← Фатава

Фатава · id 8613

فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي

عبد الرزاق عفيفي

Полный текст (618 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

القاذورات والأوساخ، والذي يسقط في الطعام أو الشراب، وبهذا الفهم أيضا هو ما يقصده الأطباء، فهو ليس عاما إذن في كل ما يطير بجناحيه. ثانيا: أن الرسول ﷺ أخبرنا في هذا الحديث أن في إحدى جناحيه داء والأخرى دواء، وهذا يدلنا على أن المراد بالجناح جناح هذا الذباب الذي ذكره الرسول ﵊، والرسول ﷺ لم يخبر فيه هذا عن كونه دواء لغير هذا الداء؛ لأنه يعلل ما ذكر في كلامه بالغمس ولم يجعل ﷺ هذا تعليلا عاما لعلاج كل داء، إنما ذكره بمناسبة الداء الذي في جناح الذبابة يقول: «فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء». إذن فقوله ﷺ عن دواء في الجناح هو دواء للداء الذي نزل من الجناح الآخر، ولا يصح أن يقال: إن هذا يتعدى إلى علاج داء آخر إلا بدليل، فالأصل أن ذلك يخص ما ذكر في الخبر ولا يجوز تعديه إلى غيره، مثل أي طبيب يقول: هذا الدواء لهذا الداء، فلو ذهبت إلى الصيدلية لوجدتها مملوءة بالأدوية وكل ما فيها يقال إنه دواء، لكن لا يستعمل كل دواء في الصيدلية لكل داء أيا كان، بل الأدوية التي في الصيدلية موزعة على الأدواء والأمراض وفق خاصية الداء وخاصية الدواء. وعلى هذا فلا بد للإنسان أن يقف عند ما أخبر به الرسول ﵊ دون أن يتجاوزه بجعل هذا الدواء دواء لكل داء.

стр. 282

الجمع بين حديث الذباب وحديث أنتم أعلم بأمور دنياكم س ٤: كيف نجمع بين حديث الذباب وبين قوله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم «أنتم أعلم بأمور دنياكم». الجواب: كان الرسول ﷺ في أرض عربية، والبلاد بلاد نخيل، وهو يعرف شيئا ما عن هذا في الجملة، ولا أقول إنه يعرف كمعرفة الزراع أو أرباب النخيل والثمار، لكنه مطلع على ذلك في الجملة، والرسول ﵊ ما قال أنا أعلم بأمور دنياكم، بل نفى أنه أعلم بأمور الدنيا منهم، نفى هذا في مسألة النخيل وفي غيرها، فالشئون التي تتصل بالدنيا هم فيها أعلم، وإنما يعلم منها ما أوحى الله به إليه. وحيث إن الشيء الذي قاله ﵊ وأشباهه مما رجع عنه هو الأمور الاجتهادية، فهذا يدلنا على أنه قال فيها باجتهاده، ولهذا رجع عنها، أما الذي لا مدخل للاجتهاد فيه مثل حديث الذباب إنما قاله عن طريق الوحي، بدليل التعليم الذي أشعر بذلك كما تقدم في السؤال السابق. وحيث إنه لم يقل فيه ﷺ : «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، ولم يرجع عنه، ولم يعارضه أحد فهذا محمول على أنه وحي من الله. أما ما كان في مسألة النخيل فهو من الأمور التي تؤخذ بالتجارب، وكذلك

стр. 283

مسألة النزول على غير ماء بدر، حين قال الصحابة ﵃: «أهو الرأي أو هو من الله؟ فقال: هذا هو الرأي، قالوا: لا، الرأي أن ننزل على الماء»، وهذا يبين أنه أمر اجتهادي. فالأمور التي فيها مجال للاجتهاد ومنها تأبير النخل يمكن أن يقول فيها باجتهاده، فإذا أخطأ قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، والأمور التي لا مجال لمثله للاجتهاد فيها يتبين لنا أنها وحي من الله، ويؤيد هذا التعليل أنه ﷺ أمي ولا عهد لأمته بالطب الذي من هذا الجنس ولا تجارب عندهم في هذا، وخوضه فيه لا يليق برسالته؛ لأنه يكون مجازفا بنى شيئا على غير تجربة، ولا مجال لأمثاله في أن يجرب في مثل هذا، ثم قال ﷺ : «فإن أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» وهذا أمر لا يعلم إلا عن طريق تحليل جناح الذباب، فمن أجل هذا قلت: إن هذا وحي من السماء. أما مسألة تأبير النخل في الحديث المذكور، ففيها نوع من الاجتهاد قد أخطأ فيه ﷺ ، فهو قد يخطئ في الأمور الاجتهادية من شئون الدنيا، ويهيئ الله له من يتكلم معه ويناقشه فيرجع عن خطئه إلى ما هم عليه من صواب، فمن أجل ذلك قال ﷺ : «أنتم أعلم بأمور دنياكم» وهذا في الأمور التي تكتسب بالخبرة وغيرها. ومن جهة أخرى مسألة الذباب لم ينته الأطباء وأهل الاختصاص فيها إلى رأي واحد، بل ما زالت إلى اليوم محل بحث ومحل تجربة، وأكثر ما فيها الاستقذار، وسقوط الذباب على الأوساخ وعلى الأذى، وأن النفس تعاف الطعام أو الشراب الذي سقط فيه وقد قلنا: إن الرسول ﵊ لم

стр. 284

يأمر المسلم أن يأكل أو يشرب ما وقع فيه الذباب، وعلى ذلك فهو حر إن شاء أكله أو شربه وإن شاء أعطاه غيره، فلا إشكال في الأمر، وكل ما أمره به أن يغمسه؛ لأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء. س ٥: ما حكم من ابتلع من الشراب أو من الأكل الذي وقع عليه الذباب ثم قاءه مع إيمانه بالحديث؟. الجواب: هذا أشرت إليه في الجواب السابق، وقلت: إن الرسول ﵊ ما أمر أحدا بأن يأكله، إنما بين لهم الفائدة في غمسه وأن ما فيه من داء يعالج بما فيه من دواء، ولم يأمر من غمسه بأكله، فهذا إليه إن استقذره فهو غير ملزم بأكله لكنه يعطيه من يطعمه ولا يستقذره ولا يضيع ماله.

стр. 285

حكم من رد السنة جملة وتفصيلا س ٦: كيف ترون التعامل مع من يرد سنة النبي ﷺ سواء كان ذلك جملة أو تفصيلا خاصة وأن من هؤلاء من يتولون الحكم في بعض بلاد المسلمين اليوم؟ الجواب: الحكم فيمن رد السنة جملة -أي كلها- فهو كافر؛ فمن لم يقبل منها إلا ما كان في القرآن فهو كافر؛ لأنه معارض للقرآن، مناقض لآيات القرآن، والله تعالى يقول: ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾، ويقول تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ ويقول: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾. وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ ويقول تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، فقوله: ﴿فاتبعوني﴾ هذا عام، فحد المفعول طريق من طرق إفادة العموم، ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ وما من صيغ العموم، وقوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم﴾ أي: تنازع الرعية، وأولو الأمر من العلماء والحكام ﴿في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾، فلم يجعله إلى الله وحده، بل جعله إلى الله وإلى الرسول، ورده إلى الله رده إلى كتاب الله، ورده إلى الرسول بعد وفاته رده إلى سنته ﵊، فدعواه أنه يعمل بالقرآن عقيدة وعملا ويرد السنة جملة - هذه الطائفة التي تسمي نفسها " القرآنية "- دعوة باطلة، وهو مناقض لنفسه؛ لأنه كذب آيات

стр. 286

القرآن التي فيها الأمر باتباع الرسول ﷺ ، وأخذ ما جاء به، وطاعته فيما جاء به من عند الله عموما دون أن يخص آيات القرآن، ثم هو في الوقت نفسه كيف يصلي؟، وكيف يحدد أوقات الصلوات؟، وكيف يحج بيت الله الحرام؟ فليس هناك إلا أركان محدودة من الحج في سورة البقرة، وكذلك أين أنصبة الزكاة؟ وكيف يزكي؟ كل هذه التفاصيل موجودة في السنة وليست في القرآن، فمن يدعي أنه يأخذ بالقرآن ولا يأخذ بالسنة فإنه مغالط ومناقض لنفسه، ومناقض للقرآن؛ لأنه رد آياته الكثيرة التي ورد فيها الأمر بطاعة الرسول ﵊ والأخذ بما جاء به، ومناقض لإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم جميعا لم يشذ واحد منهم عن الأخذ بالسنة، فإذا هو كافر بالقرآن وإن ادعى أنه مؤمن به، والكافر بآية منه كالكافر بكل آياته، كافر بالإجماع منكر له، أي: إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، فما فيهم واحد شذ عن السنة وأنكرها جملة وإذا أنكر أحدهم شيئا فإنما ينكر حديثا من جهة الراوي لا من جهة أنه كلام الرسول ﵊، أي: السنة. وهذا أيضا لا يقوى على أن يقوم بالصلوات الخمس على وجهها المعلوم من الدين بالضرورة، فصلاة العصر أربع ركعات، وصلاة الصبح ركعتين لا يجد هذا في كتاب الله فمن أين جاء هذا؟ ما جاء إلا من تعليم جبريل للرسول ﵊، وتعليم الرسول ﵊ لأصحابه، فمن أين يأتي بهذا؟ فهذا مجمل الرد عليه، وإثبات أنه كافر بالقرآن، كافر بالإجماع اليقيني، كافر بالمعلوم من الدين بالضرورة، من مثل أن ركعات الظهر أربع،

стр. 287

والعصر أربع، والعشاء أربع، والمغرب ثلاث، والصبح ركعتان، وكافر أيضا بتفاصيل الصيام؛ لأنها ليست في القرآن، وهي معلومة من الدين بالضرورة، فلذلك كان كافرا. الاجتهاد شيء ورد الأحاديث شيء آخر: أما الذي ينكر حديثا ما لعلة في سنده ويختلف فيها مع غيره من رجال الحديث، فهذا نوع من الاجتهاد يقال فيه أخطأ وأصاب، ولا يقال فيه آمن وكفر. وكذلك إذا رد ظاهر الحديث متأولا له تأويلا تسوغه اللغة العربية، ففسره بمعنى مختلف عن المعنى الذي فسره به غيره، فهذا حمله على الظاهر وهذا تأوله، فهذا لا يقال فيه آمن وكفر، إنما يقال أخطأ وأصاب، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد، ويلزمه العمل بما اعتقده، وإن كان خطأ في نفسه، ودليل ذلك حدث في زمن الرسول ﷺ في الذهاب إلى بني قريظة، حين قال: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» فاجتهد الصحابة، فبعضهم أخر العصر على ظاهر الحديث مثل ما يقول ابن حزم: لو كنت معهم ما صليت العصر إلا في بني قريظة؛ لأنه ظاهري، وقال بعضهم: إن النبي ﷺ لم يرد منا هذا ولكن أراد منا السرعة والمبادرة، ولم يرد منا أن نترك الصلاة في وقتها هذا فرض وذاك فرض، وفريضة الصلاة لا يسقطها الجهاد، فنصلي ثم نسرع ولا نتمهل، وصلوا في الوقت، ولما اجتمعوا عند النبي ﷺ لم يعنف طائفة من الطائفتين، لا المخطئة ولا المصيبة، لا التي أخرت ولا التي عجلت. هذا دليل على أن الأحاديث التي هي مجال للاجتهاد يقال في الخلاف فيها أخطأ وأصاب، ولا يقال آمن وكفر، ويعذر من أخطأ، وعمله الذي بناه على اجتهاده الخاطئ صحيح.

стр. 288

والثاني المصيب أيضا معروف واضح أنه يؤجر أجرين ويجب عليه العمل باجتهاده. القصد أن من ينكر الحديث من سنده للاختلاف بينه وبين غيره في توفر أسباب القبول وعدم توفرها، هذا لا نقول له: إنك آمنت أو كفرت، بل نقول له: أخطأت أو أصبت، وكذلك لو تأول متنا وفيه مجال للاجتهاد يقال فيه: أخطأ وأصاب. حكم من خالف معلوما من الدين بالضرورة: أما أن يأتي بأمر يخالف صريح السنة التي لا تحتمل تأويلا مثل صلاة أربع ركعات، يقول هذه تصلى ركعتين، نقول له: لا، أنت خالفت معلوما من الدين بالضرورة، فأنت كافر، وكذلك من يقول: إن الصلوات في اليوم والليلة صلاتان فقط، صلاة في النهار، وصلاة في الليل، ويذكر القرآن؛ لأن فيه الصلاة أول النهار وآخر النهار، وصلاة من الليل ففيه ثلاث صلوات، واحدة في الليل بنص القرآن، وواحدة في الغدو، وواحدة في الآصال، فيصلي ثلاث صلوات بنص القرآن، ويضيع صلاة الظهر لأنها ليست في الغدو، ويضيع واحدة من الصلاتين بالليل، فهذا نقول له أنت أنكرت معلوما من الدين بالضرورة، وإن لم يكن في القرآن لكنه ثابت متواتر تواترا عمليا وتواترا قوليا، فإنكارك إياه مثل إنكارك للقرآن، فهذا نقول له: إنه كافر؛ لأنه خالف معلوما من الدين بالضرورة. وأما إن أنكر شيئا واحدا؛ أنكر حديثا واحدا، أو عملا واحدا، مثل من ينكر صلاة الوتر -ولا أقول هذا في الفرائض- سواء قلنا: إن الوتر واجب، والواجب أقل من الفرض، أو قلنا: الوتر سنة مؤكدة، من ينكر صلاة الوتر فهو كافر، أنكر سنة عن النبي ﷺ معلومة من الدين بالضرورة، وأنا ما أخص هذا بالفرائض

стр. 289

الخمس، يعني الكلام ليس على درجة أهو فرض أو سنة، فمن ينكر أن هناك رواتب للفرائض، ركعتان قبل، وركعتان بعد، من ينكر أن هناك تهجد الليل هذا أنكر معلوما من الدين بالضرورة، بعضه في القرآن وبعضه في السنة، فيقال: كافر. فما كان فيه مجال للاجتهاد، يقال فيه أخطأ وأصاب ولا يقال فيه آمن وكفر، وما لم يكن فيه مجال للاجتهاد وهو ثابت ثبوتا قطعيا أو معلوما من الدين بالضرورة فهو كافر، وإن كان الذي أنكره شيئا واحدا وإن لم يكن أصله في القرآن، هذا هو حكم الصنفين من أنكر الجملة ومن أنكر البعض هذا هو التفصيل. س ٧: هل يجوز للمسلم أن يتمسك برأيه إذا كان مخطئا ولكنه مجتهد في ذلك؟ وهل يقبل منه ذلك شرعا بحجة أنه مجتهد؟ الجواب: المجتهد إذا رأى رأيا ولو خطأ وله وجهة من جهة اللغة، ومن جهة مقاصد الشرع - فله أن يتمسك برأيه، ولو كان خطأ في الواقع لكنه لم يتبين له خطؤه، وما قامت عليه الحجة، أما إذا تبينت له الحجة، فيجب عليه أن يرجع عن رأيه ولو كان مجتهدا، والحق أحق أن يتبع، أما الذي لا دراية له ولا قدرة له على الاجتهاد إنما هو يعتمد في تفكيره في دنياه وآخرته على غيره، فهذا ليس له أن يتعصب لمذهب، أو أن يتعصب لرأي، بل عليه أن يضع يده كالأعمى على كتف غيره ممن يثق بهم، يعني يجتهد في اختيار الشخصيات المأمونة المعروفة بالاجتهاد والإصابة في الجملة، عليه أن يجتهد في اختيار الأفراد أن يجتهد في النصوص؛ لأنه ليست عنده تلك القوة التي تؤهله للاستنباط من كتاب الله أو سنة رسوله الصحيحة.

стр. 290

الشبهة الرابعة شبهة أخرى والجواب عليها س ٨: ما حكم من يقول إن بعض الأحاديث تنكر بعضها؟ الجواب: الرسول ﵊ ليس برجل بدوي يخبط خبطا عشوائيا وهو أمي وأمته أمية فلا يمكن أن يتكلم بتخمين؛ فكونه يخبر بأن الذباب في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، لا يمكن أن يتكلم به عن طريق اجتهاد في أمر لا يعنيه وليس من شأنه، إنما يتكلم فيه عن وحي، ولذلك علل وقال: «في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» فالمسألة ليست مسألة اجتهاد، إنما هو وحي من الله، فمثله لا يمكن أن يدخل فيه باجتهاده، وهو أمي في أمة أمية يقول في أحد جناحي الذباب داء وفي الآخر دواء، وليس هناك من أمة العرب من يدري عن خواص الذباب ولا خواص ما في أجنحته، هذا لا يمكن أن يقوله رسول من عند نفسه في شأن من شئونه، إنما هو وحي من الله أوحى به إلى رسوله فتكلم به. أما موضوع التلقيح فهم رجال نخل في بلاد العرب - وهم رجال التمور، وقد يدخل في مثل هذا باجتهاده، كما دخل في مسألة النزول في ميدان القتال واجتهد، ولما أراد أن يصطلح مع قريش والأحزاب لما جاءت إلى المدينة في غزوة الأحزاب، وأن يبرم معهم صلحا، وأن ينزل لهم عن بعض الشيء من ثمار المدينة فأبى الأنصار فرجع إلى رأي الأنصار الذي أشاروا به وكانت الحرب، هذا فيه مجال للاجتهاد فيمكن أن يقول فيه برأيه، ويمكن أن يظهر له خطؤه وأن يرجع عنه. أما الذي لا يحق لمثله الدخول فيه أصلا هي الأمور الغيبية التي لا تدرك بالنظر والخبرة والاجتهاد وذلك مثل قوله: «في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء». هذا لا يمكن أن يكون مما يدرك ويقال بالظن والاجتهاد، ولا يجترئ عليه وهو أمي، بل لا بد أن يكون بوحي من الله.

стр. 291

فالذين يقولون: هذا الكلام ينظرون إلى كلمات المشوشين في الموضوع. الذين يقولون: إنما بعث للتشريع وهذا صحيح، ولكنه أيضا أحيانا يخبر بأمور غيبية فيها مصلحة المسلمين وفيها علاج مثل علاج بالرقية، وهذا لا يقول به الأطباء، فالأطباء لا يقولون بالكي وهم يكوون، أي يعالجون بالكي وهم ينكرون الكي ويسجنون من كوى وسلم نفسه للكي، فهم يعالجون بعض الأدواء بالكي لكنه لا يسلخ الجلد وذلك بالكهرباء، والعرب يعالجون بالكي، فهم يعالجون بالكي وهو أسرع -من جهة السبب- في العلاج، والعلاج بالكهرباء بطيء، وذلك مثل الشلل فهو يعالج بالكي وهم يعالجونه بالكهرباء، فهذا فقط نوع من العلاج لا يسلخ الجلد ولا يوجد جرح، وذلك نوع من العلاج البدائي أخبر به الرسول ﵊، يقول: «إن كان الشفاء في شيء ففي ثلاث وذكر منها الكي» هل أتبع أولئك وأقول هذا ليس من فنه؟ أم أن التجربة أيضا

стр. 292

أثبتت أن هذا يعالج به، فأتخير الشخص الذي يكوى. كذلك الرقية هل يؤمن بها الأطباء؟! هم يتبعون الفرنجة الكفرة فلا يعملون بالرقية، والرقية ثابتة شرعا، وهي نوع من العلاج، نوع من التشريع، ورسول الله ﷺ جاء للتشريع. ولا يقال: ما الذي أدخله في الرقية والعلاج؟ وما الذي يدخله في حل السحر؟ وما الذي يدخله في الإثمد وأنه خير أنواع العلاج للعين؟ فهذه الأمور دخل فيها بحالتين: أ - منها ما يرجع إلى التجربة في قومه. ب - ومنها ما يرجع إلى الوحي. فالأحاديث التي قامت القرائن على أنها من الوحي نؤمن به ونكذب الأطباء؛ لأن الأطباء يجهلون سبب وعلاج كثير من الأمراض الموجودة ولم يصلوا إلى شيء يشفي منها كالسرطان وغيره، ويوجد كثير من الأشياء ما وصلوا إليها في الوقت الحاضر، وآفات كثيرة ما وصلوا إلى علاجها، وقد يكشف طبيب أو

стр. 293

جملة من الأطباء ويشخصون مرضا ويتبين أن المرض على خلاف ما شخصوا، وهم جملة، فهم يخطئون. القصد أنني أتهم الأطباء، ولا أتهم الله، ولا أتهم رسوله، ولا أتهم علماء المسلمين العدول، الذين ضبطوا ما نقلوا بسند متصل، ولم ينقض كلام بعضهم بعضا، وليس هناك تعارض بينهم، وبين القرآن، فأنا أثق بهم أكثر من ثقتي بالأطباء مهما كانوا أقوياء ونابهين. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

стр. 294

٩ - وجوب تقديم نصوص الكتاب والسنة على العقل الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه … وبعد. فإن نبينا محمدا ﷺ قد أيده الله بروح من عنده، أيده في التشريع بالوحي وعصمه في الإخبار عن الكذب، فلا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى وما كان منه ﵊ عن اجتهاد أقره الله تعالى عليه إن أصاب فيه، وكشف له عن الحق وأبان له الصواب إن أخطأ، فكان بفضل الله وتوفيقه على بينة وبصيرة من أمره على كل حال، لم يكله الله لنفسه، ولم يدعه لحسن تفكيره، بل هداه سبحانه في كل شئونه إلى سواء السبيل. لقد أنزل الله عليه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وأوحى إليه من الأحاديث ما فيه بيان لما أجمل في القرآن، وتفصيل لقواعده، وشرح للعقائد والشرائع، فضلا من الله ورحمة والله عليم حكيم. قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾. فوجب تصديق ما جاء في كتاب الله وما صح من الأحاديث عن رسول الله ﷺ وتحكيمها في كل شأن من الشئون، والرضا والتسليم لحكمها دون حرج أو ضيق في الصدور تحقيقا للإيمان، وتطهيرا للقلوب من درن الشك والنفاق قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾.

стр. 295

ولا يغترن إنسان بما آتاه الله من قوة في العقل وسعة في التفكير، وبسطة في العلم، فيجعل عقله أصلا، ونصوص الكتاب والسنة الثابتة فرعا، فما وافق منها عقله قبله واتخذه دينا، وما خالفه منها لوى به لسانه وحرفه عن موضعه، وأوله على غير تأويله إن لم يسعه إنكاره، وإلا رده ما وجد في ظنه إلى ذلك سبيلا -ثقة بعقله- واطمئنانا إلى القواعد التي أصلها بتفكيره واتهاما لرسول الله ﷺ ، أو تحديدا لمهمة رسالته وتضييقا لدائرة ما يجب اتباعه فيه واتهاما لثقاة الأمة وعدولها، وأئمة العلم، وأهل الأمانة الذين نقلوا إلينا نصوص الشريعة ووصلت إلينا عن طريقهم قولا وعملا. فإن في ذلك قلبا للحقائق، وإهدارا للإنصاف مع كونه ذريعة إلى تقويض دعائم الشريعة والقضاء على أصولها؛ إذ طبائع الناس مختلفة واستعدادهم الفكري متفاوت وعقولهم متباينة، وقد تتسلط عليهم الأهواء، ويشوب تفكيرهم الأغراض، فلا يكادون يتفقون على شيء، اللهم إلا ما كان من الحسيات أو الضروريات، فأي عقل يجعل أصلا يحكم في نصوص الشريعة فترد أو تنزل على مقتضاه فهما وتأويلا. أعقل الخوارج في الخروج على الولاة، وإشاعة الفوضى وإباحة الدماء؟ أم عقل الجهمية في تأويل نصوص الاستواء والصفقات وتحريفها عن موضعها وفي القول بالجبر. أم عقل المعتزلة ومن وافقهم في تأويل نصوص أسماء الله وصفاته ونصوص القضاء والقدر وإنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة؟ أم عقل الغلاة في إثبات الأسماء والصفات، والغلاة في سلب المكلفين المشيئة على الأعمال. أم عقل من قالوا بوحدة الوجود … إلخ.

стр. 296

ولقد أحسن العلامة أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀ إذ يقول: "ثم المخالفون للكتاب والسنة، وسلف الأمة من المتأولين لهذا الباب في أمر مريج، فإن من أنكر الرؤيا يزعم أن العقل يحيلها، وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علما وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقيين في الجنة، يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل. ويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل، بل منهم من يزعم أن العقل جوز وأوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله، فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة، فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أوكلما جاء رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء؟ انتهى. هذا وإن فريقا ممن قدسوا عقولهم، وخدعتهم أنفسهم، واتهموا سنة نبيهم قد أنكروا رفع الله نبيه عيسى ابن مريم ﵇ إلى السماء حيا بدنا وروحا، ونزوله آخر الزمان حكما وعدلا، لا لشيء سوى اتباع ما تشابه من الآيات دون ردها إلى المحكم منها، اتباعا لما ظنوه دليلا عقليا؛ وما هو إلا وهم وخيال. وردوا ما ثبت من سنة النبي ﷺ نزولا على أصل أصلوه من عند أنفسهم من أن العقائد لا يستدل عليها بأحاديث الآحاد، واتهامها لبعض الصحابة ومن إليهم فيما نقلوا من الأحاديث في جرأة منهم على الثقات الأمناء من أهل العلم

стр. 297

والعرفان دون حجة أو برهان. وتطاولوا على علماء الحديث وتناولوا رجال الجرح والتعديل بألسنة حداد جهلا منهم بما قدموه من خدمة للدين وحفظ الأصل الثاني من أصول الإسلام وهو السنة النبوية وعجزا منهم عن أن يبخسوا ما دون أولئك الأئمة الأخيار من كتب في قواعد علوم الحديث ودواوين في تاريخ رواة الحديث، وبيان درجاتهم، ومراتبهم في الرواية، وطبقاتهم ومواليدهم ووفياتهم، ولقاء بعضهم بعضا أو سماعه تمييزا لمن تقبل روايته ممن ترد روايته، وما يقبل من الأحاديث وما يرد، وذبا عن السنة النبوية وحفاظا عليها.

стр. 298

١٠ - مبدأ وميثاق ووجوب التزام عقيدة السلف الإسلام عقيدة وقول وعمل، فالعقيدة إيمان راسخ بأن الله رب كل شيء، ومليكه، خلقا، وتقديرا، وملكا، وتدبيرا، وأن العبادة بجميع أنواعها حق له، وحده لا يشركه فيها ملك مقرب، ولا نبي مرسل. فله سبحانه الأسماء الحسنى والصفات العليا التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة الصحيحة. ترى جماعة أنصار السنة المحمدية أن تمر هذه النصوص كما جاءت اقتداء منهم فيها بسلف هذه الأمة، وخير قرونها فيفسرونها بمعانيها التي تدل عليها حقيقة في لغة العرب التي بها نزل القرآن، وكانت لسان النبي ﵊ مع تفويض العلم بكيفياتها إلى الله من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ ولا يلزم من ذلك تشبيه الله بعباده، كما لم يلزم ذلك من الإيمان بذات له تعالى على الحقيقة، مع الكف عن الخوض في كنهها. وذلك لأن الله أعلم بنفسه من خلقه، وأرحم بهم منهم بأنفسهم، وكلامه أبلغ كلام وأبينه، وله سبحانه الحكمة البالغة فيستحيل أن تتوارد النصوص وتتابع الآيات، والأحاديث على إثبات أسماء الله وصفاته بطريقة ظاهرة واضحة، ويكون المراد منها غير ما دلت عليه حقيقة، ويقصد الله منها أو يقصد رسوله ﵊ إلى معان مجازية من غير أن ينصب من كلامه دليلا على ما أراد من المعاني المجازية اعتمادا على ما أودعه عباده من العقل وقوة

стр. 299

الفكر، فإن ذلك لا يتفق مع كمال علمه تعالى وسعة رحمته، وفصاحة كلامه، وقوة بيانه، وبالغ حكمته؛ ولأن يتركهم الله دون أن يعرفهم بنفسه، ويعرفهم به رسوله ﵊ بوحيه، خير لهم وأيسر سبيلا لعدم وجود المعارض للشبه الباطلة التي زعموها أدلة وبراهين، وما هي إلا الخيالات ووساوس الشياطين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فمن جحد شيئا من هذه النصوص، أو تأولها على معان مجازية من غير دليل يرشد إلى ما تأولها عليه فقد ألحد في آيات الله، وأسمائه، وصفاته، وحق عليه ما توعد الله به الملحدين في ذلك بقوله: ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا﴾ ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾. وقد زادت السنة عن نصوص الكتاب في إثبات الأسماء، والصفات توكيدا، وبيانا فقضت على قول كل متأول يحرف كلام الله عن مواضعه، كما فعلت اليهود في تحريفها لكتاب ربها وتلاعبها بشريعة نبيها. العقيدة الصحيحة توجب إخلاص العبادة لله، وإفراده تعالى بجميع أنواعها ما ظهر منها كالصلاة، والزكاة، والحج، وما بطن منها التوكل على الله، والإنابة إليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عقابه ونقمته، والاستغاثة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من الأقوال، والأعمال، والأخلاق التي تدخل في مسمى الإسلام، كما تدخل العقيدة وإن تفاوتت منازلها في الدين وكان لكل منها درجة نخصها حسب ما يتوقف عليها من العبادة، وما يتبعها من الآثار.

стр. 300

إن العقيدة السليمة الخالصة التي تستمد من الكتاب والسنة، ولا يخالطها شيء من شوائب الشرك، وألوان البدع، والخرافات لتبعث من دان لله إلى العمل الصالح، والأخلاق الفاضلة، والآداب السامية، وتجعل منه رجلا مثاليا في الحياة، إن حكم عدل، وإن قال فقوله سديد، وإن عمل كان على جادة الكتاب والسنة، وإن عاشر الناس: وجدوا منه خير سيرة، فمظهره يشرح للناس الإسلام، ويفسره تفسيرا عمليا بقوله وعمله وخلقه، ومن ضعف يقينه أو كانت عقيدته مدخولة قد شابها كثير من البدع والخرافات، أو غلب عليه الغرور والاعتداد برأيه، وإن خالف وحي السماء، أو طغت عليه الشبه، واستولت عليه الشكوك والأوهام، ضرب في كل واد وأخذ في بنيات الطريق وضل السبيل. من أجل ذلك نجد جماعة أنصار السنة المحمدية يكثرون من الكلام في التوحيد في دروسهم، وخطبهم، وقادة الإصلاح المؤيدون من الله بوحيه ونصره، أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام. هذا وإن جماعة أنصار السنة المحمدية قد أخذت على نفسها أن تعتصم بكتاب الله، وتهتدي بهدي الرسول ﷺ ، وتجعل سيرة السلف الصالح نصب أعينها عقيدة، وقولا، وعملا لا تؤثر على ذلك شيئا، ولا ترضى به بديلا من آراء الرجال الضالة، وأهوائهم الزائفة، عملا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾ وما في معناه من الآيات والأحاديث، والتزمت ما ألزمها الله به من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وعهدت إلي برئاسة الجماعة بعد وفاة مؤسسها بمصر، ورئيسها السابق، فضيلة الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ رحمة واسعة، وجزاه عن الدعوة إلى الدين، ونشر التوحيد خير الجزاء

стр. 301

فكان لزاما علي أن أقوم بهذا الواجب وأسير بالجماعة على هدي كتاب الله، وسنة رسوله ﵊، ابتغاء مرضاة الله في نشر دينه، وتحقيقا لمبدأ التعاون في نصرة الحق. وأرجو الله أن يهيئ لنا جميعا من أمرنا رشدا، وأن يلهمنا الرشد والصواب في القول والعمل، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 302

١١ - مبحث في وجوب محبة أصحاب رسول الله ﷺ وموالاتهم والرد على الروافض والنواصب واعلم أن أهل السنة والجماعة يحبون أصحاب رسول الله ﷺ ويثنون عليهم ويترضون عنهم، كما أثنى الله عليهم وترضى عنهم، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ وقال: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ وقال: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ إلى آخر السورة، وقال: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾ الآيات إلى قوله: ﴿إنك رءوف رحيم﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي وردت في ثناء الله عليهم وترغيب المؤمنين في حبهم والدعاء لهم ولمن تبعهم بإحسان، وهم متفاوتون فيما بينهم، فبعضهم فوق بعض درجات، فأعلاهم درجة أهل بيعة الرضوان، وكل من آمن قبل فتح مكة وأنفق في سبيل الله وقاتل لإعلاء كلمة الله، قال الله تعالى: ﴿وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير﴾. وعن أبي سعيد الخدري

стр. 303

﵁ أنه كان بين عبد الرحمن بن عوف، وبين خالد بن الوليد شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ : «لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» رواه مسلم، فدل الحديث على أن من أسلم قبل فتح مكة وقبل صلح الحديبية كعبد الرحمن بن عوف أفضل ممن أسلم بعد صلح الحديبية وبعد فتح مكة كخالد بن الوليد، وإذا كان حال خالد بن الوليد ومن أسلم معه أو بعده من الصحابة بالنسبة لعبد الرحمن بن عوف والسابقين معه إلى الإسلام هو ما ذكر في الحديث، فكيف بحال من جاء بعد الصحابة بالنسبة إلى الصحابة، ﵃، وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: قال: النبي ﷺ : «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة»، وفي حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة». يرى أهل السنة أن حب الصحابة دين وإيمان وإحسان لكونه امتثالا للنصوص الواردة في فضلهم، وأن بغضهم نفاق وضلال لكونه معارضا لذلك، ومع ذلك فهم لا يتجاوزون الحد في حبهم أو في حب أحد منهم لقوله تعالى:

стр. 304

﴿قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾ ولا يخطئون أحدا منهم، ولا يتبرءون منه، ولهذا ورد عن جماعة من السلف كأبي سعيد الخدري والحسن البصري وإبراهيم النخعي، أنهم قالوا: الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، ومعنى ذلك أن الشهادة على مسلم معين أنه كافر أو من أهل النار بدون دليل يرشد إلى الحكم عليه بذلك بدعة، وأن البراءة من بعض الصحابة بدعة.

стр. 305

١٢ - التعريف بأهل السنة والجماعة وتمييزهم عن الفرق الإسلامية [أ] س ١: سئل الشيخ رحمه الله تعالى: من هم أهل السنة والجماعة؟ وما هي الفرق التي شذت عن منهج أهل السنة؟ فأجاب رحمه الله تعالى: أهل السنة والجماعة من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ بأن عملوا بالكتاب والسنة والإجماع فما كان صحيحا صريحا من ذلك وبلغهم التزموه، وما كان محل نظر واجتهاد بحثوه فإن انتهى البحث إلى وفاق فبها وإلا عمل بما أداه إليه اجتهاده دون خصومة أو عداوة أو سب لمن خالفه في ذلك رعاية لحق الأخوة الإسلامية، وأهل الفرقة والاختلاف هم الذين لم يعولوا على ما ذكر من الأدلة الصحيحة الصريحة أو لم يردوا ما تنازعوا فيه من المسائل الاجتهادية إليها، وأعجب كل منهم برأيه أو رأي من وافقه ولم يرجع عنه ونصره وقاتل من أجله ومنشأ الفرقة والخلاف بالظن والهوى وتقديم العقل على ما صح من النقل وأول الفرق الضالة ظهورا الخوارج والشيعة وقد قاتل الصحابة الخوارج دون خلاف منهم في الإقدام على قتالهم، وحرق علي من غلا فيه من شيعته، وأراد قتل عبد الله بن سبأ فهرب منه. وأصول الفرق المبتدعة خمسة: الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجهمية، حكي عن ابن المبارك أن الجهمية كفار ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة وهذا انبنى على أن الثنتين والسبعين فرقة لم تكفر ببدعتها، ومن المتأخرين من كفرهم جميعا، والمعروف عن السلف إطلاق القول بتكفير الجهمية المحضة، وفي تكفير الخوارج والروافض خلاف، ومن نفى من القدرية العلم والكتابة فكافر، ومن أثبتهما ونفى خلق الله للأفعال ففاسق.

стр. 306

التعريف بأهل السنة والجماعة [ب] كان الناس أمة واحدة على الحق بما أودع الله فيهم من فطرة الإسلام وبما عهد إليهم من الهدى والبيان، فلما طال عليهم الأمد قست قلوبهم فاجتالتهم الشياطين عن الصراط المستقيم، وسلكت بهم بنيات الطريق فتمزقت وحدتهم، واختلفت كلمتهم، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزا حكيما، قال -تعالى-: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾. وقال: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾. وقال ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصراه، أو يمجسانه». الحديث. وقد أمر الله تعالى - في كتبه، وعلى ألسنة رسله بوحدة الكلمة، والاعتصام بشرعه، وحذر من الفرقة والاختلاف، وبين عاقبة ذلك بما ذكر من أحوال الأمم الماضية، وما حاق بها من الدمار، وأصابها من الهلاك، وحثهم على البلاغ والبيان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، نصرة للحق، وإزالة للشبهة، وإحباطا لكيد دعاة السوء، واستهوائهم النفوس الضعيفة، قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾.

стр. 307

وقال: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾. وقال: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾. وعن العرباض بن سارية قال: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.

стр. 308

ومع ذلك دب الخلاف بين الناس، فما من أمة من الأمم إلا وقد اختلفت بهم الأهواء حتى وضع كل لنفسه أصولا عليها يبني مذهبه، وإليها يرجع في خصومته، فتناقضت مذاهبهم، وصار كل واحد حربا على أخيه، وشغل بذلك عن كتاب الله، وهدي رسوله ﵊، إلا أنه -سبحانه- جرت سنته، واقتضت حكمته، أن يقيض للحق في كل عصر جماعة تقوم عليه، وتهدي الناس إليه، إنجازا للوعد بحفظ دينه، وإقامة للحجة وإسقاطا للمعاذير، قال -تعالى-: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾، وقال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ وقال ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». وفي رواية: «قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي».

стр. 309

وفي رواية قال: «هي الجماعة» رواه أبو داود، والترمذي وابن ماجه وغيرهم وفي الحديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق … ». وقد تبين من ذلك أن الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة، وأن شعارها كتاب الله، وهدي رسوله ﵊، وكان عليه سلف الأمة الذين يؤمنون بمحكم النصوص ويعملون بها، ويردون إليه ما تشابه منها، وأما الفرق الضالة، فشعارها مفارقة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، واتباع الأهواء، وشرع ما لم يأذن به الله من البدع والآراء الزائفة بناء على أصول وضعوها يوالون عليها ويعادون، فمن وافقهم عليها أثنوا عليه وقربوه، وكان في زعمهم من أهل السنة والجماعة، ومن خالفهم تبرءوا منه ونبذوه، وناصبوه العداوة والبغضاء وربما رموه بالكفر، والخروج من ملة الإسلام لمخالفته لأصولهم الفاسدة. هذا وليس في نصوص الكتاب والسنة ما يعتمد عليه في تعيين الفرق، ولا بيان ما يرجع إليه في تمييز بعضها من بعض، وإن كان فيها التحذير من فرق الضلال، وذكر عددهم، وبيان شعارها إجمالا، ولسنا مكلفين بتعيينها، وتحديدها، ولا نحن في ضرورة إلى ذلك في عقيدة، أو عبادة، أو معاملة، أو دعوة إلى الحق، بل يكفينا في جميع شئوننا أن يتميز لدينا الحق من الباطل بالحجة والبرهان، وبالحق يعرف رجاله والدعاة إليه فلا يعيب الشريعة إن خلت من ذلك، ولا ينقص قدر العلماء أن يضربوا صفحا عن استقصاء الفرق الضالة حتى يبلغوا بها ما ذكر في الحديث من العدد، ومع ذلك، فقد حمل بعض العلماء حب الاستطلاع، والولع، والبحث أن يصنفوا في تعيين الفرق، ويذكروا لكل

стр. 310

فرقة ما به تتميز عن الأخرى إشباعا للرغبة، واستجابة لداعي الفكر، وحاولوا أن يبلغوا بما جمعوا وقسموا وأصلوا وفصلوا ما ذكر رسول الله ﷺ في الحديث من غير أن يتجاوزوه أو يقفوا دونه. ومن أجل أن المسألة اجتهادية، ولا خبر فيها عن المعصوم تباينت مناهجهم في التصنيف، واختلفت مذاهبهم في التعيين، فمنهم من أخذ في عد الفرق من غير أن يبني على أساس، أو يستند إلى قانون يضبط ما ذكر من عدد الفرق، ومذاهبها، ومنهم من أصل أصولا يتفرع عنها ما سواها، ووضع قواعد تضمنت المسائل التي وقع فيها النزاع، وذكر كبار الفرق التي ينشعب عنها ما عداها، ومن هؤلاء الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل". وإليك كلمته في أصول المذاهب، وكبار الفرق، فقال: المقدمة الثانية: في تعيين قانون يبني عليه تعديد الفرق الإسلامية: اعلم أن لأصحاب المقالات طرقا في تعديد الفرق الإسلامية لا على قانون مستند إلى نص، ولا على قاعدة مخبرة عن الوجود، فما وجدت مصنفين منهم متفقين على منهاج واحد في تعديد الفرق. ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أن ليس كل من تميز عن غيره بمقالة ما في مسألة ما عد صاحب مقالة، فتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر والعدد، ويكون من انفرد بمسألة في أحكام الجوهر مثلا معدودا في عداد أصحاب المقالات، فلا بد إذن من ضابط في مسائل هي: أصول، وقواعد يكون الاختلاف فيها اختلافا يعتبر مقالة، ويعد صاحبها صاحب مقالة، وما وجدت لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط، إلا أنهم استرسلوا في إيراد مذاهب الأمة كيفما اتفق وعلى الوجه الذي وجد بلا قانون مستقر ولا أصل مستمر، فاجتهدت على ما تيسر من التقدير وتقدر من التيسير، حتى حصرتها في أربع قواعد هي: الأصول الكبار.

стр. 311

القاعدة الأولى: الصفات، والتوحيد فيها، وهي تشتمل على مسائل: الصفات الأزلية إثباتا عند جماعة، ونفيا عند جماعة، وبيان صفات الذات، وصفات الفعل، وما يجب لله -تعالى- وما يجوز عليه وما يستحيل، وفيها الخلاف بين الأشعرية، والكرامية، والمجسمة والمعتزلة. القاعدة الثانية: القدر والعدل، وهي تشتمل على مسائل: القضاء، والقدر، والجبر، والكسب في إرادة الخير، والشر، والمحذور، والمعلوم إثباتا عند جماعة، ونفيا عند جماعة، وفيها الخلاف بين القدرية والنجارية، والجبرية، والأشعرية، والكرامية. القاعدة الثالثة: الوعد، والوعيد، والأسماء، والأحكام، وهي تشتمل على مسائل: الإيمان، والتوبة، والوعيد، والإرجاء، والتفكير والتضليل إثباتا على وجه عند جماعة، ونفيا عند جماعة، وفيها الخلاف بين المرجئة والوعيدية، والمعتزلة، والأشعرية، والكرامية. القاعدة الرابعة: السمع، والعقل، والرسالة، والأمانة، وهي تشتمل على مسائل: التحسين، والتقبيح، والصلاح، والأصلح، واللطف، والعصمة في النبوة، وشرائط الإمامة نصا عند جماعة، وإجماعا عند جماعة، وكيفية انتقالها على مذهب من قال بالنص، وكيفية إثباتها على مذهب من قال بالإجماع، والخلاف فيها بين الشيعة والخوارج، والمعتزلة، والكرامية، والأشعرية، فإذا وجدنا انفراد واحد من أئمة الأمة بمقالة من هذه القواعد عددنا مقالته مذهبا، وجماعته فرقة، وإن وجدنا واحدا انفرد بمسألة فلا نجعل مقالته مذهبا، وجماعته فرقة، بل نجعله مندرجا تحت واحدة ممن وافق مقالته، ورددنا باقي الاختلافات إلى الفروع التي لا تعد مذهبا مفردا، فلا تذهب المقالات إلى غير النهاية، وإذا تعينت المسائل التي هي قواعد الخلاف تبينت أقسام الفرق، وانحصرت كبارها في أربع بعد أن تداخل بعضها في بعض.

стр. 312

١٣ - كبار الفرق الإسلامية أربع هي القدرية - الصفاتية - الخوارج - الشيعة ثم يتركب بعضها مع بعض، ويتشعب عن كل فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة، ولأصحاب كتب المقالات، طريقان في الترتيب. أحدهما: أنهم وضعوا للمسائل أصولا ثم أوردوا في كل مسألة: مذهب طائفة طائفة، وفرقة فرقة. والثاني: أنهم وضعوا الرجال وأصحاب المقالات أصولا، ثم أوردوا مذاهبهم في مسألة مسألة، وترتيب هذا المختصر على الطريقة الأخيرة؛ لأني وجدتها أضبط للأقسام وأليق بأبواب الحساب، وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم من غير تعصب لهم، ولا كسر عليهم، دون أن أبين صحيحه من فاسده، وأعين حقه من باطله، وإن كان لا يخفى على الأفهام الذكية، في مدرج الدلائل العقلية لمحات الحق ونفخات الباطل. ومهما يكن المنهج الذي سلكه من ألف في الفرق الإسلامية، وأيا كان اجتهادهم في تعيين الفرق، وتمييز بعضها من بعض لتبلغ العدد الذي ورد في الحديث، فلن يبرئهم ما وضعوا من الأصول والضوابط من معرة التكلف، ولن يعصمهم من مزالق التخمين، وما يوجه إليهم من طعنات النقاد. فإن النصوص وإن دلت على حدوث الفرق في هذه الأمة، وبينت عدد الفرق إجمالا لم تخص بحدوث الفرق عهدا دون عهد، والأمة لا تزال تتابع أجيالها، وتختلف آراؤها، والمستقبل لا يعلمه إلا الله، فربما حدث من البدع، ومذاهب الضلال ما ليس في الحسبان مما لا يمكن رده إلى مذاهب الفرق الأولى. وإذا كان ذلك على ما وصفت كان تعيين الفرق رجما بالغيب واقتحاما

стр. 313

لمتاهات لا تزيد من رمى بنفسه فيها إلا حيرة، مع ما في ذلك من التكلف في ضم بعض الفرق إلى بعض بإلغاء ضرب من الخلاف خشية أن يتجاوز العدد ما ذكر في الحديث، أو جعل الواحدة فرقتين باعتبار نوع من الخلاف حذرا أن ينقص العدد عما ذكر في الحديث، إلا أن التأصيل، ووضع القواعد على النحو الذي صنفه " الشهرستاني " وغيره أقرب إلى الضبط وأسرع للفهم والتحصيل وأبعد عن نشر الكلام، وأدخل في صناعة التأليف، لذلك اكتفيت بذكر أصول الفرق الكبار مع مراعاة ترتيبها حسب حدوثها من غير استقصاء، أو محاولة بلوغ العدد المذكور في الحديث. ذكر جملة من الفرق المشهورة التي تشعبت عن الفرق الأربع السابقة مع بيان شيء مما يتميز به كل منهما. ١٤ - أولا: الخوارج: أصولهم ورءوسهم خرج جماعة من المسلمين على الخليفة الثالث عثمان بن عفان لأمور نقموها منه، وأحداث أنكروها عليه، وما زال بهم اللجاج في الخصومة معه حتى قتلوه، ولما انتهت الخلافة إلى علي بن أبي طالب كان ممن اختلف عليه وقاتله طلحة بن عبيد الله القرشي، والزبير بن العوام، فأما الزبير فقتله ابن جرموز، وأما طلحة فرماه مروان بن الحكم بسهم فقتله، وكانت معهما عائشة ﵂ على جمل لها، ولكنها رجعت سالمة مكرمة لم يعترض عليها أحد وتسمى هذه الموقعة بـ " موقعة الجمل " (٣٦ هـ). واختلف على علي -أيضا- معاوية ومن تبعه ﵃ ودارت الحرب بين الفريقين حتى كان التحكيم الذي زاد الفتنة اشتعالا ودب الخلاف في جيش علي، وخرج عليه ممن كان من أنصاره فرقة تعرف بالحرورية وبالشراة، واشتهرت باسم الخوارج. وحديث العلماء في الفرق الإسلامية عن الخوارج إنما هو عن هؤلاء الذين

стр. 314

خرجوا على علي ﵁ من أجل التحكيم، أما طلحة، والزبير، ومعاوية، ومن تبعهم فلم يعرفوا عند علماء المسلمين بهذا الاسم. ثم صارت كلمة الخوارج تطلق على كل من خرج على إمام من أئمة المسلمين اتفقت الجماعة على إمامته في أي عصر من العصور دون أن يأتي ذلك الإمام بكفر ظاهر ليس له عليه حجة، وإذن فأول من أحدث هذه البدعة في هذه الأمة الجماعة التي خرجت على علي بن أبي طالب سنة ٣٩ هـ، وأشدهم في التمرد، والخروج عليه، الأشعث بن قيس، ومسعود بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي، والذي دعاهم إلى ذلك مسألة التحكيم المشهورة في التاريخ، ورضا الملومة به مع أنهم الذين أمروه به، واضطروه إليه، ثم أنكروه عليه فقالوا: لم حكمت الرجال؟ لا حكم إلا لله. رءوسهم ستة: الأزارقة، والنجدات، والصفرية، والعجاردة، والأباضية، والثعالبة، وعنها تتفرع فرقهم. ومن أصولهم التي اشتركت فيها فرقهم، البراءة من علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة، وابن عباس ﵃ وتكفيرهم. والقول بأن الخلافة ليست في بني هاشم فقط، كما تقول الشيعة، ولا في قريش فقط، كما يقول أهل السنة، بل في الأمة عربها وعجمها، فمن كان أهلا لها علما، واستقامة في نفسه، وعدالة في الأمة جاز أن يختار إماما للمسلمين، ومن أصولهم الخروج على أئمة الجور، وكل من ارتكب منهم كبيرة، ولذلك سموا بالخوارج، والإيمان عندهم: عقيدة، وقول، وعمل. وقد وافقوا في هذا أهل السنة في الجملة، وخالفوا غيرهم من الطوائف. ومن أصولهم -أيضا-: التكفير بالكبائر، فمن ارتكب كبيرة فهو كافر، وتخليد من ارتكب كبيرة في النار إلا النجدات في الأخيرين؛ ولذا سموا وعيدية، ومن أصولهم -أيضا- القول بخلق القرآن وإنكار أن يكون الله قادرا على أن يظلم.

стр. 315

وتوقف التشريع والتكليف على إرسال الرسل، وتقديم السمع على العقل على تقدير التعارض، فمن وافقهم في هذه الأصول فهو منهم، وإن خالفهم في غيرها، ومن وافقهم في بعضها، ففيه منهم بقدر ذلك، وقد اجتمعوا بحروراء برئاسة عبد الله بن الكواء، وعتاب بن الأعور، وعبد الله بن وهب الراسبي، وعروة بن حدير، ويزيد بن عاصم المحاربي، وحرقوص بن زهير المعروف بذي الثدية، وكانوا في اثني عشر ألف رجل، فقاتلهم علي يوم النهروان، فما نجا منهم إلا أقل من عشرة، فر منهم اثنان إلى عمان، واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى موزان، فظهرت بدع الخوارج في هذه المواضع. وأول من بويع منهم بالخلافة عبد الله بن وهب الراسبي، فتبرأ من الحكمين، وممن رضي بهما، وكفر هو ومن بايعه عليا لتحكيمه الرجال ورضاه بذلك. ثانيا: الفرق التي تشعبت من الخوارج الأزارقة: هم جماعة من الخوارج ينسبون إلى أبي راشد نافع بن الأزرق، خرج آخر أيام يزيد بن معاوية، ومات سنة ٦٥ هـ، وبايع الأزارقة بعد موته قطري بن الفجاءة، وسموه بأمير المؤمنين، ومن بدعهم تصويب قاتل علي عبد الرحمن بن ملجم، وفي ذلك يقول عمران بن حطان مفتي الخوارج: يا ضربة من منيب ما أراد … بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه … أوفى البرية عند الله ميزانا ومنها تكفير من قعد عن الجهاد معهم، وتكفير من لم يهاجر إليهم، وإسقاط الرجم لعدم وجوده في القرآن، وإسقاط الحد عمن قذف المحصنين دون المحصنات، وعدم جواز التقية في قول أو عمل، وإباحة قتل أطفال المخالفين لهم ونسائهم، وعدم أداء الأمانة لمن خالفهم.

стр. 316

النجدات العاذرية: ينسبون إلى نجدة بن عامر الحنفي، وكان من شأنه أنه خرج من اليمامة مع عسكره يريد اللحاق بالأزارقة، فاستقبله أبو فديك، وعطية بن الأسود الحنفي في الجماعة الذين أنكروا على نافع بن الأزرق بدعه، فأخبروه بما أحدثه من تكفير القعدة من القتال معه، وغير ذلك من بدعه، فكتب إليه ينصح له، فلما أبى نافع أن يرجع، بايعه على الإمامة أبو فديك، وعطية ومن معهما، وسموه بأمير المؤمنين. ومن بدعهم: جواز التقية في القول والعمل، وتناصفهم فيما بينهم بلا إمام، فإن عجزوا عن ذلك إلا بالإمام جاز لهم أن يقيموه. وسموا بالعاذرية؛ لأنهم يعذرون من أخطأ في أحكام الفروع لجهالته دون من أخطأ في الأصول: كمعرفة الله، ورسله، والإقرار بما جاء به محمد ﷺ من عند الله جملة، ولم يلبث أبو فديك وعطية أن اختلفا وبرئ كل منهما من الآخر، وصار لكل منهما أتباع، وسمي أتباع أبو فديك فدكية، وأتباع عطية: العطوية، وقد أرسل عبد الملك بن مروان، عثمان بن عبيد الله بن معمر إلى أبي فديك، فحاربه أياما وقتله، وفر عطية إلى أرض سجستان. العجاردة: هم طائفة من الخوارج ينسبون إلى عبد الكريم بن عجرد، وهم من أصحاب عطية بن الأسود الحنفي ومن بدعهم: البراءة من الأطفال حتى يدعوا إلى الإسلام عند بلوغهم، ومن بدعهم -أيضا -: أن سورة يوسف ليست من القرآن، وأنهم يتولون القعدة، ويرون الهجرة فضيلة لا فرضا. وقد افترقت العجاردة فرقا كثيرة منها: الميمونة أتباع ميمون بن خالد وهو على

стр. 317

مذهب المعتزلة في القدر، ومن بدعه -أيضا - جواز نكاح بنات البنات والبنين، وبنات أولاد الإخوة والإخوات، ومنها الحمزية أتباع حمزة بن أدرك ثبتوا على قول ميمون في القدر، وقالوا بجواز إمامين في عصر واحد ما لم تجتمع الكلمة، أو تقهر الأعداء. ومنها الأطرفية: فرقة من الحمزية رئيسهم غالب بن شاذان السجستاني سموا أطرفية؛ لأنهم يعذرون أصحاب الأطراف في ترك ما لم يعرفوه من الشريعة إذا أتوا بما عرفوه بالعقل، ومذهبهم: كالعاذرية في تحكيم العقل، ومنها الشيعة أصحاب شعيب بن محمد الذي تبرأ من ميمون لما أظهر القدر، ومنها الجازمية أصحاب جازم بن علي، وكان على قول شعيب في القدر. الثعالبة: هم أصحاب ثعلبة بن عامر، كان مع عبد الكريم بن عجرد يدا واحدة إلى أن اختلفا في أمر الطفل، فقال ثعلبة بولايته حتى نرى منه إنكارا للحق ورضا بالجور، فتبرأت العجاردة من ثعلبة، ونقل عنه -أيضا- أنه لا يحكم في الطفل بشيء حتى يبلغ، ويدعى إلى الإسلام، فإن أجاب فبها، وإلا كفر!! وقد افترقت الثعالبة فرقا كثيرة. منها: الشيبانية، وهم أتباع شيبان بن سلمة، خرج أيام أبي مسلم الخراساني وأعانه على نصر بن سيار والي خراسان من قبل هشام، وقتل أناسا ممن يوافقون في المذهب، وأخذ أموالهم، فبرئت منه الثعالبة، ولما قتل أخبروا بتوبته، فلم يقبلوها؛ لأنه لم يرد المظالم، ولم ينصف أولياء الدم. ومن بدعهم: تشبيه الله بخلقه، وموافقة جهم في قوله بالجبر، والاعتقاد أن الولاية والعداوة من صفات الله الذاتية، لا من صفات الفعل، ومن لم يقبل توبة شيبان يسمون بالزيادية نسبة لرئيسهم زياد بن عبد الرحمن، ومنها: الرشيدية أتباع رشيد الطوسي، ومن بدعهم: إخراج نصف العشر زكاة لما سقي بالأنهار، ومنها

стр. 318

المكرمية أصحاب أبي مكرم بن عبد الله العجلي، ومن مقالته: تكفير تارك الصلاة لجهله بربه، وغفلته عن معرفته، وعدم مبالاته بالتكليف، وقالوا بإيمان الموافاة، بمعنى أن الله يوالي عباده، ويعاديهم على ما يوافونه عند الموت من خير أو شر لا على أعمالهم قبل ذلك. ومنها المعلومية والمجهولية: وهما في الأصل من الحمزية. فالمعلومية، قالت: لا يكون العبد مؤمنا حتى يعرف الله بجميع أسمائه وصفاته. وقالوا فعل العبد مخلوق له، فبرئت منهم الجازمية. والمجهولية قالت: من علم البعض وجهل البعض كان مؤمنا. الأباضية: هم أتباع عبد الله بن أباض التميمي، الذي خرج أيام مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، قال: إن مخالفينا من أصل القبلة كفار غير مشركين وأباح الحرب لا غير، وحرم قتلهم، وسبيهم غيلة، وأباح ذلك بعد إقامة الحجة، ونصب القتال، وقال: مرتكب الكبيرة موحد لا مؤمن، وكافر نعمة لا كفرا يخرج من الملة، وأنه مخلد في النار، وأفعال العباد مخلوقة لله مكتسبة للعبد. وهم فرق كثيرة، منها الحفصية أصحاب حفص بن أبي المقدم، تميز عن الأباضية بجعله الفرق بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده، فمن عرفه فهو مؤمن، وإن كفر بالرسل وما جاءوا به، ومن ارتكب كبيرة فهو كافر غير مشرك. ومنها الحارثية: أصحاب الحارث بن مزيد الأباضي، خالف الأباضية في القدر فقال بقول المعتزلة، ولذا كرهوه، وقال بالاستطاعة قبل الفعل لا معه، وقال بإثبات طاعة لا يراد بها وجه الله، كما قال أبو الهذيل من المعتزلة.

стр. 319

١٥ - الشيعة والفرق التي تشعبت منها الشيوع والشياع: القوة والانتشار، يقال: شاع الخبر إذا انتشر، وكثر التكلم به، وشيعة الرجل: خواصه، وجماعته الذين ينتشرون ويتقوى بهم لنسب يجمعهم، أو لاتباعهم إياه في مذهبه، وسيرهم على منهاجه وسنته ويجمع الشيعة على شيع، وتجمع شيع على أشياع. والمراد بالشيعة هنا: كل من شايع علي بن أبي طالب خاصة، وقال بالنص على إمامته، وقصر الإمامة على آل البيت، وقال بعصمة الأئمة من: الكبائر، والصغائر، والخطأ، وقال: لا ولاء لعلي إلا بالبراء من غيره من الخلفاء الذين في عصره قولا وفعلا، وعقيدة، إلا في حال التقية، وقد يثبت بعض الزيدية الولاء دون البراء. فهذه أصول الشيعة التي يشترك فيها جميع فرقهم، وإن اختلفت كل فرقة عن الأخرى في بعض المسائل، فمن قال ممن ينتسب إلى الإسلام بهذه الأصول فهو شيعي، وإن خالفهم فيما سواها ومن قال بشيء منها، ففيه من التشيع بحسبه. ورءوس فرق الشيعة خمسة: الزيدية، والإمامية، والكيسانية، والغلاة، والإسماعيلية، ومن العلماء من لم يجعل الإسماعيلية رئيسية.

стр. 320

و من فرق الشيعة الزيدية الزيدية: هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومن مقالته: إن الإمامة تنعقد للمفضول مع وجود الفاضل للمصلحة في ذلك. ومن أجل هذا رأى انعقاد الخلافة لأبي بكر وعمر مع أن عليا أفضل منهما عقيدة، وكان لا يتبرأ منهما، ولما بلغ شيعة الكوفة أنه لا يتبرأ منهما رفضوه، فسموا رافضة، ومن مذهبه سوق الإمامة في أولاد فاطمة: الحسن والحسين، وأولادهما، وجواز خروج إمامين في قطرين على أن يكون كل منهما من أولاد فاطمة، ويتحلى بالعلم، والزهد، والكرم، والشجاعة. وقد عاب عليه أخوه محمد الباقر أخذه العلم عن واصل بن عطاء الغزال من أجل أنه كان يجوز على جدهما علي الخطأ في قتال الخارجين عليه. وعاب عليه: رأيه بأن الخروج شرط في كون الإمام إماما وكان يذهب في القدر إلى مذهب القدرية، وبذلك نعرف السبب في أن أتباع زيد كلهم معتزلة. وقد خرج زيد على هشام بن عبد الملك أيام خلافته، وبويع له بالخلافة، فقتل، وصلب بكناسة الكوفة عام ١٢١ هـ. وكان ابنه يحيى إماما بعده أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وذهب إلى خراسان، فبعث إليه أميرها نصر بن سيار، سلم بن أحوز، فقتله عام ١٢٥ هـ ثم انحرفت الزيدية بعد عن القول بصحة إمامة المفضول، وطعنوا في الصحابة كالإمامية. ومما أجمعت عليه الزيدية: تخليد من ارتكب كبيرة من المؤمنين في النار، وتصويب علي، وتخطئة مخالفه، وتصويبه في التحكيم، وإنما أخطأ الحكمان، ويرون السيف والخروج على أئمة الجور، وأنه لا يصلى خلف فاسق. وقد افترقت الزيدية ثلاث فرق: جارودية، وسليمانية، وبترية.
следующие страницы →