حكمه عليهم حكما سديدا. يعرف أوضاعهم الاجتماعية وعادات بيئاتهم ومدى تأثرهم بذلك كله.
٢ - ويقول الدكتور حبيب بن مصطفى زين العابدين - وكيل وزارة الأشغال العامة بالمملكة.
أكتب اليوم عن بعض جوانب حياة الشيخ عبد الرزاق عفيفي التي عرفتها كتلميذ له، واكتشفتها من خلال لقاءات علمية عديدة جمعتني به، لقد كان - يرحمه الله - رحب الصدر، عميق الفكر، واسع المدارك، عالما بعصره وما يدور
стр. 85
فيه، ولهذا كانت فتاواه وإجاباته عن أسئلة تلامذته أقرب للواقع والعصر الذي نعيشه، وكان يستشيره عدد من كبار علمائنا الأفاضل ويأخذون برأيه في المسائل المختلفة وخاصة تلك التي تمس التجارب والخبرات، والمسائل التي تتعلق بما ظهر في عصرنا، وعالمنا من أمور حديثه.
وفي جلسة حوار دارت حول تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي بينه وبين عدد من خبراء الاقتصاد الذين ينشدون السعي لتطوير النظام الاقتصادي الإسلامي، سئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي عن إمكانات عديدة تسمح بالتدرج في تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي وعدم التشديد والتضييق أول الأمر.
فأجاب - يرحمه الله - بقوله: يجب ألا نكتفي بالأسئلة النظرية التي ليس لها أي مردود علمي. وأردف قائلا: لقد درسنا كثيرا من الأمور النظرية، بل قدمنا فيها الفتوى المناسبة بهدف أن نجد التطبيق العلمي لها، وإذا بها تتعثر لعدم وجود الدعم الكافي لها، أو أن الكثير تخطاها بفتاوى تجاوزت الحدود الإسلامية المقبولة.
стр. 86
الفصل الثامن عبادته
يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
وكان يحج كل عام منذ أن هاجر إلى المملكة. ويدرس في الحرم ويفتي الناس في شؤون دينهم ولا سيما في أمر المناسك. وله اقتراحات نافعة أخذ ببعضها بالنسبة إلى الضحايا والهدي. وقد حججت معه مرات، وأشهد أنه كان في المواقف ولا سيما في عرفات كثير التضرع، يدعو ربه ويجتهد في الدعاء والدموع تنهمر على لحيته يسأل الله المغفرة والرضوان وإصلاح أحوال المسلمين ويطيل في ذلك. وقد حج في هذا الموسم الأخير على الرغم من ضعفه بسبب الشيخوخة وإصابته ببعض الأمراض.
ويقول الشيخ يوسف المطلق:
وبلغني من عبادته أنه كان أشد الناس محافظة على السنة والعمل بها.
قلت: ومن ذلك محافظته ﵀ على صلاة الجماعة في المسجد حتى وهو في أصعب الظروف الصحية، وقد رأيته ﵀ وهو يذهب إلى المسجد متكئا على العصا والجدار تارة، ومتكئا على كتف ابنه تارة، ثم رأيته وهو يذهب إلى المسجد مدفوعا على العربة بعد أن عجز عن المشي في آخر عمره، وكان ﵀ مبكرا إلى المسجد محافظا على السنن القبلية والبعدية.
وقد كان ﵀ محافظا على الهدي النبوي الظاهر من إعفاء لحيته البيضاء الكثة وتقصير ثوبه فوق الكعبين.
وكان من عاداته ﵀ التداوي بالحبة السوداء لما ثبت فيها من الحديث.
стр. 87
الفصل التاسع كرمه وجوده
من مكارم الأخلاق التي كان يتحلى بها الشيخ ﵀ خلق الكرم والجود متمثلا قوله ﷺ : «إن الله كريم يحب الكرماء جواد يحب الجودة» (١).
وقد شهد له بذلك كل من عرفه.
١ - فمن مظاهر كرمه أثناء إقامته بمدينة شبين الكوم ما ذكره الشيخ مناع خليل القطان حيث يقول:
استأجر بيتا لسكناه (وهو عزب) فأسكن معه طلاب بلدته «شنشور - منوفية».
ثم تزوج وسكن في بيت مستقل، ولكنه كان يدعو طلابه إلى بيته ويرعاهم كما يرعى الأب أبناءه.
٢ - ويقول الدكتور محمد لطفي الصباغ:
كان مما يمتاز به سعة صدره، وبعد نظره، وزهده في الدنيا ومتاعها، وحبه الخير للناس جميعا، وبذله جاهه في مساعدة الآخرين.
وكان كريما كرما أصليا لا يتكلف يريد المباهاة والمفاخرة، بل يقدم ما تيسر وما كان أعده لنفسه، وكان بذلك قادرا على أن يقيم في كل يوم وليمة، وكان إذا علم بمجيء عالم يعرفه دعاه إلى الطعام، وقد حضرت كثيرا من هذه الولائم، وبيته مفتوح كل ليلة للزائرين، وطلاب العلم، والمستفتين، و الذين يبغون الشفاعة في أمر من أمورهم.
_________
(١) حديث صحيح رواه الحاكم (١/¬٤٨) وصححه.
стр. 88
٣ - ويقول الشيخ عبد الله بن جبرين:
كما أنه يكرم من زاره ويقدم ما حضر بدون تكلف، ويجود بما يقدر عليه دون أن يمن بما أعطاه، أو يرد من سأله وهكذا دأبه مع العلماء، وطلبة العلم، والأصحاب والزملاء الأقدمين فهو جواد كريم بما اعتاده، ومجيب لمن دعاه بدون تكلف أو تشدد.
٤ - ومن مظاهر كرمه العظيمة أثناء تدريسه بالمعهد العالي للقضاء ما ذكره الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري حيث يقول:
ومع أنه اكتفي برويتبه وبقي في فليلة بحارة شعبية لا تليق بأصغر تلامذته، فإنه لم يدخر من هذا الرويتب شيئا، فقد كان يوزعه على أسر فقيرة في مصر، وكان له صدقات في رمضان سخية على بعض المستحقين بالمملكة. وعندما كنت بالمعهد العالي للقضاء كان هناك مكافآت للطلاب المغتربين تتأخر عليهم فكان يقرضهم، وكان يتنازل عن حقه لدى هذا ويأخذ بعض حقه من ذلك.
٥ - ومن أبرز مظاهر جوده:
أنه كان يمتلك دارا بمكة المكرمة فوقفها على دار الحديث الخيرية لتكون له صدقة جارية وفي هذا يقول منسوبو دار الحديث الخيرية في كلمتهم التي نشرت بصحيفة الندوة عدد ١٠٨٨٣ بتاريخ ٤/¬١٣/¬١٤١٥ هـ:
ولقد كان ﵀ حدبا على دار الحديث الخيرية ومنسوبيها، عطوفا عليهم، قوي الصلة بهم، ولا أدل على ذلك من أنه أوقف داره بمكة المكرمة على هذه الدار، مما يترجم عن عظيم حبه وتقديره لهذه الدار المباركة.
стр. 89
الفصل العاشر تواضعه
ومن مكارم أخلاقه التواضع عملا بقوله ﷺ : «من تواضع لله رفعه» (١).
وقوله ﷺ : «يحشر المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم» (٢).
١ - يقول الشيخ عبد الله بن حافظ الحكمي:
وكان ﵀ في أخلاقه محل القدوة والأسوة، شديد التواضع تغلب عليه البساطة في مجلسه إذا ارتاح لمحدثه استرسل في ذكر بعض الأحداث والمواقف ونزل معه على قدره صغيرا كان في سنه أو منزلته، ولذا كان ﵀ محبوبا من كل من يعرفه ممن عمل معه أو تتلمذ عليه، محل الإجلال من الجميع والتقدير.
٢ - ويقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
وعلى الرغم من تلمذتي عليه ما كان يعاملني إلا على أني زميل له تواضعا منه وكرما، أحسن الله إليه وجزاه عنا الخير.
وكان يعرف للناس أقدراهم ولا سيما إن كانوا غرباء، وكان متواضعا يكرم الصبيان والفتيان، ولا يدعوهم إلا بألقاب التكريم، ويتودد إليهم. وقد رأيته يوم أن جاء الشيخ حسن حنبكة أحد كبار علماء بلاد الشام لزيارة مفتي المملكة الشيخ محمد بن إبراهيم رأيته في قمة التواضع، إذ كان يؤثر الكثير على الجلوس
_________
(١) أخرجه مسلم بلفظ [وما تواضع أحد لله إلا رفعه] رقم (٢٥٨٨) وأحمد في المسند (٢/ ٣٨٦) والترمذي (٢٠٢٩).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٩) عن عبد الله بن عمرو، والترمذي في السنن (٤/ ٥٦٥) رقم (٢٤٩٢) وقد حسنه الألباني في صحيح الجامع (٨٠٤٠).
стр. 90
في المقاعد المتقدمة مع أنه أجدر منهم بهذا التقديم.
٣ - ويقول الشيخ مناع القطان:
أضفى عليه تواضعه حلة من زيادة التقدير والاحترام لدى كل من عرفه.
стр. 91
الفصل الحادي عشر حلمه وسعة صدره
ومن مكارم أخلاقه الحلم وسعة الصدر والحلم خلق يحبه الله تعالى كما جاء في قوله ﷺ (لأشج عبد القيس): «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة» (١).
١ - يقول الشيخ عبد الله بن جبرين:
أما أخلاقه فقد عرف منه لين الجانب، وطلاقة الوجه، وحسن الملاطفة فهو أمام الزوار، والتلاميذ، والزملاء دائما يظهر الفرح والسرور، والانبساط في الكلام والإجابة على الأسئلة بدون غضب أو ملل أو تبرم أو رد شديد للسائل. فجليسه يلقى منه كل المؤانسة والتبسم بحيث لا يمل جليسه ولا يزال يتلقى عنه أنواعا من الفوائد واللطائف وغرائب المسائل.
٢ - ويقول الدكتور محمد لطفي الصباغ:
وكان يتصف بسعة الصدر وحسن المناقشة والحلم وإلانة القول لمن يسأله ويناقشه، فقد ذكر لي الشيخ ناصر الدين الألباني أنه في أول قدمة جاء فيها المملكة من بضع وأربعين سنة قابل عددا من المشايخ وذاكرهم في مسألة قررها شيخ الإسلام ابن تيمية وهي مشكلة في نظره، وقد أنكرها، فاشتدوا عليه إلا واحدا وكان هو الشيخ عبد الرزاق عفيفي الذي تلطف به وناقشه في الموضوع، وكان الشيخ الألباني يذكر هذه القصة مشيدا بالصفات الكريمة التي تميز بها الشيخ ﵀.
_________
(١) أخرجه مسلم رقم (١٧، ١٨) وأبو داود رقم (٥٢٢٥) وأحمد (٣/¬٢٣)، والنسائي (٨/ ٣٠٦).
стр. 92
٣ - ويقول الشيخ يوسف المطلق:
وكان يخصص وقته بين إجابة السائل شخصيا، أو تحريرا، وما كان يسأم من السائلين بل كان يبذل جهدا حتى يفهم سائله.
٤ - ويقول الدكتور حبيب مصطفى زين العابدين - وكيل وزارة الأشغال -:
وذهبت مرة أستفتي أحد كبار العلماء الأفاضل في مسألة خاصة، واستدعت الفتوى أن أراجع هذا العالم الفاضل واستوضح بعض جوانب فتواه، ولم يزد ذلك على سؤالين أو ثلاثة، وبهت عندما هب هذا العالم واقفا وأقفل الحديث وخرج من المجلس، ذهبت بعدها مباشرة إلى الشيخ عبد الرزاق عفيفي وهو مريض على فراشه في غرفة نومه فأحسن استقبالي وأحضر لي الشاي وحاورته في مسألتي حتى اتضحت لي الأمور، وغادرت بيته معجبا بعلمه ورحابة صدره وصبره، وتمثلت فيه العالم القدوة، ودعوت الله له دعوات حارة صادرة من أعماق قلبي .. ويكفي الشيخ فضلا أن يذكر عنه وزير الأوقاف والشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالمملكة، ومدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقا أنه ما من طالب درس بالجامعة، أو أستاذ عمل بها إلا ويعد من تلامذة الشيخ.
стр. 93
الفصل الثاني عشر رحمته بطلابه ونصحه لهم
كان الشيخ ﵀ رحيما بطلابه مشفقا عليهم يسعى في مصالحهم ويريد الخير لهم عملا بقوله ﷺ : «الراحمون يرحمهم الله. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (١).
وطالب العلم هو وصية رسول الله ﷺ فلذا صار دأب العلماء المخلصين العاملين الاحتفاء بطلابهم والحرص على إفادتهم وتعلميهم مستحضرين قوله تعالى: ﴿كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم﴾ (٢).
١ - يقول الشيخ مناع القطان:
كان يزن طلابه بميزان دقيق في الجوانب المتعددة، ولا يخفي حبه لمن يتوسم فيهم الخير. فيعاملهم - وهم بمنزلة أبنائه- معاملة الأخ الأكبر لإخوانه الصغار.
٢ - ويقول الشيخ صالح السدلان:
ولا تكاد تجلس معه قليلا من الوقت إلا وتخرج بفائدة علمية، أو أدبية، أو خلقية .. وأعرفه لا يحب الكلام في أحد كما تميز ﵀ بوضوح العبارة، ولم أر مدرسا مثله في إيصال المعلومات وقلة الحشو ..
ولم يكن يدرس مادة إلا وأكملها وكان ﵀ من المفيدين في التدريس وغير المخوفين في الامتحانات ..
وكان ينصف الطلاب على مستوى الدرجات العلمية ومن شدة دقته في
_________
(١) أخرجه أبو داود (٥/ ٢٣١)، رقم (٤٩٤١) والترمذي (٤/ ٢٨٥) رقم (١٩٢٣، ١٩٢٤).
(٢) سورة النساء، الآية: ٩٤.
стр. 94
التصحيح لم يكن يساوي بين طالبين بدرجة واحدة، وكان يتميز بالثقة وقوة الإرادة.
٣ - ويقول الشيخ صالح الأطرم:
وقد اشتهر الشيخ عبد الرزاق بحبه للنفع وبذله للنصح، فهو المستشار الناصح لكل من استشاره من مسؤول أو من سائر الأفراد، وكان ثاقب النظر عارفا بطلابه واتجاهاتهم، من يصلح للقضاء أو للتدريس في حقول التعليم أو في الوظائف الإدراية، وكان حريصا على تأهيل من يتولون المسؤوليات من قضاء وتدريس وأعمال إدارية.
ومما استحضره من نصحه لما اقترح من اقترح اختبار نصف العام جاءت مشكلة المكفوفين فحل المشكلة بأن يختبروا شفويا فكأن المكفوفين لم يرغبوا، فما زاد على كلمة واحدة وهي قوله: إنه أرفق بكم؛ فليس كل واحد سيجد كاتبا وبعد خروج النتيجة حصل الرضا فأدرك المكفوفين نصح الشيخ.
ومن نصحه لي شخصيا لما درست السنة الأولى في المعهد العالي للقضاء لم أدخل الاختبار فغلظ علي اللوم فاعتذرت بعدم المذاكرة، فقال لي: ادخل الاختبار وأجب بما عندك، فلم أفعل، ولما بدأت الدراسة في العام الثاني بالمعهد العالي للقضاء أعاد علي النصح بمواصلة الدراسة فأبديت الرغبة واستشرت الشيخ عبد الرزاق عمن أذاكر معه، وذكرت له شخصا، فقال: اعزم على مواصلة الدراسة، وأنا أعرف من يناسبك وتناسبه في المذاكرة، فحقق ما قال غفر الله له وجزاه الله عني والإسلام والمسلمين خيرا، وكان نصحه مع كل واحد ولكني ذكرت نموذجا مما يتصل بي.
٤ - ويقول الشيخ حسن محمد إسماعيل أحد تلامذه في المعهد الأزهري بالأسكندرية ١٣٦١ هـ.
وأمسكت بالقلم للكتابة وفكرت من أين أبدأ، ورأيت أن من الواجب أن
стр. 95
أكتب من أول يوم تقابلت فيه مع الشيخ عندما ذهبت إلى المعهد لتقديم أوراقي وإذا بفضيلة الشيخ يقدم لنا أسئلة شفوية لاختبار قدراتنا فأثنى على بعضنا، وقال للمسؤل خذ منهم فورا ولا داعي لأن يعودوا غدا لأن الوقت كان قد انتهى، فشكرنا له حسن صنيعه وكيف أنه عاملنا هذه المعاملة الطيبة.
٥ - ويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري حاكيا بعض ذكرياته عندما كان طالبا بالمعهد العالي للقضاء، والذي كان الشيخ عبد الرزاق مديرا له، ومدرسا به: وقد زاملت في المعهد من هو في دور مشايخي، وما دام التغابن في العلم من باب التنافس المحمود فما غبنني إلا جبهات وكتل من العقل البشري جاءت إلى المعهد بعدي وتخرجت قبلي بسنين، ومنهم من كان أول ممتازا منذ بدأ إلى انتهى مثل أصحاب المعالي الدكاترة: عبد الله التركي، وحمود الفايز، وعبد العزيز الربيعة.
جئت إلى المعهد وكان الشيخ عبد الرزاق يكن لي ذكريات حب - وإعجاب كما يفرح الأب بابنه النجيب، إلا أنه وجدني على غير عهده، إذ وجد شيئا من الأناقة في الملبس والمظهر مع توسع الأدباء والظرفاء فلم يغسل يده مني لأنه يحس عندي عناصر من التأصيل الشرعي، ولم يفرح بي كما يفرح بنجباء تلامذته الذين لا يزالون على سمتهم.
وقد فضحتني الصحافة أو فضحت نفسي بها بشيء من الترطيب الفني حيث إنني لم أبال بمشايخي في مقدمتي لكتيبي نظرات لاهية، وكان إذا رآني وأحس بأن الساحة خلية من سامع رمى كليمة من مثل قوله: «يا أبا عبد الرحمن لا تسقط الزنبيل».
كأنه يريد أننا نريد رفعتك، وأنت تأبى إلا أن تتدلى.
стр. 96
وعندما كنت طالبا في المعهد كنت أحمل شيئا من الصلف الأبي والصحفي أمام جهابذة العلم، وأحضر فصول الدراسة للاعتداد بنفسي أكثر من الاستفادة من مشايخي.
وقد نغصت على مشايخ لي من أمثال البجيري، والدسوقي إلا أن الشيخ عبد الرزاق لم يترك مجالا لفضولي مثلي لأنه يأسرني فكرا، ووجدانا، ولغة إذا تحدث فأصغى للدرس وأستفيد على الرغم مني. ومن سخافاتي أنني أحضر للآية التي سيفسرها من أكثر من تفسير لأستدرك عليه شيئا فاته فإذا شرع بدرسه تبخر كل شيء في جعبتي، لأنه يتناول الموضوع تناول الخاصة من العلماء الذين جمعوا بين الحفظ والذكر فكانت مادته دسمة، وكان قديرا على التوصيل لأنه كان جذابا ومغريا، وما سمعت منه قط كلمة مؤذية ولكنه كان يفرض هيبته. وكان احترام الطلاب له تلقائيا وبشكل عجيب.
وانتهيت من المعهد بدرجة مقبول، وكانت هذه الدرجة إنقاذا منه لي وقد صرح أمام لجنة المناقشة أن انتشالي تقديرا لي وليس لبحثي إذن لم أنل من الشيخ عبد الرزاق شهادة علمية، وإنما فزت منه بمنهج تربوي تعليمي كريم، فعندما تأزمت لشيخي البجيري ﵀، وتولى الإشراف على فترة قليلة ريثما أعادني إلى مشرفي الأول تخلقت منه بخلق علمي، فكنت ألخص أقوال بعض العلماء بفهمي وأسلوبي فيطالبني بالتنصيص ثم يستعيد النص مني مرارا حتى يبين لي أن ما فهمته ولخصته كان فهما خاطئا.
وأحيانا أنقل نقلا عن عالم ثم أحيل إلى أقوال آخرين ظانا أن كلامهم كان واحدا فيطالبني بالتنصيص ثم يظهر لي فروقا دقيقة يتضح بها أن كلامهم مختلف وليس واحدا. أ. هـ.
стр. 97
الفصل الثالث عشر زهده وورعه
١ - يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
وكان الشيخ عبد الرزاق ﵀ متواضعا زاهدا في متاع الدنيا ومناصبها، لا يغشى منازل الوجهاء والأغنياء إلا إن دعي، وكان يتعفف إن حضر ولا يقول إلا ما يرضي ضميره، ولعل زهده هذا هو السبب في عزوفه عن إلقاء المحاضرات وحضورها. وكان يبذل جاهه في خدمة الناس الصالحين ومعونتهم، وكان لا يرد صاحب حاجة يستطيع أن يقضيها له.
٢ - ويقول الشيخ عبد الله بن حافظ الحكمي:
كان شديد الزهد في أعراض الدنيا يلبس الخشن من الثياب في آخر حياته ويرتاح لذلك ويعلله بأنه يناسب بدنه صحيا.
٣ ويقول الشيخ يوسف المطلق:
ولقد كان مثالا للإخلاص والقدوة الحسنة في زهده وورعه.
٤ - ويقول الشيخ مناع القطان:
وقد عاش الفقيد متقشفا زاهدا بعيدا عن المظاهر العامة بمنأى عن أضواء وسائل الإعلام.
٥ - ويقول الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي:
إن فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي يتصف بصفات يندر أن تجتمع في شخص: غزارة العلم، ورجاحة العقل، والزهد في الدنيا ومظاهرها، وحب
стр. 98
الخير للآخرين، وبذل جاهه وماله في ذلك.
٦ - ويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:
والبرهان على أنه ليس طالب مجد دنيوي أنه ما التمس سبيلا لازدياد كسب مادي غير رويتب تلقاء عمله الوظيفي الذي كرس له كل وقته وما أكثر الكسب المادي لو أرادها.
وبعد عن الإعلام والإعلامين بعدا لا هوادة فيه، وما عرفت من الشيخ عبد الرزاق حياة قط غير حياته بين طلابه في الصف، أو بين مريديه في بيته يقرأون عليه ويسألونه، أو في صميم عمله الوظيفي لدى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم يذاكره في العلم ويستفتيه في واقع الطلبة الذين يرشحون للقضاء والمناصب القيادية. وكان ﵀ عمدة في ترشيح الخريجين وتزكيتهم.
ولما أحيل للتقاعد مرت سنون لم يراجع لاستلام استحقاقه، لأنه وقلة من المشايخ خارج المملكة يتورعون عن التقاعد من دون أن يكتب فتوى في ذلك، وإنما حمل نفسه على الأشد لأن كثيرين من السلف يتورعون عن بعض المباح وباب الزهد واسع عند الأسلاف.
стр. 99
الفصل الرابع عشر صبره
١ - يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
وكان صابرا .. نزلت به كوارث شديدة فلم تضعضعه ولم تخرجه عن اتزانه وخلقه.
فقد أصيب في عام ١٣٧٦ هـ بشلل نصفي وعافاه الله منه، وأصيب بعدد من الأمراض كان فيها نعم العبد الصابر، وقتل ولده الكبير أحمد عاصم ﵀ في حرب رمضان ١٩٧٣ م، التي قامت بين اليهود ومصر، فتلقى الخبر صابرا محتسبا، وكان في مجلسه يحمد الله، ويحدث الحاضرين، وإذا غلط أحد المعزين في قول يجاوز به الحد الشرعي أنكر عليه ذلك ورده إلى الحق.
ثم توفى ولده الأصغر عبد الرحمن ﵀ فكان كذلك في غاية الصبر والرضى بقضاء الله وقدره.
ثم توفى ابنه عبد الله في ٣٠/¬٦/¬١٤٠٣ هـ فجأة في جدة، فكان أيضا مثلا في الصبر والاحتساب والتسليم.
وقد سافرت زوجته مرة إلى مصر وعندما أرادت أن تعود إلى الرياض إلى زوجها وأولادها منعت من العودة مدة طويلة، لمضايقة الشيخ وإيذائه، فصبر وصابر حتى أذن الله بالفرج وعادت إلى بيتتها.
٢ - ويقول الشيخ محمد سعد السعيد - إمام جامع سلطانة بالرياض:
وقد أصيب في عام ١٣٧٦ هـ بشلل نصفي وشفاه الله منه، ثم أصيب مرة أخرى بشلل نصفي عام ١٤١٣ هـ تقريبا وشفاه الله منه، وقد أجرى له قبل خمس سنوات تقريبا عملية في البروستات، وعملية في العين بسبب انفصال في الشبكية
стр. 100
ومنذ فترة طويلة وهو مبتلى بأمراض عدة كالتهاب المسالك البولية، وتعطل إحدى الكليتين، وضعف الأخرى، والضغط، والسكر، ومع ذلك نراه صابرا محتسبا، ولم يثنه ذلك عن طلب العلم، وتعليمه، والعناية به، وإفادة الناس وتوجيههم وإرشادهم إلى آخر أيام حياته.
٣ - ويقول الدكتور صالح بن سعود آل علي:
وقبل وفاته ﵀ كان مبتلى، ابتلاه الله سبحانه بمصائب ولكنه كان الصابر المحتسب، فإضافة إلى الأمراض التي عرضت له في العقد الأخير من عمره أصيب بثلاثة من أبنائه، وهم في ريعان الشباب: عبد الرحمن الذي كان يلازمه في شيخوخته كظله يخدمه ويساعده إذ به يفاجأ بوفاته بسبب انفجار أسطوانة غاز. وعبد الله بسكتة قلبية، ومن قبلهما أحمد أكبر أبنائه الذي جاءه نعيه قتيلا في حرب الدبابات مع إسرائيل في سيناء عام ١٩٧٣ م.
ومما يلفت النظر في جلد هذا الشيخ وصبره أنه لما جاء خبر وفاة ابنه أحمد وهو مدير ومحاضر في المعهد العالي للقضاء لم يتوقف عن برنامجه اليومي، فقد جاء إلى طلابه في مرحلة الماجستير - وكنت واحدا منهم - وألقى المحاضرة كالعهد به دون أثر أو تلعثم، وكانت بعد العصر إلى المغرب، وكان الطلاب كعادتهم بعد أن ينتهي من المحاضرة يوجهون الأسئلة واحدا تلو الآخر، وإذا به يجيب عنها دون أن يظهر عليه ما يلفت النظر. وبعد انتهاء المحاضرة خرج من القاعة ونحن وراءه، وإذا بنا نحن الطلاب نفاجأ بطابور من الأساتذة وطلاب آخرين يقابلونه ويقبلونه معزين بوفاة ابنه. ولا تسأل عن ذهولنا نحن ليس من الوفاة، ولكن لأن الشيخ لم يترك المحاضرة، لا بل لأنه لم يخبرنا، ولم يظهر عليه أي أثر للصدمة. فأقبلنا عليه مع غيرنا مواسين ومعزين فرحمه الله وغفر له.
стр. 101
الفصل الخامس عشر مزاحه
كان الشيخ ﵀ يمزح ولا يقول إلا صدقا كما كان هدي النبي ﷺ ، فكان يحب التعبير الطريف الصادق، وكثيرا ما يروي بعض المواقف التي يتعجب لها مما مر به في عمره الطويل المبارك، فمن ذلك أنه حدثني أن أحد زملائه المدرسين في المعهد كان كثير المزاح فجاء يوما وقال لهم لقد جئت اليوم على سيارة فيها (ألف تيس) فتعجبوا من ذلك إلى أن تبين أنه يقصد (الفتيس) وهو العصا التي تنقل الحركة من السرعة الأولى إلى الرابعة أو الخامسة بالسيارات.
وسئل الشيخ ﵀ عن رجل رضع من امرأته بعد زواجه عددا من الرضعات فقال لا تحرم عليه، ولو تغذى على لبنها إلى أن يموت لأنه ليس في الحولين.
وسئل عن امرأة مسنة بقي من عدة وفاة زوجها خمسة أيام وتريد أن تخرج للحج فقال لا يجوز ولو كان عمرها عمر نوح ﵇.
يقول الدكتور حمد الجنيدل:
كما كانت له نكتة حلوة طريفة يعرفها كل من عاشره مع صراحة تامة ببراءة وطهر.
ويقول الشيخ عبد الله الحكمي:
وكان رحمه - الله - يقول في وصف تغير العصر وانقلاب المفاهيم «بعض الناس الآن كنبت البصل رأسه إلى أسفل ورجلاه إلى أعلى».
وسمعت منه في كلام في عدم الجهل بما يحل ويحرم وأن الإنسان يعرف ذلك غالبا من نفسه قال: «حتى الحيوان قد يدرك ذلك ألا ترى الهرة إذا ناولتها
стр. 102
قطعة اللحم أكلتها وهي بجوارك آمنة، وإذا غافلتك وخطفتها من غير رضى منك هربت بها بعيدا عنك».
ويقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
وكان ذا روح خفيفة قلما يخلو مجلسه من إلقاء نكتة مهذبة واقعية تنشط السامع وتسره، وتؤدي غرضا توجيهيا.
ويقول الشيخ صالح بن فوزان الفوزان:
وقد أعطاه الله القدرة على إيصال المعلومات إلى أذهان الطلاب بطريقة سهلة جذابة مع جدية حازمة، وظرافة مليحة، وحفظ للوقت، وقد تأثر بهذه الطريقة كل من تتلمذ فصاروا يتميزون عن غيرهم من المدرسين.
стр. 103
الفصل السادس عشر إعراضه عن اللغو
١ - يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
كانت حياته حافلة بالجد النافع من الأعمال، فلم يكن يشغل الشيخ عن العلم والعبادة ولقاء الناس وتعليمهم شيء مما يشغل الآخرين، فلم يكن الشيخ يسمع الإذاعة ولم يكن يرى التلفاز ولم يكن يعنى بقراءة الجرائد، بل كان ينفق وقته كله في قراءة القرآن ومطالعة مسائل العلم. ونحسب أنه كان مما طال عمره وحسن عمله ولا نزكي على الله أحدا.
٢ - ويقول الشيخ عبد الله الحكمي:
وكان يكره الجدل والمراء وقل أن يسمح لمحدثه بالاستمرار في ذلك أو ينساق له.
٣ - ويقول الشيخ عبد الله العجلان:
وكان يرحمه الله إذا نقد أحدا أو موقفا أجمل في الكلام وقد يكتفي بإظهار عدم الرضا بنبرة أو كلمة مجملة أو إشارة، وإذا أثنى على شخص أو موقف فصل فيه وحدد وأبان، وإذا تكلم استرسل في كلامه سواء كان في المحاضرة أو إلقاء الدروس أو كان في الحديث العام حتى يستطيع السريع في الكتابة أن يكتب كل كلامه إذ أنه في الكلام كأنه يملي.
стр. 104
الفصل السابع عشر هيبته واحترام الناس له
١ - يقول الشيخ عبد الله العجلان:
وكان كثير الصمت يفرض احترامه على جليسه كثير التأمل شديد الملاحظة دقيق الفهم نافذ الفراسة، ويلاحظ أن أسلوبه في الحديث والصمت مختلف باختلاف المجالس والحضور في كل جلسة، وحسب الموضوعات التي يتبادلها الحضور بالبحث إلى أخبار وتحليلات وغيرها، فهو ينطلق في الحديث في المسائل العلمية وفي تحليل بعض الظواهر الاجتماعية، وهو يمسك عن الحديث إن كان الحديث في أمور الناس، ودنياهم العامة والقضايا التي ليس له فيها دخل أو تأثير، فكان مثالا في علمه وأدبه وأخلاقه وقدوة في تصرفاته، ورعا زاهدا متواضعا يندر أن يوجد في الناس مثله.
٢ - ويقول الشيخ مناع القطان:
يهاب الطلاب شخصيته، وينصتون لسماع درسه، ويحرصون على الاستفادة منه.
стр. 105
الفصل الثامن عشر تلاميذه وأثره فيهم
يقول الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء:
إن شيخنا الشيخ عبد الرزاق عفيفي - يرحمه الله - شخصية علمية فذة هو شيخ المدرسين، وقدوة العلماء السلفيين في هذا الوقت، فله الفضل بعد الله على كل متعلمي هذا الجيل ممن تخرجوا في الدراسات الشرعية في التفسير، والحديث، والعقيدة، والأصول. فقد درس في كل مراحل التعليم الثانوي والعالي، والتخصصي. وكانت طريقته في التدريس طريقة فذة نادرة، سهلة جذابة مع جدية حازمة، وظرافة مليحة، وحفظ للوقت، وقد تأثر بهذه الطريقة كل من تتلمذ عليه فصاروا يتميزون عن غيرهم من المدرسين، ولقد أفنى عمره المبارك في التدريس، و الإفتاء، وعضوية هيئة كبار العلماء والدعوة إلى الله، إذ لا يقتصر نشاطه على التدريس المنهجي، بل كان يدرس في المسجد الحرام في أوقات المواسم وفي غيره من المساجد ويحضر دروسه الجم الغفير من الناس، وكان يشارك بالقاء المحاضرات، والندوات في مختلف الأماكن، وكان يشرف على الرسائل العلمية في الماجستير، والدكتوراه، ويشارك في مناقشتها، وهكذا كان كل وقته يصرفه في نشر العلم والإفادة - حتى في آخر أيامه وهو يعاني من المرض- كان يستقبل الزائرين ويجيب عن تساؤلاتهم ويرد على أسئلة المستفتين عن طريق الهاتف
ويقول الشيخ عبد الله بن جبرين:
وقد تتلمذ عليه أكابر العلماء في هذه المملكة، واعترفوا بفضل علمه، وافتخروا بالانتماء إلى تعليمه في أغلب المراحل، كما انتفع الكثير بالفوائد التي تلقوها عنه في دروسه في المسجد وغيره.
стр. 106
ويقول الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي:
ولا أبالغ إذا قلت: إن غالب منسوبي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية من طلابه أو طلاب طلابه، بل إن هذا الوصف ينطبق على غالب العلماء في المملكة سواء أكانوا في القضاء أم التدريس أم الإفتاء والدعوة.
ويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:
فكان في هذه المملكة أستاذ جيل بحق تتلمذ عليه أبناء ما بين السبعين إلى الثلاثين، ولا يزال تلامذته مربين للأجيال أهل منابر وحلقات وتدريس وتأليف.
ويقول الشيخ عبد الله العجلان:
ولا أكون مبالغا إذا قلت: إن معظم علماء المملكة اليوم هم إما من طلابه أو ممن استفادوا منه بوجه من وجوه الاستفادة وكلهم يحفظ له حقه، وجهوده، وتعتبر وفاته خسارة عظيمة إذ إنه من كبار حملة ميراث النبوة في هذه المملكة ومن دعاة الهدى وأئمة التوجيه الصائب.
ويقول الشيخ يوسف المطلق:
وإننا وطلابه الذين منهم الوزير، والقاضي، والداعية، والأستاذ، والإداري لا نقدر على مكافأته إلا بخالص الدعاء الصالح. فبارك الله في ذريته وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء والإحسان.
ويقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
صحبته ما يزيد عن اثنين وثلاثين عاما، ما تركت مجلسه في أسبوع إلا أن يكون أحدنا مسافرا، وقلما كانت سفراتنا تطول. وقد جاورته سنين عديدة فكان نعم الأستاذ والجار. لقد تعلمت منه في هذه الصحبة أمورا كثيرة، منها ما يتعلق بالناحية العلمية، ومنها ما يتعلق بالناحية السلوكية، ومنها ما يتعلق
стр. 107
بالناحية الشخصية … لقد كنت ألجأ إليه في كل أمر من هذه الأمور، وكان يمدني بالرأي السديد، والتوجيه القويم. لقد أكرمه الله بالعقل المسدد، والعلم الواسع، والرأي المحكم.
ويقول الشيخ صالح بن سعود آل علي:
وقد شرفت بأن أكون أحد تلاميذه في كلية الشريعة، ثم في المعهد العالي للقضاء، وخبرته من قرب، ورأيت فيه ما كنت أقرأ عن علماء السلف من العلم الجم والفقه في الدين والتحلي بمبادئ هذا الدين من تواضع، وتقى، وزهد، وورع، وصبر وحب لهذه الأمة، وحرص على أن تظل كما هو مؤمل منها منارة هدى ومصدر إشعاع وموئل عز الإسلام والمسلمين.
ويقول الشيخ صفوت نور الدين:
ولقد كان الشيخ - يرحمه الله تعالى - وفي كبر سنه، منظما في علمه محافظا على وقته بين الدروس والتدريس، ومراجعة الرسائل العلمية، وإعداد الأبحاث، وتسطير الفتاوى، لا تراه أبدا إلا في عمل مثمر نافع، ولقد نفع الله بجهده فصار تلامذته من كبار العلماء والمعايشين له من الفقهاء، فلقد كان الشيخ محمد علي عبد الرحيم - يرحمه الله - وهو أسن منه يراه شيخا له وأستاذا معلما.
ويقول الشيخ زهير الشاويش:
كان من تلامذته الدكتور عبد العزيز كامل، والأستاذ عبد الرحمن الباني والدكتور محمد الصباغ، والأخ مناع القطان وغيرهم، ومجموعة من الإخوان الذين أخذوا فضائل كل جماعة وابتعدوا عن الغرور والتنطع والشذوذ والتفرد.
ويقول الشيخ مناع القطان:
وفي رحلته العلمية كانت عنايته الفائقة بتربية تلاميذه على العقيدة السلفية،
стр. 108
ونبذ البدع والخرفات والأخذ بيدهم إلى هدى الكتاب والسنة وسلف هذه الأمة، فاحتضن نخبة متميزة وتعهدها منذ الطفولة بالرعاية، واصطحبها معه حتى نمت وشبت عن الطوق، ونهجت نهجه ولعلني كنت على رأس هذه النخبة وأحب تلاميذه إليه - ولا أزكي على الله أحدا.
ومن القرية تعهدني بها منذ الطفولة انتقلت معه طالبا في معهد شبين الكوم الديني، أتلقى من فيض علمه على مقعد الدرس، وأزوره في بيته، فيختار ما يشاء من الكتب لأقرأ عليه بعض الموضوعات التي يريدها ويقف عند كل فقرة شارحا ومبينا.
الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي:
لقد عرفته ﵀ وأسكنه فسيح جناته منذ ستة وثلاثين سنة عاما، وتوطدت صلتي به في أثناء طلب العلم، والدراسة في كلية العلوم الشرعية في الرياض، ثم في المعهد العالي للقضاء، ثم في حلقات المساجد والمحاضرات في الجامعات، ومناقشة الرسائل الجامعية، وازدادت معرفتي به حينما لازمته فترة إعداد بحثي في الماجستير، حيث كان مشرفا عليه، فكان نعم الموجه والناصح، يبذل وقته وجهده ويحرص على إفادة طالب العلم.
يقول الشيخ صالح السدلان:
إن كان لي من كلمة في أخص مشايخي الشيخ عبد الرزاق عفيفي فهي أنه قد درسني كثيرا في عدد من مراحل البكالوريوس في الحديث وأصول الدين، وقام بتدريسي في المعهد العالي للقضاء لمادة أصول التفسير ودرسني الفقه في السنة الثانية بمعهد القضاء واعتبره كما يقول المثل: «قلبه فوق لسانه»، فهو لا يتكلم إلا بعد معرفته ما يقول، ويعتبر من العلماء الأوائل
стр. 109
ويقول الشيخ عبد الله العجلان:
لقد عرفت هذا الرجل أستاذا في علوم الشريعة، واستمعت لدروسه، وتلقيت عنه في فترات مختلفة، فأدركت مكانته العلمية وصدق لهجته، وسداد توجيهه وجاورته في السكن فكان خير جار، ورافقته في السفر فكان نعم الرفيق والمؤانس، وجالسته فرأيت فيه حسن الأدب وصواب الرأي
ويقول الشيخ سعود الفنيسان:
كان لي الشرف بأن قام الشيخ بالإشراف على رسالة الدكتوراه، حيث استفدت منه في أثناء جلسات عدة معه من خلال ما لديه من معلومات وملاحظات ما لم أستفده في سني دراستي الجامعية كلها وما دونها وما بعدها، وقد كان للشيخ فضل في توحيد وتأسيس منهج الدراسات العليا في الجامعة وبالأخص في تخصصي التفسير وأصول الفقه، وكان من المقربين والمحبوبين جدا من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز إلى آخر لحظة في حياته
ومما جاء في جريدة المسلمون بتاريخ ٤/¬٤/¬١٤١٥ هـ:
والجدير بالذكر أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي يعتبر شيخا لجل كبار علماء المملكة كالشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ صالح اللحيدان، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد الله بن حسن بن قعود، والشيخ إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد الله بن جبرين، والشيخ صالح الأطرم، والشيخ الدكتور عبد الله التركي، والشيخ صالح السدلان، والشيخ راشد بن خنين، والشيخ على الرومي، والشيخ مناع القطان، وغيرهم كثيرون
١٧ - ومن تلاميذ الشيخ عبد الرزاق أيضا فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس إمام وخطيب الحرم المكي، الذي درس على الشيخ في الجامعة، وكان الشيخ عبد الرزاق مشرفا على رسالته في الماجستير.
وقد ألقى الشيخ السديس محاضرة في مدينة جدة في رثاء الشيخ عبد الرزاق عقب وفاته ﵀
стр. 110
الفصل التاسع عشر مؤلفاته وموقفه من التأليف
لقد كان للشيخ ﵀ موقف من تأليف الكتب في هذا العصر لا يوافقه عليه أغلب العلماء، فقد كان يرى أن تصانيف السلف فيها الكفاية، وأنه لا حاجة للمزيد عليها، وأن الأولى أن تنصرف الهمة إلى دراسة كتب السلف، وتدريسها بدلا من الانشغال عنها بمؤلفات المعاصرين، ولعل عذر الشيخ في ذلك أن أكثر المؤلفات في هذا العصر قليلة القيمة لا تعدو أن تكون تكرارا لكلام السابقين، وليت هذا التكرار يسلم من التشويه، والتحريف، لكن لا ريب أنه ظهر في هذا العصر من المؤلفات العظيمة ما كانت المكتبة الإسلامية تفتقد إليه، منه ما هو أبحاث في مسائل عصرية تحتاج إلى تخريجها على أشباهها ونظائرها في كتب الفقه الإسلامي، ومنها ما هو اختصار، أو تهذيب لكتاب من كتب السلف ييسر تحصيل الفائدة منه عند أكبر عدد، ومنه ما هو شرح يحل غوامض كتب السلف التي يتعذر على أكثر المبتدئين فهم عباراتها، ومنها أعمال موسوعية تجمع شتات ما كتبه عالم في مكان واحد، أو تجمع شتات ما كتب عن مسألة يثور حولها الجدل في مكان واحد، ومنها ما هو تكميل لعمل بدأه أحد السلف ولم يكمله لعذر ما، إلى غير ذلك من فوائد التصنيف وهي كثيرة جدا، ولكن على كل حال فهذه كانت وجهة نظر الشيخ، وقد أخبرني الشيخ أنه لا يحب كتابة كلامه، وأنه استغنى عن كثير من كتبه، وأنه لا يكتب عليها من الهوامش إلا القليل، وكان يقول لي: صاحب الكتاب خير من صاحب الكتب، وكثرة الكتب عند الرجل علامة على جهله يقصد أن الذي يدرس كتابا موسعا في الفقه مثلا ويظل دائما يكرر قراءته ودراسته وتدريسه حتى يحفظه خير من الذي يشتت نفسه في كتب كثيرة لا يتقن شيئا منها. والله أعلم بالصواب
следующие страницы →