← Фатава

Фатава · id 8613

فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي

عبد الرزاق عفيفي

Полный текст (618 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

سابعا: الحج ١ - بناء المسجد الحرام قال الله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (١). أمر الله خليله إبراهيم ﵇ أن يبنى له الكعبة المشرفة في هذا البلد الأمين لتكون قبلة للناس يستقبلونها في صلاتهم ودعائهم، ويحجون إليها ويطوفون بها وحولها. وأعلم الله إبراهيم ﵇ بالمكان الذي يقيم فبة بناء الكعبة، وهداه إلى هذا المكان المختار بما شاء من الأمارات والعلامات. وسارع إبراهيم ﵇ بالرحيل من الشام إلى مكة المكرمة حيث يقيم ولده إسماعيل ﵇. فلما رآه إسماعيل قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بولده والولد بوالده. وقال إبراهيم ﵇ لابنه إسماعيل: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر. فقال إسماعيل: اصنع ما أمرك به ربك. قال إبراهيم ﵇: وتعينني؟ قال إسماعيل: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني له بيتا هاهنا وأشار إلى أكمة مرتفعة عما حولها. عند ذلك أخذ إبراهيم وإسماعيل يرفعان القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني. حتى إذا ارتفع البناء وصعب على إبراهيم أن يكمل البناء لارتفاعه وعلوه، جاء إسماعيل بحجر ووضعه لأبيه ليقوم عليه وهو يبني وهذا الحجر هو الذي يسمى اليوم بالمقام. واستمر إبراهيم.

стр. 422

في البناء وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان (١): ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾، ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم﴾ (١٢٨)، ﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ (٢). فاستجاب الله دعاءهما وأراهما المناسك وأمر إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج إلى بيت الله الحرام قال تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ (٣). فقد عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل ﵉ ببناء البيت وأن يطهراه من كل رجس معنوي أو حسي. وأن يجعلاه خالصا لوجهه الكريم. ويجنباه الأصنام، والأوثان، والأزلام، والاستقام بهما، ويطهراه ويجنباه كل شائبة من شوائب الشرك ويصوناه من النجاسة والأقذار ومن غشيان الكفار له، ومن الضجيج ومنكرات الأصوات. ومن كل ما تأباه النفوس الطاهرة والفطر السليمة وليكون أنسب لجلال الله وتوقيره، وأدعى لإخلاص القائمين فيه والعابدين وأجلب لخشوعهم وصلاح قلوبهم واتصالها بالله وحده دون أن يقطع عليهم شيء من المنغصات أمر عبادتهم وتبتلهم. وقد اتفق العلماء على أن الكعبة شرفها الله أول بيت وضع للناس للعبادة في هذه الأرض لقوله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين﴾ (٤).

стр. 423

ولحديث أبي ذر ﵁ قلت يا رسول الله: «أي بيت وضع للناس أول؟ قال المسجد الحرام. قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى» (١). ونقل ابن كثير (٢) عن أبي جعفر الباقر أن أول من بني الكعبة هم الملائكة قبل آدم، وقد روى هذا أيضا عبد الرزاق عن عطاء، وابن جريج، وسعيد بن المسيب أن آدم بناها من خمسة أوجه. ثم ذكر عن كعب الأحبار ووهب بن منبه أن أول من بناها شيث، ولم يذكرا دليلا على هذا، وهما إنما يذكران هذا من كتب أهل الكتاب وهذا لا يصدق ولا يكذب. ولا يعتمد عليها - يعني هذه الرواية - وإن صح حديث في هذا - يعني أول من بني الكعبة قبل إبراهيم فعلى العين والرأس. ومع هذا فإن مثل هذا الخلاف لا يبنى عليه شيء من أحكام الشريعة ولا المناسك ولا غيرها. ولا ينبغي تضييع الوقت في مناقشته والاشتغال به. ويجدر بنا أن نقف عند ما صح في الكتاب والسنة من أن أول من رفع بناءها بعد اندثاره هو إبراهيم ﵇ وولده إسماعيل، وكان ذلك بأمر الله وللبيت الحرام مزايا كثيرة فقد جعله الله مباركا كثير الخير في الدنيا والدين. وقد ضاعف الله فيه ثواب الأعمال الصالحات فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة في غيره من المساجد (٣). وخص بالوفود إليه للحج والعمرة والطواف به. وجعل الطواف بالبيت صلاة تعظيما لهذا البيت وتعظيما لحرماته.

стр. 424

واستجاب الله دعوة خليله إبراهيم فجعل أفئدة كثير من الناس تهوى إليه وإلى ذريته في الحرم، ورزق أهله - أهل الحرم - من الطيبات الكثيرة الوفيرة والنعم التي لا حصر لها. وصار بعد هذه الدعوة المباركة من نبي الله وخليله صار المسجد الحرام والبلد الحرام تجبى إليه ثمرات كل شيء فضلا من الله وكرما منه. وبارك لأهل هذا الحرم في طعامهم وشرابهم وبعث منهم رسولا إلى الناس كافة وجعله خاتم النبيين جمعا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. قال ﷺ : «أنا دعوة أبي إبراهيم» (١). وجعل في البيت الحرام آيات بينات، ومن دخله كان آمنا فمن دخله معظما له، ومن قصده محتسبا وأدى المناسك كما شرع الله كان آمنا من عذاب الله لقوله ﷺ : «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (٢). ويقول ﵊: «الحج المبرور ليس له ثوابا إلا الجنة» (٣). وأيضا من دخله كان آمنا من التشفي، والإنتقام منه من القتل والقتال، وكان هذا أمرا مستقرا عند العرب ومتعارف عليه حتى قبل الإسلام، حتى إن الرجل منهم كان يلقى فيه قاتل أبيه وأخيه فلا يقتله ما دام في الحرم، وحرم الله القتال عنده وفيه إلا أن يبدأ أهل العدوان القتال عند الحرم وفي أرض الحرم فيجوز للمسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم القتال والأذى قال تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين﴾ (٤). ومن خصائص الحرم أنه لا ينفر الصيد فيه، ولا تقطع أشجاره ومن مزايا

стр. 425

هذا البيت أنه أول بيت وضع للناس في الأرض للعبادة للحج إليه واستقباله في الصلاة والدعاء. ومن مزايا هذا الحرم وخصائصه أن الذي بناه ليس هو إنسانا عاديا بل هو إبراهيم الخليل وكان ذلك بأمر الله وحده وفي هذا ترغيم لأهل الكتابين من اليهود والنصارى الذين لم يرضوا بالبيت الحرام قبلة يصلون إليه ويحجون إليه مع زعمهم الإنتساب إلى إبراهيم وأنهم على شرعه وما كان ذلك لشيء إلا الإنفة، والكبر، والعصبية الجاهلية الممقوته فكيف بعد تركهم هذا وغيره من شرع إبراهيم ﵇ يزعمون أنهم أولى بإبراهيم من غيرهم وأنهم معظمون له ومتبعون له. يقول الله تعالى مبطلا دعواهم أنهم من إبراهيم، وأن النصرانية واليهودية التي هم عليها هي كانت دين إبراهيم وملته يرد عليهم ربنا فيقول: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون * ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين * إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾ (١). فأبطل زعمهم أنهم على ملته الحنيفية وذلك لأنهم تركوا ملته وشريعته التي أساسها التوحيد ومن أعظم شعائرها تعظيم البيت الحرام وهو أبين التناقض وأوضحه بين الواقع الذي يعيشونه والصراط الذي يسلكونه وبين الدعوى والزعم الذي يزعمونه. ولما تقادم بنيان الكعبة وصار بنيانها مرتفعا قدر القامة هدمتها قريش واجتمعوا لبنائها وكان ذلك قبل بعثة النبي ﷺ بخمس سنين. فجزأوا البنيان أجزاءا اختص كل جماعة منهم بقسم يبنيه، ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود إختصموا فيمن يحمل الحجر الأسود (٢) ويضعه في مكانه الذي سوف يستقر فيه.

стр. 426

حتى كاد يكون بينهم حربا وقتالا ثم احتكموا إلى أول داخل عليهم وأول قادم إليهم، وكان نبينا محمد ﷺ أول داخل عليهم فقالوا. هذا الأمين قبلنا به حكما. فقال هلم ثوبا فجيء بثوب فوضع ﷺ الحجر الأسود عليه بيده، ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب فرفعوه حتى إذا بلغوا به موضعه رفعه رسول الله ﷺ بيده ووضعه في مكانه، ثم أتموا بناء الكعبة لكنهم قصرت بهم النفقة فضيقوا بناءها وحسروه عن قواعد إبراهيم ﵇ من ثلاث جوانب ودخلوا بها من جهة الشمال مقدارا معروفا اليوم بحجر إسماعيل. وظلت الكعبة على حالها الذي بنته عليها قريش حتى غلب عبد الله بن الزبير ﵄ على مكة فنقض الكعبة، وبناها على قواعد إبراهيم ﵇ وجعل لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا ملصقين بالأرض لقول رسول الله ﷺ لعائشة ﵂: «لولا أن قومك حديثوا عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم ولجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا ولألصقتهما بالأرض» (١). وظلت على حالها الذي بناها عليه ابن الزبير طيلة أمارته ﵁ حتى قتله الحجاج الثقفي فردوها إلى ما كانت عليه قبل ابن الزبير ﵄. كما كانت قد بنتها قريش قبل ذلك وكما كانت عليه في عهد عبد الملك بن مروان. ولما كانت دولة بني العباس وتولي الخلافة هارون الرشيد عزم أن يهدم الكعبة ويؤسسها على قواعد إبراهيم كما كان فعل عبد الله بن الزبير. فقال له الإمام مالك رحمه الله تعالى: يا أمير المؤمنين لا تجعل الكعبة ألعوبة للملوك لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها فترك ذلك الرشيد فبقيت على هذا إلى وقتنا الحاضر والله الموفق وصلي الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 427

٢ - مواقيت الحج ذكر الله مواقيت الحج في قوله: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ (١) ومعناه أن أشهر الحج أشهر معلومات من لدن إبراهيم ﵊، واستمر ذلك حتى أقر في شريعة خاتم النبيين محمد ﷺ . وهي تبدأ من أول ليلة من شوال باتفاق العلماء وتنتهي بأخر يوم من ذي الحجة كما هو المتبادر من ظاهر الآية لأن أقل الجمع ثلاثة. أو تنتهي بفجر يوم النحر لأنه لا يصح الإحرام بالحج بعده ولأن «الحج عرفه» كما قال ﷺ في حديثه (٢). وقد مضى الوقوف بها بطلوع الفجر. أو ينتهي في يوم العاشر من ذي الحجة لوقوع طواف الإفاضة به غالبا وهو من أركان الحج أو تنتهي بأخر أيام التشريق لوقوع الطواف ورمي الجمار بهذه الأيام. هذه أقوال أئمة الفقهاء، وظاهر الآية يؤيد الأول منها كما أن هذه الآية تعتبر تفصيلا وبينا لقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ (٣) وجاءت السنة العملية مبينة لهذه الآية ومقيدة لها ببعض الشهور بالنسبة للحج فليست أشهر العام كلها مواقيت للحج، وقد جعل الله للحج مواقيت زمنية وبين العلماء هذه المواقيت فلا يصح الإحرام بالحج قبل هذه المواقيت، كما لا يصح الإحرام به بعدها كما لا تصح صلاة الفريضة قبل وقتها المشروع لها، وبهذا قال جماعة من العلماء. وقال الشافعي يصح الإحرام به قبله لكنه ينعقد عمرة. وقال جمهور العلماء ينعقد حجا لأن الله قال: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ غير أنه لا يكون كاملا لمخالفته للسنة. وأياما كان فإنه ينبغي للمسلم أن يتحرى الصواب في عبادته لربه وأن يؤديها على وجه

стр. 428

الكمال إبراء لذمته واحتياطا لدينه ثم حذر سبحانه حجاج بيته الحرام من الآفات التي تحبط أعمالهم فقال سبحانه: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ (١) فمن أحرم بالحج وعقد عليه نيته فيجب عليه أن يصون لسانه لئلا يجلب عليه ما يفسد عليه حجه من الرفث، والفسوق، والجدال في الحج. أما الرفث فهو الجماع ودواعيه ومنه الكلام حول الجماع ووسائله. ولهذا حرم رسول الله ﷺ أن يعقد المحرم نكاحا لنفسه (٢) أو لغيره فلا يتولى عقدا لنفسه ولا لغيره فهو - يعني الحاج - يضبط شهوة فرجه طيلة أدائه للمناسك حتى تتجمع دواعي قلبه وهمته ووجدانه على هذه العبادة وتتشبع بها روحه ويجد لذتها. وأما الفسوق فهي جميع المعاصي التي تخرج الإنسان عن حظيرة الروح ونقاوة النفس ومكارم الأخلاق إلى غير ذلك مما حرمه الله جل وعلا على المسلمين عامة و على حجاج بيته خاصة. وأما الجدال في الحج فهي كلمة جامعة فيدخل فيه تحريم الجدال في وقت الحج بعد أن قضى الله على نسئ الجاهلية وتغيرها مواقع الشهور، فقال النبي ﷺ : «أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» (٣) فعاد بذلك الحج إلى ميقاته. ويدخل فيه تحريم الجدال في موقف الحج بعد أن قال الله ذلك في قوله: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم﴾ (٤) وقد أكد ذلك رسول الله ﷺ بقوله وعمله والوقوف إنما يكون بعرفه والمزدلفة يوم التاسع من ذي الحجة وليلة العاشر، ثم المبيت بالمزدلفة، ويدخل

стр. 429

فيه أيضا تحريم الجدال في سائر أحكام الحج ومواقفه وذلك إذا جاوز الحد في الجدل والخصومة. أما ما كان من الرغبة في معرفة الصواب، والوصول إلى الحق مع رعاية الأدب وحقوق الأخوة فهو من الجدال بالتي هي أحسن وقد أباحه الله تعالى في قوله: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (١)، ولم يخص حال دون حال. ومثل هذا النوع من الجدال للوصول للحق مع النية الحسنة، ومراعاة الأدب وحفظ حقوق الأخوة مثل هذا الجدال واجب أو مندوب. وكما أن للأشجار والثمار آفات تقضي عليها وتعوق نموها على الصورة المطلوبة وتخيب آمال الزراع فلا يحصدون ولا يحصلون منها على الثمرة المرجوة من وراء زراعتها فيورثهم ذلك حسرة وندامة على ما فرطوا في صيانتها ورعايتها ومقاومة آفاتها ولات ساعة مندم. فكذلك على حجاج بيت الله الحرام أن يصونوا حجهم، وسائر أعمالهم عما يشوبها وينقص أجرها من الرفث، والفسوق، والجدال بالباطل حتى يرجعوا من حجهم إلى أهليهم كيوم ولدتهم أمهاتهم سعيهم مشكور، وذنبهم مغفور قد رضي الله عنهم ورضوا عنه. قال ﷺ : «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من حجه كيوم ولدته أمه» (٢). وبعد أن حذر الله حجاج بيته عن غشيان القبيح قولا أو فعلا. حثهم على التحلي بالجميل فقال: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب﴾ (٣) فأخبرهم جل شأنه أنه ما من عمل من أعمال الخير يكسبونه إلا وقد أحاط به علما، وسيجزيهم عليه جزاء رب كريم لعبد خشع له قلبه، وأسلم له وجهه. وقد كان جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم يحجون بغير زاد ويقولون

стр. 430

نحن المتوكلون، فأمرهم الله أن يتزودوا لحجهم لما في ذلك من صيانة ماء الوجه، وكف النفس عن المسألة مع عدم تعارض ذلك مع التوكل على الله، وبين لهم أن حاجتهم إلى التزود للدار الآخرة أعظم من حاجتهم للتزود لسفر الدنيا، وأن الزاد الذي يصطحب إلى الآخرة هو التقوى. وأن هذا الزاد. التقوى - أفضل أنواع الزاد، لأنه خير وأبقى، ولأنه يجلب للعبد السعادة الأبدية، لذا قال الله: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب﴾ (١). وقد حض الله بهذا الخطاب أولي الألباب لرجاحة عقولهم، وصفاء قلوبهم، وأرواحهم من دواعي الأهواء، ونزوات الشهوات التي تستهوي نفوسهم، وتنكد أعمالهم، وتميل بهم عن الجادة وعن الطريق المستقيم. وقد تحرجت طائفة أخرى من الصحابة من التجارة وكسب المال في موسم الحج واعتقدوا أنهم بذلك يشابهون أهل الجاهلية، وخشوا أن يؤثر هذا على حجهم أو ينقص أجرهم، فأنزل الله ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾. روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كانت عكاظ، ومجنة، وذي المجاز أسواق في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ في موسم الحج (٢). فأباح الله في هذه الآية للمحرم والحاج البيع الشراء، وسائر أنواع الكسب الحلال. وحث الله في الآية السابقة على التزود بخير الزادين زاد الدنيا وزاد الآخرة، فضلا منه ورحمة، وحثهم أن يجعلوه أمامهم في سعيهم وكسبهم، والتوكل على الله والركون إليه وحده، لا إلى الأسباب العادية، ففي يده مقاليد الأمور، فليجعلوا ثقتهم بالله وحده، لا إله إلا هو لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا معقب لحكمه ولا راد لما قضى وهو على كل شيء قدير.

стр. 431

٤ - الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة قال الله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (١٩٨) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ (١). أفضتم من عرفات - دفعتم مسرعين في السير منها إلى المزدلفة، المشعر الحرام - المزدلفة كلها، سميت بذلك لأنها داخل الحرم. ويطلق المشعر الحرام أيضا على جبل موجود بالمزدلفة. من حيث أفاض الناس: المراد إبراهيم الخليل أو إمام المسلمين أو العرب ما عدا قريشا. ثبت أن قريشا غيرت العمل في مواقف الحج عما كان عليه الأمر في شريعة إبراهيم ﵇ فمن ذلك أنهم كانوا يقفون بالمزدلفة دون عرفات ويقولون نحن أهل الله في بلده وقطان بيته الحرام، وكان سائر العرب وجمهورهم يقفون بعرفات ثم يفيضون منها إلى المزدلفة، فلما جاء الإسلام أمر الله جل شأنه حجاج بيته الحرام أن يقفوا بعرفات ثم يدفعوا منها إلى المزدلفة ليذكروا الله فيها عند المشعر الحرام. روى البخاري في صحيحه من طريق عائشة ﵂ أنها قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس (٢) وسائر الناس يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتى عرفات، فيقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله: ﴿من حيث أفاض الناس﴾ (٣).

стр. 432

وفي ذلك إبطال لما كان من تغيير أهل الجاهلية وتبديلهم للمناسك، وقضاء على تلاعبهم بها وافتياتهم على شريعة إبراهيم ﵊، وبيان من الله لعباده أن العبادات توقيفية، وأن الإعتماد في أصل العمل بها وفى صفتها على الوحى من الله لا على آراء الناس وما تهواه نفوسهم، قال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (١). وفي هاتين الآيتين إثبات لأصل الوقوف بعرفة والنزول بالمزدلفة والكر بها، وبيان لترتيب الوقوف بهما، لكن فيهما إجمال بالنسبة لزمن كل منهما وتقديره، وبيان صفته وهذا هو الشأن في القرآن، ينزل الله فيه أصول الأحكام في الإيمان والعبادات والمعاملات كقوله: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (٢). وقوله: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ (٣). وقوله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (٤). وقوله: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ (٥). وقوله: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (٦). وأمر رسوله ﵊ بالبلاغ والبيان، قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٧). فبين رسول الله ﷺ بقوله وعمله زمنهما وما يفعل فيهما من نسك وعبادة

стр. 433

وشرح المناسك في خطبته في حجة الوداع، وقال لأصحابه: «خذوا عني مناسككم» (١)، وذلك أنه ﷺ مكث بمنى بعد أن صلى بها فجر اليوم التاسع حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» (٢) وذكر نصائح ووصايا كثيرة، ثم أذن المؤذن ثم أقام فصلى الظهر بالناس ركعتين ثم أقام فصلى العصر ركعتين، فقصرهما وجمع بينهما جمع تقديم، ولم يصل بينهما شيئا من النافلة، ثم ركب ﷺ حتى أتى الموقف فوقف عند صخرات إلى جانب الجبل المعروف اليوم بجبل الرحمة، ولم يصعد الجبل ولم يصل نافلة بعرفة ولم يصم يومها وقال: «وقفت هنا وعرفة كلها موقف» (٣). ثم استقبل القبلة وأخذ يذكر الله تلبية وتسبيحا وتحميدا وتهليلا وتكبيرا، ولم يزل على ذلك حتى غربت الشمس، ولم يصل بها المغرب بل أفاض إلى المزدلفة، وأخذ بزمام راحلته، فإذا وجد متسعا في الطريق أسرع، وإلا كفها عن السرعة رحمة بالمسلمين، وكان يشير بيده اليمنى قائلا: «أيها الناس السكينة السكينة»، ونزل بالطريق فتوضأ وضوءا خفيفا وقيل له: الصلاة يا رسول الله، فقال: «الصلاة أمامك» (٤)، واستمر في سيره حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وأقامة

стр. 434

لكل منهما وقصر العشاء وجمع بينها وبين المغرب جمع تأخير، ولم يصل بينهما نافلة، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، وصلى الفجر في أول الوقت بأذان وإقامة، ثم ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة ودعا الله وكبره وهلله ووحده، ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا ثم دفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر فأسرع حتى جاوزه، ثم تابع السير حتى أتى جمرة العقبة فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات بعد طلوع الشمس يكبر مع كل حصاة (١). هذا بيان من رسول الله ﷺ قولا وعملا لما ينبغي أن يكون عليه الحجاج في عرفات، وفي الإفاضة منها ثم في المزدلفة، وفي الإفاضة منها إلى منى، وقد اتفق العلماء على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج ولا يصح حج من تركه عمدا أو نسيانا أو خطأ لحديث الحج عرفة واختلفوا في أقل ما يجزئ من الوقوف بها. فذهب الجمهور إلى أنه يجزئ الوقوف بها ساعة ما بين ليل أو نهار بعد الزوال من يوم عرفة، وذهب طائفة من الفقهاء إلى أنه يجزئ الوقوف بها ساعة من نهار عرفة أو من ليله - وهو الظاهر - لحديث عروة بن مضرس الطائي قال: قلت: يا رسول الله أتيتك من جبلي طيء، أكللت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما بقى من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج، فقال رسول الله ﷺ : «من صلى الغداة ههنا، ثم أقام معنا وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه» (٢). ورأت طائفة أنه لا يجزئ، إلا وقوف جزء من ليلة النحر، واتفقوا على أن من بات بالمزدلفة ليلة النحر، وجمع فيها بين المغرب والعشاء مع الإمام، ووقف بعد صلاة الصبح مع الإمام إلى الإسفار بعد الوقوف بعرفة فحجه تام، واختلفوا في المبيت والوقوف بعد الفجر بعد صلاة الصبح: هل هو من سنن الحج أو

стр. 435

واجباته أو فرائضه؟، ومهما يكن من الخلاف بين الفقهاء فيما يتعلق بعرفة ومزدلفة فإنه ينبغي للحاج وقد أتعب نفسه، ويذل ماله، وترك وطنه وأهله، وعمله للحج أن يؤدي حجه على الصفة التي كانت من النبي ﷺ في حجه، تحقيقا لمعنى الاقتداء به وعملا بقوله: «خذوا عني مناسككم». واحتياطا لصحة هذه العبادة التي هي ركن من أركان الإسلام، فليجمع في الوقوف بعرفة بين جزء من ليلة النحر وجزء من نهار عرفة بعد الزوال، وليبيت بمزدلفة وليصل بها المغرب والعشاء والصبح، إلا إذا كان من جنس الضعفة الذين رخص لهم الرسول ﷺ في الإفاضة منها إلى منى بعد منتصف الليل، ولا ينبغي أن يتساهل في عبادته ويتتبع الرخص فيها وخاصة نسك الحج، فإنه قد لا يتيسر له إلا مرة واحدة في العمر، ولا يليق أن يرجع بحج مشوة قد انتقص من أطرافه بترك سننه أو واجباته، طلبا للراحة باتباع السهل من أقوال العلماء دون نظر إلى الأدلة الشرعية، بل عليه أن يحرص على الكمال ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ليكون حجه مبرورا، فيغفر الله له ويرجع من حجه كيوم ولدته أمه وقد طهره الله من الذنوب والآثام (١). ثم بين الله اختلاف أحوال الناس وتباين مقاصدهم وأن سعيهم شتى، فمنهم من الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه وغاية رغبته فهو لا يعمل إلا لها حتى إنه يبتغيها بعمل الآخرة. ولا يلهج لسانه بدعاء ربه إلا لطلب متعها فهذا يوافيه الله حظه في الدينا، وسيلاقي سوء حسابه في الآخرة لانحراف نيته وسوء قصده، وليس له في الآخرة من حرث ولا نصيب وذلك هو الخسران المبين قال تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (١٥) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ (٢). ومنهم من حسن قصده فاسلم وجهه الله وهو محسن، فاستقامت جوارحه

стр. 436

وعمل الأعمال الصالحة، وسأل الله أن يؤتيه في الدنيا حسنة من عافية ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح، ولسان صدق في الآخرين ليكون ذلك غنى لنفسه وعصمة لها من الذل، ووسيلة إلى السعادة يوم لا ينفع المرء إلا ما قدمت يداه، كما يضرع إلى ربه أن يكرمه في الآخرة، فيثبته عند المسألة وييسر حسابه ويؤمنه من أهوال يوم القيامة يوم الفزع الأكبر، وينجيه من النار، وأن يدخله الجنة مع الأبرار ﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب﴾ (١). فيا حجاج بيت الله الحرام تذكروا وقوفكم أمام الله في اليوم الآخر، واجعلوا كل همتكم ونيتكم السعادة الأبدية يوم لقاء الله، ولا تؤثروا الحياة الدنيا على الآخرة. ولا تنسوا نصيبكم من الدنيا، وقولوا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار يكتب الله لكم الفوز المبين، ويدخلكم جنات النعيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

стр. 437

٥ - باب في الإكثار من ذكر الله تعالى أثناء المناسك وبعدها أكثر من ذكر الآباء قال الله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (٢٠٠) ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٢٠١) أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب﴾ (١). قضيتم مناسككم: انتهيتم من أداء جميع شعائر الحج وفرغتم من أعماله كلها. ماله في الآخرة من خلاق: ماله فيها من حظ ولا نصيب من الخير والسعادة. الحسنة في الدنيا كلمة جامعة تشمل كل ما ينتفع به المؤمن في دنياه وما يكون عونا له على السعادة في أخراه. فيدخل في هذا كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجه حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل إلى غير ذلك. كل هذا يندرج في حسنة الدنيا. أما الحسنة في الآخرة: فأعلى ذلك دخول الجنة والنظر الى وجه الله الكريم، وما يسبق ذلك من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة. أما قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ فقد روى ابن جرير وغيره عن جماعة من السلف منهم ابن عباس ﵄: «أن أهل الجاهلية كانوا يقفون في المواسم فيقول الرجل منهم كان أبي يطعم الطعام،

стр. 438

ويحمل الحمالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله تعالى على محمد ﷺ قوله ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ فأمر حجاج بيته الحرام إذا فرغوا من أعمال الحج كلها، ومن الوقوف بالمشاعر، وطواف بالبيت، ونحر للهدي، ورمي للجمار وغير ذلك، أمرهم أن يذكروه سبحانه ذكرا كثيرا، وأن يثنوا عليه بما هو أهل له كذكرهم مفاخر آبائهم، وما كان منهم من النجدة والكرم ومن أنهم كانوا يطعمون الطعام ويحملون الحمالات ويحملون الديات، أو أشد ذكرا. فإنه جل شأنه هو أهل الثناء و المجد، وما كان فيهم أو في أبائهم من خير فهو من الله سبحانه ومن توفيقه، فهو رب الخير كله ، وتصريف شئون العباد كلها إليه وبيده ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم﴾ (١) سبحانه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وهو على كل شيء قدير. ولما كان هو الكريم المنان وكان هو أهل المحامد والثناء، كان هو أولى بالذكر والحمد والثناء والمجد، وكان الواجب على المؤمنين أن يذكروه، وأن يحمدوه، وأن يثنوا عليه بما هو أهل له سبحانه. وكان الواجب عليهم أن يشعروا قلوبهم محبته وعظمته ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم. وليكون ذلك منهم امتدادا لجني ثمار الحج وابقاءا لأثاره في القلوب، وإحياء لذكراه في النفوس. وليقضي به على العادات الجاهلية، وما فيها من التعالي والأنانية، وإثارة الضغائن، والأحقاد والعداوات، وغير ذلك من مثيرات الخلاف والنزاع. ولا يبعد أن يقال إن الإنسان إذا سافر أحس بوحشة الغربة، وضعف الوحدة، فيذكر المسافر أهله ذكر حنين، وحاجة إلى الأنس بهم وحاجة إلى القوة والمنعة، والوجود بين أظهرهم، فأمر الله حجاج بيته إذا هم فرغوا من حجهم، وتمكن منهم الحنين إلى أهليهم أمرهم سبحانه أن يذكروه ذكر أنس به ولجوء إلى

стр. 439

كنفه وحماه، ورهبة منه ورغبة فيما عنده أكثر من ذكرهم لآبائهم، فإن الأنس به أعظم من كل أنس، وحماه أحفظ من كل حمى، وما عنده خير وأبقى. وقال جماعة من أهل العلم ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله … ﴾ الآية أن المراد بالذكر الوارد، هو ذكر الله بالأذكار الواردة عند كل ركن من أركان الحج، كالتلبية عند الإحرام، والتكبير عند الرمي، والتسمية عند الذبح وغير ذلك. وقد جرت سنة الله في تشريعه أن يأمر الناس بالذكر والإستغفار في العبادة، وبعد الفراغ منها وأن يتبعوها بالذكر، بالتحميد والتسبيح والتهليل والتكبير. فأمر جل شأنه حجاج بيته الحرام في ختام هذه الآية الأولى أن يذكروه على الصفة التي هداهم إليها في مشاعر الحج وأنزلها لهم في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ ، وهي التي هدى إليها من قبل إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام وقد كانوا قبل ذلك ضلالا فليؤدوا النسك على وفق ما شرعه الله تعالى لهم شكرا له على نعمه البيان والهداية والإرشاد. وقد أمرهم في ختام الآية الثانية بالإستغفار عند الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى، وبعد الفراغ من ذلك. وفتح باب الأمل والرجاء بقبول أعمالهم والتجاوز عن هفواتهم. فهو واسع المغفرة.

стр. 440

ثامنا: فتاوى الحج س ١: سئل الشيخ: هل وجوب الحج على الفور أو التراخي؟ فقال الشيخ ﵀ الصحيح: وجوب الحج على المستطيع على الفور. س ٢: سئل الشيخ: امرأة لبست القفازين في الإحرام جهلا بالحكم؟ فقال الشيخ ﵀ «لا شيء عليها وهي معذورة بجهلها». س ٣: سئل الشيخ: رجل نسى أن يحلق رأسه ولبس المخيط؟ فقال الشيخ ﵀ «يحلق رأسه وهو لابس المخيط؛ لأنه لبسه ناسيا فيعفى عنه كالرجل المتضمخ بالخلوق» س ٤: سئل الشيخ: الميقات في العمرة إذا كان سيمر به إلى بلد أخرى كجدة؟ فقال الشيخ ﵀ «يحرم من الميقات ويمكث بجدة ولو عشرين يوما محرما كعمل الصحابة يوم الحديبية حيث بقي الصحابة محرمين طيلة المدة التي جرى فيها التفاوض والصلح لأن قصدهم العمرة وإذا كان قصده الأول زيارة أهله بجدة والعمرة تبع جاز له أن يتجاوز الميقات حلالا ثم يحرم من مكانه إذا هو نوى العمرة». س ٥: سئل الشيخ: إذا اعتمر في أشهر الحج ثم ذهب إلى أمريكا ورجع قبل الحج يلزمه أن يدخل مكة محرما وتكفيه العمرة السابقة وحجه تمتع؟ فقال الشيخ ﵀ «نعم». س ٦: سئل الشيخ: الشخص الذي له مصلحة بمكة وليس مريدا للنسك؟ فقال الشيخ ﵀ «له أن يدخل مكة بغير إحرام حتى ولو يوم عرفات وله أن يجاوز الميقات بغير إحرام». س ٧: سئل الشيخ: حكم استعمال الصابون ذي الرائحة للمحرم؟ فقال الشيخ ﵀ «لا ينبغي. والأحوط أن عليه فدية»

стр. 441

س ٨: سئل الشيخ: هل يجوز سفر المرأة بدون محرم بالطائرة؟ فقال الشيخ ﵀ «لا تسافر المرأة بدون محرم ولوفي الطائرة إلا أن بعض الفقهاء من المالكية، والشافعية يقولون الرفقة المأمونة تقوم مقام المحرم، وأنا أحيانا أقول بهذا، ومعنى الرفقة المأمونة أنها تأمن من شرهم، وإذا أرادها أحد بسوء فهم أهل قوة وشهامة يدافعون عنها، مثل أن يكون رجل وزوجته أو رجل وأخته، ومعهما زوجة رجل مقيم في المكان الذي يريدون السفر إليه قد تكون رفقة مأمونة ولو وصلها أحد محارمها إلى المطار، وانتظرها محرم لها في المطار الآخر فإننا نكون قد أخذنا بالاحتياط اللازم في سفر المرأة». س ٩: سئل الشيخ: عن رمي الجمرات في المرمى؟ فقال الشيخ ﵀ «في رمي الجمرات يكفي غلبة الظن أنه أصاب المرمى ولا يشترط اليقين». س ١٠: سئل الشيخ: عن المبيت بمنى؟ فقال الشيخ ﵀ «المبيت بمنى قيل إنه واجب فيلزم تاركه دم، وقيل سنة فلا يلزم تاركه شيء ومن قال بالوجوب يكفيه أكثر الليلتين. أما إذا بات ليلة واحدة أو أقل من نصف الليلة فعليه دم». س ١١: سئل الشيخ: هل السفر بالطائرة التي لا تستغرق المسافة إلا ساعتين يعتبر في حكم السفر القصير؛ لأنه لا يستغرق يوما وليلة والنبي ﷺ أباح للمرأة السفر القصير بلا محرم؟ فقال الشيخ ﵀ «بلى هو كذلك». س ١٢: سئل الشيخ: شخص أحرم لطفله من الميقات ثم لم يؤد له مناسك العمرة فلم يطف به ولم يسع ولم يحلق أو يقصر وعاد إلى بلده. فماذا عليه؟ فقال الشيخ ﵀ «عليه أن يعود به إلى مكة فيعيد العمرة إن كانت

стр. 442

عمرة أو يعيد الحج إذا كان حجا، ولا دم عليه مادام يجهل الحكم». س ١٣: سئل الشيخ: ما حكم السعي في الحج؟ فقال الشيخ ﵀ «ركن» س ١٤: سئل الشيخ: هل يعتبر الزحام فى الرمي في هذا الزمن عذرا للمرأة يجوز لها أن تنيب من يرمي عنها؟ وأيهما أفضل أن تنيب من يرمي عنها نهارا، أو ترمي هي بنفسها ليلا؟ فقال الشيخ ﵀ «نعم» يعتبر عذرا لما في مزاحمتها الرجال من انتهاك لحرمتها، وهي مخيرة بين أن تنيب من يرمي عنها نهارا أو ترمي هي بنفسها ليلا. س ١٥: سئل الشيخ: شخص جامع امرأته بعد تحلله من إحرامه بالعمرة وقبل تحللها بقص شعرها؟ فقال الشيخ ﵀ «هي تبطل عمرتها، وعليها دم. وإن كانت عمرة الإسلام الأولى فعليها القضاء». س ١٦: سئل الشيخ: إذا ازدحم الناس فلم يقف بعضهم بعرفة أو المزدلفة؟ فقال الشيخ ﵀ «من لم يقف بمزدلفة عليه فدية ترك واجب، وأما من لم يقف بعرفة حتى تغرب الشمس فلا حج له، ولو اجتمع الناس كلهم ووقفوا بعرفة فإنها ستسعهم». س ١٧: سئل الشيخ: ما حكم مكث المرأة في بلدة ما بدون محرم؟ فقال الشيخ ﵀ «يجوز مكثها بدون محرم؛ لأن ذلك ليس سفرا. أما السفر فلا تسافر إلا مع محرم أو جمع مأمون من الناس». س ١٨: سئل الشيخ: امرأة أحرمت وعندما وصلت مكة حاضت؟ فقال الشيخ ﵀ «إن بقيت على إحرامها حتى أدت نكسها فلا شيء

стр. 443

عليها. أما إذا خرجت عن إحرامها فعليها دم». س ١٩: سئل الشيخ: إذا كانت عنده شاه أعدها كأضحية فمرضت. هل يجوز تحويل نيته؟ فقال الشيخ ﵀ «يصح له ذلك وهو معذور ويضحى بدلها» س ٢٠: سئل الشيخ: هل طواف الوداع للخارج من مكة عموما؟ فقال الشيخ ﵀ (يجب في الحج على الصحيح. ومن أهل العلم من يوجبه على كل من خرج من مكة. ولكن الحديث الذي يستدل به على هذا، الخطاب فيه موجه للحجاج يقول الرسول ﷺ : (لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت) (١). أمر من الرسول ﷺ للحجاج أن يكون آخر عهدهم بالبيت، فالخطاب خطاب للحجاج وليس خطابا لسكان مكة، لأن سكان مكة لا ينفرون منها والخطاب لمن ينفر من مكة يعنى يرحل منها ويسافر ويخرج وهم الحجاج. لهذا كان الرأي الصحيح إيجاب طواف الوداع إنما هو على الحاج وليس على كل ساكن في مكة إذا أراد الخروج منها) س ٢١: سئل الشيخ: هل يجب طواف الوداع على المعتمر؟ فقال الشيخ ﵀ «ليس طواف الوداع بواجب على المعتمر وإن طاف فهو خير. ولم يعرف عن النبي ﷺ أنه طاف طواف الوداع لما اعتمر العمرات التي قبل حجة الوداع، وإنما طواف الوداع واجب في الحج على الرأي الصحيح». س ٢٢: سئل الشيخ: هل كثرة العمرة في رمضان سنة أو أمر مستحب؟ فقال الشيخ ﵀ «كلمة سنة أو مستحب كلها قريبة من بعض وهي

стр. 444

اصطلاحات بين الفقهاء. والعمرة في رمضان خير وإن تكررت ولا حرج في تكرارها. ولم أعلم إلا قليلا من العلماء هم الذين يكرهون تكرار العمرة في السنة وليس في رمضان وحده. ومن هؤلاء المالكية يكرهون تكرار العمرة في رمضان، وفي غيره من الشهور بل وفى السنة وليس معهم دليل على هذا الرأي».

стр. 445

تاسعا: مباحث وفتاوى البيوع ١ - بحث في الربا الربا بالقصر: الزيادة، وهو مصدر ربا الشيء يربو إذا زاد سواء كانت زيادة الشيء في نفسه أم بالنسبة لغيره، وفي اصطلاح الفقهاء، زيادة أحد عوضين من جنس على الآخر، أو تأخير بعضه، في عقد معاوضة على معادن أو أطعمة مخصوصة بينتها السنة النبوية. وقد نص القرآن صريحا على تحريمه وتوعد من اقترفه بالمحق وأذنه بالحرب إلا من تاب واكتفى بأخذ رأس ماله فإن الله يتوب عليه. قال الله تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٢٧٥) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (٢٧٦) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٢٧٧) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (٢٧٨) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ (١). وبين النبي ﷺ نوعية ربا الفضل وربا النساء وحرم كلا منهما في كثير من الأحاديث منها قوله ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجزة» رواه البخاري ومسلم (٢). ومنها قوله ﷺ : «الذهب

стр. 446

بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل، سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»، رواه أحمد ومسلم (١). وأجمعت الأمة على تحريمه واشتهر ذلك بين المسلمين شهرة تغني عن الاستدلال عليه وصار تحريمه معلوما من الدين بالضرورة، فمن أنكره فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل كفرا، إلا إذا كان جاهلا يتوقعمن مثله جهله فيعذر ويعلم كحديث عهد بكفر، وما وقع بين الفقهاء من اختلاف فيه فإنما هو في التفاصيل وتطبيق النصوص على الوقائع والجزئيات. وصرحت السنة بستة أنواع يجري فيها الربا وهي المذكورة في رواية أحمد ومسلم السابقة فلذا لم يختلف فيها الفقهاء، وإنما اختلفوا في قياس غيرها عليها بناء على الاختلاف في تعليل حكمها، فمن قال أنه غير معلل قصر تحريم الربا على الأصناف الستة السابقة، وأقدم من يروى عنه ذلك قتادة وهو مذهب أهل الظاهر، واختاره ابن عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس، قال: لأن علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس. والذين قالوا أنه معلل اختلفوا في علته فقال عمار وأبو حنيفة: هي الكيل والوزن وهو ظاهر مذهب أحمد، وخصه الشافعي بالطعام وإن لم يكن مكيلا ولا موزونا وهو رواية عن أحمد. وخصه سعيد بن المسيب بالطعام إذا كان مكيلا أو موزونا وهو قول للشافعي ورواية عن أحمد. وخصه مالك بالقوت وما يصلحه، ورجحه ابن القيم فيما ذكر في كتابه إعلام الموقعين. وهذا الخلاف بينهم في علة الربا في البر والشعير والتمر والملح. والذي يعنينا هنا بيان علة الربا في الذهب والفضة عند الجمهور القائلين بالتعليل مع الترجيح، وقد ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين ما فيها من خلاف بين

стр. 447

الفقهاء فقال: وأما الدراهم والدنانير فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه ومذهب أبي حنيفة. وقالت طائفة: العلة فيهما الثمنية، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح بل الصواب، فانهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد ونحوهما، فلو كان النحاس والحديد ونحوهما ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا، فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء، والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها. وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طرد محض، بخلاف التعليل بالثمنية فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس ويقع الخلف ويشتد الضرر، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح، فعم الضرر وحصل الظلم، ولو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم بها الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس، فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير - مثل أن يعطي صحاحا ويأخذ مكسرة، أو خفافا ويأخذ ثقالا أكثر منها - لصارت متجرا، أو جر ذلك إلى ربا النساء فيها ولا بد، فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات. أهـ (١).

стр. 448

ثم ذكر ابن القيم أن ربا الفضل حرم تحريم الذرائع، وأن ربا النساء حرم تحريم المقاصد، فكان تحريم ربا الفضل وإن كان من الكبائر أخف من تحريم ربا النساء، ولذلك استثنى منه بيع المصوغ والحلية المباحين بجنسهما من الدارهم والدناينر نقدا مع التفاضل لشدة الحاجة إلى استعمالها، ولا يمكن تكليف كل إنسان أن يصنع لنفسه ولا يعقل إهدار الصنعة ببيعها بجنسها من الدارهم والدنانير وزنا ولا يعقل إبطال هذه الصناعة، ومن الحرج تكليفها المعاوضة مع اختلاف الجنس، وبين أن الضرورة الداعية إلى استثناء العرايا ونحوها مما رخص فيه من فروع الفقه، وأورد اعتراضات منها أنه يلزم على ذلك جواز بيع الفرع بأصله متفاضلا كالخبز بالبر. فالتزم جوازه، ومنها أنه يلزم جواز الزيادة في معاوضة الرديئة من الفضة بالجيدة منها لتقابل الزيادة الجودة، وأجاب عن ذلك بالفروق بأن الجودة هنا طبيعية والصناعة كسبية، فأورد عليه الدارهم والدنانير المضروبة مع المكسرة، فأجاب بالفرق أيضا فإن السكة لا تتقوم فيها الصناعة للمصلحة العامة المقصودة منها وهي أن تكون معيارا للناس فلا تقابل بالزيادة في العرف وإلا لفسدت المعاملة بخلاف المصوغ فإن العرف جرى بتقويم زيادة الصناعة فيه وليس في تقويمها نقض للمصلحة العامة ولا إفساد المعاملة للناس. وقد يناقش نقد ابن القيم تعليل الربا في النقدين بالوزن بأنه لا إجماع على جواز إسلام الذهب أو الفضة في الحديد والنحاس والرصاص ونحوها من الموزونات، فإن من الحنابلة من منع من ذلك، وجعلها ربوية بناء على أن العلة الوزن كما في إحدى الروايتين عن أحمد، أما على الرواية الأخرى وهي تعليل الربا في النقدين بالثمنية فيجوز إسلامهما في الحديد ونحوه من الموزونات (١). وقد يناقش أيضا تعليل الربا في النقدين بالثمنية بأنه غير منعكس، فإن التفاضل محرم باتفاق في المعاوضة بين أفراد الجنس الواحد من الأجناس

стр. 449

الأربعة، البر والشعير والتمر والملح وإن كانت يدا بيد، وكذا النساء محرم باتفاق في المعاوضة بينها وان اختلف الجنس وليس منها ما هو ثمن عرفا، فوجد الحكم ولم توجد علة الثمنية، ويمكن أن يجاب بأن الحكم بتحريم الربا واحد بالجنس لا بالشخص، فيصح تعليله في كل نوع بعلة، فيعلل تحريم الربا في النقدين بالثمينة، ويعلل تحريم الربا في الأربعة المذكورة بكونها قوتا مثلا وكل منهما علة مطردة منعكسه فيما جعلت علة فيه. وقد يناقش التعليل بالثمينة أيضا بأنها قاصرة غير متعدية مستنبطة، ليست منصوصا على عليتها ولا مجمعا عليها، فلا يصح التعليل بها لعدم الفائدة. ويجاب أن فائدة التعليل غير منحصرة في التعدية، فإن الحكم إذا كان معقول المعنى كان أدعى إلى الإنقياد وأسرع إلى القبول، وأيضا يمتنع بتقدير ظهور وصف آخر في محل العلة القاصرة تعدية الحكم به دون ترجيحه على القاصرة إلى فوائد أخرى للتعليل، فصح التعليل بها (١).

стр. 450

عاشرا: فتاوى البيوع س ١: سئل الشيخ: عن حكم بيع الماء؟ فقال الشيخ ﵀: «إذا حاز الماء بتعبه ووضعه في قربة فله بيعه. وكذلك حافر البئر له بيعه. أما الماء النابع فهو غير مملوك لأحد ولا يحل بيعه كماء العيون والمطر، وكذلك الكلأ إذا استنبته إنسان فهو ملك له، لكن الكلأ الذي نبت بنفسه في البرية وكون الناس شركاء في النار يفيد أن البترول داخل في ذلك لأنه قابل للاشتعال فهو ملك للناس جميعا، ويتولى تنظيمه ولي الأمر، وهو خارج بنفسه ولذلك يصنعون له شيء يمنعه من التدفق، ولذلك لا زكاة فيه؛ لأنه ملك للأمة جميعا فهو كمال بيت المال لا زكاة فيه». س ٢: سئل الشيخ: عن دفع ريالات في البنك وأخذ شيك يرسل بالبريد ليصرف من بلد أخرى بعملة أخرى كالجنيه بما يعادل قيمة الريالات المدفوعة؟ فقال الشيخ ﵀: «في التحويل يعتبر الشيك قبضا فيصح». س ٣: سئل الشيخ: مبادلة الريالات الورقية بالريالات الحديدية مع التفاضل عشرة من تلك بتسع من هذه؟ فقال الشيخ ﵀: «لا يجوز؛ لأنه فيها ربا كلها ريالات». س ٤: سئل الشيخ: ما حكم الأرباح من البنوك الربوية؟ فقال الشيخ ﵀: «إذا وضع مال في بنك ربوي يأخذ رأس ماله والأرباح ينفقها في مصارف الصدقة ووجوه الخير». س ٥: سئل الشيخ: الشراء بالتقسيط ممن يعرض للسلعة سعرين نقدا وتقسيطا؟ فقال الشيخ ﵀: «يجوز إن لم يتفرقوا من المجلس، وإلا قد اتفقوا على أحد الأمرين، والشيخ ناصر يمنعه ويقول: هما بيعتين في بيعة، وليس كذلك هذا اسمه عرضان وليس بيعين.

стр. 451

س ٦: سئل الشيخ: فقه حديث لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها (١)؟ فقال الشيخ ﵀: «سنده ضعيف (١) والمرأة مالكة لمالها لا يحجر عليها إلا إذا كان فيها سفاهة فيحجر عليها وهو صريح القرآن ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ (٢) أي إذا أعطت زوجها أو صديقاتها أو أقاربها فلهم أكله هنيئا مريئا» س ٧: سئل الشيخ: عن البيع في المسجد؟ فقال الشيخ ﵀: «لا يصح مجرد عرض سلعة أو تعاقد على بيع أو إجازة في المسجد حتى لو كان البيع يتم خارجه». س ٨: سئل الشيخ: البيع والشراء في المقابر؟ فقال الشيخ ﵀: «مباح» ولكن الأفضل والأولى أن نضع الأمر المناسب في المكان المناسب. فالمقابر أماكن يزورها المسلم يرق فيها قلبه ويتذكر الآخرة ويحتقر أمر الدنيا» س ٩: سئل الشيخ: ما حكم من يعمل حارسا أو فراشا في مؤسسة ربوية؟ فقال الشيخ ﵀: «لا يجوز أن يقدم الشاي أو القهوة لمن يكتب الربا، ولا يجوز أن يعمل لديها أي عمل حتى ولو أدى ذلك إلى أن يعمل حمالا في السوق، سواء كانت هذه المؤسسة ربوية تبعا للحكومة أو للجن أو الإنس كله سواء. قال الله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ (٣) والذي يحمل الورق الذي فيه الربا من مكتب إلى مكتب آخر مثل كاتب الربا وحاسبه».

стр. 452

س ١٠: سئل الشيخ: إذا حولت الحكومة راتبي على بنك ربوي؟ فقال الشيخ ﵀: «لا بأس أن تستلم هذا المبلغ من البنك الربوي؛ لأن هذا المبلغ راتب على عملك والبنك هذا عمله ولا مانع من ذلك». س ١١: سئل الشيخ: تحويل المال في البنوك؟ فقال الشيخ ﵀: «تحويل المال في البنوك بمعنى أنك تدفع هنا ريالات وتستلمها دولارات أو جنيهات في مصر أو أمريكا فهذا جائز، وهم ينزلون الشيك الذي تأخذه منزلة القبض. فأنت قبضت العوض عن المال الذي دفعته». س ١٢: سئل الشيخ: هل دفع الرشوة جائز؟ فقال الشيخ ﵀: «دفع الرشوة جائز للتخلص من الضرر الذي وقع عليك ظلما أو لاستخلاص حقك الذي لا تستطيع تحصيله إلا بالرشوة بشرط أن تأمن من حدوث ضرر أشد كأن يسجنوك أو يعاقبوك». س ١٣: سئل الشيخ: إذا قال تاجر في مصر لشخص يعمل هنا وأنت نازل احمل لي هذا الجهاز لأنك ستعفى من الجمرك، لأنه جهاز واحد وأعطيك مبلغا من المال مقابل حملك إياه وتسببك في إعفائي من الجمرك؟ فقال الشيخ ﵀: «لا يجوز هذا ولكن يجوز أن يحمل له من باب الإحسان بدون أجر». س ١٤: سئل الشيخ: هل يجوز للمستأجر إذا خرج قبل انقضاء المدة أن يؤجر السكن لآخر ينتفع به؟ فقال الشيخ ﵀: «يجوز أن يؤجرها لمثله بحيث لا يفسد في الشقة ولو بأكثر وإذا أجرها لمثله لا يشترط إذن المالك».

стр. 453

س ١٥: سئل الشيخ: حكم من اقترض مبلغا من المال بالجنيه المصري على أن يرده بالريال؟ فقال الشيخ ﵀ «الأصل أنه يرده مصريا فإن لم يتمكن رده يصرفه من عملة أخرى، ومعنى لم يتمكن أن العملة انقرضت أو بطل التعامل بها». س ١٦: سئل الشيخ: رجلان وأمهما في منزل كان قد استأجره أبوهما المتوفي فاتفق أحدهما مع الآخر أن يدفع له مبلغا من المال مقابل أن يخرج من السكن ويبحث عن مسكن آخر بدون علم المالك؟ فقال الشيخ ﵀: «إذا كان بنية خلو الرجل فلا يجوز، وإذا كان نظير انتفاع أحد الشريكين بحصة الآخر في الإيجار يجوز». س ١٧: سئل الشيخ: إذا اختلط مال شخص بمال آخر وديعة عنده ليعمل فيه ويربح ولم يدركم الربح؟ فقال الشيخ ﵀: «هذا غالط في العمل في مال المسلمين إذا كان يغلط في حساب الربح، ولكن إذا كان مال شخص استسمحه، وإذا كان مال المسلمين اجتهد في التصدق به على أكثر التقديرين للربح، ويكتفي لنفسه بأقل تقدير». س ١٨: سئل الشيخ: ما حكم السلم في العمارات، المقاول أو صاحب العقار يصف العقار الذي سوف يبنيه، ويتقاضى جزءا من ثمن البناء ممن يريد الشراء فيه ويستعين بهذا المبلغ الذي قبضه في بناء المبنى ثم يسلمه للمشترين حسب الإتفاق؟ فقال الشيخ ﵀: «يجوز هذا ولا حرج فيه وعامة بيع الشقق في مصر كذلك، ولا بأس».

стр. 454

س ١٩: سئل الشيخ: هل يجوز بيع سيارة بالتقسيط ويشترط إذا لم يسدد الأقساط وأراد إعادة السيارة يقتطع جزءا من الثمن مقابل انتفاعه باستعمال السيارة؟ فقال الشيخ ﵀: «هذا غلط يسترد مبلغه كاملا ويجوز للبائع أن يأخذ رهنا إذا تأخر المشتري باع المرهون واسترد الثمن» س ٢٠: سئل الشيخ: عن الشروط الجزائية؟ فقال الشيخ ﵀: «تجوز في حالات خاصة كعقد المقاول إذا تأخر في تسليم الصفقة أو عند التعاقد مع المدرسين أو الموظفين يجوز مجازاتهم بخصم أو إلغاء العقد عند المخالفات». س ٢١: سئل الشيخ: محل بيع قطع الغيار يبيع العامل فيه القطعة رخيصة لصديقه ولا يتقاضى الأجر على التركيب؟ فقال الشيخ ﵀: «لا يجوز إلا بإذن صاحب العمل أما إذا لم يتقاضى الأجر على التركيب بعد نهاية الدوام فلا حرج، أما أثناء الداوم فلا إذا كان متعاقدا مع صاحب العمل على أن يركب والأجر لصاحب العمل». س ٢٢: سئل الشيخ: عن رجل من البدو اغتصب إبلا وعندما حضرته الوفاة أوصى ابنه أن يردها، وابنه لا يعرف أصحابها؟ فقال الشيخ ﵀: (يقوم ثمن الإبل الآن، أي يوم الرد لا يوم الاغتصاب ويتصدق به على الفقراء وينفقه في مصالح المسلمين). س ٢٣: سئل الشيخ: عن المساهمات في الشركات والبنوك؟ فقال الشيخ ﵀: «المساهمات كلها محل ريبة لا يساهم الإنسان في أي شركة من الشركات إلا على طريقة المضاربة بنسبة من الربح». وموضوع المساهمات في الشركات والبنوك سيبحث إن شاء الله في هيئة كبار العلماء.

стр. 455

س ٢٤: سئل الشيخ: ما حكم مبادلة عيار ١٨ بذهب عيار ٢١، أو ٢٤ علما بأنه قد يخلط الذهب بنحاس أو فضة بنسب متفاوتة في هذه العيارات؟ فقال الشيخ ﵀: «ما دام يبادل ذهبا بذهب فلا بد من تساوي الوزن. فمثلا عشرة جرامات من عيار ١٨ بمثلها عشرة جرامات من عيار ٢١ ولو تفاوت نسبة ما خلط به». س ٢٥: سئل الشيخ: بائع الجملة هل يجوز أن يبيع لبعض الناس بسعر ولبعضهم بسعر آخر؟ فقال الشيخ ﵀: «نعم يجوز» س ٢٦: سئل الشيخ: بعض البنوك يعلن عن نفسه أنه بنك إسلامي، ولا يتعامل بالربا فهل يكفي هذا للإيداع فيه أم لا بد من البحث والتأكد من صحة ذلك؟ فقال الشيخ ﵀: «لا بد من التأكد والبحث عن كون البنك لا يتعامل بالربا». س ٢٧: سئل الشيخ: هل يجوز ترك المال في بنك ربوي كوديعة بدون فوائد؟ فقال الشيخ ﵀: «لا يجوز وضع المال في بنك يتعامل بالربا لا وديعة ولا غيرها» س ٢٨: سئل الشيخ: هل يجوز بيع حق استعمال الهاتف والذي حصل عليه من الحكومة؟ فقال الشيخ ﵀: «لا يجوز ولو بما كلفه من مال؛ لأن هذا الحق ملك الدولة» س ٢٩: سئل الشيخ: عن حكم بيع عقود العمل؟ فقال الشيخ ﵀: «لا يجوز ولا يشترى عقد عمل ولو كان محتاجا ومن تركه عوضه الله»

стр. 456

س ٣٠: سئل الشيخ: عن حكم التورق (وهو شراء سلعة بالتقسيط وبيعها نقدا بأقل لغير من اشتراها منه)؟ فقال الشيخ ﵀: «التورق جائز» س ٣١: سئل الشيخ: عن حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟ فقال الشيخ ﵀: (إذا تعين هو لتعليم القرآن كان واجبا عليه ولم يجز له أخذ الأجرة على واجب. أما إذا لم يجب عليه بعينه تعليم القرآن فيجوز له أن يأخذ أجرة في حدود ما يكفيه من النفقات. أما إذا لم يكن محتاجا فلا يجوز أخذ الأجرة) س ٣٢: سئل الشيخ: بعضهم يتورع عن تجارة الذهب لكثرة المخالفات فيها؟ فقال الشيخ ﵀: «هذا غلط، بل يتاجر بالوجه الشرعي من غير ربا». س ٣٣: سئل الشيخ: حكم أخذ الذهب بدون دفع قيمته؟ فقال الشيخ ﵀: «إذا كان قيمته نقودا لا يجوز. أما إذا كان ذهبا مقابل بر أو قماش فيجوز الأجل» س ٣٤: سئل الشيخ: (خلو الرجل) وتقبيل المحلات؟ فقال الشيخ ﵀: «خلو الرجل لا يجوز وتقبيل المحلات يجوز». س ٣٥: سئل الشيخ: ما حكم البيع والشراء من الكفار؟ فقال الشيخ ﵀: «كان النبي ﷺ يسوي بينهم، وبين المسلمين في البيع والشراء، وكان يشتري من اليهود مثل ما يشتري من المسلمين». س ٣٦: سئل الشيخ: عن أخذ الأجر على الطاعة؟ فقال الشيخ ﵀: «أخذ الأجر الدنيوي على الطاعة لا يقدح في

стр. 457

الإخلاص ولكن ينقص الأجر، وهذا منصوص عليه في الجهاد إذا استعجل الغنيمة (١)، فإذا كان الدافع له على الطاعة هو وجه الله أو الأمران معا فهو مخلص. أما إذا كان مقصده المال فقط بحيث إذا نقص منه شيء من المال يترك هذه الطاعة فلا ثواب له. لكن إذا كان معذورا فلا إثم عليه. إذا امتنع من فعل الطاعة لأنهم لم يعطوه أجرته المالية. ولا يتوقف أجره الأخروي على كون أجره الدنيوي كبيرا أو صغيرا بل يتوقف على مدى حاجة الناس إليه وحاجتهم إلى من ينشر الخير بينهم، وقوله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة﴾ (٢) الآية … فيها عدم استواء الأجر بحسب وقت الإنفاق. س ٣٧: سئل الشيخ: عن الشروط في العقود كاشتراط إكمال المرأة تعليمها في عقد الزواج، واشتراط عدم التدريس دروسا خاصة بعد الداوم في المدارس؟ فقال الشيخ ﵀: هو ملزم بالوفاء؛ لحديث «أحق الشروط وأن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (٣) ما لم يطرأ ما يمنع من الوفاء بالشروط فيعذر. واشتراط عدم التدريس خارج الداوم شرط ملزم، ولو لغير طلابه سدا للذرائع. وكذلك اشتراط ألا يعمل تاجرا مثلا بعد الدوام وطاعة ولي الأمر فيما نصح به حفظا للنظام ملزمة كقوانين المرور؛ إذ ليس فيها نص بخصوصها لولي الأمر وضع جزاءات بشرط أن تكون عادية. وإذا كان عارفا بعدم الجواز وفعل و تقاضى على ذلك أجر فعليه دين في ذمته مثل المبلغ الذي تقاضاه، أما إذا كان جاهلا بالحكم فلا شيء عليه وهو معذور فيما سبق.

стр. 458

حادي عشر: فتاوى النكاح س ١: سئل الشيخ: هل يجوز الزواج بالكتابية؟ فقال الشيخ ﵀: «السورة التي فيها إباحة الزواج بالكتابية هي سورة المائدة، وهي نفس السورة التي فيها أن النصارى كفروا لقولهم: ﴿إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ (١) ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ (٢) خلافا لعمر ﵁ اذ لم يطاوعه الصحابة» س ٢: سئل الشيخ: عن الزواج من النصارى؟ فقال الشيخ ﵀: «عند المذاهب الثلاثة يباح الزواج من نساء اليهود والنصارى سواء عدلوا إلى الأسوأ، أو الأحسن ما دامت تنتسب إلي النصرانية أو اليهودية» س ٣: سئل الشيخ: الذهب الذي يعطيه الزوج لامرأته؟ فقال الشيخ ﵀: «الذهب الذي أعطاه الزوج لامرأته يكون من حقها. وإذا لم يكن هناك اتفاق فعليه مهر غير الذهب ويعتبر الذهب هدية» س ٤: سئل الشيخ: ما حكم الزواج بزوجة ثانية؟ فقال الشيخ ﵀: «حكم الزواج بثانية يختلف من شخص لآخر كل إنسان أدرى بحاله» س ٥: سئل الشيخ: رجل رضع من زوجته هل تحرم عليه؟ فقال الشيخ ﵀: «يجوز له ذلك لأن لبنها حلال، وله أن يتغذى عليه إلى أن يموت ولا يترتب عليه تحريم؛ لأنه ليس في الحولين» س ٦: سئل الشيخ: ماهي الرضعات التي تحرم الزواج؟ فقال الشيخ ﵀: «كل مصة تعتبر رضعة ولو كانت في مجلس

стр. 459

واحد، ولو مص مصة ثم انفصل عن الثدي بسبب برغوث قرصه فهي واحدة، ولا يشترط كون الرضعات مشبعات ومصة اللبن إذا دخلت الأمعاء فقد فتقتها». س ٧: سئل الشيخ: امرأة رضعت مع أخت لي من الرضاعة، ولها أخوان أكبر منها هل هم إخواني أم لا مع أن هذه الأخت رضعت من أمي؟ فقال الشيخ ﵀: «أختك من أمك من الرضاعة لها أخوان أو أخوات، إن كان رضاعتهم مع أختك من الرضاعة من أمك إذا رضعوا من أمك فهم إخوانك من أمك، ولا يحتاجون إذا كانوا رضعوا قبلها أو بعدها، إخوانها من الرضاعة أو أخواتها من الرضاعة إذا رضع أولئك من أمك أيضا فهؤلاء إخوانك من أمك إذا كان الرضاعة خمس رضعات (١) في الحولين، وأما إذا رضعوا مع أختك من الرضاعة من إمرأة أخرى، أختك من الرضاعة رضعت من أمك ورضعت من إمرأة أخرى، فليسوا إخوانا لك من الرضاعة ولا أخوات لك من الرضاعة هم أخوات أختك من الرضاعة إن كان رضاعهم مع أختك من الرضاعة من إمرأة أخرى وليسوا إخوانا لك ولا أخوات لك من الرضاعة، وأما إذا رضعوا من أمك أو من أختك أو من بنتك فهم محارم لك من الرضاعة». س ٨: سئل الشيخ: إذا أسلمت فتاة في دولة كافرة وأولياؤها كفار، وتريد أن تتزوج من رجل مسلم فمن يكون وليها؟ فقال الشيخ ﵀: «إذا كانت الدولة كافرة، والأولياء كفار، والفتاة مسلمة، وتريد أن تتزوج فوليها هو القاضي المسلم الذي يتولى عقد الزواج».

стр. 460

ثاني عاشر: فتاوى الطلاق س ١: سئل الشيخ: عن الرجل إذا قال لزوجته: إذا فعلت كذا فأنت علي كأمي وأختي وفعلت هذا الشيء ناسية؟ فقال الشيخ ﵀: عليه كفارة يمين. أما إذا لم تكن ناسية فهو ظهار؛ لأن الناس معذورون بالنسيان قال تعالى ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (١). س ٢: سئل الشيخ: عن كفارة الظهار؟ فقال الشيخ ﵀: كفارة الظهار - إذا كان عاجزا عن الصيام - ثلاثون صاعا من طعام، أو يحضر ستين مسكينا ويطعمهم، أو يذهب بهم إلى مطعم ويطلب لهم طعاما من جنس ما يأكله. س ٣: سئل الشيخ: عن انفصال الخاطب عن مخطوبته؟ فقال الشيخ ﵀: إذا قدر الانفصال بين الخاطب والمخطوبة ينظر إذا كان السبب من جهته فليس له شيء مما أعطاها، ولو كان لعيب فيها ظهر له. أما إذا كان من جهتها هي فيرجع ويأخذ ما أعطاها. س ٤: سئل الشيخ: عن امرأة زوجها تارك للصلاة وشارب للخمر؟ فقال الشيخ ﵀: لها أن تطلب الطلاق؛ لأن ترك الصلاة ولو كسلا كفر على الصحيح والسكير قد يقتلها أو يقتل ولدها. أما بالنسبة للمهر فإن كانت هي طالبة للطلاق واعتبره القاضي خلعا فإنها تفتدي نفسها بمبلغ من المال تدفعه له، وإذا ألزمه القاضي بتطليقها أخذت مهرها كاملا وعليه النفقة والسكنى مدة العدة، والحضانة حق لها أن تحتضن ولدها سبع سنين وقد تصل إلى تسع إذا رأى القاضي ذلك.
следующие страницы →