← Акыда

Акыда · id 8622

الصارم المنكي في الرد على السبكي

ابن عبد الهادي

Полный текст (343 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إذا عرفت هذا ظهر لك خطأ المعترض في قوله عن خبر هارون أبي قزعة عن رجل من ولد حاطب أنه مرسل جيد، وتبين لك أن مثل هذا القول لم يقله أحد من أئمة أهل الحديث، ويكف يكون مرسلاً جيداً، ومرسله ليس بمعروف أصلاً، بل هو مجهول العين، والحال، والبلد، والاسم، واسم الأب، وراويه عنه مجهول لم يتابع على ما رواه، وراويه عنه أيضاً مجهول لم يعرف من حاله ما يوجب قبول روايته، بل قد اختلف الرواة في اسمه، واسم أبيه، ولا يعرف ذكره في غير هذا الخبر المرسل الضعيف المضطرب الذي رده الأئمة وطعنوا فيه ولم يقبلوه، ولم نعلم أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين قوي هذا الخبر واحتج به غير هذا المعترض على شيخ الإسلام، وجميع ما تفرد به خطأ فاعلم ذلك والله الموفق. ثم قال المعترض وقد روى عن هارون بن قزعة أيضاً مسنداً بلفظ آخر: وهو الحديث الثامن: ((من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حاتي)) رواه الدارقطني وغيره، أخبرنا الحافظ أبو محمد الدمياطي سماعاً عليه في كتاب السنن للدارقطني، قال: أنبأنا الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل، أنبأنا الويرج، أنبأنا الأخشيد، أنبأنا إبراهيم بن عبد الرحيم، أنبأنا الدارقطني، حدثنا أبو عبيد والقاضي أبو عبد الله، وابن مخلد قالوا: حدثنا محمد بن الوليد البسري، حدثنا وكيع، حدثنا خالد بن أبي خالد، وأبو عون، عن الشعبي والأسود بن ميمون، عن هارون أبي قزعة عن رجل من آل حاطب، عن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن مات بأحد الحرمين بعث من الأمنين يوم القيامة)) . هكذا هو في سنن الدارقطني، وأنبأنا به أيضاً عبد المؤمن، أنبأنا ابن الشيرازي أنبأنا ابن عساكر، أنبأنا قراتكين التركي، أنبأنا الجوهري، أنبأنا علي بن محمد بن لؤلؤ، أنبأنا زكريا الساجي، قال ابن عساكر: وأنبأ أحمد بن محمد البغدادي، أنبأ ابن شكرويه، ومحمد بن أحمد السمسار، قالا: أنبأنا إبراهيم بن عبد الله، أنبأنا المحاملي قال: حدثنا محمد بن الوليد البسري، حدثنا وكيع، حدثنا خالد بن أبي خالد وابن عون عن الشعبي والأسود بن ميمون، عن هارون أبي قزعة، وأنبأ عبد المؤمن أيضاً أنبأ أبو نصر، أنبأ ابن عساكر، أنبأ علي بن إبراهيم الحسيني، أنبأنا رشاء بن نظيف المقري، أنبأنا المحسن بن إسماعيل الضراب، أنبأنا أحمد بن مروان المالكي، حدثنا زكريا بن عبد الرحمن البصري، حدثنا محمد بن الوليد، حدثنا وكيع بن الجراح، عن خالد

стр. 107

وابن عون، عن هارون بن أبي قزعة، مولى حاطب، عن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات في أحد الحرمين يبعث يوم القيامة من الآمنين)) . كذا وقع في رواية أحمد بن مروان المالكي، وهو صاحب المجالسة: عن هارون عن حاطب، والذين رووا عن رجل، عن حاطب كما تقدم أولى بأن يكون الصواب معهم، انتهى ما ذكره المعترض. والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي جعله حديثاً ثامناً هو بعينه الحديث السادس والسابع فهو حديث واحد ضعيف مضطرب الإسناد وهذه الرواية التي ذكرها تزده إلا اضطراباً في الإسناد، وفي المتن أيضاً، وقد خرجها البيهقي في كتاب (شعب الإيمان) من طريق الدارقطني، ثم قال: كذا وجدته في كتابي، وقال غيره: سوار بن ميمون: وقيل ميمون بن سوار، ووكيع هو الذي يروي عنه أيضاً وفي تاريخ البخاري ميمون بن سوار العبدي، عن هارون ابن قزعة، عن رجل من ولد حاطب عن رسول الله ﷺ : ((من مات في أحد الحرمين)) قال يوسف بن راشد: حدثنا وكيع، حدثنا ميمون. والحاصل أن هذه الرواية المذكورة عن محمد بن الوليد، عن وكيغ لم تزد الحديث إلا ضعفاً واضطراباً في إسناده، وفي لفظه، فالحديث حديث واحد ضعيف مجهول الإسناد مضطرب اضطراباً شديداً، ومداره على هارون أبي قزعة، وقيل ابن قزعة، وبعض الرواة يذكره وبعضهم يسقطه، وشيخه الرجل المبهم بعضهم يذكره وبعضهم يسقطه وبعضهم يقول فيه: عن رجل من آل عمر، وبعضهم يقول:عن رجل من آل الخطاب، وبعضهم يقول: عن رجل من ولد حاطب، ثم بعضهم يسنده عن عمر، وبعضهم يسنده عن حاطب، وبعضهم يرسله ولا يسنده، لا عن حاطب، ولا عن عمر وهو الذي ذكره البخاري وغير واحد. ثم الراوي عن هارون يسميه بعض الرواة سوار بن ميمون ويقلبه بعضهم فيقول ميمون بن سوار، ويسميه بعضهم الأسود بن ميمون، ولا يرتاب من عنده أدنى معرفة بعلم المنقولات أن مثل هذا الاضطراب الشديد من أقوى الحجج وأبين الأدلة على ضعف الخبر وسقوطه ورده وعدم قبوله، وترك الاحتجاج به، ومع هذا الاضطراب الشديد في الإسناد فاللفظ مضطرب أيضاً اضطراباً شديداً مشعراً بالضعف وعدم الضبط. وأما ما وقع من الزيادة في الإسناد عن وكيع عن خالد بن أبي خالد، وأبي عون أو

стр. 108

ابن عون عن الشعبي، أو بإسقاط الشعبي، فإنها زيادة منكرة غير محفوظة، وليس للشعبي مدخل في إسناد هذا الحديث، وخالد بن أبي خالد، وأبو عون أو ابن عون قد ذكر في الرواية الأولى أنهما يرويان عن الشعبي، وفي الأخرى أنهما يرويان عن هارون بن أبي قزعة ولم يذكر في الأولى عمن أسند الشعبي الحديث وأسقط في الآخر ذكره بالكلية وذكر الرجل الذي يروي عنه هارون الحديث، وكل ذلك مشعر بشدة الضعف وعدم الضبط. وقوله عن خالد بن أبي خالد وهم،وإنما هو ابن أبي خلده، قال البخاري في تاريخه (١) ، خالد بن أبي خلدة الحنفي الأعور سمع الشعبي وإبراهيم، وروى عنه الثوري ومروان بن معاوية منقطع. وقال ابن أبي حاتم (٢) : خالد بن أبي خلده الحنفي الأعور، روى عن الشعبي وإبراهيم النخعي وذر روى عنه الثوري وابن عيينة ومروان بن معاوية سمعت أبي يقول ذلك. والحاصل: أن ذكر هذه الزيادة المظلمة في الإسناد لم تزد في الحديث قوة، بل لم تزده إلا ضعفاً واضطراباً، فقد تبين أن هذا الحديث الذي احتج به المعترض على شيخ الإسلام وجعله ثلاثة أحاديث هو حديث واحد غير صحيح، ولو فرض أنه حديث صحيح ثابت لم يكن فيه دلالة على غير الزيادة على الوجه المشروع، وقد قدمنا غير مرة أن شيخ الإسلام لم ينكر الزيادة الشرعية ولم ينهه عنها ولم يكرها، بل ندب إليها واستحبها وحض على فعلها. وقد قال في أثناء كلامه في الجواب عما اعترض به عليه بعض المالكية بعد أن ذكر لفظنه فقال (٣) : قال المعترض: وورد في زيادة قبره أحاديث صحيحة وغيرها مما لم تبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح. قال: والجواب من وجوه:

стр. 109

أحدهما: أن يقال لو ورد في ذلك ما هو صحيح لكان إنما يدل على مطلق الزيادة وليس في جواب الاستفتاء نهي عن مطلق الزيادة ولا حكى في ذلك نزاع في ذلك الجواب، وإنما فيه ذكر النزاع فيمن لم يكن سفره إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين وحينئذ فلو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يتناول محل النزاع ولا فيه رد على ما ذكره المجيب من النزاع والإجماع. الثاني: أنه لو قدر أنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة لكان المراد بها هو المراد بقول من قال من العلماء أنه يستحب زيارة قبره ومرادهم بذلك السفر إلى مسجده، وفي مسجده يسلم عليه ويصلي عليه ويدعي له ويثني عليه، ليس المراد أنه يدخل إلى قبره ويصل إليه، وحينئذ فهذا المراد قد استحبه المجيب، وذكر أنه مستحب بالنص والإجماع، فمن حكى عن المجيب أنه لا يستحب ما استحبه علماء المسلمين من زيارة قبره على الوجه المشروع، فقد استحق ما يستحقه الكاذب المفتري. وإذا كان يتسحب هذا وهو المراد بزيارة قبره، فزيارة قبره بهذا المعنى، من مواقع الإجماع لا من موارد النزاع. الثالث: أن نقول قول القائل: أنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة قول لم يذكر عليه دليلاً، فإذا قيل له: لا نسلم أنه ورد في ذلك حديث صحيح احتاج إلى الجواب وهو لم يذكر شيئاً من تلك الأحاديث كما ذكر قوله: ((كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) (١) وكما ذكر زيارته لأهل البقيع وأحد فإن هذا صحيح، وهنا لم يذكر شيئاً من الحديث الصحيح فبقي ما ذكره دعوى مجردة تقابل بالمنع. الرابع: أن نقول: هذا قول باطل لم يقله أحد من علماء المسلمين العارفين بالصحيحين، وليس في الأحاديث التي رويت بلفظ زيارة قبره حديث صحيح عند أهل المعرفة، ولم يخرج أرباب الصحيح شيئاً من ذلك ولا أرباب السنن المعتمدة كسنن أبي داود والنسائي، والترمذي، ونحوهم، ولا أهل المسانيد التي من هذا الجنس كمسند أحمد وغيره، ولا في موطأ مالك ولا في مسند الشافعي، نحو ذلك شيء من ذلك،

стр. 110

ولا احتج إمام من الأئمة المسلمين كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد وغيرهم بحديث فيه ذكر زيارة قبره، فكيف يكون في ذلك أحاديث صحيحة ولم يعرفها أحد من أئمة الدين ولا علماء الحديث، ومن أين لهذا وأمثاله أن تلك الأحاديث صحيحة وهو لا يعرف هذا الشأن. الوجه الخامس:قوله وغيرها مما لم تبلغ درجة الصحيح لكنها يجوزالاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح، فيقال له: اصطلاح الترمذي ومن بعده أن الأحاديث ثلاثة أقسام صحيح وحسن وضعيف، والضعيف قد يكون موضوعاً فعلم أنه كذب وقد لا يكون كذلك فما ليس بصحيح إن كان حسناً على هذا الإصطلاح احتج به وهو لم يذكر حديثاً وتبين أنه حسن يجوز الاستدلال به،فيقول له لا نسلم أنه ورد من ذلك ما يجوز الاستدلال به وهو لم يذكر إلا دعوى مجردة فتقابل بالمنع. الوجه السادس: أن يقال: ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به بل كلها ضعيفة بل موضوعة كما قد بسط في مواضع وذكرت هذه الأحاديث، وذكرت كلام الأئمة عليها حديثاً، بل ولا عرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بلفظ زيارة قبره البتة، فلم يكن هذا اللفظ معروفاً عندهم، ولهذا كره مالك التكلم، به بخلاف لفظ زيارة القبور مطلقاً، فإن هذا اللفظ معروف عن النبي ﷺ وعن أصحابه وفي القرآن الكريم ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر ٠٠١-٠٠٢) لكن معناه عندالأكثرين الموت وعند طائفة هي زيارتها للتفاخر بالموتى والتكاثر. وأما لفظ قبر النبي ﷺ المخصوص فلا يتعرف لا عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه وكل ما يروى فيه هو ضعيف، بل هو كذب موضوع عند أهل العلم بالحديث كما قد بسط هذا في مواضع. الوجه السابع: أن يقال: الذين أثبتوا استحباب السلام عليه عند الحجرة كمالك وابن حبيب وأحمد بن حنبل، وأبي داود احتجوا إما بفعل ابن عمر (١) كما احتج بذلك مالك وأحمد وغيرهما، وإما بالحديث الذي رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه

стр. 111

السلام)) (١) فهذا عمدة أحمد وأبي داود وابن حبيب وأمثالهم، وليس في لفظ الحديث المعلوف في السنن (عند قبري) لكن عرفوا أن هذا هو المراد، وأنه لم يرد على كل مسلم عليه في صلاة في شرق الأرض وغربها، مع أن هذا المعنى إن كان هو المراد بطل الاستدلال بالحديث من كل وجه على اختصاص تلك البقعة بالسلام، وإن كان المراد السلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء، فهل يدخل فيه من سلم من خارج الحجرة، هذا مما تنازع فيه الناس وقد توزعوا في دلالته فمن الناس من يقول: هذا إنما يتناول من سلم عليه عند قبره كما كانوا يدخلون الحجرة على زمن عائشة فيسلمون على النبي ﷺ ، وكان يرد عليهم فأولئك سلموا عليه عند قبره وكان يرد عليهم، وهذا قد جاء عموماً في حق المؤمنين، ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇. قالوا: فأما من كان في المسجد فهؤلاء لم يسلموا عليه عند قبره، بل سلامهم عليه كالسلام عليه في الصلاة، وكالسلام عليه إذا دخل المسلم المسجد وحرج منه وهذا هو السلام الذي أمر الله به في حقه بقوله: صلوا عليه وسلموا تسليماً، وهذا السلام قد ورد أنه من سلم عليه مرة سلم الله عليه عشراً كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً. فأما أثر من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً فهو ثابت من وجوه بعضها في الصحيح، كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة (٢) ، وهذا مروي عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه كما في حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً)) (٣) .

стр. 112

وأما السلام فقد جاء أيضاً في أحاديث من أشهرها حديث عبد الله بن المبارك، عن حماد بن سلم، عن ثابت البنائي عن سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه جاء ذات يوم والبشر يرى في وجهه فقال: ((أنه جائني جبريل فقال أما يرضيك يا محمد أن الله يقول أنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشراً ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشراً)) (١) وقد روى في عدة أحاديث أن الله يصلي على كلمن صلى عليه ويسلم على كل من سلم عليه ولم يذكر عدداً، لكن الحسنة بعشر أمثالها فالمقيد يفسر المطلق. قال القاضي عياض من رواية عبد الرحمن بن عوف عنه ﵇ قال: لقيت جبريل فقال لي: أبشرك أن الله يقول: من سلم عليك سلمت عليه، ومن صلى عليك صليت عليه، قال: ونحوه من رواية أبي هريرة ومالك بن أوس بن الحدثان وعبد الله بن أبي طلحة. قلت: وبسط الكلام على هذه الأحاديث له موضع آخر. والمقصود هنا أن ما أمر الله به من الصلاة والسلام عليه هو كما أمر به ﷺ الدعاء له بالوسيلة، وهذا أمر اختص هو به فإن الله أمر بذلك في حقه بعينه مخصوصاً بذلك، وإن كان السلام على جميع عباد الله الصالحين مشروعاً على وجه العموم، وقد قيل: إن الصلاة تكره على غير الأنبياء، وغلا بعضهم فقال: تكره على غيره من الأنبياء وكذلك قال بعض المتأخرين في السلام على غير الأنبياء، ولكن الصواب الذي عليه عامة العلماء أنه يسلم على غيره، وأما الصلاة فقد جوزها أحمد وغيره والنزاع فيها معروف. وفي تفسير شيبان عن قتاة قال: حدث أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين)) (٢)

стр. 113

وهكذا رواه ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة، ورواه ابن أبي حاتم وغيره ولم يذكروا فيه سماع قتادة له، وهو في تفسير سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلاً، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ (النمل ٠٥٩) وقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الصافات ١٨١-١٨٢) وقال لما ذكر نوحاً وإبراهيم وموسى وهارون والياسين ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ (الصافات، ٧٨، ٨٩، ١٠٨، ١٠٩، ١١٩، ١٢٠، ١٢٩، ١٣٠) . والمقصود هنا أن هذا السلام المأمور به خصوصاً، والمشروع في الصلاة وغيرها عموماً على كل عبد صالح كقول المصطفى: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن هذا ثابت في التشهدات المروية عن النبي كلها، مثل حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين (١) ، وحديث أبي موسى (٢) ، وابن عباس (٣) ، الذين رواهما مسلم، وحديث ابن عمر (٤)

стр. 114

وعائشة وجابر (١) وغيرهم التي في المسانيد والسنن، وهذا السلام لا يقتضي رداً من المسلم عليه، بل هو بمنزلة دعاء المؤمن للمؤمنين واستغفاره لهم، فيه الأجر والثواب من الله، ليس على المدعو لهم مثل ذلك الدعاء، بخلاف سلام التحية، فإنه مشروع بالنص والإجماع في حق كل مسلم. وعلى المسلم عليه أن يرد السلام ولو كان المسلم عليه كافراً، فإن هذا من العدل

стр. 115

الواجب،ولهذا كان النبي ﷺ يرد على اليهود إذا سلموا بقول ((وعليكم)) (١) ، وإذا سلم على معين تعين الرد وإذا سلم على جماعة فهل ردهم فرض على الأعيان، أو على الكفاية، على قولين مشهورين لأهل العلم، والابتداء به عند اللقاء سنة مؤكدة، وهل هي واجبة، على قولين معروفين هما قولان في مذهب أحمد وغيره، وسلام الزائر للقبر على الميت المؤمن هو من هذا الباب، ولهذا روى أن الميت يرد السلام مطلقاً. فالصلاة والسلام عليه ﷺ في مسجده وسائر المساجد وسائر البقاع مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، وأما السلام عليه عند قبره من داخل الحجرة فهذا كان مشروعاً لما كان ممكناً بدخول من يدخل على عائشة، وأما تخصيص هذا السلام والصلاة بالمكان القريب من الحجرة،فذها محل النزاع. وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: منهم من ذكر استحباب السلام أو الصلاة والسلام عليه إذ دخل المسجد ثم بعد أن يصلي في المسجد استحب أيضاً أن يأتي إلى القبر ويصلي ويسلم كما ذكر طائفة من أصحاب مالك والشافعي. ومنهم من يذكر إلا الثاني وكثير من السلف لم يذكروا إلا النوع الأول فقط، فأما النوع الأول فهو المشروع لأهل البلد وللغرباء في هذا المسجد، وغير هذا المسجد وأما النوع الثاني فهو الذي فرق من استحبه بين أهل البلد والغرباء سواء فعله مع الأول أو مجرداً عنهما ذكر ذلك ابن حبيب وغيره، إذ دخل مسجد الرسول قال: بسم الله وسلام على رسول الله، والسلام علينا من ربنا وصلى الله وملائكته على محمد: اللهم اغفر لي وافتح لي أبواب رحمته وجنتك وجنتبني من الشيطان الرجيم (٢) ، ثم أقصد على الروضة وهي ما بين القبر والمنبر فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر تحمد الله فيها وتسأله تماما ما خرجت إليه والعون عليه، وإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك

стр. 116

وفي الروضة أفضل وقد قال ﷺ : (ما بني قبري (١) ، ومنبري روضة من رياض الجنة) ومنبري على ترعة من ترع الجنة (٢) ثم تقف بالقبر متواضعاً وتصلي عليه وتثني بما يحضر وتسلم على أبي بكر وعمر وتدعو لهما (٣) ، وأكثر الصلاة في مسجد النبي ﷺ بالليل والنهار، ولا تدع أن يأتي مسجد قباء وقبور الشهداء (٤) . قلت: وهذا الذي ذكره من استحباب الصلاة في الروضة قول طائفة وهو المنقول عن الإمام أحمد في مناسك المروذي، وأما مالك فنقل عنه أنه يستحب التطوع في موضع صلاة النبي ﷺ ، وقيل: لا يتعين لذلك موضع من المسجد (٥) ، وأم الفرض فيصليه في الصف الأول مع الإمام بلا ريب، والذي ثبت في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع عن النبي، أنه كان يتحرى الصلاة عند الاسطوانة، وأما ما قصد تخصيصه بالصلاة فيه فالصلاة فيه أفضل، وأما مقامه فإنما كان يقوم فيه إذا كان إماماً يصلي بهم الفرض، والسنة أن يقف الإمام وسط المسجد أما القوم فلما زيد في المسجد صار موقف الإمام في الزيادة. والمقصود معرفة ما ورد عن السلف من الصلاة والسلام عليه ﷺ عند دخول المسجد وعند القبر، ففي مسند أبي يعلي الموصلي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين، حدثنا علي بن عمر، عن

стр. 117

أبيه (١) علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه، فقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي، عن رسول الله ﷺ قال: ((لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم)) (٢) وهذا الحديث مما أخرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي فيما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على ما في الصحيحين، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم وهوقريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي ونحوهما فإن الغلط في هذا قليل ليس هو مثل صحيح الحاكم، فإن فيه أحاديث كثيرة يظهر أنها كذبة موضوعة، فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره. فهذا علي بن الحسين زين العابدين، وهو من أجل التابعين علماً وديناً حتى قال الزهري: ما رأيت هاشمياً مثله، وهو يذكر هذا الحديث بإسناده ولفظه: ((لا تتخذوا بيتي عيداً فإن تسليمكم يلبغي أينما كنتم)) وهذا يقتضي أنه لا مزية للسلام عليه عند بيته كما مزية للصلاة عليه عند بيته، بل قد نهى عن تخصيص بيته بهذا. وهذا وحديث الصلاة مشهور في سنن أبي داود وغيره من حديث عبد الله بن نافع قال:أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغي حيث كنتم)) (٣) وهذا حديث حسن ورواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع الصائغ فيه لين لا يمنع الاحتجاج به. قال يحيى بن معين: هو ثقة وحسبك بابن معين موثقاً، وقال أبو زرعة: لا بأس به وقال أبو حاتم الرزي، ليس بالحافظ هو لين تعرف وتنكر (٤) . قلت: ومثل هذا قد يخاف أنه يغلط أحياناً، فإذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة قد بسطت في غيره هذا الموضع كما رواه سعيد بن منصور

стр. 118

في سننة، حدثنا حبان بن علي حدثني محمد بن عجلان، عن أبي سعيد مولى المهري (١) ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تتخذوا بيتي عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني)) (٢) . وقال سعيد أيضاً: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتمشى فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لار أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر فقلت: سلمت على النبي ﷺ فقال: ((إذا دخلت المسجد فسلم عليه، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: ((لا تتخذوا بتي عيداً ولا بيوتكم قبوراً لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء)) رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب الصلاة على النبي ﷺ ، ولم يذكر هذه الزيادة وهي قوله: (ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء) لأن مذهبه أن القادم من سفر، والمريد للسفر سلامة أفضل، وأن الغرباء يسلمون إذا دخلوا وخرجوا، وهذه مزية على من بالأندلس والحسن بن الحسن وغيره لا يفرقون بين أهل المدينة والغرباء، ولا بين المسافر وغيره فرواه القاضي إسماعيل عن إبراهيم بن حمزة، حدثنا عبد العزيز بن محمد بن سهل بن أبي سهيل قال: جئت أسلم على النبي ﷺ وحسن بن حسن يتعشى في بيت عند النبي (٣) ﷺ ، فدعاني فجئته، فقال: أدن فتعش، قال: قلت: لا أريده. قال: ما لي رأيتك وقفت؟ قلت: وقفت أسلم علي النبي قال: إذا دخلت المسجد فسلم عليه، ثم قال: إن رسول الله قال: ((صلوا في بيوتكم ولا تجعلوا

стр. 119

بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم)) (١) ولم يذكر قول الحسن. فهذا فيه أنه أمره أن يسلم عند دخول المسجد وهو السلام المشروع روي عن النبي ﷺ وجماعة من السلف كانوا يسلمون عليه إذا دخلوا المسجد: وهذا مشروع في كل مسجد، وهذا الحسن بن الحسن هو الحسن بن المثنى، وهو من التابعين وهو من نظير علي بن الحسين، هذا ابن الحسن وهذا ابن الحسين. وقد ذكر القاضي عياض هذا عن الحسن بن علي نفسه ﵃ أجمعين فقال: وعن الجسن بن علي عن النبي ﷺ قال: ((حيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني)) قال: وعن الحسن بن علي: إذا دخلت المسجد فسلم على النبي ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ ، قال: ((لا تتخذوا بيتي عيداً ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) (٢) . قلت:والصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد مأثور عنه ﵁، وعن غير واحد من الصحابة، والتابعين، مثل الحديث الذي في المسند والترمذي وابن ماجة، عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على محمد وسلم، وقال رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك، هذا لفظ الترمذي (٣) . وفي غيره أنه ﷺ أمر بذلك وفي سنن أبي داود عن أبي أسيد، أو أبي حميد قال قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم، وليصل على النبي ﷺ وليقل..) وذكر الحديث (٤) .

стр. 120

وقال الضحاك بن عثمان: حدثنا سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل: الله أجرني من الشيطان الرجيم)) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١) . قال القاضي عياض: ومن مواطن الصلاة والسلام عليه دخول المسجد قال أبو إسحاق بن شعبان: وينبغي لمن دخل المسجد أن يصلي على النبي ﷺ وعلى آله ويترحم عليه، وعلى آله ويبارك عليه، وعلى آله ويسلم عليه تسليماً ويقول: اللهم اغفر لي وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك (٢) ، وقال عمرو بن دينار في قوله: إذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم، وقال: إن لكم يكن في البيت أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله وبركاته، قال: وقال ابن عباس: المراد بالبيوت هنا المساجد، وقال النخعي، إذا لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله ﷺ ، وإذا لم يكن في البيت أحد فقل: السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين. قال علقمة قال: إذا دخلت المسجد أقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته صلى الله وملائكته على محمد، قال: ونحوه عن كعب إذا دخل وإذا خرج ولم يذكر الصلاة قال: واحتج ابن شعبان لما ذكره بحديث فاطمة بنت رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ كان يفعله إذا دخل المسجد قال: ومثله عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وذكر السلام والرحمة قال: وروى ابن وهب عن فاطمة بنت النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: ((إذا دخلت المسجد فصل على النبي وقل: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وفي رواية أخرى فليسلم وليصل ويقول: إذا خرج اللهم إني أسألك من فضلك، وفي أخرى اللهم احفظني من الشيطان)) (٣) . وعن محمد بن سيرين: كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد صلى الله عليه وملائكته على محمد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركته بسم الله دخلنا، وبسم الله خرجنا وعلى الله توكلنا، وكانوا يقولون إذا خرجوا مثل ذلك.

стр. 121

قلت: هذا فيه حديث مرفوع في سنن أبي داود وغيره أنه يقال عند دخول المسجد اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا وعلى الله توكلنا (١) . قال القاضي عياض: وعن أبي هريرة إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي وليقل: اللهم افتح لي. قلت: وروى ابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري عن ضرار بن مرة عن مجاهد في هذه الآية: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (النور ٠٦١) قال إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وإذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله، وإذا دخلت على أهلك فقل: السلام عليكم، قلت: والآثار مبسوطة في مواضع. والمقصود هنا أن نعرف ما كان عليه السلف من الفرق بين ما أمر الله به من الصلاة والسلام عليه وبين سلام التحية الموجب للرد الذي يشترك فيه كل مؤمن حي وميت ويرد فيه على الكافر، ولهذا كان الصحابة بالمدينة على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم إذا دخلوا المسجد لصلاة، أو اعتكاف، أو تعليم، أو تعلم، أو ذكر الله ودعاء له ونحو ذلك مما شرع في المسجد لم يكونوا يذهبون إلى ناحية القبر فيزورونه هناك ولا يقفون خارج الحجرة، كما لم يكونوا يدخلون الحجرة ولا داخل الحجرة، ولا كانوا أيضاً يأتون من بيوتهم لمجرد زيارة قبره، بل هذا من البدع التي أنكرها الأئمة والعلماء، وإن كان الزائر منهم ليس مقصوده إلا الصلاة والسلام عليه، وبينوا أن السلف لم يفعلوها كما ذكره مالك في المبسوط، وقد ذكره أصحابه كأبي الوليد الباجي والقاضي عياض وغيرهما، قيل لمالك: إن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك أي يقفون على قبر النبي ﷺ فيصلون عليه ويدعون له ولأبي بكر وعمر، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة والأيام المرة أو المرتين، أو أكثر عند القبر يسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع، ولن يصلح آخر

стр. 122

هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني هذا عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. فقد كره مالك ﵀ هذا وبين أنه لم يبلغه عن أهل العلم بالمدينة، ولا عن صدر هذه الأمة وأولها وهم الصحابة، وأن ذلك يكره لأهل المدينة إلا عند السفر، ومعلوم أن أهل المدينة لا يكره لهم زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد وغيرهم، بل هم في ذلك ليسوا بدونسائر الأمصار، فإذا لم يكره لأولئك زيارة القبور، بل يستحب لهم زيارتها عند جمهور العلماء، كما كان النبي ﷺ يفعل، فأهل المدينة أولى أن لا يكره لهم، بل يستحب لهم زيارة القبور كما يستحب لغيرهم اقتداء بالنبي ﷺ ، ولكن قبر النبي ﷺ بالمنع شرعاً وحساً كما دفن في الحجرة، ومنع الناس من زيارة قبره من الحجرة كما يزار سائر القبور فيصل الزائر إلى عند القبر، وقبر النبي ﷺ ، ليس كذلك، فلا تستحب هذه الزيارة في حقه ولا تمكن، وهذا لعلو قدره وشرفه لا لكون غيره أفضل منه، فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين فضلاً عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين بالمدينة وغيرها (١) . ومن هنا غلط طائفة من الناس يقولون: إذا كان زيارة قبر النبي آحاد الناس مستحبة فكيف بقبر سيد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه عليه؟ وهؤلاء ظنوا أن زيارة قبر الميت مطلقاً هو من باب الإكرام والتعظيم له، والرسول ﷺ أحق بالإكرام والتعظيم من كل أحد، وظنوا أن ترك الزيارة فيها نقص لكرامته، فغلطوا وخالفوا السنة وإجماع الأمة سلفها وخلفها، فقولهم نظير قول من يقول: إذا كانت زيارة القبور يصل الزائر فيها إلى قبر المزور، فإن ذلك أبلغ في الدعاء له، وإن كان مقصوده دعاء كما يقصده أهل البدع،فهو أبلغ في دعائه، فالرسول ﷺ أولى أن نصل إلى قبره إذا زرناه، وقد ثبت بالتواتر وإجماع الأمة أن الرسول ﷺ لا يشرع الوصول إلى قبره لا للدعاء له ولا لدعائه ولا لغير ذلك بل غيره يصلي على قبره عند أكثر السلف، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، والصلاة على القبر كالصلاة على الجنازة تشرع مع القرب والمشاهدة، وهو بالإجماع لا يصلي على قبر سواء كان للصلاة حد محدود، أو كان يصلي على القبر مطلقاً، ولم يعرف أن أحداً من الصحابة الغائبين لنا قدم صلى على قبره ﷺ وزيارة القبور المشروعة هي

стр. 123

مشروعة مع الوصول إلى القبر بمشاهدته، وهذه الزيارة مشروعة في حقه بالنص والإجماع، ولا هي أيضاً ممكنة. فتبين غلط هؤلاء الذين قاسوه على عموم المؤمنين، وهذا من باب القياس الفاسد ومن قاس قياس الأولى ولم يعلم ما اختص به كل واحد من المقيس والمقيس به كان قياسه من جنس قياس المشركين الذين كانوا يقيسون الميته على المذكي، ويقولون للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (١) (الأنعام ١٢١) وكذلك لما أخبر الله أن الأصنام التي تعبد هي وعابدوها حصب جهنم قاس ابن الزيعري، قبل أن يسلم هو وغيره من المشركين عيسى بها (٢) ، وقالوا: يجب أن يعذب عيسى قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (الزخرف ٠٥٧-٠٥٨) ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الزخرف ٠٥٩) وبين تعالى الفرق بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (الأنبياء ١٠١) بين أن من كان صالحاً نبياً أو غير نبي لم يعذب لأجل من أشرك به وعبده وهو بريء من إشراكهم به. وأما الأصنام فهي حجارة تجعل حصباً للنار، وقد قيل: إنها من الحجارة التي قال تعالى فيها: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (البقرة ٠٢٤) وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (الجن ٠١٥) وبسط هذا له موضع آخر.

стр. 124

والمقصود هنا أن يعرف أن ما مضت به سنته، وكان عليه خلفاؤه وأصحابه وأهل العلم والذين بالمدينة من تركهم لزيارة قبره أكمل في القيام بحق الله وحق رسوله ﷺ ، فهو أكمل وأفضل وأحسن مما يفعل مع غيره، وهو أيضاً في حق الله وتوحيده أكمل وأتم وأبلغ وأما كونه أتم في حق الله فلأن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً كما ثبت ذلك في الصحيحين عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ (١) . ويدخل في العبادة جميع خصائص الرب فلا يتقي غيره ولا يخاف غيره ولا يتوكل على غيره، ولا يدعي غيره ولا يصلي لغيره، ولا يصام لغيره، ولا يتصدق لغيره ولا يحج إلا إلى بيته، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور ٠٥٢) فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ (التوبة ٠٥٩) فجعل الإيتاء لله والرسول وجعل التوكل والرغبة لله وحده وقال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ) الشرح ٧-٨) وقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ * وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ (النحل ٠٥١-٠٥٢) وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ (المائدة ٠٤٤) وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ (الإسراء ٥٦) وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ (فاطر ٤٠) ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (سبأ ٠٢٢-٠٢٣) وهذا الباب واسع وقال النبي ﷺ لابن عباس: ((إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)) (٢) وفي الصحيح عن النبي ﷺ في صفة السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة

стр. 125

بغير حساب قال: ((هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)) (١) فهم لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، والرقية دعاء، فكيف بما هو أبلغ من ذلك. ومعلوم أنه لو اتخذ قبره عيداً ومسجداً ووثناً صار الناس يدعونه ويتضرعون إليه ويسألونه ويتوكلون عليه ويستغيثون ويستجيرون به وربما سجدوا له وطافوا به وصاروا يحجون إليه، وهذه كلها من حقوق الله وحده الذي لا يشركه فيما مخلوق (٢) . وكان من حكمة الله دفنه في حجرته ومنع الناس من مشاهدة قبره والعكوف عليه والزيارة له، ونحو ذلك، لتحقيق توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له وإخلاص الدين لله، وأما قبور أهل البقيع ونحوهم من المؤمنين فلا يحصل ذلك عندها، وإذا قدر أن ذلك فعل عندها منع من يفعل ذلك وهدم ما يتخذ عليها من المساجد، وإن لم تزل الفتنة إلا بتعفية قبره وتعميته، فعل ذلك كما فعله الصحابة بأمر عمر بن الخطاب في قبر دانيال (٣) .

стр. 126

وأما كون ذلك أعظم لقدرة وأعلا لدرجته، فلأن المقصود المشروع بزيارة قبور المؤمنين كأهل البقيع وشهداء أحد هو الدعاء لهم كما كان هو يفعل ذلك إذا زارهم وكما سنه لأمته، فلو سن للأمة أن يزوروا قبره للصلاة عليه والسلام عليه والدعاء له، كما كان بعض أهل المدينة يفعل ذلك أحياناً وبين مالك أنه بدعة (١) ، لم تبلغه عن صدر هذه الأمة ولا عن أهل العلم بالمدينة، وأنها مكروهة فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما اصلح أولها، لكان بعض الناس يزرونه (٢) ثم لتعظيمه في القلوب وعلى (٣) الخلائق بأنه أفضل الرسل وأعظمهم جاهاً، وأنه أوجه الشفعاء إلى ربه تدعو النفس إلى أن تطلب منه حاجاتها وأغراضها وتعرض عن حقه من الصلاة والسلام والدعاء له، فإن الناس مع ربهم كذلك إلا من أنعم الله عليه بحقيقة الإيمان، وإنما يعظمون الله عند ضرورتهم إليه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (يونس ١٢) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (الإسراء ٦٧) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (الزمر ٨) ونظائر هذا في القرآن متعددة. فإذا كانوا إلا من شاء الله إنما يعظمون ربهم ويوحدونه ويذكرونه عند ضرورتهم لأغراضهم، ولا يعرفون حقه إذا خلصهم فلا يحبونه ويعبدونه ولا يشكرونه ولا يقومون بطاعته، فكيف يكونون مع المخلوق، فهم يطلبون من الأنبياء والصالحين أغراضهم (٤) ،

стр. 127

وذلك مقدم عندهم على حقوق الأنبياء والصالحين، فإذا أيقنوا أن في زيارة قبر نبي، أو صالح تحصيل أغراضهم بسؤاله ودعائه وشفاعته أعرضوا عن حقه واشتغلوا بأغراضهم، كما هو الموجود في عامة الذين يحجون إلى القبور المعظمة ويقصدونها لطلب الحوائج. فلو أذن الرسول ﷺ لهم في زيارة قبله ومكنهم من ذلك لأعرضوا عن حق الله الذي يستحقه من عبادته وحقه، وعن حق الرسول ﷺ الذي يستحقه من الصلاة والسلام عليه والدعاء له، بل ومن جعله واسطة بينهم وبين الله في تبليغ أمره ونهيه وخبره، فكانون يهضمون حق الله وحق رسوله كما فعل النصارى، فإنهم يغلوهم في المسيح تركوا حق الله من عبادته وحده، وتركوا حق المسيح فهم لا يدعون له، بل هم عندهم رب بدعي ولا يقومون بحق رسالته، فينظرون ما أمر به وما أخبر به، بل اشتغلوا بالشرك به وبغيره وبطلب حوائجهم ممن يستشفعون به من الملائكة والأنبياء وصالحيهم عما يجب من حقوقهم. وأيضاً فلو جعلت الصلاة والسلام عليه والدعاء له عند قبره أفضل منها في غير تلك البقعة، كما قد يكون الدعاء للميت (١) عند قبره أفضل لكانوا يخصون تلك البقة بزيادة الدعاء له، وإذا غابوا عنها تنقص صلاتهم وسلامهم ودعاؤهم له فإن الإنسان لا يجتهد في الدعاء في المكان المفضول، كما يجتهد في المكان الفاضل، وهم قد أمروا أن يقوموا بحق الرسول ﷺ ((لا تتخذوا بيتي عيداً وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني)) (٢) . وقد شرع لهم أن يصلوا عليه ويسألوا له الوسيلة إذا سمعوا المؤذن حيث كانوا، وأن يسلموا عليه في كل صلاة ويصلوا عليه في الصلاة ويسلموا عليه إذا دخلوا المسجد، وإذا خرجوا منه، فهذا الذي أمروا به عام في كل مكان وهو يوجب من القيام بحقه ورفع درجته وإعلاء منزلته ما لا يحصل لو جعل ذلك عند قبره أفضل، ولا إذا سوى بين قبره وقبر

стр. 128

غيره،بل إنما يحصل كمال حقه مع حق ربه بفعل ما شرعه وسنه لأمته من واجب ومستحب، وهو أن يقوموا بحق الله، ثم بحق رسوله ﷺ حيث كانوا من المحبة الموالاة والطاعة وغير ذلك من الصلاة والسلام والدعاء وغير ذلك، ولا يقصدوا تخصيص القبر لما يقضي إليه ذلك من ترك حق الله، وحق رسوله ﷺ . فهذا وغيره مما يبين أن ما نهى عنه الناس ومنعوا منه، وكان السلف لا يفعلونه من زيارة قبره وإن كان زيارة قبر غيره مستحبة، فهو أعظم لقدرة وأرفع لدرجته وأعلى في منزلته، وإن ذلك أقوم بحق الله وأتم وأكمل في عبادته وحده لا شريك له وإخلاص الدين له، ففي ذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وإن أهل البدع الذين فعلوا ما لم يشرعه، بل ما نهى عنه وخالقوا الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فاستحبوا ما كان أولئك يكرهون ويمنعون منه، هم مضاهون للنصارى، وإنهم نقصوا من تحقيق الإيمان بالله ورسوله والقيام بحق الله وحق رسوله ﷺ بقدر ما دخلوا فيه البدعة التي ضاهوا بها النصارى، هذا والله أعلم. وأيضاً فإنه إذا أطيع أمره واتبعت سنته كان له من الأجر بقدر أجر من الطاعة واتبع سنته لقوله: ((من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً)) (١) وقوله: ((من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)) (٢) . وأما البدع التي لم يشرعها، بل نهى عنها وإن كانت متضمنة للغلو فيه والشرك به والإطراء له كما فعلت النصارى، فإنه لا يحصل بها أجر لمن عمل بها، فلا يكون للرسول ﷺ فيها منفعة، بل صاحبها إن عذر كان ضالاً لا أجر له فيها، وإن قامت عليه الحجة استحق العذاب، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ﷺ ) (٣) .

стр. 129

فإن قال هؤلاء الذين قاسوا زيارة قبره على زيارة سائر القبور إن الناس منعوا من الوصول إليه تعظيماً لقدره، وجعل سلامهم وخطابهم له من وراء الجحرة، لأن ذلك أبلغ في الأدب والتعظيم. قيل: فهذا موجب الفرق، فإن الزيارة المشروعة إن كان مقصودها الدعاء له، فكون ذلك قريباً من الحجرة أفضل منه في سائر المساجد والبقاع، فالذي يدعو له داخل الحجرة أقرب وإن كان القرب مستحباً، فكلما كان أقرب كان أفضل كسائر القبور، وإن كان مقصودها ما يقوله أهل الشرك والضلال من دعائه، ودعاؤه من القرب أولى فينبغي أن يكون من داخل الحجرة أولى، لما ثبت أن هذا القرب من القبر ممنوع منه بالنص (١) والإجماع وهو أيضاً غير مقدور، علم أن القرب من ذلك ليس بمستحب بخلاف زيارة قبر غيره والصلاة على قبره فإن القريب (٢) منه مستحب إذا لم يفض إلى مفسدة من شرك أو بدعة أو نياحة، فإن أفضى إلى ذلك منع من ذلك. ومما يوضح هذا أن الشخص الذي يقصد اتباعه زيارة قبره يجعلون قبره بحيث تمكن زيارته، فيكون له باب يدخل منه إلى القبر، ويجعل عند القبر مكان للزائر إذا دخل بحيث يتمكن من القعود فيه، بل يوسع المكان ليسع الزائرين، ومن اتخذه مسجداً جعل عنده صورة محراب أو قريباً منه، وإذا كان الباب مغلقاً جعل له شباك على الطريق ليراه الناس فيه فيدعونه، وقبر النبي ﷺ بخلاف هذا كله لم يجعل للزائر طريق إليه بوجهه من الوجوه ولا قبر في مكان كبير يتسع للزوار، ولا جعل للمكان شباك يرى منه القبر، بل منع الناس من الوصول إليه والمشاهدة له (٣) . ومن أعظم ما من الله به على رسوله ﷺ وعلى أمته واستجاب فيه دعاءه أن دفن في بيته بجانب مسجده، فلا يقدر أحد أن يصلي إلا إلى المسجد (٤) ، والعبادة المشروعة في

стр. 130

المسجد معروفة، بخلاف ما لو كان قبره منفرداً عن المسجد، والمسافر إليه إنما يسافر إلى المسجد وإذا سمي هذا زيارة لقبره فهو اسم لا مسمى له، إنما هو إتيان إلى مسجده. ولهذا لم يطلق السلف هذا اللفظ، ولا عنده قبره قناديل معلقة ولا ستور مسبلة (١) ، بل إنما يعلق القناديل في المسجد المؤسس على التقوى ولا يقدر أحد أن يخلق نفس قبره بزعفران، أو غيره ولا ينذر له زيناً ولا شمعاً ولا ستراً، ولا غير ذلك مما ينذر لقبر غيره، وإن كان في بعض الأحوال قد ستر بعض الناس الحجرة أو خلفها بعضهم بزعفران، فهذا إنما هو للحائط الذي يلي المسجد لا نفس باطن الحجرة والقبر كما يفعل بقبر غيره، وإن فعل شيء من ذلك في ظاهر الحجرة، فعلم أن الله سبحانه استجاب دعاءه حيث قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)) (٢) ، وإن كان كثير من الناس يريدون أن يجعلوه وثناً ويعتقدون أن ذلك تعظيم له كما يريدون ذلك ويعتقدونه في قبر غيره (٣) ، فهم لا يتمكنون من ذلك، بل هذا القصد والاعتقاد خيال في نفوسهم لا حقيقة له في الخارج، بخلال القبر الذي جعل وثناً، وإن كان الميت ولياً لله لا إثم عليه من فعل من أشرك به، كما لا إثم على المسيح من فعل من أشرك به. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة ١١٦-١١٧) وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي

стр. 131

إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصار﴾ (المائدة ٠٧٢) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان ٠١٧-٠١٩) فالمعبود من دون الله سواء كان أولياء كالملائكة والأنبياء والصالحين، أو كانوا أوثاناً قد تبرؤوا ممن عبدهم ويبنوا أنه ليس لهم أن يوالوا من عبدهم، ولا أن يواليهم من عبدهم، فالمسيح وغيره، وإن كانوا برآه من الشرك بهم، لكن المقصود بيان ما فضل الله به محمداً وأمته وما أنعم به عليهم من إقامة التوحيد لله والدعوة إلى عبادته وحده وإعلاء كلمته ودينه وإظهار ما بعثه الله بن من الهدي ودين الحق، وما صانه الله به وصان قبره من أن يتخذ مسجداً، فإن هذا من أقوى أسباب ضلال أهل الكتاب، ولهذا لعنهم النبي ﷺ على ذلك تحذيراً لأمته وبين أن هؤلاء شرار الخلق عند الله يوم القيامة. ولما كان أصحابه أعلم الناس بدينه وأطوعهم له لم يظهر فيهم من البدع ما ظهر فيمن بعدهم لا في أمور القبور ولا في غيرها، فلا يعرف من الصحابة من كان يتعمد الكذب على رسول الله ﷺ وإن كان فيهم من له ذنوب، لكن هذا الباب مما عصمهم الله فيه من تعمد الكذب على نبيهم، وكذلك البدع الظاهرة المشهورة مثل بدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئية لم يعرف عن أحد من الصحابة شيء من ذلك. بل النقول الثابتة عنهم تدل على موافقتهم للكتاب والسنة، وكذلك اجتماع رجال الغيب بهم أو الخضر، أو غير وكذلك مجيء الأنبياء إليهم في اليقظة وحمل من يحمل منهم إلى عرفات (١) ، ونحو ذلك مما وقع فيه كثير من العباد وظنوا أنه كرامة من الله وكان

стр. 132

من إضلال الشياطين لهم، ولم تطمع الشياطين أن توقع الصحابة في مثل هذا فإنهم كانوا يعلمون أن هذا كله من الشيطان ورجال الغيب هم الجن، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن ٦) وكذلك الشرك بأهل القبور لم يطمع الشيطان أن يوقعهم فيه، فلم يكن على عهدهم في الإسلام قبر نبي يسافر إليه، ولا يقصد للدعاء عنده، أو لطلب بركته، أو شفاعته، أو غير ذلك، بل أفضل الخلق محمد خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه وقبره عندهم محجوب لا يقصده أحد منهم لشيء من ذلك، وكذلك كان التابعون لهم بإحسان ومن بعدهم من أئمة المسلمين. وإنما تكلم العلماء والسلف في الدعاء للرسول ﷺ عند قبره، منهم من نهى عن الوقوف للدعاء له دون السلام عليه، ومنهم من رخص في هذا وهذا، ومنهم من نهى عن هذا وهذا، وأما دعاؤه هو وطلب استغفاره وشفاعته بعد موته، فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين لا من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، بل الأدعية التي ذكروها خالية من ذلك، أما مالك فقد قال القاضي عياض: وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ويسلم، ولكن يسلم ويمضي. وهذا الذي نقله القاضي عياض ذكره القاضي إسماعيل بن إسحاق في المبسوط قال: قال مالك لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعوا ولكن يسلم على النبي ﷺ وعلى أبو بكر وعمر، ثم يمضي، وقال مالك: ذلك لأن هذا هو المنقول عن ابن عمرأنه كان يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، أو يا أبتاه، ثم ينصرف ولا يقف يدعو، فرأى مالك ذلك من البدع، قال وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنوا ويسلم ولا يمس القبر بيده. فقوله في هذه الرواية: ((إذا سلم ودعا)) قد يريد بالدعاء السلام، فإنه قال: يدنو

стр. 133

ويسلم ولا يمس القبر بيده، ويؤيد ذلك أنه قال في رواية ابن وهب يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وقد يراد إنه يدعو له بلفظ الصلاة، كما ذكر في الموطأ من رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر إنه كان يصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر وفي رواية يحيى بن يحيى، وقد غلطه ابن عبد البر، وقالوا: إنما لفظ الرواية على ما ذكره ابن القاسم والقعني وغيرهما يصلي على النبي ﷺ ويسلم على أبي بكر وعمر. وقال ابو الوليد الباجي: وعندي أنه يدعو النبي ﷺ بلفظ الصلاة، ولأبي بكر وعمر لما في حديث ابن عمر من الخلاف، قال القاضي عياض: وقال في المبسوط، لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له، ولأبي بكر وعمر، فإن كان أراد بالدعاء السلام والصلاة فهو موافق لتلك الرواية، وإن كان أراد دعاء (١) زائد فهي رواية أخرى، وبكل حال فإنما أراد الدعاء اليسير. وأما ابن حبيب فقال: ثم يقف بالقبر متواضعاً موقراً فيصلي عليه ويثني عليه، ويثني بما حضر ويسل على أبي بكر وعمر، فلم يذكر إلا الثناء عليه مع الصلاة. وأما الإمام أحمد فذكر الثناء عليه بلفظ الشهادة له بذلك مع الدعاء له بغير الصلاة ومع دعاء الداعي لنفسه أيضاً ولم يذكر أن يطلب منه شيئاً ولا يقرأ عند القبر قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (النساء ٠٦٤) ولم يذكر ذلك أحمد ولا المتقدمون من أصحابنا ولا جمهورهم، بل قال في منسك المروزي: ثم إئت الروضة، وهي بين القبر والمنبر فصل فيها وادع بما شئت، ثم إئت قبر النبي ﷺ فقل: السلام عليكم يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا محمد بن عبد الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله ﷺ وأشهد أنك بلغت رسالة ربك، ونصحت لأمتك وجاهدت في سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبياً عن أمته ورفع درجتك العليا وتقبل شفاعتك الكبرى،وأعطاك سؤلك في الآخرة والأولى، كما تقبل من إبراهيم، اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه، وأسقنا بكأسه مشرباً روياً لا نظمأ بعده أبداً (٢) .

стр. 134

وما من دعاء وشهادة ثناء يذكر عند القبر إلا وقد وردت السنة بذلك وما هو أحق منه في سائر البقاع، ولا يمكن أحداً أن يأتي بذكر شرع عند القبر دون غيره، وهذا تحقيق لنهيه ﷺ أيتخذ قبره أو بيته عيداً فلا يقصد تخصيصه بشيء من الدعاء للرسول ﷺ فضلاً عن الدعاء لغيره (١) ، يدعي بذلك للرسول ﷺ حيث كان الداعي، فإن ذلك يصل إليه ﷺ وهذا بخلاف ما شرع عند قبر غيره، كقوله: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين (٢) ، فإن هذا لا يشرع إلا عند القبور لا يشرع عند غيرها)) (٣) . وهذا مما يظهر به الفرق بينه وبين غيره، وإن ما شرعه وفعله أصحابه من المنع من زيارة قبره كما تزار القبور هو من فضائله وهو رحمة لأمته، ومن تمام نعمة الله عليها، فالسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئاً ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته ويطلب منه يوم القيامة شفاعة ولا استغفار ولا غير ذلك، وإنما كان نزاعهم في الوقوف للدعاء له والسلام عليه عند الحجرة، فبعضهم رأى هذا من السلام (٤) . واستحبه لذلك وبعضهم لم يستحبه إما لعدم دخوله، وأما لأن السلام المأمور به في

стр. 135

القرآن مع الصلاة وهو السلام الذي لا يوجب الرد أفضل من السلام الموجب للرد، فإن هذا مما دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه السلف، فإن السلام المأمور به في القرآن كالصلاة المأمور بها في القرآن كلاهما لا يوجب عليه الرد، بل الله يصلي على من يصلي عليه ويسلم على من سلم عليه، ولأن السلام الذي يجب الرد هو حق للمسلم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (النساء ٠٨٦) ولهذا يرد السلام على من سلم، وإن كان كافراً فكان اليهود إذا سلموا عليه يقول: (وعليكم) أو (عليكم) وأمر أمته بذلك، وإنما قال عليكم لأنه يقولون السام، والسام: الموت فيقول عليكم قال ﷺ : ((يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا)) (١) . ولما قالت عائشة وعليكم السام واللعنة، قال: مهلاً يا عائشة فإن الله رفيق بحب الرفق في الأمر كله أو لم تسمعي ما قلت لهم، يعني رددت عليهم فقلت عليكم، فهذا إذا قالوا السام عليكم، وأما إذا علم انهم قالوا السلام فلا يخصون في الرد فيقال عليكم، فيصير بمعنى السام عليكم ولا علينا، بل يقال وعليكم،وإذا قال الرسول ﷺ وأمته لهم وعليكم فإنما هو جزاء دعائهم وهو دعاء بالسلامة والسلام أمان فقال يكون المستجاب هي سلامتهم منا، أي من ظلمنا وعداوتنا، وكذلك كل من رد السلام على غيره، فإنما دعاء له بالسلامة، وهذا مجمل. ومن الممتنع أن يكون كل من رد عليه النبي ﷺ السلام من الخلق دعا له بالسلامة من عذاب الدنيا والآخرة، فقد كان المنافقون يسلمون عليه ويرد عليهم ويرد على المسلمين أصحاب الذنوب وغيرهم، لكن السلام فيه أمان، ولهذا لا يبتدأ الكافر الحربي بالسلام، بل لما كتب النبي ﷺ كتابه إلى قيصر، قال فيه: ((من محمد رسول الله إلى قيصر عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى)) كما قال موسى لفرعون، والحديث في الصحيحين من رواية ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب في قصته المشهورة لما قرأ قيصر كتاب النبي ﷺ وسأله عن أحواله (٢) . وقد نهى النبي ﷺ عن ابتداء اليهود بالسلام، فمن العلماء من حمل ذلك على العموم، ومنهم من رخص إذا كانت للمسلم إليه حاجة يبتدئه بالسلام بخلاف اللقاء، والكافر كاليهودي والنصارى يسلمون عليه وعلى أمته سلام التحية الموجب للرد؛ وأما

стр. 136

السلام المطلق فهو كالصلاة عليه، إنما يصلي عليه ويسلم عليه أمته، فاليهود والنصارى لا يصلون عليه ويسلمون عليه،وكانوا إذا رأوه يسلمون عليه، فذلك الذي يختص به المؤمنون ابتداء وجواباً أفضل من هذا الذي يفعله الكفار معه، ومع أمته ابتداء وجواباً، ولا يجوز أن يقال أن الكافر إذا سلموا عليه سلام التحية، فإن الله يسلم عليهم عشراً، بل كان النبي يجيبهم على ذلك فيوفيهم كما لو كان لهم دين فقضاه. وأما ما يختص بالمؤمنين، فإذا صلوا عليه صلى الله على من صلى عليه عشراً، وإذا سلم عليه سلم الله عليه عشراً، وهذه الصلاة والسلام هو المشروع في كل مكان بالكتاب والسنة والإجماع، بل هو مأمور به من الله لا فرق في هذا بين الغرباء وبين أهل المدينة عند القبر. وأما السلام عليه عند القبر فقد عرف أن الصحابة والتابعين المقيمين بالمدينة لم يكونوا يفعلونه إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه، ولو كان هذا كالسلام عليه لو كان حياً لكانوا يفعلونه كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه كما لو دخلوا المسجد في حياته وهو فيه فإنه مشروع لهم كلما رأوه أن يسلموا عليه، بل السنة لمن جاء إلى قوم أن يسلم عليهم إذا قدم وإذا قام، كما أمر النبي ﷺ بذلك وقال: ((ليست الأولى بأحق من الآخرة)) (١) فهو حين كان حياً كان أحدهم إذا أتى يسلم، وإذا قام يسلم ومثل هذا لا يشرع عند القبر باتفاق المسلمين، وهو معلوم بالاضطرار من عادة الصحابة، ولو كان سلام التحية خارج الحجرة مستحباً لكان مستحباً لكل أحد.

стр. 137

ولهذا كان أكثر السلف لا يفرقون بين الغرباء، وأهل المدينة ولا بين حال السفر وغيره، فإن استحباب لهذا (١) لهؤلاء وكراهته حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي ولا يمكن أحداً أن ينقل عن النبي ﷺ أنه شرع لأهل المدينة الإتيان عند الوداع للقبر وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر، وشرع للغرباء تكرير ذلك كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، ولم يشرع ذلك لأهل المدينة، فمثل هذه الشريعة ليس منقولاً عن النبي ﷺ ولا عن خلفائه ولا هو معروف عن عمل الصحابة، وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر (٢) ، وليس هذا من عمل الخلفاء وأكابر الصحابة. قلت: روى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر، عن أيوب، عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليكم يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه، وأنبأه عبيد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر قال معمر: فذكرت ذلك لعبيد الله بن عمر فقال: ما نعلم أحداً من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر (٣) ، هكذا قال عبيد الله بن عمر العمري الكبير، وهو أعلم آل عمر في زمانه وأحفظهم وأثبتهم. قال الشيخ: كما كان ابنعمر يتحرى الصلاة والنزول والمرور حيث حل ونزل وعبر ذلك في السفر (٤) ، وجمهور الصحابة لم يكونوا يصنعون ذلك، بل أبوه عمر كان ينهي عن مثل ذلك، كما روى سعيد بن منصور في سننه، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد، عن عمر قال: خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في صلاة الفجر ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (الفيل ١) و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ (قريش ٠٠١) في الثانية، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد، فقال: ما هذا؟ فقالوا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار الأنبياء

стр. 138

بيعاً، من عرض له منكم الصلاة (١) فليصل، ومن لم يعرض له فليمض (٢) . ومما اتفق عليه الصحابة ابن عمر وغيره من أنه لا يستحب لأهل المدينة الوقوف عند القبر للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا، بل يكره ذلك، يبين ضعف حجة من احتج بقوله: ((ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇) (٣) . فإن هذا لو دل على استحباب السلام عليم من المسجد لما اتفق الصحابة على ترك ذلك ولم يفرق في ذلك بين القادم من السفر وغيره، فلما اتفقوا على ترك ذلك مع تيسره على أنه غير مستحب، بل لو كان جائز لفعله بعضهم، فدل على أنه كان عندهم المنهي عنه، كما دلت عليه سائر الأحاديث. وعلى هذا فالجواب عن الحديث إما بتضعيفه (٤) على قول من يضعفه، وإما بأن ذلك يوجب فضيلة الرسول ﷺ بالرد لا فضيلة المسلم بالرد عليه، إذا كان هذا من باب المكافأة والجزاء حتى إنه يشرع للبر والفاجر التحية بخلاف ما يقصد به الدعاء المجرد وهو السلام المأمور به، وإما بأن يقال: هذا إنما هو من سلم عليه من قريب والقريب أن يكون في بيته، فإنه لم يجد بذلك لم يبق له حد محدود من جهة الشرع كما تقدم ولا ترغيب له في ذلك ولا ذكر أجر له كما جاء في الصلاة والسلام المأمور بهما، فإنه قد وعد أن من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشراً (٥) ، وكذلك من سلم عليه (٦) ، وأيضاً فهو مأمور بهما وكل مأمور به ففاعله محمود مشكور مأجور. وأما قوله: ((من رجل يمر بقبر الرجل فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد

стр. 139

عليه السلام (١) ، وما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇) (٢) فإنما فيه مدح المسلم عليه والإخبار بسماعه السلام وأنه يرد السلام فيكافئ المسلم عليه لا يبقى للمسلم عليه فضل، فإنه بالرد يحصل المكافأة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (النساء ٠٨٦) ولهذا كان الرد من باب العدل المأمور به الواجب لكل مسلم إذا كان سلامه مشروعاً، وهذا كقوله: من سألنا أعطيناه ومن لم يسألنا أحب إلينا (٣) . هو إخبار بإعطائه السائل ليس هذا أمراً بالسؤال، وإن كان السلام ليس مثل السؤال، لكن هذا اللفظ إنما يدل على مدح الراد وأما المسلم فيقف الأثر فيه على الدليل. وإذا كان المشروع لأهل المدينة أن لا يقفوا عند الحجرة ويسلموا 'ليه علم قطعاً أن الحديث لم يرغب في ذلك، ومما يبين ذلك أن مسجدة كسائر المساجد لم يختص بجنس من العبادات لا تشرع في غيره، وكذلك المسجد الأقصى، ولكن خصاً بأن العبادة

стр. 140

فيها أفضل بخلاف المسجد الحرام، فإن مخصوص بالطواف واستسلام الركن وتقبيل الحجر وغير ذلك. وأما المسجدان الأخران فما يشرع فيهما من صلاة وذكر واعتكاف وتعلم وتعليم وثناء على الرسول ﷺ وصلاة عليه وتسليم عليه وغير ذلك من العبادات فهو مشروع في المسجد، فعلم أن المشروع من ذلك العمل مشروع في سائر المساجد لا اختصاص لقبره بجنس من أجناس العبادات، ولكن العبادة في مسجدة أفضل منها في غيره لأجل المسجد لا لأجل القبر. قال الشيخ (١) : ومما يوضح هذا أنه لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم باسم زيارة قبره لا ترغيباً في ذلك ولا غير ترغيب، فعلم أن مسمى هذا الاسم لم يكن له حقيقة عندهم، ثم ذكر ما حكيناه عنه فيما تقدم ثم قال. والمقصود أن هذا كله يبين ضعف حجة المفرق بني الصادر من المدينة والوارد عليها، والوارد على مسجده من الغرباء والصادر عنه، وذلك إنه يمتنع أن يقال: أنه يرد على هؤلاء ولا يرد على أحد من أهل المدينة المقيمين بها، فإن أولئك هم أفضل أمته وخواصها، وهم الذين خاطبهم بهذا، فيمتنع أن يكون المعنى: من سلم منكم يا أهل المدينة لم أرد عليه ما دمتم مقيمين بها، فإن المقام بها هو غالب أوقاتهم، وليس في الحديث تخصيص ولا روى عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك. يبين هذا أن الحجرة لما كانت مفتوحة وكانوا يدخلون على عائشة لبعض الأمور فيسلمون عليه، إنما كان يرد عليهم إذا سلموا، فإن قيل: إنه ل يكن يرد عليهم، فهذا تعطيل للحديث، وإن قيل: كان يرد عليهم من هناك ولا يرد إذا سلموا من خارج فقد أظهر الفرق، وإن قيل: بل هو يرد على الجميع فحينئذ إن كان رده لا يقتضي استحباب هذا السلام بطل الاستدلال به، وإن كان رده يقتضي الاستحباب وهو الآن مختص بمن سلم من خارج لزم أن يستحب لأهل المدينة السلام عند الحجرة، كلما دخلوا المسجد وخرجوا. وهو خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وخلاف قول المفرقين

стр. 141

ومن أهل المدينة من قد لا يسافر منها أولا يسافر إلا للحج، والقادم قد يقيم بالمدينة الشعر والشهر، فهذا يرد عليه عشر مرات في اليوم والليلة وأكثر كلما دخل وكلما خرج وذلك المدني المقيم لا يرد عليه قط في عمره ولا مرة. وأيضاً استحباب هذا للوارد والصادر تشبيه له بالطواف الذي يشرع للحاج عند الورود إلى مكة وهو الذي يسمى طواف القدوم التحية وطواف الورود وعند الصدر، وهو الذي يسمى طواف الوداع، وهذا تشبيه لبيت المخلوق ببيت الخالق، ولهذا لا يجوز الطواف بالحجرة بالاجماع، بل ولا الصلاة إليها كما ثبت عنه ﷺ في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أنه قال ﷺ ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)) (١) . وأيضاً فالطواف بالبيت يشرع لأهل مكة ولغيرهم، كلما دخلوا المسجد، والوقوف عند القبر كلما دخل المدينة لا يشرع بالاتفاق، فلم يبق الفرق بين المدني وغير المدني له أصل في السنة، ولا نظير في الشريعة، ولا هو بما سنه الخلفاء الراشدون وعمل به عامة الصحابة، فلا يجوز أن يجعل هذا من شريعته وسننه، وإذا فعله من الصحابة الواحد والاثنان والثلاثة وأكثر دون غيرهم كان غايته أنه يثبت به التسويغ بحيث يكون هذا مانعاً من دعوى الإجماع على خلافه، بل يكون كسائر المسائل التي ساغ فيها الاجتهاد لبعض العلماء، أما أن يجعل من سنة الرسول ﷺ وشريعته وحكمه ولم تدل عليه سنته لكون بعض السلف فعل ذلك فهذا لا يجوز. ونظير هذا مسحه للقبر، قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله يعني الإمام أحمد بن حنبل، قبل النبي ﷺ يلمس ويتمسح به؟ قال: ما أعرف هذا قلت له فالمنبر؟ قال: أما المنبر فنعم، قد جاء فيه، قال أبو عبد الله: شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب، عن ابن عمر أنه مسح على المنبر (٢) ، قال: ويرونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة، قلت: ويروي عن يحيى بن سعيد، يعني الأنصاري شيخ مالك وغيره أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسن ذلك، ثم قال: لعله

стр. 142

عند الضرورة والشيء، قلت لأبي عبد الله: أنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر، وقلت

стр. 143

له: ورأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحيته فيسلمون، فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل ذلك، ثم قال أبو عبد الله، بأبي وأمي ﷺ . وقد ذكر أحمد بن حنبل أيضاً في منسك المرودي نظير ما نقل عن ابن عمر، وابن المسيب ويحيى بن سعيد، وهذا كله إنما يدل على التسويغ، وإن هذا مما فعله بعض الصحابة فلا يقال: انعقد اجماعهم على تركه بحيث يكون فعل من فعل ذلك اقتداء ببعض السلف لم يبتدع هو شيء من عنده. وأما أن يقال: أن الرسول ﷺ ندب إلى ذلك ورغب فيه وجعله عبادة وطاعة يشرع فعلها، فهذا يحتاج إلى دليل شرعي لا يكفي في ذلك فعل بعض السلف، ولا يجوز أن

стр. 144

يقال أن الله ورسوله يحب ذلك أو يكره وأنه سن ذلك وشرعه، أو نهى ذلك وكرهه، ونحو ذلك إلا بدليل يدل على ذلك لا سيما إن عرف أن جمهور أصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك، فيقال: لو كان هو ندبهم إلى ذلك وأحبه لهم لفعلوه، فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير، ونظائر هذا متعددة والله أعلم. والمؤمن قد يتحرى الدعاء والصلاة في مكان دون مكان لاجتماع قلبه فيه وحصول خشوعه فيه، لا لأنه يرى أن الشارع فضل ذلك المكان كصلاة الذي يكون في بيته ونحو ذلك، فمثل هذا إذا لم يكن منهياً عنه، فلا بأس به، ويكون ذلك مستحباً في حق ذلك الشخص لكون عبادته فيه أفضل، كما إذا صلى القوم خلف إمام يحبونه كانت صلاتهم أفضل من أن يصلوا خلف من هم له كارهون؛ وقد يكون العمل المفضول في حق بعض الناس أفضل لكونه أنفع له، وكونه أرغب فيه، وهو أحب إليه من عمل أفضل منه لكونه يعجز عنه، فهذا يختلف بحسب اختلاف الأشخاص وهو غير ما ثبت فضل جنسه بالشرع كما ثبت أن الصلاة أفضل ثم القراءة. ثم الذكر بالادلة الشرعية، مع أن العمل المفضول في مكانه هو أفضل من الفاضل في غير مكانه كفضيلة الذكر والدعاء والقراءة بعد الفجر والعصر على الصلاة المنهي عنها في هذا الوقت، وكفضيلة التسبيح في الركوع والسجود على القراءة، لأنه نهي أن يقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً وكفضيلة الدعاء في الصلاة على القراءة هناك لأنه موطن الدعاء، ونظائر هذا متعددة وبسط هذا له موضع آخر. لكن المقصود هنا أن يعلم أن ما قيل: أنه مستحب للأمة وقد نبدهم إليه الرسول ﷺ ورغبهم فيه، فلا بد له من دليل يدل على ذلك، ولا يضاف إلى الرسول ﷺ إلا ما صدر عنه، والرسول ﷺ هو الذي فرض الله على جميع الخلق الإيمان به وطاعته واتابعه وإيجاب ما أوجبه، وتحريم ما حرمه وشرع ما شرعه، وبه فرق الله بين الهدى والضلال: والرشاد والبغي والحق والباطل، والمعروف والمنكر. وهو الذي شهد الله له بأنه يدعو إليه بإذنه ويهدي إلى صراط مستقيم وأنه على صراط مستقيم، الذي جعل الرب طاعته طاعة له في مثل قوله: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ (النساء ٠٨٠) وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ (النساء ٠٦٤) وهو الذي لا سبيل لأحد إلى النجاة إلا بطاعته ولا يسأل الناس يوم القيامة إلا عن

стр. 145

الإيمان به وإتباعه وطاعته، وبه يمتحنون في القبور (١) ، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف ٠٠٦) وهو الذي أخذ الله له الميثاق على النبيين وأمرهم أن يأخذوا على أممهم الميثاق أنه إذا جاءهم أن يؤمنوا به ويصدقوه، وهو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار، فمن آمن به وأطاعه كان من أهل الجنة، ومن كذبه وعصاه كان من أهل النار قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (النساء ٠١٣-٠١٤) والوعد بسعادة الدنيا والآخرة والوعيد بشقاوة الدنيا والآخرة يتعلق بطاعته، فطاعته هي الصراط المستقيم، وهي حبل الله المتين، وهي العروة الوثقى، وأصحابها هم أولياء الله المتقون، وحزبه المفلحون وجنده الغالبون، والمخالفون لهم هم أعداء الله حزب إبليس اللعين، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ (الفرقان ٠٢٧-٠٢٩) وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (الأحزاب ٠٦٦-٠٦٨) وقال تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران ٠٣٢) وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (النساء ٠٦٥) وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور ٠٦٣) وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ
следующие страницы →