س ٣٠: سئل الشيخ: عن حكم التورق (وهو شراء سلعة بالتقسيط وبيعها نقدا بأقل لغير من اشتراها منه)؟
فقال الشيخ ﵀: «التورق جائز»
س ٣١: سئل الشيخ: عن حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟
فقال الشيخ ﵀: (إذا تعين هو لتعليم القرآن كان واجبا عليه ولم يجز له أخذ الأجرة على واجب. أما إذا لم يجب عليه بعينه تعليم القرآن فيجوز له أن يأخذ أجرة في حدود ما يكفيه من النفقات. أما إذا لم يكن محتاجا فلا يجوز أخذ الأجرة)
س ٣٢: سئل الشيخ: بعضهم يتورع عن تجارة الذهب لكثرة المخالفات فيها؟
فقال الشيخ ﵀: «هذا غلط، بل يتاجر بالوجه الشرعي من غير ربا».
س ٣٣: سئل الشيخ: حكم أخذ الذهب بدون دفع قيمته؟
فقال الشيخ ﵀: «إذا كان قيمته نقودا لا يجوز. أما إذا كان ذهبا مقابل بر أو قماش فيجوز الأجل»
س ٣٤: سئل الشيخ: (خلو الرجل) وتقبيل المحلات؟
فقال الشيخ ﵀: «خلو الرجل لا يجوز وتقبيل المحلات يجوز».
س ٣٥: سئل الشيخ: ما حكم البيع والشراء من الكفار؟
فقال الشيخ ﵀: «كان النبي ﷺ يسوي بينهم، وبين المسلمين في البيع والشراء، وكان يشتري من اليهود مثل ما يشتري من المسلمين».
س ٣٦: سئل الشيخ: عن أخذ الأجر على الطاعة؟
فقال الشيخ ﵀: «أخذ الأجر الدنيوي على الطاعة لا يقدح في
стр. 457
الإخلاص ولكن ينقص الأجر، وهذا منصوص عليه في الجهاد إذا استعجل الغنيمة (١)، فإذا كان الدافع له على الطاعة هو وجه الله أو الأمران معا فهو مخلص. أما إذا كان مقصده المال فقط بحيث إذا نقص منه شيء من المال يترك هذه الطاعة فلا ثواب له. لكن إذا كان معذورا فلا إثم عليه. إذا امتنع من فعل الطاعة لأنهم لم يعطوه أجرته المالية. ولا يتوقف أجره الأخروي على كون أجره الدنيوي كبيرا أو صغيرا بل يتوقف على مدى حاجة الناس إليه وحاجتهم إلى من ينشر الخير بينهم، وقوله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة﴾ (٢) الآية … فيها عدم استواء الأجر بحسب وقت الإنفاق.
س ٣٧: سئل الشيخ: عن الشروط في العقود كاشتراط إكمال المرأة تعليمها في عقد الزواج، واشتراط عدم التدريس دروسا خاصة بعد الداوم في المدارس؟
فقال الشيخ ﵀: هو ملزم بالوفاء؛ لحديث «أحق الشروط وأن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (٣) ما لم يطرأ ما يمنع من الوفاء بالشروط فيعذر.
واشتراط عدم التدريس خارج الداوم شرط ملزم، ولو لغير طلابه سدا للذرائع. وكذلك اشتراط ألا يعمل تاجرا مثلا بعد الدوام وطاعة ولي الأمر فيما نصح به حفظا للنظام ملزمة كقوانين المرور؛ إذ ليس فيها نص بخصوصها لولي الأمر وضع جزاءات بشرط أن تكون عادية. وإذا كان عارفا بعدم الجواز وفعل و تقاضى على ذلك أجر فعليه دين في ذمته مثل المبلغ الذي تقاضاه، أما إذا كان جاهلا بالحكم فلا شيء عليه وهو معذور فيما سبق.
стр. 458
حادي عشر: فتاوى النكاح
س ١: سئل الشيخ: هل يجوز الزواج بالكتابية؟
فقال الشيخ ﵀: «السورة التي فيها إباحة الزواج بالكتابية هي سورة المائدة، وهي نفس السورة التي فيها أن النصارى كفروا لقولهم: ﴿إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ (١) ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ (٢) خلافا لعمر ﵁ اذ لم يطاوعه الصحابة»
س ٢: سئل الشيخ: عن الزواج من النصارى؟
فقال الشيخ ﵀: «عند المذاهب الثلاثة يباح الزواج من نساء اليهود والنصارى سواء عدلوا إلى الأسوأ، أو الأحسن ما دامت تنتسب إلي النصرانية أو اليهودية»
س ٣: سئل الشيخ: الذهب الذي يعطيه الزوج لامرأته؟
فقال الشيخ ﵀: «الذهب الذي أعطاه الزوج لامرأته يكون من حقها. وإذا لم يكن هناك اتفاق فعليه مهر غير الذهب ويعتبر الذهب هدية»
س ٤: سئل الشيخ: ما حكم الزواج بزوجة ثانية؟
فقال الشيخ ﵀: «حكم الزواج بثانية يختلف من شخص لآخر كل إنسان أدرى بحاله»
س ٥: سئل الشيخ: رجل رضع من زوجته هل تحرم عليه؟
فقال الشيخ ﵀: «يجوز له ذلك لأن لبنها حلال، وله أن يتغذى عليه إلى أن يموت ولا يترتب عليه تحريم؛ لأنه ليس في الحولين»
س ٦: سئل الشيخ: ماهي الرضعات التي تحرم الزواج؟
فقال الشيخ ﵀: «كل مصة تعتبر رضعة ولو كانت في مجلس
стр. 459
واحد، ولو مص مصة ثم انفصل عن الثدي بسبب برغوث قرصه فهي واحدة، ولا يشترط كون الرضعات مشبعات ومصة اللبن إذا دخلت الأمعاء فقد فتقتها».
س ٧: سئل الشيخ: امرأة رضعت مع أخت لي من الرضاعة، ولها أخوان أكبر منها هل هم إخواني أم لا مع أن هذه الأخت رضعت من أمي؟
فقال الشيخ ﵀: «أختك من أمك من الرضاعة لها أخوان أو أخوات، إن كان رضاعتهم مع أختك من الرضاعة من أمك إذا رضعوا من أمك فهم إخوانك من أمك، ولا يحتاجون إذا كانوا رضعوا قبلها أو بعدها، إخوانها من الرضاعة أو أخواتها من الرضاعة إذا رضع أولئك من أمك أيضا فهؤلاء إخوانك من أمك إذا كان الرضاعة خمس رضعات (١) في الحولين، وأما إذا رضعوا مع أختك من الرضاعة من إمرأة أخرى، أختك من الرضاعة رضعت من أمك ورضعت من إمرأة أخرى، فليسوا إخوانا لك من الرضاعة ولا أخوات لك من الرضاعة هم أخوات أختك من الرضاعة إن كان رضاعهم مع أختك من الرضاعة من إمرأة أخرى وليسوا إخوانا لك ولا أخوات لك من الرضاعة، وأما إذا رضعوا من أمك أو من أختك أو من بنتك فهم محارم لك من الرضاعة».
س ٨: سئل الشيخ: إذا أسلمت فتاة في دولة كافرة وأولياؤها كفار، وتريد أن تتزوج من رجل مسلم فمن يكون وليها؟
فقال الشيخ ﵀: «إذا كانت الدولة كافرة، والأولياء كفار، والفتاة مسلمة، وتريد أن تتزوج فوليها هو القاضي المسلم الذي يتولى عقد الزواج».
стр. 460
ثاني عاشر: فتاوى الطلاق
س ١: سئل الشيخ: عن الرجل إذا قال لزوجته: إذا فعلت كذا فأنت علي كأمي وأختي وفعلت هذا الشيء ناسية؟
فقال الشيخ ﵀: عليه كفارة يمين. أما إذا لم تكن ناسية فهو ظهار؛ لأن الناس معذورون بالنسيان قال تعالى ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (١).
س ٢: سئل الشيخ: عن كفارة الظهار؟
فقال الشيخ ﵀: كفارة الظهار - إذا كان عاجزا عن الصيام - ثلاثون صاعا من طعام، أو يحضر ستين مسكينا ويطعمهم، أو يذهب بهم إلى مطعم ويطلب لهم طعاما من جنس ما يأكله.
س ٣: سئل الشيخ: عن انفصال الخاطب عن مخطوبته؟
فقال الشيخ ﵀: إذا قدر الانفصال بين الخاطب والمخطوبة ينظر إذا كان السبب من جهته فليس له شيء مما أعطاها، ولو كان لعيب فيها ظهر له. أما إذا كان من جهتها هي فيرجع ويأخذ ما أعطاها.
س ٤: سئل الشيخ: عن امرأة زوجها تارك للصلاة وشارب للخمر؟
فقال الشيخ ﵀: لها أن تطلب الطلاق؛ لأن ترك الصلاة ولو كسلا كفر على الصحيح والسكير قد يقتلها أو يقتل ولدها. أما بالنسبة للمهر فإن كانت هي طالبة للطلاق واعتبره القاضي خلعا فإنها تفتدي نفسها بمبلغ من المال تدفعه له، وإذا ألزمه القاضي بتطليقها أخذت مهرها كاملا وعليه النفقة والسكنى مدة العدة، والحضانة حق لها أن تحتضن ولدها سبع سنين وقد تصل إلى تسع إذا رأى القاضي ذلك.
стр. 461
ثالثا [¬*]: مباحث في القرآن الكريم وتفسيره
стр. 462
١ - مبحث في القرآن الكريم وكيف نقل إلينا
أولا: القرآن ولم سمي قرآنا، وكيف نقل إلينا
القرآن في الأصل مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، ومعناه في اللغة الجمع والضم. قال تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ (١) وقرآنه أي قراءته ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ (٢) أي جمعناه لك في صدرك، فاتبع ذلك الذي جمع تلاوة وبلاغا وعملا، وقد صار علما بالغلبة على الكتاب العزيز في عرف علماء الشرع، ويعرف بأنه كلام الله الذي أنزله على محمد ﷺ ، ليتعبد الناس بتلاوته وبأحكامه، وليكون آية له على رسالته، تحدى به قومه. وطالبهم أن يأتوا بمثله، فإذا عجزوا دل ذلك على صدقه فيما ادعاه من الرسالة.
وسمي قرآنا لجمعه ما تحتاج إليه الأمة في سعادتها وصلاحها عاجلا وآجلا من عقائد وعبادات، وأخلاق ونظم المعاملات قال تعالى: ﴿ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء﴾ (٣)، وقال ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ (٤) ولما فيه من الجمع بين السور والآيات.
وعلى هذا لا تسمى الأحاديث النبوية قرآنا لأن الفاظها من الرسول وإن كان معناها وحيا. ولا تسمى الكتب الأولى كالتوراة قرآنا لنزولها على غيره من الأنبياء ولا يسمى الحديث القدسي قرآنا لأنه ليس مما يتعبد بتلاوته ولا هو آية تحدى بها الرسول أمته.
القراءة المتواترة ما وافقت العربية ورسم المصاحف العثمانية وتواتر نقلها.
стр. 463
والقراءة الشاذة ما نقلت أحادا على أنها قرآن، وقيل فيها أنها ما وراء السبعة، وقيل ما وراء العشرة كقراءة ابن مسعود ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾، وقراءته ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهم﴾ وقد اختلف في القراءة الشاذة هل تسمى قرآنا أم لا؟ والجمهور على أنها ليست بقرآن لعدم تواترها. ثم اختلفوا في الإحتجاج بها فقيل أنها حجة تثبت بها الأحكام، فإنها إن كانت قرآنا فلا إشكال فيها يمنع من كونها وحيا، فإذا رويت من طريق صحيح كانت حجة كسائر الأحاديث الثابتة، وبذلك وجب التتابع في صيام كفارة اليمين، وقيل ليست بحجة وبيانه أن الرسول ﷺ كان واجبا عليه أن يعلم القرآن من أمته جماعة تقوم بهم الحجة القاطعة لبلوغهم عدد التواتر، وإذا كان كذلك لم يتصور منهم التواطؤ على عدم نقل ما سمعوه من القرآن وعلى هذا فمن انفرد بقراءة فإن نقلها على أنها قرآن فهو مخطيء، وإلا فهي إما مذهب فهمه من القرآن، أو خبر أحاد ومع التردد بينهما لا يصح الاحتجاج. وأجيب عن ذلك بتسليم تعليم الرسول ﵊ من أمته جماعة تقوم بهم الحجة ولا تتواطأ على ترك ما سمعت، لكن يكفي في عدم تواطئها على الترك نقل البعض وإن كان أحادا فيكون ذلك قرآنا وعلى تقدير أن ناقله لم يسمه قرآنا فهو كحديث نبوي أو قدسي فكان حجة تثبت بها الأحكام لأنه خبر عن المعصوم.
أنزل الله القرآن وجعله خاتم الكتب السماوية كما جعل نبيه محمدا ﷺ خاتم الأنبياء، وجعل إليه بيان القرآن وتفصيل آياته وأحكامه بقوله وعمله وسيرته قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (١) ووعد سبحانه الأمة بحفظ كتابه وتكفل لها ببقاء دينه لتقوم بهالحجة دائما وتسقط المعاذير حيث لا نبي بعد محمد ﷺ ، ولا تشريع بعد تشريعه حتى يرث الله
стр. 464
الأرض ومن عليها، قال تعالى: ﴿إن نحن نزلنا الذكر وإن له لحافظون﴾ (١) فقيض سبحانه لهذا الكتاب المبين من يحفظه من الزيادة فيه أو النقص منه، ومن التقديم والتأخير في آياته، أو كلماته، وتحريف الفاظه، أو معانيه بسوء فهمها وبيانها بغير ما قصد منها، وأريد بها من التأويلات الباطلة، والآراء الزائفة قصدا أو غير قصد. فما من عصر من العصور إلا وفيه من أئمة الدين، وأهل البصيرة فيه من ينفي عن كتاب الله ويدفع عن سنة رسوله ﷺ ما كاد به أعداء الإسلام لهذا الدين الحنيف من تأويلات ادخلوا بها الريب والشكوك على من يستهويهم زخرف القول ومن شبهات موهوا بها على ضعفاء العقول، إنجازا من الله لوعيده في كتابه وتصديقا لقول نبيه ﷺ (لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق ظاهرة .. ) (٢) الحديث وإبقاء للحجة على الخلق وحفظا لهذا النور وهذه الهداية رحمة بالعباد.
نقل القرآن تواترا ووصوله إلينا حفظا وكتابة
٢ - وصوله إلينا تواترا بطريق الحفظ
كلف الله سبحانه النبي ﷺ بأداء ما حمله من الآيات والوحي، فبلغ رسالة ربه امتثالا لقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (٣) وقد نصح للأمة وبين لها غاية البيان، فكان يعلم أصحابه ما نزل عليه من القرآن تلاوة له وحفظا ودراسة لمعانيه وكان يأخذهم بالعمل بما فيه، وبذلك جمع الله لهم بين حفظ أصل الدين وفهم نصوصه وسلامة العقيدة وحسن
стр. 465
السيرة كما قال أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل. قال فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا (١).
وكثر حفظة القرآن من الصحابة من المهاجرين والأنصار، الرجال منهم والنساء، فمن المهاجرين الخلفاء الراشدين، وحفصة وأم سلمة وغيرهم، من الأنصار معاذ ابن جبل وأبي كعب وأبو زيد قيس بن السكن الخزرجي، وزيد بن ثابت وغير هؤلاء كثير، كالذين قتلوا ببئر معونة وكانوا زهاء سبعين رجلا، وكالقراء الذين استحر بهم القتل في موقعة اليمامة وغيرها، وكان بعض هؤلاء قد أخذ القرآن من النبي ﷺ مباشرة غضا طريا وحفظه في حياته، وبعضهم أخذ بعضه عن النبي ﷺ وأخذ بقيته من إخوانه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مع التفاوت بينهم في ذلك والأحاديث الصحيحة في حفظ من ذكر وغيرهم من الصحابة ﵃ مستفيضه كحديث (خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبي بن كعب) (٢)، ثم قاموا بواجب البلاغ وعنوا بتبليغ من أدركهم من التابعين كتاب الله قراءة وبيانا، وقد تقدم ذلك عن أبي عبد الرحمن السلمي. وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس ﵄ من فاتحته إلى خاتمته اوقفه عند كل آية، وأسأله عنها فحفظ التابعون ﵃ القرآن وفهموه ممن سبقهم وساعدهم على ذلك ما قام به أبو بكر ثم عثمان ﵁ من جمع المصحف على ما سيجيء بيانه. وهكذا استمر حفظ أهل كل عصر لكتاب الله واشتدت عناية المسلمين به حتى حفظه الصبيان في الكتاتيب، وفي الوقت الحاضر مع بعد العهد بين نزول القرآن لو أراد أحد أن يجمع القرآن
стр. 466
من الصدور من دون اعتماد على المصاحف لوجد في كل دولة من الدول الإسلامية جماعة كثيرة تمليه من حفظها دون رجوع إلى المكتوب لديها والحاضر شاهد عيان بذلك لمن أنصف، ولو لم يكن سوى ذلك في نقل القرآن لكان كافيا في ثبوت التواتر، فكيف وقد نقل إلينا متواترا أيضا بطريق الكتابة وإليك بيانه:
٣ - وصوله إلينا متواترا بطريق الكتابة
كما عني النبي ﷺ بتبليغ القرآن بالمشافهة وضبطه بالتلاوة والدراسة، عني بتبليغه بالكتابة أيضا، فكان كلما نزل عليه الوحى بالقرآن دعا كاتبه وأملى عليه ما أنزل فكتبه في الصحاف والأكتاف ونحوها، مما كان يستعمل للكتابة في عهدهم. ثبت أنه لما نزل عليه قوله تعالى ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ (١) قال النبي ﷺ للبراء: «ادع لي زيدا يجيء باللوح والدواة والكتف» (٢) … إلخ. رواه أصحاب السنن، ولم تكن الكتابة وقفا على زيد بن ثابت، بل كان لرسول الله ﷺ كثير من الكتاب منهم في الجملة الخلفاء الراشدون، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد العاص وأخوه ابان، وحنظلة بن الربيع الأسدي، ومعيقيب ابن أبي فاطمة، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكل هؤلاء من قريش أسلموا قبل الفتح وكتبوا له الوحي وكتب له بالمدينة أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، إلا أن زيدا كان أكثر الصحابة كتابة لرسول الله ﷺ . وبذلك اشتهر ومن أجله اختاره أبو بكر وعمر لجمع القرآن ورضيه المسلمون، فقام بذلك خير قيام مع الإستعانة بإخوانه من الصحابة رضي الله عليهم كما هو واضح في بحث جمع القرآن.
стр. 467
جمع القرآن
٤ - جمعه في عهد أبو بكر
توفي رسول الله ﷺ والقرآن محفوظ في صدور أصحابه ومكتوب في اللخاف والأكتاف ونحوهما، ولم يكن جمعه على هيئة كتاب واحد حيث لم تدع الحاجة إلى ذلك لوجوده بين أظهرهم وتوجههم إليه في كل ما اختلفوا فيه، وتوفر هممهم على حفظه وغير ذلك مما يساعد على صيانته من التحريف والأمن عليه من الضياع.
فلما كان عهد أبي بكر واشتدت الفتنة، وكانت حروب الردة وقتل كثير من القراء في موقعة اليمامة، أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر ﵄ أن يجمع القرآن، وبعد نقاش اقتنع أبو بكر بما أشار به عمر، فأرسل إلى زيد بن ثابت وعرض عليه جمع القرآن، وراجعه في ذلك حتى شرح الله صدره لما شرح له صدر أبي بكر ﵃، روى البخاري وغيره أن زيد بن ثابت قال: أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة (١)، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتاني فقال إن القتل قد استحر (٢) بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك.
стр. 468
ورأيت في ذلك الذي رأي عمر. قال زيد: قال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي الرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه. والله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان علي أثقل مما أمراني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ . قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبعت القرآن من العصب (١) واللخاف (٢) وصدور الرجال ووجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدها مع غيره ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ (٣) حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر (٤)، وبهذا يتبين فضل أبي بكر وعمر وزيد ومن أعانهم على جمع القرآن ﵃ فإنهم بذلك قد حفظوا لنا أصل الدين كما حفظوه بالجهاد في سبيل الله.
وفي قراءة الكثير من الصحابة له بعد جمعه على النحو الذي جمعه عليه زيد ومن أعانه تقرير للجمع، والإجماع على صحته ومن قرأ بقراءة أخرى فإنما اختار لنفسه حرفا من الحروف السبعة التي بها نزل القرآن من غير أن ينكر على مبدأ الجمع أو ما جمع.
٥ - جمع عثمان القرآن وكتابة المصاحف وإرسالها إلى الأمصار
ثبت أن القرآن أنزل على سبعة أحرف بدليل ما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أقرأني جبريل القرآن على حرف، فراجعته، فلم أزل
стр. 469
أستزيده ويزيدني حتى إلى سبعة أحرف (١) رواه البخاري. وأذن لكل من أصحابه أن يقرأ بما أخذ عنه من تلك الأحرف، تيسيرا لهم، وتخفيفا عنهم، ولم يكن بينهم من الإختلاف، ما يدعو إلى المنع من ذلك لقلته، وإجتماع الصحابة، وقلة عددهم بالنسبة لمن بعدهم، ولوجود الرسول ﷺ بين أظهرهم ورجوعهم إليه فيما اختلفوا فيه، ولم تدع الحاجة في عهد أبي بكر وعمر أيضا لأكثر من جمع القرآن من غير ترتيب السور، ولا إلى إلزام الناس أن يقرأوا بحرف واحد من السبعة. ولما انتهت الخلافة إلى عثمان ﵁، وكثر المسلمون وانتشروا في البلاد، وكانت موقعه أرمينية وأذربيجان ظهر الحذيفة بن اليمان كثرة اختلافهم في القراءة، ففزع من ذلك، وأرسل إلى عثمان ﵁ يشير عليه أن يحفظ كتاب الله بما يراه قبل أن يختلف المسلمون فيه كما اختلف اليهود والنصاري في كتابهم، فقام ﵁ بذلك خير مقام على النحو المذكور فيما رواه البخاري من حديث «أن حذيفة ﵁ قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القرآن، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب، كاختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله ابن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق» (٢).
стр. 470
قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ (١) «فألحقناها في سورتها في المصحف» (٢).
ولا ضير على عثمان ﵁ في أن يلزم الناس بقراءة القرآن على حرف واحد وترك سائر الأحرف السبعة التي أقرأهم إياها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها، وقد أوضح ابن جرير هذا بقوله: إن أمره إياهم لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة، لأن القراءة بها لو كانت فرضا عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من تقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر. ويزيل الشك من قراءة الأمة، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجب بنقله الحجة ببعض الأحرف السبعة، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن القيام بتركهم نقل جميع القراءات السبع تاركين مايكون يجب عليهم نقله، بل كان الواجب عليهم من العقل ما فعلوا إذ كان الذي فعلوا من ذلك كان هو النظر للإسلام وأهله فكان القيام بفعل الواجب عليهم بهم أولى من فعل ما لو فعلوه كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة من ذلك، فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف، وجره ونصبه، وتسكين حرف، وتحريكه ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة فمن معنى قول النبي ﷺ «أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف»، بمعزل، لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن مما اختلف القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة، وقد أوجب ﵊ بالمراء الكفر من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه وتظاهرت عنه بذلك الرواية.
стр. 471
٦ - فضل كلام الله وفضل تلاوته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد ..
فإن فضل كلام الله على كلام البشر كفضل الله على عباده. وإن أفضل ذكر يذكر به الإنسان ربه هو كتاب الله، يتلوه العبد خاشعا، ضارعا متدبرا لمعانيه، مرتلا لألفاظه، جالسا جلسة أدب لأنه إنما يناجي ربه، ويذكره بكلامه وهو أفضل الكلام، كما أنه أفضل وأعظم من كل شيء ولا يشبهه شيء.
وقد بين الرسول ﷺ فضيلة القرآن وفضيلة من يقرأه، وقسم الناس في قراءته إلى قسمين:
القسم الأول: من جود القرآن وأحسن تلاوته ومرن في تلاوته، فهذا جعله النبي ﷺ في صفوف الملائكة البررة.
القسم الثاني: وهو صنف لم يلن لسانه بتلاوة القرآن، والقرآن عليه ثقيل، وهو يتمتع فيه، ويجاهد نفسه ليكون من المرتلين له، وهو شاق عليه ينطق به بصعوبة فهذا له أجران. أجر على التلاوة، وأجر على مجاهدته لنفسه، وفي هذا يقول النبي ﷺ : (الماهر بالقرآن مع السفرة والكرام البررة. والذي يقرأه ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) (١).
فبين النبي ﷺ أن لكل تال للقرآن أجرا، إذا كان من أحد هذين الصنفين وإن
стр. 472
كان أجر أحدهم يربو على الآخر، ولكل واحد منهم منزلة تناسبه. ولا يحرم أحد الثواب من عند الله ما ابتغى وجه الله بتلاوته. والإنسان في تلاوته للقرآن وتعلمه للعلوم من أي نوع، يشبه الولد الصغير، يبدأ رضيعا ولا يقوى على الطعام العادي. ثم يبدأ يحاكي الناس في الحديث، ويكون الحديث عليه صعب والكلام عليه شاق ولا يزال يحاكي الناس في حديثهم حتى يصير بإذن الله خطيبا أو محاضرا، أو عالما كبير يخف على لسانه الكلام، ويخف على فكره ما يريد أن يتكلم به أو يستنبطه بتفكيره من كتاب الله أو حديث رسول الله ﷺ أو غير ذلك مما يقرأه أو يسمعه أو يراه من السنن الكونية التي أودعها الله في هذا الكون.
فكذلكم الإنسان لا يحقر نفسه في تلاوته القرآن، فإنه مهما كان حاله في صعوبة التلاوة عليه إبتداء فهو بالمران، وبالمداومة، والاستمرار ومحاكاته لمن يحسنون التلاوة سيصير إن شاء الله مرتلا لكتاب الله خير ترتيل. والأمر يحتاج إلى وقت ومثابرة ومجاهدة للنفس.
وقد بين الرسول ﷺ أن القرآن قد يذهب عن فكر الإنسان وتغيب بعض آياته عن الذاكرة إذا الإنسان توانى في قراءته أو مراجعته لبعض الوقت. ولهذا أمر النبي ﷺ المسلمين أن يتعهدوا القرآن بالتلاوة خشية أن يتفلت من قلوبهم، وأن ينسوه فقال ﷺ : ﴿تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفصيا من قلوب الرجال من الإبل من عقالها﴾ (١).
فالإبل إذا كانت في عقولها، كل منها في عقال فإنها تحاول التخلص والتحرر من هذه العقول والقيود. كذلك القرآن إذا أهمل الإنسان تلاوته وفترت همته عن مراجعته ذهب عنه وغاب عن فكره، فلا يكاد يقرأ إلا وتجده يخطيء في
стр. 473
القراءة فحثنا النبي ﷺ على تعهده حتى نكون على ذكر من كتاب الله . والناس إذا كانوا يعشقون شعر أحد من الناس فانهم يضبطونه ويحفظونه وكذلك هم يضبطون النظريات الهندسية، والأصول الصحية، ويضبطون الكلمات الفقهية. والسنن الكونية، والظواهر الجوية وأسباب ذلك كله، يضبطون هذا وغيره ليتكسبوا به مالا أو منصبا أو غير ذلك من الأغراض فإذا كانت لهم هذه الهمة وبذل الجهد في تحصيل وتأصيل هذه العلوم وغيرها، فكتاب الله أولى بالاجتهاد وبذل الوقت، فإن ما يناله الإنسان من وراء إجادته لكتاب الله أرفع وأنفع وأعظم لمكانة المسلم ودرجته عند الله في الآخرة. وليعلم المسلم أن القرآن هر أعظم الزاد الذي يتزوده المسلم ليوم القيامة.
إن الإعتناء بكتاب الله تلاوة، وحفظا، وتدبرا لمعاني آياته ووقوفا على طريقة تلاوته تلاوة صحيحة، والنطق به على مقتضى القواعد والضوابط التي نقلها لنا القراء والمحفظون لكتاب الله من الإدغام والغنة والمد والإظهار وغيره الإعتناء بكتاب الله على هذا النحو هو من أعظم القربات وهذا كله مع الإخلاص الله في العمل. فإذا أضاف المسلم إلى الإعتناء بتلاوة القرآن بإخلاص إذا أضاف إلى ذلك العمل بالقرآن والسير على منهجه والتخلق بأخلاقه كان ذلك أرفع الدرجته وأعظم لثوابه وأجره.
وليعلم أن من أمور التلاوة مالا يمكن فهمه أو العمل به إلا عن طريق التلقي، والمحاكاة للقراء المتقنين الضابطين لكتاب الله الذين نقلوه لنا خلفا عن سلف تلقوه حفظا وتلقوه ضبطا لأحكام تلاوته. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
стр. 474
٧ - التكبير عقب قصار المفصل
قد اختلف العلماء في بعض المسائل المتعلقة بالتلاوة منها مسألة التكبير عقب قصار المفصل، من سورة الضحى إلى نهاية القرآن، إلى سورة الناس، فمنهم من رأى التكبير واقتصر على كلمة الله أكبر بعد قراءة كل سورة من (الضحى) إلى آخر القرآن، ومنهم من رأى أن يقول الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، واقتصر على هذا. ومنهم من زاد ولله الحمد.
وهؤلاء الذين رأوا جواز التكبير استندوا إلى آثار وردت في جوازه عن القراء، قراء السلف. ومنهم من استند إلى الحديث المرفوع الذي ورد من طريق أحمد البزي بسنده إلى النبي ﷺ . لكن أحمد البزي (١) وإن كان ثبتا في القراءة إلا أنه في الحديث ضعيف، فأبو حاتم قد ضعفه وقال لا أحدث عنه، وكذلك ضعفه أبو جعفر العقيلي وقال هو منكر الحديث. من أجل هذا لم يكبر جماعة من العلماء عند الإنتهاء من قراءة قصار المفصل، لكن جرى العمل عند جماهير القراء على التكبير. ولما بلغ هذا الإمام الشافعي ارتضاه، وصححه وهذا شجع كثيرا من القراء على أن يكبروا عقب هذه السور، وقد ذكر هذا المعنى ابن كثير في تفسيره وأقصد بابن كثير أبا الفداء المفسر المتوفى سنة ٧٧٤ هـ ولست أقصد ابن كثير القاريء. فإن ابن كثير المفسر هذا متأخر (٢). أما ابن كثير القاريء
стр. 475
فهذا قديم (١) متقدم ليس بينه وبين رسول الله ﷺ إلا شخصان فقط.
نرجع إلى ما كنا بصدد الكلام عليه وهو أن من أراد المزيد من الكلام على مسألة التكبير فليرجع إلى تفسير ابن كثير عند أول تفسير سورة الضحى. وليرجع أيضا إلى كتاب الإتقان في علوم القرآن. وكذلك كتاب الاستذكار لابن عبد البر. وغير ذلك من كتب المؤلفة في علوم القرآن.
٨ - الإجتماع والدعاء عند ختم القرآن
لم يعرف عن النبي ﷺ أنه كان إذا ختم القرآن نصب مجلسا وجمع فيه أهله أو بعضهم ودعا. إنما عرف هذا عن أنس بن مالك وبعض الصحابة الآخرين كابن عباس. فكان أنس ﵁ إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا الله سبحانه بما هم في حاجة إليه.
وكذلك روي عن ابن عباس أنه كان إذا علم أن أحدا من عباد وقراء الصحابة أوشك على ختم القرآن أرسل إلى بعض الناس من أصحابه وقال لهم إن فلانا سوف ينتهي من ختم القرآن هذا اليوم أو هذه الليلة فلنأته، فيأتونه ويجتمعون عنده ويدعون الله بما يتيسر من الدعاء بما فيه خير الدنيا والآخرة من غير أن يتكلفوا دعاء معينا لذلك. وإنما يدعو كل إنسان بما يحتاج فهذا يدعو بالذرية الصالحة، وهذا يدعو بالغنى، وهذا يدعو بالشفاء، وهذا يدعو على ظالم قد تسلط عليه أو تسبب له في ضرر وأذى لحق به أو بأحد من أهله وأحبابه وهكذا. ومن هذا المفهوم تجد أن الأدعية التي نقلت عن الصحابة أو عن العلماء.
стр. 476
مختلفة وليست على صفة ولفظ واحد لأن الحاجات ليست واحدة.
وكان بعضهم يتوسل إلى الله بتلاوته لكلامه وكتابه الذي هو القرآن، وهذه التلاوة من العمل الصالح الذي يجوز التوسل به. وربما توسلوا أيضا بأسماء الله وصفاته وهو توسل مشروع أيضا والإخلاص لله في كل عمل تلاوة أو دعاء أو غير ذلك هو الأصل الذي تقبل به الأعمال وتجاب به الدعوات. وأسأل الله لي ولكم التوفيق لما يحب ويرضى وصلي الله وسلم على عبده ورسوله محمد.
стр. 477
٩ - حكم القراءة بالأحرف السبعة
وسئل الشيخ رحمه الله تعالى عن: حكم القراءة بالأحرف السبعة في الصلاة وفي غيرها؟
فأجاب بقول: أراد أبو بكر بن مجاهد أن يجمع المشهور من قراءات قراء العراقين والحرمين والشام، لأنهم الذين عنوا أكثر من غيرهم بنصوص الشريعة حفظا لها وفهما لفقهها وإعداد الوسائل التي يتوقف فهمها عليها، فجمع على رأس المائة الثالثة ببغداد قراءات سبعة من أئمة القراءة المشهورين بهذه الأمصار، ليوافق عدد الحروف التي في حديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف» (١)، وكان أول من جمع قراءة هؤلاء ولم يعتقد هو ولا غيره أن هذه القراءات هي الأحرف السبعة، ولا منع أحد آنذاك القراءة بغير قراءاتهم: بل قال بعض أئمة القراء: لولا أن ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانه يعقوب الحضرمي إمام جامع البصرة وإمام قرائها في زمانه في رأس المائتين، بل يجوز لمن ثبت عنده قراءة الأعمش شيخ حمزة الزيات، أو قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي، ونحوهما كما ثبتت لديه قراءة حمزة أن يقرأ بها بلا نزاع من العلماء المعتبرين بل أكثر العلماء الذين أدركوا قراءة حمزة كأحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة كانوا يختارون قراءة أبي جعفر بن القعقاع ونحوه من أهل البصرة على قراءة حمزة، وكان الأئمة من قراء العراق الذين ثبت لديهم قراءة العشرة، يجمعون ذلك في الكتب تأليفا، ويقرءون بأيها في الصلاة وفي غيرها، وهذا متفق عليه بين العلماء، وإنما ينكر على من قرأ بقراءة لم تثبت عنده، ولم يكن عالما بها، فإن القراءة سنة متبعة، فمن علم منها شيئا قرأ به، وليس لأحد أن ينكر عليه ذلك، ومن جهل منها شيئا حرم عليه القراءة به سواء كان من القراءات السبعة أو غيرها.
стр. 478
٢ - إن الأحرف السبعة لا تتناقض بل تتحد في أصل معناها أحيانا، وتختلف اختلاف تنوع أحيانا لا اختلاف تضاد، فتفيد كل آية حكما، وتكون كل قراءة بالنسبة للأخرى كالآية بالنسبة لآية أخرى، والجميع حق فيما أفاد من الأحكام لا يجوز لأحد أن ينكره أو يترك العمل به.
٣ - مصحف عثمان ﵁ هو أحد الأحرف السبعة، وهو موافق للعرضة الأخيرة، وقال طوائف من القراء والفقهاء، وعلماء الكلام إن مصحف عثمان مشتمل على الأحرف السبعة، إذ لا يجوز أن تهمل الأمة نقل شيء من هذه الأحرف، وحيث اتفقوا في خلافة عثمان على نقل هذا المصحف دون سواه دل ذلك على أنه مشتمل على الأحرف السبعة، وأيضا لو كانت خارجة عن رسم المصحف لنهي عن القراءة بها، لكن لم ينه عن القراءة بأي حرف منها، فكان داخلا في رسم المصحف، وأجيب عن ذلك بما ذكره ابن جرير في مقدمة تفسيره من أنه ليس من الواجب نقل كل حرف من الأحرف السبعة، بل يكفي حفظ القرآن في حرف منها، وقد اختير الحرف الموافق للعرضة الأخيرة، ولم تكن القراءة بالأحرف السبعة واجبة على كل واحد من الأمة، و لا على كل الأمة بحيث لا يفوتها في جملتها حرف منها، فإن القراءات نزلت رخصة لهم، وتسهيلا عليهم، فلما سهلت عليهم القراءة بحرف واحد اتفقوا على حرف منها دفعا لخطر الفرقة.
٤ - ترتيب السور لم يكن واجبا عليهم منصوصا، بل كان باجتهاد الصحابة، بخلاف ترتيب الآيات في السورة، فإنه توقيفي.
٥ - أمثلة للقراءات:
أ - ﴿والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى﴾.
ب - ﴿إن كانت إلا رقبة واحدة فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾.
وهما عن ابن مسعود ﵁
стр. 479
٦ - الخلاف في القراءة بما خرج عن رسم المصحف العثماني:
روي عن كل من مالك وأحمد رويتان:
جواز القراءة بها في الصلاة وغيرها، لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بها في الصلاة.
والرواية الثانية: المنع لأنها ليست من الحروف السبعة، لأنها لم تثبت متواترة، وبتقدير ثبوتها متواترة فهي منسوخة بالعرضة الأخيرة، التي روجعت في مصحف عثمان ﵁، ونقل عن أبي البركات ابن تيمية المنع من القراءة بها في القراءة الواجبة والجواز في غير الواجبة، وبذلك تعرف الرد على من يدعي الإتفاق على المنع من القراءة بما خرج عن رسم المصحف.
قال القاضي أبو بكر ابن الباقلاني: يجب القطع بنفي قرآنية ما لم يثبت من القراءات أنه من الأحرف السبعة، وجمهور العلماء على أنه لا يجب القطع بالنفي، ولذلك جوزوا القراءة بها في الصلاة مطلقا أو في غير الواجب، ولم يكفر من أثبت البسملة قرآنا بين كل سورتين للفصل، وعلى أنها آية أو بعض آية من كل سورة.
стр. 480
أبواب التفسير
١ - تفسير مختصر لسورة الفاتحة (١)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ (٢)
هذه السورة تسمى سورة الفاتحة، وتسمى أم القرآن، وهي مجملة فصلت القرآن كله، تشتمل على تبيين الأسماء والصفات في الآيات الثلاث الأولى، وتشتمل على تبيين العبادة في قوله ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ وعلى الدعاء الذي في ختام السورة، وتشتمل على الولاء والبراء في قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾
وهي على قصرها تشمل المطالب التي جاء القرآن بتفسيرها مما ذكرت من الأنواع الثلاثة.
ففي مطلع هذه السورة يعلمنا الله جل شأنه كيف نحمده. ونثني عليه الثناء كله فقال سبحانه: ﴿الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم﴾.
ثم علمنا كيف نمجده بقوله سبحانه ﴿مالك يوم الدين﴾.
ثم علمنا أن نخصه بالعبادة لا نصرف منها شيئا إلى غيره سبحانه فنعبده بما شرع، وكما شرع، ونخلص له في ذلك كما أمرنا سبحانه بقوله ﴿قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين﴾ (٣).
стр. 481
وقال سبحانه معلما لنا أن نقول ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ بمعنى أن لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.
ثم علمنا كيف ندعوه ونتضرع إليه، ونطلب منه ما فيه سعادتنا في الدنيا والآخرة، وما يصلنا به ويقوي الصلة بين المؤمنين به، وكيف نتبرأ ممن حاد عن طريقه فغضب عليه وأضله عن سواء السبيل، فأمرنا أن نقول ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ والمغضوب عليهم هم كل من علم، وكان على بينة من أمر دينه، وعلى بينة من الحق وبصيرة منه، ومع ذلك حاد عنه ولم يسلك الطريق الحق، فكل من كان على هذا النحو فهو ممن غضب الله عليهم.
ومن أول هؤلاء اليهود الذين عرفوا الحق وحادوا عنه، وقد سئل بعض اليهود عن الرسول ﵊ فيما بينه وبين قومه فقالوا: إنا نعلم أنه رسول أكثر مما نعرف عن نسبنا لآبائنا، فنسبه لأبيه قد يكون مدخولا، أما البينة الصريحة الصحيحة فهي مثبتة لرسالة نبينا محمد ﷺ فهو على بينة من رسالة النبي ﷺ ، ومعرفته بذلك أقوى من معرفته بنسبه لأبيه، ومع ذلك حاد عن الطريق المستقيم.
هؤلاء الذين كانوا على بينة من الحق ومعرفة به ثم حادوا عنه يقال لهم المغضوب عليهم، ومن الأضلين في هذا اليهود عليهم لعائن الله.
أما الضالون فهم كل جماعة جهلت الحق وطريق الصواب، وكانت في أمر عملها على غير بصيرة من دينها، ويمثل هؤلاء النصارى، فهم الضالون كما ورد هذا في حديث عن النبي ﷺ : بين أن المغضوب عليهم هم اليهود وأن الضالين هم النصارى (١).
стр. 482
وهذا من التفسير الجزئي أي من باب التمثيل لمن غضب الله عليهم، والتمثيل لمن أضلهم الله عن سواء السبيل.
والآيات الأخيرة بينت الطائفة التي تجب موالاتها، والسير في طريقها ومواخاتها، وهم الذين سلكوا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين فهؤلاء رفقاء الخير وطريقهم طريق الحق والصواب، وهم الذين يجب على المسلم أن يواليهم، وأن ينشد طريقهم، وأن يسلك سبيلهم رجاء أن يرحمه الله جل شأنه في الدنيا والآخرة.
أما الفريق الثاني فهو الذي يجب البراءة منه، وهم الفريق المغضوب عليه، والفريق الضال لسواء السبيل.
هؤلاء هم الذين يجب على المسلم أن يتبرأ منهم، عقيدة وعملا، وأن يمتليء قلبه ببغضهم إلا بمقدار ما يدعوهم إلى الحق، ويبين لهم الصواب لأن البلاغ واجب، ولابد منه، إقامة للحجة، وإعذارا إليهم حتى لا يكون لهم على الله حجة بعد البلاغ والبيان.
هذه السورة جاء في فضلها حديث قدسي وأحاديث نبوية، أما الحديث القدسي الذي قسمها أقساما، وأشار إلى معناها إجمالا، وبين الكثير من فضلها، ومكانتها من الإسلام فقد قال فيه النبي ﷺ عن ربه: «قال الله تعالى قسمت الصلاة أى الفاتحة، بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل.
فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي.
وإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله تعالى أثنى علي عبدي.
وإذا قال: ﴿مالك يوم الدين﴾ قال الله تعالى: مجدني عبدي.
стр. 483
وإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال الله: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل» (١).
يريد بالنصف الأول خطابه تعالى عباده بقوله: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ علمهم أن يقولوا: ﴿إياك نعبد﴾، فهذا حق الله من عباده.
ويريد من النصف الثاني الذي لعبده. ﴿وإياك نستعين﴾ أي لا نستعين إلا بك فهذا حق العبد على ربه أن يستجيب منه إذا دعاه، وأن يحقق رجاءه فيه في حدود مصلحته وما يعود عليه بالخير في الدنيا والآخرة.
وإذا قال العبد: ﴿اهدنا الصراط المستقيم (٦) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ إلى آخر السورة. قال الله تعالى: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل.
فسمى الله سبحانه هذه السورة الصلاة إيذانا بأنها ركن من أركان الصلاة.
ولذلك لا تصح صلاة المسلم إلا إذا قرأ الفاتحة (٢) في الصلاة الجهرية، والسرية إماما، ومنفردا ومأموما هذا هو الرأي الصحيح عند فقهاء المسلمين وأئمتهم، ولا تجزى الصلاة ولا تصح من المصلي إذا لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب، لأن الله جل شأنه سماها الصلاة، فجعلها نفس الصلاة إيذانا منه سبحانه، بأن لها شأنها في إقام الصلاة وإجزائها.
وهذه السورة فيها إثبات لأسماء الله وصفاته، وإلى ذلكم الإشارة في
стр. 484
الآيات الأولى.
فقد سمى الله نفسه باسمه الذي لا يسمى به غيره، وهو كلمة الله، ثم وصف لفظ الجلالة بأنه الرب للعالمين جميعا، الملائكة والإنس والجن وسائر المخلوقات، والجمادات من سماوات وأراضين، رب العالمين جميعا.
ثم وصف نفسه بأنه الرحمن الرحيم وسمى نفسه بذلك.
ثم وصف نفسه سبحانه بأنه مالك يوم الدين، ويوم الدين هو يوم القيامة، فكما ملك الدنيا وصرفها ودبرها على مقتضى حكمته، وعلى طبق علمه ملك الآخرة، وهي دار الجزاء ليجزي فيها كل نفس بما عملت من خير أو شر.
فهذا فيه إشارة إجمالية إلى صفات الجلال والكمال التي وصف الله تعالى نفسه بها.
ثم ذكر حق عباده عليه، وحقه على عباده، ثم ختم السورة بالولاء والبراء، ليبين لنا من يجب علينا أن نواليه وأن نؤاخيه، ومن يجب علينا أن نعاديه، وأن نتنكب طريقه، فإنه طريق السوء والشر طريق الهلاك والتبار.
هذه السورة ورد في فضلها عن النبي ﷺ أنه دخل المسجد يوما ما فوجد أبا سعيد بن المعلى يصلي نافلة، فنادى فحار أبو سعيد بن المعلى، هل يجيبه أو يستمر في صلاته، وغلب جانب الاستمرار في صلاته طاعة الله، وإيثارا لجانبه، ولما انتهى من صلاته جاء إلى النبي ﷺ إستجابة لندائه، وإن كان بعد فترة، فقال له: «يا أبا سعيد ألم أنادك؟» فقال: بلى ولكني كنت أصلي، قال له: «إن الله تعالى قال في محكم كتابه»: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ (١) فبين له أنه كان يجب عليه أن يجيب النبي ﷺ ، ولكن أبا سعيد أثر
стр. 485
جانب الاستمرار في صلاته اجتهادا منه، فله الأجر عند الله على عمله واجتهاده.
ثم قال له: «يا أبا سعيد لأعلمنك سورة من القرآن هي أفضل القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم» (١). ثم سكت النبي ﷺ ولم يعلمه، لم يعجل بتعليمه السورة وأخذ في طريقه إلى باب المسجد فلما اقترب من باب المسجد قال له أبو سعيد: يارسول الله ألم تقل لأعلمنك سورة هذ كذا وهي كذا؟ فقال: بلى ثم قال له: هي سورة الفاتحة وقرأ قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾ (٢).
﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني﴾ الآيات السبع التي تكونت منها سورة الفاتحة، سميت مثاني لما فيها من الثناء على الله جل شأنه، ولأنها تتكرر قراءتها في كل ركعة من ركعات الصلاة، فلتكرارها في الصلاة في كل ركعة، ولاشتمالها على الثناء على الله سميت في نص القرآن السبع المثاني ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾ وهذا من عطف العام على الخاص، ويدخل فيه سورة الفاتحة.
فهي سبع آيات من القرآن، وهي داخلة في قوله تعالى: ﴿والقرآن العظيم﴾. وهي أفضل القرآن.
فهذا بيان من النبي ﷺ لفضل الفاتحة، ولمكانتها عند الله جل شأنه، مع كونها كلام الله، وكلام الله خير الكلام، وفضل كلام الله على كلام البشر كفضل الله على عباده، وشتان ما بين الله وبين عباده فالفرق شاسع.
وكذلكم الفضل واسع ولا يقدر قدره إلا الله، كما لا يقدر قدر الله إلا الله فلا
стр. 486
يقدر قدر كلامه إلا هو، ولا يقدر قدر الفاتحة خاصة إلا الذي تكلم بها وأنزلها على رسوله ﷺ .
فهذا من فضائل الفاتحة التي بينها الرسول ﷺ ، كما بين فضلها الله سبحانه في الحديث القدسي الذي ذكرناه.
ومما جاء في فضل الفاتحة والانتفاع بها، الرقية بها حتى ولو كان من رقي بها كافرا، فقد ثبت في حديث البخاري (١) أن سرية من سرايا النبي ﷺ أرسلها الرسول ﷺ في مهمة فنزلت في طريقها على قوم من الكفار عتاة فاستضافوهم، فأبى أولئك الكفار أن يضيفوا صحابة رسول الله ﷺ لما بينهم وبين أولئك الصحابة من العداوة والبغضاء، وما في قلب الإنسان يظهر في أعماله، وعلى جوارحه وفي فلتات لسانه.
стр. 487
فهؤلاء قابلوا استضافة الصحابة ﵃ بالتنكر لهم، فذهب عنهم صحابة رسول الله ﷺ .
وجزاء لهم على موقفهم السيء من الصحابة رضوان الله عليهم، وعقوبة لهم سلط الله على سيدهم حشرة لدغته، فطلبوا له العلاج بكل ما يستطيعون فلم يفلحوا، واضطروا إلي أن يذهبوا إلى صحابة رسول الله ﷺ في منزلهم الذي نزلوا فيه، ليستعينوا بهم على علاج لديغهم، وقالوا لهم القصة أنهم طلبوا له العلاج بكل شيء لا ينفعه شيء فهل عندكم من علاج؟ فقال أبو سعيد الخدري، وهو تقريبا أصغرهم سنا، لكنه يحفظ الكثير من القرآن قال: والله إن عندي له علاجا، ولكني لست بفاعل حتى تجعلوا لنا جعلا فإنا استضفناكم فلم تضيفونا، فجعلوا لهم جعلا على أن يأتي أبو سعيد إليه ليقوم بعلاجه، والشفاء بيد الله لا بيد أبي سعيد الخدري، وذهب معهم إلى اللديغ، وقرأ عليه سورة الفاتحة مرة واحدة فقام كأنما هو جمل نشط من عقال، كأنما هو جمل حل عقاله. والجمل معروف عند العرب، بأنه قوي فإذا حل عقاله، وكان أمامه أقوى رجل دفعه بصدره فوقع على ظهره، وليس به بأس كأنه لم يلدغ، فأعطوهم الجعل، وكان قطيعا من الغنم، وكان يكفي الصحابة أعدادا قليلة من الغنم لو أنهم كانوا قد أضافوهم أول الأمر لكن رزقهم الله هذا الرزق الواسع. ثم ارتابوا وقالوا فيما بينهم فقد يكون هذا كسبا غير حلال، والصحابة رضوان الله عليهم عرف فيهم التحرى للكسب الحلال، وعرف فيهم الصلاح، وتقوى الله ، فقالوا لا نأكل حتى نسأل رسول الله ﷺ .
فلما رجعوا سألوا الرسول ﷺ فقال لأبي سعيد «ما يدريك أنها رقية؟» فقال شيء ألقاه الله في روعي، والروع القلب والروع بالفتح الخوف.
فإبراهيم لما جاءته الملائكة وأوجس خيفة منهم أخذه روع، وأخذته المخافة ثم ذهب عنه الروع لما عرف حقيقة الأمر.
стр. 488
القصد أن الروع الخوف والروع هو القلب، فقال أبو سعيد هذ شيء ألقاه الله في روعي، وهذا مثل ما يلقى في قلب بعض الطيبين، بأن فلانا سوف يأتي من السفر هذا مجرد إحساس باطني لا يفيد اليقين، لكنه يدفع الإنسان إلى أن يتحدث عما جال في خاطره، وإن كان لا يسمى علما لكنه هواجس وخواطر تجول في صدره ولا يسمى علم الغيب.
فالرسول ﷺ قال لهم جوابا عن سؤالهم هل هذا من الكسب الحلال أو الكسب الحرام؟ قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» يريد بهذا أن العلاج قد يكون بالكي، وقد يكون بسحب السم من اللديغ من المكان الذي لدغ فيه.
وكيف يسحب السم منه، يشرط جلده فيخرج الدم، أو يمتص طبيا، وقد يكون برقية، وقد يكون بدعوة له، وهناك أنواع كثيرة للعلاج، منها الرقية بقراءة القرآن التي ترتب عليها الشفاء، وصاحبها أحق بالأجر من الشخص الذي يعالج علاجا ماديا مثل الطبيب أو غيره.
فهذا بيان من النبي ﷺ المشروعية الرقية بالفاتحة. وهذا بيان لنتيجة الرقية التي بها شفاء هذا وإن كان كافرا.
وليس المراد بهذا الحديث أن يأخذ الإنسان أجرا على تلاوة القرآن مثل الصييت (١) أو أن يأخذ أجرا على قراءة القرآن على الأموات، فإن هذا لم يفعله رسول الله ﷺ ، وهو معلم البشر، وهو المبلغ عن ربه .
فقراءة القرآن على الأموات رجاء أن يرحمهم الله بدعة من البدع، وأخذ أجر على تلاوة القرآن أيضا لا يجوز.
والكفار الذين أعطوا الصحابة قطيعا من الغنم، لم يعطوهم إياه حبا للقرآن.
стр. 489
أو حبا فيه، أو حبا للقاريء، وللمسلمين وللإسلام، بل القرآن أبغض إليهم من كل شيء، والصحابة أبغض إليهم من كل شيء، ورسولهم أبغض إليهم من كل شيء، ومع ذلك دفعوا الأجر، فالأجر ليس للتلاوة وإنما هو للعلاج. ولم يدفعوا الأجر إلا بعد الشفاء لأنهم جعلوه على الشفاء - لا على التلاوة.
فالاستدلال بهذه الجملة من الحديث على جواز تلاوة القرآن، على الأموات رحمة لهم، أو الاستدلال بها على مجرد تلاوة القرآن وأخذ أجر عليه لاستماع الناس إليه، لا يجوز ولا يصح وهو من تحريف الكلم عن مواضعه، وهذا من فوائد هذا الحديث إلى جانب الفائدة الجليلة التي بينها النبي ﷺ بين بها منزلة القرآن ومكانته من غيره من القربات ومكانة الفاتحة من سائر القرآن.
هذا بيان لجانب آخر من جوانب فضيلة سورة الفاتحة، وذكرت من قبل فضيلتها وأنها جعلت فرضا في كل من ركعات الصلاة بخلاف السورة التي بعدها فإنها من سنن الصلاة لو تركها المصلي تكون صلاته صحيحة، أما الفاتحة فلو تركها كانت صلاته باطلة.
والقرآن كله خير وفضله على كلام البشر كفضل الله على عباده، وأسأل الله جل شأنه أن يبصرنا بديننا، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وأن يجعله لأرواحنا دواء، وأن يجعله مصدر تشريعنا، وأن يستميل قلوبنا إليه حتى لا نحكم سواه وسوى سنة رسوله ﷺ ، فإن من أخذ بهما أخذ بالحق، وكان على بينة وبصيرة من أمر دينه مع ربه ومع المخلوقات، وكان حبيبا الله في الدنيا والآخرة سعيدا في دنياه وفي آخرته.
стр. 490
٢ - من مقاصد سورة المائدة (١)
هذه سورة من سور القرآن الكريم، وسوف نتناولها بما يتضح به وحدة السورة والمقصد الذي تدور آياتها حوله، وأحب أن أتكلم عن نماذج من مقاصد بعض السور لتكون فاتحة لمعرفة مقاصد السور وتكون معينة للإنسان على فهم المحور الذي تدور عليه أحكام السورة. واخترت لهذا: أولا سورة العقود، وثانيا سورة الأحزاب وإن اتسع الوقت فستكون سورة الصافات، أو أخرى أقصر منها إن شاء الله تعالى.
يذكر الله جل شأنه في مطلع سورة العقود هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد﴾ (٢).
هذه الآية تشير إشارة واضحة إلى ما تدور حوله الآيات، وتدور حوله الأحكام التي تضمنتها هذه السورة، فالله يأمرنا في هذه الآية بالوفاء بالعقود، والعقود هي المواثيق والعهود كلها ترجع إلى معنى واحد هو الاتفاق الذي يكون بين العبد وربه، ميثاق يأخذه الله جل شأنه على عبده، وقد تكون إتفاقات تجري بين إنسان وآخر في بيع وشراء، في مواعيد، أو في جهاد وحروب، أو في أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. فكلمة العقود كلمة جامعة عامة شاملة، تشمل كل الإتفاقات التي تكون فيما بين العباد على الخير، و تشمل ما أخذه الله جل شأنه على عباده من عهود التكاليف التي كلف بها خلقه، وما سيأتي في السورة يدور حول هذا، كل ما في السورة من التفاصيل دائر حول قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ وحول مذمة من نقض العقود وخانها وجزاء من وفى بها ووقف
стр. 491
عندها ويتبين هذا بالتفاصيل الآتية أو بذكر شيء من التفاصيل الآتية في قوله تعالى في الآية الثانية من هذه السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ (١)
فهذه الآية فيها عقد وميثاق على المسلمين بعد أن تمكنوا في الأرض وصارت لهم دولة، وبعد أن أكمل الله لهم دينهم وأتم عليهم نعمته، وصاروا بإمكانهم أن يثأروا لأنفسهم، وأن ينتقموا ممن سبب لهم أذى، يأخذ الله تعالى عليهم أن لا يقابلوا السيئة بالسيئة، وأن لا يعتدوا على القاصدين لبيت الله الحرام إلى غير هذا مما ذكره الله في هذه الآية، وخاصة ما تحدث العبد به نفسه من أن يثأر لنفسه ممن ارتكب جريمة في شأنه واعتدى عليه في سابق حياته، فيبين الله جل شأنه في هذا العهد الذي أخذه على عباده الموحدين أنه لا ينبغي لهم أن يحملهم ما سبق من الكفار من صدهم المسلمين في السنة السادسة من الهجرة عن بيت الله الحرام، ومن موقفهم السيئ سنة الفتح عند دخول مكة، يبين لهم أنه لا ينبغي أن يحملهم ما سبق من أولئكم الكافرين على أن يعتدوا على الكافرين وأن يثأروا لأنفسهم منهم، وليجعلوا نعمة الله بإقدارهم لهم على الانتقام من عدوهم، ونعمة الله جل شأنه على هذا الإقدار بالعفو عن أولئك الذين سبقت منهم السيئات وتقدم منهم الأذى والضرر للمسلمين في صدهم عن بيت الله الحرام، وهذا منتهى العدل الإسلامي وهو تناسي ما سبق من السيئات بعد أن تمكن المسلم من إقامة العدل، فلا يرعى حظ نفسه بل يقف موقفا يرضى به ربه ويتألف به قلوب من سبقت منهم إساءة له فيقول تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾
стр. 492
لا تحملكم عداوة قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ثم أمرهم بأن يتعاونوا عموما على البر والتقوى وحذرهم من أن يتعاونوا على الإثم والعدوان، وحذرهم شديد بأسه وأليم عقابه إن هم نقضوا عهده وخانوا ما أخذه عليهم من هذا التكليف وأمثاله فيشتد بهم بأسه، وحذرهم في ذلك بقوله سبحانه: ﴿واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾.
ثم بين لهم تفصيل أشياء مما حرم عليهم، واستثنى من هذا أشياء فقال: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ إلى قوله: ﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام﴾ (١).
فكان هذا تفسيرا لقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد﴾ (٢).
فالآية الأولى إجمال وهذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾ (٣)، وآية ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ (٤). إلى آخرها فيهما تفصيل أو بعض التفصيل لما أجمل في الآية الأولى، فهذا من الأدب أو من المقاصد التي اشتملت عليها الآية الأولى من هذه السورة.
ثم ذكر عهدا آخر أخذه على عباده الموحدين من أحكام الوضوء وأحكام الغسل وذكر تفصيل هذا في آية ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ (٥).
стр. 493
ثم قال: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به﴾ (١).
فأوجب عليهم أن يتذكروا مواثيق الله سبحانه التي أخذها عليهم إجمالا في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.
وتفصيلا فيما ذكره من تفاصيل القرآن، في هذه السورة وغيرها وما بينته سنة رسول الله ﷺ .
ميثاق ثالث ذكره جل شأنه في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (٢).
فأوجب عليهم سبحانه أن يرعوا العدالة وأن يوفوا بالعهد والميثاق، وأن لا تكون الخصومة متسلطة على نفوسهم تسلطا يجور بهم عن الجادة ويحملهم على نقض ما أخذه الله عليهم من عهد وميثاق، ولا يجرمنكم شنآن قوم - أي عداوة قوم - على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى، وأنذرهم وحذرهم من نقض العهد والميثاق بقوله: ﴿واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾.
ثم ذكر العدة الطيبة والجزاء الكريم، العدة الطيبة لمن وفى بالعهد والميثاق والوعيد الشديد لمن لم يف بذلك بل خان ونقض فقال: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ (٣).
هذه منزلة أخرى، أو مرحلة أخرى ثالثة في تفصيل قوله تعالى في مطلع السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.
стр. 494
ميثاق رابع، فيه تفصيل لمطلع السورة يذكر الله عباده نعمته عليهم برد كيد خصومهم، ومكر أعدائهم في محاولة سفك دم رسول الله ﷺ وإيذاء المسلمين في شخص رسول الله ﷺ ، فكف أيدي هؤلاء جميعا وأبطل كيدهم وأحبط سعيهم، وشردهم عن بلادهم فقال جل شأنه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ (١)
وذلك أن بني النضير دبروا لرسول الله ﷺ تدبيرا سيئا، وذلك حينما جاء إليهم يطلب منهم شيئا من المال يستعين به في بعض المصالح فوعدوه خيرا وهم يضمرون الفتك به وأجلسوه تحت جدار، وصعد بعضهم فوق البيت ليرمي عليه حجرا يقضي عليه، فأوحى الله إليه أن يقوم فقام وقد أرسل بعض أصحابه إلى المدينة فذهب إلى جهة المدينة وبلغ أصحابه وجمعوا جموعهم، وجاء إلى بني النضير محاربا لهم إستجابة لأمر الله جل شأنه، ثم رضوا بأن يخرجوا من ديارهم فأذن لهم في ذلك بأمر الله جل شأنه، وأذن لهم في أن يأخذوا من أموالهم ما حملت حمولاتهم وفي ذلك أنزل الله سورة الحشر ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾. هم بنو النضير ﴿ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (٢)
هذه وما سواه من آيات سورة الحشر فيه تفصيل لما ذكر الله في هذه الآية التي أخذ فيها العهد والميثاق على المؤمنين أن لا يعتدوا بل عليهم أن يلزموا العدالة فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ (٣)
стр. 495
يعني بسفك دم رسول الله ﷺ بهذا التدبير الذي دبره بنو النضير، واليهود كما هو مشهور عند العالم لا عند المسلمين فقط هم سوسة تنخر في عظام الأمم فهم في كل دولة من الأمم يسعون فسادا في الأرض ويدبرون التدبير السيئ ويمكرون المكر السيئ ويعيشون كالنباتات الطفيلية في سائر الدول، ومن تدبيرهم السيئ ما دبروه في هذا الحادث لرسول الله ﷺ رغبة منهم في القضاء عليه.
ثم بدأ الله جل شأنه بدءا جديدا، وذكر لنا لونا آخر من العهود والمواثيق ليست عهودا أخذها على المسلمين كالعهود التي مضى تفصيلها بل عهودا أخذت على أهل الكتاب من اليهود والنصارى وعلى أمثالهم فلم يكن منهم إلا التبرم لها والتنكر لها ونقضها شر نقض، فنزل بهم بأس الله وعذابه فهذا مما يتصل بمبدأ السورة أولا، يتصل بها من جهة أنه نقض للعهود والمواثيق نقضا أفسدوا به الأرض واستوجبوا به مقت الله وغضبه، يقول تعالى: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾ (١). فالآية في العهود والمواثيق التي هي في الآية الأولى.
وقال جل شأنه: ﴿لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة﴾
هذا هو العهد ﴿لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم﴾.
أي عظمتموهم وأيدتموهم ﴿وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ (٢).
هذه العدة الجميلة التي وعدها من وفى بهذا العهد الذي فصله في الجملة السابقة، ثم هدد وأنذر من نقض العهد والميثاق فقال: ﴿فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل﴾.