س ٦٦: سئل الشيخ: عن مسألة التحسين والتقبيح العقلي.
فقال الشيخ ﵀: "ارجع إلى تعليقي على الأحكام للآمدي حول مسألة التحسين والتقبيح، الجزء الأول المقدمات الكلامية".
س ٦٧: سئل الشيخ: عن موقف الخوارج من الحدود هل يبطلونها؟
فقال الشيخ ﵀: "عندهم أن السارق والزاني حده القتل ولا يشترطون السيف بل يقتلونه بالسم، ولا يقطعون يد السارق أو يرجمون الزاني؛ لأنه عندهم من باب تداخل الحدود فيعطونه الحد الأعلى وهو القتل".
س ٦٨: سئل الشيخ: ما معنى خلود القاتل الوارد في قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾؟.
فقال الشيخ ﵀: "خلود القاتل إذا كان غير مستحل فمعناه عند السلف طول المدة، وإذا كان مستحلا فهو على حقيقته، وقد فصل ابن القيم هذا الأمر في مدارج السالكين، وذكر أن قاتل العمد يتعلق به ثلاثة حقوق:
حق للقتيل يقاص بالحسنات والسيئات يوم القيامة.
وحق ولي الدم القصاص.
وحق الله تعالى يسقط بالتوبة. وذكر الأدلة في آخر الجزء الأول.
س ٦٩: سئل الشيخ: هل الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة؟
فقال الشيخ ﵀: "الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة فيما وافقوا فيه أهل السنة لا على العموم".
стр. 352
س ٧٠: سئل الشيخ: هل الفرق التي قال فيها ﷺ : "كلها في النار" كافرة؟ أم غير كافرة؟
فقال الشيخ ﵀: "فيها رأيان ذكرهما شيخ الإسلام في الفتاوى".
س ٧١: سئل الشيخ: عن دعوة العوام للتوحيد.
فقال الشيخ ﵀: "كونه لا يعلم العوام التوحيد غلط فقد مكث ﷺ يدعو إلى التوحيد في مكة، حتى الصلاة التي هي عماد الدين فرضت قبل الهجرة بثلاث سنين فكان ﷺ يعلم التوحيد (للأميين) هكذا سماهم الله".
س ٧٢: سئل الشيخ: هل الساحر كافر؟
فقال الشيخ ﵀: "الصحيح أن كفر الساحر كفر يخرج من الملة".
س ٧٣: سئل الشيخ: ما حكم من سب صحابيا؟
فقال الشيخ ﵀: "تفصيل القول في حكم من طعن في الصحابة أو سب صحابيا أن الطعن جملة كفر، لكن سب صحابي بعينه كبيرة من الكبائر".
س ٧٤: سئل الشيخ: هل العلم المشترط في شروط (لا إله إلا الله) هو العلم الإجمالي بأنه لا يستحق العبادة إلا الله؟ أم لا بد من العلم التفصيلي بأن الذبح عبادة والنذر عبادة .. وهكذا؟
فقال الشيخ ﵀: "العلم المشترط هو العلم الإجمالي لا التفصيلي، لا يلزم أن يكون فيلسوفا؛ بدليل حديث معاذ وسجوده للرسول ﷺ ، وقصة ذات أنواط".
стр. 353
فالجهل بتفاصيل العبادة لا يمنع الحكم للشخص بالإسلام.
س ٧٥: سئل الشيخ: سألته عن رأيه في قول الصنعاني في تطهير الاعتقاد عن القبوريين الذين يعتقدون في الموتى ويطلبون منهم (هم كفار أصليون) حيث اعترض عليه بعض العلماء كالشيخ بشير السهسواني صاحب (صيانة الإنسان) وقال (هم مرتدون).
فقال الشيخ ﵀: "هم مرتدون عن الإسلام إذا أقيمت عليهم الحجة، وإلا فهم معذرون بجهلهم كجماعة الأنواط، أما من انتسب إلى الإسلام ثم بدت منه أفعال كفرية وأقيمت عليه الحجة فهو مرتد يقتل بالسيف".
س ٧٦: سئل الشيخ: عن الكافر الأصلي إذا تلفظ أمامنا بالشهادتين ولا ندري هل يعلم معناها أم لا؟
فقال الشيخ ﵀: "يحكم له بالإسلام بالظاهر حتى يبدو أنه جاهل فيعلم معنى الشهادتين الصحيح؛ فإن استقام فالحمد لله، وإن لم يستقم فهو مرتد لا كافر أصلي".
س ٧٧: سئل الشيخ: هل يلزم إقامة الحجة على تارك الصلاة حتى يحكم بكفره؟
فقال الشيخ ﵀: "يحتاج إلى إقامة الحجة، فإن مات قبلها عومل معاملة الكفار".
س ٧٨: سئل الشيخ: الإيمان الركن هل يزيد وينقص كالإيمان الواجب والمستحب؟
فقال الشيخ ﵀: "نعم بدليل عموم قوله تعالى: ﴿فزادتهم إيمانا﴾. وقوله: ﴿ليزدادوا إيمانا﴾ وهذا يعم جميع أقسام الإيمان.
стр. 354
س ٧٩: سئل الشيخ: ما حكم المستهزئ بالدين أو ساب الدين أو الرسول ﷺ أو القرآن العظيم هل يكفر ولو كان جاهلا؟
فقال الشيخ ﵀: "هذا الباب كغيره من أبواب الكفر يعلم ويؤدب فإن علم وعاند بعد التعليم والبيان كفر. وإذا قيل: لا يعذر بالجهل، فمعناه يعلم ويؤدب وليس معناه أنه يكفر".
س ٨٠: سئل الشيخ: ما حكم من قال: القرآن مخلوق؟
فقال الشيخ ﵀: "هذا كفر أكبر ولكن قائله يعلم ولا يكفر بعينه إلا إذا علم وأصر بعد إقامة الحجة".
س ٨١: سئل الشيخ: عن مسألة فناء النار؟
فقال الشيخ ﵀: "ما لي رأي في المسألة، اقرأ كلام ابن تيمية وابن القيم. واقرأ للصنعاني في الرد عليهما وأنا لا أقول بفناء النار ولا بعدم فنائها أنا لم أختر رأيا إلى الآن؛ لأنه ليست هناك نتيجة عملية تترتب على هذا الخلاف، والواقع أن القول بفناء النار متصل بابن تيمية خلافا لمن نفى نسبة هذا القول له".
س ٨٢: سئل الشيخ: هل تكفي إحدى الشهادتين للحكم للشخص بالإسلام؟
فقال الشيخ ﵀: "شهادة (أن محمدا رسول الله) تستلزم شهادة (أن لا إله إلا الله) ولا عكس، ومع هذا فإظهار أي شعيرة من شعائر الإسلام تكفي لمعاملته معاملة المسلمين".
س ٨٣: سئل الشيخ: عن خروج جماعة التبليغ لتذكير الناس بعظمة الله.
فقال الشيخ ﵀: "الواقع أنهم مبتدعة ومحرفون وأصحاب طرق قادرية وغيرهم، وخروجهم ليس في سبيل الله، ولكنه في سبيل إلياس، هم لا يدعون إلى الكتاب والسنة، ولكن يدعون إلى إلياس شيخهم في بنجلادش، أما الخروج بقصد الدعوة إلى الإسلام فهو جهاد في سبيل الله، وليس هذا هو خروج
стр. 355
جماعة التبليغ، وأنا أعرف جماعة التبليغ من زمان قديم، وهم المبتدعة في أي مكان كانوا هم في مصر، وإسرائيل، وأمريكا، والسعودية، كلهم مرتبطون بشيخهم إلياس ".
س ٨٤: سئل الشيخ: عن رجل قيل له: فعلك هذا محرم، فقال: أنا أعرف أنه حرام ولكن سأفعله؟
فقال الشيخ ﵀: "إذا كان مضطرا إلى فعله فهو معذور وإلا فهو مستهتر وهي معصية كبرى قد تصل إلى درجة الكفر. والعياذ بالله".
س ٨٥: سئل الشيخ: ما الفرق بين قتال المرتدين وقتال تاركي الشرائع؟ وقتال التتار يتبع أي القسمين؟
فقال الشيخ ﵀: "مانعو الشرائع لغير جحود يقاتلون حتى يؤدوها ولا يكفرون بالرغم من قتالهم، والذي يحكم بغير ما أنزل الله كافر مرتد يقاتل قتال الكفار، أما الذي لا يكفر فهو الفقيه الذي يحكم في مسألة يظن أنها من الدين، والحق بخلافه فلا يكفر، أما الذي يحكم بما يعلم أنه ليس من الدين فهذا كافر، الذي يبيح فوائد البنوك يناقش ويبين له، فإذا أقيمت عليه الحجة فإنه يقتل قتل المرتد، ولا أذكر الآن إلى أي القسمين ينتمي قتال التتار".
س ٨٦: سئل الشيخ: هل يوجد عذر بالجهالة في أصل التوحيد، علما بأن بعض أهل السنة ذكر أنه لا عذر لأحد بالجهل في أصل التوحيد؟
فقال الشيخ ﵀: "إن وجوب الإيمان بالله تعالى ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والقدر، وما يتصل بذلك من أصول وفروع بمقتضاه: يتوقف على البلاغ الصحيح ومعرفة ما تضمنه البلاغ من الحق، وهذا مما يتفاوت بتفاوت الناس في مداركهم وقواهم العقلية، وكثرة العلماء والدعاة إلى الإسلام، وما إلى هذا مما يتيسر معه معرفة الحق وتأييده، واستبانة الباطل وتميزه
стр. 356
من الحق والقضاء عليه، أو بعدهم عن ديار الإسلام والدعاة إليه، وما إلى ذلك من الحواجز التي يشق معها الوصول إلى معالم شرع الله تعالى والوقوف على حقيقته جملة أو التبحر فيه.
فيجب أن يراعى ذلك وأمثاله في الحكم على الناس، فقد يجب على بعض الناس الإيمان بالله تعالى وبرسوله ﷺ وما جاء به من عند الله إجمالا، إذا لم يبلغه إلا ذلك، ولم يتيسر له سواه مع بذله وسعه في التعرف على الحق، لما رواه أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار». رواه مسلم.
ولما ثبت عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : «أن رجلا رزقه الله مالا، فقال لبنيه لما حضره الموت: أي أب كنت فيكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرا قط، فإذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه الله ، فقال: ما حملك، قال: مخافتك، فتلقاه برحمته» متفق عليه.
س ٨٧: سئل الشيخ: عن حكم من أنكر معلوما من الدين بالضرورة، ومن خالف حكما ثابتا بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؟
فقال الشيخ ﵀: "إذا خالف مسلم حكما ثابتا بنص صريح من الكتاب والسنة لا يقبل التأويل، ولا مجال فيه للاجتهاد، أو خالف إجماعا
стр. 357
قطعيا ثابتا بين له الصواب في الحكم، فإن قبل فالحمد لله، وإن أبى بعد البيان وإقامة الحجة وأصر على تغيير حكم الله حكم بكفره، وعومل معاملة المرتد عن دين الإسلام، مثال ذلك: من أنكر الصلوات الخمس أو إحداها، أو فريضة الصيام أو الزكاة أو الحج إلى بيت الله الحرام، وتأول ما دل عليها من نصوص الكتاب والسنة ولم يعبأ بإجماع الأمة.
وأما إذا خالف حكما ثابتا بدليل مختلف في ثبوته، أو قابل للتأويل بمعان مختلفة وأحكام متقابلة فخلافه خلاف في مسألة اجتهادية فلا يكفر، بل يعذر في ذلك من أخطأ، ويؤجر على اجتهاده أجرا واحدا، وعمله بهذا الاجتهاد مشروع، ويحمد من أصاب، ويؤجر أجرين، أجرا على اجتهاده وأجرا على إصابته، مثال ذلك: من أنكر وجوب قراءة الفاتحة على المأموم، ومن قال بوجوب قراءتها عليه، ومثاله أيضا من قال بوجوب العمرة، ومن قال ليست واجبة، بل هي سنة، ومن قال بتوريث الإخوة مع الجد ومن خالفهم فقال: بحجبهم بالجد .. فمثل هذا لا يجوز تكفيره ولا إنكار الصلاة وراءه، ولا يحرم الأكل من ذبيحته، بل تجب مذاكرته والتفاهم معه، ذلك على ضوء الأدلة الشرعية، لأنه أخ مسلم له حقوق المسلمين، والخلاف في مثل هذه المسائل خلاف في مسائل فرعية اجتهادية، جرى مثلها في عهد الصحابة ﵃ وأئمة السلف، ولم يكفر بعضهم بعضا، ولم يهجر بعضهم بعضا من أجلها.
س ٨٨: سئل الشيخ عن قول الإمام محمد بن عبد الوهاب في كشف الشبهات في حديث ذات أنواط فلم يعذرهم بالجهالة؟
فقال الشيخ ﵀: "بعد أن قامت الحجة فلا يعذرون، أما قبل البيان فيعذرون بجهلهم، وقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يعذرهم بالجهالة
стр. 358
أي لم يكن الجهل عذرا يمنع من التغليظ والإنكار عليهم، حيث غضب النبي ﷺ ، وأنكر ولكن لم يكفرهم".
س ٨٩: سئل الشيخ: هل يجوز إكرام أي شخص بالذبح له؟
فقال الشيخ ﵀: "إذا كان الذبح على وجه الإكرام يجوز إذا كان المذبوح له أهلا لأن يكرم، أو كان المذبوح له ضيفا فإن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».
أما إذا كان هذا الشخص المذبوح له فاجرا فلا يجوز؛ لأن الفاجر إهانته مطلوبة، إلا إذا كان صاحب البيت يخشى على نفسه من جبروته وشره فيقدم له الإكرام دفعا لبلائه وشره، وإذا أمكنه التخلص من هذا الفاجر والنجاة من شره دون أن يذبح له ودون أن يكرمه فهذا خير، وهذا هو الأولى.
وإذا وجد المسلم أن تقديم الكرامة ومنها الذبح لهذا الفاجر، وهو نوع من السياسة واستمالة القلوب وتأليفها، ورأى أن الإكرام هو تمهيد وفتح للقلب لقبول النصيحة وتقريبه من الخير، أو كفه عن الشر، أو عن بعض الشر الذي هو فيه، فإنه يجوز الإكرام لهذا الشخص ولربما كان مستحبا، إذن مسألة الذبح لشخص ما يختلف حكمها على حسب حال الشخص المذبوح له وعلى حسب نية الشخص الذي يذبح.
стр. 359
الكرامات
س ٩٠: فضيلة الشيخ سمعنا عن كرامات حدثت مع إخواننا المجاهدين الأفغان فما هي الكرامة ومدى صحتها أفادكم الله وهل نصدقها؟
الجواب: الكرامة خارقة للعادة أي حادثة تكون خارقة للعادة، يجريها الله جل شأنه على يد من شاء من الصالحين إكراما له، أو إنقاذا له من موقف رأفة له ورحمة به، وهي غير المعجزة، فالمعجزة خارقة للعادة يظهرها الله جل شأنه على يد نبي من أنبيائه، أو رسول من رسله بيانا لرسالته، وتأييدا له في دعوته، وإقامة للحجة على قومه، لإثبات أنه رسول من عند الله، وأنه نبي من أنبياء الله، هذه تسمى معجزة تجري على يد رسول أو نبي من أنبياء الله، والأولى تعتبر كرامة تظهر على يد صالح من الصالحين غير الأنبياء، وقد تظهر على يد الأنبياء مع أتباعهم فيما بينهم، كتلك المعجزات التي ظهرت على يد الرسول ﷺ .
«ففي غزوة الخندق كان الطعام لا يكفي إلا لخمسة، أو لعشرة مثلا، فكفى جيشا من الجيوش بإذن الله، كفى المؤمنين في المدينة دعاهم أنس وجاءوا لبيت أبي طلحة، وأم أنس هي التي صنعت الطعام وأعدته ولما جاء الرسول ﷺ أمرها أن تأتي بالطعام، ودخلوا عشرة عشرة فأطعمت جميع من كان يحفر في الخندق، وبقي الطعام كما هو» وهذا فيما بين الرسول ﷺ والمؤمنين، لا يراد به إقامة حجة على كافر، إنما يراد به إكرام المؤمنين بإطعامهم من جوع؛ لأنه قد ظهر عليهم، «وكان الرسول ﷺ محتزما من شدة الجوع بحزام ضاغط به على جلد بطنه حتى يستطيع أن ينتصب قائما».
стр. 360
هذا مما ظهر من الكرامات على يد الأنبياء، وهو يسمى أيضا معجزة، ولكن لا يراد بها إقامة حجة في مثل هذا.
«وفي أحد الأسفار لم يكن معهم من الماء إلا الشيء القليل، فأمر الرسول ﷺ بقليل من الماء ووضع يده فيه فنبع الماء من بين أصابعه وهو بين الصحابة رضوان الله عليهم،» وهو شبيه بالخارقة الأولى التي حصلت إكراما له وللصحابة، فشربوا وسقوا وتوضئوا، ومن كان عليه جنابة اغتسل، ومن أراد أن يتنظف تنظف.
وهناك معجزات أخرى يراد بها إقامة الحجة مثل القرآن، ومثل انشقاق القمر، ومثل المعجزات الأخرى التي ظهرت أمام الكفار، إثباتا لرسالة نبينا محمد ﷺ .
فالكرامة تظهر على يد الرسول ﷺ ، وعلى يد غيره من الصالحين الذين ليسوا برسل، ولا أنبياء، والمعجزة لا تظهر إلا على يد الأنبياء والرسل، والكرامة عامة في الرسل، والأنبياء، وفي الصالحين من غير الأنبياء والرسل، هذا من تظهر على يده الكرامة وهذا تعريفها.
أما وقوع الكرامة فقد وقعت كما ذكرت للرسول ﷺ ، ووقعت لبعض
стр. 361
الصحابة ﵃ فمن ذلك أن أسيد بن حضير وعباد بن بشر تحدثا عند رسول الله ﷺ حتى ذهب من الليل ساعة، في ليلة شديدة الظلمة، ثم خرج بيد كل منهما عصية، فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت عصا الآخر فمشى كل منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله، هذه من الكرامات التي حصلت للصحابة.
وأيضا في غزوة من الغزوات كان زعيمها أو قائدها سارية وكان عمر بن الخطاب ملهما محدثا كما ذكر الرسول ﷺ «إن كان في الأمة محدثون فعمر بن الخطاب ﵁» هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ ، وكان عمر ملهما وكان يرى الرأي للنبي ﷺ فينزل به القرآن تصديقا لعمر بن الخطاب، وهذا الأمر حصل عدة مرات، فصلاة ركعتين إلى جهة الحجر الأسود عقب الطواف نزل به القرآن تصديقا لعمر بن الخطاب ﵁.
فهذا ابن الخطاب ﵁ وهو يخطب على المنبر ألهمه الله، أو أراه الله
стр. 362
سارية، والجيش من ورائه، فقال له: يا سارية الزم الجبل أي اجعل ظهرك إلى الجبل حتى لا يأتيك العدو من الخلف، وهذه خطة حرب علمه إياه، وهو في غيبة عنه على مسافة أطول من مسافة القصر بعشرات المرات، ومع ذلك سمع سارية عمر بن الخطاب ﵁ ولما حضر سألوه نادى عمر في يوم كذا وقال كذا أسمعت؟ فقال: لقد سمعته ولقد انصرفت إلى الجبل وجعلته في ظهر الجيش فنصرنا الله على أعدائنا.
فهذه كرامة يذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من علماء المسلمين لعمر بن الخطاب، وكرامة لسارية ولسائر الجيش، رسم لهم خطة حربية وهو على المنبر في المدينة والجيش يجاهد في سبيل الله، هذا من الكرامات التي وقعت في هذا الحرب قد يكون في الجيش بعض المنافقين، ولكن أيضا يوجد بعض المخلصين، وجيش الرسول ﷺ قد خرج فيه بعض المنافقين في غزوة تبوك، وأرادوا أن يغتالوه ﷺ ، فالجيوش لا تسلم من أن يكون فيها خائن أو من يدبر سوءا للجيش، وخرج عبد الله بن أبي ابن سلول في غزوة أحد، ومعه كثير من المنافقين، وكثير من ضعفاء القلوب، ولما وصلوا إلى مكان القتال رجع عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين بثلث الجيش، فكادت تحصل فتنة في الجيش، وكادوا ينقسم بعضهم على بعض، وبعضهم يحدث نفسه بالانصراف وفي ذلكم يقول الله جل شأنه: ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما﴾ قد يحدث هذا، وبالفعل قد حدث ذلك في الجيش الذي خرج فيه جماعة من المنافقين، ورجع منه جماعة، فأنزل الله الملائكة وحاربت المشركين كما أنزل ملائكة في غزوة بدر، وكانت الملائكة تنزل في مواطن كثيرة في الحروب، وهذا من الكرامات التي حصلت في غزوة بدر، وحصلت لهم في غير غزوة بدر، وتحصل للمسلمين في الوقت الحاضر، وقد يكون عند إنسان إلهام يلهمه الله إياه
стр. 363
إلى درجة اليقين في أمر لا يدريه قبل ذلك كما حصل لأبي سعيد الخدري في قصة الرقية التي ذكرت من قبل فرقى بالفاتحة دون أن يكون عنده علم مسبق بأنها رقية لكنه إلهام ويقين، فحقق الله يقينه وصدق إلهامه، هذا أيضا من الكرامات.
أقول: إن الكرامات لها حقيقة وعرفتها لكم، وأنها تظهر على يد صالح من المسلمين، وأنها خارقة للعادة، وقد تظهر على يد رسول من رسل الله ونبي من أنبيائه، أما المعجزة فلا تظهر إلا على يد نبي إثباتا لرسالته أو لنبوته.
стр. 364
ثانيا: فتاوى الفقه
стр. 365
أولا: فتاوى الطهارة
س ١: سئل الشيخ: عن التسوك باليد اليمنى أو اليسرى؟
فقال الشيخ ﵀: «بأيهما شاء لا فضيلة لأحدهما».
س ٢: سئل الشيخ: عن زيادة مسلم بن إبراهيم (وسواكه)؟
فقال الشيخ ﵀: «لو ثبتت فيحتمل أن يكون المراد التيمن في الجهة أي يبدأ بالجهة اليمنى»
س ٣: سئل الشيخ: هل يصح الوضوء بدون غسل الكف مع غسل اليدين إلى المرفقين؟ أم يكفي غسلهما في أول الوضوء؟
فقال الشيخ ﵀: «يعمهما من أطراف الأصابع والإكان ناقصا ركنا».
س ٤: سئل الشيخ: هل يمسح على الخف الأيسر اليد اليمني أم باليسرى؟
فقال الشيخ ﵀: «يمسح على الخف الأيسر باليسرى وعلى الأيمن باليمنى، أو على كل منهما بيديه جميعا.
س ٥: سئل الشيخ: هل يجزئ غسل الجنابة عن غسل الجمعة؟
فقال الشيخ ﵀: «نعم يجزئ حتى على القول بوجوب غسل الجمعة؛ لأن الحكمة من غسل الجمعة النظافة وهي العلة
س ٦: سئل الشيخ: ما الفرق بين غسل المرأة للجنابة وللحيض؟
فقال الشيخ ﵀: «لا فرق بينهما إلا في حك الدم في الحيض ولا فرق في فك الضفائر، إذا منعت وصول الماء فكتها في الغسلين وإذا لم يمنع أبقتها».
стр. 366
س ٧: سئل الشيخ: عن طريقة التخلص من الشعر والأظافر؟
فقال الشيخ ﵀: «لا أصل للمنقول عن أحمد أنه يدفنه بل لا بأس بإلقائه في أي مكان».
س ٨: سئل الشيخ: حكم تقصير المرأة شعرها؟
فقال الشيخ ﵀: «لا يجوز، لأنه تشبه بالإفرنج. قاله في المغني في سنن الفطرة».
س ٩: سئل الشيخ: هل على من وطئ زوجته وهي حائض كفارة؟
فقال الشيخ ﵀: «حديث الصدقة بدينار، أو نصف دينار على من وطئ زوجته حائضا فيه مطعن، وهو قول أحمد عملا بالموقوف فالحنابلة يعملون بالموقوف، أما عند مالك فلا كفارة عليه».
س ١٠: سئل الشيخ: هل يصح التيمم بالتراب الذي في السجاد؟
فقال الشيخ ﵀: «إذا لم يجد ماء للوضوء ضرب السجاد فإذا خرج منه تراب تيمم به، وإلا لم يصح. وكذلك الجدار لا يصح التيمم عليه إلا إذا كان عليه غبار ولكن إذا كان الإنسان يحتاج إلى تيمم يجمع ترابا في إناء ويتيمم عليه».
س ١١: سئل الشيخ: عن أحكام المسح على الجوربين والنعلين؟
فقال الشيخ ﵀: «إذا توضأ ثم لبس جوربا وفوقه نعل له أن يمسح على النعل فإذا خلع النعل انتقض وضوؤه ولزمه خلع الجورب.
إذا كان ماسحا على الجورب وأدخله في النعل لا يصح له المسح على النعل بل لابد من خلعه ومسح الجورب».
стр. 367
س ١٢ سئل الشيخ: هل يلزم تحريك الخاتم في الوضوء؟
فقال الشيخ ﵀: «لم يثبت أن النبي ﷺ حرك خاتمة في الوضوء، ولكن الإنسان يحركه إذا كان ضيقا، ويحول دون وصول الماء إلى الجزء الذي يغطيه الخاتم. والنبي ﷺ لم يلبس الخاتم للزينة، وإنما لبسه ليختم به الكتب التي كان يوجهها إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام. والملوك كانوا لا يقبلون كتابا إلا مختوما».
س ١٣: سئل الشيخ حديث من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ؟ (١)
فقال الشيخ ﵀: «الحديث فيه مقال: ومن الناس من قال بالوجوب ومنهم من قال بالاستحباب». والصحيح أنه لا يلزمه الوضوء والغسل إذا شارك في حمل الميت.
س ١٤: سئل الشيخ ما حكم مس الحائض للمصحف وهي ترتدي قفازا؟
فقال الشيخ ﵀: «يجوز».
س ١٥: سئل الشيخ: هل يعتبر البياض الذي في جانبي الصفحة وغلاف المصحف من القرآن، لا يجوز مسه للمحدث أم القرآن هو المكتوب فقط؟
فقال الشيخ ﵀: «غلاف المصحف والبياض في جانبي المصحف منه، فلا يجوز مسه».
س ١٦: سئل الشيخ: هل يلزم نزع اللصق الطبي في الوضوء والغسل؟
فقال الشيخ ﵀: «اللصق الطبي على حسب الضرر إذا كان يضر نزعه أبقاه واغتسل في وجوده»
стр. 368
س ١٧: سئل الشيخ: عمن لبس الفوقاني على التحتاني؟
فقال الشيخ ﵀: (إذا لبس على طهارة ولو ممسوح فيها على التحتاني فله أن يسمح على الفوقاني)
س ١٨: سئل الشيخ: ورد في زيادة لأبي داود على حديث عائشة الذي في الصحيحين كان النبي ﷺ «يعجبه التيمن في تنعله وترجله زاد وسواكه»، وذهب شيخ الإسلام تبعا للإمام أحمد أنه يستاك بشماله؛ لأنه من باب إزالة الوسخ فما قولكم في ذلك؟ (١)
فقال الشيخ ﵀: «لا عبرة بقول أحد في مخالفة النص والحديث يدل على استحباب التسوك باليمين ويشمل هذا أمرين: استعمال اليد اليمنى، والبدء بالجهة اليمنى من الفم. وإلحاق السواك بباب التنظيف والتطهر في الوضوء، والذي يشرع فيه التيمن أولى من إلحاقه بالاستنجاء والاستجمار الذي يشرع فيه التياسر».
س ١٩: سئل الشيخ: تعلمون ما ورد من النصوص في مشروعية المسح على العمامة. فهل يعتبر الشماغ الحالي في حكمها في المسح؟
فقال الشيخ ﵀: (الشماغ أظنه لا يلحق بالعمامة ولا يصح المسح عليه لكن إذا لبس تحته أو تحت الفترة قلنسوة يجوز المسح على القلنسوة)
س ٢١: سئل الشيخ: عن دم السقط؟
فقال الشيخ ﵀: «دم السقط دم نفاس ولو بعد شهرين من الحمل».
س ٢٢: سئل الشيخ: حكم الرطوبات التي تخرج من فرج المرأة؟
فقال الشيخ ﵀: «لها حكم البول في النجاسة ولكن إذا استمرت كانت كمن به سلس البول»
стр. 369
ثانيا: فتاوى الأذان
س ١: ما هي السنة في الأذان أن يفرد قوله (الله أكبر، أم يثنيها يعني ينطق و الله أكبر، الله أكبر)؟
فقال الشيخ ﵀: «السنة أن يفرد كل تكبير بحالها ويتنفس بعدها، ثم يقول «الله أكبر» سواء ربع التكبير يعني كبر في أول الأذان أربع تكبيرات أم كبر تكبيرتين، والخلاف في هذا هو خلاف تنوع يعني أن كلا النوعين جائز في نفسه، والمقصود أن يكبر كل تكبيرة لحالها ويتنفس بعدها هذا هو السنة»
س ٢: سئل الشيخ: هل تأذين أذانين للجمعة، أحدهما قبل دخول الوقت والآخر بعد دخوله هل هذا هو السنة أم أذان واحد بين يدي الخطيب؟
فقال الشيخ ﵀: «تأذين أذانين لصلاة الجمعة أحدهما قبل دخول الوقت هو سنة الخلفاء الراشدين ﵃، فعله عثمان ﵁ ولم ينكر عليه، ولم يبطله علي ﵁ بل استمر العمل به بعد عثمان. وإن كنت أرى أن الأرجح هو آذان واحد بين يدي الخطيب كما يفعله أنصار السنة بمصر لأنه هو الذي كان على عهد رسول الله ﷺ وعلى عهد أبي بكر وعلى عهد عمر ﵄».
س ٣: سئل الشيخ: الأذان خارج المسجد؟
فقال الشيخ ﵀: «المهم الإسماع، فأيهما كان أبلغ في الإسماع كان أولى وإذا استويا فلا مزية للتأذين خارج المسجد ومثله مثل من يلتفت يمينا وشمالا عند الحيعلتين فينخفض صوته لابتعاده عن (الميك) بينما السماعات فوق المنارة توزع الصوت يمينا وشمالا، فإذا زالت العلة زالت المشروعية كما يستفاد ذلك من قصة اختلاف الصحابة ﵃ في صلاة العصر في بني قريظة»
س ٤: سئل الشيخ: متى يقوم الناس إلى الصلاة عند سماع الإقامة؟
فقال الشيخ ﵀: «كل بحسبه يقوم الثقيل أولا بمجرد سماعها والخفيف بعد ذلك»
стр. 370
ثالثا: فتاوى الصلاة
حكم تارك الصلاة
س ١: سماحة الشيخ: ما حكم تارك الصلاة في المسجد مع العلم أنه يصلي في البيت وهل صلاته مقبوله مع العلم أنه يسمع النداء؟
الجواب: أبدأ بذكر الدليل، وأختار لكم من الأدلة الدليل الذي يتصل بكم وهو في القرآن وفي السنة.
كانت للرسول ﷺ حروب مع الكفار وهذا أمر معروف، وله غزوات، وقد نزل في السنة الخامسة أو التي بعدها صلاة الخوف (١) وصلاة الخوف تصلى والإنسان في ميدان القتال سواء كان ميدان القتال خارج البلد، أو كان في حدود البلد، ومعروف أن العدو إذا دهم المسلمين صاروا لا يقوون على الصلاة العادية التي نصليها في المساجد، فكان الرسول ﷺ يصلي بهم صلاة الخوف جماعة فمن أنواع صلاة الخوف ما أذكرهالآن في قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ (٢) هذا في الحرب، والنداء موجه للنبي ﷺ ، إذا كنت فيهم في المسلمين الذين معك في القتال فأقمت لهم الصلاة ﴿فلتقم طائفة منهم معك﴾ (٢) أي يكبر لصلاة الجماعة، ويكون معه نصف الجيش مثلا ﴿فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم﴾ (٢) والنصف الباقي الذي يكون من ورائكم، أي أن النصف الأول كان يصلي مع الرسول ﷺ ركعتين إذا كانوا في غير سفر وإذا كانوا في سفر يصلون ركعة، فإذا صلوا ركعتين قاموا وكملوا لأنفسهم وسلموا، والرسول ﷺ مكانه يقرأ القرآن، ويسبح ويذكر الله حتى يكمل من كان خلفه الركعتين
стр. 371
الأخيرتين، وتذهب الطائفة الأولى إلى مكان الطائفة المتخلفة التي تحرس من صلى مع النبي ﷺ وتأتي الطائفة الأخرى وتصلي مع الرسول ﷺ الركعتين الآخرين ويسلم الرسول ﵊، وهم يقومون فيصلون الركعتين الباقيتين، وإذا كانوا في سفر صلت الطائفة الأولى ركعة، وينتظر النبي ﷺ يقرأ القرآن، والطائفة الأخرى تأتي وتصلي الركعة الثانية وتذهب إلى مكان الطائفة المتخلفة التي هي في الحراسة فتأتي المتخلفة وتصلي الركعة الثانية مع النبي ﷺ ثم تقوم تقضي ما عليها من الركعة الباقية ويسلم الرسول ﷺ حينما ينتهي من الركعة الثانية.
ترتيب الصلاة معروف أنه فرض، وأن سلام المأموم لا يكون قبل سلام الإمام في الصلاة العادية لأنه لو سلم قبل الإمام بطلت صلاته بل يجب على المأموم أن يركع بعد الإمام إذا ركع، وأن يسجد بعده، وأن يقوم بعده، وأن ينخفض بعده وأن يكبر تكبيرة الإحرام بعده، وهذا النظام يختلف في صلاة الخوف، فتركت أركان من قضاء الركعتين، أو الركعة وسبق الإمام بها وكذلك سلامهم قبل الإمام، وهذا الأمر لو كان في الصلاة العادية دون خوف لبطلت الصلاة، ومع ذلك غض الطرف عنه من أجل المحافظة على صلاة الجماعة، فصلاة الجماعة التي يترك من أجلها فروض لافرض واحد كسبق الإمام، وقضاء ركعات، وهو يقرأ يسبقونه، ويسلمون، ويذهبون إلى العدو، و الجماعة التي تركت فيها هذه الأركان ألا تكون واجبة؟ شيء تترك واجبات، وأركان من أجله، لابد أن يكون واجبا، والذي يقول لا يكون واجبا لا يقبل كلامه أحد، ولا يعقل، ولا يقبله الفكر. هذا مما استدل به العلماء القائلون بوجوب الصلاة في جماعة والواجب على المسلمين أن يصلوا في جماعة إلا لأعذار تبيح لهم التخلف عنها، مثل مرض شديد أو أحد الأفراد عليه حراسة ويخشى أن يترك المكان وفيه أشياء مهمة، هذا بعد أن يرجع من ذهب يصلي جماعة مع زميله وليس بلازم أن يكون مع الجماعة الأولى، وله أن يصلي منفردا إذا صلى أولئك.
стр. 372
جماعة فيصلي هو ويصلي معه واحد يتصدق عليه بأن يكون مأموما معه، وإذا كان المأموم الذي صلى هو الذي يصلح للقراءة ويجودها فيصلي إماما ويصلي المفترض التي كانت عليه الحراسة مأموما، هذه طريقة للحرص على صلاة الجماعة في صلاة الخوف، ومن صلاة الخوف أن العدو إذا هجم بالفعل ولا يقوى قائد الجيش، ولا الجيش على أن ينقسموا قسمين، ولا على أن يقيموا الصلاة في جماعة لأن العدو يمكن أن يتغلب عليهم، ويأتيهم من كل جانب من الجوانب، إذا كانوا كذلك صلوا وهم رجال يمشون على أرجلهم، وهم راكبون على خيولهم وعلى إبلهم، وعلى حمرهم، صلوا وهم راكبون ويتكلم كل واحد منهم، ويحذر كل منهم صاحبه، ويضرب عدوه بالسيف، ويستقبل القبلة ويستدبرها، وهذا قد تجاوز الشرع فيه تجاوزا كليا للمحافظة على أداء الصلاة في وقتها، هذا لما نزلت صلاة الخوف أما قبل أن تنزل صلاة الخوف، فكان لهم أن يؤخروا الصلاة عن وقتها كما حصل في غزوة الخندق، وأخروا الصلوات النهارية حتى غربت الشمس فما صلى الرسول ﷺ صلاة العصر إلا بعد أن غربت عليهم الشمس (١).
وفي هذا نزل قوله: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ (٢) أي صلوا الصلاة العادية التي علمتكم إياها على لسان الرسول ﷺ وفي عمله، أما ما دام الخوف
стр. 373
شديدا فصلوا رجالا أو ركبانا، وقال تعالى في سورة النساء أيضا عقب صلاة الخوف: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾ (١) أي يصلي وهو واقف أو على جنبه مستقبل القبلة ومستدبرها إذا كان العدو أمامه والمسلم يقف له بالمرصاد وكامن له في مكان منخفض ويتحين له الفرصة لكي يصيده بسلاحه فبدلا من أن يراه الخصم في وجهه فيرميه بالنبال ينزل في مكان منخفض فيحتمي به ثم يدركه، ويصيده بدلا من أن الكافر هو الذي يصيد المسلم ويجوز للمسلم أن يصلي راقدا على جنبه وهو قوي قوة الفيل، ويصلي على جنبه خداعا لهذا الكافر وطلبا لسفك دمه والقضاء عليه، هذا درس نأخذه من صلاة الخوف.
وهذا بيان لأهمية الصلاة وأنهم يحتاجون إليها وقت الجهاد كما يحتاجون لإقامتها في وقتها في غير وقت الجهاد، فإذا كانت الصلاة معتنى بها في الشرع إلى هذا الحد حتى في الجهاد في سبيل الله، فكيف الحال والرجل أمن مطمئن جالس في بيته في مكيف مع أهله، وعلى فراش لين سهل، فكيف الحال وأنا في هذا الأمن والرخاء وهذه النعمة الوفيرة، يجب على الإنسان أن يرعى حق الله في يسره ومنشطه ومكرهه في الجهاد وفي غير الجهاد.
ومن هذا يتبين أن صلاة الجماعة واجبة ولا يصح للإنسان أن يترك الصلاة في المسجد مع الجماعة، وهو قادر على ذلك إلا لمثل الضرورة التي ذكرت لكم في مسألة النيابة، أو في حريق مثلا ماذا يفعل جماعة الإطفاء ماذا يفعلون عندهم ضرورة لو تركوها وذهبوا لصلاة الجماعة، أوصلوا صلاة الخوف، قد تشتعل النار وتتغلب على الجماعة الذين بقوا أمام الحريق، والحريق لا يقف في وجهه شيئ ولا يخاف، وهو ليس مثل الكفار إذا كان أمامه جماعة يخاف منهم، الحريق ليس له قلب، وليس عنده روح حتى ترهب وتخاف، في مثل هذا يتركون الجماعة ولو خرج الوقت ويتركون الصلاة في وقتها، ويشتغلون باطفاء.
стр. 374
الحريق، وبعد أن ينتهي الحريق ويطفأ يصلون جماعة، هذا شئ اضطرهم لترك الصلاة في جماعة، بل اضطرهم لتأخير الصلاة عن وقتها والضرورة تبيح لنا المحظورة التي هي من هذا الجنس وقد مثلت للضرورة.
أما النائم على فراشه، ويريد أن يتمتع بأهله ويجلس مع أولاده، ويكمل شرب الشاي، وتفوته صلاة الجماعة، أو رجل عنده ضيوف واستحى أن يخرج بهم إلى المسجد، هذا يستحي من المخلوق ولا يستحي من الخالق.
أما ترك الصلاة ففيها رأيان مشهوران، رأي الجمهور وهو أشهر وأكثر ويكاد يكون إجماعا وليس بإجماع، لكن من كثرة القائلين به يكاد يكون إجماعا هو أن تركها كسلا حتى يخرج وقتها هو كبيرة من الكبائر ويقولون: لتارك الصلاة قم إلى الصلاة، صلي العصر مثلا لأن الشمس كادت أن تغيب فإذا هو لم يصل حتى غابت الشمس، وقال إن شاء الله سأصلي، خذنا على جناحك، إذا دخلت الجنة اعمل كذا، الله يصلحك، روح عني، أنا أبتليت أنا كذا، ويقول كلمات غير طيبة هذا عند جمهور العلماء يقتل إذا غابت الشمس لكن يرون أنه يدفن في مقابر المسلمين بعد أن يغسل، ويكفن، ويصلى عليه صلاة الجنازة، هذا الرأي هو أشهر الرأيين.
الرأي الثاني: يقول به جماعة من العلماء يقولون إذا ترك الصلاة كسلا وفتورا، وينبه فلا يصلي، هذا يقتل عند خروج الوقت، أي عند مغيب الشمس أو يستتاب ثلاثة أيام، فإن لم يتب بعد ثلاثة أيام قتل كفرا، ولا يصلى عليه صلاة الجنازة، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويلف في ملابسه، ويوضع في قبر وحده أو يدفن في مقابر الكفار، ولا يرث ماله المسلمون، بل يجعل ماله في بيت مال المسلمين، أي يصادر ويسدد منه الدين، هذا هو الرأي الثاني.
أفيرضى إنسان أن يختلف فيه أئمة المسلمين؟!
فريق يقول إنه يقتل، ولكنه مسلم.
стр. 375
وفريق يقول إنه كافر يقتل مرتدا بعد أن يستتاب ثلاثة أيام.
أيرضى مسلم لنفسه بأن يختلف فيه هذا الاختلاف؟! هذا لا يرضى به عاقل.
هذا هو جملة القول في حكم تارك الصلاة أصلا، ولكنه غير جاحد لها وحكم تارك الصلاة في الجماعة من جهة وجوبها عليه لعذر ويوجد فتاوى في هذا الموضوع في الإفتاء، إذا أرسل من جانبكم رسالة واحد إلى الإفتاء باسم سماحة الرئيس العام الشيخ عبد العزيز بن باز يطلب منه الفتوى التي هي في حكم ترك الصلاة، والفتوى التي هي في حكم ترك الصلاة أثناء إطفاء الحريق، والذي سبق التحدث عنها، إذا طلبتم منهم الفتاوى في هذا الموضوع، وفي ترك الصلاة جماعة بغير عذر، تأتي إليكم الفتوى، وتعملون منها نشرات وتوزعون منها فيما بينكم.
ودليل آخر لوجوب صلاة الجماعة الرسول ﵊ علم أن جماعة يتخلفون عن الصلاة أي تكرر هذا منهم عدة مرات، ويصلون في بيوتهم، وقد يصلون جماعة في البيت، يصلي بزوجته، ويصلي بأولاده، ويعودهم على الصلاة في البيت بدلا من الصلاة في المسجد ولو جماعة، والرسول ﵊ علم بحال هؤلاء فقال: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام وأن آمر برجل فيصلي بالناس وأن آمر بحطب فيحطب وأن أذهب إلى قوم يصلون في بيوتهم ويتخلفون عن الصلاة في المسجد فأحرق عليهم بيوتهم» (١) قال العلماء كان سوف يحرقها لولا ما فيها من النساء والصبيان، أي لولا ما فيها ممن لا تجب عليهم الصلاة جماعة في المسجد الحرقها عليهم، ولكنه ﵊ رحم من في البيوت من أرباب الأعذار من الصبيان والنساء، ومن لا يقوى، ومن لا يجب عليه أن يأتي إلى المسجد من المستضعفين والمرضى، فرحم هؤلاء وترك تحريق البيوت عليهم ثم كان هذا البلاغ منه على ملأ من الصحابة
стр. 376
كافيا لأن يسارع أولئك إلى المسجد ليصلوا الصلوات الخمس جماعة في بيت الله .
هذا دليل أيضا من الأدلة ولكني بدأت بما يتصل بالنواحي الحربية بما هو أوثق بجماعتكم من الجماعة الذين جلسوا في بيوتهم في أمن وسلام. وصلى الله على سيدنا محمد ﷺ .
س ٢: سئل الشيخ: عن الجمع بين الصلاتين في المطر، هل يشترط أن يكون المطر كثيرا؟ فقال الشيخ ﵀: «يشرع الجمع بين الصلاتين الظهر والعصر تقديما أو تأخيرا في المطر والمغرب مع العشاء تقديما أو تأخيرا في المطر الذي يبل الثياب ويحتاج الإنسان معه إلى استعمال المظلة وتصير الأرض زلقة يصعب السير فوقها».
س ٣ سئل الشيخ: هل يتابع المسبوق الإمام إذا زاد ركعة خامسة؟ فقال الشيخ ﵀: «إذا زاد الإمام خامسة لا يقوم المأموم وراءه، وإذا قام وراءه عالما أنها خامسة تبطل صلاته فإن كان جاهلا يعلم وتصح صلاته، ولا يصح للمأموم أن يسلم قبل الإمام إلا في صلاة الخوف. أما المسبوق فإن كان عالما أنها زائدة لا يتابع فيها الإمام ولا يقضي ما عليه حتى يسلم الإمام، وإذا لم يعلم وصلاها معه يحسبها ركعة ويكمل».
س ٤: سئل الشيخ: هل يصلي المأموم المغرب خلف إمام يصلي العشاء؟ فقال الشيخ ﵀: «يشترط اتحاد الهيئة في اقتداء المأموم فيصح أن تصلي الظهر خلف من يصلي العصر ولكن لا يصح أن تصلي المغرب خلف من يصلي العشاء، وإذا لم تعلم أنها العشاء فلك أن تنوي الانفصال إذ علمت في أثناء الصلاة كانفصال المأموم خلف معاذ بن جبل ولم ينكره النبي ﷺ -» (١).
стр. 377
س ٥: سئل الشيخ: هل يباح للدارس خارج وطنه القصر والجمع والفطر إذا طالت مدة سفره؟ جزاكم الله خيرا.
الجواب: أولا الدراسة في الخارج في بلاد الكفر لا تجوز إلا إذا كانت دولته في حاجة لمثل هذا، ولن تتمكن من الإتيان بمن يدرس المواد التي تدرس في الخارج، واضطر أن يسافر للقيام بالواجب العام للإسلام والمسلمين بعد أن يكون ممن عصمهم الله جل شأنه بعلم نافع، وعقيدة صحيحة، والعمل الصالح، والاستقامة والصلابة في خلقه وتمسكه بمبدأه، فيجوز له أن يخرج ليدرس ما تحتاج إليه أمته، أو ما هو مضطر إليه ولا يجد عوضا عن الخارج في داخل بلاده، فإذا ما خرج كانت له رخصة في الجمع بين الصلاتين عند الحاجة إلى ذلك، وفي قصر الصلاة ولكن متى تكون الرخصة؟
هذا محل خلاف بين العلماء وجمهور العلماء على تحديد مدة ما خمسة عشر يوما، وإما أربعة أيام أو أكثر من أربعة أيام ولو بزمن قليل، أو خمسة عشر يوما كما يذكر الحنفية ومن العلماء قلة لا تحدد المدة، والرأي في هذا رأي اجتهادي، ولكن الراجح في نظري تحديد المدة بأربعة أيام أو أكثر من أربعة أيام بشيء قليل، يعني في حدود الأربعة هذا الذي اعتقده، وهناك محل إجماع بين العلماء إذا كانت المدة غير محدودة، وهو لا يدري متى يعود وهو في انتظار أن يرجع فهذا محل وفاق بين العلماء في الترخيص له في القصر والجمع بين الصلاتين المشتركين في الوقت مهما طالت المدة، كما حصل للنبي ﷺ في غزوة تبوك وأمثالها، هذا الرأي مجمع عليه في هذه الصورة، الشخص الذي سافر عن بلده ولا يدري متى يعود ويرجع إلى بلده هذا محل وفاق بين العلماء له أن يستمر في الجمع بين الصلاتين المشتركين في الوقت وله أن يقصر الصلاة الرباعية، أما إذا كان الزمن محدودا وهو أكثر من أربعة أيام فهذا محل خلاف واجتهاد و اختلاف نظر بين الفقهاء، جمهور الفقهاء يحدد المدة وقليل من العلماء
стр. 378
كابن تيمية وابن القيم لا يحدد المدة بل له أن يقصر ويجمع دائما ولو مكث سنة أو سنوات، والسبب في هذا التحديد أولا: أن السفر اسم لمن هو مسافر بالفعل يعني الذي لا يسمى مقيما يسمى مسافرا، فالنازل يسمى مقيما، ولو كانت إقامته يوما واحدا أو نصف يوم هذا هو الأصل، الأصل أن كلمة سفر اسم للانتقال - فما دام منتقلا يسمى مسافرا، فإذا نزل واستقر لا يسمى مسافرا، يسمى مقيما، اسمه نازل ومقيم هذا الأصل في كلمة (سفر) من جهة اللغة، لكن الرسول ﷺ جمع في حجة الوداع بين الصلاتين وقصر - جمع وقصر في مدة أربعة أيام فاعتبرت مدة النزول أربعة أيام، اعتبرت في حكم السفر بالفعل إلحاقا لها بالسفر الذي هو انتقال بالفعل، فمن أجل ذلك رخص للنازل في حدود هذه المدة، رخص له في أن يعمل في صلاته وصومه - لو كان في رمضان - ما يعمله المسافر المنتقل بالفعل، وما زاد على ذلك فهو على الأصل أي يعتبر المسافر مقيما فلا يقصر ولا يجمع إلا لأسباب أخرى مثل البرد الشديد والمطر الشديد وما إلى ذلك.
هذا هو الأساس، الأساس يتركب من أمرين الأول: لغوي: وهو أن السفر اسم للتنقل بالفعل فالمنتقل بالفعل هو الذي يقال له مسافر، ومدة معلومة يعني مسافة معلومة.
والنقطة الثانية: شخص نازل لكنه في حكم المسافر بالفعل وهو الذي أقام أربعة أيام فأكثر، وذلك من عمل الرسول ﷺ في حجة الوداع، فإذا جمعت بين المعنى اللغوي وما لحق به من عمل الرسول ﷺ في قصره لما نزل بالأبطح في حجة الوداع، إذا جمعنا بين الأمرين خرج لنا مذهب الجمهور وهو التحديد بأكثر من أربعة أيام، فما كان من أربعة أيام فأقل يعتبر في حكم المسافر، وما زاد ليس في حكم المسافر، هذا هو توجيه الرأي القائل أن المدة التي تقطع حكم السفر هي إقامة أربعة أيام فأكثر، بينت الخلاف فيه وكل له نظره واجتهاده.
стр. 379
تحية المسجد (١)
س ٦: سئل الشيخ: ما حكم صلاة تحية المسجد والإمام يخطب؟
فقال الشيخ ﵀: اتفق العلماء على طلب تحية المسجد في الجملة لمن دخل المسجد، كما اتفقوا على طلب الإنصات والإصغاء للخطيب يوم الجمعة في الجملة أيضا، واختلفوا فيما ينبغي لمن دخل والخطيب يخطب للجمعة: فذهب إلى الأولى من الأئمة والاستماع فلا يصلي التحية؟ أم يصلي التحية. فذهب إلى الأول من الأئمة الأربعة مالك وأبو حنيفة، وإلى الثاني منهم الشافعي وأحمد (٢). وهاك مأخذ الفريقين ومنزع المذهبين، وبيان ما يعطيه الحجاج من الحق:
احتج الأولون أولا: بعموم قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ (٣). قالوا: أمر الله تعالى بالإنصات والاستماع للقرآن، فالخطبة كذلك، إذ هي قرآن وفي أداء التحية وقتئذ تشاغل وإعراض عن امتثال الأمر، فلا يجوز.
ثانيا: بقوله ﵊: «إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت» (٤). متفق عليه، قالوا: اعتبر إرشاده لجليسه إلى الخير،
стр. 380
وأمره بالمعروف لغوا مع قصر زمنه، فالتشاغل بالتحية أولى أن يكون لغوا فيمنع.
ثالثا: بما رواه الطبراني من حديث ابن عمر مرفوعا: «إذا دخل أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام» (١).
والجواب عن الاثنين الأولين جملة أنها مخصوصة بمن دخل وصلى وجلس فلا يعمه حكمها من دخل ولم يصل، لقوله ﵊: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما» (٢)، فإنه إذا تعارض الخاص والعام قضى بالخاص على العام.
ويخص الأول: أن إطلاق القول بأن الخطبة قرآن دعوى لا دليل عليها، نعم يجوز أن يكون فيها منه آية أو أكثر، ومع ذلك فالحكم للغالب، ويخص الثاني: أن مصلي الركعتين يطلق عليه منصت، ونظيره في ذلك: ما رواه أبو هريرة في افتتاح الصلاة أن قال: يا رسول الله، سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه (٣)؟ فأطلق السكوت على القول سرا، فهنا كذلك، ويخص الثالث: أنه حديث ضعيف، فيه: أيوب بن نهيك، قال أبو زرعة وأبو حاتم: إنه منكر الحديث (٤) فلا تقوم به حجة.
رابعا واستدلوا: بما رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة من طريق
стр. 381
عبد الله بن بسر قال: (جاء رجل يتخطى رقاب الناس والنبي ﷺ يخطب، فقال له: إجلس فقد آذيت) وفي رواية: (وآنيت) (١) قالوا: أمره بالجلوس دون التحية فدل على عدم مشروعيتها حينئذ.
والجواب عنه من وجوه: الأول: أنه يحتمل أن يكون هذا الرجل قد صلى التحية في مؤخر المسجد على مرأى منه ﷺ ، ثم تقدم ليتمكن من سماع الخطبة فتخطى الأعناق فأنكر عليه.
الثاني: يحتمل أن يكون الرجل دخل في أواخر الخطبة، وقد ضاق الوقت بحيث لا يتمكن من التحية قبل الإقامة فلا يطالب بها، ويدل على ذلك ما في بعض الروايات: «فقد أذيت وآنيت» أي: أبطأت.
الثالث: أن معنى قوله ﷺ : «اجلس» النهي عن تخطي الأعناق، بدليل قوله: «فقد آذيت» وأما التحية فقد وكله ﵊ إلى ما علمه الرجل قبل ذلك من ضرورة التحية، ومع هذه الاحتمالات لا يقوى الحديث المذكور على الاحتجاج به في محل النزاع ذلك جملة حجج المانعين وقد بينا ما فيها من توجيه واحتمال.
واحتج الآخرون أولا: بقوله ﵊: (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع وكعتين وليتجوز فيهما (٢)) وهو قاض على عموم ما ذكروا من الأدلة، ولا مطعن فيه، قال النووي: لا أظن عالما يبلغه هذا اللفظ صحيحا فيخالفه (٣).
стр. 382
ثانيا احتجوا: بما رواه جابر بن عبد الله قال: جاء رجل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فقال: «صليت يا فلان؟» فقال: لا، قال: «قم فاركع»، وفي رواية: «فصل ركعتين» رواه الجماعة (١)، وهذا الرجل هو: سليك الغطفاني (٢).
وأجاب المانعون بأنها واقعة حال لا عموم لها. ويدل على اختصاصها بسليك ما روي من حديث أبي سعيد أن الرجل كان في هيئة بذة فقال له: «أصليت»، قال: لا، قال: «صلي ركعتين»، وحض على الصدقة (٣). وأيضا في هذا الحديث عند أحمد أن النبي ﷺ قال: «إن هذا الرجل دخل في هيئة بذة وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه» (٤)، ورد بأن الأصل عدم الخصوصية، وما ذكروه من قصد الصدقة لا يمنع القصد إلى التحية - أيضا - معها فيكون كل منهما جزء علة للأمر، ولو كان للفت النظر إلى الرجل فحسب لقال: إذا رأيتم ذا بذة فتصدقوه، أو إذا كان أحدكم ذا بذة فليصل ركعتين حتى ينتبه له فيتصدق عليه.
وأجابوا عن حديث سليك - أيضا - بأن النبي ﷺ سكت حتي فرغ سليك في صلاته، فقد جمع سليك بين التحية والإنصات، فلم يبق في حديثه حجة لمن أجاز التحية وقتئذ. ورد بأن حديث سكوت النبي ﷺ حتى يفرغ سليك ضعيف،
стр. 383
فإن الدار قطني الذي أخرجه من حديث أنس بن مالك قد ضعفه، وقال الصواب أنه من رواية سليمان التيمي مرسلا أو معضلا (١) فلا صحة فيه، على أنه لو ثبت لكان مخالفا لقاعدتهم، فإن العمل بعد الشروع فيه لا يجوز قطعه عندهم، لا سيما إذا كان واجبا فعلى كلا الأمرين لاحجة لهم فيه، وقد تعللوا بأجوبة أخرى يأباها النظر فلا داعي إلى سردها.
وبالجملة فلكل منزع، وقد عرفت وجه الصواب في ذلك، وهو ضروة (٢) صلاة تحية المسجد للداخل والإمام يخطب للأحاديث الصحيحة الصريحة الثابتة في ذلك مع ضعف جميع الأحاديث التي تمسك به المانعون في الاسناد أو الاستدلال و لا نرى ما يحملنا على ترك الصحيح الثابت، والتحول عنه إلى
стр. 384
الضعيف الواهي اللهم إلا العصبية الممقوتة والتقليد الأعمى، هدانا الله إلى سواء السبيل.
س ٧: سئل الشيخ: هل يصلي تحية المسجد إذا دخل أثناء آذان الجمعة؟
فقال الشيخ ﵀: «نعم إذا دخل المسلم أثناء أذان الجمعة يصلي تحية المسجد ولا ينتظر حتى يفرغ المؤذن»
س ٨: سئل الشيخ: عن إئتمام المسافر بالمقيم؟
فقال الشيخ ﵀: «صلى الصحابة المسافرون أربعا خلف من يصلي أربعا كما في صلاة ابن مسعود خلف عثمان خلافا لابن حزم القائل: إن المسافر يجلس في الركعة الثانية ويترك الإمام يتم الأربع ثم يسلم بسلامه وهو خلاف عمل الصحابة».
ويقول ابن حزم: إذا دخل المسافر في الثالثة أو الرابعة صلى ركعتين وسلم وحجة ابن حزم هي فرضية القصر وبطلان صلاة المسافر إذا أتم».
س ٩: سئل الشيخ: عن الاحتباء في خطبة الجمعة هل يدخل فيها إمساك رجل واحدة بيديه؟
فقال الشيخ ﵀: «الحبوة يوم الجمعة إذا أمسك رجلا واحدة بيديه فهي حبوة أيضا، منهي عنها لأن العلة أنه يخشى خروج ريح أو نوم».
س ١٠: سئل الشيخ: عن معنى كف الثوب؟
فقال الشيخ ﵀: «كف الثوب ضمه بعضه إلى بعض وهو جائز إذا كان ذلك حتى يتمكن من السجود. والمنهي عنه هو تشمير الكم حتى لا يتسخ من غبار الأرض. فإذا كان التشمير موجودا قبل الصلاة فلا حرج عليه، إنما الحرج أن يكفه خصيصا عند دخول الصلاة»
стр. 385
س ١١: سئل الشيخ رحمه الله تعالى عن بعض المسلمين في غرب تنزانيا يصلون الجمعة ثم يصلون الظهر. فما حكم الجمع بين الصلاتين هاتين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ثبت أن الجمعة في عهد النبي ﷺ لم تكن تصلي بالمدينة إلا في مسجد واحد، وأن الصحابة ﵃ كانوا يأتون إليه ﷺ من أطراف المدينة ومن العوالي ونحوها ليصلوا معه الجمعة، واستمر العمل على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين ﵃ فلم يثبت أن أحدا مع في عهده ﷺ ولا في عهد خلفائه الراشد بن ﵃ بالمدينة في غير المسجد النبوي أو في العوالي ونحوها مما هو حول المدينة، بل كانوا يقصدون إلى المسجد النبوي الإقامة الجمعة فيه لعدم الحاجة في ذلك الوقت إلى إقامتها في أكثر من مسجد (١)، وعندما وجدت الحاجة تعددت المساجد من أجل ذلك (٢) رأى بعض الفقهاء كالمالكية أن من شروط صحة الجمعة أن تكون في مسجد، مع اختلاف بينهم في شروطه، ورأى آخرون كالحنفية أنها لا تصح إقامتها إلا في مصر تقام فيه
стр. 386
الحدود، وتنفذ فيه أحكام الإسلام مع اختلاف بينهم في تفسير المصر، اعتمادا من الفريقين على ما كان من فعل النبي ﷺ وخلفائه الراشدين ﵃، لكن الاستدلال بذلك لما ذهب كل منهما إليه غير صحيح،، لأن مجرد الفعل والمداومة عليه إنما يدل على السنة والكمال، لا على توقف الصحة على ذلك، بل دل الدليل على صحتها في قرية وفي غير المسجد، فإن مصعب بن عمير (١) وأسعد بن زراره (٢)، جمعا المسليمن بالمدينة قبل هجرة النبي ﷺ إليها، ولم
стр. 387
تكن حينئذ تقام به الحدود، ولا تنفذ فيها الأحكام لضعف شوكة المسلمين، وأقيمت الجمعة بقرية جواثي بالبحرين في عهد النبي ﷺ (١)، فدل ذلك على أنه لا يشترط المصر ولا المسجد لصحة صلاة الجمعة.
ويرى جمهور العلماء أنه لا يجوز تعددها في البلد الواحد مراعاة لجمع الكلمة، وإشعارا بالوحدة، إلا لحاجة تدعو إلى ذلك، كتباعد أطراف البلد، أو ضيق المسجد عن أهله، أو وجود خصومة بين سكانه ينشأ عنها خطر عند الاجتماع، فيجوز تعددها بقدر الحاجة، دفعا للمشقة ورفعا للحرج عنهم قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (٢)، وقال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٣) ولأنها صليت في أماكن عند الحاجة، وعلى هذا يتبين أن الجمعة إذا أقيمت في غير المصر وفنائه كانت باطلة عند الحنفية، وعلى من صلاها أن يصلي الظهر.
وأن من صلاها في غير مسجد ولو في مصر بطلت جمعته عند المالكية، ووجب عليه عندهم أن يعيدها جمعة في مسجد ما دام الوقت، مع استيفاء بقية شروطها وإلا صلاها ظهرا، وأنها إذا أقيمت في مصر جماعة في مساجد متعددة لغير حاجة صحت عند جمهور الفقهاء ممن صلاها في الجامع العتيق أو ممن سبق بها في غيره، وبطلت على غيره، وعند العلم بالتساوي تبطل على الجميع، ويجب على من بطلت جمعته من هؤلاء أن يصلي ظهرا، فإن أقيمت في مسجد جماعة بمصر ولم تتعدد به أو تعددت الحاجة تدعو إلى ذلك مع استيفاء باقي شروطها صحت عند الجميع.
ولهذا يعرف أن السبب في صلاة بعضهم الظهر بعد أن صلى الجمعة إنما هو فقد شرط صحة الجمعة في رأيه أو في مذهب من قلده، مع اتفاق الجميع على أن
стр. 388
الله لم يفرض على المسلمين في كل يوم وليلة إلا خمس صلوات.
وقد تقدم أن اشترط المصر في صحة إقامتها، أو اشتراط المسجد في صحتها لا ينهض الدليل على إثباته، وأن المنع من تعددها في البلد الواحد إلا لحاجة يتفق مع ما كان عليه العمل في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين كما يتفق مع الحكمة التي من أجلها شرعت الجمعة، لكن غاية ما يدل عليه ذلك أنه يسن عدم تعددها في البلد الواحد إلا لحاجة، وعلى هذا فالصواب أن من صلى الجمعة في المسجد الذي حصل به التعدد في البلد لغير حاجة فصلاته صحيحة وقد أساء لتركه السنة ولا يصلي ظهرا بعد صلاته الجمعة، والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
س ١٢: سئل الشيخ رحمه الله تعالى: هل صلاة العيد تجزئ عن صلاة الجمعة؟
اختلف العلماء فيما إذا كان العيد يوم جمعة، فقال جماعة: من صلى العيد مع الإمام سقطت عنه الجمعة ولا ظهر عليه أيضا ذلك اليوم، واستدلوا بما رواه النسائي في سننه «المجتبى» بسنده عن وهب بن كيسان قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير، فأخر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب فأطال الخطبة، ثم نزل فصلى، ولم يصل للناس يومئذ الجمعة، فذكر ذلك لابن عباس ﵄، فقال: أصاب السنة (١)، وبما رواه أبو داود في سننه بسنده عن عطاء بن أبي رباح قال: صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: أصاب السنة (٢)، وبما رواه أبو داود أيضا عن عطاء قال: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير رضي الله
стр. 389
عنهما فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعا فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما، حتى صلى العصر (١)، فترك ابن الزبير صلاة الجمعة ذلك اليوم وهو الإمام إذ ذاك وقول ابن عباس: أصاب السنة، وعدم إنكار أحد من الصحابة عليه، وعدم خروجه ذلك اليوم عند الزوال لصلاتها أو صلاة الظهر بالناس دليل على سقوطها وسقوط الظهر يومئذ عنه وعمن صلى العيد معه، بل دليل على سقوطهما عنهم وعن غيرهم ممن لم يصل معه العيد ذلك اليوم.
ثم أن هذه المسألة من مسائل العبادات والعبادات مبنية على التوقيف في مثل ذلك، فكان عمل ابن الزبير ﵄ في حكم المرفوع.
لكن قال أبو البركات ابن تيمية في المنتقى عقب ذكر عمل ابن الزبير: قلت: وجه هذا أنه رأي تقدمة الجمعة قبل الزوال فقدمها واجتزأ بها عن العيد. أ هـ (٢)
ويقال أيضا إن إسقاط صلاة الجمعة والظهر عمن صلى العيد خارج عن الأصول التي فرضت على المكلفين خمس صلوات في كل يوم وليلة، وعن الأصول التي دلت على إقامة كل الصلوات في جماعة، وهؤلاء قد صلوا الجمعة أو الظهر وحدانا حينما لم يخرج لهم ابن الزبير، وكان المشروع لهم على مقتضى دليلهم ألا يصلوها أصلا اكتفاء بصلاتهم العيد، أو أن يصلوها جماعة بمقتضى دليل مشروعية الجماعة في الفرائض.
وقال أكثر الفقهاء: لا يرخص لمن صلى العيد في ترك الجمعة ذلك اليوم، ولا لغيرهم بل يجب على من توفرت فيه شروط وجوبها أن يصليها، لأن أدلة وجوبها عامة لم تفرق بين من صلى العيد ذلك اليوم ومن لم يصله، والأصل بقاء ذلك حتى يثبت من أدلة الشرع ما يدل على خلافه.
стр. 390
س ١٣: سئل الشيخ: عن رجل بلده مصر وهو يعمل في السعودية فهل يقصر إذا زار مصر؟
فقال الشيخ ﵀: «إذا أقام المسافر أكثر من أربعة أيام يتم، وإذا سافر من السعودية إلى مصر يتم من حين يصل بلده».
س ١٤: سئل الشيخ: هل يصح أن يصلي ركعتين استخارة عن أمرين مختلفين؟
فقال الشيخ ﵀: «يصلي ركعتين للإستخارة عن شيء معين ثم يصلي استخارة عن الأمر الآخر، وهذا مع الإستشارة أيضا ولا تجزى ركعتان عن أمرين مختلفين أو أمر مخير فيه»
س ١٥: سئل الشيخ: هل يشرع تكرار الاستخارة؟
فقال الشيخ ﵀: «يشرع تكرار الاستخارة إذا لم ينشرح صدره لأحد الأمرين من أول مرة».
س ١٦: سئل الشيخ: هل يشرع رفع اليدين في تكبيرات العيدين والجنازة؟
فقال الشيخ ﵀: «تكبيرات صلاة العيدين والجنازة لا يشرع فيها رفع اليدين، وأنا لا أرفع يدي والموقوف على ابن عمر لا يكفي. ولا يشرع بينهما ذكر أو دعاء».
س ١٧: سئل الشيخ: حكم الخروج لصلاة العيد في مسيرات؟
فقال الشيخ ﵀: «الخروج للعيد في مسيرات منظمة مشروع إذا كان على وجه التعليم، وإشعار الناس بالصلاة في الخلاء».
س ١٨: سئل الشيخ: التكبير الجماعي في صلاة العيد؟
فقال الشيخ ﵀: «يكبر الإنسان من البيت إلى المصلى وفي المصلى جهرا فيشرع لكل شخص أن يجهر بالتكبير لحاله بحيث يرتج المكان بالتكبير