الحدود، وتنفذ فيه أحكام الإسلام مع اختلاف بينهم في تفسير المصر، اعتمادا من الفريقين على ما كان من فعل النبي ﷺ وخلفائه الراشدين ﵃، لكن الاستدلال بذلك لما ذهب كل منهما إليه غير صحيح،، لأن مجرد الفعل والمداومة عليه إنما يدل على السنة والكمال، لا على توقف الصحة على ذلك، بل دل الدليل على صحتها في قرية وفي غير المسجد، فإن مصعب بن عمير (١) وأسعد بن زراره (٢)، جمعا المسليمن بالمدينة قبل هجرة النبي ﷺ إليها، ولم
стр. 387
تكن حينئذ تقام به الحدود، ولا تنفذ فيها الأحكام لضعف شوكة المسلمين، وأقيمت الجمعة بقرية جواثي بالبحرين في عهد النبي ﷺ (١)، فدل ذلك على أنه لا يشترط المصر ولا المسجد لصحة صلاة الجمعة.
ويرى جمهور العلماء أنه لا يجوز تعددها في البلد الواحد مراعاة لجمع الكلمة، وإشعارا بالوحدة، إلا لحاجة تدعو إلى ذلك، كتباعد أطراف البلد، أو ضيق المسجد عن أهله، أو وجود خصومة بين سكانه ينشأ عنها خطر عند الاجتماع، فيجوز تعددها بقدر الحاجة، دفعا للمشقة ورفعا للحرج عنهم قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (٢)، وقال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٣) ولأنها صليت في أماكن عند الحاجة، وعلى هذا يتبين أن الجمعة إذا أقيمت في غير المصر وفنائه كانت باطلة عند الحنفية، وعلى من صلاها أن يصلي الظهر.
وأن من صلاها في غير مسجد ولو في مصر بطلت جمعته عند المالكية، ووجب عليه عندهم أن يعيدها جمعة في مسجد ما دام الوقت، مع استيفاء بقية شروطها وإلا صلاها ظهرا، وأنها إذا أقيمت في مصر جماعة في مساجد متعددة لغير حاجة صحت عند جمهور الفقهاء ممن صلاها في الجامع العتيق أو ممن سبق بها في غيره، وبطلت على غيره، وعند العلم بالتساوي تبطل على الجميع، ويجب على من بطلت جمعته من هؤلاء أن يصلي ظهرا، فإن أقيمت في مسجد جماعة بمصر ولم تتعدد به أو تعددت الحاجة تدعو إلى ذلك مع استيفاء باقي شروطها صحت عند الجميع.
ولهذا يعرف أن السبب في صلاة بعضهم الظهر بعد أن صلى الجمعة إنما هو فقد شرط صحة الجمعة في رأيه أو في مذهب من قلده، مع اتفاق الجميع على أن
стр. 388
الله لم يفرض على المسلمين في كل يوم وليلة إلا خمس صلوات.
وقد تقدم أن اشترط المصر في صحة إقامتها، أو اشتراط المسجد في صحتها لا ينهض الدليل على إثباته، وأن المنع من تعددها في البلد الواحد إلا لحاجة يتفق مع ما كان عليه العمل في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين كما يتفق مع الحكمة التي من أجلها شرعت الجمعة، لكن غاية ما يدل عليه ذلك أنه يسن عدم تعددها في البلد الواحد إلا لحاجة، وعلى هذا فالصواب أن من صلى الجمعة في المسجد الذي حصل به التعدد في البلد لغير حاجة فصلاته صحيحة وقد أساء لتركه السنة ولا يصلي ظهرا بعد صلاته الجمعة، والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
س ١٢: سئل الشيخ رحمه الله تعالى: هل صلاة العيد تجزئ عن صلاة الجمعة؟
اختلف العلماء فيما إذا كان العيد يوم جمعة، فقال جماعة: من صلى العيد مع الإمام سقطت عنه الجمعة ولا ظهر عليه أيضا ذلك اليوم، واستدلوا بما رواه النسائي في سننه «المجتبى» بسنده عن وهب بن كيسان قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير، فأخر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب فأطال الخطبة، ثم نزل فصلى، ولم يصل للناس يومئذ الجمعة، فذكر ذلك لابن عباس ﵄، فقال: أصاب السنة (١)، وبما رواه أبو داود في سننه بسنده عن عطاء بن أبي رباح قال: صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: أصاب السنة (٢)، وبما رواه أبو داود أيضا عن عطاء قال: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير رضي الله
стр. 389
عنهما فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعا فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما، حتى صلى العصر (١)، فترك ابن الزبير صلاة الجمعة ذلك اليوم وهو الإمام إذ ذاك وقول ابن عباس: أصاب السنة، وعدم إنكار أحد من الصحابة عليه، وعدم خروجه ذلك اليوم عند الزوال لصلاتها أو صلاة الظهر بالناس دليل على سقوطها وسقوط الظهر يومئذ عنه وعمن صلى العيد معه، بل دليل على سقوطهما عنهم وعن غيرهم ممن لم يصل معه العيد ذلك اليوم.
ثم أن هذه المسألة من مسائل العبادات والعبادات مبنية على التوقيف في مثل ذلك، فكان عمل ابن الزبير ﵄ في حكم المرفوع.
لكن قال أبو البركات ابن تيمية في المنتقى عقب ذكر عمل ابن الزبير: قلت: وجه هذا أنه رأي تقدمة الجمعة قبل الزوال فقدمها واجتزأ بها عن العيد. أ هـ (٢)
ويقال أيضا إن إسقاط صلاة الجمعة والظهر عمن صلى العيد خارج عن الأصول التي فرضت على المكلفين خمس صلوات في كل يوم وليلة، وعن الأصول التي دلت على إقامة كل الصلوات في جماعة، وهؤلاء قد صلوا الجمعة أو الظهر وحدانا حينما لم يخرج لهم ابن الزبير، وكان المشروع لهم على مقتضى دليلهم ألا يصلوها أصلا اكتفاء بصلاتهم العيد، أو أن يصلوها جماعة بمقتضى دليل مشروعية الجماعة في الفرائض.
وقال أكثر الفقهاء: لا يرخص لمن صلى العيد في ترك الجمعة ذلك اليوم، ولا لغيرهم بل يجب على من توفرت فيه شروط وجوبها أن يصليها، لأن أدلة وجوبها عامة لم تفرق بين من صلى العيد ذلك اليوم ومن لم يصله، والأصل بقاء ذلك حتى يثبت من أدلة الشرع ما يدل على خلافه.
стр. 390
س ١٣: سئل الشيخ: عن رجل بلده مصر وهو يعمل في السعودية فهل يقصر إذا زار مصر؟
فقال الشيخ ﵀: «إذا أقام المسافر أكثر من أربعة أيام يتم، وإذا سافر من السعودية إلى مصر يتم من حين يصل بلده».
س ١٤: سئل الشيخ: هل يصح أن يصلي ركعتين استخارة عن أمرين مختلفين؟
فقال الشيخ ﵀: «يصلي ركعتين للإستخارة عن شيء معين ثم يصلي استخارة عن الأمر الآخر، وهذا مع الإستشارة أيضا ولا تجزى ركعتان عن أمرين مختلفين أو أمر مخير فيه»
س ١٥: سئل الشيخ: هل يشرع تكرار الاستخارة؟
فقال الشيخ ﵀: «يشرع تكرار الاستخارة إذا لم ينشرح صدره لأحد الأمرين من أول مرة».
س ١٦: سئل الشيخ: هل يشرع رفع اليدين في تكبيرات العيدين والجنازة؟
فقال الشيخ ﵀: «تكبيرات صلاة العيدين والجنازة لا يشرع فيها رفع اليدين، وأنا لا أرفع يدي والموقوف على ابن عمر لا يكفي. ولا يشرع بينهما ذكر أو دعاء».
س ١٧: سئل الشيخ: حكم الخروج لصلاة العيد في مسيرات؟
فقال الشيخ ﵀: «الخروج للعيد في مسيرات منظمة مشروع إذا كان على وجه التعليم، وإشعار الناس بالصلاة في الخلاء».
س ١٨: سئل الشيخ: التكبير الجماعي في صلاة العيد؟
فقال الشيخ ﵀: «يكبر الإنسان من البيت إلى المصلى وفي المصلى جهرا فيشرع لكل شخص أن يجهر بالتكبير لحاله بحيث يرتج المكان بالتكبير
стр. 391
ويصير عجبا.
أما اتفاقهم بحيث يبدأون وينتهون معا فهذا التكبير الجماعي لم يرد عليه دليل ولذا فهو غير مشروع».
س ١٩: سئل الشيخ: هل إقامة الصلاة في الميكرفون أفضل أم بدونه؟
فقال الشيخ ﵀: «الإقامة في الميكروفون أفضل؛ لأن بعض الناس قد يكون غافلا فتحركه الإقامة».
س ٢٠: سئل الشيخ: هل يجوز وضع المصلي نعله أمامه واتخاذه إياها سترة؟
فقال الشيخ ﵀: «لا يصلح النعل سترة. أما إذا خشي عليها السرقة فوضعها أمامه، فلا بأس».
س ٢١: سئل الشيخ: عن تحريك الأصبع بين السجدتين؟
فقال الشيخ ﵀: «هو قول الشيخ ابن عثيمين ولا دليل على ذلك والأحاديث الواردة تحمل على التشهد».
س ٢٢: سئل الشيخ: معنى الحديث «كان النبي ﷺ إذا سجد يرص عقبيه» (١) هل يشترط أن يتلامسا؟
فقال الشيخ ﵀: «لا. بل معناه يجعلهما قريبين من بعضهما ولا يشترط أن يتلامسا»
س ٢٣: سئل الشيخ: عن تحريك الأصبع في التشهد هل يحرك أم يكتفي بالإشارة بدون تحريك؟
فقال الشيخ ﵀: (كلاهما سنة عن النبي ﷺ والأفضل التحريك)
стр. 392
س ٢٤: سئل الشيخ: عن حكم رسم خطوط المساجد لتستوي الصفوف عليها؟
فقال الشيخ ﵀: «إذا كان الناس لا تستقيم صفوفهم إلا بذلك فلا بأس، أو كان المسجد قد بني منحرفا عن القبلة ولا تستقيم الصفوف فيه إلا برسم خطوط فلا بأس بذلك إن شاء الله».
س ٢٥: سئل الشيخ: عن بناء البيوت فوق المساجد؟
فقال الشيخ ﵀: «لقد صدرت عن اللجنة فتوى خلاصتها إذا كان البيت سابقا وطرأ المسجد أسفله فلا بأس، أما إذا كان المسجد سابقا فلا يبنى فوقه إلا بشرط خلو البناء فوقه من دورات مياه أو يكون منفعة عامة كمدرسة».
س ٢٦: سئل الشيخ: حكم تقدم المسبوقين أو تأخرهم قليلا بعد تسليم الإمام لئلا يحسب الداخل أن الجماعة ما زالت قائمة؟
فقال الشيخ ﵀: «إذا كان لأجل أن يوسع لنفسه لضيق المكان فما هناك بأس وهو جائز. أما أذا كان لدفع الإيهام فليس مطلوبا شرعا، وهناك من هو جالس لم يقم وبعد قليل تختلف هيئتهم».
س ٢٧: سئل الشيخ: وقت القيلولة قبل الظهر أو بعده في المنقول من السنة؟
فقال الشيخ ﵀: «قد يكون قبل أن يصلوا الظهر ثم يصلون إذا خفت الحرارة. وقوله ﷺ : «أبردوا بالظهر» (١) معناه أنه يقيل من قبل، فإذا نام بعد الصلاة فلا تعتبر قيلولة»
س ٢٨: سئل الشيخ: عن تحية المسجد هل هي سنة أم واجبة؟
فقال الشيخ ﵀: «تحية المسجد ليست بواجبة»
стр. 393
س ٢٩: سئل الشيخ: هل يأثم بتركها؟
فقال الشيخ ﵀: «تارك السنة المؤكدة عند المالكية يأثم»
س ٣٠: سئل الشيخ: ماحكم من تعمد ترك واجب في الصلاة؟
فقال الشيخ ﵀: «من ترك واجبا متعمدا في الصلاة بطلت صلاته».
س ٣١: سئل الشيخ: إذا خرج من المسجد الحاجة يسيرة ثم رجع. هل تلزمه تحية المسجد؟
فقال الشيخ ﵀: «من خرج من المسجد الحاجة يسيرة ولم يطل الفاصل ثم عاد إلى المسجد كمن خرج ليكلم إنسانا بالخارج، أو يشرب ماء بالخارج لا تلزمه تحية المسجد حتى عند القائلين بالوجوب».
س ٣٢: سئل الشيخ: هل تجزئ السنة القبلية عن تحية المسجد؟
فقال الشيخ ﵀: «يجزئ الجمع بين تحية المسجد وسنة قبلية».
س ٣٣: سئل الشيخ: ما حكم من قام من الركعة الثانية إلى الثالثة بدون جلوس للتشهد ثم تذكر فرجع وجلس؟
فقال الشيخ ﵀: «إذا قام المصلي من الركعة الثانية إلى الثالثة بدون أن يجلس للتشهد ثم عاد إلى الجلوس فبعض العلماء يبطل صلاته؛ لأن انتقل من فريضة إلى سنة» (عند المالكية والشافعية) أو واجب عند الحنفية والحنابلة.
س ٣٤: سئل الشيخ: ما حكم كف الشماغ عن الأرض عند السجود؟
فقال الشيخ ﵀: «كف الشماغ عن الأرض عند السجود هو منهي عنه كالشعر وفي الحديث لا يكفت شعرا ولا ثوبا (١). إذا كان بقصد ألا يتسخ لا يجوز. أما إذا رفعه قبل الصلاة بقصد ألا يشغل، فهو كفت غير ممنوع».
стр. 394
س ٣٥: سئل الشيخ: هل يجوز للمدرس أن يأمر الطالب بصلاة الراتبة ويعاقبه عليها إذا لم يصلها؟
فقال الشيخ ﵀: «له أن يأمر بأداء الراتبة من باب النصيحة فإذا لم يستجب الطالب فليس له معاقبته»
س ٣٦: سئل الشيخ: قراءة بعض سورة السجدة وبعض سورة الإنسان أو السجدة على ركعتين؟
فقال الشيخ ﵀: «خلاف السنة»
س ٣٧: سئل الشيخ: عن حكم قلب الغترة في صلاة الاستسقاء؟
فقال الشيخ ﵀: (في الاستسقاء إذا لم يكن معه رداء قلب الكوت وإن لم يكن معه قلب الغترة، ولا يصح أن يقلب الطاقية، ولكن الغترة تقوم مقام الرداء وهذه هيئة مستحبة غير واجبة)
س ٣٨: سئل الشيخ: ماذا يقول الإمام عند الجمع لصلاة الكسوف؟
فقال الشيخ ﵀: «في الكسوف يقول الصلاة جامعة، أو الصلاة جامعة، وجهان صحيحان لغة، ولكن الرواية بالرفع».
س ٣٩: سئل الشيخ: عن حكم تنفل الإمام في مكانه؟
فقال الشيخ ﵀: «تنفل المأموم في مكانه بالمسجد بعد صلاة الفريضة لا حرج فيه، أما الإمام فالأفضل أن يتحول عن مكانه»
س ٤٠: سئل الشيخ: عن حكم صلاة الطلاب جماعة في المدرسة؟
فقال الشيخ ﵀: (صلاة الطلاب في المدرسة غلط لا يجوز ولكن يتعين الذهاب إلى المسجد للصلاة هناك)
стр. 395
س ٤١: سئل الشيخ: عندما يصلي الطلاب في المدرسة يخصص الصف الأول لفصول معينة فما حكم ذلك؟
فقال الشيخ ﵀: «تخصيص الصف الأول في المسجد لفصل معين لا يجوز، بل الصف الأول لمن سبق فمن سبق له التقدم في الصف، وإن لم يكن داخلا في توطين البعير».
س ٤٢: سئل الشيخ: هل تسقط الجماعة عن المسجون؟
فقال الشيخ ﵀: «المقيم إقامة جبرية كالسجين تسقط عنه الجماعة في المسجد، ولكن يصلون جماعة في السجن».
س ٤٣: سئل الشيخ: ما تقول فيمن لا يدرك قراءة الفاتحة خلف الإمام لسرعته وتخفيفه؟ وهل من أدرك الإمام راكعا تحسب له ركعة؟
فقال الشيخ ﵀: «دبر حالك وأسرع في القراءة وبعد ذلك لا يصلي خلفه ويعيد الصلاة إذا لم يدرك الفاتحة في كل الركعات. أما إذا فاتته الفاتحة في ركعة واحدة أعاد ركعة واحدة.
ومن أدرك الركوع لا يدرك الركعة وهو رأي قليل من أهل العلم ولي مقال قديم في أول عدد من مجلة الهدي النبوي. قلت فيه: الفاتحة لا تسقط في حق من أدرك الإمام راكعا وأنا شخصيا إذا رأيت الإمام راكعا أظل واقفا ولا أركع حتى يرفع الإمام خروجا من الخلاف.
وفي حديث أبي بكرة: «ولا تعد» أي عذره فيما مضى لكن بعد ذلك لا يعود إلي احتساب الركعة ركعة وهو رأي ابن حزم وظاهر كلام البخاري، وهناك فتوى للجنة الدائمة باحتساب الركعة ولم أوقع عليها لاختلافي معهم فيها».
стр. 396
س ٤٤: سئل الشيخ: ما حكم اتخاذ السترة للمصلى؟ وهل يجوز أن يصلي المصلي إلى غير سترة خشية فوات الصف الأول، إذا انتقل إلى عمود أو غيره ليتخذه سترة؟ وما هو تأويلكم لحديث ابن عباس عند البخاري أنه ﷺ صلى إلى غير جدار؟ (١)
فقال الشيخ ﵀: «حكم اتخاذ السترة في الصلاة أنه واجب، ولا يجوز للمصلي أن يصلي إلى غير سترة؛ من جدار أو عمود أو غيره ولو أدى ذلك إلى فواته من الصلاة في الصف الأول».
وأما الحديث المذكور، فليس معناه أن النبي ﷺ صلى إلى غير سترة، وإنما سترته لم تكن جدارا. والسترة ليست الجدار فقط وإنما تكون جدارا وغيره.
وأما الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ صلى في أرض فضاء ليس بين يديه شيء فينظر في اسناده (٢)، فإن صح كان قرينة تصرف الأوامر بالسترة من الوجوب إلى الندب. وإن لم يصح كان الأمر على ما ذكرت وهو الوجوب والله أعلم.
س ٤٥: سئل الشيخ: ما حكم الصلاة خلف إمام يتوسل بالصالحين أو يشرب الدخان؟
فقال الشيخ ﵀: «من يتوسل بالصالحين لا تصح إمامته؛ لأنه ممنوع من جهة العقيدة. أما شارب الدخان فتصح إمامته».
س ٤٦: سئل الشيخ: ما حكم الصلاة على من مات تاركا الصلاة؟ فقال الشيخ ﵀: «على المسلمين ترك الصلاة عليه؛ لأنه كافر ولو ترك فريضة واحدة عمدا».
стр. 397
س ٤٧: سئل الشيخ: ماذا يفعل من كان أبوه لا يصلي؟
فقال الشيخ ﵀: «إذا كان أبوه وأمه لا يصليان يدعوهما ويبرهما ودعوتهما للإسلام هي أحسن ما يفعله تجاههما».
س ٤٨: سئل الشيخ: إذا أقيمت الصلاة وهو يصلي نافلة هل يخرج منها لصلاة الفريضة؟
فقال الشيخ ﵀: «نعم يخرج لأن صلاته تنقطع بذاتها ولا يحتاج إلى تسليم. فيجب أن يخرج من النافلة ويصلي المكتوبة حتى لو بقى منها قليل؛ لأن صلاته بطلت بذاتها ليس هو الذي يبطلها»
س ٤٩: سئل الشيخ: ما حكم حلق تلاوة القرآن بعد صلاة فجر يوم الجمعة؟
فقال الشيخ: ﵀: «إذا لم يكونوا يخصصون يوم الجمعة ولكنها دائمة في جميع أيام الأسبوع فهي مشروعة»
س ٥٠: سئل الشيخ: يقول السائل والدي شيخ كبير السن ومريض جدا. وقد يفقد الذاكرة أحيانا فهل تسقط الصلاة عنه؟
فقال الشيخ ﵀: «تسقط الصلاة عنه وقت الغفلة والذهول. وينبغي لمن حوله من أولاده أو اخوانه أو غيرهم من أهله وقرابته والمحيطين به أن ينصحوه وينبهوه ليذهب عنه الذهول والغفلة. ينبغي لمن حوله أن ينبهه مساعدة له على أداء الفرض الواجب عليه. فإذا لم يكن عنده من ينبهه فهو معذور وقت غفلته. وإذا انتبه وجب عليه أن يستدرك مافاته»
س ٥١: إذا نسي الإمام في صلاة التراويح فلم يسلم في الثانية ثم قام إلى الركعة الثالثة، ثم عرف أنه أخطأ وأراد أن يصليها أربعا فهل على المأمومين متابعته؟ وما الدليل على ذلك؟
الجواب: عندي أن الأمر في هذا واسع: له أن يستمر وأن يكملها أربعا،
стр. 398
وله أن يجلس بعد الثالثة الزائدة ويسجد للسهو، والذي أختاره لنفسي وأراه وأعمل به أن يجلس ودليلي على هذا: «إنما الأعمال بالنيات» (١)، وهو لم يدخل إلا ليصلي ركعتين. فليجلس، وليتم الركعتين وليسلم. ثم الحديث: «صلاة الليل مثنى مثنى» (٢) هذا هو الدليل، والعلماء يتوسعون في النوافل ما لا يتوسعون في الفريضة، إذ الفريضة محدودة والنافلة بابها واسع، هذا هو الحكم الذي أراه والدليل الذي أستدل به «إنما الأعمال بالنيات»، و «وصلاة الليل مثنى مثنى» (٣)
س ٥٢: هل تجب قراءة الفاتحة في كل ركعة من صلاة التراويح؟
الجواب: نعم لا فرق بين النافلة والفريضة، تجب الفاتحة في كل ركعة من ركعات الفريضة والنافلة، يجب على المصلي أن يقرأ الفاتحة في كل كعة من الركعات، والمسبوق فيه خلاف، الأئمة الأربعة، والجمهور من غير الأئمة الأربعة أيضا يقولون أن المسبوق الذي أدرك الإمام في الركوع لا تجب عليه قراءة الفاتحة، وقليل من العلماء قالوا تجب عليه أيضا ولا يعتد بالركعة، هؤلاء قلة من الأئمة ومن غير الأئمة الأربعة فلا فرق بين النافلة كصلاة التراويح والفريضة كصلاة الظهر أو المغرب في أن الفاتحة (٤) فرض على المأموم كالإمام والمنفرد.
стр. 399
س ٥٣: سئل الشيخ: بعض الأئمة لا يتركون فرصة للمأمومين لقراءة الفاتحة بعد قراءتهم هم للفاتحة خاصة في صلاة التراويح فهل يجب قراءتها؟
الجواب: يجب قراءة الفاتحة كما تقدم الكلام في هذا، ولم يرد نص في أن الإنسان يخص قراءة الفاتحة بسكتة من السكتات، إنما يجب عليه أن يقرأ الفاتحة وهو يتحين لها الفرصة، ولكن يقرأها أثناء قراءة الإمام للفاتحة، أو في قراءة الإمام للسورة، والأئمة يطولون في التراويح في قراءة القرآن فيقرأها أثناء قراءة الإمام للفاتحة، أو أثناء قراءته للسورة أما أن يجعل لها سكتة خاصة بين الفاتحة والسورة فإن هذا لم يثبت في حديث والحديث الذي ورد في هذا الأمر لم يثبت (١).
والذين قالوا بوجوب قراءة الفاتحة ما عينوا لها زمنا، لكن بعض الناس يتحين الفرصة بوجود سكتة بين السورة والفاتحة ليجمع بين الأمرين، هذا اجتهاد من المأمومين أما قراءة الفاتحة فليس لها زمن معين في وقفة الإمام، فليقرأ الفاتحة حين قراءة الإمام لها أو ليقرأها حين قراءة الإمام للسورة أو الآيات التي يقرأها.
س ٥٤: هل صلاة الترايح ثلاث عشرة ركعة أم اثنتان وعشرون؟
فأجاب الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: ثبت عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة ﵂ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة
стр. 400
ركعة، يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، قالت عائشة ﵂، فقلت: يارسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: (يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) (١).
رواه البخاري في صحيحه، وثبت عن مسروق أنه سأل عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل. فقالت: «سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر» (٢) رواه البخاري في صحيحه، وثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «كانت صلاة النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة» (٣) يعني بالليل رواه البخاري في صحيحه، وثبت عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى ليلة في المسجد فصلي بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني حشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان» (٤) رواه البخاري ومسلم، وثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر، إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة»، رواه مسلم وأبو داود والنسائي (٥).
فمن هذا ونحوه من الأحاديث يتبين أن رسول الله ﷺ لم يزد في صلاة الليل.
стр. 401
على إحدى عشرة ركعة كما في حديث عائشة ﵂، وثلاث عشرة ركعة كما في حديث ابن عباس ﵄، وأنه كان ينقص من ذلك أحيانا، وقد استمر العمل على صلاة الليل إحدى عشرة ركعة في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر ﵄ باتفاق، ثم اختلف الفقهاء هل صارت صلاة الليل - التراويح - في شهر رمضان آخر خلافة عمر ﵁ عشرين ركعة سوي الوتر في الجماعة، أو أن الذي جد هو صلاتها جماعة بعد أن كان المسلمون يصلونها فرادى، أما عدد الركعات فإحدى عشرة ركعة لم يتغير عما كان عليه من قبل؟
وسبب اختلافهم في ذلك الاختلاف ما أمر به عمر ﵁ من عدد ركعات التراويح وما فعل في عهده، فقد روى مالك في الموطأ عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال: «أمر عمر ﵁ أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوم بالناس بإحدى عشرة ركعة قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر» (١) و «روى مالك (٢) عن يزيد بن رومان بثلاث وعشرين ركعة» (٣)، وأرى أن صلاتها إحدى عشرة ركعة أفضل، فإنه على تقدير عدم صحة ما روى أنها صليت في عهد عمر ﵁ عشرين أو ثلاث وعشرين ركعة فالأمر ظاهر، وعلى تقدير صحة صلاتها عشرين أو ثلاث وعشرين ركعة في عمر -
стр. 402
﵁ فالعمل بما ثبت عنه ﷺ وعمل به في عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر ﵄ مقدم على ما حدث بعد باجتهاد، والخطب في هذه المسألة سهل، فإنه خلاف في أي العملين أفضل؟
وأما ما جرى عليه العمل بالمملكة العربية السعودية في صلاة التراويح في عصرنا، فبعض الأئمة يصليها بالمساجد جماعة إحدى عشرة ركعة، وبعضهم يصليها بالمساجد جماعة ثلاثا وعشرين ركعة، عملا ببعض ما ثبت في نظرهم من الآثار عن عمر ﵁.
стр. 403
رابعا: فتاوى الصيام
س ١: هل الراجح أن لكل بلد رؤية يصوم بها أم يصوم البلد برؤية غيره من البلدان؟
الجواب: يرجح أن لكل بلد رؤيتهم.
س ٢: إذا كان مفتي البلد يعمل بالحساب الفلكي ولا يأخذ بالرؤية، فماذا نفعل إذا علمنا أن رمضان قد انتهى، وقد أفطر المسلمون في بلد قريب منا قد بدأوا صومهم معنا؟
الجواب: قال الشيخ: تفطرون سرا مع المسلمين القريبين منكم والذين قد روأوا الهلال، وتصلون العيد مع الناس في اليوم التالي درءا للفتنة.
س ٣: تختلف بداية شهر رمضان في دولة عنها في الدول الأخرى وكذلك يختلف وقت بداية الفطر فكيف يفعل المسلم هل يصوم مع بلده أم يصوم إذا رأت إحدى الدول الإسلامية الهلال؟ وماذا تفعل الجالية الإسلامية التي تعيش في إحدى الدول الكافرة؟
الجواب: إذا كان الإنسان في دولة إسلامية تتراءى الهلال وتعتني به يجب عليه الصوم تبعا لرؤية دولته ولا يجب عليه أن يتبع دولة أخرى إلا إذا كانت البلد التي يعيش فيها دولة كافرة لا تتراءى الهلال، وهم جماعة أو جالية إسلامية ولا يتراءون الهلال بأنفسهم فإنهم يصومون مع أقرب دولة إسلامية إليهم تعتني برؤية الهلال، فيصومون بصومها ويفطرون بفطرها.
فإن كانت هناك جالية إسلامية لها كيان منظم وتعتبر نفسها مستقلة بأمورها كأنها دولة داخل الدولة وتراءوا الهلال فإنهم يصومون برؤية أنفسهم.
ويجدر بالذكر هنا أن مسألة رؤية الهلال وهل رؤية بلد ملزم لكل البلاد الإسلامية أن يصوموا ويفطروا أم أن لكل أهل بلد رؤيتهم الخاصة هذه المسألة من المسائل الإجتهادية التي فيها خلاف بين أئمة الفقهاء وكل يعمل بما يرى.
стр. 404
فإذا كان الإنسان من العلماء فإنه يعمل بما يرى وإن لم يكن الإنسان من العلماء وكان من جمهور الناس وعوامهم فهو يتبع أئمة بلده، ويتبع العلماء الذي يقوون على أخذ الأحكام من أدلتها.
والإنسان يعرف حال نفسه من العلم والجهل وينبغي للمرء أن يكون منصفا في أحواله وأموره وينبغي أن يكون مريدا للحق متبعا له ولا يتبع الهوى والشيطان.
س ٤: المسافر بالطائرة إذا غربت الشمس في الأرض يفطر ولكن إذا ارتفعت الطائرة في الفضاء يرى أن الشمس لم تغرب فما يفعل؟
قال الشيخ ﵀: إذا غابت الشمس في الأرض فإن الصائم يفطر، فإذا ارتفعت الطائرة في الفضاء، فرأى الشمس لم تغرب استمر على فطره أما إذا ارتفعت الطائرة قبل الغروب فإنه يستمر صائما حتى تغيب الشمس في الطائرة.
س ٥: متى يمسك الإنسان عن الأكل والشرب؟ هل في بداية آذان الفجر أم في نهايته؟
الجواب: إذا كان المؤذن الذي يرفع الآذان يتحرى الوقت ويراعيه بدقة بحيث يغلب عليه الظن أن الوقت الصحيح قد دخل فلا يجوز أن يأكل أو يشرب إذا بدأ المؤذن قول الله أكبر وذلك لقول الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط --- الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ (١) وحتى تدل على الغاية فبعد بدء الآذان لا يصح أكل ولا شرب مادام هناك مراعاة للوقت الشرعي. أما إذا كان يغلب على ظن المسلم أن الآذان يكون قبل دخول الوقت فيجوز له أن يأكل ويشرب أثناء الآذان. ويعرف الوقت برؤية الإنسان للفجر الصادق أو بإخبار من يعرف هذا ممن يوثق به وبقوله وبخبرته.
ومن التناقض الذي يقع ويصدر من بعض الناس أنه يأكل ويشرب وهو يؤذن
стр. 405
ذلك أنه يعتقد دخول الوقت بدليل أنه يؤذن ثم هو يأكل أو يشرب أثناء الآذان: وتجد بعضهم يأكل ويشرب أثناء الآذان أو بعده ثم يقوم فيصلي ركعتي الفجر وهذا تناقض لأن صلاة سنة الفجر إنما تكون بعد دخول الوقت. فيأكل ويشرب وهذا لا يكون إلا قبل دخول الوقت ويصلى سنة الفجر وهي لا تكون إلا بعد دخول الوقت. وهذا تناقض لا ينبغي أن يصدر والصواب إذا كان يعتقد دخول الوقت إمتنع عن الأكل والشرب ويصلي سنة الفجر إذا كان يعتقد عدم دخول الوقت أكل وشرب ولم يصل سنة الفجر.
س ٦: إنسان أمنى في نهار رمضان ولكنه عند الإنزال أمسك ذكره حتى لا يخرج منه شيء من المني هل عليه غسل؟ وهل يصح صيامه؟
الجواب: نعم يجب عليه الغسل عند كثير من المسلمين. والمني إذا تحرك ينزل على كل حال، ولا يظل مكانه وإذا احتقن المني وبقى مكانه فإن هذا قد يؤدي إلى تورم الخصية وقد يحتاج فاعله لإجراء عملية أو تناول علاج لمداوة خصيته. القصد أنه يجب عليه الغسل والقضاء إذا كان ما ذكر في السؤال حقيقة واقعة وإلا فأنا أرى أنه مجرد فرض وتقدير وأنا أنصح المسلمين أن يبتعدوا عن تكلف أسئلة لم توجد ولم تقع أسوة بأصحاب رسول الله ﷺ .
س ٧: هل يصح استعمال فرشة الأسنان في نهار رمضان؟
الجواب: يجوز أن يستعمل الإنسان فرشة الأسنان والمعاجين التي ينظفون بها أسنانهم، إذا احتاج إلى ذلك، ولكن الأفضل له أن يتسوك بالسواك المعروف وفيه الكفاية والخير. و قد حث عليه النبي ﷺ (١) والدين دين السهولة واليسر وتتسع أحكامه ويسره لجميع المستويات والأحوال فهو دين الغني الذي يجد
стр. 406
الفرشة وما إليها، ودين الفقير الذي لا يجد إلا السواك المعروف، أو إصبعه إن لم يجد السواك المعروف، والأمر واسع ما دام لا ينزل في حلقه شيء مما استاك به.
س ٨: نزلت يوما إلى مكة ولشدة الحر فيها كنت أضع الثلج في فمي وأنا صائم فهل على حرج؟
الجواب: إذا لم ينزل منه شيء في الحلق فلا حرج. وخير له أن يضع في منخاره إحتياطا وبعدا عن المحظور، أو يضع الثلج على رأسه، ويغتسل ويتوضأ، ويكتفي بالمضمضة.
س ٩: ماذا يلزم الحامل المرضع إذا أفطرتا أياما في رمضان؟
الجواب: قال الشيخ رحمه الله تعالى: الحامل والمرضع إذا أفطرت رمضان كله أو بعضه عليها القضاء فقط، سواء كان خوفها على نفسها، أو على ولدها ولا تلزمها الفدية والدليل عموم القرآن: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر﴾ (١) وهو أحد الأقوال الثلاثة وهذا مرض وهي نكرة عقب شرط فتعم كل مريض.
س ١٠: امرأة أفطرت في رمضان بسبب نفاسها ثم لم تقضه إلا بعد مرور تسع سنوات لجهل منها ثم قضته بعد أن علمت، فهل يلزمها شيء أخر أم لا؟
الجواب: يلزمها فدية عن كل يوم أفطرته، وهذه الفدية إطعام مسكين عن كل يوم لتأخيرها القضاء. وكان ينبغي لها أن تسأل لكي تتعلم. والمسلم ينبغي أن يكون حريصا على دينه وحريصا على التعجيل بالخير والوفاء بما سئلت به الذمة من صيام أو نحوه من الواجبات الشرعية، وينبغي للمسلم أن يكون حريصا على دينه بالوفاء مثل هذه المدة الطويلة، تسع سنوات كاملة والسائلة جاهلة لا تسأل هذا خطأ وتقصير كبير. ولو أن ولدها قد ضل طريقه ولم يصل إلى المنزل أو ضاع منها لصاحت، وبكت، وفتشت عنه في كل مكان وسألت
стр. 407
هنا وهناك. ولا تمل السؤال والبحث فكيف تسكت عن أمر دينها والسؤال عنه.
والخلاصة أن مذهب جمع من الصحابة أن الذي يؤخر قضاء ما فاته من رمضان حتى يأتي عليه رمضان الذي بعده أنه يقضي ويفدي عن كل يوم إطعام مسكين.
س ١١: إذا فات الإنسان صوم الست من شوال لعذر، هل يشرع له أن يقضيها بعد شوال؟
قال الشيخ ﵀: لا يقضيها حتى ولو فاته صيامها لعذر، وذلك لأنها مقيدة بكونها في شوال. حتى أن بعض العلماء شدد واشترط أن تكون متصلة متتابعة بعد العيد. والصحيح أنه لا يشترط اتصالها بالعيد. ولا يشترط تتابعها. بل يصح صومها في كل شوال.
س ١٣: ما معنى صفدت الشياطين؟
قال الشيخ ﵀: هي تصفد أي بالأعمال الصالحة أما من عمل أعمالا ردية، فقد حل قيدها، وفتح باب وساوسها على نفسه، فينفك قيد شياطينه بذلك.
стр. 408
صوم يوم عاشوراء
عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ أمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر (١)، ففي الحديث أن النبي ﷺ أمر المسلمين بصيام عاشوراء أمر فرض ووجوب وأرسل من ينادي بذلك في أطراف المدينة وقراها القريبة منها فعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «أمر النبي ﷺ رجلا من أسلم أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء» (٢)
فصامه المسلمون في العام الأول للهجرة فرضا عليهم. وفي السنة الثانية من الهجرة نزلت فريضة صيام رمضان فرفع عنهم فريضة صيام عاشوراء فكان من شاء صامه تطوعا وقربة ونافلة ومن شاء ترك صيامه كما ذكرت السيدة عائشة ﵂ في الحديث السابق
ثم إن النبي ﷺ نهى عن مشابهة اليهود. نهاه الله عن مشابهتهم وأمره بمخالفتهم. فأمر النبي ﷺ المسلمين أن يخالفوا اليهود في صيام عاشوراء وذلك أن يصوموا معه يوما قبله أو يضموا إليه يوم بعده
فإذا كان يوم عاشوراء موافقا ليوم الجمعة مثلا نصوم يوم الخميس اليوم السابق ليوم الجمعة أو نصوم الجمعة والسبت. أما اليهود فإنهم يفردون يوم عاشوراء بالصيام. يوما واحدا.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن أكمل الأحوال في صيام يوم عاشوراء أن يصوم المسلم اليوم السابق ليوم عاشوراء ويوم عاشوراء ويوما بعده ثلاثة أيام، وهذا أجمل وأكمل وأعظم للأجر، وأعظم في مخالفة اليهود الذين نهانا الرسول ﷺ
стр. 409
عن مشابهتهم فقال ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» (١). فهذا تحذير من الرسول ﷺ يحذرنا فيه من التشبه بالكفار جميعا من يهود و نصارى وغيرهم من أهل الملل والديانات الأخرى، ومع هذا التشديد والتحذير الذي يمنع من التشبه بغير المسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم فإن كثيرا من المسلمين، تشبهوا بهم في مجالات كثيرة من الأخلاق والسلوك بل ودخل على كثير من المسلمين بعض عادات النصارى في عبادتهم وعقائدهم.
وأما عن فضل صيام يوم عاشوراء فقد قال رسول الله ﷺ : «صوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية» (٢).
والإنسان يحتاج إلى ما يكفر الله به خطاياه لأن العبد مهما كان اجتهاده في الطاعة فهو كثير السقطات والخطايا، فمن الناس من تكون سقطاته وأخطاؤه من قبل لسانه ومنهم تكون أخطاؤه من قبل عينيه، أو من قبل بعض جوارحه الأخرى. وقد تكون خطاياه من قبل وسوسة الشيطان في صدره. ومنهم من تكون خطايه من قبل بعض شهوات النفس. المهم أنه لا يخلو إنسان من خطأ أو تقصير وتفريط في طاعه الله فمن رحمة الله بعباده أن شرع لهم ما يكفرون به هذه الذنوب من الطاعات والعبادة وأعمال البر المختلفة قال تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ (٣).
وقال ﷺ : «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» (٤).
стр. 410
وقال ﷺ : «والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار» (١)
فمن رحمة الله بعباده أن يسر لنا من أنواع العبادة ما يكفر بها الذنوب فهذا العبد الخطاء في حاجة إلى كثرة وتنوع المكفرات حتى ينشط كل إنسان في نوع من المكفرات التي يجدها أقرب وأسهل على نفسه فيطهر بذلك نفسه من الذنوب والمعاصي. ويلقى ربه طاهرا فتنزل عليه رحمة ربه في الدنيا والآخرة.
والحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
стр. 411
التدرج في فرض الصوم
إن من رحمة الله ﵎ في فرض الأحكام التي قد تشق على النفس أن يفرضها بالتدريج. فمن ذلك الصوم فقد تدرج في فرضيته ففي أول الأمر فرض صيام يوم عاشوراء فاستمرت فرضيته عاما واحدا. ثم فرض صيام رمضان بعد ذلك وكان صومه أول الأمر على التخير فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم يفطره مسكينا. في السنة الثانية لفرض الصيام صار صيامه عزيمة وارتفع الإطعام قال الله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ (١) هذه الآية في التخيير فمن كان قادرا على الإطعام أطعم ثم قال الله: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ (٢) هذه الآية في عزمة الصيام وإلغاء الإطعام.
وهذا التدرج أيسر على العباد وأنفع في نقلهم من حال كانوا عليها إلى حال أخرى لم يتعودوها، وهذا كالطفل تتركه يرضع، ويرضع ثم يضاف إلى جانب الرضاع الأطعمة سهلة الهضم مع التقليل من الرضاع ثم نتدرج في زيادة الأطعمة وتقليل الإرضاع حتى يتعود على الأطعمة العادية التي يتغذى عليها الكبار بعد أن كان يأكل أطعمة خاصة تناسبه.
стр. 412
خامسا: فتاوى الاعتكاف
س ١: سئل الشيخ: هل يصح الاعتكاف على سطح المسجد أو منارته؟
فقال الشيخ ﵀: يصح الاعتكاف فيه وفي المنارة إذا كان بابها يفتح على داخل المسجد.
стр. 413
سادسا: فتاوى الزكاة
س ١: سئل الشيخ: عن طريقة حساب الحول في رواتب الموظفين؟
فقال الشيخ ﵀: «في الزكاة: النماء ناتج عن أصل المال فحوله حول أصله وإذا كان مستقلا وناشئا من جديد كراتب الموظف فله حول جديد من تاريخ تملكه»
س ٢: سئل الشيخ: إذا جمعت صدقات لفقراء معينين ثم اغتنى هؤلاء الفقراء قبل أن تصلهم الصدقة، فهل يصلح تحويلها إلى فقراء آخرين؟ وهل يمكن نقلها إلى بلد فيها فقراء محتاجون؟
فقال الشيخ ﵀: «لا يصح نقلها إلا بإذن من دفعها، ويصرفها في وجوه البر كمسجد وغيره إذا لم يقف على إذنهم».
س ٣: سئل الشيخ: هل يجوز إقامة مشروع بأموال الزكاة؟
فقال الشيخ ﵀: «لا يجوز إقامة مشروع بأموال الزكاة بل تدفع لمستحقيها الذين سماهم الله في كتابه»
س ٤: سئل الشيخ: إذا كان له زرع وعليه ديون هل يخرج زكاة الزروع؟
فقال الشيخ ﵀: «زكاة الزروع تجب في المحصول الذي حصده سواء كان عليه دين أم لا».
س ٥: سئل الشيخ: هل يجوز إخراج الزكاة بدون تقدير؟
فقال الشيخ ﵀: «يجوز إخراج ما يتيقن أنه أدى به الواجب وزيادة».
س ٦: سئل الشيخ: عن حكم تارك الزكاة؟ وهل لو تاب تارك الزكاة يزكي عن الأعوام السابقة؟
فقال الشيخ ﵀: «إذا تركها كسلا، وكذا ولو ترك الصوم والحج
стр. 414
كسلا فهو فاسق ويجبر على أدائها وإن كانوا جماعة يحاربون حتى يؤدوا الزكاة. ومن كان تاركا لأداء الزكاة وتاب فإنه يزكي عن الأعوام السابقة ولو استغرقت كل ماله».
س ٧: سئل الشيخ: إذا كان لديه أرض يقتنيها ثم ينوي بيعها؟ فقال الشيخ ﵀: «إذا حال عليها حول من تاريخ طروء نية البيع فعليه زكاتها زكاة عروض التجارة».
س ٨: سئل الشيخ: رجل له دين عند آخر، وحال الحول عليه وليس عند هذا الدائن ما يخرجه زكاة عن دينه فهل يجوز أن يؤخر الزكاة حتى يتقاضى راتبه أو يسوق الله له أي مال فيخرج الزكاة عن دينه الذي له؟ فقال الشيخ ﵀: «إذا كان له دين عند آخر وحال عليه الحول، وليس في يده ما يخرج منه الزكاة فإنه يجوز له تأخير إخراج الزكاة حتى يصل إلى يده شيء من المال فيخرج منه وذلك كله إذا كان الدين عند مليك. أما إذا كان الدين عند غير مليك فإنه لا تجب على صاحبه زكاة».
س ٩: سئل الشيخ: متى تجب الزكاة على الدائن في دينه ومتى لا تجب عليه؟ فقال الشيخ ﵀: «تجب الزكاة على الدائن في دينه إذا كان المدين غير معسر، بل هو مليك، ولم يكن المدين مماطلا ويستطيع الدائن أن يستخلص حقه منه.
أما إذا كان المدين معسرا ليس عنده ما يسدد به فإن الدائن ليس عليه زكاة، كذلك إذا كان المدين عنده ما يسدد منه لكنه جبار، والبلاد التي هم فيها بلاد لا تستخلص الحق لصاحب الحق، أو كان صاحب الحق في بلاد يستخلصون الحق لصاحبه، ولكن صاحب الحق ليس عنده من المستندات ما يكفي لإثبات حقه والمطالبة به، وكان المدين ظالما ينكر أن عليه دين ففي هذه الحالة لا تجب على الدائن زكاة حتى يستخلص حقه ولا يسئل عنها ولا يقال متى يدفع الزكاة التي
стр. 415
عليه لأنه لم تجب عليه أصلا ما دام الحال ما وصفت.
أما إذا كان المدين ملئا ومعترفا بالحق، ويمكن استخلاص الدين منه، لكن الدائن هو الذي سكت عن حقه وانظر المدين لأنه عند المدين أصون وأحفظ له من السرقة والضياع عما إذا ما كان عنده هو، فهذا الدائن تجب الزكاة عليه في هذا الدين إذا حال عليه الحول. وإذا حال الحول على الدائن ولم يجد بيده ما يخرج منه الزكاة فإنه ينتظر حتى يوافيه الله بشيء يخرج منه الزكاة سواء كان المرتب أو موسم الحصاد لأحد المحاصيل أو غير ذلك».
س ١٠: سئل الشيخ: لي أخ يدرس في مصر وأنا الذي أصرف عليه ووالدي موجود على قيد الحياة، فهل أستطيع أن أعتبر ما أنفقته على أخي زكاة أم لا؟
فقال الشيخ ﵀: «لا تعتبره زكاة وأبوه موجود، وأبوه واجب أن ينفق عليه. لكن تلك النفقة منك صلة رحم ومساعدة في تخريجه ليقوم بواجب إسلامي في أمته وقومه وأسرته».
س ١١: سئل الشيخ: هل يجوز إعطاء القريب الفقير من الزكاة إذا كان خارج بلد المزكي؟
فقال الشيخ ﵀: «هذا يشتمل على سؤالين: سؤال في إعطاء القريب وسؤال: في إخراج الزكاة عن البلد، أما بالنسبة لكونه قريبا فإذا كان لا تلزم المزكي نفقته جاز أن يعطيه من الزكاة وغير الزكاة، وأما إذا كان ممن تلزمه نفقته فيواسيه من أصل ماله ولا يعتبر صدقة، وإن كان فيه أجر فزوجته مثلا ليست قريبة له ولكن تلزمه نفقتها، فإعطاؤها من ماله والتوسعة عليها في المعروف خير يؤجر عليه وكذلك إكرامه لأولاده وهم ممن تلزمه نفقتهم يؤجر عليه والوالدان يلزم الولد نفقتهما، ومع ذلك إكرامهما والإنفاق عليهما فيه أجر كثير، لكن لا يعطيهما من الزكاة هذا من جهة الأقارب، أما من جهة نقل الصدقة من بلد إلى بلد آخر فإذا كان البلد الآخر فيه من له خصوصية ومزية مثل
стр. 416
قريب فقير لا تلزمك نفقته، فإعطاؤك إياه ونقل صدقتك إليه يقال إنها صدقة وصلة، اجتمع فيها أمران الصدقة وصلة الرحم فيجوز نقلها لمثل هذا، وإذا كان من في البلد البعيد غير بلد الذي يخرج الصدقة، أشد حاجة أرسلها إليه أيضا ويشترط كذلك أن تصل الزكاة إلى من يستحقها قبل يوم العيد أو تصل قبل صلاة العيد على أقصى تقدير، القصد أنها لا تنتقل لبلد آخر إلا لداع يدعو إلى ذلك، كأن يكون قريبا له أو عفيفا لا يمد يده ولا ينتبه إليه الناس، أو يكون أشد حاجة من غيره من أهل البلد أو غير ذلك من الدواعي الشرعية المعتبرة».
س ١٢: سئل الشيخ: إذا كان الحلي يعد للإستعمال والزينة فهل تجب فيه الزكاة؟
فقال الشيخ ﵀: «الرأي الصحيح أنه تجب فيه الزكاة شكرا لنعمة الله. أما إذا كان الحلي متخذا لوقت الحاجة ينفق منه أو للتجارة فتجب فيه الزكاة بإجماع المسلمين. الذي فيه خلاف هو الذي يتخذ للزينة والاستعمال، هذا هو الذي فيه خلاف، والراجح العمل بعموم النصوص في وجوب الزكاة فيه، أما الذي يتخذ للتجارة تأخذه وتخزنه عندها فإذا ارتفع السعر باعت، وسكتت حتى إذا انخفض السعر اشترت فهذه تجارة في المصاغ التي عندها تترصد بها الأسواق لتكسب، إذا ارتفع السعر باعت، وإذا انخفض السعر اشترت هذا بإجماع المسلمين تجب فيه الزكاة لأنه سلعة تجارية، وكذلك إذا كان موضوعا عندها لا للاستعمال والتحلي به إنما هو لأزمات الدهر فهذا تجب فيه الزكاة بإجماع المسلمين، ليس هو للزينة والحلية إنما رصيد عندها لوقت الأزمات إذا نزلت استغنت به عن مديدها للناس هذا تجب فيه الزكاة باتفاق المسلمين، أما الذي فيه خلاف هو الذي تتخذه المرأة لتتحلى به وتتزين به في المناسبات، فهذا هو الذي فيه الخلاف وعموم الأدلة تشهد بوجوب الزكاة، فيه وقياسه على ملابس الستر ومنزل السكنى خطأ لأن منزل السكن أصله في ذاته لا تجب فيه الزكاة، والملابس التي تستر بها بدنك وعورتك أصلها في مادتها لا تجب فيه الزكاة بخلاف النقود الأصل فيها أنها تجب فيها الزكاة، ولا تقاس على غيرها مما الأصل فيه أنها لا
стр. 417
تجب الزكاة، وقياس الحلية من الذهب والفضة على الملابس التي تلبسها المرأة هذا قياس فاسد، لأن الأصل المقيس عليه مادته لا تجب فيه الزكاة بخلاف مادة الذهب والفضة، فالأصل فيها وجوب الزكاة هذا قياس فاسد والقول الراجح هو الذي ذكرته لكم فيما اتخذ من الذهب والفضة للزينة والمناسبات».
س ١٣: سئل الشيخ: هل يجوز إخراج نقود بدل زكاة الفطر؟
فقال الشيخ ﵀: «لا يجوز لأن النقود كانت موجودة عند الصحابة وزكاة الفطر مفروضة، ومع ذلك لم يخرج واحد منهم نقودا في ذلك الوقت وسنوات عديدة ليس رمضان واحدا أخرجت فيه زكاة فطر مرة واحدة، رمضان فرض في السنة الثانية وزكاة الفطر تابعة له فتسع سنوات أو ثمان سنوات على الأقل وزكاة الفطر تخرج حبوبا أو تمورا (١) ولا يخرجها واحد من الصحابة نقودا، ويستمرون هكذا ثم بعد ذلك ينتحلون ليخرجوها نقودا، وفي ذلكم الوقت الناس هم الناس الموجودون الآن منهم من يحتاج إلى أكل، ومنهم من يحتاج إلى كسوة، ومنهم من يحتاج إلى شراء لحم وخضر، و مع ذلك تحرى الرسول ﵊ أن يحددها في أقوات يأكلون منها، وحاجة الإنسان إلى القوت أكثر من حاجته إلى فاكهة أو ملابس، حاجته إلى القوت اليومي أكثر من حاجته إلى ذلك، فاستمرار العمل من الرسول ﵊ في سنوات عديدة زكاة الفطر على إخراج من غير النقود مع كون الناس هم الناس، ويحتاجون إلى الأكل وإلى الكسوة وإلى مصاريف أخرى للأولاد، استمراره على إخراجها مماذكر في الأحاديث دليل على أن هذا هو المشروع دون سواه، فان قال قائل ربما لا أجد الفقير الذي يأخذ مني هذا، نقول له إذا وجدت
стр. 418
الفقير الذي يأخذ النقود سوف تجد الفقير الذي يأخذ القوت. والخلاصة أن زكاة الفطر تخرج من أقوات البلد خلافا لأبي حنيفة ﵀. ومن خالف القول بهذا الذي ذكرت فهو مخطيء في نظري».
س ١٤: سئل الشيخ: هل يصلح الحليب المجفف في زكاة الفطر؟
فقال الشيخ ﵀: «نعم يصلح الحليب المجفف في زكاة الفطر، لأنه يصلح أن يكون قوتا. والحليب هو أصل الإقط».
س ١٥: سئل الشيخ: ما مقدار نصاب زكاة الحلي من الذهب وكيف تقدر؟ هل بالريالات أم من جنس الذهب؟
فقال الشيخ ﵀: «الفضة نصابها أقل فينبغي أن يراعى جانب الفقراء والمساكين، فيقدرها بما فيه مصلحة للفقراء والمساكين فيكون تقديرها بالفضة لا بالذهب، وإذا كان الحلي ذهبا وليس فضة قدر ذلك بالذهب هذا له وإن قدره بالفضة كان خيرا فكل جنس يقدر بنوعه فالذهب يقدر بالذهب والفضة تقدر بالفضة، فإن أراد مراعاة جانب الفقير وقدر الذهب بالفضة فقد فعل خيرا ووسع في الخير للفقراء والمساكين دون أن يكون ذلك واجبا عليه».
س ١٦: سئل الشيخ: هل يجوز شراء أسلحة لمحاربة الكافرين من أموال الزكاة؟
فقال الشيخ ﵀: «إن العداوة التي بين المؤمن والكافرين عداوة قديمة مستأصلة، وأن الخصومة التي بين الفريقين خصومة مستحكمة، وأن قلوب الكافرين لم تزل ولا تزال تتوهج فيها جمرات الغيظ، وتشتعل فيها نيران الضغائن والأحقاد، لا يكاد يخبو لهيبها أو تخمد جمرتها، بل لا تزال تزداد يوما بعد يوم، وتتخذ ألوانا مختلفة من الكيد والتبيت وأشكالا من الحروب النارية خفية وجهرة سرا وعلانية، وما خفي منها أشد ضراوة وأعظم فتكا بالمسلمين مما ظهر، ولذا حذرنا الله من موالاتهم واتخاذ بطانة منهم، قال الله
стр. 419
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون﴾ ﴿ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور﴾ ﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط﴾ (١)
فتارة تكون المعركة بأسلحة مادية وتدور رحاها في الجو، أو البحر، أو على بساط الأرض بالطائرات، والغواصات، والدبابات، وأمثال ذلك من الأسلحة الفتاكة، وتارة تكون نظرية تدور رحاها في عالم الأفكار بإلقاء الشبه ونشر نظريات الإلحاد ونحوها لتشكيك المسلمين في دينهم، وزلزلة العقيدة الإسلامية في نفوسهم، ومحو ما في قلوبهم من حق ويقين، وآونة تكون حرب أعصاب وفتن توهن العزائم، وتبعث الرعب في القلوب، وتحطم وحدة المسلمين، وتفرق جماعتهم بما تلقيه في نفوسهم من بذور الأثرة وأسباب العداوة والبغضاء، وتجعل بعضهم حربا على بعض إلى غير ذلك من ألوان الكيد والحروب فلا بد للمسلمين أن يواجهوهم بمثل أسلحتهم، يواجهونهم بأسلحة مادية يضعونها في نحورهم، ويقضون بها عليهم ويواجهونهم بأدلة علمية يثبتون بها الحق في قلوب المؤمنين، ويمحون بها الشبه حتى لا تكون فتنة ولا إلحاد ولا حيرة ولا شكوك يواجهونهم بإيجاد يقظة في الأمة الإسلامية ونشر الوعي فيها حتى ينكشف لهم ما بخصومهم من الكيد والدس وحتى لا يغتروا بالبهرج الكاذب والمظاهر الخداعة ولا يأخذ التهريج من نفوسهم مأخذه.
وكل هذه المواجهات والمكافحات أنواع من الجهاد في سبيل الله فيجوز أن يستعان في القيام بها بأموال الزكاة وغيرها من تبرعات المحسنين من أغنياء.
стр. 420
المسلمين وبيوت الأموال في الدول الإسلامية عن طريق ولاة الأمور، لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الكفر هي السفلى، وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وأن الله لسميع عليم.
والله الموفق وصلي الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 421
سابعا: الحج
١ - بناء المسجد الحرام
قال الله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (١).
أمر الله خليله إبراهيم ﵇ أن يبنى له الكعبة المشرفة في هذا البلد الأمين لتكون قبلة للناس يستقبلونها في صلاتهم ودعائهم، ويحجون إليها ويطوفون بها وحولها.
وأعلم الله إبراهيم ﵇ بالمكان الذي يقيم فبة بناء الكعبة، وهداه إلى هذا المكان المختار بما شاء من الأمارات والعلامات. وسارع إبراهيم ﵇ بالرحيل من الشام إلى مكة المكرمة حيث يقيم ولده إسماعيل ﵇. فلما رآه إسماعيل قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بولده والولد بوالده. وقال إبراهيم ﵇ لابنه إسماعيل: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر. فقال إسماعيل: اصنع ما أمرك به ربك. قال إبراهيم ﵇: وتعينني؟ قال إسماعيل: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني له بيتا هاهنا وأشار إلى أكمة مرتفعة عما حولها.
عند ذلك أخذ إبراهيم وإسماعيل يرفعان القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني. حتى إذا ارتفع البناء وصعب على إبراهيم أن يكمل البناء لارتفاعه وعلوه، جاء إسماعيل بحجر ووضعه لأبيه ليقوم عليه وهو يبني وهذا الحجر هو الذي يسمى اليوم بالمقام. واستمر إبراهيم.
стр. 422
في البناء وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان (١): ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾، ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم﴾ (١٢٨)، ﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ (٢).
فاستجاب الله دعاءهما وأراهما المناسك وأمر إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج إلى بيت الله الحرام قال تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ (٣).
فقد عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل ﵉ ببناء البيت وأن يطهراه من كل رجس معنوي أو حسي. وأن يجعلاه خالصا لوجهه الكريم. ويجنباه الأصنام، والأوثان، والأزلام، والاستقام بهما، ويطهراه ويجنباه كل شائبة من شوائب الشرك ويصوناه من النجاسة والأقذار ومن غشيان الكفار له، ومن الضجيج ومنكرات الأصوات. ومن كل ما تأباه النفوس الطاهرة والفطر السليمة وليكون أنسب لجلال الله وتوقيره، وأدعى لإخلاص القائمين فيه والعابدين وأجلب لخشوعهم وصلاح قلوبهم واتصالها بالله وحده دون أن يقطع عليهم شيء من المنغصات أمر عبادتهم وتبتلهم.
وقد اتفق العلماء على أن الكعبة شرفها الله أول بيت وضع للناس للعبادة في هذه الأرض لقوله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين﴾ (٤).
стр. 423
ولحديث أبي ذر ﵁ قلت يا رسول الله: «أي بيت وضع للناس أول؟ قال المسجد الحرام. قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى» (١).
ونقل ابن كثير (٢) عن أبي جعفر الباقر أن أول من بني الكعبة هم الملائكة قبل آدم، وقد روى هذا أيضا عبد الرزاق عن عطاء، وابن جريج، وسعيد بن المسيب أن آدم بناها من خمسة أوجه. ثم ذكر عن كعب الأحبار ووهب بن منبه أن أول من بناها شيث، ولم يذكرا دليلا على هذا، وهما إنما يذكران هذا من كتب أهل الكتاب وهذا لا يصدق ولا يكذب. ولا يعتمد عليها - يعني هذه الرواية - وإن صح حديث في هذا - يعني أول من بني الكعبة قبل إبراهيم فعلى العين والرأس. ومع هذا فإن مثل هذا الخلاف لا يبنى عليه شيء من أحكام الشريعة ولا المناسك ولا غيرها. ولا ينبغي تضييع الوقت في مناقشته والاشتغال به. ويجدر بنا أن نقف عند ما صح في الكتاب والسنة من أن أول من رفع بناءها بعد اندثاره هو إبراهيم ﵇ وولده إسماعيل، وكان ذلك بأمر الله وللبيت الحرام مزايا كثيرة فقد جعله الله مباركا كثير الخير في الدنيا والدين.
وقد ضاعف الله فيه ثواب الأعمال الصالحات فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة في غيره من المساجد (٣).
وخص بالوفود إليه للحج والعمرة والطواف به. وجعل الطواف بالبيت صلاة تعظيما لهذا البيت وتعظيما لحرماته.
стр. 424
واستجاب الله دعوة خليله إبراهيم فجعل أفئدة كثير من الناس تهوى إليه وإلى ذريته في الحرم، ورزق أهله - أهل الحرم - من الطيبات الكثيرة الوفيرة والنعم التي لا حصر لها. وصار بعد هذه الدعوة المباركة من نبي الله وخليله صار المسجد الحرام والبلد الحرام تجبى إليه ثمرات كل شيء فضلا من الله وكرما منه. وبارك لأهل هذا الحرم في طعامهم وشرابهم وبعث منهم رسولا إلى الناس كافة وجعله خاتم النبيين جمعا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قال ﷺ : «أنا دعوة أبي إبراهيم» (١).
وجعل في البيت الحرام آيات بينات، ومن دخله كان آمنا فمن دخله معظما له، ومن قصده محتسبا وأدى المناسك كما شرع الله كان آمنا من عذاب الله لقوله ﷺ : «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (٢). ويقول ﵊: «الحج المبرور ليس له ثوابا إلا الجنة» (٣).
وأيضا من دخله كان آمنا من التشفي، والإنتقام منه من القتل والقتال، وكان هذا أمرا مستقرا عند العرب ومتعارف عليه حتى قبل الإسلام، حتى إن الرجل منهم كان يلقى فيه قاتل أبيه وأخيه فلا يقتله ما دام في الحرم، وحرم الله القتال عنده وفيه إلا أن يبدأ أهل العدوان القتال عند الحرم وفي أرض الحرم فيجوز للمسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم القتال والأذى قال تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين﴾ (٤).
ومن خصائص الحرم أنه لا ينفر الصيد فيه، ولا تقطع أشجاره ومن مزايا
стр. 425
هذا البيت أنه أول بيت وضع للناس في الأرض للعبادة للحج إليه واستقباله في الصلاة والدعاء.
ومن مزايا هذا الحرم وخصائصه أن الذي بناه ليس هو إنسانا عاديا بل هو إبراهيم الخليل وكان ذلك بأمر الله وحده وفي هذا ترغيم لأهل الكتابين من اليهود والنصارى الذين لم يرضوا بالبيت الحرام قبلة يصلون إليه ويحجون إليه مع زعمهم الإنتساب إلى إبراهيم وأنهم على شرعه وما كان ذلك لشيء إلا الإنفة، والكبر، والعصبية الجاهلية الممقوته فكيف بعد تركهم هذا وغيره من شرع إبراهيم ﵇ يزعمون أنهم أولى بإبراهيم من غيرهم وأنهم معظمون له ومتبعون له. يقول الله تعالى مبطلا دعواهم أنهم من إبراهيم، وأن النصرانية واليهودية التي هم عليها هي كانت دين إبراهيم وملته يرد عليهم ربنا فيقول: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون * ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين * إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾ (١).
فأبطل زعمهم أنهم على ملته الحنيفية وذلك لأنهم تركوا ملته وشريعته التي أساسها التوحيد ومن أعظم شعائرها تعظيم البيت الحرام وهو أبين التناقض وأوضحه بين الواقع الذي يعيشونه والصراط الذي يسلكونه وبين الدعوى والزعم الذي يزعمونه.
ولما تقادم بنيان الكعبة وصار بنيانها مرتفعا قدر القامة هدمتها قريش واجتمعوا لبنائها وكان ذلك قبل بعثة النبي ﷺ بخمس سنين. فجزأوا البنيان أجزاءا اختص كل جماعة منهم بقسم يبنيه، ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود إختصموا فيمن يحمل الحجر الأسود (٢) ويضعه في مكانه الذي سوف يستقر فيه.